← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وكان ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان والعيال. وكان ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم، ... يديه «١» ، ثم جيء بأحد ابني فاطمة إمّا حسن؛ وإمّا حسين؛ فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابّة. وفي «الصحيحين» أنّ عبد الله بن جعفر؛ قال لابن الزبير: أتذكر حين تلقّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت؟! قال: نعم، فحملنا وتركك!. هذا لفظ مسلم، وقال: أي: البخاريّ: إنّ ابن الزبير قال لابن جعفر. والله أعلم. قال الإمام النوويّ: هذه سنّة مستحبّة أن يتلقّى الصبيان المسافر، وأن يركبهم، وأن يردفهم ويلاطفهم أي: لا كما فعل أهل التكبّر من التباعد عن الأطفال وزجرهم، إذ المطلوب ملاطفتهم؛ وإن بلغ الشخص ما بلغ للتواضع. انتهى نقله الحفني على «الجامع الصغير» . (و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن أنس ﵁ قال: (كان) رسول الله ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان، والعيال) . قال النووي: وهذا هو المشهور. وروي: «بالعباد» !! وكلّ منهما صحيح واقع، والعيال أهل البيت ومن يمونه الإنسان. قال الزين العراقيّ: روّينا في «فوائد أبي الدحداح» ؛ عن علي ﵁: كان أرحم النّاس بالناس. انتهى «مناوي» . وقد تقدّم. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود؛ عن عائشة ﵂ إلّا التحنيك؛ فليس في البخاري- قالت: (كان) رسول الله ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم) أي: يدعو لهم بالبركة؛ ويقرأ عليهم الدعاء بالبركة، ذكره القاضي. وقيل: يقول «بارك الله عليكم» .

стр. 1052

ويحنّكهم، ويدعو لهم. وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم. وقال الزمخشري: بارك الله فيه، وبارك له، وبارك عليه، وباركه، وبرّك على الطعام، وبرّك فيه؛ إذا دعا له بالبركة. قال الطّيبيّ: و «بارك عليه» أبلغ، فإنّ فيه تصويب البركات وإفاضتها من السماء. (ويحنّكهم) ؛ بنحو تمر من تمر المدينة المشهود له بالبركة ومزيد الفضل. قال النّووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود يوم ولادته بتمر، فإن تعذّر فما في معناه، أو قريب منه من الحلو، فيمضغ المحنّك التمرة حتّى تصير مائعة بحيث تبتلع، ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه؛ ليدخل منها شيء جوفه. ويستحبّ أن يكون المحنّك من الصالحين، وممّن يتبرّك به؛ رجلا كان، أو امرأة. فإن لم يكن حاضرا عند المولود؟ حمل إليه. (ويدعو لهم) بالإمداد والإسعاد، والهداية إلى طرق الرشاد. (و) أخرج الترمذي، والنسائي، وابن حبّان؛ عن أنس ﵁، وهو حديث صحيح؛ كما قال العراقي في «أماليه» . قال: (كان) رسول الله ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم) ، فيه ردّ على منع الحسن «١» التسليم على الصبيان (ويمسح رؤوسهم) ؛ أي: كان له اعتناء بفعل ذلك معهم أكثر منه مع غيرهم، وإلّا! فهو كان يفعل ذلك مع غيرهم أيضا. وكان يتعهّد أصحابه جميعا، ويزورهم. قال ابن حجر: هذا مشعر بوقوع ذلك منه غير مرّة. أي: فالاستدلال به على مشروعية السلام على الصبيان أولى من استدلال البعض بحديث «مرّ على صبيان فسلّم عليهم» فإنّها واقعة حال. قال ابن بطّال: وفي السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة، وطرح الأكابر رداء الكبر، وسلوك التواضع ولين الجانب. نعم؛ لا يشرع السلام على

стр. 1053

وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما قال: سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف» ، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي. الصبي الوضيء، سيّما إن راهق. انتهى؛ ذكره المناوي في «كبيره» . (و) أخرج الإمام أحمد، والترمذي في «الشمائل» : (عن يوسف بن عبد الله بن سلام) - بفتح السين وتخفيف اللام- الإسرائيلي المدني، أبو يعقوب صحابيّ صغير؛ وأبوه صحابيّ كبير- وقد تقدّمت ترجمتهما- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال) أي يوسف (: سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف» ، وأقعدني في حجره) . قال الباجوري- بفتح الحاء وكسرها- والمراد به حجر الثوب؛ وهو طرفه المقدّم منه، لأن الصغير يوضع فيه عادة، ويطلق على المنع من التصرّف، وعلى الأنثى من الخيل، وعلى حجر ثمود، وعلى حجر إسماعيل ... وغير ذلك مما هو في قول بعضهم: ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر ... وحزت حجرا عظيما ما دخلت الحجر لله حجر منعني من دخول الحجر ... ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر «١» (ومسح على رأسي) . زاد الطبراني: ودعا لي بالبركة. وفي الحديث: بيان تواضعه، وكمال رحمته، ومحاسن أخلاقه. وفيه: أنّه يسنّ لمن يقتدى به؛ ويتبرّك به تسمية أولاد أصحابه، وتحسين الاسم، وأن أسماء الأنبياء من

стр. 1054

وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة، ويقول: «يا زوينب؛ يا زوينب» (مرارا) . وكان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما» ، وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض. ودخل الحسن- وهو ﷺ قد سجد- فركب على ظهره، فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ.. قال له بعض أصحابه: ... الأسماء الحسنة، ووصفه بالحجر؛ قاله المناوي. (و) أخرج الضياء المقدسيّ في «المختارة» ؛ عن أنس بن مالك ﵁ وهو حديث صحيح؛ كما في العزيزي- قال: (كان) رسول الله ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة) زوجته ﷺ ، وزينب بنتها من أبي سلمة، فهي «ربيبته ﷺ » ؛ أي: بنت زوجته (ويقول: «يا زوينب.. يا زوينب) - بالتصغير- (مرارا) ، لأنّ الله جبله على التواضع والإيناس، وطهّر قلبه من الكبر والفحش؛ بشقّ الملائكة صدره المرّات العديدة عند تقلبه في الأطوار المختلفة، وإخراج ما في قلبه ممّا جبل عليه النوع الإنساني، وغسله وامتلائه من الحكم والعلوم. (و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما» . وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض!) لم أقف على من خرّجه!! (و) في «المواهب اللّدنّية» للعلامة القسطلّاني: (دخل الحسن) بن عليّ رضي الله تعالى عنهما (وهو ﷺ يصلّي (قد سجد، فركب على ظهره؛ فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ؛ قال له بعض أصحابه:

стр. 1055

يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟ قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله» ؛ أي: جعلني كالرّاحلة، فركب على ظهري. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره. يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟! قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله» «١» ؛ أي: جعلني كالرّاحلة؛ فركب على ظهري) . في «جمع الفوائد» للرداني رحمه الله تعالى ما نصّه: عبد الله بن شدّاد عن أبيه: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشيّ؛ وهو حامل حسنا؛ أو حسينا. فتقدّم ﷺ فوضعه، ثمّ كبّر للصّلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها؛ فرفعت رأسي؛ فإذا الصبيّ على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى الصلاة؛ قال النّاس: يا رسول الله؛ إنّك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها؛ حتّى ظننّا أنّه قد حدث أمر!! وأنّه يوحى إليك!! قال: «كلّ ذلك لم يكن، ولكنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضي حاجته» . للنسائي رحمه الله تعالى. وفي «الإصابة» لابن حجر رحمه الله تعالى في ترجمة الحسن؛ عن عبد الله بن الزبير قال: رأيت الحسن يجيء والنبي ﷺ ساجد؛ فيركب رقبته- أو قال: ظهره- فما ينزله حتّى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء؛ وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتّى يخرج من الجانب الآخر. (و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناد حسن؛ (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) قال: (كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره) في

стр. 1056

وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذ بيد الحسن بن عليّ، ووضع رجليه على ركبتيه وهو يقول: «ترقّ.. ترقّ، عين بقّه ... حزقّة حزقّه» . قال في «لسان العرب» : ... حال السجود، وكان يطيل السّجود لطفا بهما. ولا يقال «إن هذه الحالة تنافي كمال الخشوع المطلوب» !! لأنّه ﷺ أكمل النّاس خشوعا وحضورا بقلبه مع ربّه؛ وإن كان ظاهره مع الخلق، كما أنّ خلفاءه كذلك فلا حاجة للجواب: بأنّ ذلك للتشريع؛ قاله الحفني في «حاشية الجامع الصغير» . (و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى: (كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه؛ يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذ بيد الحسن) السّبط (بن عليّ) بن أبي طالب (ووضع رجليه) - أي: رجلي الحسن (على ركبتيه) ﷺ (وهو يقول: «ترقّ.. ترقّ) - أي: اصعد- (عين بقّه) - بفتح الباء الموحّدة، وتشديد القاف- (حزقّة) - بضمّ الحاء المهملة والزاي، وتشديد القاف؛ مرفوع على أنّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت حزقّه-. و (حزقّه) الثاني كذلك، أو أنّه خبر مكرّر، ومن لم ينوّن «حزقة» أراد «يا حزقه» فحذف حرف النداء؛ وهو من الشذوذ، كقولهم «أطرق كرا» ؛ لأن حرف النداء إنما يحذف مع العلم المضموم، أو المضاف؛ قاله في «النهاية» . (قال) أي: الإمام العلّامة اللغوي الحجّة: أبو الفضل جمال الدين محمد ابن الإمام جلال الدين أبي العزّ مكرم ابن الشيخ نجيب الدين المعروف ب «ابن منظور» الأنصاري الخزرجي، الإفريقي المصري، المولود سنة: ٦٣٠، والمتوفى سنة: ٧١١، هجرية رحمه الله تعالى (في) كتاب ( «لسان العرب» ) في مادة حزق:

стр. 1057

(وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ كان يرقّص الحسن أو الحسين؛ ويقول: «حزقّة.. حزقّه، ترقّ عين بقّه» . (الحزقّة) : الضّعيف الّذي يقارب خطوه من ضعف، فكان يرقى حتّى يضع قدميه على صدر النّبيّ ﷺ . قال ابن الأثير: ذكرها له على سبيل المداعبة والتّأنيس له. و (ترقّ) بمعنى: اصعد. و (عين بقّة) : كناية عن صغر العين) انتهى. (وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ كان يرقّص) - بالتثقيل- (الحسن، أو الحسين) - بالشكّ- (ويقول) في حال ترقيصهما- (: «حزقّة) - بالتنوين والرفع- (حزقّة) - ينبغي أن يقرأ بالوقف على الهاء لأجل السّجع- (ترقّ) - بتشديد القاف؛ أي: اصعد- (عين بقّه» ) - بالوقف على الهاء. (الحزقّه) بوزن عتلّه (: الضّعيف الّذي يقارب خطوه من ضعف) في بدنه، وقيل: القصير العظيم البطن، (فكان) الغلام (يرقى حتّى يضع قدميه على صدر النّبيّ ﷺ . (قال) العلّامة الحافظ مجد الدين (ابن الأثير) أبو السعادات: مبارك بن أبي الكرم؛ محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، المولود سنة: ٥٤٤، المتوفى سنة: ٦٠٦ رحمه الله تعالى. قال في «كتاب النهاية» : (ذكرها) ، أي: هذه الكلمات (له) أي: للغلام (على سبيل المداعبة) : الملاعبة (والتّأنيس له. وترقّ) : فعل أمر (بمعنى اصعد) ؛ من الصعود، أي: العلوّ (وعين بقّة: كناية عن صغر العين. انتهى) أي: كلام «لسان العرب» ملخصا.

стр. 1058

وكان رسول الله ﷺ يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشّرف بالإحسان إليهم، وكان يكرم ذوي رحمه، ويصلهم من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم. وكان ﷺ يكرم بني هاشم. وكان ﷺ من أشدّ النّاس لطفا بالعبّاس. (و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني ك «الإحياء» للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (كان رسول الله ﷺ يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشّرف بالإحسان إليهم) . روى الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من حديث عليّ الطويل؛ في صفته ﷺ : وكان من سيرته إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، وفيه: ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم، ويولّيه عليهم ... الحديث المتقدّم. وللطبرانيّ؛ من حديث جرير في قصة إسلامه: فألقى إليّ كساء، ثم أقبل على أصحابه؛ ثم قال: «إذا أتاكم كريم قوم؛ فأكرموه» . ورواه الحاكم؛ من حديث معبد بن خالد الأنصاري نحوه؛ وقال: صحيح الإسناد. (وكان يكرم ذوي رحمه ويصلهم) ؛ أي: يحسن إليهم ويعطف عليهم، وإن بعدوا عنه، أو أساؤا إليه (من غير أن يؤثرهم) أي: يخصّهم ويقدّمهم (على من هو أفضل منهم) من الناس؛ عدلا منه، وإعطاء لكل ذي حقّ حقّه، وهذا أيضا من حسن العهد. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز برمز الخطيب: (كان ﷺ يكرم بني هاشم) . (و) في «كنوز الحقائق» أيضا؛ ورمز له ابن عساكر: (كان ﷺ من أشدّ النّاس لطفا بالعبّاس) .

стр. 1059

وكان ﷺ يجلّ العبّاس إجلال الولد للوالد. وكان ﷺ يبدأ من لقيه بالسّلام، ... وروى الحاكم في «الفضائل» ، وكذا ابن حبّان في «صحيحه» ؛ عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه أنّه ﷺ كان يرى للعبّاس ما يرى الولد لوالده؛ يعظّمه ويفخّمه ويبرّ قسمه. قال المناوي: وأصل هذا أنّ عمر لما أراد أن يستسقي عام الرّمادة خطب؛ فقال: أيّها النّاس؛ إنّ رسول الله ﷺ كان يرى للعبّاس ما يرى الولد لوالده، فاقتدوا برسول الله ﷺ ! واتّخذوا العبّاس وسيلة إلى الله تعالى، فما برحوا حتّى سقاهم الله تعالى. (و) أخرج الحاكم في (المناقب) ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- وقال: صحيح، وأقرّه الذهبي- أنّه (كان ﷺ يجلّ العبّاس) عمّه (إجلال الولد للوالد) ؛ لأنّه في مقام الأب، لكونهما من أصل واحد، ولذا كان ﷺ يقول: «إنّما عمّ الرّجل صنو أبيه» أي: فهو كصنو النخلة في كونها من أصل واحد، فهو بمنزلة الوالد في التعظيم والتوقير والإكرام. وتمام الحديث؛ كما في «المستدرك» : خاصّة خصّ الله بها العبّاس من بين النّاس» . (و) في «الإحياء» : (كان ﷺ يبدأ من لقيه بالسّلام) «من» تفيد العموم، أي: كلّ أحد لقيه؛ صغيرا أو كبيرا من المسلمين! إلّا في مواضع لا يستحبّ السّلام فيها، وأما الكفرة! فلا يسلّم عليهم، وجوّز بعضهم ابتداءهم بالسّلام أيضا؛ قاله الخفاجي. وهذه السّنّة أفضل من الفريضة، لما فيه من التواضع والتسبّب لأداء الواجب. وهذا رواه الترمذيّ؛ من حديث هند بن أبي هالة: يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسّلام.

стр. 1060

وإذا أخذ بيده.. سايره حتّى يكون ذلك هو المنصرف. وكان ﷺ إذا ودّع رجلا.. أخذ بيده، فلا ينزعها حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده، ويقول: «أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك» . وكان ﷺ لا يجلس إليه أحد وهو يصلّي.. إلّا (وإذا أخذ بيده سايره حتّى يكون ذلك هو المنصرف) . روى ابن ماجه؛ من حديث أنس ﵁: كان إذا لقي الرّجل فكلّمه لم يصرف وجهه حتّى يكون هو المنصرف. وقد مرّت أحاديث نحو هذا. (و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، في «الدعوات» ، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في «الحج» ، وأخرجه أيضا الضياء في «المختارة» ؛ من طريق الترمذيّ؛ كلّهم عن ابن عمر بن الخطاب ﵄ قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا ودّع رجلا أخذ بيده فلا ينزعها) ؛ أي: يتركها (حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده، ويقول) مودّعا له: ( «أستودع الله دينك وأمانتك) قال الشرف المناوي رحمه الله تعالى في «أماليه» : الأمانة هنا: ما يخلّفه الإنسان في البلد التي سافر منها. انتهى؛ نقله عنه حفيده المناوي في «شرح الجامع الصغير» . (وخواتيم عملك» ) ، لأن العبرة في العمل بخواتيمه؛ أي: أكل كلّ ذلك منك إلى الله تعالى، وأتبرّأ من حفظه، وأتخلّى من حراسته، وأتوكّل عليه سبحانه، فإنّه وفيّ حفيظ؛ إذا استودع شيئا حفظه، ومن توكّل عليه كفاه ولا قوّة إلّا بالله. (و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء» و «الشفاء» : (كان ﷺ لا يجلس إليه أحد) ؛ أي: لا يجلس متوجّها إليه، والمراد لا يجلس عنده ﷺ (وهو يصلّي إلا

стр. 1061

خفّف صلاته وأقبل عليه فقال: «ألك حاجة؟» ، فإذا فرغ.. عاد إلى صلاته. وكان ﷺ يكرم كلّ داخل عليه، حتّى ربّما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع، يجلسه عليه. خفّف صلاته) ، أي: أسرع فيها (وأقبل عليه؛ فقال: «ألك حاجة» ؟! فإذا فرغ) ﷺ من كلامه وقضاء حاجته (عاد إلى صلاته) الّتي كان فيها. قال العراقيّ في «تخريج أحاديث الإحياء» : لم أجد له أصلا. انتهى. ولذا قيل «لو أورد حديث «الصحيحين» : «إنّي لأقوم إلى الصّلاة أريد أن أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصّبيّ؛ فأتجوّز في صلاتي؛ كراهة أن أشقّ على أمّه» ؛ كان أظهر، فإنّه متفق عليه، وهو في معنى حديث «الإحياء» ؛ قاله الخفاجي. قال في «شرح الإحياء» : قلت: لكن روى الإمام أحمد في «مسنده» ؛ عن رجل من الصحابة قال: كان ممّا يقول للخادم: «ألك حاجة؟!» . وهذا يدلّ إذا جاءه الخادم ووجده في الصلاة كان يخفّف؛ ويقبل عليه بالسؤال عن الحاجة، وهو من جملة مكارم الأخلاق، إذ لا يأتيه في ذلك الوقت إلّا لحاجة، فإذا طوّل في الصلاة فقد أوقعه في الانتظار. انتهى. (و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» : (كان ﷺ يكرم كلّ داخل عليه) بالقيام له، ويلاطفه؛ كقيامه ﷺ لسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه؛ قاله الخفاجي. (حتّى ربّما بسط) ؛ أي: فرش (ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع؛ يجلسه عليه) ؛ إكراما له، وتأليفا لقلبه. روى الحاكم وصحّح إسناده؛ من حديث أنس ﵁: دخل جرير بن عبد الله على النبي ﷺ .. وفيه: فأخذ بردته فألقاها إليه؛ فقال: «اجلس عليها

стр. 1062

وكان ﷺ يؤثر الدّاخل عليه بالوسادة التي تكون تحته يا جرير ... » الحديث. وفيه: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . وللطبراني في «الكبير» من حديث جرير: فألقى إليّ كساءه. ولأبي نعيم في «الحلية» فبسط إليّ رداءه. وأمّا من بينه وبينه قرابة!!. فروى الخرائطيّ في «مكارم الأخلاق» عن محمد بن عمير بن وهب «خال النبي ﷺ » أنّ عميرا- يعني أباه- جاء والنبيّ ﷺ قاعد فبسط له رداءه، فقال: أجلس على ردائك؛ يا رسول الله!! قال: «نعم، فإنّما الخال والد» . وإسناده ضعيف. ويروى عن القاسم؛ عن عائشة ﵂ أنّ الأسود بن وهب «خال النبي ﷺ » استأذن عليه؛ فقال: «يا خال؛ أدخل» فبسط له رداءه. وكذا وقع لأمّه وأخيه وأبيه من الرضاعة؛ كما هو مذكور في السير. انتهى. «شرح الإحياء» . (و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يؤثر الدّاخل عليه) أي: يقدّمه على نفسه، ويفرده (بالوسادة الّتي تكون تحته) ؛ وهي فراش يجلس عليه، وكانت محشوّة بالليف؛ كما في البخاري. وقال عديّ بن حاتم: دخلت على النبي ﷺ فقال: «من الرّجل؟!» . فقلت: عديّ بن حاتم. فقام وانطلق بي إلى بيته، فو الله؛ إنّه لعامد بي إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، واستوقفته؛ فوقف لها طويلا تكلّمه في حاجتها. فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك!! ثمّ مضى حتّى دخل بيته؛ فتناول وسادة كبيرة من أدم محشوّة ليفا فقذفها إليّ؛ وقال لي: «اجلس على هذه» . فقلت بل أنت فاجلس عليها؛ فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه. فانظر لمكارم الأخلاق!! فقلت «والله؛ ما هذا بملك» !!

стр. 1063

فإن أبى أن يقبلها.. عزم عليه حتّى يقبل. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: «أفّ» ... وهذا يدلّ على أن الوسادة فراش لا مخدّة؛ قاله الشهاب الخفاجي على «الشفا» رحمه الله تعالى. (فإن أبى) - أي: امتنع- (أن يقبلها) أي: الوسادة حياء من رسول الله ﷺ (عزم عليه حتّى يقبل) ؛ أي: أقسم عليه أن يجلس على وسادته بأن يقول له «بالله اجلس أنت» . قال في «التهذيب» : يقال «عزمت عليك لتفعلن كذا» ؛ أي: أقسمت انتهى. وهو مأخوذ من العزم؛ وهو التصميم في الأمر. انتهى «خفاجي» . (و) أخرج البخاريّ؛ ومسلم، وأبو داود والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» . (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: خدمت رسول الله ﷺ - زاد في رواية أحمد: في السفر والحضر- (عشر سنين) - بسكون الشين، ويجوز فتحها- وفي مسلم: تسع سنين- وحملت على التّحديد والأولى- وهي أكثر الروايات- على التقريب إلغاء للكسر، فخدمته إنّما كانت أثناء السّنة الأولى من الهجرة-. (فما قال لي أفّ) ؛ بضمّ الهمزة وتشديد الفاء مكسورة بلا تنوين، وبه، ومفتوحة بلا تنوين. فهذه ثلاث لغات قرىء بها في السّبع «١» ، وذكر فيها بعضهم عشر لغات.

стр. 1064

قطّ، وما قال لشيء صنعته: «لم صنعته؟» ، ولا لشيء تركته: «لم تركته؟» . وقذ ذكر أبو الحسن الكرمانيّ فيها تسعا وثلاثين لغة، وزاد ابن عطيّة واحدة؛ فأكملها أربعين. ونظمها السيوطيّ في أبيات فأجاد، وقد ذكر لغاتها مفصّلة في «التصريح شرح التوضيح» للشيخ خالد الأزهري. فراجعه. وهي كلمة تبرّم وملال، تقال لكلّ ما يتضجّر منه، ويستوي فيه الواحد والمثنّى والجمع، والمذكّر والمؤنث، قال تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [٢٣/ الإسراء] . (قطّ) - بفتح القاف وتشديد الطاء- مضمومة في أشهر لغاتها، وهي ظرف بمعنى الزّمن الماضي، فالمعنى: فيما مضى من عمري، وربّما يستعمل بمعنى «دائما» ، لكنه قد يتّفق له فعل شيء ليس على الوجه الذي أراده منه المصطفى، ففي رواية أبي نعيم: فما سبّني قطّ، وما ضربني ضربة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه؛ فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحد قال: «دعوه، ولو قدّر شيء كان» . (وما قال لشيء صنعته) ؛ أي: مما لا ينبغي صنعه، أو على وجه لا يليق فعله: ( «لم صنعته» ) أي: لأي شيء صنعته، (ولا لشيء تركته: «لم تركته» ) ؛ أي لشدّة وثوقه ويقينه بالقضاء والقدر، ولذلك زاد في رواية: ولكن يقول: «قدّر الله، وما شاء فعل» و «لو قدّر الله كان» و «لو قضي لكان» . فكان يشهد أنّ الفعل من الله؛ ولا فعل لأنس في الحقيقة؛ فلا فاعل إلّا الله، والخلق الآن وسائط، فالغضب على المخلوق في شيء فعله أو تركه ينافي كمال التوحيد؛ كما هو مقرّر في علم التوحيد؛ من وحدة الأفعال. وفي ذلك بيان كمال خلقه وصبره، وحسن عشرته، وعظيم حلمه وصفحه، وترك العقاب على ما فات، وصون اللّسان عن الزجر والذمّ للمخلوقات، وتأليف

стр. 1065

وعنه أيضا قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين- خدمته عشر سنين- فما لامني على شيء قطّ، فإن لامني لائم من أهله.. قال: «دعوه، فإنّه لو قضي شيء.. كان» . وفي «المصابيح» : عن ... خاطر الخادم بترك معاتبته على كلا الحالات. وهذا كلّه في الأمور المتعلّقة بحظّ الإنسان. وأمّا ما يتعلّق بالله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! فلا يتسامح فيه، لأنه إذا انتهك شيء من محارم الله اشتدّ غضبه. وهذا يقتضي أنّ أنسا لم ينتهك شيئا من محارم الله، ولم يرتكب ما يوجب المؤاخذة شرعا في مدّة خدمته له ﷺ . ففي ذلك منقبة عظيمة لأنس؛ وفضيلة تامّة لحسن أدبه في خدمته؛ مع صغر سنّه، لكنها كلّها مستفادة من بركة ملازمته للحضرة النبويّة والطلعة البهيّة ﷺ . (و) في «المصابيح» للإمام البغوي- وقد تقدّمت ترجمته؛ في أوّل الكتاب رحمه الله تعالى-؛ (عنه) ؛ أي: عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (أيضا) مفعول مطلق؛ من «آض؛ إذا رجع» أي: ارجع إلى الرواية عن أنس رجوعا. (قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين؛ خدمته عشر سنين) . قال الحافظ ابن حجر: في معظم الروايات عشر سنين، وفي رواية لمسلم: والله؛ لقد خدمته تسع سنين، فقال النووي: لعل ابتداء خدمة أنس في أثناء السّنة!! ففي رواية التسع لم يجبر الكسر واعتبر السنين الكوامل، وفي رواية العشر جبرها واعتبرها سنة كاملة. انتهى؛ نقله في «جمع الوسائل» . (فما لامني على شيء قطّ) أتي فيه على يدي، (فإن لامني لائم من أهله؛ قال: «دعوه، فإنّه لو قضي شيء كان» ) . قال في «المشكاة» : رواه البيهقيّ في «شعب الإيمان» بتغيير يسير. (وفي «المصابيح» ) - وهو في «صحيح مسلم» ؛ و «سنن أبي داود» - (عن

стр. 1066

أنس أيضا: كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت: والله لا أذهب- وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ فخرجت حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي. قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس؛ أذهبت حيث أمرتك؟» ، قلت: نعم، أنا أذهب ... أنس أيضا) قال: (كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا) ينبغي إسقاط «من» لأنّه ﷺ أحسن النّاس خلقا إجماعا، فكان الأولى تركها لإيهامها خلاف ذلك؛ وإن قيل في الجواب عن ذلك: إنها لا تنافيه!!. لأن الأحسن المتعدّد بعضه أحسن من بعض، أو لأن «كان» للدوام والاستمرار، فإذا كان دائما من أحسن الناس خلقا كان أحسن النّاس خلقا. قال ملا علي القاري: وكأنّ مرادهم أنّ سائر الخلق؛ ولو حسن خلقهم أحيانا ساء خلقهم زمانا، بخلاف حسن خلقه ﵊، فإنه كان على الدوام، ومع عموم النّاس؛ لا مع خصوص الناس، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم (٤) [القلم] وقال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] انتهى كلام القاري والباجوري أيضا. (فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت: والله؛ لا أذهب) بحسب الظاهر، (وفي نفسي) باطنا (أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ ، فخرجت) من عنده (حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من) جهة (ورائي) ؛ أي: خلفي. (قال) ؛ أي أنس (: فنظرت إليه) ﷺ (وهو يضحك، فقال: «يا أنيس) تصغير أنس (؛ أذهبت) - بالاستفهام- (حيث أمرتك» ؟!) أي: المكان الذي أمرتك وأرسلتك إليه لقضاء الحاجة المذكورة. قال: (قلت: نعم، أنا أذهب)

стр. 1067

يا رسول الله. وعن أنس أيضا قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه «١» جبذة شديدة رجع نبيّ الله في نحر الأعرابيّ، حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت فيه حاشية البرد من شدّة جبذته. ثمّ قال: يا محمّد؛ ... الآن (يا رسول الله) لقضاء حاجتك التي أرسلتني لها. (و) أخرج البخاريّ في «الخمس» و «اللباس» و «الأدب» ، ومسلم كلاهما (عن أنس أيضا؛ قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ وعليه برد) - بضمّ الموحّدة وسكون الراء-: نوع من الثياب. وفي رواية مسلم: رداء (نجرانيّ) - بنون مفتوحة فجيم ساكنة فراء مفتوحة؛ فألف فنون- نسبة إلى نجران: بلدة بين الحجاز واليمن، وهي إليه أقرب؛ فلذا يقال بلدة باليمن، (غليظ الحاشية) أي: الجانب (فأدركه أعرابيّ) . قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسميته. انتهى. وسياق الحديث- كما قيل- يقتضي أنّه من المسلمين المؤلّفة قلوبهم، (فجبذه) - بتقديم الباء على الذال المعجمة- ( [بردائه] جبذة شديدة رجع) بسببها (نبيّ الله) ﷺ (في نحر الأعرابيّ، حتّى نظرت إلى صفحة) : جانب (عاتق رسول الله ﷺ : ما بين العنق والكتف، أو موضع الرداء من المنكب (قد أثّرت فيه حاشية البرد من شدّة جبذته) . وفي رواية مسلم: وانشقّ البرد وذهبت حاشيته في عنقه. (ثمّ قال: يا محمّد) . قيل: [قبل] تحريم ندائه باسمه، أو لقرب عهد الأعرابي بالإسلام؛ فلم يتفقّه في الدين، وفي طبعه الغلظة والجفا، وإلّا فطلبه

стр. 1068

مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء. وكان ﷺ هينا لينا، ليس بفظّ ولا غليظ. وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ... العطاء من مال الله يدلّ على أنّه مسلم. (مر لي) - ولمسلم: أعطني- (من مال الله الّذي عندك!! فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء) . وهو تحميل بعيريه؛ كما سيأتي في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي هذا بيان حلمه ﵊، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألّفه على الإسلام. (و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ هينا) ؛ أي: سهلا (لينا) في أخلاقه، وكلاهما بالتّشديد والتخفيف. قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالهين اللين مخفّف، وتذمّ بالهيّن الليّن مشدّد. وفي الحديث «المسلمون هينون لينون» جعله مدحا لهم. وقال غير ابن الأعرابي: هما بمعنى واحد؛ قاله في «شرح القاموس» . وقال في «المصباح» : وأكثر ما جاء المدح بالتخفيف. انتهى. (ليس بفظّ) أي: ليس بسيء الخلق، (ولا غليظ) قلبه بحيث يكون جافي الطبع قاسي القلب، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] . رواه الترمذي في «الشمائل» في حديث الحسن الطويل، وفيه: سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ ... الحديث. (و) روى الترمذيّ في «جامعه» و «شمائله» برجال ثقات؛ (عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت) - وقد سئلت عن خلقه ﷺ قالت-:

стр. 1069

لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا، ولا متفحّشا، ولا صخّابا في الأسواق، ... (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا) ؛ أي: ذا فحش طبعا؛ في أقواله وأفعاله وصفاته. والفحش: ما خرج عن مقداره حتّى يستقبح، واستعماله في القول أكثر. (ولا متفحّشا) أي: متكلّفا الفحش في أقواله وأفعاله وصفاته، فالمقصود نفي الفحش عنه ﷺ طبعا وتكلّفا، إذ لا يلزم من نفي الفحش من جهة الطبع نفيه من جهة التطبّع، وكذا عكسه فمن ثمّ تسلّط النفي على كلّ منهما. فهذا من بديع الكلام. وفي البخاري في «الصفة النبوية» و «الأدب» ، ومسلم في «الفضائل» ، والترمذيّ في «البر» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحّشا ... الحديث. فتوارد عبد الله بن عمرو مع عائشة على نفي الصفتين دليل ظاهر على أنّ ذلك جبلّته مع الأهل والأجانب. (ولا صخّابا) - بالصاد المهملة المشدّدة- أي: لم يكن ذا صخب (في الأسواق) ، فصيغة «فعال» - بالتشديد- للنّسب؛ كتمّار ولبّان، فيفيد التركيب حينئذ نفي الصّخب من أصله؛ على حدّ قوله تعالى وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد (٤٦) [فصلت] أي: بذي ظلم. وليس صيغة «فعّال» للمبالغة!! لئلا يفيد التركيب حينئذ نفي كثرة الصخب فقط، فالمعنى: ولا صيّاحا في الأسواق، وإذا لم يكن في الأسواق كذلك فغيرها أولى. وقد جاء سخّابا- بالسين المهملة أيضا؛ على ما ذكره ميرك- من السّخب بفتحتين؛ كالصخب، و «في» ظرفية، والأسواق جمع سوق؛ سمّيت بذلك!! لسوق الأرزاق إليها، أو لقيام النّاس فيها على سوقهم.

стр. 1070

ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح. و (الصّخب) : شدّة الصّوت. وفي «الإحياء» : ... (ولا يجزي) - بفتح الياء التحتية من غير همزة في آخره؛ بزنة «يرمي» أي: لا يكافىء (بالسّيّئة) التي يفعلها الغير معه (السّيّئة) التي يفعلها هو مع الغير؛ مجازاة له، فالباء للمقابلة. وتسمية الّتي يفعلها هو مع الغير مجازاة له «سيئة» !! من باب المشاكلة؛ كما في قوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [٤٠/ الشورى] ، وإشارة إلى أنّ الأولى العفو والإصلاح، ولذلك قال تعالى فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [٤٠/ الشورى] . (ولكن) استدراك لدفع ما قد يتوهّم أنّه ترك الجزاء عجزا؛ أو مع بقاء الغضب!! فصرّحت عائشة رضي الله تعالى عنها بأنّه مع القدرة؛ فقالت: (يعفو) أي: يعامل الجاني معاملة العافي، بأن لا يظهر له شيئا مما تقتضيه الجناية، (ويصفح) : يظهر له أنّه لم يطلع على شيء من ذلك، أو المراد يعفو بباطنه؛ ويصفح يعرض بظاهره، وذلك منه طبعا وامتثالا، لقوله تعالى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [١٣/ المائدة] وأصله من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء؛ كأنه لم يره. وحسبك من عفوه وصفحه عن أعدائه الّذين حاربوه، وبالغوا في إيذائه حتّى كسروا رباعيته وشجّوا وجهه!. وما من حليم؛ إلّا وقد عرفت له زلّة أو هفوة تخدش في كمال حلمه؛ إلّا المصطفى ﷺ ، فلا يزيده الجهل عليه وشدّة إيذائه إلّا عفوا وصفحا انتهى «باجوري» . قال: (والصّخب) - محرّكا- (: شدّة الصوت) يقال: صخب كفرح؛ فهو صخّاب وهي صخّابة. انتهى (وفي «الإحياء» ) أي: كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي رحمه الله تعالى:

стр. 1071

قد وصفه الله تعالى في «التّوراة» قبل أن يبعثه فقال: محمّد رسول الله عبدي المختار؛ لا فظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ... (قد وصفه الله تعالى في «التّوراة» ) الّذي أنزل على موسى- على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام- (قبل أن يبعثه) بمدّة طويلة في السّفر الأوّل؛ (فقال محمّد رسول الله عبدي المختار) ؛ أي: اخترته من بين عبادي، (لا فظّ) - بفتح الفاء وتشديد الظاء المعجمة- وهو من الرجال: سيّء الخلق، (ولا غليظ) ؛ هو: الجافي الطبع القاسي القلب، ولا ينافيه قوله تعالى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [٧٣/ التوبة] !! لأنّ النفي بالنسبة للمؤمنين؛ والأمر بالنسبة للكفار والمنافقين، كما هو مصرّح به في الآية. أو النفي محمول على طبعه؛ والأمر محمول على المعالجة. قال العلّامة ملا علي قاري رحمه الله تعالى: وفيه نكتة لطيفة؛ وهي: أنّه كانت صفة الجمال من الرحمة واللّين غالبة عليه حتّى احتاج بمعالجة الأمر إليه. انتهى. (ولا صخّاب) ؛ من الصّخب- بالصاد والسين والخاء المعجمة- محرّكة؛ هو الضّجر واضطراب الأصوات للخصام. وقيل: غير ذلك. (في الأسواق) لأنّه ليس ممّن ينافس في الدنيا وجمعها؛ حتّى يحضر الأسواق لذلك؛ فذكرها إنّما هو لكونها محلّ ارتفاع الأصوات لذلك؛ لا لإثبات الصّخب في غيرها، أو لأنّه إذا انتفى فيها انتفى في غيرها بالأولى. والمراد بالمبالغة هنا أصل الفعل. وقد تقدّم قريبا الكلام على ذلك. (ولا يجزي) بوزن: يرمي (بالسّيّئة السّيّئة) - بالنصب-، ولما كان ذلك موهما أنّه ترك الجزاء عجزا؛ استدركه بقوله:

стр. 1072

ولكن يعفو ويصفح، مولده بمكّة، وهجرته بطابة، وملكه بالشّام، يأتزر على وسطه، هو ومن معه دعاة للقرآن والعلم، يتوضّأ على أطرافه. (ولكن يعفو) بباطنه، (ويصفح) : يعرض بظاهره، امتثالا لقوله تعالى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) [المائدة] . (مولده بمكّة) في سوق الليل؛ محلّ معروف هناك، وقد جعل الآن خزانة للكتب العلمية الدينية؛ تابع لوزارة الأوقاف (وهجرته بطابة) ، وهو من أسماء المدينة المنورة، (وملكه بالشّام) ، المراد به الإقليم المعروف، وقد صارت المملكة الإسلامية كلّها عاصمتها دمشق الشام في زمن سيّدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، ثم من بعده خلفاء بني أمية. (يأتزر على وسطه) أي: يستعمل الإزار؛ كما هو عادة العرب. (هو ومن معه) من أصحابه (دعاة) ؛ جمع داع- بالدال المهملة- أي: يدعون النّاس. وفي «الإحياء» - بالراء-: رعاة (للقرآن والعلم) أي: حملة لهما، وحفظة يرعونهما حقّ الرّعاية بالحفظ والفهم والعمل بما فيه. (يتوضّأ على أطرافه) أي: يغسل أطرافه عند الوضوء. قال في «شرح الإحياء» : أخرج البيهقيّ في «الدّلائل» عن عطاء بن يسار؛ قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي؛ فقلت له: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في «التوراة» ، فقال: أجل والله؛ إنّه لموصوف في «التوراة» ببعض صفته في القرآن: «يا أيّها النّبيّ؛ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا وحرزا للأمّيّين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخب بالأسواق، ولا يدفع السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو ويغفر ... الحديث، وفي لفظ له: ولا صخّاب في الأسواق، وفيه: ولكن يعفو ويصفح» . رواه البخاريّ عن محمّد بن سنان عن فليح.

стр. 1073

وكذلك نعته في «الإنجيل» . ورواه البيهقي نحو ذلك؛ من حديث عبد الله بن سلام وكعب الأحبار. وفيه: ولكن يعفو ويغفر ويتجاوز. ومن طريق محمّد بن ثابت بن شرحبيل عن أمّ الدرداء أنّها سألت كعبا عن صفته ﷺ في «التوراة» ؛ فقال: نجده «محمّد رسول الله اسمه المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق» ... الحديث. ورواه من طريق المسيّب؛ عن نافع؛ عن كعب: قال الله لمحمّد ﷺ «عبدي المتوكّل المختار؛ ليس بفظّ ولا غليظ، ولّا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح» . وأخرجه البيهقيّ؛ من طريق عمر بن الحكم بن رافع بن سنان عن بعض عمومته وآبائه: أنّه كانت عندهم ورقة يتوارثونها عن الجاهلية حتّى جاء الله بالإسلام، وفيها: «لأمّة تأتي في آخر الزّمان يبلّون أطرافهم، ويتّزرون على أوساطهم» ... الحديث. (وكذلك نعته في «الإنجيل» ) من جهة بعثته ومهاجرته وما خصّه الله من أوصافه. أخرج البيهقيّ في «الدلائل» ؛ من طريق العيزار بن حريث؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إنّ رسول الله ﷺ مكتوب في «الإنجيل» : «لا فظّ ولا غليظ، ولا صخّاب بالأسواق؛ ولا يجزي بالسّيّئة مثلها، بل يعفو ويصفح» . وقد ذكر ذلك صاحب «الشفاء» وغيره، وأوسع شرّاحه الكلام فيه. وروى الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يكن فاحشا ولا متفحّشا، ولا سخّابا في الأسواق، ولا يجزي السيّئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح! وقد تقدّم.

стр. 1074

وكان ﷺ لا يجفو على أحد، ولو فعل معه ما يوجب الجفاء. وكان ﷺ يقبل معذرة المعتذر إليه، ولو فعل ما فعل. وكان ﷺ إذا آذاه أحد.. يعرض عنه، ويقول: «رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» . (و) في «كشف الغّمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ لا يجفو على أحد، ولو فعل معه ما يوجب الجفاء) . روى أبو داود، والترمذيّ في «الشمائل» ، والنسائي في «اليوم والليلة» ؛ من حديث أنس ﵁: قلّما يواجه رجلا بشيء يكرهه. وفيه ضعف. وللشيخين؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رجلا استأذن عليه ﷺ ؛ فقال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا دخل ألان له القول ... الحديث.. وسيأتي. (و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» : (كان ﷺ يقبل معذرة المعتذر إليه؛ ولو فعل ما فعل) . متّفق عليه؛ من حديث كعب بن مالك في قصّة الثلاثة الذين خلّفوا، وفيه: طفق المخلّفون يعتذرون إليه؛ فقبل منهم علانيتهم ... الحديث. (و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى: (كان) رسول الله ﷺ إذا آذاه أحد يعرض عنه) ويصفح، ولا يقابله بالجفا، بل يشفق عليه؛ (ويقول: «رحم الله أخي موسى) - بن عمران عليه أفضل الصلاة والسلام- (قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ) أي: آذاه قومه بأشدّ مما أوذيت به من تشديد فرعون وقومه، وإبائه عليه، وقصده إهلاكه، بل ومن تعنّت من آمن معه من بني إسرائيل حتّى رموه بالأدرة، واتهموه بقتل أخيه هارون ﵇ لما مات معه في التّيه، ولما سلك بهم البحر؛ قالوا: إنّ صحبنا لا نراهم!! فقال: «سيروا

стр. 1075

وكان ﷺ يرى اللّعب المباح فلا ينكره، وترفع عليه الأصوات بالكلام الجافي، فيحتمله ولا يؤاخذ. فإنّهم على طريق كطريقكم» . قالوا: لا نرضى حتّى نراهم. قال: «اللهم أعنّي على أخلاقهم السيّئة» . ففتحت لهم كوّات في الماء فتراؤا وتسامعوا.. إلى غير ذلك من تعنّتاتهم معه ﵊. وكلامه ﷺ ذلك شفقة عليهم ونصحا في الدين؛ لا تهديدا وتثريبا. وسيأتي هذا الحديث مع بيان أنّه رواه الإمام أحمد، والشيخان؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. (و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان ﷺ يرى اللّعب المباح فلا ينكره) . وروى البخاريّ، ومسلم؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في لعب الحبشة بين يديه في المسجد، وقال لهم: «دونكم؛ يا بني أرفدة» . (وترفع عليه الأصوات بالكلام الجافي فيحتمله؛ ولا يؤاخذ) . قال الحافظ العراقي: روى البخاريّ؛ من حديث عبد الله بن الزبير: قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد! وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس! فقال أبو بكر: ما أردت إلّا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك! فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [١/ الحجرات] انتهى. وروى البخاريّ، وابن المنذر، والطبرانيّ عن ابن أبي مليكة؛ قال: كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب من بني تميم ... فساقه. وأخرجه الترمذيّ من هذا الطريق. انتهى شرح «الإحياء» .

стр. 1076

وكان ﷺ إذا سئل أن يدعو على أحد.. عدل عن الدّعاء عليه ودعا له. وما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادما قطّ ولا غيرهما؛ إلّا أن يكون في الجهاد. (و) في «الإحياء» و «كشف الغمة» : (كان) رسول الله ﷺ إذا سئل أن يدعو على أحد) مسلم أو كافر؛ عامّ أو خاصّ (عدل عن الدّعاء عليه ودعا له) . روى الشيخان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالوا: يا رسول الله؛ إنّ دوسا قد كفرت وأبت فادع عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال: «اللهمّ؛ اهد دوسا وأت بهم» . ولما آذاه المشركون يوم أحد وكسروا رباعيته وشجّوا وجهه شقّ ذلك على أصحابه، فقالوا: لو دعيت عليهم؟! فقال: «إنّي لم أبعث لعّانا! ولكن بعثت داعيا ورحمة!! اللهمّ؛ اغفر لقومي- أو اهد قومي- فإنّهم لا يعلمون» . (و) روى مسلم، والترمذيّ في «الشمائل» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ بيده) - لتأكيد النوعيّة؛ نحو يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [٣٨/ الأنعام] ، إذ الضرب عادة لا يكون إلا باليد- (امرأة) من نسائه، (ولا خادما) له (قطّ) وخصّهما!! لكثرة وجود سبب ضربهما، للابتلاء بمخاطبتهما ومخالفتهما غالبا، (ولا غيرهما) آدميّ وغيره؛ أي: ضربا مؤذيا. وضربه لمركوبه!؟ لم يكن مؤذيا، ووكز بعير جابر حتّى سبق القافلة بعد ما كان عنها بعيدا معجزة، وكذا ضربه لفرس طفيل الأشجعيّ لمّا رآه متخلّفا عن الناس؛ وقال: «اللهمّ؛ بارك فيها» ، وقد كان هزيلا ضعيفا!! قال طفيل: فلقد رأيتني ما أملك رأسها، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا. رواه النسائي «ذكره الزرقانيّ على «المواهب» . (إلّا أن يكون في الجهاد) فيضرب إن احتاج إليه، وقد قتل بأحد أبيّ بن خلف

стр. 1077

قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الخادم إذا أغضبه.. يقول ﷺ : «لولا خشية القصاص يوم القيامة.. لأوجعتك بهذا السّواك» . ولمّا كسرت رباعيته ﷺ وشجّ وجهه ... الكافر، وما قتل بيده أحدا غيره!! بل قال ابن تيمية: لا نعلمه ضرب بيده أحدا غيره. انتهى. (قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الخادم إذا أغضبه يقول ﷺ : «لولا خشية القصاص يوم القيامة لأوجعتك بهذا السّواك» ) . ذكره الشعراني في «كشف الغمّة» . (و) في «الشفاء» و «المواهب» : روي أنّ النبي ﷺ (لمّا كسرت) - بصيغة المجهول؛ يعني: شطبت- (رباعيته ﷺ اليمنى السفلى وذهبت منها فلقة، وهي- بفتح الراء وخفّة الموحّدة والمثناة التحتية المفتوحة؛ بوزن ثمانية-: السنّ التي بين الثنية والنّاب. وللإنسان ثنايا أربع، ورباعيات أربع، وأنياب أربعة، وأضراس عشرون. وكان الذي كسرها عتبة بن أبي وقّاص وجرح شفته السفلى. (وشجّ وجهه) - بصيغة المجهول- شجّه عبد الله بن شهاب الزّهري؛ قاله العلامة ملا علي القاري. وقال الزرقاني: إن الّذي شجّ وجهه عبد الله بن قمئة، ونقل الخفاجيّ؛ عن «سيرة ابن هشام» وغيره: أن عتبة بن أبي وقّاص رماه ﷺ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السّفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجّ وجهه الشريف، وأنّ ابن قمئة ضربه بالسيف على شقّه الأيمن وجرح وجنته؛ فدخلت

стр. 1078

يوم أحد.. شقّ ذلك على أصحابه شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إنّي لم أبعث لعّانا؛ ولكن بعثت داعيا ورحمة، حلقتان من المغفر في وجنته الشريفة فنزعهما أبو عبيدة بن الجرّاح حتى سقطت ثنيّته. وقد اختلف في إسلام عتبة بن أبي وقّاص؟! والصحيح أنّه لم يسلم، وابن شهاب أسلم. وأمّا ابن قمئة! فنطحه كبش فقتله، أو فألقاه من شاهق فهلك، ولم يولد أحد من نسل عتبة إلّا أبخر أهتم. فسرى خزيه لعقبه. انتهى. ذكره الخفاجي والقاري في «شرحيهما» ؛ على «الشفا» رحمهم الله تعالى. آمين. (يوم أحد) حتّى صار الدم يسيل على وجهه الشّريف، فصار ينشّفه، ويقول: «لو وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السّماء» . (شقّ ذلك) المذكور؛ من الكسر والجرح والشجّ (على أصحابه) شقّا (شديدا، وقالوا) له ﷺ (: لو دعوت) ؛ أي: الله (عليهم) أي: على الكفّار بأن يهلكهم الله ويستأصلهم بأشدّ العذاب لأجيب دعاؤك، أو أنّ «لو» للتمنّي؛ فلا تحتاج لجواب. (فقال: «إنّي لم أبعث) - بالبناء للمجهول- أي: لم يبعثني الله (لعّانا) أي: صاحب لعن وطرد عن رحمة الله تعالى، فالمراد نفي أصل الفعل؛ نحو وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ [٤٦/ فصلت] يعني: لو دعوت عليهم لبعدوا عن رحمة الله تعالى، ولصرت قاطعا عن الخير مع أنّي لم أبعث بهذا، (ولكن بعثت داعيا) للناس إلى الله تعالى، (ورحمة) للناس أجمعين بإخراجهم من الكفر إلى الإيمان، وبتأخير العذاب عمن كفر؛ لا لطردهم من رحمة الله، وإبعادهم عنه، فاللعن مناف لحالي فكيف ألعن؟!!. ثمّ لم يكتف بذلك حتّى سأل الله تعالى لهم الغفران أو الهداية، فقال:

стр. 1079

اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرا من مظلمة ظلمها ... (اللهمّ) ؛ اغفر لقومي، كما في رواية، وفي أخرى: اللهمّ (اهد قومي) بإضافتهم إليه؛ إظهارا لسبب شفقته عليهم، فإنّ الطبع البشري يقتضي الحنوّ على القرابة بأيّ حال، ولأجل أن يبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإيمان. ثمّ اعتذر عنهم بالجهل؛ بقوله: (فإنّهم لا يعلمون» ) طريق الحق؛ ولا معرفة قدر نبيه ﷺ ، وما يريد بهم من الخير، ولو علموا ذلك لم يصدر عنهم ما صدر. ولم يقل «يجهلون» !! تحسينا للعبارة ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، مع أنّه إنّما هو جهل حكميّ، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البيّنات عذر، لكنه تضرّع إلى الله أن يمهلهم حتّى يكون منهم، أو من ذريّتهم مؤمنون، وقد حقّق الله رجاءه. انتهى «زرقاني، وخفاجي» . وقال ملا علي قاري في «شرح الشفاء» : والحديث رواه البيهقيّ في «شعب الإيمان» مرسلا، وآخره موصولا؛ وهو في «الصحيح» حكاية عن نبيّ ضربه قومه. انتهى (و) أخرج البخاريّ في «الأدب» و «الصفة النبوية» ، ومسلم في «الفضائل» ، والإمام أحمد، وأبو داود في «الأدب» ، والترمذيّ في «الشمائل» مع مخالفة يسيرة، وهذا لفظ «الشمائل» إلّا قوله فإن كان إثما ... إلخ: كلهم؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت) أي: ما علمت، إذ هو الأنسب بالمقام (رسول ﷺ منتصرا) ؛ أي منتقما وناصرا لنفسه على غيره (من) أجل (مظلمة) - بفتح الميم وكسر اللام، وتفتح- (ظلمها) - بصيغة المجهول- فلا ينتصر لنفسه ممّن ظلمه، بل كان يعفو عنه؛ فقد عفا عمّن

стр. 1080

قطّ ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء.. كان من أشدّهم في ذلك غضبا. وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما؛ ... قال له «إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله تعالى» !! لأجل تأليفه في الإسلام، مع عذره؛ لاحتمال أنّها جرت على لسانه من غير أن يقصد بها الطعن في القسمة، وقد عفا أيضا عمّن رفع صوته عليه، لكونه طبعا وسجيّة له؛ كما هو عادة جفاة العرب. وعمّن جذبه بردائه حتّى أثّر في عنقه الشريف؛ وقال: إنّك لا تعطيني من مالك، ولا من مال أبيك!! فضحك وأمر له بعطاء!! لما كان عليه من مزيد الحلم والصبر، والاحتمال، فلو انتقم لنفسه لم يكن عنده صبر، ولا حلم، ولا احتمال، بل يكون عنده بطش وانتقام. (قطّ) أبدا (ما لم ينتهك) - مبني للمفعول- أي: يرتكب (من محارم الله شيء) حرّمه الله، وهذا كالاستثناء المنقطع، لأنه في هذه الحالة ينتصر لله، لا لنفسه، وإنّما ناسب ما قبله!! لأنّ فيه انتقاما ما في الجملة. (فإذا انتهك) أي: ارتكب (من محارم الله شيء) حرّمه الله؛ (كان من أشدّهم) أي: أشدّهم «من» زائدة (في ذلك) أي: لأجل ذلك (غضبا) ، فينتقم ممّن ارتكب ذلك لصلابته، فإن العفو عن ذلك ضعف ومهانة. ويؤخذ من ذلك: أنّه يسنّ لكل ذي ولاية التّخلّق بهذا الخلق، فلا ينتقم لنفسه، ولا يهمل حقّ الله . (وما) - رواية الشيخين: ولا- (خيّر) بلفظ المبنيّ للمجهول (بين أمرين) أي: من أمور الدنيا، بدليل قوله: «ما لم يكن مأثما» لأنّ أمور الدين لا إثم فيها. (إلّا اختار أيسرهما) : أسهلهما وأخفّهما، فإذا خيّره الله في حقّ أمّته بين وجوب الشيء وندبه؛ أو حرمته؛ أو إباحته اختار الأيسر لهم، وكذلك إذا خيّره الله في حقّ أمّته بين المجاهدة في العبادة والاقتصاد، فيختار الأسهل لهم؛ وهو الاقتصاد.

стр. 1081

ما لم يكن إثما، فإن كان إثما.. كان أبعد النّاس منه. وكان ﷺ لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنّما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ؛ فحينئذ يغضب، ولا يقوم لغضبه شيء ... وإذا خيّره الكفّار بين المحاربة والموادعة؛ اختار الأخفّ عليهم؛ وهو الموادعة. وإذا خيّره الله بين قتال الكفار وأخذ الجزية منهم اختار الأخفّ عليهم؛ وهو أخذ الجزية. فينبغي الأخذ بالأيسر، والميل إليه دائما، وترك ما عسر من أمور الدنيا والآخرة. وفي معنى ذلك الأخذ برخص الله تعالى ورسوله ورخص العلماء؛ ما لم يتتبع ذلك بحيث تنحلّ ربقة التقليد من عنقه؛ قاله الباجوري رحمه الله تعالى. (ما لم يكن) أيسرها (إثما) ، وبعضهم جعل الاستثناء منقطعا؛ إن كان التخيير من الله، ومتّصلا؛ إن كان من غيره، إذ لا يتصوّر تخيير الله إلّا بين جائزين. (فإن كان) الأيسر (إثما؟ كان) ﷺ (أبعد النّاس منه) ؛ فيختار الأشدّ حينئذ. (وكان ﷺ لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها) ؛ أي: لا ينتصر لها إذا آذاه أحد من الأعراب وغيرهم؛ بما يتعلّق بنفسه. (وإنّما يغضب إذا انتهكت) : ارتكبت (حرمات الله ، فحينئذ يغضب) لله تعالى؛ لا لحظّ نفسه. (ولا يقوم) ؛ من قام: إذا ثبت، أي لا يثبت (لغضبه شيء) .

стр. 1082

حتّى ينتصر للحقّ، وإذا غضب.. أعرض وأشاح. والقريب والبعيد والقويّ والضّعيف.. عنده في الحقّ سواء. قوله (أشاح) أي: أعرض بوجهه. والمعنى: لا يقوم أحد من الخلق لدفع غضبه إذا تعرّض أحد له في أمر ربّه (حتّى ينتصر للحقّ) ؛ أي: يقوم بنصرة الحقّ فيؤدّيه ويبطل خلافه. (وإذا غضب أعرض) عمّن غضب عليه من غير لوم له، لشدّة حلمه ﷺ (وأشاح) - بشين معجمة وحاء مهملة؛ بينهما ألف- قيل معناه: صرف وجهه، فهو تأكيد لما قبله، وقيل معناه: قبض وجهه وزواه من غير لوم وعقاب؛ قاله الخفاجي. (والقريب) أي: ذو القرابة (والبعيد) أي: الأجنبيّ، (والقويّ) ؛ أي: القادر على أخذ حقّه، (والضّعيف) أي: القاصر عن التوصّل إلى حقّه كلّهم (عنده في الحقّ سواء) ، فيأخذ الحقّ من القويّ للضعيف، ومن القريب للبعيد، وعكسه. (قوله: أشاح) - بشين معجمة وحاء مهملة في آخره- (أي: أعرض بوجهه) وصفح عنقه عنه، فهو على هذا تأكيد لما قبله- كما تقدّم-. روى الترمذيّ في «الشمائل» في حديث هند بن أبي هالة: «لا تغضبه الدنيا؛ وما كان منها، فإذا تعدّي الحقّ؛ لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، وقد تقدّم. ونحوه في «الشفاء» وفيه: وإذا غضب أعرض وأشاح. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود: ثلاثتهم في «الأدب» ، والترمذيّ في «البرّ» في «جامعه» وفي «شمائله» مع مخالفة في الألفاظ- وهذا لفظ- «الشمائل» :

стр. 1083

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال: «بئس ابن العشيرة» ، أو «أخو العشيرة» . ثمّ أذن له، فلمّا دخل.. ألان له القول. فلمّا خرج.. قلت: يا رسول الله؛ قلت ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟ (عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: استأذن رجل) هو عيينة بن حصن الفزاريّ الّذي يقال له «الأحمق المطاع» ، وكان إذ ذاك مضمر النّفاق، فلذلك قال فيه الرسول ﷺ ما قال ليتّقي شرّه، فهو ليس بغيبة، بل نصيحة للأمّة. ويدلّ على ذلك أنّه أظهر الردّة بعده ﷺ كما سيأتي- (على رسول الله) أي: في الدخول على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال) ؛ أي: النبي ﷺ في حقّ عيينة (: «بئس ابن العشيرة» ؛ أو «أخو العشيرة» .) هكذا وقع في هذه الرواية بالشكّ من الراوي، وفي البخاري: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة» - بالواو- ومن غير شكّ، والشكّ من سفيان، فإنّ جميع أصحاب ابن المنكدر رووه عنه بدون الشك. والعشيرة: القبيلة، وإضافة الابن أو الأخ إليها كإضافة الأخ إلى العرب؛ في قوله: «يا أخا العرب» يريدون بذلك واحدا منهم؛ أي: بئس هذا الرجل من هذه القبيلة؛ فهو مذموم متميّز بالذمّ من بين آحادها. (ثمّ أذن له) أي: في الدخول، (فلمّا دخل ألان له القول) أي: لطّفه له ليتألّفه ليسلم قومه، لأنّه كان رئيسهم. وفيه جواز مداراة الكافر اتقاء شرّه، لا سيّما إن كان مطاعا في قومه ما لم يؤدّ للمداهنة في الدين. (فلمّا خرج قلت: يا رسول الله؛ قلت ما قلت) أي: قلت الّذي قلته في غيبته (ثمّ ألنت له القول) ؛ أي: لطّفت له القول عند معاينته، فهلا سوّيته بين حضوره وغيبته؟! وما السبب في عدم التسوية بين الحالين؛ كما هو المأمول منك فظهر

стр. 1084

فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس، أو ودعه النّاس اتّقاء فحشه» . قال في «المواهب» : (هذا الرّجل هو عيينة بن حصن ... من هذا أنّ غرضها الاستفهام عن سبب عدم التسوية بين الحالين كما هو المأمول. (فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس- أو ودعه النّاس) شكّ من سفيان، والدّال مخففة؛ كما قرىء به قوله تعالى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ شاذّا، فلا ينافي قول الصرفيين: «وأمات العرب ماضي: يدع، ويذر» !! لأنّ المراد بإماتته ندرته؛ فهو شاذّ استعمالا صحيح قياسا. قال صاحب «منظومة الصرف» . وقد أماتوا الماضي من يذر يدع ... لكنّ في الضّحى قري بما ودع (اتقاء فحشه» ) أي: لأجل اتقاء قبيح قوله وفعله، أو لأجل اتقاء مجاوزته الحدّ الشرعي؛ قولا، أو فعلا. وحاصل ما أجابها به ﵊: أنّه ألان له الكلام في الحضور لاتقاء فحشه؛ كما هو شأن جفاة العرب، لأنّه لو لم يلن له الكلام لأفسد حال عشيرته، وزيّن لهم العصيان، وحثّهم على عدم الإيمان، فإلانة القول له من السياسة الدينية والمصلحة للأمّة المحمّدية. وبالجملة؛ فقد كمّل الله نبيّنا ﷺ في كلّ شيء. ومن جملة ذلك تأليفه لمن يخشى عليه؛ أو منه، فكان يتألّفهم ببذل الأموال وطلاقة الوجه، وشفقة على الخلق وتكثيرا للأمّة، كيف لا؛ وهو نبيّ الرّحمة؟! وقد جمع هذا الحديث علما وأدبا؛ فتنبّه لذلك. (قال) العلّامة شهاب الدّين أبو العبّاس القسطلّاني (في «المواهب) اللّدنيّة» ؛ نقلا عن ابن بطّال (: هذا الرّجل) المبهم في الحديث (هو عيينة بن حصن) - بكسر الحاء المهملة وإسكان الصاد المهملة- ابن حذيفة بن بدر

стр. 1085

الفزاريّ، وكان يقال له: (الأحمق المطاع) . وقد كانت منه في حياة النّبيّ ﷺ وبعده أمور تدلّ على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النّبوّة. وأمّا إلانة القول بعد أن دخل ... (الفزاريّ) - نسبة إلى بني فزارة: قبيلة مشهورة- وكذا فسّره به القاضي عياض، والقرطبيّ، والنوويّ جازمين بذلك. (وكان يقال له «الأحمق) - فاسد العقل- (المطاع» ) !! لأنّه كان يتبعه من قومه عشرة آلاف قناة لا يسألونه «أين يريد» . ومن حمقه أنّه دخل على النبي ﷺ وعائشة عنده قبل نزول الحجاب؛ فقال: من هذه؟ قال: «عائشة» . قال: ألا أنزل لك عن أمّ البنين؟! فغضبت عائشة؛ وقالت: من هذا؟! فقال ﷺ : «هذا الأحمق المطاع» يعني: في قومه. رواه سعيد بن منصور. وروى الحارث بن أبي أسامة هذا الحديث مرسلا؛ وفيه: «إنّه منافق أداريه عن نفاقه، وأخشى أن يفسد عليّ غيره» . (وقد كانت منه في حياة النّبيّ ﷺ وبعده أمور تدلّ على ضعف إيمانه) ؛ كدخوله على المصطفى بلا إذن، فقال له: «أخرج فاستأذن» !. فقال: إنّها يمين عليّ ألاأستأذن على مضريّ. وقوله لعمر في خلافته: ما تعطي الجزل، ولا تحكم بالعدل. فغضب؛ فقال له الحرّ بن قيس: إنّ الله يقول خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف] فتركه عمر ﵁. ودخل على عثمان فأغلظ له؛ فقال عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه. (فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النّبوّة) . (وأمّا إلانة القول بعد أن دخل) على المصطفى ﷺ في المحلّ الذي كان فيه!!

стр. 1086

فعلى سبيل الائتلاف والمداراة. وهي مباحة، وربّما استحسنت بخلاف المداهنة. والفرق بينهما أنّ المداراة: بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو الدّين، أو هما معا. (فعلى سبيل الائتلاف والمداراة، وهي مباحة، وربّما استحسنت) ؛ فكانت مستحبّة، أو واجبة. وللديلميّ في «الفردوس» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: «إنّ الله أمرني بمداراة النّاس؛ كما أمرني بإقامة الفرائض» . ولابن عديّ، والطّبراني؛ عن جابر رفعه: «مداراة النّاس صدقة» . وفي حديث أبي هريرة: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة النّاس» . أخرجه البيهقي بسند ضعيف، وعزاه في «فتح الباري» للبزّار! وتعقبه الحافظ السّخاويّ؛ بأن لفظ البزار «التّودّد إلى النّاس» بدل «مداراة النّاس» !!. انتهى. (بخلاف المداهنة) في الدين؛ فليست مباحة، بل محرّمة. وفي «شرح القاموس» : المداهنة المصانعة؛ كما في «الصحاح» ، وقيل: إظهار خلاف ما يضمر؛ كالادّهان. ومنه قوله تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) [القلم] . وقال الفرّاء: يعني ودّوا لو تكفر فيكفرون. وقال- في قوله تعالى أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) [الواقعة]- أي: تكذّبون. ويقال: كافرون. وقيل: معناه ودّوا لو تلين في دينك فيلينون. وقال قوم: المداهنة المقاربة، والادّهان الغش؛ نقله الجوهري. انتهى ملخصا. (والفرق بينهما) أي: بين المداراة والمداهنة (: أنّ المداراة بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو) لصلاح (الدّين، أو هما) أي: الدين والدنيا، أي لصلاحهما (معا) ، أو لسلامة عرضه من مذمّة أهل الشرّ.

стр. 1087

والمداهنة: بذل الدّين لصلاح الدّنيا. والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته والرّفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه حقّ، وفعله معه حسن عشرة، وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب، ... وفي الحديث: «ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة» ، فإذا استكفى الإنسان ما يخافه من شرّ الأشرار بما لا يضرّه في دينه؛ لم يكن عليه في ذلك جناح؛ إن شاء الله تعالى، وهذا إنّما يكون عند الابتلاء بالأشرار. ومن البذل لين الكلام، وترك الإغلاظ في القول، والرفق بالجاهل في التعليم؛ والفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه؛ حيث لم يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف حتّى يرتدع عمّا هو مرتكبه، فكلّ هذا من أنواع المداراة. (و) أما (المداهنة) ! فهي (: بذل الدّين لصلاح الدّنيا) ، كأن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكون مرتكب ذلك يعطيه شيئا من الدنيا، وذلك واقع كثيرا، وقلّما فعل ذلك أحد؛ إلّا أذلّه الله وأهانه، وسلّط عليه النّاس وحرم ممّا يرجوه منهم. (والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته، والرّفق في مكالمته) ، وليس ذلك من بذل الدين في شيء!! (ومع ذلك فلم يمدحه بقول! فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه) «بئس ابن العشيرة» (حقّ، وفعله معه حسن عشرة) ، فيزول مع هذا التقرير الإشكال الّذي هو: أن النصيحة فرض؛ وطلاقة الوجه وإلانة القول يستلزمان الترك!؟ وحاصل جوابه: أنّ الفرض سقط لعارض. ولله الحمد على فهمه، ما ظاهره يشكل علينا ففهمه من النّعم. قال في «فتح الباري» : (وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب) ، وبايع

стр. 1088

ثمّ رجع وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه) انتهى. وقال ابن الأثير ... طليحة. قال بعضهم: فجيء به إلى الصدّيق أسيرا؛ فكان الصبيان يصيحون عليه في أزقّة المدينة، ويقولون: هذا الّذي خرج من الدين؟! فيقول لهم: عمّكم لم يدخل حتّى خرج، فكان ذلك القول علما من أعلام نبوّته ﷺ ومعجزة من معجزاته حيث أشار لمغيّب يقع؛ لكنه كما قال. (ثمّ رجع وأسلم) بعد ذلك وحسن إسلامه، (وحضر بعض الفتوح في عهد عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه. انتهى) أي كلام «المواهب» ؛ مع «شرحه من الزرقاني» . (وقال) الإمام العلّامة المحدّث المؤرّخ النّسّابة أبو الحسن عليّ بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف ب « (ابن الأثير) » الجزري الملقّب «عز الدين» . ولد بالجزيرة؛ أي: جزيرة ابن عمر سنة: خمس وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها وسكن الموصل، وتجوّل في البلدان، وعاد إلى الموصل ولزم بيته متوفّرا على النظر في العلم والتّصنيف، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها. وكان إماما في حفظ الحديث ومعرفته، وما يتعلّق به، وحافظا للتواريخ المتقدّمة والمتأخرة، وخبيرا بأنساب العرب ووقائعهم وأخبارهم. قال ابن خلّكان: واجتمعت به فوجدته رجلا مكمّلا في الفضائل وكرم الأخلاق، وكثرة التواضع؛ فلازمت التّرداد عليه، وكان بينه وبين الوالد مؤانسة أكيدة، فكان بسببها يبالغ في الرعاية والإكرام لي. ومن مؤلّفاته كتاب «الكامل في التاريخ» ، وهو من خيار التواريخ مرتّب على

стр. 1089

في كتابه «أسد الغابة» ، في آخر ترجمة مخرمة بن نوفل رضي الله تعالى عنه: (روى النّضر بن شميل قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز، ... السنين، بلغ فيه عام: تسع وعشرين وستمائة. وأكثر من جاء بعده من المؤرخين عيال على كتابه. ومنها كتاب «اللباب في مختصر «الأنساب» لابن السمعاني، و «أسد الغابة في معرفة الصحابة» ، و «تاريخ الدولة الأتابكيّة» ، وغيرها. وكانت وفاته سنة: ثلاثين وستمائة هجرية رحمه الله تعالى. والجزيرة التي ينسب إليها هي جزيرة عبد العزيز بن عمر رجل من أهل «برقعيد» ؛ من أعمال الموصل بناها فأضيفت إليه. وقيل غير ذلك. ذكره ابن خلّكان في «تاريخه» «١» رحمه الله تعالى. (في كتابه «أسد الغابة) في معرفة الصحابة» (في آخر ترجمة مخرمة بن نوفل) القرشيّ الزّهري. صحابي شهير من مسلمة الفتح، وكان له سنّ عالية وعلم بالنسب، فكان يؤخذ عنه، وعلم بأنصاب الحرم، فبعثه عمر فيمن بعثه لتحديدها، ومات سنة: أربع- أو: خمس- وخمسين، عن مائة وخمس عشرة سنة. (رضي الله تعالى عنه: روى النّضر بن شميل) - بالتصغير- المازني، أبو الحسن البصري؛ ثم الكوفي النحوي شيخ مرو روى عن حميد، وبهز بن حكيم، وابن عون، وشعبة. وعنه يحيى بن يحيى، وإسحاق، والكوسج، وثّقه النّسائيّ، وأبو حاتم، وابن معين. قال محمد بن قهزاذ مات سنة: ثلاث ومائتين. (قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز) - بمعجمات-: صالح بن رستم المزني

стр. 1090

عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل، فلمّا سمع النّبيّ ﷺ صوته.. قال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا جاء.. أدناه، فقلت: يا رسول الله؛ قلت له ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟ «مولاهم» ، البصري صدوق كثير الخطأ. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وضعّفه ابن معين، وأبو حاتم. ووثقّه أبو داود الطيالسيّ، وأبو داود، وابن حبّان، وأبو أحمد ابن عدي وغيرهم. ومات سنة: اثنتين وخمسين ومائة. (عن أبي يزيد المدنيّ) ؛ ثم البصري، روى عن أبي هريرة، وأسماء بنت عميس، وعنه أيوب، وجرير بن حازم؛ وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يسمّى ويكتب حديثه. وقال أبو زرعة: لا أعرف اسمه. (عن عائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها؛ (قالت: جاء مخرمة بن نوفل) القرشيّ الزّهري يستأذن، (فلمّا سمع النّبيّ) ﷺ (صوته؛ قال: «بئس أخو العشيرة» ) ؛ أي: الواحد منها. يقال «هو أخو تميم» ؛ أي: واحد منهم، والمراد بالعشيرة: الجماعة من الناس؛ لا واحد لها من لفظها. أو القبيلة؛ قاله عياض. وقال غيره: العشيرة الأدنى إلى الرجل من أهله وهم ولد أبيه وجدّه. وللعشيرة ثلاثة إطلاقات. (فلمّا جاء أدناه) ؛ أي: قرّبه ولاطفه وألان له القول. (فقلت: يا رسول الله؛ قلت له) ؛ أي: لأجله؛ وفي شأنه، لا أنّه خاطبه!! لفساد المعنى (ما قلت) أي: الذي قلته في غيبته، (ثمّ) في حضوره (ألنت له القول) ؛ أي: لطّفت له القول؟!
следующие страницы →