← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فعلى سبيل الائتلاف والمداراة. وهي مباحة، وربّما استحسنت بخلاف المداهنة. والفرق بينهما أنّ المداراة: بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو الدّين، أو هما معا. (فعلى سبيل الائتلاف والمداراة، وهي مباحة، وربّما استحسنت) ؛ فكانت مستحبّة، أو واجبة. وللديلميّ في «الفردوس» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: «إنّ الله أمرني بمداراة النّاس؛ كما أمرني بإقامة الفرائض» . ولابن عديّ، والطّبراني؛ عن جابر رفعه: «مداراة النّاس صدقة» . وفي حديث أبي هريرة: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة النّاس» . أخرجه البيهقي بسند ضعيف، وعزاه في «فتح الباري» للبزّار! وتعقبه الحافظ السّخاويّ؛ بأن لفظ البزار «التّودّد إلى النّاس» بدل «مداراة النّاس» !!. انتهى. (بخلاف المداهنة) في الدين؛ فليست مباحة، بل محرّمة. وفي «شرح القاموس» : المداهنة المصانعة؛ كما في «الصحاح» ، وقيل: إظهار خلاف ما يضمر؛ كالادّهان. ومنه قوله تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) [القلم] . وقال الفرّاء: يعني ودّوا لو تكفر فيكفرون. وقال- في قوله تعالى أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) [الواقعة]- أي: تكذّبون. ويقال: كافرون. وقيل: معناه ودّوا لو تلين في دينك فيلينون. وقال قوم: المداهنة المقاربة، والادّهان الغش؛ نقله الجوهري. انتهى ملخصا. (والفرق بينهما) أي: بين المداراة والمداهنة (: أنّ المداراة بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو) لصلاح (الدّين، أو هما) أي: الدين والدنيا، أي لصلاحهما (معا) ، أو لسلامة عرضه من مذمّة أهل الشرّ.

стр. 1087

والمداهنة: بذل الدّين لصلاح الدّنيا. والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته والرّفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه حقّ، وفعله معه حسن عشرة، وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب، ... وفي الحديث: «ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة» ، فإذا استكفى الإنسان ما يخافه من شرّ الأشرار بما لا يضرّه في دينه؛ لم يكن عليه في ذلك جناح؛ إن شاء الله تعالى، وهذا إنّما يكون عند الابتلاء بالأشرار. ومن البذل لين الكلام، وترك الإغلاظ في القول، والرفق بالجاهل في التعليم؛ والفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه؛ حيث لم يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف حتّى يرتدع عمّا هو مرتكبه، فكلّ هذا من أنواع المداراة. (و) أما (المداهنة) ! فهي (: بذل الدّين لصلاح الدّنيا) ، كأن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكون مرتكب ذلك يعطيه شيئا من الدنيا، وذلك واقع كثيرا، وقلّما فعل ذلك أحد؛ إلّا أذلّه الله وأهانه، وسلّط عليه النّاس وحرم ممّا يرجوه منهم. (والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته، والرّفق في مكالمته) ، وليس ذلك من بذل الدين في شيء!! (ومع ذلك فلم يمدحه بقول! فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه) «بئس ابن العشيرة» (حقّ، وفعله معه حسن عشرة) ، فيزول مع هذا التقرير الإشكال الّذي هو: أن النصيحة فرض؛ وطلاقة الوجه وإلانة القول يستلزمان الترك!؟ وحاصل جوابه: أنّ الفرض سقط لعارض. ولله الحمد على فهمه، ما ظاهره يشكل علينا ففهمه من النّعم. قال في «فتح الباري» : (وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب) ، وبايع

стр. 1088

ثمّ رجع وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه) انتهى. وقال ابن الأثير ... طليحة. قال بعضهم: فجيء به إلى الصدّيق أسيرا؛ فكان الصبيان يصيحون عليه في أزقّة المدينة، ويقولون: هذا الّذي خرج من الدين؟! فيقول لهم: عمّكم لم يدخل حتّى خرج، فكان ذلك القول علما من أعلام نبوّته ﷺ ومعجزة من معجزاته حيث أشار لمغيّب يقع؛ لكنه كما قال. (ثمّ رجع وأسلم) بعد ذلك وحسن إسلامه، (وحضر بعض الفتوح في عهد عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه. انتهى) أي كلام «المواهب» ؛ مع «شرحه من الزرقاني» . (وقال) الإمام العلّامة المحدّث المؤرّخ النّسّابة أبو الحسن عليّ بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف ب « (ابن الأثير) » الجزري الملقّب «عز الدين» . ولد بالجزيرة؛ أي: جزيرة ابن عمر سنة: خمس وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها وسكن الموصل، وتجوّل في البلدان، وعاد إلى الموصل ولزم بيته متوفّرا على النظر في العلم والتّصنيف، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها. وكان إماما في حفظ الحديث ومعرفته، وما يتعلّق به، وحافظا للتواريخ المتقدّمة والمتأخرة، وخبيرا بأنساب العرب ووقائعهم وأخبارهم. قال ابن خلّكان: واجتمعت به فوجدته رجلا مكمّلا في الفضائل وكرم الأخلاق، وكثرة التواضع؛ فلازمت التّرداد عليه، وكان بينه وبين الوالد مؤانسة أكيدة، فكان بسببها يبالغ في الرعاية والإكرام لي. ومن مؤلّفاته كتاب «الكامل في التاريخ» ، وهو من خيار التواريخ مرتّب على

стр. 1089

في كتابه «أسد الغابة» ، في آخر ترجمة مخرمة بن نوفل رضي الله تعالى عنه: (روى النّضر بن شميل قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز، ... السنين، بلغ فيه عام: تسع وعشرين وستمائة. وأكثر من جاء بعده من المؤرخين عيال على كتابه. ومنها كتاب «اللباب في مختصر «الأنساب» لابن السمعاني، و «أسد الغابة في معرفة الصحابة» ، و «تاريخ الدولة الأتابكيّة» ، وغيرها. وكانت وفاته سنة: ثلاثين وستمائة هجرية رحمه الله تعالى. والجزيرة التي ينسب إليها هي جزيرة عبد العزيز بن عمر رجل من أهل «برقعيد» ؛ من أعمال الموصل بناها فأضيفت إليه. وقيل غير ذلك. ذكره ابن خلّكان في «تاريخه» «١» رحمه الله تعالى. (في كتابه «أسد الغابة) في معرفة الصحابة» (في آخر ترجمة مخرمة بن نوفل) القرشيّ الزّهري. صحابي شهير من مسلمة الفتح، وكان له سنّ عالية وعلم بالنسب، فكان يؤخذ عنه، وعلم بأنصاب الحرم، فبعثه عمر فيمن بعثه لتحديدها، ومات سنة: أربع- أو: خمس- وخمسين، عن مائة وخمس عشرة سنة. (رضي الله تعالى عنه: روى النّضر بن شميل) - بالتصغير- المازني، أبو الحسن البصري؛ ثم الكوفي النحوي شيخ مرو روى عن حميد، وبهز بن حكيم، وابن عون، وشعبة. وعنه يحيى بن يحيى، وإسحاق، والكوسج، وثّقه النّسائيّ، وأبو حاتم، وابن معين. قال محمد بن قهزاذ مات سنة: ثلاث ومائتين. (قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز) - بمعجمات-: صالح بن رستم المزني

стр. 1090

عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل، فلمّا سمع النّبيّ ﷺ صوته.. قال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا جاء.. أدناه، فقلت: يا رسول الله؛ قلت له ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟ «مولاهم» ، البصري صدوق كثير الخطأ. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وضعّفه ابن معين، وأبو حاتم. ووثقّه أبو داود الطيالسيّ، وأبو داود، وابن حبّان، وأبو أحمد ابن عدي وغيرهم. ومات سنة: اثنتين وخمسين ومائة. (عن أبي يزيد المدنيّ) ؛ ثم البصري، روى عن أبي هريرة، وأسماء بنت عميس، وعنه أيوب، وجرير بن حازم؛ وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يسمّى ويكتب حديثه. وقال أبو زرعة: لا أعرف اسمه. (عن عائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها؛ (قالت: جاء مخرمة بن نوفل) القرشيّ الزّهري يستأذن، (فلمّا سمع النّبيّ) ﷺ (صوته؛ قال: «بئس أخو العشيرة» ) ؛ أي: الواحد منها. يقال «هو أخو تميم» ؛ أي: واحد منهم، والمراد بالعشيرة: الجماعة من الناس؛ لا واحد لها من لفظها. أو القبيلة؛ قاله عياض. وقال غيره: العشيرة الأدنى إلى الرجل من أهله وهم ولد أبيه وجدّه. وللعشيرة ثلاثة إطلاقات. (فلمّا جاء أدناه) ؛ أي: قرّبه ولاطفه وألان له القول. (فقلت: يا رسول الله؛ قلت له) ؛ أي: لأجله؛ وفي شأنه، لا أنّه خاطبه!! لفساد المعنى (ما قلت) أي: الذي قلته في غيبته، (ثمّ) في حضوره (ألنت له القول) ؛ أي: لطّفت له القول؟!

стр. 1091

فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه» . أخرجه الثّلاثة. قال: وكان مخرمة هذا من المؤلّفة قلوبهم، وكان في لسانه فظاظة، وكان النّبيّ ﷺ يتّقي لسانه) انتهى. (فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه» ) أي: لأجل اتقاء قبيح قوله وفعله. (أخرجه الثّلاثة) لم أره فيها! وعزاه في «المواهب» إلى عبد الغني بن سعيد!! ولم يتعقّبه الزّرقاني!! فلو كان موجودا في الكتب الثلاثة لما سكت الزرقاني على عزوه لعبد الغني بن سعيد: كما هي عادته رحمه الله تعالى!! (قال) أي ابن الأثير (: وكان مخرمة هذا من المؤلّفة قلوبهم) ، أعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين خمسين بعيرا؛ قاله الواقدي. (وكان في لسانه فظاظة) ؛ أي: خشونة في كلامه. وفي البخاريّ؛ عن المسور بن مخرمة أنّ أباه؛ قال له: يا بنيّ؛ بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية؛ وهو يقسمها فاذهب بنا إليه. فذهبنا فوجدنا النبي ﷺ في منزله؛ فقال: يا بنيّ؛ ادع لي النبيّ ﷺ فأعظمت ذلك؛ وقلت: أدعو لك رسول الله ﷺ ؟!! فقال: يا بنيّ إنّه ليس بجبّار! فدعوته، فخرج وعليه قباء من ديباج مزرّر بالذّهب. فقال: «يا مخرمة؛ هذا خبّأناه لك» . فأعطاه إيّاه. قال الحافظ ابن حجر: وللحديث طرق؛ عن ابن أبي مليكة. وفي بعضها أنّه قال للنبي ﷺ : ما كنت أرى أن تقسم في قريش قسما فتخطئني. (و) عند البغوي وأبي يعلى؛ من طريق صالح بن حاتم بن وردان؛ عن أبيه؛ عن أيوب؛ عن ابن أبي مليكة نحو الأول. وزاد: قلت لحاتم: لم فعل ذلك؟! قال: (كان النّبيّ ﷺ يتّقي لسانه) أي: خشونة لسانه. (انتهى) ؛ أي: كلام ابن الأثير رحمه الله تعالى.

стр. 1092

والظّاهر أنّ ماذكره ابن الأثير من أنّ صاحب هذه القصّة هو مخرمة بن نوفل هو الصّحيح، أو: تكّررت. وعن الحسن بن عليّ [رضي الله تعالى عنه] قال: قال الحسين: سألت أبي عن سيرة النّبيّ ﷺ في جلسائه.. فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، قال المصنف: (والظّاهر أنّ ما ذكره ابن الأثير) في «أسد الغابة» (من أنّ صاحب هذه القصّة) الأخيرة (هو مخرمة بن نوفل هو) القول (الصّحيح) ، لأن في هذه الرواية التصريح بتسميته! وإن كان في سنده راويان: أبو يزيد، وأبو عامر؛ وفيهما مقال- كما علمت- لكن قال الخطيب والقاضي عياض وغيرهما: الصحيح أنّه عيينة. قالوا: ويبعد أن يقول ﷺ في حقّ مخرمة ما قال، لأنّه كان من خيار الصحابة. (أو) يقال: إنّ القصة تعدّدت؛ أي (تكرّرت) !! قال الحافظ ابن حجر: يحمل ذلك على التعدّد. وقد حكى المنذريّ القولين؛ فقال: هو عيينة، وقيل: مخرمة. وهو الراجح. انتهى (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسند فيه راو لم يسمّ (عن الحسن) السّبط (بن عليّ) بن أبي طالب؛ (قال) أي الحسن (: قال الحسين) السّبط أخو الحسن (: سألت أبي) هو عليّ بن أبي طالب (عن سيرة) - بكسر السين- (النّبيّ ﷺ أي: طريقته ودأبه (في جلسائه) ؛ أي: معهم (فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر) - بكسر الموحّدة وسكون الشين المعجمة- أي: طلاقة الوجه وبشاشته ظاهرا مع الناس، فلا ينافي أنّه كان متواصل الأحزان باطنا؛ اهتماما بأهوال الآخرة؛ خوفا على أمّته، فلم يكن حزنه لفوت مطلوب، أو حصول مكروه من أمور الدّنيا؛ كما هو عادة أبناء الدنيا. (سهل الخلق) - بضمّتين- أي: ليّنه ليس بصعبه؛ ولا خشنه، فلا يصدر عنه

стр. 1093

ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مشاحّ، ... ما يكون فيه إيذاء لغيره بغير حقّ. (ليّن) - بتشديد التحتية المكسورة- (الجانب) ؛ أي: سريع العطف كثير اللّطف، جميل الصفح مع السكون والوقار والخشوع والخضوع وعدم الخلاف. (ليس بفظّ) - بفتح الفاء وتشديد الظاء المشالة- (ولا غليظ) أي: ليس بسيّء الخلق ولا غليظ القلب؛ بحيث يكون جافي الطبع قاسي القلب، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] . وهذا قد علم من قوله سهل الخلق، لكن ذكر تأكيدا ومبالغة في المدح، والمراد أنّه كذلك في حقّ المؤمنين، فلا ينافي قوله تعالى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [٧٣/ التوبة] ، لأنّه في الكفّار والمنافقين؛ كما هو مصرّح به في الآية. (ولا صخّاب) - بالصاد المهملة وتشديد الخاء المعجمة-، أي: ذي صخب- بالصاد أو بالسين- فهو صيغة نسب فيفيد نفي أصل الصخب كما مرّ (ولا فحّاش) أي: ليس بذي فحش، فهو صيغة نسب أيضا، فيفيد نفي أصل الفحش قليله؛ فضلا عن كثيره. (ولا عيّاب) - بالعين المهملة- أي: ليس بذي عيب، فهو صيغة نسب؛ كما في الّذي قبله. في «الصحيحين» : ما عاب طعاما قطّ. وهذا بالنسبة للمباح؛ فلا ينافي أنّه كان يعيب المحرّم وينهى عنه. ويؤخذ منه: أنّ من آداب الطعام ألايعاب؛ كمالح، حامض، قليل الملح، غير ناضج، ونحو ذلك كما صرّح به النووي- وقد تقدّم-. (ولا مشاحّ) - بضم الميم وتشديد الحاء المهملة- اسم فاعل من المشاحّة؛ وهي المضايقة في الأشياء، وعدم المساهلة فيها؛ شحّا بها وبخلا فيها، فالمراد أنّه لا يضايق في الأمور، ولا يجادل، ولا يناقش فيها.

стр. 1094

يتغافل عمّا لا يشتهي؛ ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه، ... وفي بعض نسخ «الشمائل» المصحّحة، ولا مدّاح؛ أي: ليس مبالغا في مدح شيء، لأنّ ذلك يدلّ على شره النّفس؛ أي: شدّة تعلّقها بالطعام، فلذلك روي أنّه ما عاب طعاما ولا مدحه؛ أي: على وجه المبالغة لوقوع أصله منه أحيانا. وفي بعض النسخ: «ولا مزّاح» ؛ أي: ليس مبالغا في المزح. لوقوع أصله منه ﷺ أحيانا. (يتغافل عمّا لا يشتهي) ؛ أي: يظهر الغافلة والإعراض عمّا لا يستحسنه من الأقوال والأفعال؛ تلطفا بأصحابه ورفقا بهم. (ولا يؤيس منه) - بضمّ الياء وسكون الهمزة وكسر الياء الثانية-، وفي نسخة من «الشمائل» : ولا يوئس منه- بسكون الواو بعدها همزة مكسورة؛ أي: لا يجعل غيره آيسا مما لا يشتهيه، ولا يقطع رجاءه منه، فالضمير المجرور في «منه» عائد على ما لا يشتهيه، ويحتمل أنّه راجع إلى النّبيّ ﷺ ؛ أي: لا يجعل غيره الرّاجي له آيسا من كرمه وجوده. ويؤيّد الاحتمال الأوّل قوله: (ولا يجيب فيه) - بالجيم- فإنّ الضمير المجرور ب «في» عائد لما لا يشتهي، أي: إذا طلب منه غيره شيئا لا يشتهيه لا يؤيسه منه، ولا يجيبه فيه؛ بل يسكت عنه؛ عفوا وتكرّما. وقيل: المعنى لا يجيب من دعاه إلى ما لا يشتهيه من الطعام، بل يردّ الداعي بميسور من القول. ويؤيّد الاحتمال الثاني ما في بعض نسخ «الشمائل» من قوله «ولا يخيّب فيه» - بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء التحتية-؛ من التخييب، فإنّ الضمير المجرور ب «في» راجع للنبي ﷺ . وفي نسخة من «الشمائل» : و «لا يخيب» - بكسر الخاء المعجمة وسكون

стр. 1095

قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: ... الياء المثناة- وهي بمعنى التي قبلها. أي: لا يخيب الراجي فيه؛ أي: المترجّي منه شيئا من أمور الدّنيا والآخرة، بل يحصل له مطلوبه، وفي بعض الرّوايات: «يتغافل عمّا يشتهي. بحذف «لا» النّافية. ومعناه أنّه لا يتكلّف تحصيل ما يشتهيه من الطعام. ويؤيده خبر عائشة رضي الله تعالى عنها المارّ: كان لا يسأل أهله طعاما ولا يتشهاه، فإن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل. (قد ترك نفسه) ؛ أي: منعها (من ثلاث) خصال مذمومة، فضمّن «ترك» معنى «منع» ؛ فعدّاه ب «من» ؛ وأبدل من ثلاث قوله (: ١- المراء) وما بعده، وهو بكسر الميم وبالمدّ؛ أي: الجدال، ولو بحقّ لحديث: «من ترك المراء وهو محقّ بنى الله له بيتا في ربض الجنّة» . وفي نسخة من «الشمائل» بدله «الرياء» ؛ وهو: أن يعمل ليراه النّاس. (٢- والإكثار) - بالمثلاثة- أي: الإكثار من الكلام، أو من المال. وفي نسخة من «الشمائل» : الإكبار- بالموحدة- أي: استعظام نفسه؛ من أكبره: إذا استعظمه. ومنه قوله تعالى فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [٣١/ يوسف] وقيل: جعل الشيء كبيرا بالباطل، فلا ينافي قوله ﷺ «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» ونحوه. (٣- وما لا يعنيه) أي: ما لا يهمّه في دينه ودنياه كيفا، وقد قال ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، وقال تعالى وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) [المؤمنون] . (وترك النّاس) ؛ أي: ترك ذكرهم (من) خصال (ثلاث) مذمومة؛ فهذه الثلاث تتعلّق بأحوال النّاس، والثلاثة السابقة تتعلّق بحال نفسه؛ وإلّا! فهذه الثلاثة مما ترك نفسه منه أيضا.

стр. 1096

كان لا يذمّ أحدا، ولا يعيبه؛ ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم.. أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير، ... (١- كان لا يذمّ أحدا) ، أي: مواجهة، (ولا يعيبه) ؛ أي: في الغيبة، فيكون على هذا تأسيسا «١» ؛ وهو خير من التأكيد؛ فهذا أولى مما اختاره ابن حجر من جعله تأكيدا؛ نظرا لكون الذمّ والعيب بمعنى واحد. وفي بعض نسخ «الشمائل» : «ولا يعيّره» من التعيير؛ وهو التوبيخ. (ولا يطلب عورته) أي: لا يطلب الاطلاع على عورة أحد؛ وهي ما يستحيا منه؛ إذا ظهر، فلا يتجسّس عن أموره الباطنة التي يخفيها. ولا يعارضه ما سبق، يسأل النّاس عمّا في النّاس؟! لأنّ ذلك للأمور الظاهرة التي تناط بها الأحكام الشرعيّة والمصالح البشرية، وما قرّرناه هو المتبادر من العبارة كما فسّر به الشيخ ابن حجر، وإن قال بعض الشّرّاح: وقد أبعد ابن حجر حيث فسّره بعدم تجسّس عورة أحد. (ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه) ؛ أي: ولا ينطق إلّا في الشيء الذي يتوقّع ثوابه، لكونه مطلوبا شرعا، لا فيما لا ثواب فيه مما لا يعني. (وإذا تكلّم أطرق جلساؤه) أي: أرخوا رؤوسهم إلى الأرض؛ ونظروا إليها، وأصغوا إليه لاستماع كلامه. ولسرورهم وارتياح أرواحهم بحديثه (كأنّما على رؤوسهم الطّير) ، هذا كناية عن كونهم في نهاية من السكوت والسكون عند تكلّمه وتبليغه إليهم الأحكام الشرعية، لأن الطير لا يقع إلا على رأس ساكت ساكن. و «أل» في «الطير» للجنس، فالمراد جنس الطير مطلقا. وقيل: للعهد والمعهود الباز.

стр. 1097

فإذا سكت.. تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلّم عنده.. أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ... وبالجملة فشبّه حال جلسائه عند تكلّمه بحال من ينزل على رأسهم الطير في السكوت والسكون؛ مهابة له وإجلالا، لا لكبر ولا لسوء خلق فيه. حاشاه الله من ذلك. (فإذا سكت تكلّموا) ، أي: فلا يبتدرونه بالكلام، ولا يتكلّمون مع كلامه، بل لا يتكلمون إلّا بعد سكوته. وفي بعض النسخ «فإذا سكت سكتوا» أي: لاقتدائهم به وتخلّقهم بأخلاقه. (لا يتنازعون عنده الحديث) ؛ أي: لا يختصمون عنده في الحديث. (ومن تكلّم عنده أنصتوا له) أي: استمعوا لكلام المتكلّم عنده (حتّى يفرغ) من كلامه، فلا يتكلّم عنده اثنان معا، ولا يقطع بعضهم على بعض كلامه، لأنّه خلاف الأدب. (حديثهم عنده حديث أوّلهم) ؛ أي: لا يتحدّث أوّلا إلّا من جاء أوّلا، ثم من بعده ... وهكذا على الترتيب. (يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه) ؛ أي: موافقة لهم وتأنيسا وجبرا لقلوبهم. (ويصبر للغريب على الجفوة) - بفتح الجيم- أي: الغلظة وسوء الأدب (في منطقه ومسألته) كما كان يصدر من جفاة الأعراب. فالصبر على أذى النّاس وجفوتهم من أعظم أنواع الصبر، فقد ورد: «إنّ المؤمن الّذي يخالط النّاس ويصبر على أذاهم أفضل ممّن يعتزلهم» .

стр. 1098

حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها.. فارفدوه» . ولا يقبل الثّناء إلّا من مكافىء، ... وقد كان ﷺ أعلى النّاس في ذلك مقاما، فقد أتاه ذو الخويصرة التميمي؛ فقال: يا رسول الله؛ ﷺ اعدل. فقال: «ويحك؛ ومن يعدل إذا لم أعدل!! فقد خبت وخسرت إن لم أعدل» . فقال عمر: يا رسول الله؛ ائذن لي أضرب عنقه. فقال: «دعه» . رواه البيهقيّ؛ عن أبي سعيد. والمعنى أنّه ﷺ كان يصبر للغريب إذا جفاه في مقاله وسؤاله، (حتّى أن) أي: أنّه؛ أي: الحال والشأن، «أن» مخفّفة من الثقيلة ( [كان أصحابه] «١» ليستجلبونهم) أي: الغرباء إلى مجلسه ﷺ ليستفيدوا من مسألتهم ما لا يستفيدونه عند عدم وجودهم، لأنّهم يهابون سؤاله، والغرباء لا يهابون؛ فيسألونه عما بدا لهم، فيجيبهم ويصبر على مبالغتهم في السؤال. (ويقول) ؛ أي: النبي ﷺ لأصحابه (: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه» ) - بوصل الهمزة وضمّ الفاء، و [أرفدوه] بقطع الهمزة وكسر الفاء؛ فإن كان من الرّفد؛ وهو العطاء؛ فالهمزة للوصل، وإن كان من الإرفاد؛ بمعنى: الإعانة!! فمعناه: أعينوه على حاجته وساعدوه حتّى يصل إليها. (ولا يقبل الثّناء) ؛ أي: المدح من أحد (إلّا) إذا كان (من مكافىء) - بالهمزة- أي: مجاز على إنعام وقع من النبي ﷺ إليه؛ فإذا قال شخص: إنّه ﷺ من أهل الكرم والجود؛ وليس مثله موجود! فإن كان ذلك واقعا منه مكافأة على إحسان صدر من النبي ﷺ إليه قبل ثناءه عليه، وإلّا لم يقبل منه، بل يعرض عنه؛ ولا يلتفت إليه، لأنّ الله ذمّ من يحبّ أن يحمد بما لم يفعل في قوله تعالى لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [١٨٨/ آل عمران] ... الآية.

стр. 1099

ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز فيقطعه بنهي، أو قيام. وأمّا حلم رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ أحلم النّاس، وأرغبهم في العفو مع القدرة، حتّى أتي بقلائد من ذهب أو فضّة، فقسمها بين أصحابه، (ولا يقطع) ﷺ (على أحد حديثه) أي: حديث ذلك الأحد؛ لا حديث نفسه ﷺ ، فالضمير المجرور في «حديثه» عائد على «الأحد» أي: لا يقطع كلام أحد يتكلّم عنده؛ بل يستمع له حتّى يفرغ منه. (حتّى يجوز) - بجيم وزاي-؛ من المجاوزة، أي: حتى يتجاوز الحدّ، أو الحقّ. وفي نسخة من «الشمائل» : حتّى يجور- بالجيم والراء-؛ من الجور. أي: حتّى يجور في الحق بأن يميل عنه (فيقطعه) حينئذ (بنهي أو قيام) فيقطع ﵊ حديث ذلك الأحد؛ إذا جاوز الحدّ: إما ١- بنهي له عن الحديث إن أفاد؛ بأن لّم يكن معاندا، أو ٢- قيام من المجلس؛ إن كان معاندا. ولذلك كان بعض الصالحين إذا اغتاب أحد في مجلسه ينهاه؛ إن أفاد النهي، وإلّا! قام من مجلسه. وفي هذا الحديث ما لا يخفى من نهاية كماله ﷺ ورفقه، ولطفه، وحلمه، وصبره، وصفحه، ورأفته، ورحمته، وعظيم أخلاقه.. (وأمّا حلم رسول الله ﷺ فقد) ذكره بقوله: (كان) رسول الله ﷺ أحلم النّاس) ؛ أي: أكثرهم حلما. (و) كان (أرغبهم في العفو مع القدرة) على الانتقام. (حتّى أتي) - بصيغة المجهول- (بقلائد) - جمع: قلادة- وهي: ما يجعل في العنق (من ذهب؛ أو فضّة) أي: القلائد مصوغة منهما؛ وهو الحليّ (فقسمها بين أصحابه) بما أراه الله تعالى.

стр. 1100

فقال أعرابيّ: ما أراك تعدل، قال: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي؟!» ، فلمّا ولّى.. قال: «ردّوه عليّ رويدا» . وكان رسول الله ﷺ يقبض للنّاس يوم [حنين] «١» ، من فضّة في ثوب بلال، فقال له رجل: يا رسول الله؛ اعدل. فقال رسول الله ﷺ : «ويحك؛ فمن يعدل إذا لم أعدل؟! فقد خبت إذا وخسرت إن كنت لا أعدل» . (فقال أعرابيّ) من سكّان البادية الأعراب الجفاة (: ما أراك تعدل) ، حيث أعطى ﷺ بعضا وترك بعضا، أو أكثر لبعض وأقلّ لآخرين. (قال) أي: النبي ﷺ (: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي» ؟! فلمّا ولّى) أي: الأعرابي (قال: «ردّوه عليّ رويدا» ) - أي: من غير استعجال، فحلم عليه، وعفا عنه مع غلظة كلامه، وأمر بردّه على إمهال!! لئلا يرتاع. قال العراقيّ: رواه أبو الشيخ؛ من حديث ابن عمر بإسناد جيد. انتهى. ورواه أيضا الحاكم؛ من حديث ابن عمر، وفيه زيادة في آخره. انتهى «شرح الإحياء» . (و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وغيرهم- كما قاله في «شرح الإحياء» - عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله ﷺ يقبض) - مبنيا للفاعل- أي: يعطي (للنّاس يوم [حنين] من فضّة) كانت (في ثوب بلال؛ فقال له رجل: يا رسول الله؛ اعدل. فقال رسول الله ﷺ : «ويحك؛ فمن يعدل إذا لم أعدل!! فقد خبت إذا وخسرت) - روي بفتح التاء في «خبت» و «خسرت» ، وبضمّها فيهما- ومعنى الضمّ ظاهر، وتقدير الفتح: خبت أنت أيّها التابع؛ (إن كنت لا أعدل» ) . لكونك تابعا ومقتديا

стр. 1101

فقام عمر فقال: ألا أضرب عنقه؟ فإنّه منافق. فقال: «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي» . وقسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. بمن لا يعدل، والفتح أشهر؛ قاله في «شرح مسلم» . (فقام عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه (فقال: ألا أضرب عنقه؛ فإنّه منافق!!) وفي روايات أخر أنّ المستأذن في قتله خالد بن الوليد. وليس فيهما تعارض!! بل كلّ واحد منهما استأذن فيه؛ قاله في «شرح مسلم» . (فقال) أي: النبي ﷺ (: «معاذ الله؛ أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي» ) فحلم ﷺ على القائل وصبر؛ لما علم من جزيل ثواب الصابر، والله يأجر بغير حساب. (و) في «الإحياء» : (قسم رسول الله ﷺ يوم حنين (قسمة) آثر ناسا فيها ليتألّفهم. (فقال رجل من الأنصار) ؛ سمّاه الواقديّ بأنه معتب بن قشير المنافق. (: هذه قسمة) ما عدل فيها، و (ما أريد بها وجه الله تعالى!!) . قال في «شرح مسلم» : قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: حكم الشرع أنّ من سبّ النبي ﷺ كفر، وقتل. ولم يذكر في هذا الحديث أنّ هذا الرجل قتل! قال المازري: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة، وإنّما نسبه إلى ترك العدل في القسمة. والمعاصي ضربان: كبائر وصغائر؛ فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع. واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر!! ومن جوّزها منع من إضافتها إلى الأنبياء؛ على طريق التنقيص. وحينئذ فلعلّه ﷺ لم يعاقب هذا القائل، لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنّما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم! قال القاضي: هذا التأويل باطل يدفعه قوله «اعدل؛ يا محمد، واتق الله؛

стр. 1102

فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ .. فاحمرّ وجهه وقال: «رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» . وبال أعرابيّ في المسجد بحضرته، فهمّ به أصحابه، فقال ﷺ : «لا تزرموه» ؛ أي: لا تقطعوا عليه البول. يا محمد» ، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ؛ حتّى استأذن عمر وخالد النبيّ ﷺ في قتله؛ فقال: «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» ! فهذه هي العلّة. وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسمع منهم في غير موطن ما كرهه؛ لكنّه صبر! استبقاء لانقيادهم وتأليفا لغيرهم؛ لئلا يتحدّث النّاس أنّه يقتل أصحابه؛ فينفروا، وقد رأى هذا الصنف في جماعتهم وعدّوه من جملتهم. (فذكر ذلك) القول (للنّبيّ ﷺ فاحمرّ وجهه) ، وغضب غضبا شديدا؛ لنسبته إلى الجور، وقد جبل الله تعالى النفس على التألّم بما يفعل بها، والتألّم سبب للانتقام من المؤلم، ولهذا شقّ عليه هذا القول، لكنه لكمال حلمه ﷺ تحمّله من فاعله؛ فلم ينتقم منه. (وقال: «رحم الله أخي موسى) بن عمران الإسرائيليّ؛ (قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ) أي: آذاه قومه بأشدّ مما أوذيت به فصبر على إيذائهم. قال العراقي: متفق عليه؛ من حديث ابن مسعود. ورواه الإمام أحمد أيضا عنه. انتهى «شرح الإحياء» . (و) في «الإحياء» : (بال أعرابيّ في المسجد) النّبوي (بحضرته) ﷺ (فهمّ به أصحابه) أي: قصدوا منعه عن ذلك؛ (فقال ﷺ : «لا تزرموه» ) - بضم التاء الفوقية وسكون الزاي- (أي: لا تقطعوا عليه البول) فإنّه يضرّ البائل. قال ذلك شفقة عليه.

стр. 1103

ثمّ قال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء» . وفي رواية: «قرّبوا ولا تنفّروا» . وجاء أعرابيّ يطلب منه شيئا، فأعطاه ﷺ ، ثمّ قال له: «آحسنت إليك؟» . قال الأعرابيّ: لا، ولا أجملت. فغضب المسلمون، وقاموا إليه. فأشار إليهم أن كفّوا. ثمّ قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابيّ وزاده شيئا، ... (ثمّ قال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء» ) ؛ أي: الغائط. (وفي رواية: «قرّبوا ولا تنفّروا» ) . قال العراقي: متّفق عليه؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. انتهى «شرح الإحياء» . (و) في «الإحياء» أيضا: (جاء أعرابيّ) لم يسمّ (يطلب منه شيئا) ؛ أي: من مطالب الدنيا (فأعطاه ﷺ ، ثمّ قال: «آحسنت إليك؟!» ) - بهمزة ممدودة وسكون حاء؛ لاجتماع همزة الأفعال وهمزة الاستفهام التقريري وهو حمل المخاطب على الإقرار بأنه أحسن إليه وأنعم عليه. (قال الأعرابيّ: لا) أي: لا أعطيتني كثيرا، ولا قليلا (ولا أجملت) أي: ولا أتيت بالجميل، أو ولا أوصلتني جميلا حيث لا أحسنت جزيلا. وقيل: ما أجملت ما أكثرت، وهو أوّل؛ قاله ملا علي قاري. (فغضب المسلمون) من كلامه وجرأته عليه ﷺ (وقاموا إليه) ليضربوه ويجازوه بما يستحقّه. (فأشار إليهم أن كفّوا) أي: امتنعوا عنه. وهذا من حلمه ﷺ وشفقته تألّفا له؛ ليحسن إسلامه. (ثمّ قام) من مجلسه، (ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابيّ وزاده شيئا) على

стр. 1104

ثمّ قال له: «آحسنت إليك؟» . قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال له النّبيّ ﷺ : «إنّك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ حتّى يذهب من صدورهم ما فيها عليك» . قال: نعم. فلمّا كان الغد أو العشيّ.. جاء فقال النّبيّ ﷺ : ما أعطاه أوّلا، (ثمّ قال له: «آحسنت إليك؟» قال: نعم) أحسنت إليّ (فجزاك الله) على إحسانك إليّ ولطفك بي (من أهل وعشيرة خيرا. فقال له النّبيّ ﷺ : «إنّك قلت ما قلت) آنفا (وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت) - أي: أردت إزالة ذلك- (فقل بين أيديهم) أي: عندهم (ما قلت بين يديّ) أي: من المديح ليكون كفّارة لذلك القبيح، وعلّق قوله على محبّته وإرادته؛ لطفا منه ﷺ أيّ لطف، مع أنّه ذنب عظيم ينبغي التنصّل منه. وفيه من الشفقة بالأمّة ما لا يخفى (حتّى يذهب) ؛ أي: بقولك لهم ذلك (من صدورهم ما فيها) أي: الغضب والألم الذي في قلوبهم (عليك» ) بسبب ما قلته أوّلا. (قال: نعم) أي: أقول لهم ذلك. (فلمّا كان الغد) المراد بالغد صبيحة اليوم الذي بعد اليوم الذي كلّمه فيه النبيّ ﷺ ، والغداة من طلوع الفجر إلى الزوال. (أو) قال (العشيّ) - بفتح فكسر؛ فتشديد- وهو: ما بعد الزوال إلى الغروب، والشكّ هنا من الراوي. (جاء) أي: الأعرابي إلى مجلس النبيّ ﷺ (فقال النّبيّ ﷺ لأصحابه

стр. 1105

«إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال، فزدناه فزعم أنّه رضي ذلك، أكذلك؟» . قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال ﷺ : «إنّ مثلي ومثل هذا الأعرابيّ كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتّبعها النّاس؛ فلم يزيدوها إلّا نفورا فناداهم صاحب النّاقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم، فتوجّه لها صاحب النّاقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض ... الحاضرين عنده (: «إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال) لي أوّلا مما سمعتموه، (فزدناه) على عطائه الأوّل (فزعم أنّه رضي [ذلك] ) أي: بجملة ما أعطيناه له، (أكذلك» ؟!) استفهام تقرير متوجّه من النبي ﷺ للأعرابيّ، أي: الأمر كذلك من أنّك رضيت. (قال، نعم: فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال ﷺ : «إنّ مثلي ومثل هذا الأعرابيّ كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه) أي: نفرت منه وذهبت في الأرض (فاتّبعها النّاس) ؛ من الاتّباع، أو من الإتباع، أي مضوا وجروا خلفها ليمسكوها (فلم يزيدوها إلّا نفورا) أي: لم يحصل باتباع النّاس لها إلّا زيادة هربها ونفورها لخوفها منهم. (فناداهم صاحب النّاقة) أن: (خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم) أي: أنا أشفق عليها وأعلم بحالها وطبعها وطريق أخذها منكم. (فتوجّه لها صاحب النّاقة بين يديها) ؛ أي: جاءها من أمامها. (فأخذ لها من قمام الأرض) القمام- بضمّ القاف وتخفيف الميم- جمع قمامة ككناسة؛ لفظا ومعنى. والمراد بها هنا: النبات الّذي ترعاه الدوابّ كحشيش وتبن، شبّهه بالقمام! لخسّته، ولأنّه مما يطرح؛ كالقمامة، فاستعير له اسمها لمشاركته صفته.

стр. 1106

فردّها هونا هونا حتّى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال فقتلتموه دخل النّار» . (فردّها هونا هونا) هو اسم صوت لدعاء الناقة (حتّى جاءت) فيه مقدّر؛ أي: فدنت منه لتأكل ما بيده من الحشيش، فأمسكها وردّها حتّى أتى بها محلّه، (واستناخت) أي: بركت ومكثت عنده؛ من ناخ الجمل ونوّخه إذا برّكه. (وشدّ عليها رحلها) أي: ربط عليها قتبها، فالرّحل للإبل كالسّرج للفرس. (واستوى عليها) أي: على ظهرها، أي: ركبها. يقال: استوى على الدابّة إذا علا على ظهرها وركبها، (وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال) أي: لو لم أكفّكم وأمنعكم عنه حين قال لي الرّجل مقالته السيّئة (فقتلتموه دخل النّار» ؛) عقوبة له بإساءته على النبي ﷺ . وشبّه المال لخسّة الدّنيا عنده بالقمامة، وشبّه نفسه بالرّجل، وشبّه الأعرابيّ بدابّة شاردة عن ربّها، وشبّه الصحابة لما غضبوا وقاموا له بالناس التابعين لها الذين نفّروها عن ربّها، وشبّه قوله «كفّوا عنه» بقوله «خلّوا بيني وبينها» . وفي قوله «فإنّي أرفق بها منكم» بيان لأنّه أعظمهم رفقا وأقواهم شفقة على خلق الله تعالى، وهو تشبية في أعلى طبقات البلاغة لتضمّنه هذه المعاني اللطيفة. قيل: ويحتمل أنّ الرجل إنّما قال أوّلا ما قال ليطّلع على حلمه ﷺ ، لأنه سمع صفاته من أهل الكتاب والنبي ﷺ علم بذلك. وقيل: إنّ جزمه بدخول النّار لكفره بما قاله للنبي ﷺ . والنبيّ تلطّف به حتّى آمن ونجا من النار. فتأمل!! وهذا الحديث رواه البزّار، وأبو الشيخ بسند ضعيف؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وابن حبّان في «صحيحه» ، وابن الجوزي في «الوفا» عنه. ومما يناسب المقام ويلائم المرام: ما روي عن خوّات بن جبير من الصحابة

стр. 1107

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتّى أثّرت حاشية البرد على صفحة عاتقه، ... الكرام أنّه قال: نزلت مع رسول الله ﷺ بمرّ الظهران فإذا نسوة يتحدّثن، فأعجبنني، فأخرجت حلّة من عيبتي فلبستها؛ وجلست إليهنّ، فمرّ رسول الله ﷺ فهبته. فقلت: يا رسول الله؛ جمل لي شرود وأنا أبتغي له قيدا!! فمضى وتبعته، فألقى عليّ رداءه ودخل الأراك؛ فقضى حاجته وتوضّأ، ثمّ جاء؛ فقال: «يا أبا عبد الله؛ ما فعل شراد جملك؟» . ثمّ ارتحلنا، فجعل كلّما لحقني؛ قال: «السّلام عليك يا أبا عبد الله؛ ما فعل شراد جملك» . فتعجّلت المدينة وتركت مجالسته والمسجد، فطال ذلك عليّ فتحيّنت خلوّ المسجد، ثمّ دخلت فطفقت أصلّي. فخرج من بعض حجره فصلّى ركعتين خفّفهما وطوّلت؛ رجاء أن يذهب عنّي. فقال: «طوّل يا أبا عبد الله ما شئت؛ فلست ببارح حتّى تنصرف» . فقلت: والله؛ لأعتذرنّ إليه. فانصرفت، فقال: «السّلام عليك يا أبا عبد الله؛ ما فعل شراد الجمل» . فقلت: والذي بعثك بالحقّ؛ ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت!! فقال: «رحمك الله» «مرّتين» ، أو «ثلاثا» ثم لم يعد. (و) أخرج أبو داود والبيهقيّ؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) - وأخرجه الشيخان أيضا؛ عن أنس، وقد تقدّم- (قال: كنت مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية) البرد والبردة: كساء أسود مربّع، أو شملة مخطّطة، والحاشية، جانب الثوب. (فجذبه) - بتقديم الذال المعجمة على الموحّدة- وفي رواية: فجبذه- بتقديم الموحّدة- وهما لغتان صحيحتان (أعرابيّ) لم يسمّ (بردائه) ، هذا يقتضي أنّه كان عليه برد ورداء فوقه؛ وإن الجذب وقع بهما (جبذة شديدة) أي: دفعة عنيفة (حتّى أثّرت) - بتشديد المثلاثة؛ مبنيّ للفاعل- أي: أظهرت أثرا وعلامة (حاشية البرد على صفحة عاتقه) الصفحة: الجانب؛ أو العرض. والعاتق: ما بين العنق

стр. 1108

ثمّ قال: يا محمّد؛ أحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك. فسكت النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «المال مال الله، وأنا عبده» ، ثمّ قال: «ويقاد منك يا أعرابيّ ما فعلت بي» . قال: لا. قال: «لم؟» ، قال: لأنّك لا تكافىء بالسّيّئة السّيّئة. فضحك النّبيّ ﷺ ، ... والكتف، أو موضع الرداء من المنكب. وهو يؤنّث ويذكّر، وفي رواية أنّ البرد انشقّ، ولم يتأثّر ﷺ من سوء أدبه. (ثمّ قال) أي: الأعرابيّ على عادة أجلاف العرب (: يا محمّد؛ أحمل لي) - بفتح الهمزة- أي: أعطني ما أحمل (على بعيريّ) بالتثنية مضافا إلى ياء المتكلم (هذين) أي: حمّلهما لي طعاما (من مال الله الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي) أي: لا تعطيني (من مالك، ولا من مال أبيك!! فسكت النّبيّ ﷺ حلما وكرما، (ثمّ قال: «المال مال الله؛ وأنا عبده» ) أي: أتصرف في ماله بإذنه، وأعطي من يأمرني بإعطائه، فردّ ﷺ بألطف ردّ. (ثمّ قال) أي: النبيّ ﷺ (: «ويقاد منك) ؛ من القود وهو القصاص، وهو هنا مجاز عن مطلق المجازاة، أي: أتجازى على ترك أدبك (يا أعرابيّ) ، يشير به إلى أنّه معذور لما فيه من غلظ الأعراب وهم أهل البادية (ما فعلت بي» ) من جذب بردي بأن يفعل به مثله، أو يعزّر بما يليق به. (قال) أي الأعرابي (: لا) أي: لا يقاد مني. (قال: «لم» ؟!) أي: لأي شيء لا يقاد منك؟ (قال: «لأنّك لا تكافىء) بهمزة أي: لا تجازي (بالسّيّئة السّيّئة) ، بل تجازي بالسيئة الحسنة، وفيه مشاكلة، لأنّ الجزاء ليس بسيئة. (فضحك النّبيّ ﷺ سرورا بما رآه من حسن ظنّه به، وأنّه لم يفعل ذلك بقصد التنقيص منه، وتطمينا لقلبه إذ أبدى المسرّة بمقالته، وهذا يقتضي أنّه كان مسلما غير أنّ فيه جفاء البادية.

стр. 1109

ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر. وروى الطّبرانيّ وابن حبّان ... (ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر) . وفيه من حلمه ﷺ وتحمّله الأذى وعدم التضجّر ما لا يخفى، وهو إرشاد لأمّته لا سيّما من يتولّى منهم أمور المسلمين. (وروى الطّبرانيّ) ؛ كما في «المواهب» و «الشفاء» ، (وابن حبّان) الحافظ العلامة: أبو حاتم محمد بن حبّان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي الدارمي البستي- بضم الباء الموحّدة وإسكان السين وفوقية- نسبة إلى «بست» : بلد كبير من بلاد الغور بطرف خراسان، الشافعي الإمام الكبير. صاحب التصانيف، كان على قضاء سمرقند زمانا، وكان من فقهاء الدّين وحفّاظ الآثار، عالما بالطبّ والنجوم وفنون العلم. قال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم؛ في الفقه، واللّغة، والحديث، والوعظ، ومن عقلاء الرجال. انتهى سمع أبا عبد الرحمن النّسائي، والحسن بن سفيان، وأبا يعلى الموصلي، وأبا بكر بن خزيمة، وأمما لا يحصون من مصر إلى خراسان. حدّث عنه الحاكم وغيره، وصنّف التصانيف؛ منها «المسند الصحيح» المسمّى ب «التقاسيم والأنواع» في خمس مجلدات كبار، وترتيبه مخترع ليس على الأبواب؛ ولا على المسانيد والكشف منه عسر جدّا، وهو موجود بتمامه؛ بخلاف «صحيح ابن خزيمة» فقد عدم أكثره؛ كما قاله السّخاويّ. ومن مؤلّفاته «التاريخ» ، و «كتاب الضعفاء» . وتوفي ب «بست» سنة: أربع وخمسين وثلاثمائة؛ وهو في عشر الثمانين. وقد قيل: إنّ أصحّ من صنّف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة؛ فابن حبّان ﵏.

стр. 1110

والحاكم والبيهقيّ ... (و) أبو عبد الله (الحاكم) النّيسابوريّ، وأبو نعيم الأصفهاني، وأبو الشيخ ابن حيان؛ في كتاب «الأخلاق النبوية» . (و) الإمام الحافظ العلّامة؛ الكبير الشهير شيخ السّنّة: أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى؛ أبو بكر (البيهقيّ) نسبة إلى «بيهق» : قرى مجتمعة بنواحي نيسابور؛ على عشرين فرسخا منها. الخسروجردي الشافعي، الفقيه الحافظ الأصولي، الديّن الورع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم؛ ويزيد عليه بأنواع من العلوم. كتب الحديث وحفظه وضبطه من صباه، وتفقّه وبرع، وأخذ في الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز. ثم صنّف. وتاليفه تقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد. جمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث، ووجه الجمع بين الأحاديث، وكان على سيرة العلماء؛ قانعا باليسير، متجمّلا في زهده وورعه. وعن إمام الحرمين أبي المعالي؛ قال: ما من شافعي إلّا وللشافعي عليه منّة إلّا أبا بكر البيهقي، فإنّ له المنة على الشافعي؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه. ولد سنة: أربع وثمانين وثلثمائة في شعبان، وسمع أبا عبد الله الحاكم، وأبا طاهر بن محمش، وأبا بكر بن فورك، وأبا عليّ الرّوذباري، وأبا عبد الرحمن السّلمي، وخلقا بخراسان، وعدّة ببغداد، وطائفة بمكّة، وجماعة بالكوفة. وبورك له في علمه؛ لحسن قصده وقوّة فهمه وحفظه. وصنّف التصانيف المفيدة؛ منها «السنن الكبرى» في عشر مجلدات ضخام، «والسنن الصغرى» في مجلدين، و «دلائل النبوة» و «شعب الإيمان» و «مناقب الشافعي» و «الدعوات الكبير» وكتاب «الأسماء والصفات» ، وكتاب

стр. 1111

عن زيد بن سعنة- وهو كما قال النّوويّ رحمه الله تعالى: أجلّ أحبار اليهود الّذين أسلموا- أنّه قال: لم يبق من علامات النّبوّة شيء ... «الخلافيات» وكتاب «معرفة السنن والآثار» أي: معرفة الشافعي بها، وكتاب «المدخل إلى السنن الكبرى» ، وكتاب «البعث والنشور» و «الأربعون الكبرى» و «الأربعون الصغرى» ، وجزء في الرؤية، وجزء في حياة «الأنبياء» ، ومناقب الإمام أحمد. وكانت وفاته في عاشر جمادى الأولى سنة: ثمان وخمسين وأربعمائة. وحمل تابوته إلى بيهق؛ ودفن بها بخسروجرد، وهي من قراها الصغرى رحمة الله تعالى عليه. آمين. (عن زيد بن سعنة) - بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة وفتح النون؛ كما قيّده بذلك الحافظ عبد الغني، والدارقطني. و [سعية]- بالمثناة التحتية بدل النون-؛ ثبت في «الشفاء» وهو الّذي ذكره ابن اسحاق، وحكى ابن عبد البر وغيره الوجهين قال ابن عبد البر: والنون أكثر، واقتصر الجمهور على النون. قال الذّهبيّ: وهو أصحّ. - (وهو- كما قال النّوويّ رحمه الله تعالى-: أجلّ) - بجيم ولام؛ كذا في النسخ!! والذي في «تهذيب النووي» : أحد- بحاء ودال مهملتين- (أحبار اليهود الّذين أسلموا) ، وأكثرهم علما ومالا، أسلم وحسن إسلامه، وشهد معه ﷺ مشاهد كثيرة، وتوفي في غزوة تبوك؛ مقبلا إلى المدينة. انتهى. والمصنّف تبع القسطلّاني في «المواهب» . قال الزرقاني: فكأنّه غيّر «أحد» ب «أجل» !! لأن قوله «أكثرهم علما ومالا» يفيد أنّه أجلّهم، ثم يرد على هذا ابن سلام، إذ ظاهر الأحاديث أنّه أجل المسلمين من اليهود، إلّا أن تكون الجلالة باعتبار مجموع العلم والمال. (أنّه قال: لم يبق من علامات النّبوّة شيء) ، وفي رواية- عند ابن سعد-: ما بقي شيء

стр. 1112

إلّا وقد عرفته في وجه محمّد ﷺ حين نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أخبرهما «١» منه: ١- يسبق حلمه جهله، ٢- ولا تزيده شدّة الجهل عليه إلّا حلما. فكنت أتلطّف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل، ... من نعت محمّد في «التوراة» (إلّا وقد عرفته) أي: شاهدته، ويروى: عرفتها. باعتبار أنّ الشيء بمعنى العلامة. (في وجه محمّد ﷺ حين نظرت إليه إلّا اثنتين) في رواية: إلّا خصلتين (لم [أخبرهما] ) - بفتح الهمزة وإسكان الخاء المهملة وضمّ الباء الموحدة- أي: لم أعلمهما (منه) على حقيقتهما، إذ علمهما لا يكون بالمشاهدة؛ بل بالاختبار: [الأولى] : (يسبق حلمه جهله) مقابل الحلم من الغضب والانتقام ممّن آذاه. قال الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا فالمراد أنّ حلمه يغلب حدّته، كقوله: «سبقت رحمتي غضبي» . فليس الجهل هنا مقابل العلم، وهو: عدم إدراك الشيء، أو إدراكه على خلاف ما هو عليه!! كما توهّمه من لم يعرف لغة العرب. حيث قال لو كان له جهل؛ نحو فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) [المؤمنون] «٢» وهذه إحدى الخصلتين. (و) الثانية (لا تزيده شدّة الجهل) أي: جهل غيره- أي: سفاهته- (عليه) وأذيّته (إلّا حلما) ، فكلّما زادت واشتدّت زاد حلمه ﷺ (فكنت أتلطّف) : أتخشع وأترفّق (له) ؛ توصّلا (لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت) أي: اشتريت (منه تمرا إلى أجل) «٣» . وفي رواية أبي نعيم: وأعطاه زيد بن سعنة قبل

стр. 1113

فأعطيته الثّمن، فلمّا كان قبل محلّ الأجل بيومين أو ثلاثة.. أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه [على عنقه] ، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثمّ قلت: ألا تقضيني يا محمّد حقّي؟! [فو الله] إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل. فقال عمر: أي عدوّ الله؛ أتقول لرسول الله ما أسمع، فو الله لولا ما أحاذر [فوته] .. لضربت بسيفي رأسك. ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر بسكون وتؤدة، وتبسّم. إسلامه ثمانين مثقالا ذهبا، في تمر معلوم إلى أجل معلوم. (فأعطيته الثّمن، فلمّا كان قبل محلّ) - بكسر الحاء- أي: وقت (الأجل بيومين أو ثلاثة) - وفي رواية أبي نعيم: بيوم أو يومين- (أتيته فأخذت بمجامع) جمع مجمع؛ كمقعد ومنزل: موضع الاجتماع- كما في «القاموس» وغيره- أي: بما اجتمع من (قميصه وردائه [على عنقه] ، ونظرت إليه بوجه غليظ) أي: عابس مقطّب (ثمّ قلت: ألا تقضيني يا محمّد؛ حقّي!! [فو الله] إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل) - بضم الميم والطاء المهملة- جمع: ماطل؛ أي تمتنعون من أداء الحقّ، وتسوّفون بالوعد؛ مرّة بعد أخرى، (فقال عمر) - في رواية أبي نعيم: فنظر إليه عمر؛ وعيناه تدوران في وجهه؛ كالفلك المستدير؛ فقال- (: أي؛ عدوّ الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع) !! زاد أبو نعيم: وتفعل به ما أرى!! (فو الله؛ لولا ما أحاذر) - بمعنى أحذر، أي: شيء أخاف ( [فوته] ) من بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه، - وفي رواية أبي نعيم: لولا ما أحاذر قومك- (لضربت بسيفي رأسك!! ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر بسكون) ضدّ: الحركة (وتؤدة) ؛ التأنّي، فتغاير مفهوما؛ لا ما صدقا «١» ، (وتبسّم) من مقالهما، لشدّة حلمه، ولعله كوشف «٢»

стр. 1114

ثمّ قال: «أنا وهو كنّا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر؛ أن تأمرني بحسن [الأداء] ، وأن تأمره بحسن [التّباعة] ، اذهب به يا عمر؛ فاقضه حقّه وزده عشرين صاعا مكان ما روّعته» . ففعل. فقلت: يا عمر؛ كلّ علامات النّبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حينما نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أختبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدّة الجهل [عليه] إلّا حلما، فقد اختبرتهما، ... بمراد ابن سعنة!! وإنّ عمر لو كشف له لم يصعب عليه ذلك. (ثمّ قال: «أنا وهو) - أي: صاحب الحقّ- (كنّا أحوج إلى غير هذا) الذي قلته. (منك يا عمر؛) وأبدل منه قوله: (أن تأمرني بحسن [الأداء] ) أي: وفاء ما عليّ (وأن تأمره بحسن [التّباعة] » ) !! - بالكسر-: المطالبة بالحقّ. وفي «الشفاء» : تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي. ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث» !! انتهى. فتكرّم ﷺ فعجّلها قبل الأجل وزيادة، فقال: ( «اذهب به يا عمر؛ فاقضه حقّه وزده عشرين صاعا مكان ما روّعته» ) : فزعته. و «ما» مصدرية أي: في مقابلة روعك له. (ففعل) ذلك عمر. قال زيد: (فقلت: يا عمر؛ كلّ علامات النّبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حينما نظرت إليه؛ إلّا اثنتين لم أختبرهما) ؛ أي: لم أعلمهما. (١- يسبق حلمه) : ثباته وصفحه وصبره (جهله) : حدّته؛ فلا ينتقم. (٢- ولا يزيده شدّة الجهل [عليه] إلّا حلما، فقد اختبرتهما) أي:

стр. 1115

فأشهدك أنّي قد رضيت بالله ربّا؛ وبالإسلام دينا، وبمحمّد ﷺ نبيّا. قال القاضي عياض في «الشّفا» : (وحسبك ما ذكرناه ممّا في «الصّحيح» والمصنّفات الثّابتة، ممّا بلغ متواترا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش، ... صاحبهما، إذ الاختبار: الامتحان، وهو لم يختبر الخصلتين. والمذكور بخطّ الشاميّ: خبرتهما- بلا «ألف» - أي: علمتهما منه بما رأيت من فعله ﷺ (فأشهدك) يا عمر؛ (أنّي قد رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد ﷺ نبيّا) . وفي رواية: وما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلّا أنّي كنت رأيت صفاته التي في «التوراة» كلّها إلّا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في «التوراة» ، وإنّي أشهدك أنّ هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين. وأسلم أهل بيته كلّهم إلّا شيخا غلبت عليه الشّقوة. انتهى «زرقاني» رحمه الله تعالى. (قال) العلّامة الإمام (القاضي) أبو الفضل: (عياض) بن موسى اليحصبيّ الأندلس السّبتي- سقى الله ثراه صبيب الرحمة والرضوان- (في) كتابه ( «الشّفاء» ) الذي هو كاسمه شفاء، أي: شفاء لما في الصدور. قال في «الباب الثّاني منه؛ في آخر: فصل الحلم والاحتمال» : (وحسبك) أي: مغنيك وكافيك (ما ذكرناه ممّا في الصّحيح) أي: في الكتب الصحيحة، (والمصنّفات الثّابتة) أي: ولو لم تكن من الصحاح الستة!! أو: ولو لم تكن صحيحة؛ بل ثابتة حسنة!! فإنّها حجّة بيّنة؛ أي: كافيك ذلك منضمّا (ممّا بلغ) أي: ممّا وصل عندك مجموعه (متواترا) ؛ تواترا معنويا (مبلغ اليقين) أي: مبلغا يحصل به اليقين للمؤمنين في أمر الدين، ولو قال «مبلغ الضروريّ» !! كان أولى. (من صبره) بيان ل «ما بلغ» ؛ أي: من تحمّله (على مقاساة قريش) أي:

стр. 1116

وأذى الجاهليّة، ومصابرة الشّدائد الصّعبة معهم، إلى أن أظفره الله تعالى عليهم- يعني: بفتح مكّة- وحكّمه فيهم وهم لا يشكّون في استئصال شأفتهم، وإبادة خضرائهم- أي: إهلاك جماعتهم- فما زاد على أن عفا ... مكابدتهم ومعارضتهم ومخالفتهم (وأذى الجاهليّة) أي: وتأذّيه من أهل جاهليّتهم وسفاهتهم، (ومصابرة الشدائد) أي: مغالبة المحن (الصّعبة) أي: الشّاقّة (معهم) في الحروب الواقعة بينه وبينهم، وهي؛ وإن كانت سجالا؛ إلّا أنّه صبّ عليهم العذاب. فالمصابرة: مفاعلة؛ من الصبر عن شدائد الحروب، وهم صناديد وأبطال كان لهم صبر على اصطلاء نارها، لكنه ﷺ غلبهم وصابرهم وزاد عليهم. (إلى أن أظفره الله تعالى) بهم، وفي نسخة: أظهره الله (عليهم- يعني: بفتح مكّة- وحكّمه فيهم) - بتشديد الكاف-، أي: جعله الله تعالى قاهرا غالبا لهم، وهم في قبضة تصرّفه؛ يحكم فيهم بما يريد من قتل وأسر وعفو؛ إن شاء (وهم لا يشكّون) ؛ أي: لا يتردّدون، بناء على زعمهم وقياسا على أنفسهم (في استئصال) ؛ هو: قطع الشيء من أصله وإزالته بالكليّة (شأفتهم) - بفتح شين معجمة، فسكون همزة، ففاء؛ تليها هاء تاء تأنيث، وتبدل الهمزة ألفا- أي: جمعهم وقطع أثرهم. والشّأفة- في الأصل-: قرحة تخرج للإنسان في أسفل القدم؛ فتكوى فتذهب فهم يقولون في المثل «استأصل الله شأفته» أي: أذهبه كما أذهبها، (وإبادة) - بكسر الهمزة وبالدال المهملة- مصدر بمعنى: الإهلاك (خضرائهم) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الضّاد المعجمة؛ بعدهما راء، فألف ممدودة- (أي: إهلاك جماعتهم) وتفريق جمعهم. والمعنى: أنّه ﷺ ظفر بهم في حال تيقّنوا هلاكهم بأسرهم؛ وذهابهم عن آخرهم، بحيث لا يبقى منهم باقية (فما زاد) ﷺ (على أن عفا) : تجاوز عن

стр. 1117

وصفح، وقال: «ما تقولون أنّي فاعل بكم؟» ، قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا؛ فأنتم الطّلقاء» . أفعالهم، (وصفح) أي: أعرض عن أقوالهم؛ أي: مع شدّة أذاهم ونصره عليهم بحيث صاروا في قبضة تصرّفه؛ قد أحاط بهم الهلاك من كلّ جانب، ما زاد على ما كان عليه من حاله إلا العفو والصفح، لاشفاء النفس بالانتقام؛ وفعل ما يستحقّون بحيث لو فعل لم يلم. (وقال) أي: لهم تلويحا بلطفه إليهم؛ وشفقته عليهم، واستخراجا لما في ضمائرهم؛ واستظهارا لما في سرائرهم. (: «ما تقولون) - «ما» استفهامية، «وتقولون» بمعنى تظنّون- (أنّي فاعل بكم؟!» ) ، بفتح همزة «أنّ» وهي وما معها سادّة مسدّ مفعوليه (قالوا: خيرا) منصوب بمقدّر يدلّ عليه فاعل قبله؛ أي تفعل خيرا، أو أنت فاعل خيرا؛ (أخ كريم) أي: أنت (وابن أخ كريم) أي: فلا يجيء من مثلك إلّا ما يوجب الكرم والعفو عمن ظلم. وهذا على عادة العرب في تسمية القريب «أخا» قال تعالى. وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [٦٥/ الأعراف] . والكريم: الجامع للخير والفضائل؛ كما في الحديث: «الكريم بن الكريم بن الكريم: يوسف.. إلخ» . (فقال) : أقول؛ كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، (اذهبوا؛ فأنتم الطّلقاء» ) - بضمّ الطّاء المهملة؛ ففتح اللام ممدودا- جمع: طليق بمعنى مطلوق؛ وهو الأسير؛ يطلق ويخلّى سبيله؛ أي: أنتم الخلصاء من قيد الأسر، فإنّهم كانوا حينئذ أسرى. وقد قال ذلك يوم فتح مكة؛ وهو آخذ بعضادتي باب الكعبة؛ على ما رواه ابن سعد، والنّسائي، وابن زنجويه؛ قاله ملا علي قاري في «شرح الشفاء» .

стр. 1118

وقال أنس رضي الله تعالى عنه: هبط ثمانون رجلا من التّنعيم صلاة الصّبح ليقتلوا رسول الله ﷺ ، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الفتح: ٢٤] . وقال لأبي سفيان ... قال الخفاجي: وفيه بلاغة وطيّ بديع، لما فيه من الإيماء إلى شقّهم عصا القرابة بينهم، وحسدهم له، وكذبهم عليه، وقطع رحمه مع ماله ﷺ من الشرف الباذخ؛ فإنّه الكريم بن الكريم!! وإنّ حسدهم وبغيهم كان سببا لعلوّ مقامه وتملّكه لنواصيهم وذلّتهم له معترفين بقصورهم. انتهى (وقال أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه مسلم؛ وأبو داود، والترمذي، والنسائيّ؛ قاله القاري (: هبط ثمانون رجلا من التّنعيم) - بفتح التاء-: موضع على ثلاثة أميال من مكّة، وقيل: أربعة، وهو من جهة المدينة. والشام سمّي بذلك!! لأنّه عن يمينه جبل؛ يقال له «نعيم» ، وعن شماله جبل يقال «ناعم» ؛ والوادي «نعمان» . (صلاة الصّبح) - منصوب على الظرفية؛ أي: نزلوا وقت صلاة الصبح- (ليقتلوا رسول الله ﷺ ، فأخذوا) - بصيغة المجهول- (فأعتقهم رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى) في هذه القصّة (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ) - أي: كفار مكة- (عَنْكُمْ ... الآية) أي: اقرأ الآية، ونزول الآية عام الحديبية، وضمير الخطاب للنبي ﷺ ومن معه، وكان ذلك وهو في أصل الشجرة، فبينما هو كذلك إذ خرج ثمانون رجلا وأخذوا أسرى؛ والسّفراء يمشون في الصلح، فأطلقهم وخلّى سبيلهم، وعفا عنهم وهم «العتقاء» . (وقال) ﷺ (لأبي سفيان) : صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. شهد مع رسول الله ﷺ حنينا وأعطاه من غنائمها مائة وأربعين أوقية؛ وزنها له

стр. 1119

- وقد سيق إليه ... بلال، وكان شيخ مكّة ورئيس قريش بعد أبي جهل. أسلم يوم الفتح، ونزل المدينة سنة: إحدى وثلاثين، ودفن في البقيع؛ قاله القاري. (وقد سيق إليه) أي: جيء به إليه، والسائق له هو العبّاس عمّ رسول الله ﷺ ؛ لمّا سار النبيّ ﷺ لفتح مكّة، ونزل مرّ الظّهران عشاء، وأوقد عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأراد دخولها قهرا لقتل الكفّار؛ فرقّت نفس العبّاس رضي الله تعالى عنه لأهل مكّة، فخرج على بغلة النبي ﷺ حتّى أتى الأراك، فقال: لعلّي أجد ذا حاجة يأتي مكّة؛ فيخبرهم برسول الله ﷺ حتّى يخرجوا؛ ويستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة. قال: فسمعت صوت أبي سفيان يقول لبديل: ما رأيت كالليلة سرابا؛ ولا عسكرا!! فقلت: أبا حنظلة؟!. فقال: أبو الفضل!! قلت: نعم. قال: ما لك؛ فداك أبي وأمّي. قلت: هذا رسول الله ﷺ في الناس!! واصباح قريش «١» . قال: ما الحيلة؟ قلت: والله؛ لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك، فاركب عجز هذه البغلة، حتّى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، فركب خلفي؛ فكنت كلّما مررت بأحد؛ قال: بغلة رسول الله ﷺ عليها عمّه!! حتّى مررت بعمر ﵁؛ قال: أبو سفيان عدوّ الله!! الحمد لله الّذي أمكن منك بلا عقد؛ ولا عهد. وخرج يشتدّ نحو رسول الله ﷺ ، فركضت البغلة ودخلت عليه وعمر رضي الله تعالى عنه معه. فقال: هذا أبو سفيان؛ دعني أضرب عنقه.

стр. 1120

بعد أن جلب عليه الأحزاب، وقتل عمّه وأصحابه ومثّل بهم، ... فقلت: إنّي قد أجرته. وجلست. فلما أكثر عمر ﵁ في شأنه؛ قال ﷺ : «مهلا يا عمر، اذهب به يا عبّاس إلى رحلك، فإذا أصبح فائتني به» . فغدوت به صباحا، فلما رآه رسول الله ﷺ علم أنّه جاء ليسلم منقادا (بعد أن جلب عليه) أي: ساق إليه (الأحزاب) ؛ وهي جموع مجتمعة للحرب من قبائل شتّى، ويقال: تحزّبوا: تجمّعوا. وهذه غزوة الخندق التي كانت في سنة: خمس وكانوا ثلاثة عساكر، وعدّتهم عشرة آلاف، وكان الحصار للمسلمين أربعين يوما. وإسناد جلب الأحزاب إليه!! لأنّه كان قائد جيشهم، وصاحب رأيهم، وإلّا! فسبب التحزيب إنّما كان جماعة من اليهود؛ دعوا القبائل وحرّكوا قريشا لذلك. والمعنى بعد كثرة قبائحه وجملة فضائحه. منها: أنّه جمّع أحزاب كفّار مكة وغيرهم وأتى أهل المدينة على عزم قتلهم ونهبهم واستئصالهم. (و) منها: أنّه (قتل عمّه) حمزة سيّد الشهداء رضوان الله تعالى عنه في غزوة أحد، أي: تسبّب في قتله، إذ قاتله المباشر له هو وحشيّ، وهو من جملة عسكره؛ فهو الباعث والسبب في ذلك القتال والمهيّج له. (و) منها: أنّه قتل (أصحابه) ﷺ يوم أحد؛ أي: تسبّب في قتلهم وهم سبعون. وقيل: سبعون من الأنصار خاصّة!! وقيل: مجموع القتلى سبعون؛ أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب بن عمير، وشمّاس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وباقيهم من الأنصار. (و) منها: أنّه (مثّل) - بتشديد المثلاثة- أي: تسبب في فعل المثلة- بضم الميم- (بهم) ؛ وهي العقوبة الشديدة بتشويه خلقتهم؛ بقطع أنف وأذن، ومذاكير

стр. 1121

فعفا عنه، ولاطفه في القول- وقال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم ألاإله إلّا الله؟!» ، فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأوصلك، وأكرمك) . وشقّ بطن، وإخراج قلب وكبد، وسائر أطرافهم. والممثّلة بحمزة زوجته «هند بنت عتبة» ومن معها من النسوة؛ تشفّيا لقتل حمزة أباها في بدر. ونسب التمثيل لأبي سفيان؟! لأنّ فعل أهل الرجل كفعله، لا سيّما النساء. وقد مثّل بجماعة غير حمزة، فممّن مثّل به أنس بن النّضر، وعبد الله بن جحش بل قال البغوي في «تفسيره» : لم يبق أحد من قتلى أحد إلّا مثّل به؛ غير حنظلة بن راهب، فإنّ أباه عامرا الراهب كان مع أبي سفيان؛ فتركوا حنظلة لذلك. (فعفا) أي: مع هذا كلّه الذي صدر عنه عفا (عنه) ما سبق منه في حال كفره، لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله. (ولاطفه في القول) ؛ إذ خاطبه، (وقال: «ويحك) «ويح» كلمة ترحّم لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقيل: «ويح» باب رحمة، و «ويل» باب هلكة، و «ويس» استصغار (يا أبا سفيان) أي: أتعجّب لك مع عقلك ودهائك وظهور حقيقة الإسلام؛ ألاتسلم (ألم يأن) ؛ من «أنى يأني» ؛ أي: جاء أناه، أي: ألم يقرب الوقت (لك أن تعلم) علما يقينا (ألاإله إلّا الله» ؟!) أي: توحّد الله، وتصدّق به فتسلم إسلاما صحيحا. (فقال) أي أبو سفيان (: بأبي أنت وأمّي) أي: أفديك بهما (ما أحلمك!) صيغة تعجّب؛ من الحلم!! وكذا ما بعده صيغ تعجب (وأوصلك) لرحمك! (وأكرمك!!) أي: ما أكثر كرمك على من أساء إليك؛ وخالف عليك، إذ خاطبتني بلطف مع ما قاسيته منّي، ثم أجابه مصدّقا؛ فقال: لقد ظننت أن لّو كان مع الله إله غيره؛ لقد أغنى شيئا بعد!!.

стр. 1122

وقال الإمام النّوويّ في «التّهذيب» : (قد جمع الله له ﷺ كمال الأخلاق، ومحاسن الشّيم، وآتاه علم الأوّلين والآخرين، وما فيه النّجاة والفوز؛ وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على جميع ... فقال له رسول الله ﷺ : «ويحك يا أبا سفيان؛ ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟!» . فقال: بأبي أنت وأمّي؛ أمّا هذه ففي النّفس منها شيء!! فقال له العبّاس: ويحك؛ أسلم واشهد أن لّا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله قبل أن يضرب عنقك. فشهد شهادة الحق وأسلم. والحديث مذكور بتمامه في السير، وأمر أبي سفيان ﵁ مشهور. (وقال) الحافظ الحجّة (الإمام) وليّ الله تعالى شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى بن شرف محيي الدين (النّوويّ) تغمّده الله برحمته ورضوانه. آمين (في) كتاب ( «التّهذيب» ) ؛ أي: «تهذيب الأسماء واللغات» الّذي لا يستغني عنه طالب علم (: قد جمع الله له ﷺ كمال الأخلاق) أي: الأخلاق الكاملة المتفرّقة في الناس، جمع الله تعالى لنبيه ﷺ منها كمالها وأعلاها، (ومحاسن الشّيم) - بالشين المعجمة والمثناة التحتية؛ جمع شيمة، كسدرة وسدر- وهي: الغريزة والطبيعة والجبلّة التي خلق الإنسان عليها؛ أي علّمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة، وجمع له السيرة الفاضلة والسياسة التامّة. (وآتاه) أي: أعطاه (علم الأوّلين والآخرين، وما فيه النّجاة والفوز) في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا، (وهو أمّيّ) منسوب إلى بطن الأم؛ (لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر!!) ؛ نشأ في بلاد الجهل والصحاري يتيما لا أب له ولا أمّ. (وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره) أي: اصطفاه (على جميع

стр. 1123

الأوّلين والآخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها؛ فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها، وكان كما وصفه الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] انتهى. الأوّلين والآخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها) حقيقة، (فأبى أن يأخذها) ، ولو أخذها لصرفها في مرضاة الله تعالى. (و) لكنه (اختار الآخرة عليها) لتأتسي به أمّته في الهرب من الدنيا والتقلّل منها. (وكان) في أخلاقه (كما وصفه الله تعالى) في كتابه في سورة التوبة (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) - بضم الفاء؛ أي: منكم، وقرىء مِنْ أَنْفُسِكُمْ «١» - بفتح الفاء؛ من النفاسة، أي من أشرفكم- (عَزِيزٌ) - أي: شديد- (عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) - أي: عنتكم أي: مشقّتكم ولقاؤكم المكروه- (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) - أن تهتدوا- (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ) - شديد الرحمة (رَحِيمٌ) يريد لهم الخير (انتهى) أي كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى.

стр. 1124

[الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ] الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه.. ألين النّاس، وأكرم النّاس، ضحّاكا بسّاما. وكان ﷺ من أفكه النّاس. (الفصل الثّاني) ، من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة عشرته ﷺ مع نسائه) أي: أزواجه (رضي الله تعالى عنهنّ) ، وقد كان حسن العشرة معهنّ. أخرج ابن سعد في «طبقاته» ، وابن عساكر في «تاريخه» ، وقال العزيزي: إنه حديث حسن لغيره؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه ألين النّاس، وأكرم النّاس) في القول والخلق، (ضحّاكا بسّاما) أي: كثير التبسّم، وهو تفسير لضحّاك، فيستحبّ للزوج فعل ذلك مع زوجته؛ اقتداء به ﷺ ، إذ كان يلاطفهنّ ويتنزل معهنّ، حتّى إنّه سابق عائشة رضي الله تعالى عنها يوما فسبقته؛ كما رواه الترمذي في «العلل» عنها. قال ابن القيّم: وكان من تلطّفه بهنّ أنّه إذا دخل عليهنّ بالليل سلّم تسليما لا يوقظ النائم، ويسمع اليقظان؛ ذكره مسلم. (و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ، والحسن بن سفيان في «مسنده» ، والطبرانيّ، والبزّار: كلّهم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ من أفكه النّاس) زاد الطبراني: مع صبي. وزاد البزّار: مع نسائه.

стр. 1125

قال المناويّ: (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت امرأة منهنّ: كأنّ الحديث حديث خرافة. (قال المناويّ) في «فيض القدير؛ شرح الجامع الصغير» : (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) . والفكاهة: المزاحة، ورجل فكه؛ ذكره الزمخشري. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّي لطّخت وجه سودة بخزيرة. ولطّخت سودة وجه عائشة؛ فجعل يضحك. رواه الزّبير بن بكّار في «كتاب الفكاهة» ، وأبو يعلى بإسناده. قال الحافظ العراقيّ: جيّد. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة) أي: في ساعات ذات ليلة، ف «ذات» صفة موصوف محذوف. أو لفظ «ذات» مقحم، فهو مزيد للتأكيد (نساءه) أي: أزواجه (حديثا) أي: كلاما عجيبا، أو تحديثا غريبا، فالمراد على الأوّل ما يتحدّث به، وعلى الثاني المصدر. (فقالت امرأة منهنّ؛ كأنّ) - بتشديد النون- هذا (الحديث حديث خرافة!!) - بضمّ الخاء المعجمة وفتح الراء- ولا تدخله «أل» لأنّه معرفة؛ لكونه علما على رجل، نعم إن أريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل عرّف. ولم ترد المرأة ما يراد من هذا اللفظ؛ وهو الكذب المستملح، لأنها عالمة بأنّه لا يجري على لسانه إلّا الصدق. وإنّما أرادت التشبيه في الاستملاح فقط، لأن حديث خرافة يراد به الموصوف بصفتين: الكذب، والاستملاح. فالتشبيه في إحداهما؛ لا في كلتيهما. انتهى «باجوري» . ولكنّه ﷺ لمّا علم أنّ كلا منهما موهم؛ وقالت تلك المرأة ما قالت بيّن المراد؛
следующие страницы →