← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والبذخ، والفحش، والتّفحّش، ... واحتقاره والترفّع عليه، والوقيعة فيه؛ بنحو قذف أو سبّ، لأن العرض أعزّ على النّفس من المال. (و) اجتناب (البذخ) - بالموحدة المفتوحة والذال المعجمة المفتوحة، والخاء المعجمة آخره-؛ وهو تطاول الرجل بكلامه وافتخاره. (و) اجتناب (الفحش) اسم لكلّ ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فتتفق في حكمه آيات الله الثلاث؛ من الشرع، والعقل، والطبع. (و) اجتناب (التّفحّش) : تكلّف ذلك وتعمّده، وكلّ ذلك مذموم ومنهيّ عنه، ومصدره الخبث واللؤم في أصل الطبع، قال رسول الله ﷺ : «إيّاك والفحش؛ فإنّ الله تعالى لا يحبّ الفحش ولا التّفحش» رواه النسائي في «سننه الكبرى» ، والحاكم وصحّحه؛ من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه ابن حبّان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم. وقال ﷺ : «ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء» . رواه الترمذي بإسناد صحيح؛ من حديث ابن مسعود، والحاكم وصحّحه، ورواه البخاري في «الأدب المفرد» ، وأحمد وأبو يعلى، وابن حبّان، والطبراني، والبيهقي: كلّهم؛ من حديث ابن مسعود مرفوعا. والطّعّان: هو الوقّاع في أعراض الناس بنحو ذمّ، أو غيبة. واللّعّان: الذي يكثر لعن الناس، والفاحش: ذو الفحش في كلامه وأفعاله، والبذيء الفاحش في منطقه؛ وإن كان الكلام صدقا. وعنه ﷺ : «الجنّة حرام على كلّ فاحش أن يدخلها» رواه ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم في «الحلية» ؛ من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد فيه لين. انتهى. شرح «الإحياء» .

стр. 982

والحقد، ... (و) اجتناب (الحقد) وهو: الانطواء على العداوة والبغضاء وهو ثمرة الغضب ونتيجته، لأن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفّي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه؛ فصار حقدا، فيلزم قلبه حينئذ استثقاله والبغضة له والنّفار عنه. والحقد يثمر ثمانية أمور: الأول: الحسد؛ وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنّى زوال النعمة عنه، فتغتمّ بنعمة؛ إن أصابها، وتسرّ بمصيبة؛ إن نزلت به. الثاني: أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن، فيشمت بما يصيبه من البلاء. الثالث: أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه؛ وإن طلبك وأقبل عليك. الرابع: وهو دونه بأن تعرض عنه استصغارا له. الخامس: أن تتكلّم فيه بما لا يحلّ؛ من كذب، أو غيبة، وإفشاء سرّ، وهتك ستر وغيره. السادس: أن تحاكيه استهزاء وسخرية منه. السابع: إيذاؤه بالضرب؛ وما يؤلم بدنه. الثامن: أن تمنعه حقّه؛ من قضاء دين، أو صلة رحم، أو ردّ مظلمة! وكلّ ذلك حرام. وأقلّ درجات الحقد: أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة، ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما تعصي الله به، ولكن تستثقله في الباطن، ولا ينتهي قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوّع به؛ من البشاشة والرفق والعناية، والقيام بحاجاته، والمجالسة معه على ذكر الله تعالى، والمعاونة على المنفعة له. أو بترك الدعاء له والثناء عليه، أو التحريض على برّه ومواساته، فهذا كلّه مما ينقص درجتك في الدين، ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل؛ وإن كان

стр. 983

والحسد، ... لا يعرّضك لعقاب الله تعالى. (و) اجتناب (الحسد) ؛ وهو: تمنّي زوال نعمة الغير، سواء تمنّاها لنفسه؛ أو لا، بأن تمنّى انتقالها عن غيره لغيره، وهذا أخسّ الأخسّاء، لأنه باع آخرته بدنيا غيره، بخلاف ما إذا تمنّى مثل نعمة الغير؛ فإنّه غبطة محمودة في الخير، كما ورد: «لا حسد إلّا في اثنتين» ... الحديث. ودليل تحريمه الكتاب والسنّة والإجماع. قال الله تعالى وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) [الفلق] ، وقال ﷺ : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» رواه أبو داود؛ من حديث أبي هريرة، وابن ماجه؛ من حديث أنس. وقال ﷺ : «لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا» أخرجه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم. وفي رواية لمسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم» ... الحديث بطوله. وقال ﷺ : «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول «حالقة الشّعر» ، ولكن حالقة الدّين، والّذي نفس محمّد بيده؛ لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتّى تحابّوا، ألا أنبّئكم بما يثبّت ذلك لكم!! أفشوا السّلام بينكم» . رواه الطيالسي، وابن منيع، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذيّ، وابن أبي الدنيا، والشّاشيّ، وابن قانع، وابن عبد البرّ في «جامع العلم» ، والبيهقيّ، والضّياء المقدسي: كلّهم؛ من طريق مولى للزبير، عن الزّبير بن العوّام مرفوعا. والأحاديث الدالّة على تحريم الحسد كثيرة، وهو من «الكبائر» كما ذكره ابن

стр. 984

والطّيرة، والبغي، ... حجر في «الزواجر» ﵀. (و) اجتناب (الطّيرة) - بالطاء المهملة؛ وزان عنبة- أي: التطيّر؛ وهو التّشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضيّ لمهمّ مرّت بمجاثم الطّير وأثارتها لتستفيد: هل تمضي؛ أو ترجع؟! فنهى الشارع عن ذلك، وقال: «لا هام ولا طيرة» ، وقال: «أقرّوا الطّير في وكناتها» . أي: على مجاثمها. وقال ﷺ : «ثلاث لا ينجو منهنّ أحد: الظّنّ والطّيرة والحسد، وسأحدّثكم بالمخرج من ذلك» . قالوا: أخبرنا يا رسول الله! قال: «إذا ظننت فلا تحقّق، وإذا تطيّرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ» أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذمّ الحسد» ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه راويان ضعيفان. ورواه أبو الشيخ في «التوبيخ» ، والطبراني في «الكبير» ؛ من حديث حارثة بن النعمان: «ثلاث لازمات لأمّتي: سوء الظّنّ، والحسد، والطّيرة، فإذا ظننت فلا تحقّق، وإذا حسدت فاستغفر الله، وإذا تطيّرت فامض» ذكره في شرح «الاحياء» . وقد نظم ذلك بعضهم؛ فقال: ثلاثة لم ينج منها أحد ... طيرة والظّنّ ثمّ الحسد لا تبغ لا ترجع ولا تحقّق ... وقد سلمت خذ كلام مشفق أعني كلام المصطفى الرّؤوف ... بالمؤمنين المجتبى العطوف (و) اجتناب (البغي) : التعدّي عن الحقّ، والاستطالة. قال الفرّاء في قوله تعالى وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف/ ٣٣] : إن البغي الاستطالة على النّاس. وقال الأزهريّ: معناه الكبر، وقيل: هو الظلم والفساد. وقال الرّاغب: البغي على ضربين: أحدهما: محمود؛ وهو: تجاوز العدل

стр. 985

والعدوان، والظّلم. إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. والثاني: مذموم؛ وهو: تجاوز الحقّ إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبهة، ولذلك قال الله تعالى إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [النور/ ٢٤] . فخصّ العقوبة بمن يبغيه بغير الحق. قال: والبغي في أكثر المواضع مذموم. قال الأزهري: وأما قوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة/ ١٧٣] !! فغير باغ أكلها تلذّذا، وقيل: غير طالب مجاوزة قدر حاجته، وقيل: غير باغ على الإمام. وقال الرّاغب: أي غير طالب ما ليس له طلبه. قال الأزهري: ومعنى البغي قصد الفساد، وفلان يبغي على الناس؛ إذا ظلمهم وطلب أذاهم. وقال الجوهري: كلّ مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بغي. انتهى شرح «القاموس» . (و) اجتناب (العدوان) - بضمّ العين المهملة وكسرها- وهو: الظلم المجاوز للقدر، فكأنه تجاوز في الإخلال بالعدالة، ومنه قوله تعالى فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) [البقرة] ؛ أي: لا سبيل، وقيل: العدوان سوء الاعتداء؛ في قول، أو فعل، أو حال ومنه قوله تعالى وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [النساء] ، وقوله تعالى بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) [الشعراء] أي: معتدون. قال الراغب: الاعتداء مجاوزة الحقّ، وقد يكون على سبيل الابتداء؛ وهو المنهيّ عنه، ومنه قوله تعالى وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) [البقرة] ، وقد يكون على سبيل المجازاة. ويصحّ أن يتعاطى مع من ابتدأ، كقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ

стр. 986

......... مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة/ ١٩٤] أي: قابلوه بحقّ اعتدائه، سمّي بمثل اسمه!! لأن صورة الفعلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية. انتهى. شرح «القاموس» . (و) اجتناب (الظّلم) - بالضم-: التصرّف في ملك الغير، ومجاوزة الحدّ؛ قاله المناوي. وقال الراغب: هو- عند أكثر أهل اللغة-: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به؛ إما بزيادة، أو نقصان، وإما بعدول عن وقته ومكانه، ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التجاوز، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير، وفي الذّنب الصغير. قال بعض الحكماء: الظّلم ثلاثة: الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) [لقمان] . والثاني: ظلم بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى/ ٤٢] ، وبقوله وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [الإسراء/ ٣٣] . والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وإيّاه قصد بقوله تعالى فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر/ ٣٢] . وكلّ هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس، فإنّ الإنسان أوّل ما يهمّ بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذن الظّالم أبدا مبتدىء بنفسه في الظلم، ولهذا قال تعالى في غير موضع ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) [النحل] ، وقوله تعالى وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام/ ٨٢] فقد قيل: هو الشرك انتهى. شرح «القاموس» . قال ابن حجر في «الزواجر» : أخرج الشيخان وغيرهما؛ عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظّلم ظلمات يوم القيامة» .

стр. 987

......... وأخرج مسلم وغيره: «اتّقوا الظّلم، فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، اتّقوا الشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم» . وأخرج مسلم وغيره؛ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربّه أنّه قال: «يا عبادي؛ إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما، فلا تظالموا» .. الحديث. وأخرج الطبراني: «لا تظلموا فتدعو فلا يستجاب لكم، وتستسقوا فلا تسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا» . وأخرج البخاريّ ومسلم وغيرهما أنّه ﷺ قال لمعاذ- لمّا بعثه إلى اليمن-: «اتّق دعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب» . وأخرج الشيخان وغيرهما: «إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلته» . ثمّ قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) [هود] » . وأخرج أبو الشيخ: «قال الله : وعزّتي وجلالي لأنتقمنّ من الظّالم في عاجله وآجله، ولأنتقمنّ ممّن رأى مظلوما فقدر أن ينصره؛ ولم يفعل» . وأخرج البخاريّ، والترمذيّ: «انصر أخاك ظالما؛ أو مظلوما» . فقال رجل: يا رسول الله؛ أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره!؟ قال: «تحجزه- أو: تمنعه- عن الظّلم، فإنّ ذلك نصره» . وأخرج مسلم: «ولينصر الرّجل أخاه ظالما؛ أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، فإنّه له نصرة، فإن كان مظلوما فلينصره» . انتهى كلام ابن حجر رحمه الله تعالى مقتطفا. وهذه الجمل التي جاءت في هذا الحديث الكلام عليها بالإسهاب يستدعي مجلّدا كاملا؛ فلنقتصر على هذا القدر من شرحها، ولنرجع إلى كلام المؤلف.

стр. 988

قوله وتر: (الوتر) : الثّأر. و (الذّحل) : الحقد والعداوة، والثّأر أيضا. قال أنس ﵁: فلم يدع نصيحة جميلة إلّا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم يدع غشّا- أو قال: عيبا، أو قال: شيئا- إلّا حذّرناه ونهانا عنه، ويكفي من ذلك كلّه هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] . (قوله) وكلّ ذي (وتر: الوتر) - بفتح الواو وسكون التاء المثناة-: (الثّأر. و) أما (الذّحل) - بفتح الذّال المعجمة وفتح الحاء المهملة- فهو (الحقد، والعداوة، والثّأر أيضا) يقال: طلب بذحله؛ أي: بثأره. والله أعلم. وهذا الحديث المتقدّم بطوله. قال الحافظ العراقيّ: لم أقف له على أصل!! ويغني عنه حديث معاذ الآتي بعده بحديث: (قال أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه: فلم يدع) ﷺ (نصيحة جميلة؛ إلّا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم يدع غشّا- أو قال: عيبا؛ أو قال: شيئا- إلّا حذّرناه ونهانا عنه، ويكفي من ذلك كلّه هذه الآية. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [٩٠/ النحل] الآية) . أي: اقرأ الآية. قال العراقي: لم أقف له على إسناد!! وهو صحيح من حيث الواقع. انتهى. قال في «شرح الإحياء» : والذي يظهر من سياق المصنّف أن الحديث المتقدّم هو من رواية أنس عن معاذ فتأمّل!!. وأخرج ابن النّجار في «تاريخه» ؛ من طريق الحارث العطلي؛ عن أبيه قال: مرّ عليّ بن أبي طالب بقوم يتحدّثون، فقال: فيم أنتم؟ قالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أو ما كفاكم الله ذاك في كتابه؛ إذ يقول. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [٩٠/ النحل] فالعدل الإنصاف، والإحسان التفضل، فما بقي بعد هذا!؟!

стр. 989

وقال معاذ: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ؛ أوصيك باتّقاء الله، ... وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم؛ عن قتادة قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويحبّونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه، وإنّما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها. والله أعلم. انتهى. (وقال معاذ) أي: ابن جبل رضي الله تعالى عنه: (أوصاني رسول الله ﷺ ؛ فقال: «يا معاذ؛ أوصيك باتّقاء الله) . أي: بتقوى الله التي هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيّات، فبذلك يصير العبد في وقاية من النار، ودرجة عالية مع المتقين في دار القرار. والتقوى ثلاث مراتب؛ الأولى: التوقّي من العذاب المخلّد صاحبه، وذلك بالتبرّي من الكفر، وعليه قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [٢٦/ الفتح] فإن المراد بها «لا إله إلا الله محمد رسول الله» . والثانية: التجنّب عن كلّ ما فيه لوم؛ حتّى الصغائر عند قوم، وهذا المعنى هو المعنيّ بقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) [المائدة] . والثالثة: أن يتنزّه العبد عن كلّ ما يشغل سرّه عن الحق، وهو المعنى المراد بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [١٠٢/ آل عمران] . وتقوى الله مطلوبة من العبد في كلّ حال؛ في جميع الأقوال والأفعال والحركات والسّكنات، وهي كلمة جامعة للخيرات مانعة للسيئات، وبها تنال السعادة الأبدية والكرامة الآخروية، وهي منتهى درجات السالكين ووصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَن

стр. 990

......... اتَّقُوا اللَّهَ [النساء/ ١٣١] . وكم ترتّب عليها من كرامات ومواهب وعطيّات من ربّ البريّات!! فمن ذلك: المدحة والثناء قال تعالى وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) [آل عمران] . ومن ذلك: الحفظ والوقاية من كيد الأعداء، قال تعالى وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [١٢٠/ آل عمران] . ومن ذلك: النصر والتّأييد، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) [النحل] . ومن ذلك النجاة من الشدائد والرزق الحلال، قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق] . ومن ذلك: إصلاح العمل وغفران الذنوب، قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) [الأحزاب] . ومنها محبة الله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) [التوبة] . ومن ذلك: القبول، قال تعالى إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) [المائدة] . ومن ذلك: الإكرام والإعزاز، قال تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [١٣/ الحجرات] . فجعل الكرامة عنده بالتقوى، لا بالأنساب، ولا بالأموال، ولا بشيء آخر!!. ومن ذلك: التيسير في الأمور قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) [الطلاق] . ومن ذلك: البشارة بكل خير في الدنيا والآخرة، قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ

стр. 991

وصدق الحديث، ... َ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) [يونس] . ومنها: النجاة من النار، قال الله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) [مريم] . ومنها: الخلود في الجنة، قال تعالى. وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) [آل عمران] وقال تعالى لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [١٥/ آل عمران] ... إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر التقوى ومدح المتقين في نحو مئة وخمسين آية، والأحاديث الواردة في وصف المتقين كثيرة. قال الإمام حجّة الإسلام الغزاليّ رحمه الله تعالى: اعلم أن التقوى كنز عزيز، فلئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف، وعلوّ، وعلم جسيم، وملك عظيم، فكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت في هذه الخصلة التي هي التقوى، وتأمّل ما في القرآن كم علّق بها من خير، وكم وعد عليها من ثواب، وكم أضاف إليها من سعادة!!. انتهى. وقال بعض العارفين: من أخرجه الله من ذلّ المعصية بعزّ التقوى؛ أغناه بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس. انتهى. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتّقين، وأن يدخلنا في عباده الصالحين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصالحين. آمين. (وصدق الحديث) ، أي: المقال. قال العلامة ابن أبي شريف في «حواشي شرح العقائد» : الصدق استعمله الصوفية بمعنى استواء السّرّ والعلانية، والظّاهر والباطن؛ بأن لا تكذّب أحوال العبد أعماله، ولا أعماله أحواله، وجعلوا الإخلاص لازما أعمّ؛ فقالوا: كلّ صادق مخلص، وليس كلّ مخلص صادق. انتهى.

стр. 992

والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ... أخرج البخاريّ، ومسلم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرّجل ليصدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ الرّجل ليكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» . ورواه بنحوه؛ من حديث ابن مسعود: أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد» ، والترمذيّ، وفي أوّله عندهم: «عليكم بالصّدق؛ فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإيّاكم والكذب ... » الحديث. (والوفاء بالعهد) ؛ أي: إذا عاهد على أمر، قال الله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [٩١/ النحل] . وقال تعالى وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) [الإسراء] . وقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [١/ المائدة] . أخرج البخاريّ، ومسلم، والإمام أحمد، والنّسائي؛ عن عبد الله بن عمرو ابن العاصي رضي الله تعالى عنهما أنّ النبيّ ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ؛ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . وأخرج الترمذي وغيره؛ عنه ﷺ أنه قال: «حسن العهد من الإيمان» . (وأداء الأمانة) قال الله تعالى. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [٥٨/ النساء] ، وقال الله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) [الأحزاب] . وفي الحديث عنه ﷺ : «لا إيمان لمن لا أمانة له» رواه الإمام أحمد. وعنه ﷺ أنّه قال: «المؤمن من أمنه النّاس على دمائهم وأموالهم» أخرجه الحاكم وصحّحه. (وترك الخيانة) لحديث: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» .

стр. 993

وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ... وفي الحديث: «يطبع المؤمن على الخلال كلّها إلّا الخيانة والكذب» رواه الإمام أحمد، وروى الطبراني حديث: «ناصحوا في العلم، فإنّ خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانته في ماله» . (وحفظ الجار) ؛ أي: المجاور في السكن، والجمع جيران. والجار- شرعا-: ما ذكر في «باب الوصايا» بأنّه لو أوصى لجيرانه دفع لأربعين دارا من كلّ جانب من الجوانب الأربعة. وفي حفظ الجار حصول الألفة والتّوادّ الذي به نظام المعاش والمعاد. أخرج البخاريّ، ومسلم أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذ جاره» . وروى الترمذيّ حديث: «أحسن إلى جارك تكن مؤمنا» . وقال رسول الله ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه» . رواه البخاريّ ومسلم. وقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» . رواه البخاريّ ومسلم. (ورحمة اليتيم) وهو: فاقد الأب ما دام صغيرا، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم. قال ابن السّكّيت: اليتيم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم. قال ابن خالويه: وفي الطير بفقدهما؛ أي: الأب والأم، لأنّهما يحضنانه ويرزقانه. انتهى. قال الله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) [الضحى] ، قال البيضاوي: أي لا تغلبه على ماله لضعفه، وقال تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) [الماعون] أي: يدفعه دفعا عنيفا، هو أبو جهل؛ أو غيره كان وصيّا ليتيم، فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه.

стр. 994

ولين الكلام، ... قال ﷺ : «كافل اليتيم له؛ أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنّة» . وأشار الرّاوي بالسبابة والوسطى. رواه مسلم. وقال ﷺ : «اللهمّ؛ إنّي أحرّج حقّ الضّعيفين: اليتيم والمرأة» حديث حسن؛ رواه النسائي بإسناد جيّد. وقال ﷺ : «لا تنزع الرّحمة إلّا من شقيّ» . رواه البخاريّ في «الأدب المفرد» وغيره، وقال ﷺ : «من لّا يرحم النّاس لا يرحمه الله» رواه البخاريّ، ومسلم. وقال ﷺ : «لا يدخل الجنّة إلّا رحيم» ، قيل: يا رسول الله؛ كلّنا يرحم! قال: «ليس أن يرحم أحدكم صاحبه، إنّما الرّحمة أن يرحم النّاس» . رواه البزّار. وقال ﷺ : «الرّاحمون يرحمهم الرّحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. (ولين الكلام) روى الخرائطيّ، والطبراني في «الكبير» و «الأوسط» أنّه ﷺ قال: «أتدرون على من حرّمت النّار» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «على الهيّن اللّيّن السّهل القريب» . وفي رواية ابن مسعود: «حرّم على النّار كلّ هيّن ليّن سهل قريب من النّاس» . وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يحبّ السّهل الطّليق» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ، والشيرازيّ في «الألقاب» ، والدّيلميّ. وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: البرّ شيء هيّن.. وجه طليق وكلام ليّن. أخرجه ابن أبي الدنيا في «الصمت» . وقد نظم بعضهم هذا الحديث؛ فقال: بنيّ؛ إنّ البرّ شيء هيّن ... وجه طليق وكلام ليّن

стр. 995

وبذل السّلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ... (وبذل السّلام) أخرج البزار: «ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وبذل السّلام، والإنصاف من نفسك» . ورواه الطبراني بلفظ: «من جمعهنّ؛ فقد جمع الإيمان» . وروى مسلم: «حقّ المسلم على المسلم ستّ. إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا عطس فحمد الله فشمّته ... » الحديث. (وحسن العمل) بالإتيان بالطّاعات على الوجه الذي جاءت به السّنة المطهّرة، واجتناب المحرّمات. (وقصر الأمل) اعلم أنّ طول الأمل: استشعار طول البقاء في الدّنيا حتّى يغلب ذلك على القلب، فيأخذ في العمل بمقتضاه، وقد قال السّلف: من طال أمله ساء عمله، وذلك لأنّ طول الأمل يحمل على الحرص على الدّنيا والتشمير لعمارتها، حتى يقطع الإنسان ليله ونهاره بالتفكّر في إصلاحها وكيفية السّعي لها؛ تارة بقلبه، وتارة بالعمل في ذلك، والأخذ فيه بظاهره، فيصير قلبه وجسمه مستغرقين في ذلك، وحينئذ ينسى الآخرة ويشتغل عنها، ويسوّف في العمل لها، فيكون في أمر دنياه مبادرا مشمّرا، وفي أمر آخرته مسوّفا ومقصّرا، وكان ينبغي له أن يعكس الأمر، فإنّ طول الأمل مذموم؛ وهو ينسي الآخرة، ولا بأس بقصر الأمل؛ أعني: القدر الذي لا يلهي عن الآخرة، ويتيسّر معه القيام بالمعايش التي لا غنى عنها. وفي وصيّة رسول الله ﷺ لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل» ، وفي ذلك غاية الحثّ على قصر الأمل وقلّة الرّغبة في الدنيا. فعلى العاقل أن يستشعر قرب الموت، فإنّه أقرب غائب ينتظر، لا يأتي في سنّ مخصوص، ولا في زمن مخصوص، وما يدري الإنسان لعلّه لم يبق من أجله إلا الشيء اليسير!! فلا يطيل الأمل، ويسوّف العمل، ويغافل عن الاستعداد للموت إلّا

стр. 996

ولزوم الإيمان، والتّفقّه في القرآن، وحبّ الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك أن تسبّ حكيما، أو تكذّب صادقا، أو تطيع آثما، ... أحمق مغرور. انتهى. من «الإحياء» . وقال ابن الجوزي: طول الأمل مذموم للنّاس؛ لا للعلماء، فلولا أملهم لما ألّفوا ولا صنّفوا. انتهى. (ولزوم الإيمان) بالله وصفاته، وحدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. (والتّفقّه في القرآن) بتعلم أحكام القرآن والعمل بما فيه. (وحبّ الآخرة) بالاستعداد لها بالعمل الصالح؛ قال الله تعالى وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) [الإسراء] . (والجزع) - بالجيم والزاي المفتوحتين آخره عين مهملة- أي: الحزن والخوف (من الحساب) يوم القيامة. (وخفض الجناح) - بفتح الجيم- أي: لين الجانب لعباد الله. (وأنهاك) يا معاذ (أن تسبّ حكيما) . قال ابن الأثير: الحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، فهو بمعنى مفعل، وقيل: الحكيم ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم. وقال الجوهريّ: الحكم الحكمة من العلم والحكيم العالم، وصاحب الحكمة، وقد حكم ككرم؛ صار حكيما. انتهى. شرح «القاموس» . (أو تكذّب صادقا) بأن تنسب إليه الكذب؛ والحال أن الغالب عليه الصّدق. (أو تطيع آثما) ، أي: مرتكبا للإثم داعيا لك إليه.

стр. 997

أو تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا. وأوصيك باتّقاء الله تعالى عند كلّ حجر وشجر ومدر، وأن تحدث لكلّ ذنب توبة؛ ... (أو تعصي إماما) للمسلمين (عادلا) بعدم امتثال أوامره التي هي غير معصية، أو بالخروج عليه ومحاربته، وكذا إذا كان جائرا فاسقا؛ فلا يجوز الخروج عليه إلّا إذا كفر كفرا صريحا. ولم يجز في غير محض الكفر ... خروجنا على وليّ الأمر (أو تفسد أرضا. وأوصيك باتّقاء الله تعالى عند كلّ حجر وشجر) والشجر: ماله ساق من النبات، والذي ليس له ساق يقال له: نجم. (ومدر) - بالميم والدال المهملة والمفتوحتين آخره راء- هو: الطين اليابس، أو التراب المتلبّد، والمراد من ذلك ملازمة التقوى في جميع الأحوال. وقد تقدّم الكلام على التقوى «١» . (وأن تحدث) - بضمّ أوّله- من: أحدث يحدث؛ أي تجدّد (لكلّ ذنب) أحدثته. (توبة) بالإقلاع عن الذّنب، والنّدم على ما فعل، والعزم على أن لا يعود، وردّ الظّلامة إلى صاحبها، أو التحلّل منها. قال في «منهل الوراد» : التوبة- لغة-: الرجوع؛ يقال: تاب إذا رجع. - وشرعا-: الرجوع عمّا كان مذموما في الشرع إلى ما هو محمود فيه. ولها ثلاثة شروط: ١- الندم، و ٢- الإقلاع، و ٣- العزم على ألايعود. هذا إن لم يتعلّق بحق آدمي!! فإن تعلّق الذنب بحقّ آدمي فللتوبة إذن أربعة

стр. 998

......... شروط: وهي الثلاثة المذكورة آنفا، و ٤- وردّ الظّلامة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه تفصيلا عندنا- معاشر الشافعية-، وأما عند المالكية! فيكفي تحصيل البراءة إجمالا، وفيه فسحة، فإن لّم يقدر على ذلك؛ بأن كان مستغرق الذّمم؟! فالمطلوب منه الإخلاص وكثرة التضرّع إلى الله تعالى لعلّه يرضي عنه خصماءه يوم القيامة. ومن شروط التوبة: ٥- صدورها قبل الغرغرة؛ وهي حالة النزع، و ٦- قبل طلوع الشمس من مغربها، لأنه حينئذ يغلق باب التوبة، فتمتنع التوبة على من لم يكن تاب قبل، أي: لا تصحّ توبته. ولا تقبل حينئذ. ولا فرق في عدم صحّة التوبة في حال الغرغرة؛ عند الأشاعرة بين الكافر والمؤمن العاصي!! وأما عند الماتريدية! فلا تصحّ من الكافر في حال الغرغرة، وتصحّ من المؤمن حينئذ. والذّنوب قسمان: صغائر وكبائر، وتجب التوبة من الصّغائر كوجوبها من الكبائر. وليست الكبيرة منحصرة في عدد، وهي- كما قال ابن الصّلاح-: كلّ ذنب كبر كبرا يصحّ معه أن يطلق عليه اسم «الكبيرة» . ولها أمارات؛ منها: إيجاب الحدّ. ومنها: الإيعاد عليها بالعقاب. ومنها: وصف فاعلها بالفسق، ومنها: اللّعن؛ كلعن الله السّارق. وأكبرها: ١- الشّرك بالله، ثم ٢- قتل النفس التي حرّم الله قتلها إلّا بالحقّ، وما سوى هذين منها: كالزّنا، واللّواط، وعقوق الوالدين، والسّحر، والقذف، والفرار يوم الزّحف، وأكل الربا وغير ذلك!! فمختلف أمره باختلاف الأحوال والمفاسد المترتّبة عليه، فيقال: لكلّ واحدة منه هي من أكبر الكبائر؛ كما قاله النووي رحمه الله تعالى.

стр. 999

......... وكلّ ما خرج عن حدّ الكبيرة وضابطها؛ فهو صغيرة. ومن الكبائر الأمر بالفساد، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، وضرب المسلم، وشتمه، وأخذ ماله بغير حق، وشهادة الزّور، وقذف المحصنات، واليمين الفاجرة، وشرب الخمر ... وغير ذلك مما بيّنه الشهاب ابن حجر رحمه الله تعالى في «الزواجر» انتهى. ملخصا. ومن الصغائر: النظر المحرّم، وكذب لا حدّ فيه، ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق الثلاث، وكثرة الخصومات؛ وإن كان محقّا إلّا أن يراعي حقّ الشرع فيها، والضّحك في الصلاة والنياحة وشق الجيب في المصيبة والتبختر في المشي والجلوس بين الفساق إيناسا لهم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة يغلب تنجيسهم المسجد، واستعمال نجاسة في بدن؛ أو ثوب لغير حاجة. قال الناظم رحمه الله تعالى: وتجب التّوبة من صغيرة ... في الحال كالوجوب من كبيرة ولو على ذنب سواه قد أصرّ ... لكن بها يصفو عن القلب الكدر تحقيقها إقلاعه في الحال ... وعزم ترك العود في استقبال وإن تعلّقت بحقّ آدمي ... لابّدّ من تبرئة للذّمم وواجب إعلامه إن جهلا ... فإن يغب فابعث إليه عجلا فإن يمت فهي لوارث يرى ... إن لم يكن فأعطها للفقرا مع نيّة العزم له إذا حضر ... ومعسر ينوي الأدا إذا قدر وإن تصحّ توبة وانتقضت ... بالعود لا تضرّ صحّة مضت فإن يمت من قبلها يرجى له ... مغفرة الله بأن تناله قال في «منهل الورّاد» : وعندنا- معاشر أهل السنة والجماعة- لا يكفّر مرتكب الذنب؛ صغيرة كانت أو كبيرة، عالما كان مرتكبها أو جاهلا، بشرط أن

стр. 1000

السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية» ) . لا يكون ذلك الذنب من المكفّرات؛ كإنكاره علم الله تعالى بالجزئيات، وإلّا كفر مرتكبه قطعا، وألايكون مستحلّا له وهو معلوم من الدين بالضرورة؛ كالزنا، وإلّا! كفر مرتكبه باستحلاله لذلك، خلافا للخوارج، فالكبيرة عندهم موجبة للكفر. وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين؛ صاحبها لا مؤمن ولا كافر، وهذا في ارتكابها؛ لا عن اعتقادها، لأنّه لو اعتقد حلّ بعض المحرّمات المعلومة من الدين بالضرورة؛ كالخمر كفر بلا خلاف، فمرتكب الكبيرة مخلّد عند الفريقين، ويعذّب عند الخوارج عذاب الكفّار، وعند المعتزلة يعذّب عذاب الفسّاق. والحقّ ما عليه أهل السنّة من أن الكبيرة لا تخرج العبد من الإيمان، ولا تدخله في الكفر، ولا تخلّده في النار، ولا تحبط طاعته. ومما يردّ على المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة: ما نطق به القرآن في مواضع؛ منها قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء/ ٤٨] ؛ أي: من جميع الذنوب الكبائر والصغائر غير الشرك، فلا ريب عند أهل الحقّ أنّ من مات موحّدا لا يخلّد في النّار؛ وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصّحيحة؛ منها: قوله ﵊: «وإن زنى وإن سرق» . وباجتناب الكبائر تغفر الصّغائر، وأما الكبائر! فلا يكفّرها إلّا التوبة الصحيحة المستحقّة للشروط المقدّم ذكرها، انتهى ملخصا. (السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية» ) . يعني: إذا أذنبت سرّا؛ فتوبتك تكون سرّا، وإذا أذنبت جهرا فتوبتك تكون جهرا، وهذا ليس بشرط، وإنّما ذلك للمناسبة بين الذنب والتوبة؛ لأنّ التوبة لا يشترط فيها الجهر والإعلان؛ كما لا يشترط فيها الإسرار، لأنها تحصل بمجرّد عقد القلب، وقد ورد في الحديث: «النّدم توبة» .

стр. 1001

فهكذا أدّب عباد الله، ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. وهذا الحديث الذي رواه معاذ أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ، والبيهقي في «الزهد» . ذكره في شرح «الإحياء» . (فهكذا) ﷺ (أدّب عباد الله؛ ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب) يعني: أنه لم يخصّ معاذا بهذه الآداب، وإنما ذاك أنموذج يدلّك على أنّه فعل مع غير معاذ كما فعل مع معاذ؛ من الدعاء إلى مكارم الأخلاق، والحثّ على محاسن الآداب، وذلك واضح بيّن في كتب السّنة المطهرة؛ من ذلك قوله لبلال: «أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . وقوله لآخر أراد أن ينخلع من ماله كلّه: «أمسك عليك مالك، فإنّك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون النّاس» . وقال له رجل أوصني؟! فقال: «استحيي من الله كما تستحيي رجلا صالحا من قومك» . وقال له آخر: أوصني، فقال: «لا تغضب» ، فوصاياه ﷺ لأصحابه؛ وإن اختلفت بحسب اختلاف أحوالهم؛ إلّا أنّها كلّها ترجع إلى مكارم الأخلاق والتأدبّ باداب الشريعة. ولم يترك ﷺ أدبا يحتاج إليه إلّا أرشد إليه أصحابه وأمّته، ولا خيرا إلّا دلّهم عليه، ولا شرّا إلّا حذّرهم منه؛ يؤيد ذلك حديث أبي هريرة «١» ﵁ إذ قال له رجل: «لقد علّمكم نبيّكم كلّ شيء حتّى الخرأة ... الحديث.

стр. 1002

وعن الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة- ... (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ، وابن سعد، والبيهقيّ، والطبرانيّ، وذكره القاضي عياض في «الشفاء» بسنده؛ من طريق الترمذي وغيره- وهذا لفظ «الشمائل» -: (عن) أبي محمد (الحسن بن عليّ) بن أبي طالب، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المدني. سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته، وسيّد شباب أهل الجنة، وابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، البضعة الطاهرة سيّدة نساء العالمين. ولد سنة: ثلاث من الهجرة في نصف رمضان، سمّاه النبي ﷺ الحسن، وكنّاه «أبا محمد» وعقّ عنه يوم سابعه، وهو خامس أهل الكساء «١» ، وكان شبيها برسول الله ﷺ . روى عن النبي ﷺ أحاديث: قيل ثلاثة عشر، روت عنه عائشة رضي الله تعالى عنها، وروى عنه جماعات من التابعين؛ منهم: ابنه الحسن بن الحسن، والشعبيّ، وأبو وائل، وابن سيرين ... وآخرون. توفي بالمدينة مسموما سنة: تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع، وقبره فيه مشهور. (رضي الله تعالى عنه) : وعن أبويه وحشرنا في زمرتهم. آمين. (قال: سألت خالي هند بن أبي هالة) ، وإنّما كان خال الحسن!! لأنّه أخو

стр. 1003

وكان وصّافا- عن حلية رسول الله ﷺ وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا- فقال: كان رسول الله ﷺ فخما، ... أمّه فاطمة الزّهراء من أمّها، فإنّه ابن خديجة الّتي هي أمّ السيّدة فاطمة، وذلك لأن خديجة تزوّجت أبا هالة في الجاهلية؛ فولدت له ذكرين: هندا وهالة، ثم مات، فتزوّجت عتيق بن خالد المخزوميّ، فولدت له عبد الله وبنتا. وقيل الّذي تزوّجها أوّلا عتيق، تزوّجها بعده أبو هالة، وتزوّجها بعدهما رسول الله ﷺ ، وجميع أولاد النبي ﷺ منها إلّا إبراهيم؛ فإنه من مارية القبطية- كما سيأتي-. (وكان) هند (وصّافا) ؛ أي: كثير الوصف لرسول الله ﷺ ؛ كذا قالوه. وقال الشهاب الخفاجي: وكان وصّافا؛ أي: كان فصيحا له خبرة بوصف النبي ﷺ لحذقه، أو كان معروفا بذكر صفات النبي ﷺ . قال الباجوري: وإنّما كان هند وصّافا لرسول الله ﷺ !! لكونه قد أمعن النّظر في ذاته الشريفة؛ وهو صغير مثل عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، لأن كلّا منهما تربّى في حجر النبي ﷺ ، والصغير يتمكّن من التأمّل وإمعان النظر، بخلاف الكبير، فإنه تمنعه المهابة والحياء من ذلك، ومن ثمّ قال بعضهم: عمدة أحاديث الشمائل تدور على هند بن أبي هالة، وعليّ بن أبي طالب ﵄. انتهى. (عن حلية) - بكسر الحاء المهملة وسكون اللام فتحتيّة-، أي: وصفه ونعته، وهو متعلّق ب «سألت» ، أي: سألته عن صفة (رسول الله ﷺ وأنا أشتهي) ؛ أي: أشتاق إلى (أن يصف لي منها) ؛ أي: من حلية رسول الله ﷺ (شيئا) عظيما، فالتنوين للتّعظيم، والجملة معطوفة على جملة «وكان وصّافا ... الخ» ، والجملتان معترضتان بين السؤال والجواب، أو حاليّتان من الفاعل أو المفعول، أو الأولى من المفعول، والثانية من الفاعل. (فقال) ؛ أي: هند خال الحسن (: كان رسول الله ﷺ فخما) - بفتح الفاء،

стр. 1004

مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ... فذكر الحديث بطوله. قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ... وسكون الخاء المعجمة؛ أو كسرها، واقتصر بعضهم على السكون لكونه الأشهر- أي: عظيما في نفسه (مفخّما) - بتشديد الخاء المعجمة؛ بوزن مكرّما-، أي: معظّما عند الخلق لا يستطيع أحد ألايعظّمه؛ وإن حرص على ترك تعظيمه، وقيل: معنى كونه «فخما» : كونه عظيما عند الله، وكونه «مفخّما» كونه معظّما عند الناس. (يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر) ؛ أي: يشرق وجهه إشراقا مثل إشراق القمر ليلة كماله، وهي ليلة أربعة عشر، سمي «بدرا» !! لأنّه يبدر الشمس بالطلوع؛ أي: يسبق في طلوعه الشمس في غيرها. (فذكر) أي: الحسن (الحديث بطوله) - وقد تقدّم في «باب الخلق» من هذا الكتاب-. (قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا) أي: أخفيت هذه الصفات عن الحسين مدّة طويلة، وإنما كتمها عنه!! ليختبر اجتهاده في تحصيل العلم بحلية جدّه، أو لينتظر سؤاله عنها، فإنّ التعليم بعد الطّلب أثبت وأرسخ في الذهن. (ثمّ حدّثته) بما سمعته من خالي هند (فوجدته) أي: الحسين (قد سبقني إليه) أي: إلى السّؤال عنها من خاله هند (فسأله) أي: فسأل الحسين خاله (عمّا سألته عنه) من الأوصاف (ووجدته) أي: وجدت الحسين (قد) زاد عليّ في تحصيل العلم بصفة جدّه حيث (سأل أباه عن) كيفية (مدخله ومخرجه) ، كلّ منهما مصدر ميميّ؛ يصلح للزمان والمكان والحدث، والمراد هنا الزمان،

стр. 1005

وشكله، فلم يدع منه شيئا. قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ . فقال: كان إذا أوى إلى منزله.. جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزآ لله، وجزآ لأهله، ... والمعنى: أنه سأل أباه عن حاله، وصفته في زمن دخوله في البيت، وفي زمن خروجه منه. (و) عن (شكله) - بفتح أوله- أي: هيئته وطريقته، الشامل لمجلسه، فدخل في السؤال عن الشّكل السؤال عن مجلسه الآتي. (فلم يدع) ؛ أي لم يترك عليّ (منه) أي: مما سأله عنه (شيئا) ، أو لم يدع الحسين (منه) ؛ أي من السؤال عن أحواله شيئا إلّا سأل عنه. (قال الحسين) في تفصيل ما أجمله أوّلا بقوله «عن مدخله ومخرجه وشكله» . فقد روى الحسن عن أخيه الحسين ما رواه الحسين عن أبيه علي؛ فصار الحسن راويا ما تقدّم عن خاله هند بلا واسطة، وما سيأتي عن أبيه عليّ بواسطة أخيه الحسين. ففيه رواية الأقارب عن الأقارب، والصحابيّ عن الصحابي، والكبير عن الصغير. (فسألت أبي) عليّا (عن دخول رسول الله ﷺ أي: عن سيرته وطريقته، وما يصنعه في زمن دخوله واستقراره في بيته. (فقال) أي: أبوه عليّ (: كان) أي: النبيّ ﷺ (إذا أوى) - بالمدّ والقصر؛ كما تقدّم- (إلى منزله) ؛ أي: وصل إليه واستقرّ فيه (جزّأ) أي: قسم (دخوله) ؛ أي: زمن دخوله (ثلاثة أجزاء) أي: ثلاثة أقسام. (جزآ لله) تعالى يستفرغ فيه وسعه لعبادة الله والتفكّر في مصنوعاته، (وجزآ لأهله) أي: لمؤانسة أهله ومعاشرتهم، فإنّه كان أحسن الناس عشرة،

стр. 1006

وجزآ لنفسه. ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين النّاس، فيردّ بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر عنهم شيئا. وكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدّين، ... (وجزآ لنفسه) أي: لنفع نفسه، فيفعل فيه ما يعود عليه بالتكميل الآخروي والدنيوي. (ثمّ جزّأ جزءه بينه وبين النّاس) ؛ أي: ثمّ قسم جزأه الذي جعله لنفسه بينه وبين جميع الناس؛ سواء من كان موجودا، ومن سيوجد بعدهم إلى يوم القيامة بواسطة التبليغ عنه. (فيردّ بالخاصّة على العامّة) ؛ أي: فيردّ ذلك الجزء الذي جعله للناس بسبب خاصّة الناس وهم أهله وأفاضل الصحابة الذين كانوا يدخلون عليه في بيته، فيأخذون عنه الأحاديث؛ ثم يبلّغونها للذين لم يدخلوا بعد خروجهم من عنده، فكان يوصل العلوم لعامّة الناس بواسطة خاصّتهم. (ولا يدّخر) - بتشديد الدال المهملة؛ كما هو الرواية- أي: لا يخفي (عنهم شيئا) من تعلّقات النصح والهداية. (وكان من سيرته) : من عادته وطريقته (في جزء الأمّة) ، أي: فيما يصنع في الجزء الذي جعله لأمّته (إيثار) أي: تفضيل (أهل الفضل) حسبا أو نسبا؛ أو سبقا أو صلاحا، أي يقدّمهم على غيرهم في الدخول عليه وإبلاغ أحواله للعامّة، أو في الحاجة كلّ ذلك إنما كان (بإذنه) لهم في ذلك. (و) كان من سيرته في ذلك الجزء أيضا (قسمه) - بالفتح؛ مصدر قسم- معطوف على «إيثار» ، أي: قسم ذلك الجزء (على قدر فضلهم) أي مراتبهم (في الدّين) من جهة الصلاح والتقوى، لا من جهة الأحساب والأنساب. قال تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [١٣/ الحجرات] ، أو المراد على قدر حاجاتهم في الدين.

стр. 1007

فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج؛ فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما يصلحهم والأمّة، من مسألتهم عنه، وإخبارهم بالّذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ... ويلائمه قوله (فمنهم ذو الحاجة) الواحدة، (ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج) ، فإنّ هذا بيان للتفاوت في مراتب الاستحقاق، والفاء للتفصيل والمراد ب «الحوائج» المسائل المتعلّقة بالدّين. (فيتشاغل بهم) ؛ أي: فيشتغل بذوي الحاجات (ويشغلهم) - بفتح أوله مضارع؛ شغله كمنعه- (في ما) أي: الذي (يصلحهم، و) يصلح (الأمّة) ؛ من قبيل عطف العامّ على الخاصّ، سواء كان المراد أمّة الدعوة، أو أمّة الإجابة؛ والمعنى: لا يدعهم يشتغلون بما لا يعنيهم؛ بل يشغلهم بما يصلحهم ويصلح الأمة. (من) بيان ل «ما» (مسألتهم) أي: سؤالهم النبي ﷺ (عنه) أي: عما يصلحهم ويصلح الأمة، (وإخبارهم) أي: إخبار النبي إيّاهم (بالّذي ينبغي لهم) أي: بالأحكام التي تليق بهم، وبأحوالهم وزمانهم ومكانهم، والمعارف التي تسعها عقولهم. (ويقول) لهم بعد أن يفيدهم ما يصلحهم ويصلح الأمّة: ( «ليبلّغ الشّاهد) الحاضر (منكم) الآن (الغائب) عن المجلس من بقيّة الأمة حتى من سيوجد. (و) يقول لهم أيضا: ( «أبلغوني) أي: أوصلوا إليّ (حاجة من لا يستطيع إبلاغها) ، إيّاي لعذر كمرض، أو بعد، أو ضعف؛ كالنساء والعبيد والمرضى والغائبين. وهذا من كمال تواضعه ﷺ وشفقته على أمّته، واعتنائه بهدايتهم وإصلاحهم ما استطاع.

стр. 1008

فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها.. ثبّت الله قدميه يوم القيامة» ؛ لا يذكر عنده إلّا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. يدخلون روّادا- أي: طلّابا- ولا يفترقون إلّا عن ذواق، ... ويؤخذ من ذلك أنّه يسنّ المعاونة، والحثّ على قضاء حوائج المحتاجين. ثم رغّب في ذلك وحثّ عليه بقوله (فإنّه) أي: الحال والشأن (من أبلغ سلطانا) أي: قادرا على تنفيذ ما يبلغه؛ وإن لم يكن سلطانا حقيقة (حاجة من لا يستطيع إبلاغها) ؛ أي: من لا يقدر على إيصالها (ثبّت الله قدميه) على الصراط (يوم القيامة» ) يوم تزلّ الأقدام. دينية كانت الحاجة أو دنيوية، فإنّه لما حرّكهما في إبلاغ حاجة هذا الضعيف جوزي بثباتهما على الصراط. (لا يذكر عنده إلّا ذلك) أي: لا يحكى عنده إلّا ما ذكر مما ينفعهم في دينهم؛ أو دنياهم، دون ما لا ينفعهم في ذلك؛ كالأمور المباحة التي لا فائدة فيها، وهذا الحصر غالبي، ومنه يعرف حالة قوله (ولا يقبل) ﷺ (من) كلام (أحد) شيئا (غيره) أي: غير المحتاج إليه، فهو توكيد للكلام الذي قبله (يدخلون روّادا) - بضم الراء وتشديد الواو- (أي: طلّابا) للمنافع في دينهم أو دنياهم، المكملة لعقولهم ونفوسهم، فهو جمع زائد من الرّود؛ وهو الطلب، وهو- في الأصل-: من يتقدّم القوم لينظر لهم الكلأ ومساقط الغيث، ثم استعير هنا لتقدّم أكابر الصّحب في الدخول عليه ليستفيدوا ما يصلح أمر الأمّة، ويكون سببا لوقايتهم من مهالك الجهل وغوائل الهوى. (ولا يفترقون إلّا عن ذواق) - بفتح أوله فعال؛ بمعنى مفعول؛ من الذوق- أي: مذوق طعام حسّيّ؛ على ما هو الأغلب، أو معنوي من الأدب، فإنّه يقوم لأرواحهم مقام الطعام لأجسادهم، و «عن» بمعنى «بعد» كقوله تعالى لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) [الانشقاق] . وقال بعضهم: الأصل في الذواق الطعام، إلا أنّ العلماء كلّهم حملوه على

стр. 1009

ويخرجون أدلّة؛ يعني: على الخير. قال: فسألته عن مخرجه: كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ... العلم والخير، لأن الذوق قد يستعار؛ كما في القرآن فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [١١٢/ النحل] أي: لا يقومون من عنده إلّا وقد استفادوا علما جزيلا وخيرا كثيرا. (ويخرجون) من عنده (أدلّة) قال القسطلّاني: الرواية المشهورة الصحيحة بدال مهملة، جمع دليل أي: علماء يدلّون الناس. (يعني على) ما علموه من (الخير) ، ولهذا قال: «أصحابي كالنّجوم» . وقال الكازروني: أذلّة- بالمعجمة؛ من الذل-: التواضع، ومعناه: متواضعون يخضع بعضهم لبعض لأجل الموعظة التي يسمعون، والقرآن الذي يتلون. وهو حسن لو ساعدته الرواية؛ لكنه لا يناسب قوله «يعني على الخير» . (قال) أي: الحسين: (فسألته) ؛ أي: أبي (عن مخرجه) أي: عن سيرته وطريقته في زمن خروجه من البيت (: كيف كان يصنع فيه؟! قال) أي: عليّ ﵁. (كان رسول الله ﷺ يخزن) - بضم الزاي وكسرها، أي: يحبس ويضبط- (لسانه إلّا فيما يعنيه) - بفتح المثناة التحتية- أي: يهمّه مما ينفع دينيا؛ أو دنيويا، فكان كثير الصمت إلّا فيما يعني، كيف وقد قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» ؟!. (ويؤلّفهم) - بفتح الهمزة وتشديد اللام؛ من الألفة- أي: يؤلّف بينهم حتّى يجعلهم كنفس واحدة؛ بحيث لا يبقى بينهم تباغض بوجه، أو يجعلهم آلفين له مقبلين عليه بحاسيّتهم بحسن الخلق معهم وملاطفتهم. (ولا ينفّرهم) - بتشديد الفاء- أي: لا يفعل بهم ما يكون سببا لنفرتهم، لما

стр. 1010

ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس ويحترس منهم؛ من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا في النّاس، ... عنده من العفو والصفح والرأفة بهم. (ويكرم كريم كلّ قوم) أي: يعظّم أفضل كلّ قوم بما يناسبه من التعظيم. (ويولّيه) أي: يجعله واليا: أي حاكما (عليهم) وأميرا فيهم، لأن القوم أطوع لكبيرهم مع ما فيه من الكرم الموجب للرفق بهم. وهذا من تمام حسن نظره وعظيم تدبيره. (ويحذر النّاس) - بفتح الياء وخفة الذال؛ كيعلم، وعليه أكثر الرّواة- أي: يحترز من الناس، لأنه لم يكن مغفّلا. (ويحترس منهم) أي: يتحفّظ من كثرة مخالطتهم المؤدّية إلى سقوط هيبته وجلالته من قلوبهم، لكن لا يفرط في ذلك؛ بل يحترس (من غير أن يطوي) - بكسر الواو- (عن أحد منهم) من الناس (بشره) - بكسر الموحّدة وسكون الشين المعجمة- أي: طلاقة وجهه وبشاشة بشرته (ولا خلقه) - بضمتين- أي: من غير أن يمنع عن أحد من الناس طلاقة وجهه ولا حسن خلقه. (ويتفقّد أصحابه) أي: يسأل عنهم حال غيبتهم، فإن كان أحد منهم مريضا عاده، أو مسافرا دعا له، أو ميتا استغفر له، وذلك من مكارم الأخلاق كما قيل ... ومن عادة السّادات أن يتفقّدوا ... أصاغرهم والمكرمات عوائد (ويسأل النّاس) أي: يسأل خاصّة أصحابه (عمّا) وقع (في النّاس) ؛ ليدفع ظلم الظالم، وينتصر للمظلوم، ويقوّي جانب الضعيف. وليس المراد أنّه يتجسّس عن عيوبهم ويتفحّص عن ذنوبهم. ويؤخذ منه أنّه ينبغي للحكّام أن يسألوا عن أحوال الرعايا، وكذلك الفقهاء

стр. 1011

ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، ... والصلحاء، والأكابر الذين لهم أتباع؛ فلا يغافلون عن السؤال عن أحوال أتباعهم، لئلا يترتّب على الإهمال مضارّ يعسر دفعها. (ويحسّن) - بتشديد السين المهملة؛ من التحسين- أي: يصف الشيء (الحسن) بمعنى أنّه يظهر حسنه بمدحه؛ أو مدح فاعله (ويقوّيه) ؛ من التقوية أي: يظهر قوّته بدليل معقول أو منقول. (ويقبّح) - بتشديد الموحّدة؛ من التقبيح- أي: يصف الشيء (القبيح) بالقبح، بمعنى أنّه يظهر قبحه بذمّه أو ذمّ فاعله، ولا يبالي به؛ وإن عظم قدره وتناهى جاهه. (ويوهّيه) - بتشديد الهاء- أي: يجعله واهيا ضعيفا بالمنع والزجر عنه. وبين «الحسن» و «القبيح» ، و «يقوّيه» و «يوهّيه» من أنواع البديع الطّباق. (معتدل الأمر) : مستويه، والأمر الشأن، أو هو ضدّ النهي، يعني: لا يأمر بما لا يطاق (غير مختلف) هو إلى الإطناب أقرب، إذ «معتدل الأمر» يغني عنه، لكن هذا مقام مدح؛ والإطناب يليق به. وحاصل المعنى: أنّ سائر أفعاله وأقواله على سنن الاستواء والاعتدال، وهي مع ذلك مصونة عن أن يصدر فيها منه أشياء متخالفة المحامل؛ متباينة الأواخر والأوائل. والرواية في كلّ من هاتين الكلمتين بالرفع؛ على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ مع أن ظاهر السياق النصب على أنّه معطوف على خبر «كان» بحذف حرف العطف، أي: وكان معتدل الأمر غير مختلف. ولعل وجه الرفع: أن كونه معتدل الأمر غير مختلف من الأمور اللازمة التي

стр. 1012

لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا، لكلّ حال عنده عتاد- أي: شيء معدّ ومهيّأ- لا يقصّر عن الحقّ ولا يجاوزه، الّذين يلونه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، ... لا تنفكّ عنه أبدا!!. والرفع- على أنّ ذلك خبر مبتدأ محذوف- يقتضي أن يكون الكلام جملة اسمية، وهي تفيد الدوام والاستمرار. (لا يغافل) عن تذكيرهم وتعليمهم وإرشادهم ونصحهم (مخافة) ؛ مفعول من أجله (أن يغافلوا) عن استفادة أحواله وأفعاله، (أو يميلوا) إلى الدّعة والراحة، أو يميلوا عنه وينفروا منه كما هو شأن المسلّكين، فإنّهم لا يغافلون عن إرشاد تلامذتهم؛ مخافة أن يغافلوا عن الأخذ عنهم، أو يميلوا إلى الكسل والرفاهية. (لكلّ حال) من أحواله وأحوال غيره (عنده عتاد) - بفتح العين المهملة ومثنّاة فوقية؛ كسحاب- (أي شيء معدّ) له (ومهيّأ) ، فكان يعدّ للأمور أشكالها ونظائرها كالة الحرب وغيرها. (لا يقصّر) ؛ من التقصير، أو القصور (عن الحقّ) أي: عن استيفائه لصاحبه؛ أو عن بيانه، (ولا يجاوزه) ؛ أي: لا يأخذ أكثر منه. (الّذين يلونه من النّاس) ؛ أي: الذين يقربون منه في المجلس لاكتساب الفوائد ونشرها وتعليمها (خيارهم) ؛ لأنهم الذين يصلحون لاستفادة العلوم وتعلّمها، ومن ثمّ قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنّهى، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» . وينبغي للعالم في درسه أن يجعل الذين يقربون منه خيار طلبته، لأنّهم هم الذين يوثق بهم علما وفهما. (أفضلهم عنده أعمّهم) ؛ أي: أفضل الناس عنده ﷺ أكثرهم (نصيحة) للمسلمين في الدين والدنيا، فإنّه ورد: «الدّين النّصيحة» .

стр. 1013

وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه. فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلّا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم.. جلس حيث ينتهي به ... (وأعظمهم عنده منزلة) ؛ أي: مرتبة (أحسنهم مواساة) ؛ وإحسانا للمحتاجين بالنفس والمال؛ ولو مع احتياج أنفسهم، لقوله تعالى وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [٩٠/ الحشر] (ومؤازرة) أي: معاونة لإخوانهم في مهمات الأمور؛ من البر والتقوى، لقوله تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [٢/ المائدة] . وإنما قسم مدخله دون مخرجه؛ مع أنه ينقسم أيضا ثلاثة أجزاء: ١- قسم لله؛ وهو وقت الصلاة والتعليم، و ٢- قسم لنفسه؛ وهو: ما تدعو إليه ضرورته. و ٣- قسم للناس؛ وهو: السعي في حوائجهم!! لأنهم يعلمون حاله في خروجه؛ فلم يحتج لتقسيمه. (قال) أي الحسين (: فسألته) أي عليا (عن مجلسه) ؛ أي عن أحواله ﷺ في وقت جلوسه: (فقال) أي عليّ: (كان رسول الله ﷺ لا يقوم) من مجلسه (ولا يجلس) فيه؛ (إلّا على ذكر) أي: إلّا في حال تلبّسه بالذكر لله تعالى، «فعلى» للملابسة، وهي مع مدخولها في محلّ نصب على الحال. ويؤخذ منه ندب الذكر عند القيام وعند القعود. والأصل في مشروعيّة ذلك قوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [١٩١/ آل عمران] والمقصود من ذلك تعميم الأحوال. وبالجملة فالذكر أعظم العبادات، لقوله تعالى وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [٤٥/ العنكبوت] . (وإذا انتهى) أي: وصل (إلى قوم) جالسين (جلس حيث ينتهي به) صلى الله عليه وسلم

стр. 1014

المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه. (المجلس) أي: يجلس في أيّ مكان يلقاه خاليا، ولا يترفّع على أصحابه لمزيد تواضعه ومكارم أخلاقه، حيث لم يتكلّف خطوة زائدة على الحاجة لحظّ نفسه حتى يجلس في صدر المجلس. ولأن القصد من قطع الطريق وتعب المشي للبلوغ والوصول إلى القوم، فإذا وصل إلى أوّلهم كان المشي بعد ذلك عبثا وتكبّرا لا يليق بحال العاقل؛ فضلا عن الفاضل؛ فضلا عن أفضل الناس!! (ويأمر بذلك) أي: بالجلوس حيث ينتهي به المجلس؛ إعراضا عن رعونة النفس وأغراضها الفاسدة. وقد ورد أمره بذلك فيما رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ؛ عن شيبة بن عثمان مرفوعا: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس؛ فإن وسّع له فليجلس، وإلّا فلينظر إلى أوسع مكان يراه؛ فليجلس فيه» . وبالجملة فقد ثبت مشروعية ذلك فعلا وأمرا. (يعطي كلّ) واحد من (جلسائه بنصيبه) ، أي: شيئا بقدر نصيبه؛ أي: حظّه من البشر والطلاقة والكرامة والتعليم والتفهيم؛ بحسب ما يليق به، فالمفعول الثاني مقدّر. وقيل: إن الباء زائدة في «بنصيبه» الذي هو المفعول الثاني للتأكيد. (لا يحسب) - بفتح السين وكسره؛ أي: لا يظنّ- (جليسه) الإضافة للجنس؛ فيشمل كلّ واحد من مجالسيه (أنّ أحدا) من أمثاله وأقرانه (أكرم عليه) ﷺ (منه) ؛ أي: من نفسه. وذلك لكمال خلقه وحسن معاشرته لأصحابه، فكان يظنّ كلّ واحد منهم أنّه أقرب من غيره إليه، وأحبّ الناس عنده، لما تبيّن له من عظيم بشره وتقريبه. وهذا هو الكمال الأعظم!

стр. 1015

من جالسه أو فاوضه في حاجة.. صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة.. لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول. قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا ... (من جالسه) أي: جلس معه، (أو فاوضه) ؛ أي: شرع معه في الكلام في مشاورة أو مراجعة (في حاجة) له، و «أو» للتنويع؛ خلافا لمن جعلها للشكّ. (صابره) ؛ أي: غلبه في الصبر على المجالسة، أو المكالمة فلا يبادر بالقيام من المجلس، ولا يقطع الكلام، ولا يظهر الملل والسامة، بل يستمرّ معه (حتّى يكون) أي: المجالس؛ أو المفاوض (هو المنصرف عنه) ﷺ ، لمبالغته في الصبر معه. (ومن سأله) ﷺ أيّ إنسان كان (حاجة) أيّة حاجة كانت؛ (لم يردّه) أي: السائل (إلّا بها) إن تيسّرت عنده، (أو بميسور من القول) ؛ إن لم تتيسر لفقد؛ أو مانع يقتضيه. وهذه قضية مانعة خلوّ؛ أي: لا يخلو حاله حين يسأل من إعطاء المسؤول، أو الرّد بسهولة ولين قوله، ليكون ذلك مسلاة له عن حاجته. وهذا من كمال سخائه ومروءته وحيائه. وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (٢٨) [الإسراء] ومن ذلك الميسور أن يعد السائل بعطاء إذا جاءه شيء؛ كما وقع له مع كثيرين، ولذلك قال الصدّيق رضي الله تعالى عنه- بعد استخلافه؛ وقد جاءه مال-: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة فليأتنا، فأتوه فوفّاهم. (قد وسع) - بكسر السين؛ أي: عمّ- (النّاس) أجمعين حتّى المنافقين (بسطه) أي: بشره وطلاقة وجهه (وخلقه) أي: حسن خلقه الكريم، لكونه ﷺ يلاطف كلّ واحد بما يناسبه، (فصار لهم) أي: للناس (أبا) في الشفقة والرحمة، وأعظم من أب، إذ غاية الأب أن يسعى في صلاح الظاهر؛ وهو صلّى الله عليه وسلم

стр. 1016

وصاروا عنده في الحقّ سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، يسعى في صلاح الظاهر والباطن. (وصاروا عنده في الحقّ سواء) أي: مستوين في الحقّ لسلامته من الأغراض النفسانية الحاملة للإنسان على اتباع هواه، فالبعيد عن الحقّ والطالب له عنده سواء فيوصل بكلّ إنسان منهم ما يستحقّه ويليق به، ولا يطمع أحد منهم أن يتميّز على أحد عنده لكمال عدله. (مجلسه مجلس حلم) - بكسر الحاء واللام؛ أي: منه عليهم. وفي نسخة من «الشمائل» : علم؛ بدل: حلم، أي: يفيدهم إيّاه، كما قال تعالى وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [١٢٩/ البقرة] . (وحياء) أي: منهم، فكانوا يجلسون معه على غاية من الأدب؛ كأنّما على رؤوسهم الطير. (وصبر) أي: منه ﷺ على جفوتهم، لقوله تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] . (وأمانة) أي: منهم على ما يقع في المجلس من الأسرار، والمراد أنّ مجلسه مجلس كمال هذه الأمور، لأنه مجلس تذكير بالله تعالى، وترغيب فيما عنده من الثواب، وترهيب مما عنده من العقاب فترقّ قلوبهم، فيزهدون في الدنيا ويرغبون في الآخرة. (لا ترفع) البناء للمفعول (فيه) أي: في مجلسه (الأصوات) ؛ أي: لا يرفع أحد من أصحابه صوته في مجلسه ﷺ إلّا لمجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ وما أشبه ذلك، لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [٢/ الحجرات] ﷺ ، فكانوا ﵁ [م] على غاية من الأدب في مجلسه، بخلاف كثير من طلبة العلم، فإنّهم يرفعون أصواتهم في الدروس؛ إما لرياء، أو بعد فهم.

стр. 1017

ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته. متعادلين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين، ... (ولا تؤبن) - بضم التاء وسكون الهمزة، ويجوز إبدالها واوا وفتح الموحدة المخففة وتشدّد أيضا، وآخره نون- من الأبن- بفتح الهمزة- وهو العيب؛ أي: لا تعاب (فيه) أي: في مجلسه ﷺ (الحرم) - بضم الحاء وفتح الراء، وبضمّها- جمع حرمة؛ وهي: ما يحترم ويحمى من أهل الرجل. والمعنى: لا تعاب فيه حرم الناس بقذف؛ ولا غيبة ونحوها، بل مجلسه مصون عن كلّ قول قبيح. (ولا تنثى) - بضمّ أوّله وسكون النون، وفتح المثلاثة- من «نثا الحديث» : حدّث به وأشاعه، أي: لا تشاع ولا تذاع (فلتاته) - بفتح الفاء واللام- أي: هفوات مجلسه، فالضمير للمجلس، والفلتات جمع فلتة؛ وهي: الهفوة، فإذا حصل من بعض حاضريه هفوة لا تشاع ولا تذاع، ولا تنقل عن المجلس، بل تستر على صاحبها إذا صدرت منه؛ على خلاف عادته وطبعه. هذا ما يعطيه ظاهر العبارة!! والأولى جعل النفي منصبّا على الفلتات نفسها، لا وصفها؛ من الإشاعة والإذاعة. فالمعنى: لا فلتات فيه أصلا، فلم يكن شيء منها في مجلسه ﷺ ، وليس منها ما يصدر من أجلاف العرب؛ كقول بعضهم «أعطني من مال الله؛ لا من مال أبيك وجدّك» ، بل ذاك دأبهم وعاداتهم. (متعادلين) أي: كانوا متعادلين، فهو خبر «كان» مقدّرة. والمعنى أنّهم كانوا متساوين، فلا يتكبّر بعضهم على بعض، ولا يفتخر عليه بحسب أو نسب. (بل كانوا يتفاضلون) أي: يفضل بعضهم على بعض (فيه) أي: في مجلسه ﷺ (بالتّقوى) علما وعملا، (متواضعين) حال من الواو في

стр. 1018

يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. وكان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه. وكان ﷺ أحسن النّاس خلقا. «يتفاضلون» أي: حال كونهم متواضعين (يوقّرون) أي: يعظّمون (فيه) أي: في مجلسه ﷺ (الكبير) - بفتح الكاف- (يرحمون فيه الصّغير) - بفتح الصّاد وكسرها- لما ورد: «ليس منّا من لّم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر كبيرنا» رواه الترمذي في «جامعه» ؛ عن أنس. (ويؤثرون ذا الحاجة) أي: يقدّمونه على أنفسهم في تقريبه للنبي ﷺ ليقضي حاجته منه. (ويحفظون الغريب) . يحتمل أنّ المراد الغريب من الناس- كما هو المتبادر- فالمعنى يحفظون حقّه وإكرامه لغربته، ويحتمل أنّ المراد الغريب من المسائل، فالمعنى يحفظونه بالضبط والإتقان؛ خوفا من الضياع. (و) في كتاب «الإحياء» و «كشف الغمة» للشعراني: (كان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه) . وهذا مستفاد مما سبق في الحديث أنّه جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزآ لله، وجزآ لأهله، وجزآ لنفسه، كما جزّأ خروجه ثلاثة أجزاء: لله؛ وهو وقت الصلاة والتعليم، وجزآ لنفسه؛ وهو ما تدعو إليه ضرورته، وجزآ للناس؛ وهو السعي في حوائجهم. (و) أخرج مسلم- واللفظ له؛ من حديث طويل- والترمذيّ؛ عن أنس بن مالك قال: (كان) رسول الله ﷺ أحسن) - ورواية الترمذي: من أحسن- (النّاس خلقا) - بضمتين- لحيازته جميع المحاسن والمكارم وتكاملها فيه. ولما اجتمع فيه

стр. 1019

وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق. وعرّفوا (حسن الخلق) بأنّه: مخالطة النّاس بالجميل، والبشر، واللّطافة، وتحمّل الأذى، والإشفاق عليهم، والحلم «١» ، والصّبر، وترك التّرفّع والاستطالة عليهم، وتجنّب الغلظة والغضب والمؤاخذة. من خصال الكمال وصفات الجلال والجمال ما لا يحصره حدّ، ولا يحيط به عدّ؛ أثنى الله عليه به في كتابه بقوله وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم] . (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ دائم البشر) - بكسر الموحّدة وسكون الشين- أي: طلاقة الوجه وبشاشته ظاهرا مع الناس، فلا ينافي أنّه كان متواصل الأحزان باطنا؛ اهتماما بأهوال الآخرة؛ خوفا على أمّته. (سهل الخلق) - بضمّتين- أي: ليّنه ليس بصعبه، ولا خشنه، فلا يصدر عنه ما يكون فيه إيذاء لغيره بغير حقّ. قال الباجوريّ في «حاشية الشمائل» : (وعرّفوا حسن الخلق بأنّه مخالطة النّاس بالجميل) ؛ قولا وفعلا، (والبشر) : طلاقة الوجه، (واللّطافة) : اللّين (وتحمّل الأذى) منهم؛ (والإشفاق) أي: الخوف (عليهم) ممّا قد يضرّهم، ( [والحلم] ) - بكسر الحاء- وهو: ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب. وفي معناه من قال: «هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى» . (والصّبر) عليهم، (وترك التّرفّع) عليهم، (و) ترك (الاستطالة عليهم) في إعراضهم، (وتجنّب الغلظة) ؛ أي: الخشونة في القول، (و) تجنّب (الغضب) أي: أسبابه المهيّجة له، (و) تجنّب (المؤاخذة) عن مستحقّها بجناية.

стр. 1020

وعن عليّ كرّم الله وجهه: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا، وأوسع النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله. (و) في «الإحياء» ؛ (عن عليّ) رضي الله تعالى عنه و (كرّم الله وجهه) في الجنة قال: (كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا) أي: بذلا للمعروف، (وأوسع النّاس صدرا) أي: قلبا قد وسع الناس بسطه وخلقه، (وأصدق النّاس لهجة) - بفتحتين أي: بفتح فسكون- أي: لسانا، أي كان لسانه ﷺ أصدق الألسنة، إذ هو أفصح الخلق، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا. كان حسن كلامه يأخذ بمجامع القلوب. (وأوفاهم ذمّة) أي: عهدا (وألينهم عريكة) أي: طبيعة، فهو مع الناس على غاية من السلامة والمطاوعة، وقلّة الخلاف والنفور، (وأكرمهم عشرة) - بكسر العين المهملة-: اختلاطا وصحبة. (من رآه بديهة) أي: فجأة من غير قصد (هابه) أي: أخذته الهيبة لما كان يظهر عليه من عظم الجلالة والمهابة والوقار. (ومن خالطه معرفة أحبّه) ، لكمال حسن عشرته وباهر عظيم تألّفه. (يقول ناعته) أي واصفه (: لم أر قبله ولا بعده مثله) ﷺ ، للزوم هذا الوصف له وظهوره عند من له أدنى بصيرة، فلما لم يخف كان كلّ واصف ملزوما بأن هذا القول يصدر عنه؛ وإن لم يصدر عنه التصريح به غفلة وذهولا. فالرؤية هنا علميّة، أي: لم أعلم به مماثلا في وصف من أوصاف الكمال. قال العراقي: رواه الترمذي وقال: ليس إسناده بمتّصل، أي: وفيه مخالفة يسيرة لما في الترمذي.
следующие страницы →