هل هي إلا سنّة الحقّ التي ... أرشد من لاذبها أو احتذى
كفّ اللّسان وانبساط الكفّ بال ... خير وطيب الذّكر همّ قد شذا
ومن تكن دنياه أقصى همّه ... لم يرو من ثدي الحجى ولا اغتذى «١»
لقد ذكر الشاعر هذه الأخلاق الفاضلة في مقصورته النبوية، وكأنه يغمز من أخلاق معاصريه، فهذه الحكم جاء بها ليجابه ما انتشر بين الناس في زمانه من عادات فاسدة وأخلاق مذمومة، لذلك عاد إلى إدراج طائفة أخرى من الأخلاق على شكل حكم، فقال:
والعلم في حال الغنى والفقر لا ... يزال يرقى بك كلّ مرتقى
ولا ألوم المال فالمال حمى ... من جاهل يلقاك شرّ ملتقى
قد جبل النّاس على حبّ الغنى ... فربّه فيهم مهاب متّقى
وما لذي فقر لديهم رتبة ... ولو أفاد وأجاد واتّقى
إنّ الغنى طبّ لعلّات الفتى ... والفقر داء لا تداويه الرّقى «٢»
فالشاعر يعرض في مدحته النبوية عددا من الفضائل الخلقية التي يجدر بالناس أن يتحلوا بها، وينتقد بلطف بعض أخلاق أهل عصره، وخاصة البخل وحب المال وكنزه ومراعاة الغنى واحترامه على علّاته، وازدراء الفقير على علمه وأدبه.
وقد مرّ كثير من الأمثلة التي أظهر فيها الشعراء اهتمامهم بالأخلاق الفاضلة، حين مدحوا رسول الله ﷺ بخلقه وشمائله وخصاله الكريمة، وحين أشادوا بصحابته الكرام، وتخلّقهم بأخلاق حبيبهم المصطفى.
стр. 457
وإلى جانب ذلك حاول شعراء المدح النبوي توجيه الناس إلى الأخلاق الحسنة بالحكم والمواعظ التي نثروها في ثنايا مدائحهم النبوية، مثل قول الشهاب محمود في مقدمة نبوية له:
ليس موت الفتى إذا صح منه ال ... قصد دون الذي يحاول عارا
ليس شيء يكفي فإن تقنع النّف ... س تجد قلّ ما ترى إكثارا «١»
لقد أراد شعراء المدح النبوي أن يعلّموا أبناء عصرهم الأخلاق الحميدة، فعرضوا أخلاق رسول الله ﷺ الحميدة وأخلاق صحابته الكرام في قصائدهم، ليعرفها الناس ويستذكروها ويتخلقوا بها، وانتقدوا بعض أخلاق عصرهم السيئة، ليتركها أصحابها، وأظهروا فوائد الخلق الجميل، ليتحول إليه الناس، ولا شك أن انشغال الناس الكبير بالمدائح النبوية، جعلهم يتأثرون بهذا الجانب منها، ويتخلّقون بالأخلاق التي أوردها شعراء المدح النبوي وحبّبوها ودعوا إليها بوعي أو دون وعي.
كذلك عرض شعراء المدح النبوي عقائدهم، حتى تنتشر بين الناس، وأوضحوا مذاهبهم ليتعلمها الناس ويأخذوا بها، وكل واحد منهم يريد لمذهبه الانتشار والانتصار.
فالصرصري الحنبلي، يؤكد في مدائحه النبوية تمسكه بسنّة رسول الله ﷺ ، ورفضه للآراء المخالفة، وخاصة تلك التي تجتهد في الذات الإلهية، فيقول:
على أنّني إن شاء ربّي آخذ ... بسنّتك الحسنى ولست مبدّلا
ولست بسبّاب ولا بمشبّه ... ولا ربّ تأويل ولست معطّلا «٢»
إنّ الشاعر يتبرأ من السبّابين الذين يسبون بعض الصحابة، ومن الذين يتأوّلون
стр. 458
كلام الله تعالى ويصرفونه إلى غير مقاصده، والمعطّلين الذين يعطّلون المشيئة الإلهية، ويعلن التزامه بالسنّة، ويطلب من الناس الالتزام بها، لأنها تعصم من الانحراف والزّيغ عن الإسلام الصحيح، والدّين القويم.
وهو يدعو الناس إلى ذلك صراحة، وإلى اتباع السنّة الشريفة، والحرص على الجماعة، لأن الخروج عن السنة والجماعة، خروج عن الدين القويم، فيقول:
وإن شئت أن تحيا سعيدا مهذّبا ... بالسّنّة الزّهراء ذات الهدى خذ
عليك بها فاشدد يديك بحبلها ... ومن يطّرحها نابذا فله انبذ «١»
في حين نجد الصفي الحلي، الذي عرف بتشيعه، دائم الإشارة إلى ذلك والدعوة إليه، إنه يفضّل آل النبي الكرام على غيرهم، وفي ذلك يقول:
لهم إخاء ورحمى غير منكرة ... والذّكر أنزل في تعريض سبقهم
هم هم في جميع الفضل ما عدموا ... فضل الإخاء ونصّ الذّكر والرّحم «٢»
فالمدح النبوي حوى عرضا للعقائد وجدلا حولها، كل شاعر يحسّن مذهبه ويدعو له، فيردّ عليه شاعر آخر أو عالم لا يرى رأيه.
стр. 459
المعرفة:
وبذلك يتضح لنا كيف عرض شعراء المدح النبوي عقائدهم، وكيف دعوا إليها، وأوضحوها للناس، فإذا لم يتأثر من يرى رأيا بالرأي المخالف له، فإنه على الأقل عرفه، وعرف أصوله، والمعرفة أحد أهداف المدح النبوي، وغاية من غاياته، كما يظهر في شرح العقائد والمذاهب، وكما يتضح من ذكر مناسك الحج أو الطريق إليه.
فقد استفاض الصرصري في إحدى مدائحه النبوية في إيضاح معالم طريق الحج من العراق، كما أوضح شروط الحج وبيّن مشاعره، وهو لا شك يريد بذلك أن يطّلع الذين يجهلون الطريق أو يجهلون شروط الحج ومشاعره، على منازل الطريق، وعلى أصول أداء هذه الفريضة.
فقال في مدحة نبوية:
ورماها المسير بحصن بشير ... ساميات الأعناق مستبشرات
وطوت بالمسير بابل طيّا ... ورمت خلف ظهرها بالفرات
وقضت باقي المارب بالكو ... فة واستقبلت عراص الفلاة
ثمّ مرّت بالقادسيّة واجتا ... زت بخفّان ترتمي سائرات
وارتمت بالغوير بعد زرود ... وأحاطت بالأجفر المترعات «١»
وبعد أن يصل إلى الحجاز، ويعرّف أهل العراق طريقهم إليه، يذكر لهم شروط الحج ومشاعره ليعرفها من يجهلها، فيقول:
стр. 460
حرّموا الطّيب والنّساء وقتل الص ... صيد إذ أحرموا من الميقات
نزعوا عنهم المخيط فهم بي ... ن يديه كهيئة الأموات
ثم ساروا بنشوة وابتهاج ... يطلبون الأعلام من عرفات
جمعوا الفضل حين حلّوا بجمع ... وأعدّوا الحصى بمزدلفات
جمعوا بين رمي وتحليق الن ... نواصي والنّحر للبدنات
وطواف القدوم والسّعي والتّك ... بير بعد الفرائض الرّاتبات «١»
إنّ نظم شروط الحج في القصائد النبوية يختلف عن شرحها في كتاب، لأنها أسهل للحفظ من ناحية، ولأن الشاعر يضيف إليها أحاسيس الحاج ومشاعره، فيثير الشوق في النفوس لتأدية هذه الفريضة من ناحية ثانية، فهذه المعلومات التي ضمّنها مادحو النبي لقصائدهم، توسع معارف الناس، وتطلعهم على جوانب من علوم قد لا يمكّنهم مستواهم الثقافي من الاطلاع عليها، وكذلك تمكّنهم من حفظها، فهي وإن أضرّت نوعا ما بشاعرية قصائد المدح النبوي، إلا أنها أفادت المطلعين عليها، وأدّت مهمة تثقيفية، رآها شعراء المدح النبوي ضرورية، ولذلك أكثروا من مثل هذه المعلومات، والتي هي في الغالب قريبة من موضوع المدح النبوي، أو الثقافة الدينية، ويندر أن تخرج إلى ميادين العلوم الآخرى، مثلما فعل البرعي في مطلع إحدى مدائحه النبوية حين أشاد بعلم النحو، وأظهر فوائده، فقال:
كلام بلا نحو طعام بلا ملح ... ونحو بلا شعر ظلام بلا صبح
إذا شرحوا فضل العلوم فإنّني ... غنيّ بفضل النّحو عن ذلك الشّرح
стр. 461
يليق الخطاب اليعربيّ بأهله ... فيهدي الوفا للنّقص والحسن للقبح «١»
إلا أن المعلومات الأهم التي أوردها شعراء المدح النبوي، وأشاعوها بين الناس، هي التي تتعلق بسيرته العطرة، فكثير منهم نظموا السيرة أو نظموا جانبا منها، فعرّفوا الناس بجوانب كثيرة من السيرة النبوية، وأظهروا مواطن العظمة فيها، واستخلصوا العبر منها، ومكّنوا الناس من حفظها واستذكارها، على الرغم من أن هذا الأمر قلّل من نصيب الشعر في مدائحهم، وقرّبها من المنظومات العلمية.
وتحدث مادحو النبي ﷺ في نظمهم للسيرة عن الصحابة الكرام، وأعمالهم وجهادهم، وإنجازاتهم الكبيرة وخدمتهم للإسلام، ونشره، ونصرتهم لنبيّه الأمين، ليعلم بها من كان جاهلا، ويحفظها من كان ناسيا ويقتدي بها أصحاب الأمر، ومن ذلك قول البوصيري:
فلله صدّيق النّبيّ الذي له ... فضائل لم يدرك بعد لها حدّ
ومن جمع القرآن فاجتمعت به ... فضائل منه مثل ما اجتمع الزّبد
ومن لم يعفّر- كرّم الله وجهه- ... جبين لغير الله منه ولا خدّ «٢»
إلا أن شعراء المدح النبوي لم يقصروا اهتمامهم على السيرة فقط، بل أكثروا من ذكر معجزاته، وأفاضوا في ذلك، ظنا منهم أنهم بذلك يصلون في مدحه ﷺ إلى الذروة وأن المدح بمعجزاته لا مزيد عليه، وهم يريدون إضافة إلى ذلك نشر هذه المعجزات وتعريف الناس بها، فنظم المعجزات شعرا يجعلها أيسر حفظا، وتصل إلى جميع الناس، ومن ذلك قول البوصيري:
стр. 462
بجمال صورته تمدّح آدم ... وبيان منطقه تشرّف يعرب
كشف الغطاء له وقد أسري به ... فعلومه لا شيء عنها يعزب
ودنا دنوّا لا يزاحم منكبا ... فيه- كما زعم المكيّف- منكب
وتكلّم الأطفال والموتى له ... بعجائب فليعجب المتعجّب «١»
وبذلك نرى أن شعراء المدح النبوي أفادوا الناس من قصائدهم علما وخلقا، فأطلعوهم على السيرة النبوية وعرّفوهم على معجزات النبي الكريم، وأتحفوهم بأخلاقه السامية. إلى جانب المعلومات المتفرقة عن العقيدة الإسلامية، ومذاهب الناس فيها، فكان لشعرهم أثر في التّخلق بالأخلاق الفاضلة، وفي معرفة المعلومات الكثيرة المتفرقة التي يحتاج إلى معرفتها كل مسلم.
стр. 463
الفصل الثاني أثر المدائح النبوية في الثقافة
القسم الأول- أثر المدائح النبوية في الشعر:
إن انتشار المدائح النبوية في العصر المملوكي قد ترك أثره في الشعر العربي في ذلك العصر، وقد تبدّى هذا الأثر بوجوه عدة، منها رسوخه غرضا شعريا مستقلا من أغراض الشعر العربي، واحتلاله مساحة واسعة من ساحة الشعر العربي، ومنها تأثيره في أغراض الشعر الآخرى، فقد ترك ظلاله على بعض موضوعات الشعر العربي في بعض قصائدها.
ولشعراء المدائح النبوية رأي في تأثير المدح النبوي في شعرهم، إبداعه وتشكيله، إلى جانب أن بعض الباحثين رأوا أن المدح النبوي قد أطل إطلالة خفيفة على فنون لم تعهد في الشعر العربي.
وقبل أن يضحي المدح النبوي فنا شعريا مستقلا واضح المعالم، رأى الأدباء أن له أثرا في أصحابه، فابن رشيق القيرواني يورد في باب (من رفعهم الشعر) من كتابه (العمدة) حديثا عن حسان بن ثابت يقول فيه: «لم تكن له ماتّة ولا سابقة في الجاهلية والإسلام، وقد بلغ من رضا الله ورضا نبيه ﵊ ما أورثه الجنة» «١» .
وأورد في باب (من قضى له الشعر ومن قضى عليه) عن حسان بن ثابت أيضا قوله: «أنشد حسان بن ثابت حين جاوب أبا سفيان بن الحارث بقوله:
стр. 464
هجوت محمّدا فأحببت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فقال له: جزاؤك عند الله الجنة يا حسان.. فلمّا قال:
فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء
قال له: وقاك الله حرّ النار، فقضى له بالجنة مرتين في ساعة واحدة، وسبب ذلك شعره» «١» .
فمدح النبي رفع شأن الشعراء وشهرهم، وضمن لمعاصري رسول الله ﷺ الجنة بدعوة رسول الله ﷺ ورضاه.
أثره في الإبداع الشعري:
ولشعراء المدح النبوي آراء حول تأثير المدح النبوي في الشعر، أوردوها في مدائحهم النبوية، وكل منهم له رأيه الذي استقاه من تجربته مع المدح النبوي.
فإلى جانب أثر المدح النبوي في نفس الشاعر، يؤثّر في إبداعه الشعري، ويعطيه صورة أفضل، أو كما قال الصرصري في بيان أثر المدح النبوي في شعره:
بمديحه العطر المنيف تعطّرت ... وتطهّرت وتنوّرت أوزاني
يعطي القريض غضاضة ونضارة ... وفصاحة تربي على سحبان «٢»
فالمدح النبوي يعطّر شعره كله، ويطهره من فساد القول وإثمه، فتصبح له نكهة أخرى وموقع مؤثر محبب في النفوس، وهو إلى جانب ذلك يدفع الشاعر إلى الإجادة في قوله، ليرتفع إلى مقام الموضوع السامي، فتكون النتيجة شعرا نضرا فصيحا، لا يجاريه في الفصاحة مجار.
стр. 465
ووصف مدحة نبوية له بقوله:
أتيتك يا خير البرايا بمدحة ... أطاعت قوافيها بغير تكلّف
عليها بهاء من ثنائك باهر ... شهيّ إلى قلب المحبّ المشغف «١»
لقد أسعفه المدح النبوي على النظم دون تكلّف وتصنّع، وبراحة تامة، فجاءت قصيدته جميلة، ترتاح إليها قلوب محبي رسول الله ﷺ ، فالمدح النبوي يضفي على الشعر بهاء، ويحلّيه برونق ورواء، وحين ينظم الشاعر المدح النبوي يأتي شعره رائقا مهذبا بعيدا عن الصعوبة والمعاظلة، ليس فيه عويص:
إذا قيل فيك الشّعر جاء مهذّبا ... جليّ المعاني ليس فيه عويص
ووصفك يعطي الفهم نورا كأنّه ... على الدّرّ في البحر الخضمّ يغوص «٢»
وقارن الصرصري بين الشعر الذي يمدح به رسول الله ﷺ والشعر الذي يمدح به غيره، فقال:
نظم القريض بمدح غيرك نقده ... زيف ونظم مديحك الإبريز
كلّ العروض بحسن مدحك كامل ... يحلّى به المقصور والمهموز «٣»
فالمدح النبوي عند الصرصري يحسّن الشعر ويجمّله، ويحثّ القريحة وينشّطها، ويجبر الشاعر على الارتقاء بشعره إلى سويّة هذا الموضوع.
أما ابن نباتة، فإنه يجعل نظم المدح النبوي مثل الصياغة، وهذا إعلاء لشأوها، وإظهار لأثرها في شعره، ولسويته الفنية التي توازي الذهب، فيقول:
стр. 466
أصوغ على الدّرّ اليتيم مدائحا ... أعدّ بها من صاغة الشّعراء «١»
وعلى الرغم من استخدامه مصطلحات الشعر في بناء معانيه، إلا أنه عبّر عن صنعة الشعر التي ترتقي في المدح النبوي، الذي جعله في قصيدة أخرى عاصما للشعر من الانحدار، فقال:
فلولا معرب الأمداح فيه ... هوى بيت القريض ولا بناء «٢»
وأوضح الكندي الدشناوي أثر المدح النبوي في شعره، حين ذهب إلى أنه عند ما ينظم المدح النبوي يأتي شعره جزلا متماسكا، فصفات النبي تحلي الشعر وتعلي قيمته، وتعين القريحة الضعيفة، وتحثها على الإبداع فيأتي الشعر جميلا قيّما، أو كما قال:
أبيت سوى مدح خير الورى ... فأصبح نظمي وثيق العرا
بروحي صفات تحلّي القري ... ض وتسكبه ذهبا أحمرا
تعين القريحة أنّى ونت ... وتبرز ألفاظها جوهرا «٣»
وقد عبّر الدروكي عن الرأي السائد بين الشعراء حول المدح النبوي والشعر، وهو أنه يجب أن تكون سويّة الشعر الذي يمدح به رسول الله ﷺ عالية، تليق بهذا المدح، وألا ينظمه إلا من يملك الموهبة والمقدرة والثقافة، فقال في مقدمة مدحة نبوية:
قيل اتّخذ مدح النّبيّ محمّد ... فينا شعارك إنّ شعرك ريّق
وعلى بناتك لليراعة بهجة ... وعلى بيانك للبراعة رونق «٤»
стр. 467
فالناس هم الذين طلبوا من الشاعر المتمكّن أن يمدح رسول الله ﷺ ، لأنهم يريدون لمدح النبي الشاعرية الفياضة والمقدرة والتمكن، ليأتي هذا المدح فنا شعريا راقيا، تصبو إليه النفوس وتستمع به. لأن قصائد المدح النبوي عندهم تؤثّر في سامعها، فتفيده وتدخل نشوة الإيمان والحب إلى نفسه، وترفع قدر الشعر وقدر صاحبها، وتنشر مكارم الأخلاق بين الناس، وهي على غاية من الجودة والجمال، لأن الشاعر يحتفل لها كل الاحتفال، ويجهد كي تأتي على أحسن ما تكون صياغة وسبكا، لتليق بموضوعها.
فشعراء المدح النبوي حرصوا عند نظم مدائحهم النبوية على أن يجيدوا النظم، وأن يحتفلوا له كل الاحتفال وأن يرقوا في أسلوبهم قدر الإمكان، نظرا لقداسة الموضوع وسموه، ولاحظوا أنهم كلما أرادوا مدح رسول الله ﷺ تيسّر لهم النظم، وتفتحت قرائحهم، فجاء شعرهم في المدح النبوي أفضل من شعرهم في سواه، وكأنهم شعروا أن للمدح النبوي أثرا في شعرهم وفي عملية الإبداع الشعري عندهم، فالمدح النبوي يجعل شعرهم منتشرا بين الناس، ويشهرهم عند المهتمين بالشعر، ولذلك يحرصون على إجادته، وبذلك يكون موضوع المدح النبوي دافعا للشعراء كي يحافظوا على جودة شعرهم، وكيلا ينحدروا في نظمه انحدارهم في نظم الموضوعات الآخرى.
أثره في قصائد الشعر الآخرى:
وللمدح النبوي أثر آخر في شعر العصر، يتجاوز المدائح النبوية نفسها، وما أشاعته من جودة واهتمام بالشكل الشعري، ويصل إلى القصائد المنظومة في مواضيع مختلفة، وخاصة الشعر الديني الذي يقترب من المدح النبوي.
فشعراء ذلك العصر اعتادوا أن يختموا قصائدهم بأحد عناصر المدح النبوي، وهو
стр. 468
الصلاة على النبي، مثلما يفعلون في كتبهم وخطبهم، فالبرعي أنهى إحدى قصائد الدعاء والابتهال، بعد أن تحدّث عن قدرة الله تعالى وصفاته، وأسس التوحيد الإسلامي، بقوله:
وصلّ وسلّم كلّ لمحة ناظر ... على أحمد ما حنّ رعد مجلجل
صلاة تحاكي الشّمس نورا ورفعة ... وتفضح أنوار الرّياض وتخجل
تخصّ حبيب الزّائرين وتنثني ... على آله إذ هم أعزّ وأفضل «١»
وحين نظم السرميني «٢» منظومة لغوية، بدأها بالحمد والصّلاة على النّبيّ، فقال:
الحمد لله وصلّى أبدا ... على النّبيّ العربيّ أحمدا
من خصّه الله بخير الألسن ... وبالهدى إلى السّبيل الحسن «٣»
ومدح الفرفوري السلطان قانصوه الغوري بقصيدة، أشاد فيها بفضائله الدينية، وختمها بالصلاة على النبي فقال:
ومولد خير الخلق أجراه عادة ... بها كلّ خير دائما يتولّد
وألف صلاة مع سلام تصاعدت ... يلقاهما خير الأنام محمّد «٤»
وجاء في نهاية قصيدة مدح لشاعر يدعى الشيخ بدر الدين الزيتوني:
стр. 469
فالله ينصره ويبقي لنا ... أيّامه أسنى بلا جور
وصلّ ربّي على المصطفى ... منقذنا من كلّ محذور
صلاة زيتون يرى نشرها ... أطيب من مسك وكافور «١»
فانتشار المدح النبوي جعل الشعراء يضمّنون قصائدهم بعض مفرداته، وخاصة اختتام قصائدهم بالصلاة على النبي، أو الابتداء بها.
وقبل العصر المملوكي كان بعض الشعراء يمدحون الخلفاء العباسيين والخلفاء الفاطميين بمثل ما يمدح الشعراء رسول الله ﷺ ، فابن النبيه «٢» له عدة مدائح في خلفاء بني العباس، لولا ذكر قرائن فيها، تدل على أنها منظومة في مدح خليفة، لظن أنها منظومة في مدح رسول الله ﷺ ، ومنها قوله في مدح الخليفة الناصر:
بغداد مكّتنا وأحمد أحمد ... حجّوا إلى تلك المنازل واسجدوا
فهناك من جسد النّبوّة بضعة ... بالوحي جبريل لها يتردّد
هذا هو السّرّ الذي بهر الورى ... في ظهر آدم والملائك سجّد
هذا الذي يسقي العطاش بكفّه ... والحوض ممتنع الحمى لا يورد «٣»
ولا ندري إن كان ابن النبيه قد نظم هذا المدح وعينه على مدائح نبوية سابقة أو معاصرة له، أم أنه نظمه ابتداء، وجاء شعراء المدح النبوي فجاروه في معاني شعره
стр. 470
ونقلوها إلى مدح رسول الله ﷺ ، فمعانيه في مدح الخلفاء هي نفسها معاني المدح النبوي.
وتابعه عدد من شعراء ذلك الوقت في معاني مدحه للخلفاء، وكأن هذا الأمر كان منتشرا، لا حرج فيه.
فمعاني المدح النبوي كانت شائعة في القصائد الآخرى، يستخدمها الشعراء للمبالغة والافتتان في تقليب المعاني، ورأينا كيف أكثر الشعراء من التمثّل بأحوال رسول الله ﷺ وضرب المثل به، والاحتجاج لأفكارهم وما يذهبون إليه.
ووصل الأمر إلى الغزل، فاستخدمت معاني المدائح النبوية في تلوين معاني هذا الفن، فالوأواء الدمشقي، «١» حلّف حبيبته قائلا:
إنّي سألتك بالنّبيّ محمّد ... ووصيّه الهادي الأمين المهتدي
هلّا هجرت بفيك قولك سيّدي ... مولى يقول لعبده يا سيّدي «٢»
وللوأواء أبيات غزلية أخرى، يظهر أنها مقدمة لمدحة نبوية لم تصلنا، يجعل فيها مدح رسول الله ﷺ خلاصا له من متاعب الحب، ومدخلا إلى المغفرة والثواب، فيقول:
يا من نفت عني لذيذ رقادي ... مالي ومالك قد أطلت سهادي
وأقول ما شئت اصنعي يا منيتي ... مالي سواك ولو حرمت مرادي
إلا مدح المصطفى هو عمدتي ... وبه سألقى الله يوم معادي «٣»
стр. 471
ونجد في الغزل أيضا أبياتا لشاعر يدعى ابن أبي أحمد العسكري يعكس فيها ما عهدناه في المدائح النبوية، حين يستخدم مصطلحات المدح النبوي في الغزل، في حين أن شعراء المدح النبوي استخدموا الغزل وعباراته في المدح النبوي، فهو يقول:
لولا تحدّيه باية سحره ... ما كنت متّبعا شريعة أمره
رشأ أصدّقه وكاذب وعده ... يبدي لعاشقه أدلّة كفره
ظهرت نبوّة حسنه في فترة ... من جفنه، وضلاله من شعره «١»
ومن الطّريف أن تستخدم معاني المدح النبوي في الهجاء، فحين وقف أحد الشعراء على شعر ابن الشجري «٢» ، قال:
يا سيّدي والذي أراحك من ... نظم قريض يصدى به الفكر
مالك من جدّك النّبيّ سوى ... أنّك ما ينبغي لك الشّعر «٣»
فاستخدام معاني المدح النبوي في مواضيع الشعر الآخرى، يظهر مدى انتشار هذا الفن، ومدى تأثيره في الشعر.
وكان شعر المدح النبوي غزيرا جدا، لا يحيطه حصر، وبلغ شعراء المدح النبوي عددا كبيرا لا يعلمه إلا الله، وكثير منهم نظموا دواوين مستقلة، قصروها على المدح النبوي، وقد وصف المقري المدائح النبوية بقوله: «فالأمداح النبوية بحر لا ساحل له، وفيها النظم والنثر» «٤» .
стр. 472
وقد أدرك الأدباء والمؤلفون هذه الحقيقة، فعجبوا لهذه الكثرة الكاثرة من مدائح رسول الله ﷺ ، وتساءلوا عن المدى الذي يستطيع الشعراء الوصول إليه في هذا الباب، وما الذي يمكن أن يقولوه بعد أن بذلوا طاقاتهم كلها في نظمه؟
إن تهيّب بعض الشعراء من المشاركة في المدح النبوي لم يمنع أكثرهم من المشاركة الواسعة فيه، وإفراغ جهدهم في نظمه، ومع ذلك أدرك أهل العصر أن الإطناب في مدح رسول الله ﷺ ، والإكثار من نظم المدائح النبوية، لن يفي رسول الله ﷺ حقه، إلا أن ذلك لم يمنعهم من المضي في ذلك، لأن كل شاعر حرص على أن تكون له مشاركة صغرت أم كبرت- في هذا الفن، لأنه يؤمن للشاعر الشهرة ومعرفة الناس له من ناحية، ولأنه يطمع بغفران الله وثوابه من ناحية ثانية.
فالدواوين المستقلة كثيرة، والدواوين التي يغلب عليها المدح النبوي كثيرة أيضا.
ديوان البوصيري في معظمه مدح نبوي، وديوان الصرصري في مجمله مدائح لرسول الله ﷺ ، والشهاب محمود نظم ديوانا خاصا في المدح النبوي، هو (أهنى المنائح في أسنى المدائح) ، والوتري له ديوان مستقل في المدح النبوي هو «معدن الإفاضات في مدح أشرف الكائنات» ، والبرعي ديوانه مقصور على المدح النبوي والابتهالات، والنواجي له ديوان خاص بالمدح النبوي هو «شمس المطالع» وكذلك للفزاري ديوان «الوسائل المتقبلة» ، ولابن الجيّاب ديوان في المدح النبوي. ودواوين شعراء العصر، يحتل المدح النبوي جانبا هاما منها، وهناك دواوين كثيرة ذكرت في كتب الفهارس القديمة، وفي فهارس المكتبات العالمية.
وندر أن تفرّد فن شعري من فنون الشعر العربي بديوان خاص به، أو قصر شاعر شعره كله على فن واحد. وهذا دليل على أن المدح النبوي أضحى في الشعر العربي فنا خاصا قائما بذاته، له أهمية كبيرة عند شعراء العربية، وله انتشاره وسيرورته. لقد أصبح المدح النبوي جزآ لا يستهان به من الشعر العربي في العصر المملوكي، وقبيله وبعده.
стр. 473
وإضافة إلى ذلك، وإلى الدواوين الكثيرة التي اقتصرت على المدح النبوي، فإن المدح النبوي استأثر بأكبر قصائد الشعر العربي، وأطولها، إذ أضحى طول القصائد من الظواهر البارزة في المدح النبوي، يتسابق فيه الشعراء، وكل منهم يريد أن يتجاوز سابقه، ليدلل على مقدرته، ولتكون قصيدته جامعة لمعاني المدح النبوي، وفريدة في بابها.
فهمزية البوصيري تزيد على أربع مئة بيت، ونونية الصرصري وصلت إلى ثماني مئة وخمسين بيتا، وغير ذلك كثير.
ونجد أيضا مجموعات شعرية ضمّت قصائد مدحية لعدد من شعراء المدح النبوي، مثل مجموعة ابن سيد الناس، وهي (مدح الحبيب) ، أودعها ما استطاع أن يجمعه من مدح الصحابة الكرام لرسول الله ﷺ . ومثل إفراد المقري لأجزاء كبيرة من كتابه (نفح الطيب) لإيراد قصائد مختلفة من المدح النبوي، وقال عن ذلك: «هذه عدة قصائد في مدحه ﷺ فلا بأس أن نعززها بمقطوعات..» «١» .
وهناك كثير من المجموعات الشعرية المخطوطة تحت عناوين مختلفة، ضمّت كثيرا من المدائح النبوية.
وفي وقت متأخر عمل النبهاني مجموعته التي نسبها إلى نفسه في تسميتها، اختار فيها مدائح نبوية نظمت منذ عهد رسول الله إلى أيامه.
فغزارة المدح النبوي تجلّت في كثرة الشعراء الذين شاركوا في هذا الفن، وفي الدواوين الكثيرة المخصصة للمدح النبوي، والمجموعات الشعرية المتخصصة، وفي القصائد الطويلة التي لم يعهدها الشعر العربي من قبل.
وهذا كله يدل على أن فن المدح النبوي قد رسخ وأصبح غرضا رئيسيا من أغراض
стр. 474
الشعر العربي، ومن هنا يتجلى أثره في الشعر العربي، إذ أضحى أحد موضوعاته الهامة.
وزاد في غزارة المدح النبوي وانتشاره، وانشغال الناس به، مشاركة من لا يأنس في نفسه مقدرة أصيلة على نظم الشعر، عن طريق المعارضة أو التشطير والتخميس، وغير ذلك من ألوان الإضافات على قصائد المدح النبوي.
وأكثر القصائد معارضة من شعر المدح النبوي، قصيدة كعب بن زهير التي بدأها بقوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول «١»
وقصيدة البوصيري التي مطلعها:
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «٢»
فهاتان القصيدتان عارضهما شعراء كثيرون، وما زالوا يعارضونهما إلى أيامنا هذه.
فأكثر الشعراء الذين نظموا المدح النبوي، عارضوا قصيدة كعب هذه، وكل منهم أظهر في معارضته مقدرته الشعرية، فبعضهم تابع كعبا في معانيه وعباراته، وبعضهم اقتصرت المعارضة على الوزن والقافية.
ومن القصائد التي اشتهرت ولاقت إقبالا من الشعراء على معارضتها، يائية ابن الفارض في التصوف، والتي صرف معارضوها معانيها إلى المدح النبوي، وهي التي بدأها بقوله:
سائق الأظعان يطوي البيد طي ... منعما عرّج على كثبان طي «٣»
стр. 475
فالمعارضة لم تقتصر على المدائح النبوية، بل كان الشعراء يعمدون إلى قصائد تعجبهم معانيها ووزنها وأسلوبها، فيعارضونها، ويصرفون معانيها إلى المدح النبوي، إضافة إلى أن شعراء المدح النبوي، كان يتابع بعضهم بعضا، حين ينظم شاعر سابق قصيدة متميزة تنال إعجابهم، فينظمون على غرارها، مستعينين بشهرتها وإقبال الناس عليها، فعند ما نظم الصرصري مدحة نبوية خفيفة الوزن، جزلة الألفاظ، بدأها بوصف جميل للطبيعة، فقال:
جرت نسيم السّحر ... على متون الغدر
فجعّدتها وثنت ... أعطاف بسط الزّهر «١»
عارضها الشعراء، وحين نظم الشهاب محمود قصيدته التي يقول فيها:
وصلنا السّرى وهجرنا الدّيار ... وجئناك نطوي إليك القفارا «٢»
عارضه غير واحد.
وأمثلة المعارضة أكثر من أن تحصى، فالشعراء المتأخرون كانوا لا يعجبون بقصيدة لشاعر متقدم حتى يشبعوها معارضة، وغير ذلك من زيادات التخميس والتشطير.
والزيادات التي أحدثها شعراء المدح النبوي على المدائح النبوية، جعلت المدح النبوي من الغزارة بمكان، فالذي لا يجد في نفسه مقدرة على النظم الجيد للشعر، وحدته رغبة جامحة للمشاركة في مدح رسول الله ﷺ ، عمد إلى قصائد المدح النبوي المشهورة، فعارضها، أو شطّرها أو خمّسها، أو أجرى عليها زيادة من أنواع الزيادة
стр. 476
المعروفة، لتكون له يد في هذا الفن الجليل، فاتكأ على شعر غيره، وجعله أساسا بنى عليه شعره الخاص، فزاد عليه إيقاعا ومعنى، وجعله ملائما للإنشاد أو الغناء.
وقد مرّت معنا أمثلة وافية على التخميس والتسديس والتسبيع والتشطير وما يشابه ذلك، وكلها تدل على مشاركة الناس الواسعة في نظم المدح النبوي، فكل واحد يشارك حسب مقدرته وموهبته وثقافته، ووصل الأمر إلى النظم الملحون الذي انتشر في ذلك العصر.
فكل من وجد في نفسه مقدرة، مهما هان شأنها، على الخوض في بحر المدح النبوي، لم يتوان عن ذلك، وحرص على ألّا تفوته المشاركة في فن عصره الشعري.
ونتيجة لذلك كان شعر المدح النبوي غزيرا، وكان ناظموه كثيرين، فرسخ فنا شعريا مستقلا، له أصوله، وله خصائصه، وله شعراؤه، وله استمراره إلى أيامنا هذه.
ولا شك أن هذه الرغبة الكبيرة عند الناس في المشاركة في المدح النبوي، قد دفعتهم إلى الدرس وتحصيل الثقافة اللازمة للحديث عن رسول الله ﷺ ، والاستعداد لنظم الشعر بعد معرفة ما يقيمه، فكان المدح النبوي أحد دوافع التعلم والتثقف، وأحد العوامل التي حثّت القرائح وأعملت العقول، ومنعت الشعراء من الاستغراق كلية في الصنعة الجامدة، والألاعيب اللفظية.
فهم لا يجرؤون على التعامل مع المدح النبوي تعاملهم مع شعر الألغاز وسواها من الموضوعات التي أزجوا فيها وقت فراغهم، فقداسة الموضوع حتّمت عليهم الارتقاء بشعرهم، والحرص على جزالته، لأنه لا شيء يستحق عناء الدرس وبذل الجهد العقلي أكثر من الشعر الديني، وبذلك حافظ شعر المدح النبوي على شيء من الأصالة والجزالة، لم تتوفر للموضوعات الآخرى.
وهكذا يظهر لنا أثر المدح النبوي في الشعر العربي آنذاك، إذ بعث فيه الحركة
стр. 477
والنشاط وحافظ على صورته الأصلية، وإن كان قد تأثر بأشكال التعبير الشعري التي عرفت في ذلك العصر.
الملاحم:
إن من يقرأ المدائح النبوية يشعر بشيء من النّفس الملحمي فيها، وخاصة في القصائد الطويلة التي سردت سيرة رسول الله ﷺ وذكرت معجزاته، ووقفت عند كل صغيرة وكبيرة في حياته ﷺ ، وصورت جهاده وغزواته ومواقفه، فإننا نحس بشيء لم نألفه تمام الإلفة في الشعر العربي، لا هو مغاير تماما للشعر القديم، ولا هو متطابق معه، وربما كان تطويرا لما كان سابقا، فالشعر الذي يسرد أحداثا قصصية، يكاد يقترب بشيء من المعالجة والجمع والتوفيق، من الشكل الملحمي.
وقد ألمح النقاد إلى وجود تشابه بين السير الشعبية الكبيرة التي عرفت في الأدب العربي، وبين الملاحم المعروفة في آداب الأمم الآخرى، إلا أن الملاحم نظمت شعرا، في حين أن السير الشعبية في الأدب العربي اختلط فيها الشعر والنثر، ولكننا لو جمعنا الشعر الذي ورد في السيرة الشعبية، وربطنا بعضه مع بعضه ربطا شعريا، وملأنا ثغراته، لأكمل عندنا ملحمة شعرية طويلة، تقترب كثيرا من الملاحم القديمة في الآداب الآخرى.
والسير الشعبية في الأدب العربي لا يعرف لها مؤلف، أو هي من قبيل التأليف الجمعي، يزيدها الشعب كلّما امتد بها الزمن إلى أن استقرت على الشكل الذي نعرفها به اليوم، هذه السير تعبّر عن رغبة الإنسان العربي في تجسيد البطولة القومية المطلقة، لذا تلمّس أبطاله في أعماق التاريخ، وخلع عليهم من الأوصاف ما يرتاح إليه، وألبسهم من الفضائل ما يعتز به ويتطلع إليه، فكان عنترة بن شداد، وكان الزير سالم، وأبو زيد الهلالي، وغيرهم من أبطال العرب الأسطوريين.
стр. 478
وقد تحققت في رسول الله ﷺ البطولة المطلقة والفضيلة الكاملة، ورغبة العرب في المجد والقوة، فهو مثلهم الأعلى في كل مناحي الحياة وقيمها، وهو الذي صنع لهم المجد والسؤدد والسيادة، فلماذا لم تحل شخصيته الفريدة محل الأبطال الأسطوريين في الأدب العربي، مثلما حلّت في نفوس العرب.
لقد ارتاح دارسو الأدب العربي إلى الرأي القائل بخلوه من الملاحم، وأن العرب لم يعرفوا في تاريخهم الطويل بعض الفنون الشعرية التي عرفتها الأمم الآخرى، مثل الشعر الملحمي والشعر المسرحي، وأن شعرهم اقتصر على الشعر الوجداني أو الغنائي، أو الفردي في تسمية أخرى، وأن هذه الفنون لا تتلاءم مع عقلية العرب.
ولكن ألم يظهر عند العرب ما يقرب من هذه الفنون الأدبية أو يشبهها؟
فالشعر الملحمي عند الأمم الآخرى، هو «شعر قصصي بطولي متشعّب، طويل السرد، فيه العظمة والخوارق والأهداف الكبيرة، والآمال الواسعة، والنزعة الإنسانية، والاتجاه القومي، والمجال الرحيب. وهو أقدم الفنون، هدفه الجماعات والأفراد، وتمجيد الأمة، لا نقد المجتمع» «١» .
و «البطل الملحمي هو المثل الأعلى المحتذى، والقائد إلى الظفر الذي تعقد عليه الآمال» «٢» .
نلاحظ من التعاريف المختلفة لفن الشعر الملحمي أنه شعر، وأنه يروي حادثة أو مجموعة حوادث، وأنه يدور حول الحرب والبطولة وتشكّل الأمة، وصراعها مع غيرها، وإثبات وجودها، وأنه يجسد المثل الأعلى للأمة. ألا يوجد في شعرنا العربي ما يشابه ذلك.
стр. 479
إن في شعر المدح النبوي عناصر كثيرة تلتقي مع عناصر الملحمة، وإن كان في الملحمة (يمتزج الواقع بالأسطورة، وتختلط الملائكة بالجن، والآلهة بالبشر، والعقائد بالخرافات، والواقع بالخوارق) «١» .
وعند ما نظمت الشعوب الآخرى ملاحمها، لم تكن تفرق بين الجن والآلهة، ولم تكن تفصلهم عن البشر، ولم تكن تعتقد أن هذا واقع وهذا خارق للواقع، وأن هذه عقيدة صحيحة، وهذه خرافة، بل كل ما أتت به في الملاحم كانت تعتقد به اعتقادا جازما، ولذلك إذا انطلقنا من وجهة نظر الأمم حين نظمت ملاحمها، فإننا نلتقي معها- من حيث المبدأ- في بعض صور المدح النبوي.
والمتمعن في شعر المدح النبوي يجد بعض شعرائه قد ذهبوا في حديثهم عن الغيبيات كل مذهب، حتى ليحار المسلم أمام ما يوردونه من روايات غيبية، ومن عقائد غريبة، استمدوها من الأديان الآخرى والفلسفات الأجنبية.
وفي الملاحم المعروفة يكون «استخدام غير المعقول في الملحمة في الأحداث العرضية، أما الموضوع الأساسي، فلا يسمح فيه» «٢» .
وقيل عن الطور الذي تنشأ فيه الملاحم: «كثير من الأمم في هذا الطور كان يعتقد أن الملك يستمد سلطانه من الله، لا من الأمة.. ويصبح هذا الحاكم المتصل بالآلهة والأبطال الماضين رمزا تنسج حوله أقاصيص التقديس والتبجيل.. ومن هنا ينشأ شعر القصص أو شعر الملاحم» «٣» .
يكاد الباحثون يجمعون على أن الأدب العربي خال من هذا الفن، فذهبوا إلى أن «ممّا يؤسف له أننا لا نستطيع هنا أن نتحدث عن الملحمة في الشعر العربي، لأن المحقق-
стр. 480
حتى الآن- أن هذا النوع الأدبي لم يوجد، ولم توجد فكرته عند شاعر عربي معروف» «١» .
فهذا الرأي لا يقطع بخلو الأدب العربي من الملاحم فقط، بل ومن فكرته أيضا، في حين نجد باحثين آخرين يرون في الأدب العربي ما يشبه فن الملاحم، أو ما يعد بذرة له، فمنهم من يرى أن العرب «عرفوا الشعر الملحمي، ولكنهم لم يعرفوا الملحمة كبناء» «٢» .
أي أن في الشعر العربي ما يحمل مواصفات الشعر الملحمي، لكنه لم ينظم في ملحمة متكاملة كتلك التي توجد في الآداب الآخرى، لأنهم «اعتنقوا الوصف في هذا الشعر وأهملوا القصة- نواة الملحمة- فاثروا الإيجاز على الإطالة، واكتفوا بالجزئيات دون الماهيات» «٣» .
غير أننا نجد في العصر المملوكي ذكرا للملحمة، فقد أحضر أحدهم بين يدي السلطان، «فأمر بقطع يده ولسانه، وسبب ذلك أنه كتب ملحمة، وعتّق ورقها، وأهداها إلى شيخ، وذكر فيها أنه سيلي السلطنة» «٤» .
فكأن الملحمة في مفهومهم هي تنبؤ بالمستقبل، ولا ندري من سياق الخبر فيما إذا كانت هذه الملحمة شعرا أو نثرا.
وأشار بعض الباحثين إلى وجود تشابه بين قصائد ومنظومات في الشعر العربي وبين نوع من الملاحم في الآداب الآخرى، ورجّحوا وجود حس ملحمي في قصائد
стр. 481
أخرى مثل قصة عاد الأوسط في إخبار عبيد بن شرية الجرهمي «١» ، الذي أورد شعرا ليعرب وشعرا لعاد وشعرا لثمود وطسم، وهذه الأخبار تضم شعرا وقصصا في منتهى الغرابة، تتحدث عن العرب في الأزمان الغابرة. ومن أمثلة الشعر الذي تورده، شعر لواحد من عاد، يتحدث فيه عن قحط ألمّ بقومه، ويقول فيه:
ألا نزلت بنا حجج ثلاث ... على عاد فما تحتال عاد
فدمعهم يبلّ التّرب منها ... وما يدرون ما بهم يراد
وقد علمت بنو عاد بن عوص ... بأنّ مشورتي لهم رشاد
بأن يتخيّروا وفدا يسيروا ... إلى البيت العتيق لهم سداد
فيستسقوا المليك البرّ غيثا ... به تحيا البريّة والعباد «٢»
وأورد عبيد قصة عاد الأسطورية التي يتناوب في سردها النثر والشعر، وهذا الشعر يحاك على لسان أبطال الحوادث حينا، وعلى لسان الرواية حينا آخر، ولو جمع الشعر إلى بعضه بعضا، لأدّى نوعا من الملحمة.
وهذه الأخبار قريبة من السيرة الشعبية التي عرفت في أدبنا العربي، وخاصة سيرة سيف بن ذي يزن، إلّا أن شعرها فصيح، وروايتها فصيحة، فهي حديث عبيد لمعاوية.
ولكن لا يوجد في هذه الأشعار وهذه الروايات بطل واحد سوى راويها، ومن ذكرتهم من أبطالها كعاد وتبع ولقمان، يقتربون من أبطال الملاحم.
стр. 482
ومثل ذلك أرجوزة علي بن الجهم «١» (المحبرة) ، التي نظم فيها قصة خلق العالم وقصص الأنبياء، وسير الصحابة والخلفاء إلى عهده، بدأها بقوله:
الحمد لله المعيد المبدي ... حمدا كثيرا وهو أهل الحمد
ثمّ الصّلاة أولا وآخرا ... على النّبيّ باطنا وظاهرا
يا سائلي عن ابتداء الخلق ... مسألة القاصد قصد الحقّ
أخبرني قوم من الثّقات ... أولو علوم وأولو هيئات
أنّ الذي يفعل ما يشاء ... ومن له العزّة والبقاء
أنشأ خلق آدم إنشاء ... وقدّ منه زوجه حوّاء
وبعد أن نظم قصة خلق العالم وخلق آدم ونزوله من الجنة، وسرد قصص الأنبياء وصل إلى الحديث عن رسول الله ﷺ ، فقال:
ثمّ أزال الظّلمة الضّياء ... وعاودت جدّتّها الأشياء
ودانت الشّعوب والأحياء ... وجاء ما ليس به خفاء
أتاهم المنتجب الأوّاه ... محمّد صلّى عليه الله
أكرم خلق الله طرّا نفسا ... ومولدا ومحتدا وجنسا
أقام في مكّة سنينا ... حتّى إذا استكمل أربعينا
أرسله الله إلى العباد ... أشرف به من منذر وهاد «٢»
стр. 483
فهذه الأرجوزة وإن حوت بعض المقاطع القصصية، لا تعدو سردا للأخبار وتأريخا لحياة شخصيات، وجاءها الحس الملحمي من اختياره لهذه الشخصيات، وهي شخصيات الأنبياء، فظهر فيها شيء من مسألة الاتصال بين الأرض والسماء، والصراع بين الخير والشر.
ومن ذلك قصيدة للسان الدين بن الخطيب، اسمها (رقم الحلل في نظم الدول) ، قال عنها: رجز «يشتمل على الدول الإسلامية كلها، من غير حشو ولا كلفة، إلى زماننا هذا، ورفعته إلى السلطان» «١» فهي تأريخ للدول الإسلامية، ويظهر أنها على مثال أرجوزة علي بن الجهم.
فالأدب العربي حوى قصائد طويلة تؤرخ للدولة العربية الإسلامية، أو تذكر أسماء الخلفاء، أو تتحدث عن دولة بعينها، وربما ابتدأ صاحبها منذ بداية الخلق كما فعل علي بن الجهم مجاراة لكثير من المؤرخين الذين حاولوا أن يشملوا في كتبهم الزمن الممتد منذ بداية الخليقة وحتى عصرهم. وهذه القصائد، وإن بدت فيها ملامح باهتة من الملاحم، إلا أنها ظلت أقرب إلى التأريخ، وإلى الشعر التعليمي.
وحين لاحظ الباحثون وجود ما يشبه الملاحم في شعر المدح النبوي، اختلفوا حوله، فأقر قسم منهم بتشابه بعض قصائد المدح النبوي مع الملاحم على وجه من الوجوه، ونفى قسم منهم هذا التشابه، معتمدا على مضمون الملاحم التي تمتزج بالتهاويل والأساطير وذكر العبادات القديمة، ولا تلائم الفحوى الإسلامي، الذي شيدت عليه القصائد الكبيرة في المدح النبوي.
وقد ذهب (عبد الله كنون) إلى أن قصائد المدح النبوي «أحق بأن تصنف في شعر الملاحم من المعلقات والقصص المذكورة، لأنها أطول نفسا، وأكثر حوادث، وأغنى
стр. 484
بصور البطولة والكفاح من أجل إثبات الوجود العربي، وإعلان رسالة الإسلام المقدسة، التي أحلّت العرب محل الصدارة بين الأمم» «١» .
وضرب لذلك مثلا بردة البوصيري، فقال: «هل تقاس معلقة عمرو بن كلثوم مثلا بقصيدة البردة، وما اشتملت عليه من فنون القول، كالنسيب الذي يرقق الطباع، والحكمة المزكيّة للنفس، والإعلان عن مولد صاحب الدعوة الإسلامية، وما صاحبه من الآيات والعجائب، ما صح منها، وما يروى عن طريق الرؤى والتجليات، لأن المقام للخيال الشعري أكثر مما هو للتحقيق العلمي» «٢» .
وإن كنّا نوافق الأستاذ كنون في جلّ ما تحدث به، إلا أننا لا نقره بأنه يمكن أن يكون الحديث عن المعجزات من باب الخيال الشعري أكثر مما هو للتحقيق العلمي، فهذا الأمر يصح في غير الدين، وإن كان شعراء المدح النبوي قد فعلوا ذلك، فهم الملومون، ولا يا بنى على تجاوزهم أية حقيقة أدبية.
إن تحلي بعض قصائد المدح النبوي بعناصر الملحمة شيء موجود يحسه كل من يطالع هذه القصائد، ففيها يمتزج العالم الواقعي بالعالم الروحي، وفيها تصوير لمعارك وحروب بطولية خارقة، وفيها قيم إنسانية نبيلة، وفيها سرد لأحداث الدعوة الإسلامية ولحياة الرسول الكريم، وفي بعضها يمتد الصراع إلى الأمم الآخرى، وفيها تصوير لمراحل نشوء الأمة العربية الإسلامية وانتصارها على أعدائها، وإيضاح لرسالتها السامية الخالدة التي حملتها إلى البشرية، وفيها فوق هذا وذاك تجسيد للإنسان الكامل، رسول الله ﷺ البطل الإنساني المطلق، والمثل الأعلى للإنسانية في جوانب حياتها كافة.
وماذا يبقى لتصبح هذه القصائد ملاحم؟ الأسطورة؟
стр. 485
إن الأسطورة كانت عند أصحابها حقيقة، وليس لنا أن نقيس الأمور بمقاييس عصرنا، بل بمقاييس العصر الذي كتبت فيه الملاحم.
فإن كانت قصائد المدح النبوي تخلو من أساطير الملاحم الآخرى، فالخيال الشعري في التعبير يعوّض ذلك، وليس المهم أن يحلّق الشاعر بخياله عن طريق الأسطورة، ولكن المهم أن يحلق بخياله بأية طريقة، ولا يوجد أفضل من أن تنطلق به المدائح النبوية إلى عالم الروح، عالم الغيب والشهادة، ليتصور ذلك العالم الحق الذي وصفه الدين الإسلامي، وغدا الإيمان به أحد أركانه التي لا يتم إيمان المسلم إلا به، فالحديث عن السموات في الإسراء والمعراج، والحديث عن اليوم الآخر، والحديث عن الملائكة، أحاديث شيّقة، تهفو إليها نفوس المؤمنين، وتحلّق إلى عوالمها أرواحهم.
وليس مهما أن يكون لدينا ملاحم تتطابق مع فن الملاحم عند الأمم الآخرى، ولكن المهم أن العبقرية العربية لم تكن قاصرة عن إبداع مثل هذا الفن، وألا يعد غياب القصة والمسرحية والملحمة على شكلها المعروف عند الشعوب الآخرى، عن الأدب العربي تخلفا وقصورا في التفكير، وجفانا في القريحة، وضيقا في الأفق، فبذور هذه الفنون كانت موجودة في أدبنا العربي، ولو كانت الظروف ملائمة لتطورت وضارعت ما هو موجود في الآداب الآخرى، أو لو كانت الحاجة ماسة إلى التعبير عن طريق هذه الفنون لوجدناها سوية ناضجة في أدبنا.
وهذا لا يعني أنه من الضروري أن يكون في أدبنا العربي ملاحم ومسرحيات، فلكل أدب خصائصه وميزاته، وهذا لا يعيبه، أو كما قال كنون: «لا أرى لازما أن يقلد الأدب العربي الأدب الأجنبي في كل خصائصه ومميزاته، وأسمائه واصطلاحاته، فأفضل أن نطلق على هذا اللون من الشعر اسم شعر السير، ونجعله في مقابل شعر الملاحم» «١» .
стр. 486
وقد قاربت بعض قصائد المدح النبوي نظم السيرة شعرا، إضافة إلى المنظومات التعليمية، التي حاول أصحابها أن يذكروا كل شيء من السيرة، وهم يريدون أن يسهّلوا حفظها على الناس، ومن ذلك نظم السيرة للعراقي، ومنها قوله:
وهو الذي آمن بعد ثانيا ... وكان برّا صادقا مواتيا «١»
وقول أحدهم في الألفية، وهذا يعني أنها منظومة للسيرة في ألف بيت:
فالستّة الباقون فالبدريّة ... فأحد فالبيعة المرضيّة «٢»
إن قصائد المدح النبوي تعبّر عن روح التغيير في الشعر العربي، التي كانت موجودة عند الشعراء، لكن التعبير عن هذه الروح استسلم للحدود المرسومة للشعر العربي، وهي الشكل الخارجي للقصيدة العربية من الوزن والقافية، ومن هنا لم تكن ملامح الملحمة على وضوحها عند غير العرب.
فإرادة التجديد في المضمون وطريقة الأداء لم تتجسد في شكل جديد، وإنما قسرت على التجسّد بالشكل التقليدي، ولو لم يلتفت شعراء المدح النبوي إلى الشكلية، والإغراق في فنونها، لكان لقصائدهم شأن آخر، ولو قيّد لهذا الفن بعد البوصيري والصرصري شعراء عظام، لكان لأثره في الأدب العربي موقع آخر.
ولو أردنا إيراد شيء من أمثلة قصائد المدح النبوي الطويلة التي ضارعت الملاحم، لوجدنا قصائد كثيرة، تجاوزت في طولها مئات الأبيات، بعضها لم يخرج عن السرد والتعداد، وكان أقرب إلى المنظومات التعليمية وبعضها حمل الحس الملحمي، مثل قصائد البوصيري، البردة المشهورة، وإن لم تصل إلى طول غيرها، والهمزية التي تجاوزت الأربع مئة بيت، وهي أقرب قصائد المدح النبوي إلى فن الملاحم، فهو يستهلها
стр. 487
بموازنة رسول الله ﷺ بالأنبياء، ويفضله عليهم في خضم الجدل الديني الذي بدأه الغزاة الصليبيون حين فضلوا دينهم ونبيهم على الإسلام ونبيه، وانتقصوهما، فيقول:
كيف ترقى رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
لم يساووك في علاك وقد حا ... ل سنا منك دونهم وسناء «١»
ويأخذ في مدحه ﷺ بإثني عشر بيتا، إلى أن يبدأ عرض سيرته المباركة من ليلة المولد، فيقول:
ليلة المولد الذي كان للدّين ... سرور بيومه وازدهاء
وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وحقّ الهناء
وبعد أن يذكر ما ظهر عند مولده من معجزات، ويتحدث عن أهميته في خمسة عشر بيتا، يقصّ علينا ما جرى في رضاعه ونشأته، فيقول:
وبدت في رضاعه معجزات ... ليس فيها عن العيون خفاء
إذ أبته ليتمه مرضعات ... قلن ما في اليتيم عنّا عناء
وينتخب البوصيري عدة حوادث معبرة من نشأة رسول الله ﷺ ، وما ظهرت له فيها من معجزات، مثل شق صدره الشريف، وحلول البركة على بيت حليمة السعدية، وغير ذلك من دلائل النبوة التي بدت على رسول الله ﷺ وهو فتى، لينتهي من ذلك كله إلى الحديث عن البعثة، فيقول:
بعث الله عند مبعثه الشّه ... ب حراسا وضاق عنها الفضاء
تطرد الجنّ عن مقاعد للسّم ... ع كما تطرد الذّئاب الرّعاء
стр. 488
فيقص علينا خبر بعثته، وما جرى له في غار حراء، وزواجه من خديجة ﵂ ليصل إلى عرضه لما حصل له عند ما بدأ بإعلان دعوته، فيقول:
ثم قام النّبيّ يدعو إلى الل ... له وفي الكفر نجدة وإباء
أمما أشربت قلوبهم الكف ... ر فداء الضّلال فيهم عياء
وعند ما ينهي حديثه عن الدعوة في مكة المكرمة، وما جرى لرسول الله ﷺ من مقاومة الكفار وأذاهم، وما ظهر أثناء ذلك من معجزات، يتحدث عن الهجرة، فيقول:
ونحا المصطفى المدينة واشتا ... قت إليه من مكّة الأنحاء
وتغنّت بمدحه الجنّ حتّى ... أطرب الإنس منه ذاك الغناء
واقتفى أثره سراقة فاسته ... وته في الأرض صافن جرداء
ولا يلبث البوصيري أن يتحدث عن معجزة الإسراء والمعراج، فيقول:
فطوى الأرض سائرا والسّموا ... ت العلا فوقها له إسراء
فصف الليلة التي كان للمخ ... تار فيها على البراق استواء
فإذا ما انتهى من حديث الإسراء والمعراج، أخذ يسرد ما جرى لرسول الله ﷺ حين باشر دعوته في المدينة، فقال:
ويدلّ الورى على الله بالتّو ... حيد وهو المحجّة البيضاء
واستجابت له بنصر وفتح ... بعد ذاك الخضراء والغبراء
وأطاعت لأمره العرب العر ... باء والجاهليّة الجّلاء
وتوالت للمصطفى الآية الكب ... رى عليهم والغارة الشّعواء
стр. 489
وأخذ البوصيري ينتخب الأحداث البارزة في سيرة رسول الله ﷺ ، ويقارن بينها وبين حوادث جرت قبل الهجرة، يتخلل ذلك عرض لبعض المعجزات، وتعقيبات له عليها، ثم بدأ في الإشادة بصفات رسول الله ﷺ وشمائله الكريمة، فقال:
فتنزّه في ذاته ومعاني ... هـ استماعا إن عزّ منها اجتلاء
واملأ السّمع من محاسن يملي ... ها عليك الإنشاد والإنشاء
كلّ وصف له ابتدأت به استو ... عب أخبار الفضل منه ابتداء
وخصص جزآ من قصيدته لذكر معجزات رسول الله ﷺ وإبراز عظمته وفضائله، قال فيه:
ورمى بالحصى فأقصد جيشا ... ما العصا عنده وما الإلقاء
ودعا للأنام إذ دهمتهم ... سنة من محولها شهباء
فاستهلّت بالغيث سبعة أيا ... م عليهم سحابة وطفاء
جعلت مسجدا له الأرض فاهتز ... ز به للصّلاة فيها حراء
وأطال الحديث عن معجزة القرآن، فقال:
أولم يكفهم من الله ذكر ... فيه للنّاس رحمة وشفاء
أعجز الإنس آية منه والجن ... ن، فهلا يأتي بها البلغاء
كلّ يوم تهدي إلى سامعيه ... معجزات من لفظه القرّاء
ولم ينس البوصيري أن يجادل أهل الكتاب في مذاهبهم، ويرد انتقاصهم للإسلام ونبيه، فقال:
стр. 490
لو جحدنا جحودكم لاستوينا ... أو للحق بالضّلال استواء
ما لكم إخوة الكتاب أناسا ... ليس يرعى للحقّ منكم إخاء
يحسد الأوّل الأخير وما زا ... ل كذا المحدثون والقدماء
وبعد أن يفرغ من مجادلة أهل الكتاب ينهاهم عن التعرض لرسول الله ﷺ بالسوء، ويذكّرهم بما حلّ بالمشركين الذين أساؤوا إلى النبي الكريم، فخذلهم الله تعالى ونصر رسوله عليهم، ويجعل من ذلك مناسبة لذكر بعض معارك رسول الله ﷺ الظافرة مع المشركين، وما أبداه فيها من بطولة وشهامة ومروءة، لينتقل بعد هذا إلى إظهار رغبته في زيارة رسول الله ﷺ ، فيصف رحلته إلى الحجاز، ويذكر منازل الطريق إليه، ومشاعر الحجيج، فيقول:
وعدتني ازدياره العام وجنا ... ء ومنّت بوعدها الوجناء
أنكرت مصر فهي تنفر مالا ... ح بناء لعينها أو خلاء
فكأنّي بها أرحّل من مك ... كة شمسا سماؤها البيداء
حيث فرض الطّواف والسعي والحل ... ق ورمي الجمار والإهداء
فقضينا بها مناسك لا يح ... مد إلا في فعلهن القضاء
ورمينا بها الفجاج إلى طي ... بة والسّير بالمطايا رماء
وأطال في وصف الركب وشوقهم لزيارة رسول الله ﷺ ، ومدح النبي بفضائله وشمائله، حتى وصل إلى ذكر آل بيته وصحابته، فقال:
آل بيت النّبيّ طبتم فطاب ال ... مدح لي فيكم فإنّني الخنساء
سدتم النّاس بالتّقى وسواكم ... سوّدته البيضاء والصّفراء
стр. 491
وبأصحابك الذين هم بع ... دك فينا الهداة والأوصياء
أحسنوا بعدك الخلافة في الد ... دين وكلّ لما تولّى إزاء
ثم طلب شفاعة رسول الله ﷺ قائلا:
الأمان الأمان إنّ فوادي ... من ذنوب أتيتهنّ هواء
وأنهى قصيدته بالحديث عنها، وبالصلاة على النبي، فقال:
حاك من صنعة القريض برودا ... لك لم تحك وشيها صنعاء
فسلام عليك تترى من الل ... له وتبقى به لك الباواء
وصلاة كالمسك تحمله منّي ... شمال إليك أو نكباء «١»
فهذه القصيدة التي زادت على أربع مئة وخمسين بيتا، جمع فيها البوصيري بشاعرية فياضة بين سيرة رسول الله ﷺ ومعجزاته، وبين مجادلة أهل الكتاب وذكر مشاعر الحج وطريقه، وبين مدح رسول الله ﷺ ووصف مشاعر المؤمنين الذي يسعون لزيارته، وبين مدح آل بيته وصحابته والوعظ والحكمة.
يتحدث عن المعارك والبطولة، وعن الخوارق والمعجزات، ويذكر الناس والملائكة، وينتقل ما بين عالم المادة وعالم الروح في كلّ متكامل، وصراع حاسم بين الخير والشر.
إنها ملحمة الهداية وملحمة الإنسانية، وملحمة صراع العرب مع أعدائهم، ومن أجل تشكّل أمتهم. فالحس الملحمي واضح فيها ظاهر، لأنها تؤرّخ للدعوة الإسلامية، وتؤرّخ لحياة رسول الله ﷺ ، وتربط الماضي بالحاضر، وتجسّد البطولة المطلقة والمثل الأعلى، والقيم المثلى للأمة، فماذا يبقى من المميزات الأساسية للملحمة؟
стр. 492
وإلى جانب هذه القصيدة، يوجد في المدح النبوي قصائد كثيرة مشابهة، تحمل حسّا ملحميا، أو ملامح ملحمية، فإن لم تكن هذه القصائد ملاحم تشابه الملاحم الموجودة في آداب الأمم الآخرى، فلتكن ملاحم عربية، ولتكن الملاحم العربية تختلف عن غيرها، فليس من الضرورة أن تتطابق مع سواها، ولتكن لها شخصيتها المستقلة مثلما للأمة شخصيتها المستقلة، ولتكن هذه القصائد الفن الشعري الذي يقابل الملاحم عند الأمم الآخرى، ولتكن له أية تسمية أخرى، فإن التسمية لا تقرر ماهية هذا الفن، ولا تعطيه مشروعية الوجود، فالتسمية لاحقة وليست سابقة، إذ لا نستطيع أن نتجاهل مثل هذه القصائد التي قد تبلغ حجما لم يعهد من قبل، وقد تحمل من الخصائص ما لم يتوفر في قصائد سابقة، مثل قصيدة الصرصري التي بلغت ثماني مئة وخمسين بيتا، والتي قال في مقدمتها:
أصبحت أنظم مدح أكرم مرسل ... لهجا به في رائق الأوزان
حبّرت فيه قصيدة أودعتها ... من مسند الأخبار حسن معان
في وصفه من بدء تشريفاته ... حتّى الختام بحسن نظم معان «١»
فهو يصرح في مقدمته أنه نظم هذه القصيدة في مدح رسول الله ﷺ ، وأنه أودعها الأخبار المسندة منذ بدء تشريفاته، أي منذ وجوده وحتى الختام أي حتى وفاته، ولذلك بدأ قصيدته، أو سيرة رسول الله ﷺ الشعرية بالحديث عن بداية الخلق، لأن النبي ﷺ موجود منذ بدء الخلق حسب نظرية الحقيقة المحمدية، فقال:
لما بنى الله السّماوات العلا ... سبعا تعالى الله أكرم باني
وأتمّ خلق العرش خلقا باهرا ... فغدا من الإجلال ذا رجفان
كتب الإله عليه اسم محمّد ... فوق القوائم منه والأركان
стр. 493
إن الصرصري لم يبدأ سيرة رسول الله ﷺ مثل غيره منذ الولادة أو إرهاصاتها، بل بدأ منذ بداية الخلق، فذهب بنا إلى العالم الغيبي، ليثبت قدم اتصال الأرض بالسماء، والذي تأكد في نزول الوحي، والإسراء والمعراج، هذا الاتصال الذي يعطي السيرة الحس الملحمي، وخاصة حين يظهر الشاعر المعجز في كل مراحل حياة رسول الله ﷺ .
ومضى الصرصري في سرد رواياته الغيبية، فأوضح كيف أن النور المحمد الذي بدئ به الخلق، ثم استمر بالانتقال من صلب طاهر إلى صلب طاهر، ومن رحم طاهرة إلى رحم طاهرة، وخاصة أصلاب الأنبياء، وكيف وردت البشارات به في الكتب السماوية، إلى أن وصل إلى الولادة، وما رافقها من معجزات، ثم عرض نشأته بطريقة السرد القصصي، فقال:
ولأربع من عمره لمّا غدا ... مع صبية أترابه الرّعيان
شرح الملائك صدره واستخرجوا ... من كلّ ما غلّ بشرح ثان
ومضت لستّ أمّه وتكفّل الجد ... د الشّفيق له بحسن حضان
وتكفّل العمّ الشفيق بأمره ... لمّا غدا متكمّلا لثمان
ومضى به نحو الشام مسافرا ... وهو ابن عشر بعدها ثنتان
وأعدّ في خمس وعشرين السّرى ... نحو الشّام بمتجر لرزان
وكذا خديجة أبصرت فتزوّجت ... رغبا به عن خبرة وعيان
وبعد أن ذكر بعض الحوادث التي جرت لرسول الله ﷺ ، تحدث عن البعثة وإرهاصاتها، فقال:
وهو ابن خمس مع ثلاثين احتوى ... حزم الكهول وفورة الشّبّان
كان التّعبّد دأبه لله من ... قبل النّبوّة وليس عنه بوان
стр. 494
وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النّبوّة منه في رمضان
ثم سرد مراحل الدعوة، وما تحمّله رسول الله ﷺ في سبيلها، إلى أن أذن له بالهجرة إلى المدينة المنورة، وأثناء ذلك كان الإسراء والمعراج، فقال:
أسرى من البيت الحرام به إلى ... أقصى المساجد ليس بالوسنان
فعلا البراق وكان أشرف مركب ... يطوي القفار بسرعة الطّيران
حتى أتى البيت المقدّس وارتقى ... نحو السّماء فجاز كلّ عنان
ما من سماء جاءها مستفتحا ... إلّا لقوه بتحفة وتهان
وما أن أنهى حديثه عن الهجرة وغزوات رسول الله ﷺ حتى مضى يصف رسول الله ﷺ وصفا خارجيا، فقال:
متبلّج بادي الوضاءة باهر ... في الحسن دان لنوره القمران
في عينه دعج وفي أهدابه ... وطف يليق بنرجس الأجفان
أقنى يلوح النّور من عرنينه ... حلو المباسم أشنب الأسنان
بل وصف ملابسه بتفصيل شديد، وبعد أن أنهى وصفه المطول لرسول الله ﷺ تحدث عن شجاعته في الحرب فقال:
كانوا إذا حمي الوطيس وأشرعت ... نحو الصّدور عوامل المرّان
لجؤوا إليه واتّقوا بصياله ... فحمى وذبّ بمرهف وسنان
يغشى عجاجة كلّ حرب بسلة ... حمراء كاشرة النّيوب عوان
فيكفّ شرّتها ويجلو نقعها ... بمهنّد ماضي الغرار يمان
стр. 495
وحين استنفذ الصرصري مالديه عن سيرة رسول الله ﷺ من كل صغيرة وكبيرة يعرفها، صوّر وفاته في قوله:
واشتدّ ما يلقاه من إعيائه ... حتى لقد حملوه في الأحضان
وأتاه عزرائيل يطلب إذنه ... ولغيره ما كان ذا استئذان
فاختار قرب الله جلّ ثناؤه ... فمضى حميدا سالما من دان
ثم استعرض مشاهد يوم القيامة، واختتم القصيدة بالحديث عن المدح النبوي وطلب الشفاعة.
إن هذه القصيدة الطويلة، التي جمع فيها الصرصري كل ما يعرفه عن سيرة رسول الله ﷺ ، والتي حفلت بمظاهر الاتصال بين عالم الواقع وعالم الغيب والشهادة، وبمظاهر الصراع بين الحق والباطل، وجسّدت البطولة الإنسانية المطلقة، لا تغيب عمّن قرأها ملامح الملحمة، وإن لم تتطابق معها، فالمطابقة ليست ضرورية هنا، والمهم أن في قصائد المدح النبوي أبرز الأشكال الشعرية التي تقرب من فن الملاحم، أو فيها الشكل العربي للملحمة.
وإذا خلا الأدب العربي من الملاحم بشكلها المعروف عند الأمم الآخرى، فإن ذلك لا يعيبه ولا ينقص من قدره، ففي الأدب العربي ما لا يوجد في آداب الأمم الآخرى.