وبأصحابك الذين هم بع ... دك فينا الهداة والأوصياء
أحسنوا بعدك الخلافة في الد ... دين وكلّ لما تولّى إزاء
ثم طلب شفاعة رسول الله ﷺ قائلا:
الأمان الأمان إنّ فوادي ... من ذنوب أتيتهنّ هواء
وأنهى قصيدته بالحديث عنها، وبالصلاة على النبي، فقال:
حاك من صنعة القريض برودا ... لك لم تحك وشيها صنعاء
فسلام عليك تترى من الل ... له وتبقى به لك الباواء
وصلاة كالمسك تحمله منّي ... شمال إليك أو نكباء «١»
فهذه القصيدة التي زادت على أربع مئة وخمسين بيتا، جمع فيها البوصيري بشاعرية فياضة بين سيرة رسول الله ﷺ ومعجزاته، وبين مجادلة أهل الكتاب وذكر مشاعر الحج وطريقه، وبين مدح رسول الله ﷺ ووصف مشاعر المؤمنين الذي يسعون لزيارته، وبين مدح آل بيته وصحابته والوعظ والحكمة.
يتحدث عن المعارك والبطولة، وعن الخوارق والمعجزات، ويذكر الناس والملائكة، وينتقل ما بين عالم المادة وعالم الروح في كلّ متكامل، وصراع حاسم بين الخير والشر.
إنها ملحمة الهداية وملحمة الإنسانية، وملحمة صراع العرب مع أعدائهم، ومن أجل تشكّل أمتهم. فالحس الملحمي واضح فيها ظاهر، لأنها تؤرّخ للدعوة الإسلامية، وتؤرّخ لحياة رسول الله ﷺ ، وتربط الماضي بالحاضر، وتجسّد البطولة المطلقة والمثل الأعلى، والقيم المثلى للأمة، فماذا يبقى من المميزات الأساسية للملحمة؟
стр. 492
وإلى جانب هذه القصيدة، يوجد في المدح النبوي قصائد كثيرة مشابهة، تحمل حسّا ملحميا، أو ملامح ملحمية، فإن لم تكن هذه القصائد ملاحم تشابه الملاحم الموجودة في آداب الأمم الآخرى، فلتكن ملاحم عربية، ولتكن الملاحم العربية تختلف عن غيرها، فليس من الضرورة أن تتطابق مع سواها، ولتكن لها شخصيتها المستقلة مثلما للأمة شخصيتها المستقلة، ولتكن هذه القصائد الفن الشعري الذي يقابل الملاحم عند الأمم الآخرى، ولتكن له أية تسمية أخرى، فإن التسمية لا تقرر ماهية هذا الفن، ولا تعطيه مشروعية الوجود، فالتسمية لاحقة وليست سابقة، إذ لا نستطيع أن نتجاهل مثل هذه القصائد التي قد تبلغ حجما لم يعهد من قبل، وقد تحمل من الخصائص ما لم يتوفر في قصائد سابقة، مثل قصيدة الصرصري التي بلغت ثماني مئة وخمسين بيتا، والتي قال في مقدمتها:
أصبحت أنظم مدح أكرم مرسل ... لهجا به في رائق الأوزان
حبّرت فيه قصيدة أودعتها ... من مسند الأخبار حسن معان
في وصفه من بدء تشريفاته ... حتّى الختام بحسن نظم معان «١»
فهو يصرح في مقدمته أنه نظم هذه القصيدة في مدح رسول الله ﷺ ، وأنه أودعها الأخبار المسندة منذ بدء تشريفاته، أي منذ وجوده وحتى الختام أي حتى وفاته، ولذلك بدأ قصيدته، أو سيرة رسول الله ﷺ الشعرية بالحديث عن بداية الخلق، لأن النبي ﷺ موجود منذ بدء الخلق حسب نظرية الحقيقة المحمدية، فقال:
لما بنى الله السّماوات العلا ... سبعا تعالى الله أكرم باني
وأتمّ خلق العرش خلقا باهرا ... فغدا من الإجلال ذا رجفان
كتب الإله عليه اسم محمّد ... فوق القوائم منه والأركان
стр. 493
إن الصرصري لم يبدأ سيرة رسول الله ﷺ مثل غيره منذ الولادة أو إرهاصاتها، بل بدأ منذ بداية الخلق، فذهب بنا إلى العالم الغيبي، ليثبت قدم اتصال الأرض بالسماء، والذي تأكد في نزول الوحي، والإسراء والمعراج، هذا الاتصال الذي يعطي السيرة الحس الملحمي، وخاصة حين يظهر الشاعر المعجز في كل مراحل حياة رسول الله ﷺ .
ومضى الصرصري في سرد رواياته الغيبية، فأوضح كيف أن النور المحمد الذي بدئ به الخلق، ثم استمر بالانتقال من صلب طاهر إلى صلب طاهر، ومن رحم طاهرة إلى رحم طاهرة، وخاصة أصلاب الأنبياء، وكيف وردت البشارات به في الكتب السماوية، إلى أن وصل إلى الولادة، وما رافقها من معجزات، ثم عرض نشأته بطريقة السرد القصصي، فقال:
ولأربع من عمره لمّا غدا ... مع صبية أترابه الرّعيان
شرح الملائك صدره واستخرجوا ... من كلّ ما غلّ بشرح ثان
ومضت لستّ أمّه وتكفّل الجد ... د الشّفيق له بحسن حضان
وتكفّل العمّ الشفيق بأمره ... لمّا غدا متكمّلا لثمان
ومضى به نحو الشام مسافرا ... وهو ابن عشر بعدها ثنتان
وأعدّ في خمس وعشرين السّرى ... نحو الشّام بمتجر لرزان
وكذا خديجة أبصرت فتزوّجت ... رغبا به عن خبرة وعيان
وبعد أن ذكر بعض الحوادث التي جرت لرسول الله ﷺ ، تحدث عن البعثة وإرهاصاتها، فقال:
وهو ابن خمس مع ثلاثين احتوى ... حزم الكهول وفورة الشّبّان
كان التّعبّد دأبه لله من ... قبل النّبوّة وليس عنه بوان
стр. 494
وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النّبوّة منه في رمضان
ثم سرد مراحل الدعوة، وما تحمّله رسول الله ﷺ في سبيلها، إلى أن أذن له بالهجرة إلى المدينة المنورة، وأثناء ذلك كان الإسراء والمعراج، فقال:
أسرى من البيت الحرام به إلى ... أقصى المساجد ليس بالوسنان
فعلا البراق وكان أشرف مركب ... يطوي القفار بسرعة الطّيران
حتى أتى البيت المقدّس وارتقى ... نحو السّماء فجاز كلّ عنان
ما من سماء جاءها مستفتحا ... إلّا لقوه بتحفة وتهان
وما أن أنهى حديثه عن الهجرة وغزوات رسول الله ﷺ حتى مضى يصف رسول الله ﷺ وصفا خارجيا، فقال:
متبلّج بادي الوضاءة باهر ... في الحسن دان لنوره القمران
في عينه دعج وفي أهدابه ... وطف يليق بنرجس الأجفان
أقنى يلوح النّور من عرنينه ... حلو المباسم أشنب الأسنان
بل وصف ملابسه بتفصيل شديد، وبعد أن أنهى وصفه المطول لرسول الله ﷺ تحدث عن شجاعته في الحرب فقال:
كانوا إذا حمي الوطيس وأشرعت ... نحو الصّدور عوامل المرّان
لجؤوا إليه واتّقوا بصياله ... فحمى وذبّ بمرهف وسنان
يغشى عجاجة كلّ حرب بسلة ... حمراء كاشرة النّيوب عوان
فيكفّ شرّتها ويجلو نقعها ... بمهنّد ماضي الغرار يمان
стр. 495
وحين استنفذ الصرصري مالديه عن سيرة رسول الله ﷺ من كل صغيرة وكبيرة يعرفها، صوّر وفاته في قوله:
واشتدّ ما يلقاه من إعيائه ... حتى لقد حملوه في الأحضان
وأتاه عزرائيل يطلب إذنه ... ولغيره ما كان ذا استئذان
فاختار قرب الله جلّ ثناؤه ... فمضى حميدا سالما من دان
ثم استعرض مشاهد يوم القيامة، واختتم القصيدة بالحديث عن المدح النبوي وطلب الشفاعة.
إن هذه القصيدة الطويلة، التي جمع فيها الصرصري كل ما يعرفه عن سيرة رسول الله ﷺ ، والتي حفلت بمظاهر الاتصال بين عالم الواقع وعالم الغيب والشهادة، وبمظاهر الصراع بين الحق والباطل، وجسّدت البطولة الإنسانية المطلقة، لا تغيب عمّن قرأها ملامح الملحمة، وإن لم تتطابق معها، فالمطابقة ليست ضرورية هنا، والمهم أن في قصائد المدح النبوي أبرز الأشكال الشعرية التي تقرب من فن الملاحم، أو فيها الشكل العربي للملحمة.
وإذا خلا الأدب العربي من الملاحم بشكلها المعروف عند الأمم الآخرى، فإن ذلك لا يعيبه ولا ينقص من قدره، ففي الأدب العربي ما لا يوجد في آداب الأمم الآخرى.
стр. 496
القسم الثاني- البديع:
غلبت الصنعة البديعية على معظم شعر العصر المملوكي ونثره الفني، حتى أصبحت خاصة يعرف بها أدب ذلك العصر، فقد فتن أهل ذلك العصر بزخرف كلامهم مثلما فتنوا بزخرف أبنيتهم وألبستهم وأدواتهم، وعدّ التجويد أو الاستزادة في البديع مما يتفاضل به الأدباء، ومما يدل على مهارتهم وتفوقهم.
ولم يكن شعر المدح النبوي بمنأى عن هذه الصنعة البديعية الطاغية، فظهر البديع في قصائد المدح النبوي بدرجات متفاوتة، فمن الشعراء من حاول مجاراة الأقدمين في مدحه، فلم يترك البديع على شعره إلّا ظلالا باهتة، ومنهم من اعتدل في اصطناع البديع، ومنهم من أسرف في اصطناعه إلى أن انقلبت قصائده إلى معرض لفنون البديع، لا يهمه بعد إثباتها في شعره إن جارت على أسلوبه ومعانيه جميعها، وأتت على حساب دقة المعنى وتدفق الشعور وصدق العاطفة ورونق الصياغة والشاعرية.
وقد أطلقت تسمية البديع على قسم من علم البلاغة الذي يشمل مباحث المعاني والبيان والبديع، ويراد به تحسين الكلام وتنميقه، ومعرفة أسرار جماله ومعانيه، أو كما قال الحلي: «إن أحق العلوم بالتقديم، وأجدرها بالاقتباس والتعليم، بعد معرفة الله العظيم، ومعرفة كلامه الكريم، وفهم ما أنزل في الذكر الحكيم، لتؤمن غائلة الشك والتوهيم.. ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة علم البلاغة وتوابعها من محاسن البديع اللتين بهما يعرف وجه إعجاز القرآن..» «١» .
وفنون البديع معروفة منذ القدم في الكلام العربي، أخذ الأدباء يهتمون بها مع تقدم الزمن، ويقصدون إليها قصدا، بعد أن كانت تقع في كلام العرب عفو الخاطر، إلى أن جاء ابن المعتز، ووضع كتابه (البديع) ، فدلّ على بعض أنواعها وحدّدها، وفتح بابا
стр. 497
للتأليف، اتسع شيئا فشيئا إلى أن وصل إلى أقصى اتساع له على يد ابن أبي الإصبع، الذي أوصل أنواع البديع إلى التسعين في كتابه (تحرير التحبير) «أصح كتاب ألّف في هذا العلم» «١» .
وعلى الجانب الآخر كان الشعرآء يزدادون ولعا بفنون البديع واصطناعها في شعرهم، إلى أن أدخلوا معها الضّيم على الشعر.
وقد مرّت معنا أمثلة كثيرة على ولع الشعراء بفنون البديع، الذين حرصوا على إيرادها في شعرهم، والإكثار منها، ولا يهمهم بعدها كيف يأتي شعرهم، ومن ذلك قصيدة طويلة لابن سيد الناس في مدح رسول الله ﷺ ، هي أقرب للنظم منها إلى الشعر، وزاد في جفافها اصطناع البديع دون توفيق، تكلّف إيراد فنونه تكلّفا، فقال:
لو لم أر الموت عذبا في الغرام بكم ... ما شاقني لحسام البرق تقبيل
ولا بدا الصّبح إلا قال قد سفرت ... سعاد يا كعبها لم أنت متبول
وفي انشقاق أخيه البدر حين بدا ... فرقين واختلفت فيه التّعاليل «٢»
والقصيدة كلها تجري على هذا النحو، والشاعر يظن أنه يأتي بالعجائب، لذلك أطالها إلى أن قاربت مئة وتسعين بيتا، فأين لفظ عنترة وأين موقعه الذي أثمر صورته الجميلة، من تقبيل حسام البرق؟
وأين غزل كعب المتقن وبلاغته من سؤال ابن سيد الناس له؟ وأين معجزة رسول الله ﷺ من هذا التعبير الذي اختلفت فيه التعاليل؟
ومن البديع المتكلف التوراة بأسماء سور القرآن الكريم التي لم تزد التعبير عمقا أو
стр. 498
جمالا، ومنه كذلك القيود التي كبّل بها الشعراء أنفسهم، مثل التزامهم بعدد من الأبيات، أو ابتداء أبيات قصائدهم بحرف القافية، فيزيدون قصائدهم ثقلا على ثقل، مثل قول الفازازي:
سلام كعرف الرّوض أخضله النّدى ... على خير مخلوق من الجنّ والإنس
سليل خليل الله خاتم رسله ... وفي الختم منع للزيادة في الطّرس
سبوق بلا أين قريب بلا مدى ... عليم بلا خطّ حفيظ بلا درس
سلوني كيف الحال دون لقائه ... فحزني في طرد وصبري في عكس «١»
ولننظر كيف قرّب لنا معنى اختتام النبوة، حين أورد لنا صورة الكتاب الذي يمهر بالختم، فلا يستطيع أحد الزيادة عليه بعد ذلك، وكيف ألجأته الصنعة إلى وصف رسول الله ﷺ بأنه سبوق لا يتعب، وعليم دون أن يعرف الخط، وحفيظ دون أن يدرس ويستظهر، أما وصف شوقه لرسول الله ﷺ فهو جاف لا يناسب الحديث عن المشاعر الحارة، فما هو الحزن المطرد، والصبر المنعكس؟
ووصلت الصنعة بشعراء المدح النبوي إلى نظم الألغاز ببعض الأسماء التي ترد فيها، فالشاعر النواجي كتب إلى الشاعر المنصوري، وكلاهما نظما المدح النبوي، ملغزا باسم مدينة النبي (طيبة) ، فقال:
«ما اسم على أربعة وهو مفرد، علم وكم فيه من إشارة تعهد.. حوى أفضل الخلق والخلق، وأفصح القول والنطق، فأفصح عن غيبه، ولذ بطيبه» «٢» .
وكان من نتائج الإغراق في الصنعة البديعية عند شعراء المدح النبوي ظهور لون
стр. 499
خاص من المدائح النبوية، هو البديعيات التي جمعت بين المدح النبوي وفنون البديع، وعدت فنا جديدا من فنون الشعر العربي.
والبديعيات قصائد في مدح رسول الله ﷺ ، يحوي كل بيت من أبياتها نوعا من أنواع البديع التي عرفها أهل ذلك العصر، ويكون البيت شاهدا على هذا النوع البديعي.
إن احتفال أهل العصر المملوكي بالبديع كان كبيرا، يتدارسونه ويزيدون عليه، ويؤلفون ويصنفون، ويختصرون ويشرحون، وعلى عادة أهل ذلك العصر بتقييد العلوم بالشعر، ونظم العلوم في منظومات شعرية يسهل على شداة العلم وطلبته حفظه ودرسه، فقد نظم بعض علماء العصر وشعرائه بعض القصائد التي تجمع فنون البديع، لكنهم لم ينظموا قواعد العلم كما كان سائدا، بل نظموا قصائد ذات مضامين متنوعة، وجعلوا أبياتها أمثلة على فنون البديع، مثل علي بن عثمان السليماني الإربلي «١» ، الذي نظم قصيدة في الغزل، وجعل كل بيت من أبياتها شاهدا على نوع من أنواع البديع، وبدأها بقوله:
بعض هذا الدّلال والإدلال ... حالي الهجر والتّجنّب حالي جناس
حرت إذ حزت ربع قلبي وإذ لا ... لي صبر أكثرت من إذلالي
جناس خطي
رقّ يا قاسي الفؤاد والأجفا ... ن قصار أسرى ليال طوال
طباق
شارحات بدمعها مجمع البح ... رين في حبّ مجمع الأمثال
استعاره
نفت النّوم في هواك قصا ... صا حيث أدّى منها خداع الخيال
مقابلة «٢» والقصيدة تظهر ولع الشاعر بفنون البديع واستخدام مصطلحات العلوم، وحرصه على إقامة شواهده في قصيدته وإن كان ذلك على حساب المعنى والصياغة.
стр. 500
وهذه الطريقة في نظم البديع تختلف عن الطريقة التي سار عليها (يحيى بن عبد المعطي الزواوي «١» في نظمه لبديعية سمّاها (البديع في علم البديع) ، قال فيها:
وبعد فإنّي ذاكر لمن ارتضى ... بنظمي العروض المجتلى والقوافيا
أتيت بأبيات البديع شواهدا ... أضمّ إليها في نظيمي الأساميا «٢»
فهو يشير إلى أنه في منظومته البديعية يأتي بالشاهد على النوع البديعي، واسم هذا النوع، وهاتان الطريقتان في نظم البديع، طريقة الإربلي، وطريقة الزواوي، كان لهما أثر واضح في البديعيات التي ظهرت فيما بعد.
ولما انتشر المدح النبوي الانتشار العظيم الذي تحدثنا عنه، ولاقى إقبالا شديدا من الناس، مثل إقبالهم على فنون البديع، رأى أصحاب البديع أن يجمعوا بين البديع والمدائح النبوية، وأن يحملوا المدائح النبوية بديعهم، لينتشر بانتشارها، وتعرف فنونه بمطالعتها وإنشادها، فجمعوا في فن واحد أكثر الظواهر الأدبية انتشارا في عصرهم.
ومثلما كان شعراء المدح النبوي يدرجون في قصائدهم العقائد والدعوات الأخلاقية والاجتماعية، وغير ذلك ممّا يريدون نشره بين الناس، عمد بعض الشعراء إلى إدراج البديع في قصائدهم، لينشر وتعرف فنونه.
ويظهر أنهم أرادوا أن يظهروا مقدرتهم البديعية للناس، ليحصلوا على مجد أدبي من ناحية، وأرادوا مدح رسول الله ﷺ أملا بالمغفرة والثواب من ناحية ثانية، فكأنهم أرادوا أن يخرجوا بخيري الدنيا والآخرة.
стр. 501
ويتضح هذا الأمر من دوافع صاحب أول بديعية (صفي الدين الحلي) ، الذي كان يعد العدة لتأليف كتاب جامع شامل في فنون البديع، لكن المرض أقعده عن إتمام مقصده، فعدل عن تأليف الكتاب، ونظم قصيدة، مدح بها رسول الله ﷺ ، وضمّنها أنواع البديع التي أراد تقييدها في كتابه، وقال عن ذلك:
«فعرضت لي علّة طالت مدتها، وامتدت شدتها، واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يتقاضاني المدح، ويعدني البرء من السقام، فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع، وتتطرز بمدح مجده الرفيع» «١» .
فالحلي أراد أن يؤلف كتابا في البديع، وعزم على نظم قصيدة يمدح بها رسول الله ﷺ ، فالتقت في نفسه الرغبتان، وألّف بينهما بنظم قصيدة يمدح بها رسول الله ﷺ ، وينظم فيها أنواع البديع التي هيأها لكتابه المنشود، فكانت البديعية.
وحين بحث الحلي عن شكل لقصيدته، كان أوّل ما تبادر إلى ذهنه أشهر مدحة نبوية آنذاك، وهي بردة البوصيري، فعارضها، أو أن قصة تأليفه لبديعيته المشابهة لقصة نظم البوصيري لقصيدته، هي التي أوحت إليه بأن يجعل قصيدته المنشودة على غرار بردة البوصيري أو برأته، التي شفي إثر نظمها من المرض، عسى أن يشفى هو أيضا من مرضه، فكانت بديعيته معارضة لقصيدة البوصيري، حملت وزنها وقوافيها وموضوعها وبعض عباراتها، وأضاف إليها فنون البديع، فكان الشكل الذي عرفت عليه البديعيات، إذ إن كل الذين جاؤوا بعده، ونظموا البديعيات، لم يخرجوا إلا نادرا عن هذا الشكل. فمعظم البديعيات مدح نبوي، ومعظمها على البحر البسيط وقافية الميم المكسورة، قافية البردة ووزنها.
стр. 502
وقد أطلق الحلي على بديعيته اسم (الكافية البديعية في المدائح النبوية) ، وبدأها بقوله في براعة المطلع:
إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... واقرا السّلام على عرب بذي سلم
فقد ضمنت وجود الدّمع من عدم ... لهم ولم أستطع مع ذاك منع دمي
أبيت والدّمع هام هامل سرب ... والجسم في إضم لحم على وضم
من شأنه حمل أعباء الهوى كمدا ... إذا همى شأنه بالدّمع لم يلم
من لي بكلّ غرير من ظبائهم ... عزيز حسن يداوي الكلم بالكلم
بكلّ قدّ نضير لا نظير له ... ما ينقضي أملي منه ولا ألمي
وكلّ لحظ أتى باسم ابن ذي يزن ... في فتكه بالمعنّى أو أبي هرم «١»
فبعد أن جاء البيت الأول شاهدا على براعة الاستهلال والتجنيس المركّب والمشتبه في قوله (سلعا فسل عن) وكذلك في البيت الثاني الذي سمّاه التجنس الملفق في قوله (من عدم، منع دمي) ، وضرب في البيت الثالث مثلا على التجنيس المذيل واللاحق (هام، هامل) و (اضم، وضم) ، وجعل البيت الرابع شاهدا على الجناس التام والمطرف في قوله (شأنه، شأنه) و (ولم، يلم) . أما البيت الخامس فأورد فيه مثالا على الجناس المصحّف والمحرف في قوله (غرير، عزيز) و (الكلم، الكلم) . وفي البيت السادس شاهد على الجناس اللفظي والمقلوب في (نضير ونظير) و (أملي وألمي) . والبيت السابع جاء شاهدا على الجناس المعنوي في قوله (ابن ذي يزن) واسمه (سيف) و (أبو هرم) واسمه (سنان) .
стр. 503
وتمضي القصيدة على هذا النحو، ظاهرها مدح لرسول الله ﷺ ، وباطنها عناية بالبديع، وإيراد لشواهده، فكأن الشاعر يريد نشر فضائل رسول الله ﷺ وسيرته ومعجزاته، ونشر فن البديع بين الناس سواء بسواء.
وتابع الشعراء الحلي في صنيعه هذا، ولم يخرجوا عن الصورة التي وضعه بها، ومنهم ابن جابر الأندلسي الذي نظم بديعية سمّاها (الحلة السيرا في مدح خير الورى) ، قال في مقدمتها: «فأنشأت في مدحه ﷺ قصيدة وشيّت بألقاب البديع بردها، وتوخيت فيها من موارد الثناء، ما يجد المؤمن على قلبه بردها» «١» وبدأها بقوله:
بطيبة انزل ويمّم سيّد الأمم ... وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم
وابذل دموعك واعدل كلّ مصطبر ... والحق بمن سار والحظ ما على العلم
سنا نبيّ أبيّ أن يضيّعنا ... سليل مجد سليم العرض محترم
جميل خلق على حقّ جزيل ندى ... هدى وفاض ندى كفّيه كالدّيم «٢»
وهذه الأبيات شواهد على براعة الاستهلال والجناس بأنواعه.
ثم أتى عز الدين الموصلي «٣» ، فتابع صاحبيه، ونظم بديعية مماثلة لبديعيتيهما، لكنه زاد عليهم ذكر اسم النوع البديعي الذي يدرجه في البيت، فزاد الأمر تعقيدا على تعقيد، واقترب بالبديعيات أكثر نحو المنظومات التعليمية الصرفة، فقال فيها:
براعتي تستهلّ الدّمع في العلم ... عبارة عن نداء المفرد العلم
ملفّق ظاهر سرّي وشان دمي ... لمّا جرى من عيوني إذ وشى ندمي
يذيّل الدّمع جار جارح بأذى ... كلاحق ماحق الآثار في الأكم «٤»
стр. 504
وجاء بعد الموصلي شعراء كثيرون، نظموا بديعيات نبوية، ومنهم ابن حجة الحموي الذي نظم بديعية، سمّاها (تقديم أبي بكر) ، ذكر في أبياتها اسم النوع البديعي الذي يستشهد عليه، فقال:
لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهلّ الدّمع في العلم
بالله سر بي فسربي طلّقوا وطني ... وركّبوا في ضلوعي مطلق السّقم
ورمت تلفيق صبرى كي أرى قدمي ... يسعى معي، فسعى لكن أراق دمي
وذيّل الهمّ همل الدّمع لي فجرى ... كلا حق الغيث حيث الأرض في ضرم «١»
وكثر بعد ذلك نظّام البديعيات كثرة مفرطة، فكل شاعر أحب أن تكون له مشاركة في هذا الفن الذي يدل على براعة ومقدرة كانت موضع احترام وتقدير في ذلك الوقت، فتباروا في تطويلها وزيادة أنواع البديع التي يوردونها فيها، ومنهم السيوطي الذي نظم بديعية، أطلق عليها اسم (نظم البديع في مدح خير شفيع) ، ومطلعها:
من العقيق ومن تذكار ذي سلم ... براعة العين في استهلالها بدم «٢»
وللباعونية بديعيتان، الأولى أطلقت عليها اسم (بديع البديع في مدح الشفيع) ، ومطلها:
في حسن مطلع أقمار بذي سلم ... أصبحت في زمرة العشّاق كالعلم «٣»
والثانية سمّتها (الفتح المبين في مدح الأمين) ، ومطلعها:
عن مبتدأ خبر الجرعاء من إضم ... حدّث ولا تنس ذكر البان والعلم «٤»
стр. 505
وظل الشعراء بعد العصر المملوكي ينظمون هذا اللون من المدح النبوي.
وبذلك يتضح لنا أن الهدف الأول من البديعيات هو نشر فنون البديع، وأنهم جعلوا المدح النبوي حاملا لبديعهم، ولم يجدوا وسيلة أكثر انتشارا لتعميم فنون البديع من المدح النبوي.
وقد اتسمت البديعيات بالتصنع والتكلف، لأن الشاعر يبذل جهدا عظيما في الملاءمة بين معاني المدح النبوي وبين إيراد النوع البديعي وسبك شاهده، وهذا جهد عقلي محض يذهب بالشاعرية والرواء الشعري. ويدخل الشاعر في المعاظلة والضرورات الشعرية، ويحيل القصيدة إلى معان جامدة، تفتقد حرارة العاطفة، وإن وجدت التعابير الجامدة التي تشير إلى وجود عاطفة مشبوبة عند الناظم.
وإلى جانب ذلك تحجرت البديعيات على شكل معين، يندر أن يخرج عليه أصحابها، وهو الشكل الذي جاءت عليه أول بديعية، وهي بديعية صفي الدين الحلي، التي عارض بها بردة البوصيري، فأصبح المدح النبوي أحد لوازم البديعيات الذي لا تحيد عنه، وأصبح البحر البسيط وزن البديعيات الموحد، وأضحت قافية الميم المكسورة هي القافية التي لا يدعها أصحاب البديعيات، فماذا بقي للمتأخر ليضيفه إلى المتقدم؟
ولذلك ظهرت منذ البداية نظرات نقدية للبديعيات من أصحابها أنفسهم، فابن حجة الحموي، صاحب إحدى البديعيات، والذي شرح بديعيته بكتابه الكبير (خزانة الأدب) ، وقارنها بالبديعيات التي سبقته، أكثر من انتقاد من سبقوه إلى نظم البديعيات، وأخذ عليهم ماخذ عدة، فحين تطرق إلى أبيات البديعيات التي تنظم أنواع الجناس، عقّب على بيتي الجناس في بديعية ابن جابر بقوله:
«ولكن لم يخف ما في البيتين من الثقل مع خفة الالتزام» «١» .
стр. 506
وقال عند إيراد بيت عز الدين الموصلي:
لقد تفيهقت بالتّشديق في عذلي ... كيف النّزاهة عن ذا الأشدق الخصم
«هذا البيت، شموس إيضاحه آفلة في غيوم العقادة ... إن ألفاظ عز الدين في بيته، ينفر منها الجان» «١» .
فإلى هذا الحد وصل التعقيد، ووصل التصنع والتكلف الذي أدى إليه ربط المدح النبوي بالبديع في قصيدة واحدة.
وأعاد ابن حجة كلامه هذا عن قصيدة الموصلي، فقال: «ولكن ما أسكن بيته قرينة صالحة لبيانه، ولا غرّدت حمائم الإيضاح على أفنانه» «٢»
وقال عن الغموض الذي وقع به عز الدين الموصلي، نتيجة لتكلفه تلفيق المعنى بين المدح النبوي والبديع: نظم المغايرة، ولكن غاير بها الأفهام، وما أرانا من عقادة بيته غير الإبهام» «٣» .
وتساءل مستغربا في حديثه عن أحد أبيات بديعية الحلي، بقوله: «وعجبت للشيخ صفي الدين، كيف استحسن هذا البيت، ونظمه في سلك أبيات بديعيته، مع ما فيه من الركة والنظم السافل» «٤» .
وأحسن ابن حجة حين عقّب على بيت لابن جابر بقوله: «استسمن من وجه هذا البيت ذا ورم، ونفخ من نفسه في غير ضرم، وهذا لعمري جهد من لا جهد له» «٥» .
стр. 507
إن كثيرا من البديعيات أتت على هذا النحو من التكلف والتصنع، ومع ذلك نجد أصحابها يشيدون بها ويدلّون على أهل الأدب بإبداعها، وهم لم يزيدوا الأدب شيئا، ولا أضافوا إلى البديع مفيدا، ولكنه التصنع الذي أدار رؤوس القوم، فظنوا الإغراق فيه الإبداع الذي ما بعده إبداع، وهذا ما جعل بعض أصحاب البديعيات يتبرمون بكثير مما نظم في هذا الباب، فقال ابن حجة عن بديعية ابن جابر:
«البديعية غالبها سافل على هذا النمط» «١» .
ولم يسلم ابن حجة نفسه من الانتقاد، فألّفت الكتب التي ترد عليه انتقاده للآخرين، وتظهر عيوب بديعيته وخطل ما يذهب إليه في شرحها، ومن ذلك كتاب (إقامة الحجة على ابن حجة) ، تعقّب صاحبه فيه ابن حجة في بديعيته وشرحها، فقال عن شواهد ابن حجة على الاطراد: «وكلها والله من سقط المتاع، الذي لا يباع والله أعلم» «٢» .
وأظهر صاحب الكتاب كيف جارت الصنعة البديعية على المعنى في بديعية ابن حجة، حين قال عن بيت ابن حجة:
إبداع أخلاقه إيداع خالقه ... في زخرف الشّعرا فاسمع بها وهم
«معنى هذا البيت مختل اختلالا ظاهرا، لأنه أراد بقوله في زخرف الشعراء، السورتين الكريمتين، فليس لإضافة الزخرف إلى الشعراء معنى بوجه من الوجوه، ولا مجاورة بينهما في الترتيب التوفيقي، وإن أراد به كلام الشعراء وقولهم، فالأمر أعظم خطرا، وإنني لأعجب أشد العجب من أمرين: أحدهما، سكوت أهل الأدب عند إيراد
стр. 508
هذا البيت عمّا فيه من الخلل، والثاني، أن الناظم لم يلبث مع اختلال بيته أن ادعى له الجمع بين اثني عشر نوعا من البديع، مع أن الأمر بخلاف ما ادعاه» «١» .
صحيح أن الناقد بالغ وقسا، وحمّل الكلام أكثر مما يحتمل، إلا أن هذا يدل على أن الأدباء كانوا لا يرتاحون تماما إلى هذا اللون من النظم، وأن الإشادة به كانت نابعة من موضوعه السامي، وهو المدح النبوي، ومن اشتماله على فنون البديع التي فتنت أدباء ذلك العصر وأهله، وأن المزاوجة بين المدح النبوي والبديع لم تكن ناجحة، ولم تضف جديدا إلى أدب ذلك العصر وبديعه، وإن أرضت الذوق العام السائد في تلك الأيام.
فالبديعيات يمكن أن تعد مرحلة وسطى بين الشعر والنظم، هي شعر لأنها تحوي موضوعا شعريا هو المدح النبوي، ولأنه تتخللها بعض مظاهر الشعر من فن كلامي وعاطفة وخيال، وهي نظم علمي، لأنها ذكر لفنون البديع، وإيراد الشواهد عليها، وقلما نجح شاعر في إقامة هذا التوازن، وتحقيق المعادلة الصحيحة بين المدح النبوي والبديع، وغالبا ما كان الجانب البديعي يطغى على الجانب الشعري في البديعيات، وقد يكون هذا عائدا إلى أن معظم الذين شاركوا في نظم البديعيات كانوا من العلماء، وحتى الشعراء الذين نظموا البديعيات، والذين أحسنوا نظم المدح النبوي، كانت شاعريتهم تضمحل حين ينظمون البديعيات، ويبدو أنهم فهموا البديعيات على أنها منظومات تعليمية، طعمت بموضوع سام، ولذلك لا مجال لإظهار الشاعرية فيها، وأن المهم فيها أن يكمل الناظم في بديعيته أصناف البديع، وأن يمثّل لها وأن يلائم بين ذلك وبين التعبير عن معاني المدح النبوي.
فالبديعيات كانت نهاية ازدياد استخدام البديع في المدح النبوي.
стр. 509
ومع ذلك لم ينس الدكتور علي أبو زيد في دراسته القيامة عن البديعيات أن يعدد فوائد البديعيات وآثارها في الثقافة العربية آنذاك، فذكر منها:
تعميم البلاغة ونشرها بين الناس، لأن المدائح كانت أكثر فنون الشعر انتشارا آنذاك.
ترسيخ أسس البديع، وتأكيد انفصاله عن علم البيان والمعاني.
العودة بالبديع إلى المدرسة الأدبية، وطريقة العرب البلغاء، التي تعتمد الشاهد، وإظهار مواطن الجمال فيه، والابتعاد عن الفلسفة والمنطق.
استنباط أنواع جديدة من البديع «١» .
القسم الثالث- التأليف:
لم يكتف المشتغلون بالمدائح النبوية بنظمها أو تخصيص الدواوين المستقلة لها، أو الزيادة عليها، فإن كثيرا من المهتمين بفن المدح النبوي لم يؤتوا الموهبة الشعرية، ولم تكن لديهم المقدرة على النظم، وكانت لديهم رغبة شديدة في المشاركة بهذا الفن الجميل الجليل، وحرصوا على ألّا يفوتهم ما تعود به المدائح النبوية على أصحابها، من شهرة ومكانة، ومن أمل بالمغفرة والثواب، وتحصيل الراحة والطمأنينة، لذلك عمد هؤلاء إلى شرح المدائح النبوية، وإظهار مقاصدها، وإيضاح المستغلق منها، وتوجيه المبهم، ليساعدوا بذلك من التبست عليهم بعض معاني المدح النبوي ومقاصده، واستغلقت بعض ألفاظه، وأبهمت أوجه الصنعة الفنية فيه.
وقد كثرت هذه الشروح كثرة مفرطة، وتناولت قصائد بعينها، تأتي في مقدمتها لامية كعب بن زهير وبردة البوصيري، إضافة إلى أن بعض الشعراء شرحوا قصائدهم
стр. 510
بأنفسهم، حرصا منهم على إيضاح مقاصدهم وخوفا من أن تؤول بعض عباراتها تأويلا لم يذهب إليه الشاعر، فيسيء إليه، أو لرغبة في التأليف عنده. وعدت الشروح آنذاك من ضروب التأليف التي يسعى إليها المؤلفون.
والشروح معروفة في التأليف قبل هذا العصر، لكنها زادت زيادة كبيرة فيه، وشملت مختلف العلوم، فكثرت الشروح والحواشي وما يقرب من ذلك.
وهكذا صارت تطالعنا شروح مختلفة لقصيدة واحدة، مثل قصيدة كعب بن زهير التي استمر شرحها في أوقات مختلفة فما أن ينتهي أحدهم من شرحها هنا حتى يبدأ آخر شرحها هناك، وصارت أسماء الشروح من العناوين البارزة في فهارس الكتب، مثل (شرح قصيدة كعب) و (حاشية على شرح ابن هشام لقصيدة كعب) و (بلوغ المراد على بانت سعاد) و (الجوهر الوقّاد في شرح بانت سعاد) و (كنه المراد في شرح بانت سعاد) وهكذا ...
ومن أمثلة شرح قصيدة كعب الشرح الذي وضعه ابن هشام، والذي مال به إلى اللغة وعلومها، حتى أصبح مما يعتمده المشتغلون باللغة وعلومها، فقد جعل من شرحه لقصيدة كعب كتابا يحوي مسائل اللغة والنحو، ودقائقها، وشرحه يسير على النحو التالي:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول
«قوله: بانت سعاد، معنى بان: فارق، وله مصدران ... ومذهب الكوفيين ...
والتاء حرف تأنيث لا اسم للمؤنث ...
قوله: سعاد، هو علم مرتجل، يريد به امرأة يهواها حقيقة وادعاء ... » «١» .
стр. 511
ويمضي ابن هشام في شرحه، فيستفيض في النحو ومسائله، واللغة وأمثلتها، مستشهدا على ما يذهب إليه بالقرآن الكريم والشعر العربي القديم، فيستغرق شرح البيت الواحد عشر صفحات.
وقد أصبح هذا الشرح مصدرا لشرّاح قصيدة كعب بن زهير الذين جاؤوا بعده، فمنهم من تابعه في اتجاهه اللغوي، ومنهم من أخذ شيئا من هذا الاتجاه، واتسع في الشرح ليشمل المعاني والسيرة والقضايا الدينية التي يقتضيها الحديث.
أما بردة البوصيري، فإنها نالت من الشروح والتفاسير ما لم تنله قصيدة في الشعر العربي، فبروكلمان عدّد لها تسعة وسبعين شرحا بلغات مختلفة، إضافة إلى عدد من ترجماتها إلى اللغات الأوروبية والفارسية والتترية «١» .
وكذلك الأمر مع همزيته، التي نالت اهتمام الشّراح وإقبالهم، وقد حصر بروكلمان ثمانية عشر شرحا في عصور متلاحقة «٢» .
ومن أمثلة شرح البردة ما وضعه عليها أبو شامة المقدسي، وسار فيه على النحو التالي:
أمن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
«قبل الخوض في الشرح، نشير إلى عدة أمور، يليق ذكرها بالمقام، منها أن عادة شعراء العرب جرت بأنهم يبتدئون في مطالع قصائدهم بذكر لوازم العشق ...
الجيران: جمع جار، والسلم: نوع من الشجر، وذي سلم: مكان ...
والبيت في تأويل المصدر، معطوف على تذكر، أي من هبوب الريح ... » «٣» .
стр. 512
وهكذا ينتقل أبو شامة من بيت إلى بيت، يبدأ بشرح مفرداته، ثم يعربه، ويذكر بعض القضايا الأدبية والدينية التي يقتضيها الشرح، مستشهدا على ذلك بالقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي، ومشيرا إلى بعض حوادث السيرة العطرة.
ومن الشروح المهمة للبردة الشرح إلى وضعه الغزي «١» تحت عنوان (الزبدة في شرح البردة) ، وهو يأتي على النحو التالي:
وكيف تدعو إلى الدّنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدّنيا من العدم
«وكيف: للاستفهام الإنكاري، أي لا ...
تدعو: أي تميل ...
لم تخرج الدنيا من العدم، إلى الوجود، ببناء تخرج للفاعل أو المفعول، وخرج بقول أصالة عمّا ضرورته إليها عرض، كالحاجة إلى قدر القوت وستر العورة، مع إعلامه ﷺ أن ذلك ونحوه ليس من الدنيا، وإن كان فيها ضرورة ... » «٢» .
فهو في شرحه يهتم بالمعاني وأصولها، ويتسع في الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي.
وإلى جانب هذه القصائد نجد مدائح نبوية أخرى، أخذها المؤلفون بالشرح والتفسير، وقد جاء في وصف أحد المخطوطات: «مضى شهاب الدين المقدسي إلى قصائد في مدح الرسول، شرحها، وسمّى شرحه (المقاصد السنية في شرح القصائد النبوية) ، وهي القصيدة اللامية المشهورة بالشقراطيسية.. وذات الأصول في مدح الرسول، وذات الدرر في معجزات سيد البشر، وذات القبول في مفاخر الرسول، ومفرجة الغمم في مدح سيد الأمم، ووداع الزائر للنبي الطاهر، وشكوى الاشتياق إلى النبي الطاهر الأخلاق» «٣» .
стр. 513
ومن المدائح النبوية التي اهتم أصحابها بشرحها البديعيات، فابن حجة جعل من شرحه لبديعيته كتابا كبيرا حوى كثيرا من قضايا المدح النبوي ومميزاته، وطائفة كبيرة من القضايا الأدبية التي كانت تهم أهل عصره، إضافة إلى قدر كبير من شعر العصر ونثره، وما فرضه السياق من التراث العربي.
وجعل الحلي من شرح بديعيته كتابا كبيرا في البديع، وكذلك السيوطي في شرح بديعيته (شرح نظم البديع) .
ومنهم أيضا أحمد بن محمد الخلوف «١» الذي «عمل بديعية ميمية، سمّاها «مواهب البديع في علم البديع» ، وشرحها شرحا حسنا) «٢» .
وشرح البديعيات، إضافة إلى ما ظهر لنا في شرح المدائح النبوية، يحوي إيضاحا لفنون البديع والتمثيل لها، ولو أخذنا شرح بيت من خزانة ابن حجة على بديعيته، لكلفنا ذلك من أمر البحث شططا، فهو عند ما يبدأ الشرح على البيت الأول المخصص لفن من فنون البديع وهو براعة المطلع، نجده على النحو التالي:
لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهلّ الدّمع في العلم «٣»
«اعلم أنه اتفق علماء البديع على أن براعة المطلع، عبارة عن طلوع أهلة المعاني واضحة في استهلالها..»
وبعد أن يعرّف المصطلح البديعي، يورد آراء علماء البديع به، وأمثلة من الشعر العربي القديم، ويتحدث عن قضايا أدبية، مثل الاستشهاد بشعر المولدين، كلامهم
стр. 514
ومعانيهم، ومثل شروط الغزل في المدح النبوي، وتراجم بعض الشعراء الذين استشهد بشعرهم، ويستطرد إلى ذكر شعر مشابه لما استشهد به، ويذكر رأيه فيه مستحسنا أو ناقدا، ولا ينسى أن يأتي بأمثلة من النثر، ويحاول أن يظهر كيف أخذ الآخر عن الأول، ثم يذكر أمثلة على النوع البديعي الذي يتحدث عنه، من بعض البديعيات التي سبقت بديعيته، ويوازن بينها، فأخذ ذلك نحو عشرين صفحة من خزانته.
فجاء شرحه هذا كتابا أدبيا جامعا، فيه أمثلة كثيرة من الأدب، شعره ونثره، من العصر الجاهلي إلى عصره، وفيه نقد وحديث عن قضايا الشعر العربي والنثر العربي، حتى بدت بديعيته التي يشرحها، ليست أكثر من متكأ لتشكيل كتاب أدبي، غني بأمثلته وقضاياه.
وقد استدعت هذه الشروح كتبا أخرى، تتعلق بالمدائح النبوية، هي الكتب التي رد فيها أصحابها على شراح المدائح النبوية، أو أضافوا إلى شروحهم، مثل كتاب (إقامة الحجة على ابن حجة الذي تعقّب صاحبه شرح ابن حجة، وانتقده في مواضع كثيرة من شرحه.
ولم تكن شروح المدائح النبوية خالصة للقصائد التي تشرحها، توضح غامضها، وتفسر لبسها، وتبسط القول في معانيها فقط، فإلى جانب ذلك كله، حفلت الشروح بالمعلومات اللغوية والأدبية، وأوضحت مسائل تاريخية ودينية، وزخرت بالشواهد الشعرية والنثرية من التراث العربي، ومن الأدب المعاصر لأصحاب الشروح، حتى غدت بعض الشروح، مثل شرح ابن حجة في خزانته من المصادر الهامة لأدب ذلك العصر. ومثل شرح الكافية البديعية للصفي الحلي، الذي وضعه على بديعيته، وأورد فيه معلومات كثيرة حول البديع والبلاغة والأدب.
والحلة السيّرا لابن جابر الذي شرح بديعيته بنفسه، وشرحها رفيقه الرعيني «١» ، وأودعها إشارات كثيرة في الأدب واللغة.
стр. 515
وكذلك الفتح المبين لعائشة الباعونية، الشرح الذي وضعته على إحدى بديعتيها، وتحدثت فيه عن بعض قضايا المدح النبوي، وأودعته ملاحظات هامة في البلاغة واللغة والعقيدة والأدب، وغير ذلك مما يوسع ثقافة القارئ ويعلمه ويمتعه.
إن كثيرا من قضايا المدح النبوي وأصوله، وصلت إلينا من شروح المدائح النبوية، أو من مقدمات دواوين المدح النبوي، فكان للشروح أثر في إرساء بعض القواعد النظرية للمدح النبوي.
وكذلك الأمر مع بعض صور النقد التي ظهرت في الشروح لمعاني شعراء المدح النبوي وأساليبهم، والتي أظهرت المضمون العام للمدح النبوي وطريقة أدائه.
فالمدائح النبوية استدعت نشاطا تأليفيا يخدمها، هو الشرح، الذي حفز همم بعض المؤلفين، وحثّهم على المشاركة في فن المدح النبوي، فدرسوا ونقّبوا وتثقّفوا ليقوموا بهذه المهمة، فكان بذلك أحد عوامل نشاط حركة التأليف في هذا العصر.
ويضاف إلى ذلك كتب السيرة والدلائل والمناقب، والرسائل الي ألّفت للبحث في مسائل دينية، طرحت في المدائح النبوية، وكانت محل خلاف بين العلماء، ولوضع مادة كافية ومناسبة بين يدي شعراء المدح النبوي، ليفيدوا منها في قصائدهم.
وبذلك يظهر لنا أثر المدائح النبوية في الثقافة، فإلى جانب الإنتاج الشعري الغزير، وإغناء حركة الشعر العربي بقصائد كثيرة وهامة، كانت موضع اهتمام الناس جميعا، فإن المدائح النبوية استدعت مؤلفات كثيرة العدد، هي الشروح وغيرها من المؤلفات التي لها علاقة من نوع ما بفن المدح النبوي.
стр. 516
الخاتمة
بعد استعراض وقائع العصر المملوكي، تبيّن لنا أنه لم يكن عصر ركود وجمود كما هو شائع عنه، بل كان عصرا يموج بالحركة والنشاط، فالصراع مع أعداء الأمة لم يتوقف طول العصر، ونجح المماليك في قيادة رعاياهم نحو النصر، ورد غزوتين عاتيتين، وظلوا أندادا للمغول والفرنجة الأوروبيين، يذودون عن الوطن العربي، ويأخذون المبادرة أحيانا، فيفتحون قبرص ورودس، ويؤدبون المعتدين.
وكانوا في صراع دائم فيما بينهم على السلطة، لا تهدأ فتنهم، واستمرت كذلك الثورات ضدهم، ثورات العرب لاستعادة مكانتهم ومجدهم، والثورات الشعبية التي نشدت العدالة الاجتماعية، ورفع الظلم والبؤس عن العامة.
وكان النشاط الثقافي متأججا على عكس الصورة المعروفة عنه، فالعلماء كانوا يدرّسون ويؤلّفون، ويجوبون الأقطار العربية الإسلامية، فتركوا لنا ثروة ثقافية كبيرة وموسوعات معرفية عظيمة، والكتّاب احتلوا مكانة بارزة في مجتمعهم، والشعراء كثروا كثرة مفرطة، والموسوعات تترى، لتنظم معارف العصر، ومتفرقات التراث العربي.
أما الشعر، فإنه تلّون بألوان مختلفة، بعضها زاه مشرق، وبعضها باهت ثقيل، منه الشعر الذي ينظر إلى شعر السابقين ويتابعهم، ومنه الشعر الذي يحفل بالصنعة المعنوية واللفظية، ومنه الشعر الشعبي الذي ينحدر نحو العامية واللحن.
ونحن لا نستطيع أن نفرد العصر بمذهب شعري محدد- كما يشاع عنه-، فلم يخلص عصر من العصور لمذهب أدبي واحد، وإن طغى أحد المذاهب على غيره.
стр. 517
لقد طغت الصنعة على أدب العصر، وكأن الشعراء وجدوا في البديع وفنونه تجديدا ذا شأن، فلبّوا رغبة الناس الذين أولعوا بالزخرفة في مظاهر حياتهم جميعها، ولو تابعوا مظاهر التجديد التي وجدت قبلهم، لكان لشعرهم موقع آخر.
ومحاولة خروج شعراء العصر المملوكي على هذا النهج كانت في الغالب تنصرف إلى الشعر الشعبي الملحون. فالشعر العربي حافظ في تاريخه الطويل على معظم مقوماته، وما أصابه من تغير أو تجديد، كان انعكاسا لتغير طبيعة حياة الشاعر وتطور عقليته، واختلاف ظروفه، فالأدب عامة هو ثمرة تفاعل الأديب مع بيئته والظروف المؤثرة فيها، ولذا كانت موضوعات الشعر وشكله الفني في كل عصر صدى لمظاهر البيئة.
ونحن لا نريد أن نكلّف شعراء عصر المماليك بتجديد لا طاقة لهم به، ولا نريد أن نحاكمهم من منطلق اتجاهات عصرنا ومفاهيمه ونظرته إلى الشعر، لكننا نقرر واقعا، ونبيّن حالا، فمهما يكن شأن هذا الشعر، لا بد من دراسته وتأريخه وتقويمه.
بدأ المدح النبوي منذ بعثة رسول الله ﷺ ، فالناس من حوله أعجبوا بشخصيته وكمالها، فتوجهوا إليه بالمدح كما يمدحون ساداتهم وأشرافهم، إلا أن الشعراء من الصحابة أخذوا يميّزون مدح رسول الله ﷺ عن مدح غيره، لأنه متميز عن غيره، فالمدح النبوي يختلف عن المدح العام في الشعر العربي بأنه موجه إلى النبي الكريم، وبأن معانيه تختلف عن معاني المدح العام في بعضها، وفي درجتها ومفهومها في بعضها الآخر، فالمعاني التقليدية التي مدح بها النبي الكريم ﷺ تتباين عن المعاني التقليدية التي مدح بها غيره في منطلقها وعمقها.
واختلف المدح النبوي أيضا عن الرثاء في الشعر العربي، لأن الشعراء الذين مدحوا رسول الله ﷺ . لم يكن قصدهم رثاؤه، ولم يظهروا التفجع والحزن، ولأن شعرهم نظم بعد وفاة رسول الله ﷺ بزمن طويل، وإن وجدنا قصائد رثاء لرسول الله ﷺ إثر وفاته،
стр. 518
فهي تختلف عن قصائد المدح النبوي التي لا تزال تنظم إلى أيامنا هذه، فرسول الله ﷺ الذي يختلف عن باقي البشر، يختلف الشعر الذي يقال فيه بعد وفاته عن الشعر الذي يقال في بقية الناس، وخاصة عند ما يتيّقن المسلمون أن رسول الله ﷺ موصول الحياة، فيخاطبونه مخاطبة الأحياء.
لقد مدح الشعراء المسلمون رسول الله ﷺ مدحا تقليديا في جلّه، يترسم طرائق الجاهليين، لأن التقاليد الفنية الجاهلية لا تزال راسخة في نفوسهم، بيد أن المعاني الإسلامية أخذت تزداد في مدحهم له شيئا فشيئا، فأرسوا قواعد فن المدح النبوي.
وفي العصر الراشدي والأموي تابع الشعراء ما بدأه الشعراء الصحابة، ولكن سرعان ما اختفى المدح النبوي أو كاد، ليقتصر ذكر رسول الله ﷺ على بعض الأبيات في قصائد مدح آل البيت، وقصائد الفخر، أو عند المقارنة، ولولا شعر الكميت لكاد أن يكون هذا العصر انقطاعا لما كان عليه المدح النبوي في زمن البعثة النبوية.
واتسع هذا الذكر شيئا ما في بداية العصر العباسي، وتسابق الشعراء إلى نسب ممدوحيهم إلى رسول الله ﷺ على وجه من الوجوه، وما لبثت أن ظهرت قصائد المدح النبوي، التي عارض أصحابها قصائد مدح بها النبي الأمين في حياته، ثم نظم الشعراء مدائح نبوية خالصة، تنظر إلى كل ما تقدم، بيد أنها مما سمحت به قرائح الشعراء وظروفهم.
وعرف العصر العباس مراحل مختلفة من مراحل تطور المدح النبوي، وظهر فيه كثير من مفردات المدائح النبوية ولوازمها.
حتى إذا وصلنا إلى العصر الفاطمي والزنكي والأيوبي، وجدنا فن المدح النبوي ينتشر في بقاع البلاد العربية الإسلامية، ليرسخ ويتعمم فنا مستقلا قائما بذاته من فنون الشعر العربي في العصر المملوكي.
стр. 519
إن المدح النبوي هو لون من ألوان الشعر الديني، اختلط بألوان أخرى في مسيرة تطوره حتى العصر المملوكي، ولذلك عدّ بعض الدارسين مدح آل البيت والتشوق للأماكن المقدسة من المدح النبوي، وعدوا المدح النبوي جزآ من الشعر الصوفي، وخلطوا بين المولد النبوي والمدح النبوي، ولو تمعّنا في هذه الفنون لوجدناها تقترب من فن المدح النبوي وتتقاطع معه، لكنها تفترق عنه أيضا في نواح كثيرة، فالمدح النبوي الذي جرى على الطريقة التقليدية لا يلتقي بمجمل فن المدح النبوي وصورته التي عرفت في العصر المملوكي، ومدح آل البيت فيه ذكر لرسول الله ﷺ ، ولكنه ليس مدحا له، والشعر الصوفي كذلك الأمر، ويجاريهما شعر التشوق إلى الأماكن المقدسة.
والعبرة في التفريق بين هذه الفنون وبين المدح النبوي هو قصد الشاعر من إنشاء قصيدته، فإذا كان غرضه مدح آل البيت أو ذكر مواجده الصوفية أو تشوقه للمقدسات، وذكر فيها النبي الكريم، فإنه لا يعد من المدح النبوي، أما إذا كان غرضه مدح النبي ﷺ ، وذكر في قصيدته آل البيت أو تشوقه للمقدسات أو بعض المواجد الصوفية، فهو مدح نبوي.
أما الشعر الذي ورد في المولد النبوي، فهو لون من ألوان المدح النبوي، لكنه يقتصر على ذكر معنى من معانيه، أو ذكر مرحلة من مراحل حياة سيدنا رسول الله ﷺ ، وهي مرحلة الولادة والطفولة.
وبذلك فهذه الفنون الشعرية قريبة من فن المدح النبوي، ومتميزة عنه، ومتقاطعة معه، فهي تقترب وتبتعد، وتتداخل وتتمايز، لكنها لا يمكن أن تعد بكل صورها من فن المدح النبوي الذي عرف في العصر المملوكي على صورة معينة، يصعب معها دمج هذه الألوان به، لكن هذه الفنون أثّرت في المدح النبوي وتأثرت به، وأعطته الصورة التي نعرفها.
стр. 520
وقد اتسع المدح النبوي اتساعا كبيرا لدواعي مختلفة، ولأنه فن أصيل يلتقي مع كوامن النفوس المؤمنة ومع متطلبات الحياة، فالدين ينظم حياة البشر ويعطيها معناها وغايتها، والأدب ينيرها ويجمّلها ويوسع آفاقها، وحين يلتقي الدين والأدب لرفعة المجتمع لا بد من أن يعملا على النهوض به نحو السعادة، وأن يخلصاه من منغصاته.
والأدب الديني ليس جديدا على أدبنا العربي، أو الآداب الآخرى، فالأدب والعقيدة متكاملان، والشعر لما له من مكانة في نفوس الناس، استطاع أن يخدم الدين، وينشر أهدافه ويدافع عنه، كما استطاع الدين أن يمدّ الشعر بموضوعات جليلة، وأن يمنحه ظلالا عاطفية محببة.
ومن هنا حاول شعراء المدح النبوي تجسيد المثل الإنساني الكامل، الذي يتفق جميع المسلمين على تعظيمه وتنزيهه، وقدموا للمطلعين على شعرهم التجارب الإنسانية الرائعة التي يكبرها العقل الإنساني ويفيد منها ويتخذها هدفا له، فكان رسول الله ﷺ عندهم الإنسان الكامل وبطل أبطال البشرية، وجماع الخير، وممثل الفضائل ومجسّد العبقرية الإنسانية، والنور الكوني المقتبس من نور الله، والصورة المشرقة لخلافة الله في الأرض.
والأدب يعكس الحياة، وشعراء المدح النبوي لم يكونوا في شعرهم بعيدين عن عصرهم ومجتمعهم، وإنما كانوا يجسدون حالا موجودة، تشغل الناس، وهي الاحتفال بالنبي ﷺ والإشادة به في ظل ظروف الحرب والقهر، أو تعرض الدين لهجمة شرسة، ونبيهم لافتراآت الغزاة وإفكهم، فكان لا بد لهم من الرد، والانتصار لدينهم ونبيهم، أو أنهم استحضروا السيرة النبوية والشمائل النبوية، وأشاعوها في حياتهم للوصول إلى هدف معين.
فهناك تبادل في التأثير والتأثر بين الأدباء ومجتمعاتهم، والأدب يسعى إلى تغيير المجتمع بما يقدمه إليه من قيم جديدة، أو يحيي فيه قيما معروفة، ويعمل على ترسيخها.
стр. 521
وينسجم هذا المفهوم للشعر مع المفهوم الإسلامي الذي أراد للشعر أن يكون أداة بناء للمجتمع، يشجع على التخلق بالأخلاق الفاضلة، واعتناق المثل العليا، فكان رسول الله ﷺ يبصّر الشعراء المسلمين بمواطن القول الحق، ويبعدهم عن الروح الجاهلية والتقاليد الفنية التي نشؤوا عليها، ونظموا شعرهم من وحيها، فهو أراد للشعر أن يكون فنا كريما، ملتزما بقضايا الإنسان، ينشد الحق والخير والمبادئ السامية، لا ممتهنا ولا وسيلة تكسب، وأراد للشاعر أن يكون فاضلا مؤمنا صادقا في فنه.
إن دواعي اتساع المدح النبوي ومسوغاته في العصر المملوكي كثيرة ومتنوعة، فالظروف السياسية والاجتماعية والدينية التي كانت سائدة آنذاك، كانت كلها تدفع الشعراء إلى مدح رسول الله ﷺ ، والإكثار من مدحه.
فالصراع مع العدو الخارجي كان على أشده، والغزاة أرادوا اقتلاع الوجود العربي، وقد صبغ الأوروبيين عدوانهم بصبغة دينية، فهاجموا الإسلام وانتقصوا من قدر رسول الله ﷺ ، فردّ الشعراء عليهم بالإشادة برسول الله ﷺ ومدحه وتقديمه على الناس جميعا والأنبياء الكرام، وقدموا في قصائد مدح رسول الله ﷺ صورا من البطولة والتضحية وأمثلة على التفاني في نصرة الحق، ليحثوا المسلمين على مقاومة الغزاة، ورد عدوانهم على الأرض والأمة وتراثها.
وكذلك الأمر مع سياسة المماليك الداخلية، فقد انفردوا بالسلطة، ولم يقيموا العدالة الاجتماعية كما يجب أن تكون، ولم يحافظوا للعرب حقهم في التقدير، وهم أصحاب البلاد، وهم الذين حملوا راية الإسلام ورسالته إلى العالم، وهم أهل رسول الله ﷺ ، فجاءت المدائح النبوية لتذكر المماليك بهذه الحقائق ولتحفز العرب على المطالبة بحقوقهم، واستعادة مكانتهم وأمجادهم.
وحفل العصر الملوكي بصور من المظالم التي عانى منها الناس كثيرا فجاءت المدائح
стр. 522
النبوية متوسلة برسول الله ﷺ ليرفع عنهم هذه المحن، فيرفعون ظلمهم عن الناس، ولعل الناس يعرفون حقوقهم، فيطالبون بها، ويرفعون الجور عن أنفسهم.
وكان للجدل الديني المحتدم بين المسلمين وأهل الكتاب من جهة، وبين المسلمين أنفسهم من جهة أخرى، أثره في دفع الشعراء لنظم المدائح النبوية، ولرد افتراآت الغزاة، ولمقاومة البدع الدينية، أو لعرض مذاهبهم الدينية وآرائهم في القضايا الدينية التي اختلف المسلمون حولها.
هذه الأسباب وغيرها كانت وراء اندفاع الشعراء إلى نظم المدائح النبوية، وانتشار هذه المدائح، وانشغال أهل العصر بها على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم.
أما المدحة النبوية، فإنها قصيدة ذات مضمون مستقل، وشخصية متفردة، إذ إنها تحوي الحديث عن رسول الله ﷺ ومدحه، وهو إنسان متفرّد بين بني البشر، وقد اصطلح مادحو النبي الكريم على مضمون محدد لها، واستقروا على إيراد معان محددة فيها، يتفاوتون فيما بينهم في القدر الذي يضمّنونه منها مدائحهم النبوية.
فالمضمون الأساس للمدحة النبوية هو مدح النبي ﷺ الذي يتألف من الإشادة بأخلاقه وشمائله على الطريقة التقليدية وبالقيم التقليدية التي اعتاد الشعراء العرب على مدح سادتهم بها، لكن المعاني التقليدية أخذت طابعا خاصا في المدائح النبوية، واكتسبت وهجا فريدا عند نسبها إلى رسول الله ﷺ . فخرجت عن تقليديتها، لأن الشعراء باتوا يدركون مفهوم النبوة، ويعرفون أنهم يمدحون بها سيد الوجود، ويراعون فيها النبوة.
وإلى جانب ذلك مدحه الشعراء بالقيم الدينية وبمكانته ﷺ عند ربه، ومكانته بين الأنبياء، وأثره في حياة الإنسانية، واستقصوا فضائله وخصائله الكريمة، وحرصوا على ألا يفوتهم شيء منها.
стр. 523
وحرصوا كذلك على ذكر سيرته العطرة، فأظهروا جوانب العظمة والموعظة فيها، وذكروا معجزاته الباهرة منتقلين في ذلك إلى الغيبيات ونظرية الحقيقة المحمدية التي أفاضوا فيها أيّما إفاضة، واستغرقوا في تفصيل جوانبها أيّما استغراق.
وقد ذكروا في مدائحهم الصحابة الكرام، وأشادوا بإخلاصهم لله تعالى ورسوله ﷺ ، وتفانيهم في نصرة الدين، ومدحوا آل البيت الأطهار، ونوّهوا بمكانتهم الرفيعة وقرابتهم من رسول الله ﷺ .
وإضافة إلى ذلك كله ذكروا بعضا من هموم عصرهم وقضاياه، وبسطوا عقائدهم ومذاهبهم ودعو إلى الجهاد وحثّوا على التحلّي بمكارم الأخلاق، واختتموا قصائدهم بالدعاء والتوسل والصلاة على النبي.
كما أضاف مادحو النبي من المغاربة في بعض قصائدهم مدح سلطان وقتهم، وخاصة في المولديات.
وقد تلوّن مضمون المدحة النبوية باختلاف مذاهب الشعراء واتجاهاتهم الدينية، فانطلق كل شاعر في مدح رسول الله ﷺ من موقعه وتوجهه وما يراه.
فمضمون المدحة النبوية هو الحديث عن رسول الله ﷺ ، وما استلزمه هذا الحديث، وانعكاس العصر على صفحته.
أما معاني المدح النبوي، فمعظمها مستقى من القرآن الكريم والحديث الشريف والسيرة النبوية، والتراث العربي، شعره ونثره، وقليلة هي المعاني التي تعد ابتكارا جديدا من إبداعات شعراء المدائح النبوية، والتي جاء من الأفكار الجديدة التي عرفوها في عصرهم، ومما تفتقت عنه قرائحهم، فاقتنصوا المعنى من هنا وهناك، وبالقدر الذي أسعفتهم به ثقافتهم وموهبتهم.
стр. 524
لذلك نجد كثيرا من المدائح النبوية التي لا تحوي جديدا، والتي لا تعدو أن تكون نظما للسيرة أو سردا للمعجزات، فأتت فيها الأحاديث والروايات بنصها وألفاظها تقريبا.
ويعكس أسلوب المدحة النبوية الاتجاهات الفنية التي عرفت في العصر المملوكي، فنجد القصيدة التقليدية التي تبدأ بالوقوف على الأطلال وتثني بالغزل وذكر الرحلة، ليصل الشاعر بعد ذلك إلى موضوعه وهو المدح، ويختمها بالمراد من مدحته، وقد اختلف هذا الشكل من شاعر إلى شاعر، فبعضهم أخل به بعض الإخلال، وبعضهم غيّر فيه، فاستبدل بذكر الأطلال وديار المحبوبة، ذكر الأماكن المقدسة، وترك الغزل الإنساني المحسوس، وتغزّل غزلا عاما مجرّدا، مظهرا تشوقه ووجده، ومشاعره الدينية الرقيقة.
ونجد في المدائح النبوية القصائد التي تخلو من كل تقديم، كما نجد الأراجيز التي تميزت منذ القدم وعدت أحد أشكال القصيدة العربية.
وإلى جانب ذلك نرى الإضافات التي زيدت على القصائد، فغيّرت شكلها، مثل التشطير والتخميس والتسديس والتسبيع، مع الموشحات والأشكال المستحدثة الملحونة.
ونلاحظ كذلك وجود القصائد المخططة مسبقا، والتي وضع الشعراء لها قيودا محددة، كأن ينظم الشاعر عددا من القصائد، كل قصيدة تتألف من عشرة أبيات، ولها روي مختلف، ويرتبها ترتيبا أبجديا، بعدد حروف الهجاء وتسلسلها، وقد تكون القصائد مؤلفة من عشرين بيتا، فتكون من العشرينيات، وقد يزيد الشاعر قيوده، فيلتزم ببداية كل بيت من قصائده بحرف القافية، إلى غير ذلك من أساليب الصنعة الشكلية التي استحدثت في هذا العصر.
стр. 525
وتبعا لذلك جاءت صياغة القصائد متفاوتة أيضا، تعكس المذاهب الفنية للشعر في العصر المملوكي، فنجد المدائح النبوية التي تضارع القدماء في صياغتهم وألفاظهم وطريقتهم في التعبير الشعري، وتتابعهم في خصائص شعرهم، إما بالمعارضة التي يستعين بها الشاعر، فينظم على مثال معروف حاضر في ذهنه، يتتبعه في إطاره العام، مستفيدا من وزنه وقافيته وبعض ألفاظه وتعابيره، وإما بالإنشاء الذاتي، بعد أن يملك الشاعر عدة متابعة القدماء، من ذخيرة لغوية مناسبة، ومعرفة بالشعر القديم وأساليبه، ومقدرة شعرية تتيح له هذه المتابعة.
ونجد مدائح نبوية تحمل سمات عصرها، وتنظر إلى التراث الشعري السابق، فجاءت صياغتها وسطا في جزالتها وفصاحتها، يسير الشاعر فيها على سجيته، ووفق ما تسمح به ثقافته وموهبته، فهي لا ترقى إلى أشعار السابقين، ولا تهبط إلى أشعار البديعيين، عليها رواء الشعر، وفيها ثقل الصنعة، وتظل مقبولة إذا قيست بالضرب الثالث من قصائد المدح النبوي، الذي شغف به شعراء العصر، وأحالوا فيه القصائد إلى هياكل من الزينة اللفظية والمعنوية، ومتون لضروب البديع التي وصلوا بها إلى قدر كبير من التكلف والتصنع، فذهبت بالأسلوب الشعري والمعنى معا، ولم يبق من الشعر إلا شكله الخارجي من وزن وقافية، وما بينهما هو تعمل وتكلف، يحشد فيه الشاعر كل ما يستطيع من ضروب البديع وأفانين الصنعة.
أما الألفاظ في المدح النبوي، فإنها تتفاوت في صحتها وفصاحتها من شاعر إلى شاعر، فالمتمكن تأتي ألفاظه صحيحة فصيحة، والشاعر الذي يعاني ضعفا في ملكته الشعرية وثقافته اللغوية، يعوّض ما ينقصه بأخذ الألفاظ والتعابير من هنا وهناك، فيبتعد فيما ينظمه عن اللغة الشعرية والتعبير الشعري.
في حين أن الصنعة الشعرية قلما جاءت في المدائح النبوية خفيفة مقبولة، طوّعها الشعراء للشعر، وأخضعوها للمعنى، وأبقوها حلية للشعر، تحرك أسلوبه وتزيينه،
стр. 526
وكانت في الغالب ثقيلة متكلفة، لم تندمج في الشعر، وظلت نابية ظاهرة، جارت على المعنى والأسلوب معا، وأضحت هي المقصودة في الشعر، وجاءت العناصر الآخرى لخدمتها وإظهارها، وهذا لا يعني أن أهل عصرها كانوا ينفرون منها، بل على العكس من ذلك كانوا يسرّون بهذه الصنعة، لأنها تلبّي رغبتهم وتشبع ميولهم، وتقع في نفوسهم موقع الإعجاب، لأنها توافق هوى في نفوسهم، وترضي حاجتهم إلى الجمال كما كانوا يتصورونه.
وارتبطت المدائح النبوية بأوزان الشعر العربي المعروفة، وانطلقت بعد ذلك ومن خلالها إلى تشكيلات وزينة مختلفة، وإلى الأوزان التي عرفها أهل العصر، فنظمت المدائح النبوية وفق الأشكال الشعرية التي كانت معروفة في ذلك العصر، كالموشح والفنون الملحونة، وحاول الشعراء الإفادة من كل عناصر الإيقاع والموسيقا في اللغة والأوزان، ليفوا بحاجة المنشدين ومجالس الذكر.
إضافة إلى ذلك كله فإننا نجد مدحا نثريا متنوّعا لرسول الله ﷺ ، جاء على شكل رسائل ومقامات، وفي خطب الكتب وأثنائها، إلى جانب الموالد النبوية.
فالشكل الشعري للمدحة النبوية، حمل كل الخصائص الفنية في العصر المملوكي، هذه الخصائص التي جاءت من تأثير البيئة في الشعراء، ومن نظرتهم الجمالية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
إن انتشار المدائح النبوية انتشارا عظيما، لا بد أنه قد ترك آثارا مختلفة في النشاط الاجتماعي والثقافي للمجتمع المملوكي، ولا بد أن شعراء المدح النبوي قد لمسوا ذلك، وهذا ما حفزهم على المضي بنظم هذا الفن والاتساع به قدر استطاعتهم، فجعلوا من المدح النبوي مشاركة بدعوات الإصلاح في الحكم والمواعظ التي نثروها في المدائح النبوية، وانتقاد مظاهر الخلل في المجتمع، وخاصة حين تقرن هذه الدعوات بالقدوة الصالحة من سيرة سيد الخلق.
стр. 527
لقد وضعت المدائح النبوية أمام الناس أمثلة عظيمة من العدل الاجتماعي، وحرّكت في نفوسهم التّوق إلى العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، فتضافرت مع أسباب أخرى، ليظهر التململ الاجتماعي.
وكانت المدائح النبوية مناسبة عظيمة لينفّس العرب فيها عن كربهم وكبتهم، فهم يمدحون رسول الله ﷺ ، وهو عربي الأرومة واللسان، ويمدحون الصحابة الكرام، وهم عرب، ويشيدون بالعرب دون أن يعترضهم أحد، فالعرب افتخروا ببعث رسول الله ﷺ من بينهم، وبحملهم للرسالة السامية، وإقامتهم لدولة الإسلام، ومن الواجب أن يكون لهم شأن في بلادهم.
فقد أثارت المدائح النبوية وما تضمنته من مدح للعرب، في نفوس العرب الرغبة في الانتصاف، وأحيت الأمل باسترجاع مكانتهم في الدولة الإسلامية، وذكّرت الناس بحقهم، ووجوب مراعاة جانبهم، لفضلهم السابق ولشرفهم ببعث رسول الله ﷺ منهم.
ولو دققنا في الحركة الثقافية في العصر المملوكي، لوجدنا أنها جانب من حركة البحث عن الذات القومية التي تجلت في العناية بالتاريخ القومي والسير الشعبية وموسوعات التراث العربي.
وإضافة إلى ذلك كله كان الاعتقاد قويا بكل ما يتعلق برسول الله ﷺ ، ومنه المدح النبوي، وبأثره في سامعيه، فكانت المدائح النبوية عندهم مما يجلب المنافع ويدفع المكاره، ووسيلة للوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وقد أثارت المدائح النبوية جدلا عقائديا بين المسلمين، عرضوا فيها آراءهم ومعتقداتهم، وعرّفوا الناس بها وبأصولها، وتصدى شعراء المدح النبوي لما رأوه انحرافا في العقيدة، يهدّد وحدة المسلمين في عصر، هم فيه بأشد الحاجة إلى الوحدة لمجابهة الغزوات العاتية.
стр. 528
وأفاد الناس أيضا من مجادلة شعراء المدائح النبوية لأهل الكتاب، معرفة بأصول دياناتهم، والتقائها أو افتراقها عن الدين الإسلامي، وردّوا افتراآت الغزاة على الدين الإسلامي الحنيف ونبيه الكريم.
هذه ملامح من أثر المدائح النبوية الاجتماعي، وإلى جانب ذلك كان للمدائح النبوية أثر تعليمي تجلّى في المعلومات التاريخية والدينية، وصور البطولة والعظمة، والمواقف الأخلاقية الفذة، والقدوة الحسنة، والدروس المفيدة، التي حفلت بها المدائح النبوية، ولا بد أن الناس أفادوا منها تاريخا وخلقا ومعرفة بسيرة رسول الله ﷺ ومعجزاته، وأنهم حاولوا الاقتداء بسنّته والابتعاد عمّا يخالفها.
لقد نقل شعراء المدح النبوي المقاصد الدينية إلى الشعر، وتابعوا الدين في توجيه الناس، وإرساء روح الجماعة بينهم، ومحاربة العادات السيئة والأوضاع الخاطئة، وتقديم القدوة من حياة رسول الله ﷺ وسيرته. ووضعوا المعلومات الدينية والتاريخية في قالب الشعر الذي يصل إلى كل الناس، ويسهل حفظه، فأوصلوا إلى معاصريهم المعاني الإنسانية والنفسية والاجتماعية، ومقومات الأمة ومثلها العليا، التي أكسبتها شخصيتها لتتوارث وتستمر.
وظهر للمدح النبوي أثر في الشعر العربي آنذاك، تجسد في وجوه عدة، منها رسوخه غرضا شعريا مستقلا، وأخذه حيّزا كبيرا من الشعر المنظوم في ذلك العصر، وتأثيره في أغراض الشعر الآخرى.
وكان الشعراء يرون للمدح النبوي تأثيرا في شعرهم وشاعريتهم، فهو من ناحية يدخل السرور والطمأنينة إلى النفوس المؤمنة، ويشعرها بالارتياح، فيأتي شعرها رائقا.
بعيدا عن أدواء الشعر، وهو من ناحية ثانية يجعل شعرهم منتشرا بين الناس، ويشهرهم، ولذلك يحرصون على إجادته والاحتفال به، كيلا ينحدروا في نظمه
стр. 529
انحدارهم في نظم الموضوعات الآخرى، وبذلك يكون موضوع المدح النبوي دافعا للإبداع وحث القرائح، والإجادة.
وإلى جانب ذلك بلغ هذا الفن من الاتساع حدا كبيرا، إلى أن أصبح الفن الشعري الأول في العصر المملوكي، وتجلى ذلك في الدواوين الكثيرة المقتصرة على المدح النبوي، والمجموعات الشعرية الكبيرة الموقوفة عليه، والقصائد الكبيرة التي لم تعهد في الشعر العربي من قبل، ومشاركة كل الشعراء، أو من يأنس في نفسه مقدرة شعرية، مهما كانت بسيطة، في نظم المدائح النبوية.
ولا شك أن هذه الرغبة الكبيرة في المشاركة بفن المدح النبوي قد دفعت الراغبين إلى الدرس والتحصيل والاستعداد لنظم الشعر، فكان المدح النبوي أحد دوافع التعلم والتثقف، وأحد العوامل التي حثت القرائح وأعملت العقول، ومنعت الشعراء من الاستغراق كليّا في الصنعة الجامدة، والألاعيب اللفظية، فقداسة الموضوع حتّمت عليهم الارتقاء بشعرهم، والحرص على جزالته، لأنه لا شيء أهم من الشعر الديني يستحق عناء الدرس وبذل الجهد، وبذلك حافظ شعر المدح النبوي على شيء من الأصالة والجزالة، لم تتوفر للموضوعات الآخرى.
فالمدح النبوي بعث الحركة والنشاط في الشعر المملوكي، وحافظ على صورته الأصلية، وإن كان قد تأثر بأشكال التعبير الشعري التي عرفت آنذاك.
ودخلت مفردات المدح النبوي إلى قصائد الموضوعات الآخرى في شعر ذلك العصر، فكان الشعراء يختتمون قصائدهم بالصلاة على النبي، أو يفتتحونها بمدح النبي ﷺ ، أو يمدحون الخلفاء ببعض ما يمدح به رسول الله ﷺ ، أو يقدّمون للقصائد بما يقدم به للمدائح النبوية، أو يتمثّلون بأحوال رسول الله ﷺ ، أو يستعيرون تعابير المدح النبوي للتعبير بها في المواضيع الآخرى كالمدح والغزل.
стр. 530
إن ظهور القصائد الطويلة في المدح النبوي جعل بعض النقاد يتسائلون عما إذا كانت المدائح النبوية قد قدمت الشكل الشعري الأقرب إلى الملاحم بعد القصائد التاريخية والسير الشعبية، في حين أنكر بعض الباحثين وجود الملاحم أو ما يقاربها في الأدب العربي.
ففي المدح النبوي عناصر كثيرة تلتقي مع فن الملحمة، فيه يمتزج العالم الواقعي بالعالم الروحي، وفيه عرض لحروب بطولية خارقة، وفيه قيم إنسانية نبيلة، وفيه سرد لأحداث الدعوة الإسلامية، ولحياة رسول الله ﷺ ، ولنشوء الأمة وصراعها مع الأمم الآخرى، وفيه تجسيد للإنسان الكامل، والبطل الإنساني المطلق، والمثل الأعلى للإنسانية، وهذه كلها من عناصر الملحمة ومقوماتها.
فالمدائح النبوية حملت روح التغيير في الشعر العربي، لكن تجسيدها كان ضمن الحدود المعروفة والشكل الخارجي للقصيدة العربية، فلم تكن ملامح الملحمة على وضوحها عند غير العرب، وليس مهما أن تكون لدينا ملاحم متطابقة مع فن الملاحم عند الأمم الآخرى، ولكن المهم أن العبقرية العربية لم تكن قاصرة على إبداع مثل هذا الفن، وألا يعد غيابه قصورا في التفكير، وجفافا في القريحة، وضيقا في الأفق.
فإن لم تكن هذه القصائد ملاحم بالمفهوم المعروف لها، فلتكن ملاحم عربية، ولتكن لها شخصيتها المستقلة مثلما للأمة شخصيتها المستقلة، ولتكن الفن الذي يقابل الملاحم عند الأمم الآخرى.
وكان للمدح النبوي أثر وتأثر بالبديع الذي كان سائدا في ذلك العصر، فالبديع ظهر بدرجات متفاوتة في قصائد المدح النبوي، وطغى على بعضها، فأحالها إلى ما يقرب من المنظومات التعليمية، وكان من نتائج الإغراق في الصنعة البديعية عند شعراء المدح النبوي، ظهور لون خاص من المدائح النبوية، هو البديعيات، التي جمعت بين المدح النبوي وفنون البديع، فتم بذلك المزاوجة بين أكثر فنون الشعر انتشارا وبين الصنعة