وصاروا عنده في الحقّ سواء.
مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات،
يسعى في صلاح الظاهر والباطن.
(وصاروا عنده في الحقّ سواء) أي: مستوين في الحقّ لسلامته من الأغراض النفسانية الحاملة للإنسان على اتباع هواه، فالبعيد عن الحقّ والطالب له عنده سواء فيوصل بكلّ إنسان منهم ما يستحقّه ويليق به، ولا يطمع أحد منهم أن يتميّز على أحد عنده لكمال عدله.
(مجلسه مجلس حلم) - بكسر الحاء واللام؛ أي: منه عليهم. وفي نسخة من «الشمائل» : علم؛ بدل: حلم، أي: يفيدهم إيّاه، كما قال تعالى وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [١٢٩/ البقرة] .
(وحياء) أي: منهم، فكانوا يجلسون معه على غاية من الأدب؛ كأنّما على رؤوسهم الطير.
(وصبر) أي: منه ﷺ على جفوتهم، لقوله تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] .
(وأمانة) أي: منهم على ما يقع في المجلس من الأسرار، والمراد أنّ مجلسه مجلس كمال هذه الأمور، لأنه مجلس تذكير بالله تعالى، وترغيب فيما عنده من الثواب، وترهيب مما عنده من العقاب فترقّ قلوبهم، فيزهدون في الدنيا ويرغبون في الآخرة.
(لا ترفع) البناء للمفعول (فيه) أي: في مجلسه (الأصوات) ؛ أي:
لا يرفع أحد من أصحابه صوته في مجلسه ﷺ إلّا لمجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ وما أشبه ذلك، لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [٢/ الحجرات] ﷺ ، فكانوا ﵁ [م] على غاية من الأدب في مجلسه، بخلاف كثير من طلبة العلم، فإنّهم يرفعون أصواتهم في الدروس؛ إما لرياء، أو بعد فهم.
стр. 1017
ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته. متعادلين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين، ...
(ولا تؤبن) - بضم التاء وسكون الهمزة، ويجوز إبدالها واوا وفتح الموحدة المخففة وتشدّد أيضا، وآخره نون- من الأبن- بفتح الهمزة- وهو العيب؛ أي:
لا تعاب (فيه) أي: في مجلسه ﷺ (الحرم) - بضم الحاء وفتح الراء، وبضمّها- جمع حرمة؛ وهي: ما يحترم ويحمى من أهل الرجل.
والمعنى: لا تعاب فيه حرم الناس بقذف؛ ولا غيبة ونحوها، بل مجلسه مصون عن كلّ قول قبيح.
(ولا تنثى) - بضمّ أوّله وسكون النون، وفتح المثلاثة- من «نثا الحديث» :
حدّث به وأشاعه، أي: لا تشاع ولا تذاع (فلتاته) - بفتح الفاء واللام- أي:
هفوات مجلسه، فالضمير للمجلس، والفلتات جمع فلتة؛ وهي: الهفوة، فإذا حصل من بعض حاضريه هفوة لا تشاع ولا تذاع، ولا تنقل عن المجلس، بل تستر على صاحبها إذا صدرت منه؛ على خلاف عادته وطبعه.
هذا ما يعطيه ظاهر العبارة!! والأولى جعل النفي منصبّا على الفلتات نفسها، لا وصفها؛ من الإشاعة والإذاعة.
فالمعنى: لا فلتات فيه أصلا، فلم يكن شيء منها في مجلسه ﷺ ، وليس منها ما يصدر من أجلاف العرب؛ كقول بعضهم «أعطني من مال الله؛ لا من مال أبيك وجدّك» ، بل ذاك دأبهم وعاداتهم.
(متعادلين) أي: كانوا متعادلين، فهو خبر «كان» مقدّرة.
والمعنى أنّهم كانوا متساوين، فلا يتكبّر بعضهم على بعض، ولا يفتخر عليه بحسب أو نسب.
(بل كانوا يتفاضلون) أي: يفضل بعضهم على بعض (فيه) أي: في مجلسه ﷺ (بالتّقوى) علما وعملا، (متواضعين) حال من الواو في
стр. 1018
يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه.
وكان ﷺ أحسن النّاس خلقا.
«يتفاضلون» أي: حال كونهم متواضعين (يوقّرون) أي: يعظّمون (فيه) أي:
في مجلسه ﷺ (الكبير) - بفتح الكاف- (يرحمون فيه الصّغير) - بفتح الصّاد وكسرها- لما ورد: «ليس منّا من لّم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر كبيرنا» رواه الترمذي في «جامعه» ؛ عن أنس.
(ويؤثرون ذا الحاجة) أي: يقدّمونه على أنفسهم في تقريبه للنبي ﷺ ليقضي حاجته منه. (ويحفظون الغريب) . يحتمل أنّ المراد الغريب من الناس- كما هو المتبادر- فالمعنى يحفظون حقّه وإكرامه لغربته، ويحتمل أنّ المراد الغريب من المسائل، فالمعنى يحفظونه بالضبط والإتقان؛ خوفا من الضياع.
(و) في كتاب «الإحياء» و «كشف الغمة» للشعراني:
(كان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه) . وهذا مستفاد مما سبق في الحديث أنّه جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزآ لله، وجزآ لأهله، وجزآ لنفسه، كما جزّأ خروجه ثلاثة أجزاء:
لله؛ وهو وقت الصلاة والتعليم، وجزآ لنفسه؛ وهو ما تدعو إليه ضرورته، وجزآ للناس؛ وهو السعي في حوائجهم.
(و) أخرج مسلم- واللفظ له؛ من حديث طويل- والترمذيّ؛ عن أنس بن مالك قال:
(كان) رسول الله ﷺ أحسن) - ورواية الترمذي: من أحسن- (النّاس خلقا) - بضمتين- لحيازته جميع المحاسن والمكارم وتكاملها فيه. ولما اجتمع فيه
стр. 1019
وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق.
وعرّفوا (حسن الخلق) بأنّه: مخالطة النّاس بالجميل، والبشر، واللّطافة، وتحمّل الأذى، والإشفاق عليهم، والحلم «١» ، والصّبر، وترك التّرفّع والاستطالة عليهم، وتجنّب الغلظة والغضب والمؤاخذة.
من خصال الكمال وصفات الجلال والجمال ما لا يحصره حدّ، ولا يحيط به عدّ؛ أثنى الله عليه به في كتابه بقوله وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم] .
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ دائم البشر) - بكسر الموحّدة وسكون الشين- أي: طلاقة الوجه وبشاشته ظاهرا مع الناس، فلا ينافي أنّه كان متواصل الأحزان باطنا؛ اهتماما بأهوال الآخرة؛ خوفا على أمّته.
(سهل الخلق) - بضمّتين- أي: ليّنه ليس بصعبه، ولا خشنه، فلا يصدر عنه ما يكون فيه إيذاء لغيره بغير حقّ.
قال الباجوريّ في «حاشية الشمائل» : (وعرّفوا حسن الخلق بأنّه مخالطة النّاس بالجميل) ؛ قولا وفعلا، (والبشر) : طلاقة الوجه، (واللّطافة) : اللّين (وتحمّل الأذى) منهم؛ (والإشفاق) أي: الخوف (عليهم) ممّا قد يضرّهم، ( [والحلم] ) - بكسر الحاء- وهو: ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب.
وفي معناه من قال: «هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى» .
(والصّبر) عليهم، (وترك التّرفّع) عليهم، (و) ترك (الاستطالة عليهم) في إعراضهم، (وتجنّب الغلظة) ؛ أي: الخشونة في القول، (و) تجنّب (الغضب) أي: أسبابه المهيّجة له، (و) تجنّب (المؤاخذة) عن مستحقّها بجناية.
стр. 1020
وعن عليّ كرّم الله وجهه: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا، وأوسع النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة..
هابه، ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
(و) في «الإحياء» ؛ (عن عليّ) رضي الله تعالى عنه و (كرّم الله وجهه) في الجنة قال: (كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا) أي: بذلا للمعروف، (وأوسع النّاس صدرا) أي: قلبا قد وسع الناس بسطه وخلقه، (وأصدق النّاس لهجة) - بفتحتين أي: بفتح فسكون- أي: لسانا، أي كان لسانه ﷺ أصدق الألسنة، إذ هو أفصح الخلق، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا. كان حسن كلامه يأخذ بمجامع القلوب.
(وأوفاهم ذمّة) أي: عهدا (وألينهم عريكة) أي: طبيعة، فهو مع الناس على غاية من السلامة والمطاوعة، وقلّة الخلاف والنفور، (وأكرمهم عشرة) - بكسر العين المهملة-: اختلاطا وصحبة.
(من رآه بديهة) أي: فجأة من غير قصد (هابه) أي: أخذته الهيبة لما كان يظهر عليه من عظم الجلالة والمهابة والوقار.
(ومن خالطه معرفة أحبّه) ، لكمال حسن عشرته وباهر عظيم تألّفه.
(يقول ناعته) أي واصفه (: لم أر قبله ولا بعده مثله) ﷺ ، للزوم هذا الوصف له وظهوره عند من له أدنى بصيرة، فلما لم يخف كان كلّ واصف ملزوما بأن هذا القول يصدر عنه؛ وإن لم يصدر عنه التصريح به غفلة وذهولا.
فالرؤية هنا علميّة، أي: لم أعلم به مماثلا في وصف من أوصاف الكمال.
قال العراقي: رواه الترمذي وقال: ليس إسناده بمتّصل، أي: وفيه مخالفة يسيرة لما في الترمذي.
стр. 1021
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أعلم النّاس، وأورع النّاس، ...
(و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى:
(عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أعلم النّاس وأورع النّاس) الورع: هو اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات، فتركه الريبة في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الأحكام إلى يقين الحلّ هو الورع المحمود، العميم النفع، العظيم الجدوى في الدنيا والآخرى.
قال في «منهل الورّاد» : الورع عامّ وخاصّ،
فالعامّ: هو التورّع عما يوجب الفسق، وذلك ما يحرّمه الفقهاء.
وأما ورع الخاصّة! فهو على ثلاث درجات.
الأولى: ورع الصالحين المشار إليه بقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وهو الحذر عما يطرق إليه احتمال التحريم، وإن أفتى المفتي بحلّه بناء على الظاهر، لأنّ مطمح الفقيه إلى ظاهر الأمر، كمن أساء معاشرة زوجته حتّى تبرئه من المهر، فيفتي المفتي الفقيه أن الإبراء صحيح، مع أنّه لا يحلّ للمبرىء المهر بينه وبين الله تعالى.
الثانية: ورع المتقين المشار إليه بقوله ﷺ : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس» . قال المناوي: أن يترك فضول الحلال؛ حذرا من الوقوع في الحرام.
ومن هذا القبيل ترك النظر إلى تجمّل أهل الدنيا، فإنّه يحرّك داعية الرغبة فيها.
الثالثة: ورع الصديقين؛ وهو صحّة اليقين وكمال التعلّق بربّ العالمين، وعكوف الهمّة عليه، وهذه رتبة قوم عدّوا كلّ ما لم يكن لله عدّوه حراما، فاجتنبوا كلّ ما لا يراد بتناوله القوّة على طاعة الله تعالى.
وهؤلاء قد ذهب معظمهم، لا يكاد يوجد أحد منهم.
стр. 1022
وأزهد النّاس، ...
فالفالح في زماننا: من كان ورعه ورع العدول غير مشدّد على نفسه بقوله «أموال الدنيا كلها حرام لكثرة الأيدي الغاصبة والمعاملات الفاسدة» . أي: فهذا مشدّد على نفسه، بل يراجع القلب مسترشدا بقوله ﷺ : «الإثم ما حاك في الصّدر وتردّد في القلب» . وقوله ﷺ : «استفت قلبك؛ وإن أفتاك النّاس وأفتوك» . إذ الإنسان غير متعبّد بما هو في نفس الأمر حلال، بل بما هو في اعتقاده أنّه حلال إلّا إن بان له شيء ظاهر في تحريمه. وهذا باب واسع. وقد أجاد بالتفصيل فيه الإمام الغزاليّ جزاه الله خيرا عن الإسلام، ورزقنا التوفيق وحسن الختام.
(وأزهد النّاس) الزهد: هو ترك فضول الحلال. أو هو بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلبا لراحة الآخرة.
وقال سيدنا الحبيب عبد الله بن علوي الحدّاد في «النصائح» : حقيقة الزهد خروج حبّ الدنيا والرغبة فيها من القلب، وهوان الدنيا على العبد؛ حتّى يكون إدبارها وقلّة الشيء منها أحبّ إليه من ضدّه! وهذا من حيث الباطن، وفي الظاهر يكون منزويا عنها ومتجافيا؛ اختيارا؛ مع القدرة عليها ويكون مقتصرا من سائر أمتعتها- مأكلا؛ وملبسا؛ ومسكنا وغير ذلك- على ما لا بدّ منه دون النعم والتمتع بشهواتها، انتهى.
وقال في «منهل الورّاد» : الزهد خلاف الرغبة: لغة، يقال «زهد في الشيء وعنه» ؛ أي: لم يرغب فيه. وحقيقة: انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وفضل الزهد شهير، قال الله تعالى وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا الآية إلى قوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) [١٣١- ١٣٢/ طه] .
والزهد على قسمين:
زهد في الدنيا: لأنها تلهي عن الله، وعن خدمته، وعن الأعمال الصالحة؛ مع أنها لا تصفو لصاحبها، بل لا يزال صاحبها في عناء ومحن وبلاء.
стр. 1023
وأكرم النّاس، وأعدل النّاس، وأحلم النّاس، وأعفّ النّاس، لم تمسّ يده يد امرأة لا يملك رقّها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه ﷺ .
وزهد فيما في أيدي الناس قال ﷺ : «ازهد في الدّنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس يحبّك النّاس» .
ثم إن للزهد درجات: فزهد في الحرام والشبهة؛ وهو في معنى التقوى، وزهد فيما زاد على الحاجة.
ومن فوائد الزهد أنّ فيه فراغا للروح والبدن بالطاعة، والرغبة فيها، والتجنّب عن الشبهات. انتهى ملخصا من «منهل الوراد» .
(وأكرم النّاس) روى البخاريّ ومسلم؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه:
كان ﷺ أحسن النّاس، وأشجع الناس، وأجود النّاس. وسيأتي قريبا.
(و) كان ﷺ (أعدل النّاس) قد تقدّم في حديث عليّ الطويل قوله «وصار ما عنده في الحقّ سواء ... الحديث» .
ومعنى «أعدل الناس» أي: أكثرهم عدلا.
(و) كان ﷺ (أحلم النّاس) . قال العراقي: رواه أبو الشيخ في «كتاب الأخلاق» ؛ من رواية عبد الرحمن بن أبزى: كان رسول الله ﷺ من أحلم الناس ... الحديث. وهو مرسل. انتهى.
وسيأتي حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة، من أحبار اليهود. قال الواسطي لما سئل: لأي شيء كان رسول الله ﷺ أحلم النّاس؟! قال: لأنه خلق روحه أوّلا؛ فوقع له صحّة التمكين والاستقرار.
(و) كان ﷺ (أعفّ النّاس) أي: أكثرهم عفّة، وهي- بالكسر- حصول حالة للنفس يمتنع بها عن غلبة الشهوة، ولذلك قال: (لم تمسّ يده يد امرأة لا يملك رقّها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه ﷺ .
стр. 1024
وعن أنس أيضا: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس.
قال العراقي: رواه الشيخان؛ من حديث عائشة: ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلّا امرأة يملكها. انتهى.
وأخرجه الترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود بألفاظ مختلفة؛ عن عائشة ﵂.
والمفهوم من هذه الأحاديث أنّه ﷺ لم تمسّ يده قطّ يد امرأة غير زوجاته، وما ملكت يمينه؛ لا في مبايعة ولا في غيرها، وإذا هو لم يفعل ذلك مع عصمته وانتفاء الرّيبة في حقّه، فغيره أولى بذلك؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه من حديث طويل؛ (عن أنس أيضا) رضي الله تعالى عنه:
(كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس) صورة وسيرة.
(وأجود النّاس) بكلّ ما ينفع، كما أنّه أكملهم في سائر الأوصاف، فكان جوده يجمع أنواع الجود؛ من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكلّ طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم.
وكان جوده ﷺ كلّه لله تعالى، وفي ابتغاء مرضاته.
(وأشجع النّاس) أي: أقواهم قلبا، وأجرأهم في حال البأس، فكان الشجاع منهم الّذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ منهزما، ولا تحدّث عنه بفرار، وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي.
قال السيوطي: بل يؤخذ ذلك من النصّ القرآني كقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ [٧٣/ التوبة] فكلّفه وهو فرد جهاد الكلّ؛ ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا
стр. 1025
وكان ﷺ أرأف النّاس بالنّاس، وأنفع النّاس للنّاس، وخير النّاس للنّاس.
وكان ﷺ أصبر النّاس على أقذار النّاس.
وعن خارجة بن زيد بن ثابت ...
وُسْعَها [٢٨٦/ البقرة] ولا ضير في كون المراد هو ومن معه، إذ غايته أنه قوبل بالجمع، وذلك مفيد للمقصود. انتهى «مناوي» .
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ أرأف النّاس بالنّاس، وأنفع النّاس للنّاس، وخير النّاس للنّاس) هذا من المعلوم.
قال في «شرح الإحياء» : روينا في الجزء الأول من «فوائد أبي الدحداح» ؛ من حديث علي رضي الله تعالى عنه- في صفة النبي ﷺ : كان أرحم النّاس بالناس. الحديث. بطوله. انتهى.
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ عن إسماعيل بن عيّاش بن سليم العنسي الشامي مرسلا؛ قال في العزيزي: وهو صحيح. قال:
(كان ﷺ أصبر النّاس) أي: أكثرهم صبرا (على أقذار النّاس) ؛ أي:
ما يكون من قبيح فعلهم وسيّء قولهم، لأنه لانشراح صدره يتّسع لما تضيق عنه صدور العامّة، فكانت مساوىء أخلاقهم ومدانىء أفعالهم وسوء مسيرهم وقبح سيرتهم في جنب سعة صدره؛ كقطرة دم في قاموس اليمّ، وفيه شرف الصبر.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» بسنده (عن) أبي زيد (خارجة بن زيد بن ثابت) بن الضّحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النّجّار الأنصاري النّجّاري المدني التابعي.
كان إماما بارعا في العلم، اتفقوا على توثيقه وجلالته، أدرك عثمان، وسمع أباه زيدا وعمّه يزيد، وأمّ العلاء الأنصاريّة، وأسامة بن زيد.
стр. 1026
قال: دخل نفر على زيد بن ثابت ...
روى عنه سالم بن عبد الله والزّهريّ ويزيد بن عبد الله بن قسيط، وأبو الزناد وآخرون.
وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين هم: ١- سعيد بن المسيب، و ٢- عروة بن الزبير، و ٣- القاسم بن محمد، و ٤- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، و ٥- خارجة بن زيد، و ٦- سليمان بن يسار. وفي السابع ثلاثة أقوال؛ فقيل: ٧- سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل: ٧- أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: ٧- أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وعلى هذا جمعهم الشاعر في قوله:
ألا كلّ من لّا يقتدي بأئمّة ... فقسمته ضيزى عن الحقّ خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه
توفي بالمدينة المنورة سنة: مائة، وقيل: سنة تسع وتسعين، وهو ابن سبعين سنة- بتقديم السين-.
خرّج له الجماعة رحمه الله تعالى.
(قال دخل نفر) - بفتحتين-: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ بل من معناه؛ وهو رجل.
(على زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ.
الصحابيّ المشهور المدني. الفرضي الكاتب «كاتب الوحي والمصحف والمراسلات» .
أحد الأربعة الذين حافظوا القرآن على عهد المصطفى [ ﷺ ] «١» ، وأحد الثلاثة
стр. 1027
رضي الله تعالى عنه فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ .
قال: ماذا أحدّثكم؟ ...
الذين جمعوا المصحف.
أعلم الصحابة بالفرائض، وكان عمره حين قدم رسول الله ﷺ المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ ستة عشر سورة قبل قدوم المصطفى ﷺ المدينة مهاجرا.
واستصغره النبيّ ﷺ يوم بدر فردّه، وشهد أحدا، وقيل: لم يشهدها، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ .
وكان يكتب لأبي بكر وعمر بن الخطاب في خلافتهما، وكان عمر يستخلفه إذا حجّ، وكان معه حين قدم الشام، وهو الذي تولّى قسمة غنائم اليرموك، وكان عثمان يستخلفه إذا حجّ، وكان من الراسخين في العلم، وكان على بيت المال لعثمان. وأحواله كثيرة مشهورة.
روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا؛ اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بحديث.
روى عنه جماعات من الصحابة؛ منهم: ابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وأبو هريرة. وخلائق من كبار التابعين، منهم ابن المسيب، وسليمان وعطاء: إبنا يسار.
وتوفي بالمدينة المنورة سنة: أربع وخمسين. وقيل غير ذلك.
ولما دفن قال الحبر ابن عباس: هذا ذهاب العلماء! دفن اليوم علم كثير.
(رضي الله تعالى عنه.
فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ ، كأنهم سألوه أن يحدّثهم أحاديث الشمائل فاستعظم التحديث فيها؛ فلذلك (قال: ماذا أحدّثكم) كأنّ شمائله لا يحاط بها، وإن انتهى بها المحدّث إلى أقصى الغاية، ولذلك لم يتعاط أكابر
стр. 1028
كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي.. بعث إليّ فكتبته له، فكنّا إذا ذكرنا الدّنيا.. ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة.. ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطّعام ...
الشعراء كأبي تمّام ونحوه مدحه وذكر شمائله، لعلمهم باستغنائه عن ذلك، واستشعارهم من أنفسهم العجز عن الوفاء بحقّه فيه، فهو الحقيق بقول القائل:
تجاوز قدر المدح حتّى كأنّه ... بأحسن ما يثنى عليه يعاب
فكلّ علوّ في حقّه تقصير، فلا يمكن أحد الإحاطة بها، بل ولا ببعضها من حيث الحقيقة والكمال، فالاستفهام تعجّب أفادهم به ردّ ما وقع في خاطرهم من طلب الإحاطة بها، لكن لمّا كان من المقرّر أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه أفادهم بعضا منها على وجه يدلّ على غاية ضبطه وإتقانه لمرويّه؛ فقال:
(كنت جاره) أي: فأنا أعرف بأحواله وأخبر بأسراره، (فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ) ؛ أي: لكتابة الوحي غالبا، كما يدلّ عليه قوله (فكتبته) أي:
الوحي (له) ، فهو من جملة كتبة الوحي، بل هو أجلّهم «١» وهم تسعة؛ ١- زيد المذكور، ٢- وعثمان، ٣- وعلي، ٤- وأبيّ، ٥- ومعاوية، ٦- وخالد بن سعيد، و ٧- حنظلة بن الربيع، و ٨- والعلاء بن الحضرمي، و ٩- أبان بن سعيد.
(فكنّا) معاشر الصحابة (إذا ذكرنا الدّنيا) ذما أو مدحا، لكونها مزرعة الآخرة ومحلّ الاعتبار لأرباب المعرفة؛ (ذكرها معنا) أي: ذكر الأمور المتعلّقة بالدنيا المعينة على أمور الآخرة، كالجهاد وما يتعلّق به؛ من المشاورة في أموره.
(وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا) ، وبيّن لنا تفاصيل أحوالها، وما يترتّب عليها من الأمور المرغّبة والمرهّبة وغيرها.
(وإذا ذكرنا الطّعام) ، أي: ضرره ونفعه، وآداب أكله، وبيان أنواعه من
стр. 1029
ذكره معنا، فكلّ هذا أحدّثكم عن رسول الله ﷺ ؟!.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتناشدون الشّعر بين يديه أحيانا، ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة، ويضحكون، فيتبسّم هو إذا ضحكوا، ولا يزجرهم إلّا عن حرام.
المأكولات والمشروبات والفواكه وسائر المستلذّات (ذكره معنا) ، وأفاد ما في كلّ واحد من الحكم المتعلّقة به، وما يتعلق به من منفعته ومضرّته؛ كما يعرف من الطبّ النبوي، وإنما ذكر معهم الدنيا والطعام!! لأنه قد يقترن به فوائد علميّة وأدبية، على أن فيه بيان جواز تحدّث الكبير مع أصحابه في المباحات.
(فكلّ) - الرواية بالرفع، لكنه لا يمتنع جواز النصب؛ على أنه مفعول مقدّم «أحدّثكم» ، بل هو أولى لاستغنائه عن الحذف-.
(هذا أحدّثكم عن رسول الله ﷺ ؟!) لتتفقّهوا في الدين فترفعوا إلى درجات المقربين!! وإنما ذكر هذا ليؤكد به اهتمامه بالحديث.
(و) في «الإحياء» : (كان أصحاب رسول الله ﷺ يتناشدون الشّعر) ؛ أي يرادّ بعضهم بعضا الأشعار الجائزة. والتّناشد والمناشدة مرادّة البعض على بعض شعرا (بين يديه أحيانا) فيسمعهم، (ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة) ، وهي الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الإسلام.
(ويضحكون؛ فيتبسّم هو إذا ضحكوا) ولا يزيد على ذلك، (ولا يزجرهم إلّا عن حرام) . ويؤخذ منه حلّ إنشاد الشعر، واستماعه؛ إذا كان لا فحش فيه، وإن اشتمل على ذكر أيّام الجاهلية، ووقائعهم في حروبهم، ومكارمهم ونحو ذلك.
وهذا الحديث رواه الترمذي في «الشمائل» ؛ عن جابر بن سمرة دون قوله «ولا يزجرهم إلا عن حرام» . وروى مسلم بعضا منه.
ورواه البيهقيّ في «الدلائل» ؛ كلاهما عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه
стр. 1030
وكان رسول الله ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه، وتعجّبا ممّا تحدّثوا به، وخلطا لنفسه بهم.
ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه.
باختلاف في الألفاظ.
(و) في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجّبا ممّا تحدّثوا به، وخلطا لنفسه بهم) .
روى الترمذيّ؛ من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ .
وفي «الصحيحين» ؛ من حديث جرير: ولا رآني إلّا تبسّم.
وللترمذي في «الشمائل» ؛ من حديث علي: يضحك مما يضحكون منه، ويتعجّب مما يتعجّبون منه.
ولمسلم؛ من حديث جابر بن سمرة: كانوا يتحدّثون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسّم.
(ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه) ؛ أي: أضراسه. وقيل: أربع آخر الأسنان، كلّ منهم يسمى «ضرس العقل» ، لأنه لا ينبت إلّا بعد البلوغ. وقيل:
أنيابه. وقيل: ضواحكه.
وفي «القاموس» : هي أقصى الأسنان، أو الأنياب، أو التي على الأنياب؛ أو الأضراس.
قيل: ضحكه إلى أن يبدو آخر أسنانه بعيد من شيمته، فلذا قيل: المراد المبالغة في كون ضحكه هذا فوق ما كان يصدر.
ويؤيده قول الجوهريّ «حتّى بدت نواجذه» إذا استغرب منه، وقد جاء ذلك في المتفق عليه؛ من حديث ابن مسعود في قصّة «آخر من يخرج من النار» . وفي قصّة الحبر الّذي قال «إنّ الله يضع السماوات على إصبع» . ومن حديث أبي هريرة
стр. 1031
وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم؛ اقتداء به، وتوقيرا له.
قالوا: وقد جاءه أعرابيّ يوما؛ وهو ﷺ متغيّر اللّون ينكره أصحابه، فأراد أن يسأله، فقالوا: لا تفعل يا أعرابيّ، فإنّا ننكر لونه. فقال: دعوني، فو الّذي بعثه بالحقّ نبيّا؛ لا أدعه حتّى يتبسّم. فقال: يا رسول الله؛ بلغنا أنّ المسيح- يعني:
الدّجّال- يأتي النّاس بالثّريد وقد هلكوا جوعا.. أفترى لي- بأبي أنت وأمّي- أن أكفّ عن ثريده تعفّفا وتنزّها حتّى أهلك هزالا، أم أضرب في ثريده حتّى إذا تضلّعت شبعا.. آمنت بالله وكفرت به؟!
قالوا: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه.
قصة «المجامع في رمضان» وغير ذلك.
وفي كلّ ذلك دليل على أنّ الضحك في مواطن التعجّب؛ سيما ما هو في مثل تعجّبه ﷺ لا يكره، ولا يخرم المروءة؛ إذا لم يجاوز به الحدّ المعتاد.
(وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم؛ اقتداء به، وتوقيرا له) . رواه الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من حديث هند بن أبي هالة في أثناء حديثه الطويل.
(قالوا: وقد جاءه أعرابيّ) ؛ أي: من سكّان البادية (يوما وهو ﷺ متغيّر اللّون ينكره أصحابه، فأراد) ذلك الأعرابيّ (أن يسأله) في شيء، (فقالوا:
لا تفعل يا أعرابيّ؛ فإنّا ننكر لونه. فقال: دعوني؛ فو الّذي بعثه بالحقّ نبيا؛ لا أدعه حتّى يتبسّم. فقال: يا رسول الله؛؛ بلغنا أنّ المسيح- يعني الدّجّال- يأتي النّاس بالثّريد؛ وقد هلكوا جوعا!! أفترى لي- بأبي أنت وأمّي- أن أكفّ عن ثريده تعفّفا وتنزّها حتّى أهلك هزالا، أم أضرب) بيدي (في ثريده حتّى إذا تضلّعت) أي: امتلأت (شبعا آمنت بالله) وحده، (وكفرت به؟!) - يعني الدجال-.
(قالوا: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه. ثمّ قال: «لا، بل يغنيك
стр. 1032
ثمّ قال: «لا، بل يغنيك الله بما أغنى به المؤمنين» .
وكان ﷺ يتلطّف بخواطر أصحابه، ويتفقّد من انقطع منهم عن مجلسه، وكثيرا ما يقول لأحدهم: «لعلّك يا أخي وجدت منّي، أو من إخواننا شيئا» .
وكان ﷺ إذا فقد الرّجل من إخوانه ثلاثة أيّام..
سأل عنه، فإن كان غائبا.. دعا له، وإن كان شاهدا.. زاره، وإن كان مريضا.. عاده.
الله بما أغنى به المؤمنين» ) .
قال العراقي: وهو حديث منكر، لم أقف له على أصل!.
ويردّه قوله ﷺ في المتفق عليه؛ من حديث المغيرة بن شعبة؛ حين سأله:
إنّهم يقولون: إنّه معه جبل خبز ونهر ماء!!: قال: «هو أهون على الله من ذلك» .
وفي رواية لمسلم: يقولون معه جبال من خبز ولحم ... الحديث!! نعم، في حديث حذيفة وأبي مسعود المتفق عليهما: أنّ معه ماء ونارا ... الحديث.
(و) في «كشف الغمّة» للشعراني ﵀: (كان ﷺ يتلطّف بخواطر أصحابه، ويتفقّد من انقطع منهم عن مجلسه) بالسّؤال عنه، فإن كان غائبا؛ دعا له، وإن كان مريضا؛ عاده- كما سيأتي-.
(وكثيرا ما يقول لأحدهم: «لعلّك يا أخي وجدت منّي، أو من إخواننا شيئا» ) يغضبك؟!!
(و) أخرج أبو يعلى- بإسناد ضعيف- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا فقد) - بالبناء للفاعل- (الرّجل من إخوانه) - أي: لم يره- (ثلاثة أيّام سأل عنه، فإن كان غائبا) ، أي: مسافرا (دعا له، وإن كان شاهدا) أي: حاضرا بالبلد (زاره، وإن كان مريضا عاده) ، لأن الإمام
стр. 1033
وكان ﷺ يقبل على أصحابه بالمباسطة؛ حتّى يظنّ كلّ منهم أنّه أعزّ عليه من جميع أصحابه.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من البشاشة؛ حتّى يظنّ أنّه أكرم النّاس عليه.
وعن عمرو بن العاصي ...
عليه النّظر في حال رعيّته، وإصلاح شأنهم وتدبير أمرهم.
وأخذ منه أنّه ينبغي للعالم إذا غاب بعض الطلبة فوق المعتاد أن يسأل عنه، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل، فإن كان مريضا عاده، أو في غمّ خفّفه عليه، أو في أمر يحتاج لمعونة أعانه، أو مسافرا تفقّد أهله، وتعرّض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإلّا تودّد إليه ودعا له.
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان ﷺ يقبل على أصحابه بالمباسطة) بالكلام وطلاقة الوجه وإظهار التودّد لهم، (حتّى يظنّ كلّ منهم أنّه أعزّ عليه من جميع أصحابه) .
وسيأتي ما يؤيّده ويشهد له؛ من حديث عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه.
(و) في «كشف الغمّة» أيضا: (كان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه) ؛ أي: حظّه (من البشاشة) أي: طلاقة الوجه والإقبال عليه، (حتّى يظنّ) ؛ أي:
جليسه (أنّه أكرم النّاس عليه) ﷺ ، لما يرى من ملاطفته له ومؤانسته، وذلك من كمال خلقه ﷺ .
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده؛ (عن) أبي عبد الله- ويقال: أبو محمد- (عمرو بن العاصي) - الجمهور على كتابته بالياء؛ وهو الفصيح عند أهل العربية. ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه؛ أو أكثرها بحذف الياء، وهي لغة.
стр. 1034
رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أشرّ القوم يتألّفهم بذلك، ...
أسلم عام خيبر أوّل سنة سبع، وقيل: أسلم في صفر سنة ثمان؛ قبل الفتح بستّة أشهر، وقيل غير ذلك.
وقدم على رسول الله ﷺ هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة فأسلموا، ثمّ أمّره رسول الله ﷺ في غزوة ذات السلاسل على جيش هم ثلاثمائة، فلما دخل بلادهم استمدّه فأمدّه بجيش من المهاجرين الأوّلين؛ فيهم أبو بكر وعمر، وأميرهم أبو عبيدة بن الجرّاح ﵃، وقال لأبي عبيدة: لا تختلفا.
وكان عمرو من دهاة العرب وأبطالهم، وكان قصيرا وذا رأي.
وكانت وفاته ليلة عيد الفطر سنة: ثلاث وأربعين بمصر؛ وهو وال عليها ودفن بها؛ وعمره سبعون سنة. وصلّى عليه ابنه عبد الله.
روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وثلاثون حديثا؛ اتفقا على ثلاثة، ولمسلم حديثان، وللبخاريّ بعض حديث.
روى عنه أبو عثمان النّهدي، وقيس بن أبي حازم، وعروة بن الزّبير وغيرهم (رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه) على حدّ «رأيته بعيني» . (وحديثه) . الإقبال بالحديث معناه: جعل الكلام مع المخاطب وقصده به؛ فهو معنويّ والأوّل حسي (على أشرّ القوم) الكثير حذف الهمزة من «أشر» ، واستعماله بها لغة رديئة؛ أو قليلة. قال في «الكافية» لابن مالك:
وغالبا أغناهم خير وشرّ ... عن قولهم أخير منه وأشرّ
(يتألّفهم) أي: الأشرّ، وإنّما أتى بضمير الجمع!! لأنّه جمع في المعنى، (بذلك) الإقبال المفهوم من الفعل، وإنّما كان يتألّفهم بذلك!! ليثبتوا على الإسلام، أو لاتقاء شرّهم، فاتقاء الشرّ بالإقبال على أهله والتبسّم في وجههم جائز، وأمّا الثناء عليهم!! فلا يجوز، لأنّه كذب صريح.
стр. 1035
فكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتّى ظننت أنّي خير القوم. فقلت:
يا رسول الله؛ أنا خير، أو أبو بكر؟ فقال: «أبو بكر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عمر؟! فقال: «عمر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عثمان؟ فقال: «عثمان» .
فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقني.. فلوددت أنّي لم أكن سألته.
ولا ينافي هذا استواء صحبه في الإقبال عليهم- على ما سبق-!! لأن ذلك حيث لا ضرورة تحوج إلى التخصيص، وتخصيص الأشرّ بالإقبال عليه لضرورة تأليفه.
ومن فوائده أيضا: حفظ من هو خير عن العجب والكبر.
(فكان) ؛ لعظم تألّفه وحسن معاشرته وكريم أخلاقه (يقبل بوجهه وحديثه عليّ) - بتشديد الياء-، (حتّى ظننت) من كثرة إقباله (أنّي خير القوم) .
وسبب ذلك أنه كان حديث عهد بالإسلام، ومن رؤساء قومه.
قال الحافظ العراقيّ:
يجالس الفقير والمسكينا ... ويكرم الكرام إذ يأتونا
ليس مواجها بشيء يكرهه ... جليسه بل بالرّضا يشافهه
(فقلت: يا رسول الله) أي: بناء على ظنّه وتردّده في بعض أكابر الصحب.
(أنا خير، أو أبو بكر؟ فقال: «أبو بكر» . فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عمر؟ فقال: «عمر» ، فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عثمان؟ فقال:
«عثمان» . فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقني) - بتخفيف الدال- أي: أجابني بالصدق من غير مراعاة ومداراة؛ (فلوددت) - بكسر الدال واللام للقسم- أي:
أحببت وتمنّيت (أنّي لم أكن سألته) ، وإنّما ودّ ذلك!! لأنه قبل السؤال كان يظنّ إقباله عليه لخيريّته، فلما سأله بان له أن إقباله عليه إنّما هو للتألّف، فندم لذلك.
стр. 1036
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه، حتّى كأنّ مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه للجالس إليه.
ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة.
قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] .
وفيه أنّه ينبغي للشخص ألايسأل عن شيء إلّا بعد تحقّق أمره والتثبت فيه، لأنّه ربّما ظهر خطؤه فيفتضح حاله.
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه) ؛ بالإقبال عليه، (حتّى كأنّ) - بالتشديد- (مجلسه وسمعه) بالإصغاء، (وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه) ؛ كلّ ذلك (للجالس إليه، ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة) .
قال في «شرح الإحياء» : رواه الترمذيّ في «الشمائل» ؛ في حديث عليّ الطويل. وفيه: ويعطي كلّ جلسائه نصيبه؛ لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، وفيه: ومجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة.
(قال) الله (تعالى) ممتنّا عليه في كتابه العزيز (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) [١٥٩/ آل عمران] «ما» زائدة للتأكيد، أي: فبرحمة. وقيل: نكرة موصوفة، و «رحمة» بدل من «ما» (لِنْتَ لَهُمْ) - أي: سهلت أخلاقك لهم- (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) - أي: سيّء الخلق- (غَلِيظَ الْقَلْبِ) - أي: قاسيه على الخلق- (لَانْفَضُّوا) - أي: تفرقوا- (مِنْ حَوْلِكَ) ولم ينتفعوا بقولك.
والمعنى: أنّك لو كنت فظّا غليظ القلب انفضوا عنك، أي: تفرّقوا ولم يجتمعوا عليك، ولكن بلين جانبك لهم؛ وشفقتك عليهم تؤلّف قلوبهم، وتزيد محبّتهم. وهذا امتنان عليه بما جبله الله عليه من الأخلاق الحسنة.
стр. 1037
وكان ﷺ لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ : أنّه كان عنده رجل به أثر صفرة ...
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد» ، وأبو داود، والنسائي في «اليوم والليلة» بسند حسن؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا في وجهه) - يعني: لا يشافهه- (بشيء يكرهه) ، لئلا يشوّش عليه، ولأن مواجهته ربّما تفضي إلى الكفر، لأن من يكره أمره ويأبى امتثاله عنادا؛ أو رغبة عنه: يكفر. وفيه مخافة نزول العذاب.
والبلاء إذا نزل قد يعمّ، ففي ترك المواجهة مصلحة، وقد كان واسع الصّدر جدّا غزير الحياء.
ومنه أخذ بعض أكابر السلف أنّه ينبغي إذا أراد أن ينصح أخا له أن يكتب له في لوح ويناوله له؛ كما في «الشّعب» .
فينبغي للرجل ألايذكر لصاحبه ما يثقل عليه، ويمسك عن ذكر أهله وأقاربه، ولا يسمعه قدح غيره فيه، وكثير من الناس يتقرّب لصاحبه بذلك، وهو خطأ ينشأ عن مفاسد، ولو فرض فيه مصالح؛ فلا توازي مفاسده، ودرؤها أولى.
نعم؛ ينبّهه بلطف على ما يقال فيه، أو يراد به؛ ليحذر.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه) - وهو الحديث المتقدّم آنفا- ورواته رواته مع اختلاف في الألفاظ- وهذا لفظ «الشمائل» :
(عن رسول الله ﷺ أنّه) - أي الحال، والشأن- (كان عنده) أي: عند رسول الله ﷺ (رجل به أثر) أي: عليه بقيّة (صفرة) من زعفران؛ أو ورس.
стр. 1038
قال: وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلمّا قام.. قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصّفرة» .
قال الباجوريّ: (والمراد أنّه لا يكاد يواجه أحدا بمكروه غالبا، فلا ينافي ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنّه قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: «إنّ هذين من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما» .
(قال) أي: أنس (: وكان رسول الله ﷺ غالبا من عادته (لا يكاد يواجه) ؛ أي: لا يقرب من أن يقابل، والمواجهة بالكلام المقابلة به لمن حضر، وهذا لتضمّنه نفي القرب من المواجهة أبلغ من قوله «لا يواجه» ، فالمعنى: لا يقرب من أن يقابل (أحدا) من المسلمين؛ بخلاف الكفّار، فكان يغلظ عليهم باللّسان والسّنان؛ امتثالا لأمر الرحمن (بشيء) من أمر؛ أو نهي (يكرهه) ذلك الأحد، فالضمير المستتر في «يكره» للأحد، والبارز للشيء. (فلمّا قام) أي: الرجل من المجلس؛ (قال) ؛ أي المصطفى ﷺ (للقوم) ؛ أي: أصحابه الحاضرين في المجلس: ( «لو قلتم له يدع) - أي: يترك- (هذه الصّفرة» !!) لكان أحسن، لأن فيها نوع تشبّه بالنساء، ولعل ذلك كان مباحا، وإلّا لما أخّر أمره بتركه لمفارقة المجلس، وجواب «لو» محذوف كما قدّرناه؛ بناء على أنها شرطيّة، ويحتمل أن «لو» للتمنّي؛ فلا جواب لها. والله أعلم.
(قال) العلّامة شيخ الإسلام إبراهيم (الباجوريّ) رحمه الله تعالى في حاشيته على «الشمائل الترمذية» : (والمراد أنّه لا يكاد يواجه أحدا بمكروه غالبا، فلا ينافي) . قال ملا علي قاري في «جمع الوسائل» : وقيّدنا بغالب عادته!! لئلا ينافيه (ما ثبت) في «صحيح مسلم» وغيره (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) رضي الله تعالى عنهما (أنّه قال:
رأى رسول الله ﷺ عليّ) - بتشديد المثناة التحتية- (ثوبين معصفرين؛ فقال:
«إنّ هذين) - أي: الثوبين- (من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما» .
стр. 1039
وفي رواية: قلت: أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما» .
ولعلّ الأمر بالإحراق محمول على الزّجر.
وهذا يدلّ على ما عليه بعض العلماء من تحريم المعصفر، والجمهور ...
وفي رواية) لمسلم أيضا: رأى النبيّ ﷺ عليّ ثوبين معصفرين؛ فقال:
«أمّك أمرتك بهذا» !! (قلت: أغسلهما؟! قال: «بل احرقهما» . ولعلّ الأمر بالإحراق محمول على) التغليظ و (الزّجر) له ولغيره؛ عن تعاطي مثل هذا الفعل نظير أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها، وأمر أصحاب بريرة ببيعها وأنكر عليهم اشتراط الولاء ونحو ذلك.
(وهذا) أي: النهي عن لبس المعصفر (يدلّ على ما) جرى (عليه بعض العلماء) ؛ كالحليمي وصوّبه في «الروضة» ، وجزم به في «الأنوار» ، ومال إليه في «شرح مسلم» ، ومال إليه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري؛ واعتمده ابن حجر في «التحفة» ؛ وفي «شرح بافضل» ؛ (من تحريم) لبس (المعصفر) سواء صبغ قبل نسجه؛ أم بعده- كما في «التحفة» أخذا بإطلاقهم، كما صحّت به الأحاديث، واختاره البيهقيّ وغيره، ولم يبالوا بنصّ الشافعي على حلّه؛ تقديما للعمل بوصيته بالعمل بالأحاديث الصحيحة، كما لم يبالوا بكون جمهور العلماء على حلّه المذكور في قوله:
(والجمهور) من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ قالوا بإباحة المعصفر، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، كما في «شرح مسلم» ؛ لكنه قال: غيره أفضل منه.
وجرى الرّملي في «النهاية» والخطيب في «المغني» «١» وغيرهما على حلّه
стр. 1040
على كراهته) انتهى.
وكان رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا بمكروه،..
مطلقا، أي: سواء صبغ قبل النسج؛ أم بعده!!
وجرى جماعة من العلماء (على كراهته) كراهة تنزيه، وعليه كثير من المتأخّرين أرباب الحواشي؛ كالشبراملسي، والجمل، والبجيرمي على «الإقناع» ، والباجوريّ، والشرقاوي.
قال في «شرح مسلم» : وحملوا النهي على هذا، لأنه ثبت أنّ النبي ﷺ لبس حلّة حمراء.
وفي «الصحيحين» ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة. وقال الخطّابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأمّا ما صبغ غزله ثم نسج؛ فليس بداخل في النهي.
انتهى.
وفي «الإمداد» للعلامة ابن حجر رحمه الله تعالى: ومحلّ الحرمة إذا صبغ بعد النسج لا قبله، وعليه حمل اختلاف الأحاديث في ذلك، ويحمل عليه اختلاف نصّ الشافعي ... إلخ، وعليه جرى في «فتح الجواد» .
وأقرّ زكريا في «أسنى المطالب» أقرّ الزركشي على ذلك، لكن ردّه في «التحفة» بمخالفته لإطلاقهم الصريح في الحرمة مطلقا؛ نقله الكردي.
قال في «شرح مسلم» : وحمل بعض العلماء النهي على المحرم بالحجّ؛ أو العمرة، ليكون موافقا لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسّه ورس؛ أو زعفران، والله أعلم (انتهى) أي: كلام الباجوري رحمه الله تعالى.
(و) في «كشف الغمّة» للشعراني رحمه الله تعالى: (كان رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا بمكروه) ؛ أي: لا يخاطبه شفاها، ويقول له في وجهه شيئا
стр. 1041
ولا يتعرّض في وعظه لأحد معيّن، بل يتكلّم خطابا عامّا.
وكان ﷺ إذا بلغه عن الرّجل الشّيء.. لم يقل:
«ما بال فلان يقول؟!» . ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون..
كذا وكذا؟!» .
وكانت معاتبته ﷺ تعريضا: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى..؟!» ...
يكرهه. (ولا يتعرّض في وعظه لأحد معيّن، بل يتكلّم خطابا عامّا) ، لحصول الفائدة فيه لكل سامع، مع ما فيه من حصول المواراة والستر عن الفاعل وتأليف القلوب.
(و) أخرج أبو داود بإسناد صحيح؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله ﷺ إذا بلغه عن الرّجل) ، ذكر الرجل وصف طرديّ؛ والمراد الإنسان (الشّيء) الّذي يكرهه (لم يقل ما بال فلان) باسمه المعيّن (يقول) كذا، والظاهر أن المراد بالقول ما يشمل الفعل، (ولكن) استدراك أفاد أن من شأنه ألايشافه أحدا معيّنا حياء منه، بل (يقول) منكرا عليه ذلك (: «ما بال أقوام) - أي: ما شأنهم- (يقولون.. كذا وكذا» ) إشارة إلى ما أنكره؛ وهذا هو المعروف من خطبه ﷺ أنّه إذا كره شيئا فخطب له؛ ذكر كراهيته، ولا يعيّن فاعله.
وهذا من عظيم خلقه ﷺ ، فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك، ولا يحصل توبيخ صاحبه في الملأ. انتهى «شرح مسلم» .
(وكانت معاتبته ﷺ تعريضا) ، وهو أبلغ وأعمّ نفعا، كقوله في حقّ موالي بريرة حين اشترطوا الولاء لهم (: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى..!؟) - أي: ليس لها أصل في كتاب الله تعالى- ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل؛ وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحقّ،
стр. 1042
ونحو ذلك. وكان ﷺ إذا رأى إنسانا يفعل ما لا يليق.. لم يدع أحدا يبادر إلى الإنكار عليه حتّى يتثبّت في أمره، ويعلّمه الأدب برفق.
وكان ﷺ لا يأخذ بالقرف، ولا يقبل قول أحد على أحد.
وشرط الله أوثق، ما بال رجال منكم يقول أحدهم «أعتق فلانا والولاء لي! إنّما الولاء لمن أعتق؟!» . ذكره في «الصحيحين» . وهذا لفظ مسلم.
(ونحو ذلك) ؛ كقوله في حقّ النفر الذين سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السرّ، فقال بعضهم: لا أتزوّج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه، فقال:
«ما بال أقوام قالوا كذا وكذا!!. لكنّي: «أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» . ذكره مسلم.
(و) في «كشف الغمة» للشعراني رحمه الله تعالى:
(كان ﷺ إذا رأى إنسانا يفعل ما لا يليق لم يدع أحدا) من الناس (يبادر إلى الإنكار عليه حتّى يتثبّت في أمره، ويعلّمه الأدب برفق) ، وهذا من عظيم خلقه ﷺ .
(و) أخرج أبو داود في «مراسيله» ؛ عن الحسن بن علي، وأبو نعيم في «الحلية» بإسناد ضعيف:
(كان) رسول الله ﷺ لا يأخذ) أحدا (بالقرف) - بفتح القاف وسكون الراء وفاء- أي: بالتهمة، والأخذ مجاز عن العقوبة، من: أخذه السلطان: إذا حبسه وجازاه على ما صدر منه.
(ولا يقبل قول أحد على أحد) ؛ أي: لا يقبل كلام أحد في حقّ أحد، سواء ترتّبت عليه المؤاخذة؛ أم لا، فهو تعميم بعد تخصيص.
стр. 1043
و (القرف) : التّهمة.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول: «لا تبلّغوني عن أصحابي إلّا خيرا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر» .
وكان ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره.. قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا» .
وذلك وقوفا مع العدل، لأن ما يترتّب عليه موقوف على ثبوته عنده بطريقه المعتبر.
(والقرف) - بفتح القاف وسكون الراء وآخره فاء- هو (: التّهمة) وإسناد الذنب لغيره.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء» : (كان ﷺ كثيرا ما يقول:
«لا تبلّغوني عن أصحابي إلّا خيرا) . هذا نهي عامّ عن الغيبة والنميمة، ونقل ما يكره نقله من قول؛ أو فعل؛ أو ترك.
(فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم؛ وأنا سليم الصّدر» ) سلامة الصدر كناية عن كونه ليس في قلبه بغض لأحد، ولا غضبان على أحد. قال العراقي: رواه أبو داود، والترمذيّ؛ من حديث ابن مسعود، وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه كذلك أحمد، والبيهقيّ. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» في «المغازي» ، وأبو داود في «الأدب» ؛ عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا بعث) أي: أرسل (أحدا من أصحابه في بعض أمره) أي: مصالحه كأن أمّره على جيش أمره بالتسهيل على الناس وعدم التشديد المقتضي لتنفيرهم، (قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا، ولا تعسّروا» ) «١» أي: سهّلوا الأمور، ولا تنفّروا الناس بالتعسير والتشديد.
стр. 1044
وكان ﷺ إذا لقي أصحابه.. لم يصافحهم حتّى يسلّم عليهم.
وكان ﷺ إذا لقي أحدا من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
لأن من أخلاقه ﷺ أنّه ما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فينبغي لأمّته أن يتخلّقوا بأخلاقه، وفي مقدّمتهم أصحابه ﷺ .
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» ؛ عن جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا لقي أصحابه لم يصافحهم حتّى يسلّم عليهم) ؛ تعليما لمعالم الديانة ورسوم الشريعة، وحثّا لهم على لزوم ما خصّت به هذه الأمة من هذه التحية العظمى التي هي تحيّة أهل الجنة في الجنة؛ فيندب تقديم السلام على المصافحة.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء» : (كان ﷺ إذا لقي أحدا من أصحابه صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها) أي: على يده.
قال بعض الشيوخ: أراد بذلك زيادة المحبّة، وتأكّدها؛ قاله في «شرح الإحياء» .
قال ملا علي قاري في «شرح الشفاء» : صفة المصافحة وضع بطن الكفّ على بطن أخرى عند التلاقي مع ملازمة ذلك على قدر ما يقع من السلام، أو من السؤال والكلام إن عرض لها، وأما اختلاف اليد في أثر التلاقي؛ فهو مكروه. انتهى.
وقال في «شرح الإحياء» : روى أبو داود؛ من حديث أبي ذر ﵁، وسأله رجل من عنزة: هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قطّ إلّا صافحني ... الحديث.
وروّينا في «علوم الحديث» للحاكم؛ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: شبك بيدي أبو القاسم ﷺ .
стр. 1045
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه..
قام معه، ولم ينصرف حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده.. ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدا من أصحابه فتناول أذنه- أي: ليكلّمه سرّا-.. ناوله إيّاها؛ ثمّ لم ينزعها عنه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزعها عنه؛ أي: لا ينحّي أذنه عن فمه حتّى يفرغ الرّجل من حديثه.
وهو عند مسلم بلفظ: أخذ رسول الله ﷺ بيدي.
وقد وقع لنا مسلسلا بالمشابكة، كما وقع لنا في بعض طرق المصافحة؛ مسلسلا بقبض اليد. انتهى.
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام) أي: ذلك الصحابي؛ أي: وقف (معه) أي: مع النبي ﷺ (قام) أي: وقف النبي ﷺ (معه) ؛ أي:
مع ذلك الصحابي (ولم ينصرف) ﷺ ، ويهمله، (حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف عنه) ﷺ ، وذلك من كمال الرّفق بأصحابه.
(وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول) ؛ أي: ذلك الصحابي (يده) ﷺ ليصافحه (ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه) ؛ وإن طال الزمن، (حتّى يكون الرّجل هو الذي ينزع يده منه) ﷺ . زاد ابن المبارك في رواية أنس: ولا يصرف وجهه عن وجهه حتّى يكون الرجل هو الذي يصرفه.
(وإذا لقي أحدا من أصحابه فتناول) ؛ أي: ذلك الصحابي (أذنه) ﷺ (أي) قرّب فمه منها (ليكلّمه سرّا) ؛ قاله العزيزي، (ناوله إيّاها؛ ثمّ لم ينزعها عنه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزعها عنه) .
قال في العزيزي: (أي لا ينحّي أذنيه) ﷺ (عن فمه) ؛ أي: الرجل (حتّى يفرغ) ذلك (الرّجل من حديثه) على الوجه الأكمل، وهذا من أعظم الأدلّة على
стр. 1046
وكان ﷺ إذا لقيه الرّجل من أصحابه.. مسحه ودعا له.
محاسن أخلاقه وكماله ﷺ ؛ كيف وهو سيّد المتواضعين، وهو القائل «وخالق النّاس بخلق حسن» !!؟
فائدة: سئل العلّامة المحقّق برهان الدين إبراهيم بن حسن الكوراني المدني رحمه الله تعالى عمّا اعتاده المصلّون جماعة في المساجد وغيرها من المصافحة خلف الصّلوات المكتوبة؟
فأجاب بما ملخّصه: بأن الإمام النووي استفتي فيها ففصّل فيها وأجاد، فقال ما معناه: المتصافحان إن لم يلتقيا قبل الدخول في الصلاة؛ فالمصافحة مشروعة على أصلها، لأنّ أوّل اللقاء بعد السلام، وإن التقيا قبله!! فهي بدعة مباحة؛ كما قيل. انتهى. والله أعلم.
(و) أخرج النسائي- بإسناد حسن؛ كما قال العزيزي- عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان ﷺ إذا لقيه الرّجل من أصحابه مسحه) ؛ أي: مسح يده بيده- يعني صافحه- (ودعا له) .
قال المناوي: تمسّك مالك بهذا وما أشبهه على كراهة معانقة القادم وتقبيل يده.
وقد ناظر ابن عيينة مالكا، واحتجّ عليه سفيان بأن المصطفى ﷺ لمّا قدم جعفر من الحبشة خرج إليه فعانقه. فقال مالك: ذاك خاصّ بالنبي ﷺ .
فقال له سفيان: ما نخصّه بفهمنا!! انتهى.
قال الخفاجي في «شرح الشفاء» : والمصافحة سنّة عند التلاقي، وفي الحديث: «تمام تحيّتكم بينكم المصافحة» . وكانت الصحابة رضوان الله عليهم تفعلها، وإذا قدموا من سفر تعانقوا.
وكانت الصحابة ﵃ تقبّل يده أيضا، وهي مستحبّة للكبير، وكرّهها
стр. 1047
وكان ﷺ لا يدعوه أحد من أصحابه، أو غيرهم.. إلّا قال ﷺ : «لبّيك» .
مالك. أمّا إذا كان على وجه التّكبّر؛ فتكره. وقال النووي: إنّه مستحبّ أيضا لأهل الشرف والصلاح، وأمّا لأهل الدنيا! فمكروه.
وقال فقهاؤنا- أي: الحنفية-: لا بأس بالمصافحة، لأنها سنّة متوارثة، لما ورد في الحديث أيضا: «تصافحوا» .
وأمّا بعد صلاة الجمعة والعيد!! فقالوا: إنّه بدعة، وهو من فعل المشايخ، كأنّهم كانوا في الصلاة غائبين عمّن حضرهم، ومن كان هذا حاله لا يكره منه.
انتهى «كلام الشهاب الخفاجي رحمه الله تعالى» .
(و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» للشعراني:
(كان ﷺ لا يدعوه أحد من أصحابه، أو غيرهم؛ إلّا قال ﷺ : «لبّيك» ) ، ظاهره أنه جوابه دائما، ويحتمل أنّه كناية عن سرعة الجواب مع التعظيم؛ قاله الزرقاني.
و «لبّيك» كلمة يجاب بها المنادي، فالتلبية إجابة المنادي من دعاه؛ من «لبّ» و «ألب» : إذا أقام بمكان ولم يفارقه، فكأنّه يقول: أنا ثابت على إجابتك.
ولا تستعمل إلّا بلفظ التثنية، كأنّه قال إجابة بعد إجابة! والمراد التكثير، لقوله تعالى ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [٤/ الملك] ، وهو منصوب على المصدرية بعامل لا يظهر، وتغلب إضافته لضمير المخاطب، وقد يضاف لغيره؛ كما فصّله النّحاة.
ولا يجاب به إلّا من يعتنى بإجابته وتعظيمه، ولذا يقوله الحاج.
ففي إجابة المصطفى ﷺ أتباعه بذلك رعاية مقامهم وتعظيمهم، وهو من خلقه العظيم؛ كما كان النبي ﷺ يخاطب القادم ب «مرحبا» كقوله: «مرحبا بأمّ هانىء» . انتهى من الشهاب الخفاجي على «الشفاء» .
стр. 1048
وكان ﷺ يكنّي أصحابه ويدعوهم بالكنى، وبأحبّ أسمائهم؛ إكراما لهم، واستمالة لقلوبهم، ويكنّي من لم تكن له كنية، ...
قال العراقيّ: رواه أبو نعيم في «دلائل النبوة» بسند واه؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
قال في «شرح الإحياء» : لفظ أبي نعيم في «الدلائل» : ما كان أحسن خلقا منه، ما دعاه أحد من أصحابه إلّا قال «لبّيك» !! انتهى.
(و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني ك «الإحياء» للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (كان ﷺ يكنّي) - بتشديد النون- (أصحابه) أي: يجعل لهم كنى جمع كنية؛ ك «أبي تراب» و «أبي هريرة» و «أم سلمة» ، (ويدعوهم) أي: يناديهم (بالكنى، و) يدعوهم (بأحبّ أسمائهم) أي: تارة، أو المراد من الأسماء ما يعمّ الأعلام والألقاب والكنى، والمعنى: أنّه لا ينبزهم بما يكرهونه، بل يدعوهم بما يحبّونه؛ (إكراما لهم) أي: يفعل ذلك ﷺ لأجل إكرامهم وتعظيمهم؛ تلطّفا بهم. (واستمالة لقلوبهم) ، فإنّ نداء المرء بكنيته تعظيم.
وفي «الصحيحين» ؛ في قصّة الغار؛ من حديث أبي بكر: «يا أبا بكر؛ ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» . ولأبي يعلى الموصلي؛ من حديث سعد بن أبي وقّاص؛ فقال «من هذا؛ أبو إسحاق» ؟! فقلت: نعم.
(ويكنّي من لم تكن له كنية) بأكبر أولاده، وتارة؛ وإن لم يولد له، فكان يدعى بما كنّاه به؛ تبركا بكنيته الشريفة.
روى الحاكم؛ من حديث ابن عبّاس ﵄ أنّه قال لعمر:
«يا أبا حفص؛ أيضرب وجه عمّ رسول الله» !! ﷺ . قال عمر: إنّه لأوّل يوم كنّاني فيه ب «أبي حفص» . وقال: صحيح على شرط مسلم.
وفي «الصحيح» : أنّه قال لعلي: «يا أبا تراب» . وللحاكم؛ من حديث رفاعة بن مالك: «إنّ أبا حسن وجد مغصا في بطنه ... » الحديث. يريد عليّا.
стр. 1049
ويكنّي النّساء اللّاتي لهنّ الأولاد، واللّاتي لم يلدن؛ يبتدىء لهنّ الكنى، ويكنّي الصّبيان، فيستلين به قلوبهم.
وله أيضا؛ من حديث ابن مسعود: أنّ النبي ﷺ كنّاه «أبا عبد الرحمن» ؛ ولم يولد له.
وأخرج الطبرانيّ؛ عن ابن مسعود ﵁ قال: كنّاني النبي ﷺ «أبا عبد الرحمن» قبل أن يولد لي. وسنده صحيح.
وروى الترمذيّ؛ من حديث أنس قال: كنّاني رسول الله ﷺ : ب «بقلة» كنت أجتنيها- يعني «أبا حمزة» ، وقال: حديث غريب.
ولابن ماجه: إنّ عمر قال لصهيب مالك! تكتني وليس لك ولد؟! قال:
كنّاني رسول الله ﷺ ب «أبي يحيى» .
وللطبراني؛ من حديث أبي بكرة: تدلّيت ب «بكرة» من حصن الطائف، فقال النبي ﷺ : «فأنت أبو بكرة» .
(و) كان ﷺ (يكنّي النّساء اللّاتي لهنّ الأولاد، واللّاتي لم يلدن؛ يبتدىء لهنّ الكنى) . روى الحاكم؛ من حديث أمّ أيمن؛ في قصة شربها بول النبي ﷺ ، فقال: «يا أمّ أيمن» قومي إلى تلك الفخّارة ... الحديث.
ولابن ماجه؛ من حديث عائشة ﵂ أنّها قالت للنبيّ ﷺ : كلّ أزواجك كنّيت غيري!! قال: «فأنت أمّ عبد الله» وفيه «مولى الزبير» ؛ لم يسمّ!! وروى أبو داود بإسناد صحيح نحوه.
(ويكنّي الصّبيان، فيستلين به قلوبهم) ففي البخاريّ؛ من حديث أمّ خالد أنّ النبي ﷺ قال لها: «يا أمّ خالد؛ هذا سناه» ! وكانت صغيرة.
وفي «الصحيحين» ؛ من حديث أنس أنّ النبي ﷺ قال لأخ له صغير:
يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» ؟.
стр. 1050
وكان ﷺ إذا مرّ على الصّبيان.. سلّم عليهم، ثمّ باسطهم. وكان ﷺ إذا قدم من سفر.. تلقّي بصبيان أهل بيته.
وفيه دليل على جواز تكنية من لا ولد له على عادة العرب؛ تفاؤلا بأن يعمّر ويرزق أولادا؛ خلافا لمن منع ذلك، وقال: إنّه خلاف الواقع؛ فهو كذب.
وعن بعض السلف: بادروا أولادكم بالكنى قبل أن تغلب عليهم الألقاب، وكره بعضهم تكنية المرء نفسه إلا لقصد التّعريف.
وقال النوويّ: يجوز تكنية الكافر بشرطين:
الأول: ألايعرف إلا بكنيته.
الثاني: أن يخاف من ذكر اسمه فتنة، فالأول ك «أبي طالب» ، والثاني ك «أبي حباب» لابن سلول! وفيه نظر. وقد تكون لأمر آخر ك «أبي لهب» ، فإنه إشارة إلى أنّه جهنّميّ. وقيل: كنّي بذلك!! لحسن وجهه. والله أعلم؛ ذكره الشهاب الخفاجي في «شرح الشفاء» .
(و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان ﷺ إذا مرّ على الصّبيان) وهم يلعبون (سلّم عليهم) فيردّون عليه، (ثمّ باسطهم) ؛ بنحو مسح رؤوسهم.
قال في «شرح الإحياء» : رواه الترمذي، من حديث أنس بدون قوله «ثم باسطهم» .
وروى البخاريّ بلفظ: إنّه ﷺ مرّ على صبيان؛ فسلّم عليهم.
وروى النسائي؛ من حديثه: كان يزور الأنصار ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم في «الفضائل» ، وأبو داود في «الجهاد» ؛ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقّي) - فعل ماض مجهول من التلقي- (بصبيان أهل بيته) ، وإنّه قدم مرّة من سفر فسبق بي إليه؛ فحملني بين
стр. 1051
وكان ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان والعيال.
وكان ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم، ...
يديه «١» ، ثم جيء بأحد ابني فاطمة إمّا حسن؛ وإمّا حسين؛ فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابّة.
وفي «الصحيحين» أنّ عبد الله بن جعفر؛ قال لابن الزبير: أتذكر حين تلقّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت؟! قال: نعم، فحملنا وتركك!. هذا لفظ مسلم، وقال:
أي: البخاريّ: إنّ ابن الزبير قال لابن جعفر. والله أعلم.
قال الإمام النوويّ: هذه سنّة مستحبّة أن يتلقّى الصبيان المسافر، وأن يركبهم، وأن يردفهم ويلاطفهم أي: لا كما فعل أهل التكبّر من التباعد عن الأطفال وزجرهم، إذ المطلوب ملاطفتهم؛ وإن بلغ الشخص ما بلغ للتواضع. انتهى نقله الحفني على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن أنس ﵁ قال:
(كان) رسول الله ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان، والعيال) .
قال النووي: وهذا هو المشهور. وروي: «بالعباد» !! وكلّ منهما صحيح واقع، والعيال أهل البيت ومن يمونه الإنسان.
قال الزين العراقيّ: روّينا في «فوائد أبي الدحداح» ؛ عن علي ﵁:
كان أرحم النّاس بالناس. انتهى «مناوي» . وقد تقدّم.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود؛ عن عائشة ﵂ إلّا التحنيك؛ فليس في البخاري- قالت:
(كان) رسول الله ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم) أي: يدعو لهم بالبركة؛ ويقرأ عليهم الدعاء بالبركة، ذكره القاضي. وقيل: يقول «بارك الله عليكم» .
стр. 1052
ويحنّكهم، ويدعو لهم.
وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم.
وقال الزمخشري: بارك الله فيه، وبارك له، وبارك عليه، وباركه، وبرّك على الطعام، وبرّك فيه؛ إذا دعا له بالبركة. قال الطّيبيّ: و «بارك عليه» أبلغ، فإنّ فيه تصويب البركات وإفاضتها من السماء. (ويحنّكهم) ؛ بنحو تمر من تمر المدينة المشهود له بالبركة ومزيد الفضل. قال النّووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود يوم ولادته بتمر، فإن تعذّر فما في معناه، أو قريب منه من الحلو، فيمضغ المحنّك التمرة حتّى تصير مائعة بحيث تبتلع، ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه؛ ليدخل منها شيء جوفه. ويستحبّ أن يكون المحنّك من الصالحين، وممّن يتبرّك به؛ رجلا كان، أو امرأة. فإن لم يكن حاضرا عند المولود؟ حمل إليه.
(ويدعو لهم) بالإمداد والإسعاد، والهداية إلى طرق الرشاد.
(و) أخرج الترمذي، والنسائي، وابن حبّان؛ عن أنس ﵁، وهو حديث صحيح؛ كما قال العراقي في «أماليه» . قال:
(كان) رسول الله ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم) ، فيه ردّ على منع الحسن «١» التسليم على الصبيان (ويمسح رؤوسهم) ؛ أي: كان له اعتناء بفعل ذلك معهم أكثر منه مع غيرهم، وإلّا! فهو كان يفعل ذلك مع غيرهم أيضا. وكان يتعهّد أصحابه جميعا، ويزورهم. قال ابن حجر: هذا مشعر بوقوع ذلك منه غير مرّة. أي: فالاستدلال به على مشروعية السلام على الصبيان أولى من استدلال البعض بحديث «مرّ على صبيان فسلّم عليهم» فإنّها واقعة حال.
قال ابن بطّال: وفي السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة، وطرح الأكابر رداء الكبر، وسلوك التواضع ولين الجانب. نعم؛ لا يشرع السلام على
стр. 1053
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما قال:
سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف» ، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي.
الصبي الوضيء، سيّما إن راهق. انتهى؛ ذكره المناوي في «كبيره» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذي في «الشمائل» : (عن يوسف بن عبد الله بن سلام) - بفتح السين وتخفيف اللام- الإسرائيلي المدني، أبو يعقوب صحابيّ صغير؛ وأبوه صحابيّ كبير- وقد تقدّمت ترجمتهما- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال) أي يوسف (: سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف» ، وأقعدني في حجره) . قال الباجوري- بفتح الحاء وكسرها- والمراد به حجر الثوب؛ وهو طرفه المقدّم منه، لأن الصغير يوضع فيه عادة، ويطلق على المنع من التصرّف، وعلى الأنثى من الخيل، وعلى حجر ثمود، وعلى حجر إسماعيل ... وغير ذلك مما هو في قول بعضهم:
ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر ... وحزت حجرا عظيما ما دخلت الحجر
لله حجر منعني من دخول الحجر ... ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر «١»
(ومسح على رأسي) . زاد الطبراني: ودعا لي بالبركة. وفي الحديث: بيان تواضعه، وكمال رحمته، ومحاسن أخلاقه. وفيه: أنّه يسنّ لمن يقتدى به؛ ويتبرّك به تسمية أولاد أصحابه، وتحسين الاسم، وأن أسماء الأنبياء من
стр. 1054
وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة، ويقول:
«يا زوينب؛ يا زوينب» (مرارا) .
وكان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما» ، وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض.
ودخل الحسن- وهو ﷺ قد سجد- فركب على ظهره، فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ.. قال له بعض أصحابه: ...
الأسماء الحسنة، ووصفه بالحجر؛ قاله المناوي.
(و) أخرج الضياء المقدسيّ في «المختارة» ؛ عن أنس بن مالك ﵁ وهو حديث صحيح؛ كما في العزيزي- قال:
(كان) رسول الله ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة) زوجته ﷺ ، وزينب بنتها من أبي سلمة، فهي «ربيبته ﷺ » ؛ أي: بنت زوجته (ويقول: «يا زوينب..
يا زوينب) - بالتصغير- (مرارا) ، لأنّ الله جبله على التواضع والإيناس، وطهّر قلبه من الكبر والفحش؛ بشقّ الملائكة صدره المرّات العديدة عند تقلبه في الأطوار المختلفة، وإخراج ما في قلبه ممّا جبل عليه النوع الإنساني، وغسله وامتلائه من الحكم والعلوم.
(و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما» . وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض!) لم أقف على من خرّجه!!
(و) في «المواهب اللّدنّية» للعلامة القسطلّاني: (دخل الحسن) بن عليّ رضي الله تعالى عنهما (وهو ﷺ يصلّي (قد سجد، فركب على ظهره؛ فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ؛ قال له بعض أصحابه:
стр. 1055
يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟
قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله» ؛ أي: جعلني كالرّاحلة، فركب على ظهري.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره.
يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟! قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله» «١» ؛ أي: جعلني كالرّاحلة؛ فركب على ظهري) .
في «جمع الفوائد» للرداني رحمه الله تعالى ما نصّه:
عبد الله بن شدّاد عن أبيه: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشيّ؛ وهو حامل حسنا؛ أو حسينا. فتقدّم ﷺ فوضعه، ثمّ كبّر للصّلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها؛ فرفعت رأسي؛ فإذا الصبيّ على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى الصلاة؛ قال النّاس:
يا رسول الله؛ إنّك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها؛ حتّى ظننّا أنّه قد حدث أمر!! وأنّه يوحى إليك!! قال: «كلّ ذلك لم يكن، ولكنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضي حاجته» . للنسائي رحمه الله تعالى.
وفي «الإصابة» لابن حجر رحمه الله تعالى في ترجمة الحسن؛ عن عبد الله بن الزبير قال: رأيت الحسن يجيء والنبي ﷺ ساجد؛ فيركب رقبته- أو قال: ظهره- فما ينزله حتّى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء؛ وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتّى يخرج من الجانب الآخر.
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناد حسن؛ (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) قال:
(كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره) في