فعفا عنه، ولاطفه في القول- وقال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم ألاإله إلّا الله؟!» ، فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأوصلك، وأكرمك) .
وشقّ بطن، وإخراج قلب وكبد، وسائر أطرافهم.
والممثّلة بحمزة زوجته «هند بنت عتبة» ومن معها من النسوة؛ تشفّيا لقتل حمزة أباها في بدر.
ونسب التمثيل لأبي سفيان؟! لأنّ فعل أهل الرجل كفعله، لا سيّما النساء.
وقد مثّل بجماعة غير حمزة، فممّن مثّل به أنس بن النّضر، وعبد الله بن جحش بل قال البغوي في «تفسيره» : لم يبق أحد من قتلى أحد إلّا مثّل به؛ غير حنظلة بن راهب، فإنّ أباه عامرا الراهب كان مع أبي سفيان؛ فتركوا حنظلة لذلك.
(فعفا) أي: مع هذا كلّه الذي صدر عنه عفا (عنه) ما سبق منه في حال كفره، لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
(ولاطفه في القول) ؛ إذ خاطبه، (وقال: «ويحك) «ويح» كلمة ترحّم لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقيل: «ويح» باب رحمة، و «ويل» باب هلكة، و «ويس» استصغار (يا أبا سفيان) أي: أتعجّب لك مع عقلك ودهائك وظهور حقيقة الإسلام؛ ألاتسلم (ألم يأن) ؛ من «أنى يأني» ؛ أي: جاء أناه، أي: ألم يقرب الوقت (لك أن تعلم) علما يقينا (ألاإله إلّا الله» ؟!) أي: توحّد الله، وتصدّق به فتسلم إسلاما صحيحا.
(فقال) أي أبو سفيان (: بأبي أنت وأمّي) أي: أفديك بهما (ما أحلمك!) صيغة تعجّب؛ من الحلم!! وكذا ما بعده صيغ تعجب (وأوصلك) لرحمك! (وأكرمك!!) أي: ما أكثر كرمك على من أساء إليك؛ وخالف عليك، إذ خاطبتني بلطف مع ما قاسيته منّي، ثم أجابه مصدّقا؛ فقال: لقد ظننت أن لّو كان مع الله إله غيره؛ لقد أغنى شيئا بعد!!.
стр. 1122
وقال الإمام النّوويّ في «التّهذيب» : (قد جمع الله له ﷺ كمال الأخلاق، ومحاسن الشّيم، وآتاه علم الأوّلين والآخرين، وما فيه النّجاة والفوز؛ وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على جميع ...
فقال له رسول الله ﷺ : «ويحك يا أبا سفيان؛ ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟!» . فقال: بأبي أنت وأمّي؛ أمّا هذه ففي النّفس منها شيء!! فقال له العبّاس: ويحك؛ أسلم واشهد أن لّا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله قبل أن يضرب عنقك. فشهد شهادة الحق وأسلم. والحديث مذكور بتمامه في السير، وأمر أبي سفيان ﵁ مشهور.
(وقال) الحافظ الحجّة (الإمام) وليّ الله تعالى شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى بن شرف محيي الدين (النّوويّ) تغمّده الله برحمته ورضوانه. آمين
(في) كتاب ( «التّهذيب» ) ؛ أي: «تهذيب الأسماء واللغات» الّذي لا يستغني عنه طالب علم (: قد جمع الله له ﷺ كمال الأخلاق) أي: الأخلاق الكاملة المتفرّقة في الناس، جمع الله تعالى لنبيه ﷺ منها كمالها وأعلاها، (ومحاسن الشّيم) - بالشين المعجمة والمثناة التحتية؛ جمع شيمة، كسدرة وسدر- وهي: الغريزة والطبيعة والجبلّة التي خلق الإنسان عليها؛ أي علّمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة، وجمع له السيرة الفاضلة والسياسة التامّة.
(وآتاه) أي: أعطاه (علم الأوّلين والآخرين، وما فيه النّجاة والفوز) في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا، (وهو أمّيّ) منسوب إلى بطن الأم؛ (لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر!!) ؛ نشأ في بلاد الجهل والصحاري يتيما لا أب له ولا أمّ.
(وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره) أي: اصطفاه (على جميع
стр. 1123
الأوّلين والآخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها؛ فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها، وكان كما وصفه الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] انتهى.
الأوّلين والآخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها) حقيقة، (فأبى أن يأخذها) ، ولو أخذها لصرفها في مرضاة الله تعالى.
(و) لكنه (اختار الآخرة عليها) لتأتسي به أمّته في الهرب من الدنيا والتقلّل منها.
(وكان) في أخلاقه (كما وصفه الله تعالى) في كتابه في سورة التوبة (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) - بضم الفاء؛ أي: منكم، وقرىء مِنْ أَنْفُسِكُمْ «١» - بفتح الفاء؛ من النفاسة، أي من أشرفكم- (عَزِيزٌ) - أي:
شديد- (عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) - أي: عنتكم أي: مشقّتكم ولقاؤكم المكروه- (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) - أن تهتدوا- (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ) - شديد الرحمة (رَحِيمٌ) يريد لهم الخير (انتهى) أي كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى.
стр. 1124
[الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ]
الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه.. ألين النّاس، وأكرم النّاس، ضحّاكا بسّاما.
وكان ﷺ من أفكه النّاس.
(الفصل الثّاني) ، من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة عشرته ﷺ مع نسائه) أي: أزواجه (رضي الله تعالى عنهنّ) ، وقد كان حسن العشرة معهنّ.
أخرج ابن سعد في «طبقاته» ، وابن عساكر في «تاريخه» ، وقال العزيزي:
إنه حديث حسن لغيره؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه ألين النّاس، وأكرم النّاس) في القول والخلق، (ضحّاكا بسّاما) أي: كثير التبسّم، وهو تفسير لضحّاك، فيستحبّ للزوج فعل ذلك مع زوجته؛ اقتداء به ﷺ ، إذ كان يلاطفهنّ ويتنزل معهنّ، حتّى إنّه سابق عائشة رضي الله تعالى عنها يوما فسبقته؛ كما رواه الترمذي في «العلل» عنها.
قال ابن القيّم: وكان من تلطّفه بهنّ أنّه إذا دخل عليهنّ بالليل سلّم تسليما لا يوقظ النائم، ويسمع اليقظان؛ ذكره مسلم.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ، والحسن بن سفيان في «مسنده» ، والطبرانيّ، والبزّار: كلّهم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ من أفكه النّاس) زاد الطبراني: مع صبي. وزاد البزّار: مع نسائه.
стр. 1125
قال المناويّ: (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت امرأة منهنّ: كأنّ الحديث حديث خرافة.
(قال المناويّ) في «فيض القدير؛ شرح الجامع الصغير» : (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) . والفكاهة: المزاحة، ورجل فكه؛ ذكره الزمخشري.
وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّي لطّخت وجه سودة بخزيرة.
ولطّخت سودة وجه عائشة؛ فجعل يضحك. رواه الزّبير بن بكّار في «كتاب الفكاهة» ، وأبو يعلى بإسناده. قال الحافظ العراقيّ: جيّد.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛
قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة) أي: في ساعات ذات ليلة، ف «ذات» صفة موصوف محذوف. أو لفظ «ذات» مقحم، فهو مزيد للتأكيد (نساءه) أي:
أزواجه (حديثا) أي: كلاما عجيبا، أو تحديثا غريبا، فالمراد على الأوّل ما يتحدّث به، وعلى الثاني المصدر.
(فقالت امرأة منهنّ؛ كأنّ) - بتشديد النون- هذا (الحديث حديث خرافة!!) - بضمّ الخاء المعجمة وفتح الراء- ولا تدخله «أل» لأنّه معرفة؛ لكونه علما على رجل، نعم إن أريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل عرّف.
ولم ترد المرأة ما يراد من هذا اللفظ؛ وهو الكذب المستملح، لأنها عالمة بأنّه لا يجري على لسانه إلّا الصدق. وإنّما أرادت التشبيه في الاستملاح فقط، لأن حديث خرافة يراد به الموصوف بصفتين: الكذب، والاستملاح. فالتشبيه في إحداهما؛ لا في كلتيهما. انتهى «باجوري» . ولكنّه ﷺ لمّا علم أنّ كلا منهما موهم؛ وقالت تلك المرأة ما قالت بيّن المراد؛
стр. 1126
فقال: «أتدرون ما خرافة؟ إنّ خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجنّ ...
(فقال: «أتدرون ما خرافة؟!» ) خاطبهنّ خطاب الذكور تعظيما لشأنهنّ، فكأنّهنّ قلن: لا ندري، فقال:
( «إنّ خرافة كان رجلا من عذرة) - بضمّ العين المهملة وسكون الذال المعجمة-: قبيلة من اليمن (أسرته) أي: اختطفته (الجنّ) .
قال العلّامة الشيخ ابن حجر الهيتمي في «التحفة شرح المنهاج» : الجنّ أجسام هوائيّة؛ أو نارية أي: يغلب عليها ذلك، فهم مركّبون من العناصر الأربعة كالملائكة؛ على قول، وقيل: أرواح مجرّدة. وقيل: نفوس بشريّة مفارقة عن أبدانها، وعلى كلّ فلهم عقول وفهم، ويقدرون على التشكّل بأشكال مختلفة، وعلى الأعمال الشاقّة في أسرع زمن.
وصحّ خبر أنّهم ثلاثة أصناف: ذوو أجنحة يطيرون بها، وحيّات، وآخرون يحلّون ويظعنون.
ونوزع في قدرتهم على التشكل باستلزامه رفع الثّقة بشيء!! فإنّ من رأى؛ ولو ولده؛ يحتمل أنّه جنّيّ تشكّل به.
ويردّ: بأنّ الله تكفّل لهذه الأمّة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤذي لمثل ذلك المترتب عليه الرّيبة في الدين، ورفع الثقة بعالم وغيره، فاستحال شرعا الاستلزام المذكور.
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ومن زعم أنّه رآهم ردّت شهادته وعزّر، لمخالفته القرآن.
وكأنّ المصنّف أخذ منه قوله «من منع التفضيل بين الأنبياء عزّر، لمخالفته القرآن» !! وحمل بعضهم كلام الشافعي على زاعم رؤية صورهم الّتي خلقوا عليها.
стр. 1127
.........
ولمّا عرّف البيضاويّ الجنّ في تفسير قُلْ أُوحِيَ [١/ الجن] بنحو ما مرّ؛ قال:
وفيه دليل على أنّه ﷺ ما رآهم، ولم يقرأ عليهم!! وإنّما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته؛ فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك. انتهى.
وكأنّه لم يطلّع على الأحاديث الصحيحة الكثيرة؛ المصرّحة برؤيته ﷺ لهم، وقراءته عليهم، وسؤالهم منه الزاد لهم ولدوابّهم على كيفيّات مختلفة!!
ولا يسقط عنا ما كلّفنا به من نحو إقامة الجمعة؛ أو فروض الكفايات بفعلهم!؟ لما مرّ أنّهم- وإن أرسل إليهم ﷺ وكلّفوا بشرعه إجماعا ضروريا؛ فيكفر منكره- لهم تكاليف اختصّوا بها؛ لا نعلم تفاصيلها.
ولا ينافي هذا إجراء غير واحد عليهم بعض الأحكام؛ كانعقاد الجمعة بهم معنا، وصحّة إمامتهم لنا.
والجمهور على أنّ مؤمنيهم يثابون ويدخلون الجنة.
وقول أبي حنيفة واللّيث «لا يدخلونها، وثوابهم النجاة من النار» !! بالغوا في ردّه، على أنّه نقل عن أبي حنيفة أنّه أخذ دخولهم من قوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) [الرحمن] انتهى كلام «التحفة» .
وفي كتاب «شفاء الأسقام فيما يتعلق بالجنّ من الأحكام» للشيخ العلّامة المحقّق الفهّامة: محمد بن عمر الحشيبري المتوفى سنة: إحدى وخمسين وألف هجرية رحمه الله تعالى:
الجنّ والشياطين جنس واحد، أبوهم إبليس؛ وهم ذريته، فالجنّ المؤمنون والشياطين الكافرون. قال تعالى حكاية عنهم وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ- وهم الجن- وَمِنَّا الْقاسِطُونَ الكافرون الجائرون؛ وهم الشياطين فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا- قصدوا- رَشَداً (١٤) . وأما القاسطون الجائرون بالكفر أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
(١٥) [الجن] .
стр. 1128
.........
وسمّوا جنّا!! لاستتارهم عن أعين الناس غالبا، وسمّوا «شياطينا» !! لبعدهم عن رحمة الله تعالى، ومنه بئر شطون؛ إذا كانت بعيدة العمق.
وسمّي إبليس!! لأنّه أبلس من رحمة الله ، أي: يئس، والمبلس:
الكئيب الحزين الآيس؛ كما في «التهذيب» للنووي. وفيهم أهل السّنّة، والمبتدعة؛ حتّى الشيعة والرافضة، والمرجئة والقدرية. وغير ذلك على مذاهب الإنس الذي يسكنون معهم في بلادهم، ولهم ملوك كبار، وأسماء ملوك يخضعون لها، ويطيعون للإقسام عليهم بها، وقد يخضعون لأسماء من أسماء الله تعالى القاهرة، ويستخدمون بها مسخّرين، ولذلك صفات وهيئات معروفة عند المعزّمين الذين يفتتنون بذلك، وقد يصيبهم منهم مصائب؛ نسأل الله العافية، ولهم سلطة على بعض المسلمين، ويتولّجون في باطن الحيوانات، وينفذون من منافذها الضيقة؛ نفوذ الهوى المستنشق.
وفي الحديث الصحيح في البخاري «إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم» . قال الشّرّاح أي: يدخل فيه. لما تقرّر أنّه جسم لطيف، وحمل الحديث على الحقيقة؛ أخذا بظاهره أولى من حمله على المجاز؛ وهو الوسوسة. انتهى.
ومن لازم دخولهم في الإنس المرض والصّرع، وتشويه الخلقة لبعض المسلمين، ولغة الجنّ كلّ منهم على لغة من يسكنون بلده، ومذاهبهم على مذاهب الإنس الذين يسكنون بلدهم، ولهم الأعمار الطويلة؛ فلا يموتون إلّا بالصعقة، فإنهم كأبيهم إبليس من المنظرين. وقيل: إن المسلم منهم يموت قبل الصعقة؛ والكافر منهم لا يموت إلا بموت إبليس.
قال العلّامة شيخ الإسلام محمد بن أبي بكر الأشخر رحمه الله تعالى:
الجنّ مكلّفون، لا على حدّ تكليفنا وتفصيله، فمن ثمّ يجب الحجّ على من أمكنه الطيران منهم، بخلاف من أمكنه ذلك خرق عادة من الأنس، فعلى هذا يسجد لتلاوته، ويقتدى به، وتحصل فضيلة الصفّ، ويتمّ به عدد الجمعة، ويكفي
стр. 1129
في الجاهليّة، ...
تجهيز ميتنا، ويقبل خبره وشهادته؛ ولو في النكاح، على خلاف في جميع ذلك.
نعم؛ الأصحّ من وجهين حرمة مناكحتهم.
والرضاع مبنيّ على ذلك؛ فإن حرّمنا المناكحة لم يحرّم، وإن جوّزناها حرّم، وهو أحد احتمالين للبلقيني رحمه الله تعالى في «تدريبه» انتهى.
ولو أولج جنيّ ذكره في إنسية؛ أو أنسيّ في جنّيّة أجنب المولج والمولج فيه.
وفرض ذلك أن يتحقّق ما ذكر، إذ لا جنابة مع الشكّ. انتهى.
والجنّ مكلّفون بالإيمان بالله تعالى، وترك الإشراك به؛ من ابتداء خلقهم، لا مثل الإنس بعد البلوغ.
وأمّا التزام أحكام الشرائع!! فالذي أرسل إليهم عموما هو نبيّنا محمد ﷺ ، فهم مكلّفون بالتزام شريعته ﷺ . قال مقاتل رحمه الله تعالى: لم يبعث نبيّ قبل نبينا إلى الإنس والجنّ جميعا، فعلى هذا لا يلزمهم اتباع شريعة نبيّ قبله، وإنما يلزمهم التوحيد، وترك الإشراك بالله تعالى.
والصحيح: أنّ الرسل من الإنس إلى الإنس، وفي زمن كلّ رسول كانت النّذر من الجن تسمع كلام الرّسل وتبلّغه قومها؛ منذرين لهم، فيعملون بما يسمعون.
وليس للجنّ رسل منهم يوحى إليهم، وإنّما يعملون بما أنذرهم قومهم بما يسمعون من رسل الإنس. انتهى. ملخصا من «شفاء الأسقام فيما يتعلق بالجنّ من الأحكام» تأليف الشيخ العلامة المحقق محمد بن عمر الحشيبري رحمه الله تعالى.
فائدة: الجنّ على مراتب، فالأصل «جنّيّ» ، فإن خالط الإنسان قيل «عامر» ومن تعرّض منهم للصبيان قيل «أرواح» ، ومن زاد في الخبث قيل «شيطان» ، فإن زاد على ذلك قيل «مارد» ، فإن زاد على ذلك قيل «عفريت» . انتهى كذا وجدت معزوّا لكتاب «توشيح» السيوطي ﵀.
(في) أيّام (الجاهليّة) هي: الحالة الّتي كانت عليها العرب قبل بعثته ﷺ من
стр. 1130
فمكث فيهم دهرا، ثمّ ردّوه إلى الإنس، فكان يحدّث النّاس بما رأى من الأعاجيب، فقال النّاس: (حديث خرافة) » .
الجهل بالله تعالى ورسوله وشرائع الإسلام، وكان اختطاف الجنّ للإنس كثيرا إذ ذاك.
(فمكث) - بضمّ الكاف وفتحها- أي: لبث (فيهم) أي: معهم (دهرا) أي: زمنا طويلا (ثمّ ردّوه إلى الإنس) - بكسر الهمزة وسكون النون- أي:
البشر، الواحد إنسيّ، والجمع: أناسيّ وأناسية؛ كصيارفة.
(فكان يحدّث النّاس بما رأى من الأعاجيب) ؛ جمع: أعجوبة، أي الأشياء التي يتعجّب منها.
والتعجّب: انفعال النفس لزيادة وصف في المتعجّب منه. إمّا لاستحسانه والرّضا عنه، وإمّا لذمّه وإنكاره، فهو على وجهين: الأول: فيما يحمده الفاعل.
والثاني: في ما يكرهه. انتهى «باجوري» .
فكان خرافة يخبر الناس بما رأى؛ فيكذّبونه فيما أخبرهم به، مع أن الرجل كان صادقا؛ لا كاذبا.
(فقال النّاس: حديث خرافة» ) أي: قالوا ذلك فيما سمعوه من الأحاديث العجيبة والحكايات الغريبة؛ الّتي يستملحونها ويكذّبونها؛ لبعدها عن الوقوع.
وغرضه ﷺ من مسامرة نسائه تفريح قلوبهنّ، وحسن العشرة معهن، فيسنّ ذلك، لأنه من باب حسن المعاشرة، وفي الحثّ عليه أحاديث كثيرة مشهورة.
والنهي الوارد عن الكلام بعد العشاء!! محمول على ما لا يعني من الكلام الدّنيويّ.
قال في «المنهاج» : ويكره النوم قبلها والحديث بعدها؛ إلّا في خير.
انتهى.
стр. 1131
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّل عرف ابنته فاطمة الزّهراء، وكان ﷺ كثيرا ما يقبّلها في فمها أيضا.
و (العرف) : أعلى الرّأس، ويطلق على الرّقبة.
وكان ﷺ مع أصحابه وأزواجه كواحد منهم، وكان حسن المعاشرة.
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: كنت إذا هويت ...
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» - وهو حديث ضعيف؛ كما في العزيزي- عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان ﷺ كثيرا ما يقبّل عرف) - بضم العين وإسكان الراء- (ابنته فاطمة الزّهراء) أي: أعلى رأسها؛ قاله المناوي
(وكان ﷺ كثيرا ما يقبّلها في فمها أيضا) . زاد أبو داود بسند ضعيف:
ويمصّ لسانها.
(والعرف) - بالضمّ- (أعلى الرّأس) مأخوذ من عرف الدّيك؛ وهو: اللحمة المستطيلة في أعلى رأسه. انتهى. (ويطلق) أي: العرف (على الرّقبة) .
قال في العزيزي: قال الشيخ: العرف- بالمهملة والفاء-: الرقبة؛ أخذا من معرفة الفرس؛ أي: منبت شعره من رقبته. انتهى.
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني: (كان ﷺ مع أصحابه) كواحد منهم؛ لا يتميّز عنهم بشيء، لمزيد تواضعه وحسن عشرته.
(و) كان مع (أزواجه) ؛ جمع: زوج، أي امرأة، لأن اللغة الفصحى:
«زوج» - بلا هاء، وبها جاء القرآن في نحو وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [١٩/ الأعراف] حتّى بالغ الأصمعيّ؛ فقال: لا تكاد العرب تقول «زوجه» بالهاء.
وقوله (كواحد منهم) فيه تغليب الذكور، (وكان حسن المعاشرة) مع أصحابه وأزواجه، وأهل بيته وسائر النّاس على اختلاف طبقاتهم.
(وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ تقول: كنت إذا هويت) أي: أردت
стр. 1132
شيئا.. تابعني ﷺ عليه. وكنت إذا شربت من الإناء..
أخذه فوضع فمه على موضع فمي وشرب، وكان ينهش فضلتي من اللّحم الّذي على العظم، وكان يتّكىء في حجري ويقرأ القرآن.
وحدّثت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ بحديث أمّ زرع؛ وهو: أنّ إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن ألايكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا، ...
(شيئا تابعني) أي: وافقني ﷺ عليه) إشارة إلى مزيد حبّه لها.
(وكنت إذا شربت من الإناء أخذه؛ فوضع فمه على موضع فمي وشرب) .
رواه مسلم من حديثها.
(وكان ينهش فضلتي من اللّحم الّذي على العظم) رواه مسلم أيضا من حديثها بلفظ: وإذا تعرّقت عرقا أخذه فوضع فمه على موضع فمي.
(وكان يتّكىء في حجري ويقرأ القرآن) رواه الشيخان؛ من حديثها.
(وحدّثت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ رسول الله ﷺ بحديث أمّ زرع) ؛ كما رواه الشيخان، والترمذيّ في «الشمائل» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأمّ زرع هي واحدة من النساء اللّاتي ذكرهن بقوله:
(وهو: أنّ إحدى عشرة) - بسكون الشين- (امرأة) ؛ قيل: كلّهن من بعض قرى اليمن، أو قرى مكّة، ولم يعرف منهن سوى أسماء ثمانية سردها الخطيب البغدادي في كتاب «المبهمات» ؛ وقال: إنّه لا يعرف أحد أسماءهن إلّا من تلك الطريق، وإنّه غريب جدّا.
(تعاهدن) ؛ أي ألزمن أنفسهنّ عهدا، (وتعاقدن) عطف تفسير (أن لا يكتمن) أي: لا يخفين (من أخبار أزواجهنّ شيئا) ؛ سواء كان مدحا، أو ذمّا، بل يظهرن ذلك ويصدقن.
стр. 1133
فوصفت كلّ واحدة زوجها، ...
(فوصفت كلّ واحدة زوجها) ؛
فقالت الأولى: زوجي لحم جمل غثّ. على رأس جبل وعر؛ لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.
قالت الثانية: زوجي لا أثير خبره، إنّي أخاف ألاأذره؛ إن أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: زوجي العشنّق؛ إن أنطق أطلّق، وإن أسكت أعلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة؛ لا حرّ ولا قر، ولا مخافة ولا سامة.
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد.
قالت السادسة: زوجي إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ، ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ.
قالت السابعة: زوجي عياياء، أو غياياء طلبقاء، كلّ داء له داء؛ شجّك، أو فلّك، أو جمع كلّا لك!!.
قالت الثامنة: زوجي المسّ مسّ أرنب، والريح ريح زرنب.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النّجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من النّاد.
قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك!! مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك؛ قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر. أيقنّ أنهنّ هوالك.
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع ... وما أبو زرع!! أناس من حليّ أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إليّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشقّ؛ فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبّح
стр. 1134
فكانت أحسنهنّ وصفا لزوجها وأكثرهنّ تعدادا لنعمه عليها: زوجة أبي زرع.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقال لي رسول الله ﷺ : «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» .
وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمّح:
أمّ أبي زرع؛ فما أمّ أبي زرع!! عكومها رداح، وبيتها فساح.
ابن أبي زرع؛ فما ابن أبي زرع!! مضجعه كمسلّ شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة.
بنت أبي زرع؛ فما بنت أبي زرع!! طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها وغيظ جارتها.
جارية أبي زرع؛ فما جارية أبي زرع!! لا تبثّ حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا. ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت:
خرج أبو زرع والأوطاب تمخض فلقي امرأة معها ولدان لها؛ كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلّقني ونكحها.
فنكحت بعده رجلا سريّا؛ ركب شريّا، وأخذ خطيا، وأراح علي نعما ثريا، وأعطاني من كلّ رائحة زوجا، وقال: كلي أمّ زرع وميري أهلك. فلو جمعت كلّ شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
(فكانت أحسنهنّ وصفا لزوجها، وأكثرهنّ تعدادا لنعمه عليها: زوجة أبي زرع) التي يضاف إليها الحديث؛ فيقال «حديث أم زرع» .
وإنّما أضيف إليها!! لأنّ معظم الكلام وغاية المرام فيه إنّما هو بالنسبة إلى ما يتعلّق بها ويترتّب عليها، ولذلك (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ فقال) - وفي بعض نسخ «الشمائل» : قال عروة: قالت عائشة: فلما فرغت من ذكر حديثهنّ؛ قال- (لي رسول الله ﷺ : «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» ) في الألفة والوفاء؛ لا في الفرقة والجفاء.
стр. 1135
.........
فالتشبيه ليس من كلّ وجه؛ كما يفيد ذلك قوله «لك» ولم يقل «وعليك» !! فإنّه يفيد أنّه لها كأبي زرع لأمّ زرع في النفع؛ لا في الضرّ الّذي حصل بطلاقها.
ويؤخذ من الحديث ندب حسن العشرة مع الأهل، وحلّ السّمر في خير؛ كملاطفة حليلته، وإيناس ضيفه وجواز ذكر المجهول عند المتكلّم والسّامع بما يكره، فإنّه ليس غيبة.
غاية الأمر: أن عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت نساء مجهولات، وذكر بعضهن عيوب أزواجهن المجهولين الذين لا يعرفون بأعيانهم؛ ولا بأسمائهم، ومثل هذا لا يعدّ غيبة، على أنّهم كانوا من أهل الجاهليّة؛ وهم ملحقون بالحربيّين في عدم احترامهم.
وفي الحديث فوائد كثيرة. وقد أفرده بالتصنيف أئمّة؛ منهم القاضي عياض، والإمام الرافعي في مؤلف جليل جامع، وساقه بتمامه في «تاريخ قزوين» !.
قال الحافظ ابن حجر: المرفوع من حديث أبي زرع في «الصحيحين» «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» ، وباقيه من قول عائشة رضي الله تعالى عنها.
وجاء خارج «الصحيحين» مرفوعا كلّه من رواية عبّاد بن منصور عند النسائي، وساقه بسياق لا يقبل التأويل؛ ولفظه: قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: بأبي أنت وأمّي، يا رسول الله من كان أبو زرع!؟ قال: «اجتمع ... » فساق الحديث كلّه.
وكذا جاء مرفوعا عند الزّبير بن بكّار، وجاء في بعض طرقه الصحيحة:
ثمّ أنشأ رسول الله ﷺ يحدّث بحديث أمّ زرع، ويقوّي رفعه جميعه أنّ التشبيه المتّفق على رفعه يقتضي أن يكون النبي ﷺ سمع القصّة وعرفها فأقرّها، فيكون مرفوعا كلّه؛ من هذه الحيثية. انتهى؛ نقله في «جمع الوسائل» للعلّامة الملا علي قاري رحمه الله تعالى.
стр. 1136
وكان ﷺ يسرّب إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بنات الأنصار يلعبن معها.
وكان ﷺ يريها الحبشة؛ وهم يلعبون في المسجد، وهي متّكئة على منكبه.
وروي: أنّه ﷺ سابقها، فسبقته، ثمّ سابقها بعد ذلك، فسبقها وقال: «هذه بتلك» .
(و) روى الشيخان: (كان) رسول الله ﷺ يسرّب) ؛ من التسريب- بالمهملة- وهو: الإرسال، والتسريح أي: يرسل (إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بنات الأنصار) واحدة بعد أخرى (يلعبن معها) ، لأنّها كانت صغيرة.
(وكان ﷺ يريها الحبشة؛ وهم يلعبون) بحرابهم للتدريب على مواقع الحرب والاستعداد، ولذا جاز (في المسجد) لأنه من منافع الدين، (وهي متّكئة على منكبه) ، ولعله أراها لعبهم لتضبطه وتعلمه فتنقله للناس بعد.
وهذا رواه البخاري؛ من حديثها، ورواه الترمذي بلفظ: قام ﷺ فإذا حبشة تزفن والصبيان حولها، فقال: «يا عائشة تعالي فانظري» . فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ ؛ فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه؛ فقال لي: «أما شبعت.. أما شبعت!!» فجعلت أقول: لا.. لا. وقال الترمذي:
حديث حسن صحيح غريب.
ولعل رؤيتها للحبشة كان قبل الحجاب!! وقيل: إنّها كانت تنظر إلى لعبهم؛ لا إلى أجسامهم. وفيه ما فيه!!.
(وروي أنّه ﷺ سابقها) في سفر (فسبقته) ؛ لخفّة جسمها بقلّة اللّحم.
(ثمّ سابقها بعد ذلك) في سفر آخر؛ وقد سمنت (فسبقها، وقال) مطيّبا لخاطرها (: «هذه بتلك» ) السّبقة. رواه أبو داود بلفظ: سابقته في سفر فسبقته على رجلي، فلما حملت اللّحم سابقته فسبقني. قال: «هذه بتلك السّبقة» .
стр. 1137
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّهم كانوا يوما عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، إذ أتي بصحفة خبز ولحم من بيت أمّ سلمة، فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: «ضعوا أيديكم» ، فوضع نبيّ الله ﷺ [يده] ، ووضعنا أيدينا، فأكلنا وعائشة تصنع طعاما عجّلته، وقد رأت الصّحفة الّتي أتي بها، فلمّا فرغت من طعامها.. جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أمّ سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ : «كلوا باسم الله؛ غارت أمّكم» .
وهذا من مزيد لطفه؛ حتّى لا تتشوّش.
وروى الإمام أحمد عنها: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره؛ وأنا جارية لم أحمل اللّحم؛ ولم أبدن، فقال للناس: «تقدّموا» . فتقدّموا، ثم قال:
«تعالي حتّى أسابقك» . فسابقته فسبقته؛ فسكت عنّي، حتّى حملت اللّحم وبدنت وسمنت؛ خرجت معه في بعض أسفاره؛ فقال للناس: «تقدّموا» . ثمّ قال: «تعالي حتّى أسابقك» فسبقني، فجعل يضحك ويقول: «هذه بتلك» .
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّهم كانوا يوما عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ إذ أتي بصحفة) : إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها، جمعها صحاف (خبز ولحم من بيت أمّ سلمة؛ فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ فقال: «ضعوا أيديكم» ) للأكل.
(فوضع نبيّ الله ﷺ [يده] ووضعنا أيدينا فأكلنا!! وعائشة تصنع طعاما عجّلته) أسرعت به. (و) الحال أنّها (قد رأت الصّحفة الّتي أتي) - على صيغة المبني للمجهول- أي: جيء (بها) من بيت أمّ سلمة.
(فلمّا فرغت من طعامها جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أمّ سلمة فكسرتها. فقال رسول الله ﷺ : «كلوا باسم الله) من صحفة عائشة (غارت أمّكم» ) هي كاسرة الصحفة عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
стр. 1138
ثمّ أعطى صحفتها أمّ سلمة؛ فقال: «طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» . رواه الطّبرانيّ في «الصّغير» .
وهو عند البخاريّ بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، ...
وأبعد الداودي؛ فقال: هي سارة زوج الخليل. وأنّه أراد لا تعجبوا مما وقع من هذه من الغيرة؛ فقد غارت تلك التي قبلها!! وردّ- مع بعده- بأن المخاطبين ليسوا من أولاد سارة، إذ ليسوا من بني إسرائيل!!.
(ثمّ أعطى صحفتها أمّ سلمة؛ فقال: «طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» .
رواه الطّبرانيّ في) «معجمه (الصّغير» ) . وعزاه في «الفتح» و «المقدمة» له في «الأوسط» ، (وهو) أي: حديث أنس (عند البخاريّ) في «المظالم» و «الأطعمة» (بلفظ:
كان ﷺ عند بعض نسائه) هي عائشة؛ كما في الترمذي وغيره، ولا خلاف في ذلك! (فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين) هي:
صفيّة؛ كما رواه أبو داود والنسائيّ من حديث عائشة.
أو: حفصة؛ كما رواه الدارقطني؛ من حديث أنس وابن ماجه عن عائشة.
أو: أمّ سلمة؛ كما رواه الطبراني في «الأوسط» عن أنس وإسناده أصحّ من إسناد الدارقطني. وساقه بسند صحيح؛ وهو أصحّ ما ورد في ذلك.
ويحتمل التعدّد!!.
وحكى ابن حزم في «المحلّى» أنّ المرسلة زينب بنت جحش؛ ذكره الحافظ، وتبعه القسطلّانيّ، ففي جزم السيوطي بالأخير شيء.
(بصحفة) هذا لفظ البخاري في «الأطعمة» ، ولفظه في «المظالم» بقصعة- بفتح القاف- (فيها طعام) أي: حيس؛ كما في «المحلّى» لابن حزم. ويأتي
стр. 1139
فضربت الّتي في بيتها يد الخادم، فسقطت الصّحفة فانفلقت، فجمع ﷺ فلق الصّحفة، ثمّ جعل يجمع فيها الطّعام الّذي كان في الصّحفة ويقول: «غارت أمّكم» ، ثمّ حبس الخادم، حتّى أتي بصحفة من عند الّتي هو في بيتها، فدفع الصّحفة إلى الّتي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت الّتي كسرت.
رواية «يلتقط اللحم» ، فيحتمل أن اتّحدت القصّة؛ أنّه كان فوق الحيس، قال الشاعر:
التّمر والسّمن جميعا والأقط ... الحيس إلّا أنّه لم يختلط
مع خادم (فضربت الّتي [النّبيّ] ) ﷺ (في بيتها) هي عائشة على جميع الأقوال (يد الخادم) لم يسمّ؛ قاله الحافظ ابن حجر.
(فسقطت الصّحفة؛ فانفلقت، فجمع ﷺ فلق الصّحفة) ؛ جمع فلقة؛ كقطعة وقطع: وزنا ومعنى. (ثمّ جعل يجمع فيها الطّعام الّذي كان في الصّحفة؛ ويقول) مبديا لعذرها (: «غارت أمّكم» ) عائشة.
(ثمّ حبس الخادم) : منعه من العود إلى سيّدته التي أرسلته (حتّى أتي بصحفة من عند الّتي هو في بيتها، فدفع الصّحفة) الّتي لا كسر فيها (إلى) الخادم ليوصلها إلى (الّتي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت الّتي كسرت) ؛ عقابا لها.
فإن قيل: القصعة متقوّمة فكيف ضمّنها بالمثل؛ لا بالقيمة؟!
أجاب البيهقيّ بأنّ القصعتين كانتا للنبيّ ﷺ في بيت زوجتيه، فعاقب الكاسرة- بجعل- المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنّسائيّ: قالت عائشة رضي الله تعالى
стр. 1140
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة والنّبيّ ﷺ بيني وبينها؛ فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين، أو لألطّخنّ بها وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها، فضحك رسول الله ﷺ .
عنها: ما رأيت صانعة طعاما مثل صفيّة؛ أهدت إلى النبي ﷺ إناء من طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته!! فقلت: يا رسول الله؛ ما كفّارته؟ قال: «إناء كإناء، وطعام كطعام» ففي هذه الرواية: المرسلة صفيّة، فيخالف رواية الطّبراني أنّها أم سلمة!! إن لم يحمل على التعدّد.
وعند غير أحمد، وأبي داود، والنسائي: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقام النبيّ ﷺ يلتقط اللّحم والطعام؛ وهو يقول «غارت أمّكم» . فلم يثرّب عليها ﷺ ، ووسع خلقه الشريف آثار طفحات غيرتها، ولم يتأثّر من فعلها ذلك بحضوره وحضور أصحابه؛ لمزيد حلمه وعلمه بما تؤدّي إليه الغيرة، وقضى عليها بحكم الله في التقاصّ بجعل المكسورة عندها ودفع الصحيحة لضرّتها.
(وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة) - بخاء وزاي معجمتين؛ فياء مثناة، فراء فتاء تأنيث- (طبختها له، وقلت لسودة) أمّ المؤمنين (والنّبيّ ﷺ بيني وبينها؛ فقلت لها: كلي. فأبت، فقلت لها: كلي. فأبت.
فقلت لها: لتأكلين؛ أو لألطّخنّ بها وجهك!! فأبت. فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها) - بالتخفيف [لطّخت] وتشدّد مبالغة.
(فضحك رسول الله ﷺ ، فوضع فخذه لها؛ وقال لسودة: «ألطخي وجهها قصاصا» . فلطخت به وجهي. فضحك رسول الله ﷺ ... الحديث رواه ابن غيلان؛ من حديث الهاشمي.
стр. 1141
و (الخزيرة) : لحم يقطع قطعا صغارا، ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق.
وكان ﷺ إذا غضبت عائشة.. عرك بأنفها وقال: «يا عويش؛ قولي: اللهمّ ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن» .
وكان ﷺ إذا أتي بهديّة قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنّها كانت صديقة لخديجة ...
وأخرجه الملّا في «سيرته» ؛ ذكره في «المواهب» قال:
(والخزيرة: لحم يقطع قطعا صغارا، ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج) :
استوى (ذرّ عليه الدّقيق) ، فإن لم يكن فيها لحم؛ فهي عصيدة؛ قاله الجوهري وغيره، وكذا ذكره ابن السّكّيت؛ وزاد: من لحم بات ليلة. وقال ابن فارس:
دقيق يخلط بشحم. وقيل: غير ذلك، كما ذكره القسطلّاني في «المواهب» .
(و) أخرج ابن السّنّيّ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان ﷺ إذا غضبت عائشة عرك بأنفها) - بزيادة الموّحدة- (وقال) ؛ ملاطفا لها (: «يا عويش) - منادى مصغّر مرخّم، فيجوز ضمّه وفتحه على لغة «من ينتظر» وعلى التمام- (قولي: (اللهمّ؛ ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب) - بهمزة القطع- (غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن.) ؛ أي: الفتن المضلّة، أي الموقعة في الضلال، فمن قال ذلك بصدق وإخلاص ذهب غضبه لوقته، وحفظ من الضلال والوبال.
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبيّ ﷺ إذا أتي) - مبنيّ للمجهول- أي: أتاه أحد (بهديّة؛ قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة) لم يسمّها الرواة، (فإنّها كانت صديقة لخديجة
стр. 1142
- رضي الله تعالى عنها- إنّها كانت تحبّ خديجة» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة رضي الله تعالى عنها لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشّاة فيهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه أختها..
- رضي الله تعالى عنها-)
وفي رواية: (إنّها كانت تحبّ خديجة» ) . وفيه الحثّ على البرّ والصّلة وحسن العهد.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم وغيرهما (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما غرت) - بكسر العين المعجمة وسكون الراء- (على امرأة) أي: من نساء النبي ﷺ (ما غرت) ؛ أي: كغيرتي (على خديجة- رضي الله تعالى عنها- لما كنت) لعلة لغيرتها أي: لأجل كوني دائما (أسمعه) ؛ أي: أسمع النبي ﷺ (يذكرها) أي: ذكرا جميلا وثناء جزيلا.
قال الطبريّ وغيره: الغيرة من النساء مسموح لهنّ ومفسوخ في أخلاقهن لما جبلن عليه، وإنّهن لا يملكن عندها أنفسهنّ. ولهذا لم يزجر النبي ﷺ عائشة، ولا ردّ عليها عذرها، لما علم من فطرتها وشدّة غيرتها. قال الزبيدي: والعامّة تكسرها والصواب فتحها. انتهى «ملا علي قاري رحمه الله تعالى» .
(وإن) - بكسر الهمزة وسكون النون؛ على أنّ «إن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي: وإنّه ﵊ (كان ليذبح الشّاة) - بفتح اللام- وهي المسماة ب «الفارقة» ، نحو قوله تعالى وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً [١٤٣/ البقرة] (فيهديها) - بضمّ الياء- أي: فيرسلها هديّة (إلى خلائلها) - بالخاء المعجمة- جمع: خليلة؛ أي صدائقها لكلّ واحدة منها قطعة.
(واستأذنت عليه أختها) أي: طلبت الإذن في الدخول له ﷺ أخت خديجة؛
стр. 1143
فارتاح لها «١» ، ودخلت عليه امرأة فهشّ لها وأحسن السّؤال عنها، فلمّا خرجت قال: «إنّها كانت تأتينا أيّام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
وهي هالة بنت خويلد بن أسد أمّ أبي العاصي بن الربيع «زوج زينب بنته ﷺ » ، واسمه: لقيط بن الربيع، وهالة ذكرها ابن منده، وأبو نعيم في «الصحابة» .
(فارتاح [لها] ) ؛ أي: حصلت له ﷺ راحة، إذ دخلت عليه وأظهر البشر والسرور برؤيتها، (ودخلت عليه امرأة) أي: أخرى في وقت آخر (فهشّ لها) - بتشديد الشين المعجمة- أي: فرح بها واستبشر، (وأحسن السّؤال عنها) بقوله «كيف أنتم..؟ كيف حالكم ... ؟ كيف كنتم بعدنا» ؟ (فلمّا خرجت) من عنده (قال: «إنّها كانت تأتينا أيّام خديجة) أي: في زمانها فلنا بها معرفة قديمة، (وإنّ حسن العهد) قال السّخاوي: ينصرف لغة إلى وجوه؛ أحدها: الحفظ والرعاية، وهو المراد هنا. أي: الوفاء والحفظ، ورعاية العهود القديمة، ورعاية من يحبّك أو يحبّ من يحبّك (من الإيمان» ) أي: من أخلاق أهله وخصالهم، أو من شعب الإيمان ومقتضياته، لأن من كمال الإيمان مودّة عباد الله ومحبّتهم.
وهذا الحديث رواه الحاكم في «مستدركه» في «كتاب الإيمان» ؛ عن عائشة مرفوعا، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين؛ وليس له علّة. وأقرّه الذّهبيّ. ومن طريق الحاكم رواه الدّيلميّ، من حديث الصّغاني؛ عن أبي عاصم؛ قال: حدّثنا رستم؛ عن ابن أبي مليكة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
جاءت عجوز إلى النبيّ ﷺ وهو عندي، فقال لها: «من أنت» ؟! فقالت جثّامة المزنيّة. قال: «أنت حسّانة، كيف أنتم ... ؟ كيف حالكم ... ؟ كيف كنتم بعدنا؟» . قالت: بخير، بأبي أنت وأمّي؛ يا رسول الله. فلما خرجت؛ قلت:
يا رسول الله؛ تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال!! قال: «إنّها كانت تأتينا زمن
стр. 1144
قال القسطلّانيّ: (وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ، وإن أقام عليهنّ قسطاس عدل أقامه من غير قلق، ولا غضب.
وبالجملة: فمن تأمّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء، والأيتام، والأرامل، والأضياف، والمساكين.. علم أنّه قد بلغ من رقّة القلب ولينه الغاية الّتي لا مرمى وراءها لمخلوق، وإنّه كان يشدّد في حدود الله وحقوقه ودينه؛ حتّى قطع يد السّارق ... إلى غير ذلك) .
خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
(قال) العلّامة الشّهاب (القسطلّانيّ) في «المواهب» عقب الكلام على حديث عائشة ﵂ في كسر الصحفة السابق!! ولو ذكره المصنف هناك كان أولى؟!
(وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه؛ لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ) - بكسر الذال-: يرفع عنهن اللّوم.
(وإن أقام عليهنّ قسطاس) : ميزان (عدل؛ أقامه من غير قلق ولا غضب) كما هو الواقع من غيره كثيرا.
(وبالجملة؛ فمن تأمّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه وغيرهم؛ من الفقراء، والأيتام، والأرامل، والأضياف، والمساكين؛ علم أنّه قد بلغ من رقّة القلب ولينه الغاية الّتي لا مرمى وراءها لمخلوق) ، أي: لا يصل أحد بعده إليها (وإنّه كان يشدّد في حدود الله وحقوقه ودينه؛ حتّى قطع يد السّارق ... إلى غير ذلك) كحدّ الزاني. انتهى كلام «المواهب» .
стр. 1145
[الفصل الثّالث في صفة أمانته ﷺ وصدقه]
الفصل الثّالث في صفة أمانته ﷺ وصدقه كان رسول الله ﷺ آمن النّاس، وأصدقهم لهجة منذ كان.
قال تعالى: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] .
أكثر المفسّرين على أنّه محمّد ﷺ .
(الفصل الثّالث) ؛ من الباب الخامس (في) ما ورد في (صفة أمانته ﷺ في كلّ شيء يحفظه قولا كان؛ أو فعلا؛ أو غير ذلك مما يجعل عنده، وكونه موثوقا به في أموال الناس وأحوالهم.
(و) في ما ورد في (صدقه) ﷺ ، وهو: مطابقة خبره للواقع.
قال في «الشفاء» : (كان رسول الله ﷺ آمن النّاس) - بهمزة ممدودة- أي:
أكثرهم وأعظمهم أمانة وأمنا؛ من أن يقع منه خيانة، (وأصدقهم لهجة) أي:
منطقا أي: أكثرهم صدقا (منذ كان) أي: من ابتداء ما وجد، لما جبل عليه من الأخلاق الحسنة، وقد اعترف له بذلك محادّوه وعداه.
(قال) الله (تعالى) في حقه (مُطاعٍ) - أي: مكرّم- (ثَمَّ) - بفتح الثاء؛ أي: عند الملأ الأعلى والحضرة العليا- (أَمِينٍ) . موصوف بالأمانة في دعوى النبوة ووحي الرسالة.
(أكثر المفسّرين على أنّه) أي: المراد ب «المطاع الأمين» (محمّد ﷺ وكثير منهم على أنّه جبريل ﵊؛ كما يشهد به سياق النظم القرآني ولذا ارتضاه المحقّقون.
стр. 1146
وكانت تسمّيه قريش قبل نبوّته: (الأمين) .
ولمّا اختلفوا عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر.. حكّموا أوّل داخل عليهم، فإذا بالنّبيّ ﷺ داخل، وذلك قبل نبوّته، فقالوا: (هذا محمّد الأمين.. قد رضينا به) .
(وكانت تسمّيه قريش قبل نبوّته) أي: ظهورها ودعوتها ( «الأمين» ) ، لأمانته وصدق قوله في جميع أحواله.
قال ابن إسحاق: كان ﷺ يسمّى «الأمين» بما جمع الله له من الأخلاق الصالحة.
قال الخفاجي: وهذا حديث صحيح، رواه أحمد في «مسنده» ، والحاكم، والطبرانيّ؛ عن علي كرم الله وجهه.
(ولمّا اختلفوا) ؛ أي: قريش (عند بناء الكعبة) حين أجمرت فطارت شرارة؛ فاحترقت الكعبة فهدموها، وأرادوا تجديد بنائها فوقع خلافهم (فيمن يضع الحجر) الأسود في موضعه الأصليّ قبل هدمه، وكلّ يقول «أنا وأتباعي نضعه» ؛ افتخارا بوضعه، لأنه الركن الأعظم في ذلك المقام الأفخم، وكاد أن يقع بينهم القتال، لكثرة منازعة الرجال.
(حكّموا) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الكاف- فعل ماض، وهو جواب «لمّا» أي: ارتضوا بأن يكون الحاكم في ذلك (أوّل داخل عليهم) لدفع النزاع عنهم.
(فإذا بالنّبيّ ﷺ داخل) «إذا» فجائية، أي: فاجأهم دخوله عليهم بغتة من غير طلب ولا ميعاد منهم، (وذلك قبل) دعوى (نبوّته) وظهور رسالته ﷺ ؛ وهو ابن خمس وثلاثين سنة، (فقالوا) مقرّين له بوصف أمانته (: هذا محمّد الأمين.. قد رضينا به) حكما في هذه القضية، فلما انتهى إليهم ذكروا له ذلك،
стр. 1147
وقال ﷺ : «والله إنّي لأمين في السّماء، أمين في الأرض» . وورد أنّ أبا جهل قال للنّبيّ ﷺ : إنّا لا نكذّبك، وما أنت فينا بمكذّب، ولكن نكذّب بما جئت به. فأنزل الله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
ففرش ﷺ رداءه المبارك، ووضع الحجر عليه، وأمر كلّ رئيس أن يأخذ بطرف منه، وهو آخذ من تحته، فلما فعلوا ذلك وحملوه إلى قرب موضعه أخذه ﷺ بيده الشريفة فوضعه في ركن البيت، ثم بنى عليه، فكان شرف الوضع له.
(وقال ﷺ فيما رواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن أبي رافع (: «والله؛ إنّي لأمين في السّماء) ؛ أي: عند الله وملائكته المقرّبين (أمين في الأرض» ) عند المؤمنين وغيرهم من المجرمين، لكمال أمانته وظهور ديانته، وعدم خلفه في وعده، وتحقّق صدقه؛ يعني أنّه مشهور بذلك بين الملأ الأعلى وبين أهل الأرض.
وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه، مؤكّدا بالقسم؛ إذا دعت الحاجة إلى إظهار ذلك.
(وورد) فيما رواه الترمذيّ، والحاكم عن عليّ رضي الله تعالى عنه (أنّ أبا جهل) لعنه الله (قال للنّبيّ ﷺ : إنّا لا نكذّبك) - بالتشديد، و [لا نكذبك] بالتخفيف- أي: لا ننسبك إلى الكذب، (وما أنت فينا بمكذّب) لثبوت صدقك، (ولكن نكذّب) بالتشديد لا غير (بما جئت به) ؛ من القرآن والإيمان بالتوحيد والبعث ونحو ذلك، فدلّت هذه المناقضة الظاهرة على أن كفر أكثرهم كان عنادا.
( [فأنزل الله) فيما قاله، وهو سبب نزول هذه الآية (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [٣٣/ الأنعام] ) بالتشديد، وقرأ نافع والكسائي [لا يُكَذِّبُونَكَ] بالتخفيف (الآية] ) أي: اقرأ الآية، وتمامها وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) [الأنعام] أي:
ينكرونه، فتكذيبهم في الحقيقة راجع إلى ربهم، ففيه وعيد أكيد وتهديد شديد لهم، وتسلية له ﷺ .
стр. 1148
وقيل: إنّ الأخنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم؛ ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمّد:
صادق، أم كاذب؟ ...
وروى أبو ميسرة أنّه ﷺ مرّ بأبي جهل وأصحابه؛ فقالوا: والله يا محمد؛ ما نكذبك، وإنّك عندنا لصادق، ولكنّا نكذّب بما جئت به ... فنزلت هذه الآية انتهى خفاجي على «الشفاء» .
وفي «المواهب» : روي أنّ أبا جهل لقي النبيّ ﷺ في بعض فجاج مكّة فصافحه. فقيل له: تصافحه!؟ فقال: والله؛ إنّي لأعلم أنّه نبي، ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف!! فأنزل الله الآية فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ رواه ابن أبي حاتم.
وقيل: أي روي؛ كما أخرجه ابن إسحاق، والبيهقيّ؛ عن الزّهريّ، وكذا ابن جرير؛ عن السّدّي، والطبرانيّ في «الأوسط» :
(إنّ الأخنس) - بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وآخره سين مهملة؛ بزنة «أفعل» التفضيل: صحابيّ كما صرح به الخفاجيّ؛ في «شرح الشّفاء» ، وقال الزرقاني على «المواهب» : إنّه أسلم بعد ذلك.
وقال الخفاجيّ: اسمه أبيّ (بن شريق) - بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وقاف آخره؛ على وزن «فعيل» ابن ثعلبة الثقفي، قتل يوم بدر كافرا- يعني شريقا-؛ قاله الخفاجي.
(لقي أبا جهل يوم بدر) ، وكان يوم جمعة السنة الثانية من الهجرة في سابع عشر رمضان؛
(فقال له: يا أبا الحكم) - بفتحتين- كنيته في الجاهلية، فغيّرها النبي ﷺ وكنّاه «أبا جهل» ؛ قاله العلّامة ملا علي قاري.
(ليس هنا غيري وغيرك) أي: أحد (يسمع كلامنا) أي: فيما بيننا، (تخبرني) خبر معناه أمر، أي: أخبرني (عن محمّد) أي: عن وصفه؛ (: صادق أم كاذب؟) - يعني: أصادقا؛ فحذفت الهمزة تخفيفا.
стр. 1149
فقال أبو جهل: والله إنّ محمّدا لصادق، وما كذب محمّد قطّ.
وسأل هرقل عنه ﷺ أبا سفيان فقال: هل كنتم تتّهمونه ...
(فقال أبو جهل: والله؛ إنّ محمّدا لصادق) أي: لموصوف بالصدق.
(وما كذب محمّد قطّ) اعتراف بالحقّ.
وهذا يدلّ على أنّهم لا يعتقدون كذبه.
وروي أنّ أبا جهل قال؛ بعد قوله «وما كذب محمّد» : ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة؛ فماذا يكون لسائر قريش!!؟
وهذا يدلّ على أنّه ما منعه عن توحيد الله إلّا طلب الجاه!!.
(وسأل هرقل) - بكسر الهاء وفتح الراء وإسكان القاف؛ على المشهور- لا ينصرف للعلمية والعجمة، وهذا اسمه العلم، وأمّا قيصر!! فهو لقب كلّ من ملك الروم «١» ؛ وقد هلك على كفره.
وحكى الجوهري وغيره في ضبطه [هرقل] سكون الراء بين كسرتين، وضبط [هرقل] بضمّتين بينهما ساكن.
(عنه) أي: عن النبيّ ﷺ أبا سفيان) : صخر بن حرب بن أميّة القرشي الأموي. أسلم يوم الفتح؛ فكان من المؤلّفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان رئيس قريش، وأكثرهم مالا، وتوفي سنة: أربع وثلاثين؛ وعمره ثمان وثمانون سنة في المدينة المنورة، وقصّة أبي سفيان مع هرقل مشهورة مرويّة في «الصحيحين» مفصّلة في أوّل باب في «البخاري» ؛ وفيها:
(فقال) أي: هرقل مخاطبا لأبي سفيان ومن معه (: هل كنتم تتّهمونه)
стр. 1150
بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.
وقال النّضر بن الحارث لقريش: قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا؛ ...
- بتشديد التاء المثنّاة الثانية- (بالكذب) أي: هل كنتم تنسبونه إلى الكذب؛ ولو بالتهمة؛ بناء على المظنّة (قبل أن يقول ما قال) من دعوى النبوّة والرّسالة!؟
وإنّما سألهم عن توهّم الكذب؛ ولم يقل «هل علمتم وتحققتم» !! لأنّه يعلم من انتفاء التوهّم انتفاء غيره بالطريق الأولى.
وهذا السؤال يدلّ على كمال عقل هرقل؛ ومعرفته بصفة الأنبياء، لكنه لم ينفعه علمه حيث لم يقترن بعمله، إذ هلك كافرا على نصرانيّته بالقسطنطينية سنة:
عشرين بعد فتح عمر ﵁ بلاده.
(قال) أي أبو سفيان (: لا) أي: لا نتّهمه بالكذب قبل ذلك.
فقال هرقل: قد عرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله!!.
(وقال النّضر) - بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة وراء مهملة آخره- (ابن الحارث) بن علقمة بن كلدة- بفتح الكاف- ابن عبد مناف القرشي.
وكان شديد العداوة للنبي ﷺ ، أخذ أسيرا ببدر؛ فأمر النبيّ ﷺ عليّا ﵁ فقتله كافرا صبرا بالصّفراء عقب الواقعة.
وأمّا النّضير- بالتصغير-! فهو أخوه، وكان من المؤلّفة، وأعطي يوم حنين مائة من الإبل!! فاحذر أن يتصحّف عليك؛ كما توهّم الحلبي!! قاله ملا علي قاري رحمه الله تعالى.
(لقريش) في حديث رواه ابن إسحاق، والبيهقيّ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (: قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا) - بفتحتين-.
стр. 1151
أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتّى إذا رأيتم في صدغيه الشّيب وجاءكم بما جاءكم به.. قلتم ساحر؟! لا والله ما هو بساحر.
قال الجوهري: حدث: شابّ، فإن ذكرت السنّ؛ قلت: حديث السنّ من الحدوث، لقرب عهده بالوجود
(أرضاكم فيكم) أي: ترضون أفعاله وأحواله،
(وأصدقكم حديثا) أي: قولا ووعدا. (وأعظمكم أمانة.)
هذه شهادة العدوّ؛ فما بالك بغيره!!؟ ... والفضل ما شهدت به الأعداء.
(حتّى إذا رأيتم في صدغيه) - بضم فسكون-: ما بين لحظ العين والأذن (الشّيب) أي: بياض الشعر، لأن الشعر الذي فيه من أعلى العذار وجانب الرأس كثيرا ما يبدو فيه الشيب قبل غيره، فكنّى بذلك عن تمام رجولته وكمال عقله ﷺ بمجاوزته سنّ الشباب، وهذا أشدّ في الإنكار عليهم.
(وجاءكم بما جاءكم به) أي: بما أظهر لكم من الحقّ وكلام الصّدق؛ (قلتم) في حقّه: إنه (ساحر) في غيبته وحضوره؟! (لا والله؛ ما هو بساحر!!)
وهذا منه غاية الإنصاف، ولكن غلب عليه الشقاء؛ فقتل صبرا بالصفراء كافرا منصرفه ﷺ من بدر، كما ذكره الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قاله الخفاجيّ على «الشفاء» . قال:
والّذي قال «إنّه ساحر» الوليد بن المغيرة، وسبب قول النّضر المذكور أنّ أبا جهل لمّا أراد أن يرضخ رأس رسول الله ﷺ بحجر فتمثّل له جبريل ﵊؛ في صورة فحل، ففرّ هاربا ويبست يده على الحجر.
فلما سمع ذلك النّضر؛ قال: يا معشر قريش.. والله؛ قد نزل بكم أمر؛
стр. 1152
وفي حديث عليّ ﵁ في وصفه ﵊: أصدق النّاس لهجة.
ما أتيتم فيه بحيلة بعد!! قد كان فيكم محمّد ... إلى قوله.. ما هو بساحر؛ وقد رأينا السّحرة نفثهم وعقدهم!! وقلتم: إنّه كاهن، والله ما هو بكاهن؛ وقد رأينا الكهنة؛ وسمعنا سجعهم!! وقلتم شاعر؛ والله ما هو بشاعر!! وقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه: هزجه ورجزه!! وقلتم: مجنون!! لا والله ما هو بمجنون، فما هو بخنقه؛ ولا تخليط؛ ولا وسوسة فانظروا في شأنكم، فإنّه والله قد نزل بكم أمر عظيم!؟
(وفي حديث عليّ) بن أبي طالب كرّم الله وجهه و ﵁؛ في وصفه ﵊: أصدق النّاس لهجة) أي: لسانا وبيانا. رواه الترمذيّ في «شمائله» . وقد تقدّم.
стр. 1153
[الفصل الرّابع في صفة حيائه ﷺ ومزاحه]
الفصل الرّابع في صفة حيائه ﷺ ومزاحه (الفصل الرّابع) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة حيائه ﷺ والحياء- هنا- بالمدّ، وأمّا بالقصر!! فهو بمعنى المطر، وكلاهما مأخوذ من الحياة، لأنّ أحدهما فيه حياة الأرض، والآخر فيه حياة القلب.
والممدود معناه- في اللغة-: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، أو يعاتب عليه.
ومعناه- في الشرع-: خلق يبعث؛ أي: يحمل من قام به على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ؛ وهو الله تعالى في حقّ عباده، والصديق في حقّ صديقه، والسيّد في حقّ عبده ... إلى غير ذلك.
ولذا جاء في الحديث: «الحياء من الإيمان» ، و: «الحياء خير كلّه» ، و: «الحياء لا يأتي إلّا بخير» . وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوّة خلق الحياء، وقلّة الحياء من موت القلب والروح، وكلّما كان القلب حيّا؛ كان الحياء أتمّ، ولذا كان تمام الحياء في المصطفى ﷺ ، إذ لا قلب أحيا من قلبه؛ قاله الزرقاني على «المواهب» للعلّامة القسطلّاني.
وقال في «المواهب» أيضا: وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها؛
منها: حياء الكرم؛ كحيائه ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب؛ وطوّلوا عنده المقام، واستحيا أن يقول لهم «انصرفوا» .
ومنها حياء المحبّ من محبوبه؛ حتّى إذا خطر على قلبه في حال غيبته هاج الحياء من قلبه وأحسّ به في وجهه، فلا يدري ما سببه!.
стр. 1154
.........
ومنها حياء العبوديّة؛ وهو حياء يمتزج بين محبّة وخوف ومشاهدة عدم صلاحيّة عبوديّته لمعبوده؛ وأنّ قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديّته له توجب استحياء منه لا محالة.
ومنها حياء المرء نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقنعها بالدّون، فيجد نفسه مستحييا من نفسه حتّى كأنّ له نفسين يستحي بإحداهما من الآخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء. فإنّ العبد إذا استحيا من نفسه؛ فهو بأن يستحي من غيره أجدر. انتهى.
(ومزاحه) - بكسر أوله- مصدر «مازحه» ؛ فهو بمعنى الممازحة، يقال:
مازحه ممازحة ومزاحا؛ كقاتله مقاتلة وقتالا. والمزاح- بالضمّ- مصدر سماعيّ، والقياس الكسر؛ لقول ابن مالك:
لفاعل الفعال والمفاعله............... .............
وهو الانبساط مع الغير؛ من غير إيذاء له، وبه فارق الاستهزاء والسّخرية.
وإنّما كان ﷺ يمزح!! لأنّه كان له المهابة العظمى، فلو لم يمازح الناس لما أطاقوا الاجتماع به والتلقّي عنه. ولذا سئل بعض السلف عن مزاحه؛ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط مع الناس بالمداعبة والطلاقة والبشاشة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّه ﷺ كان يمزح؛ ويقول: «إنّ الله لا يؤاخذ المزّاح الصّادق في مزاحه» . لكن لا ينبغي المداومة عليه، لأنّه يتولّد عنه الضّحك، ويتولّد عن الضّحك قسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى؛ وعن الفكر في مهمات الدّين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، لأنه يوجب الحقد ويسقط المهابة، فالإفراط فيه منهيّ عنه، والمباح: ما سلم من هذه الأمور، بل إن كان لتطييب نفس المخاطب ومؤانسته؛ كما كان ﷺ يفعله على ندور؛ فهو سنة. وما أحسن قول الإمام الشافعي ﵀:
стр. 1155
عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة ... بجدّ وعلّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطّعام من الملح!!
انتهى؛ من الباجوري على «الشمائل» .
(عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه) - فيما أخرجه البخاريّ في «الصفة النبوية» و «الأدب» ، ومسلم في «الفضائل» ، وابن ماجه في «الزهد» ، والترمذي في «الشمائل» ؛ (قال) أي أبو سعيد
(: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء) - نصب على التمييز- (من العذراء) - بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة والمد- هي البكر ذات العذرة.
سمّيت بذلك!! لأنّ عذرتها؛ وهي جلدة البكارة باقية.
وجمع العذراء: عذارى- بفتح الراء، و [عذاري] بكسرها-.
والعذراء والبكر مترادفان لغة، وأمّا شرعا: فالعذراء أخصّ من البكر، لأنّها من لم تزل عذرتها بشيء، والبكر من لم تزل بكارتها بوطء؛ ولو أزيلت بسقطة وحدّة حيض ونحوهما. أي: كان حياؤه أبلغ من حياء البنت البكر حال كونها كائنة. (في خدرها) ، أو الكائنة في خدرها، فهو حال على الأوّل؛ صفة على الثاني.
والخدر- بكسر الخاء المعجمة؛ وسكون الدال المهملة-: ستر يجعل لها إذا شبّت وترعرعت لتنفرد فيه، فمعنى قوله «في خدرها» ؛ أي: في سترها، وهو تتميم للفائدة، فإنّ العذراء إذا كانت متربّية في سترها تكون أشدّ حياء؛ لتستّرها حتّى عن كثير من النساء، بخلافها إذا كانت في غير بيتها، لاختلاطها مع غيرها، أو كانت داخلة خارجة، فإنّها حينئذ تكون قليلة الحياء؛ قاله في «جمع الوسائل» .
стр. 1156
وكان إذا كره شيئا.. عرف في وجهه.
وكان ﷺ أشدّ النّاس حياء، لا يثبّت بصره في وجه أحد.
ومحلّ وجود الحياء منه: في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزّنا:
«أنكتها» ؟ لا يكنّي؛ كما في «الصحيح» في «كتاب الحدود» .
ولشدّة حيائه ﷺ كان يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ.
أخرجه البزّار بسند حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قاله الباجوريّ، والزرقاني. زاد البخاري من وجه آخر، و «الشمائل» :
(وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه) لأنّ وجهه كالشمس والقمر، فإذا كره شيئا كسا وجهه ظلّ؛ كالغيم على النّيّرين، فكان لغاية حيائه لا يصرّح بكراهته، بل إنّما يعرف في وجهه، وكذا العذراء في خدرها لا تصرّح بكراهة الشيء، بل يعرف ذلك في وجهها غالبا، وبهذا ظهر وجه ارتباط هذه الجملة بالّتي قبلها. انتهى «مناوي، وملا علي قاري» رحمهما الله تعالى.
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ أشدّ النّاس حياء) . قال في «المواهب» :
قال القرطبي؛ أي: في «شرح مسلم» : الحياء المكتسب: هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به؛ دون الغريزي، غير أنّ من كان فيه غريزة منه؛ فإنّها تعينه على المكتسب حتّى يكاد يكون غريزة؛ قال:
وكان ﷺ قد جمع له النوعان؛ فكان في الغريزي أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
وقال القاضي عياض في «الشّفاء» : وروي عنه ﷺ أنّه كان من حيائه (لا يثبّت) - بضمّ أوّله رباعيّ؛ لا بفتحها ثلاثي، لإيهامه العجز- (بصره) أي:
لا يديم نظره (في وجه أحد) ، ولا يتأمّله لاستيلاء الحياء عليه. فإثبات البصر بمعنى: إطالة النظر من غير تخلّل إغماض الجفن ونحوه؛ حتّى كأنّ بصره صار قارّا في المرئيّ.
стр. 1157
وكان ﷺ يكنّي عمّا اضطرّه الكلام إليه ممّا يكره.
قال السّيوطي: وهذا الحديث ذكره صاحب «الإحياء» ؛ ولم يجده العراقيّ.
انتهى كلام «المواهب» ؛ مع شيء من «الزرقاني» .
(و) في «الإحياء» و «الشفاء» : (كان ﷺ يكنّي) - بضمّ الياء وتشديد النون، أو [يكني] بفتح وتخفيف-؛ أي: يلوّح ولا يصرّح، ويعرّض (عمّا اضطرّه الكلام إليه) أي: عن شيء لا بدّ منه، ولا يسعه السكوت عنه (ممّا يكره) - بصيغة المفعول- أي: مما لا يستحسن التصريح به.
يعني أنّه يورد المعنى القبيح عادة بطريق الكناية، لشدّة حيائه ﷺ ، كقوله:
«حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» رواه البخاري؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، لأنّ الجماع وذكره للمرأة يستحيا منه، وكقوله «خذي فرصة ممسّكة فتطهّري بها» رواه الشيخان؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وكقوله: «فإنّه لا يدري أين باتت يده» حيث لم يقل «فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة في بدنه ... » ونظائر ذلك كثيرة في الأحاديث الصحيحة.
يفعل ذلك تخلّقا بأخلاق ربّه، واقتداء بادابه، إذ قال تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [٤٣/ النساء] ، وقال تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [٢٢٣/ البقرة] .
وهذا فيما إذا علم أنّ السامع يفهم المقصود بالكناية، وإلّا! لكان يصرّح لينتفي اللّبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرّحا به. والله أعلم.
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن بلال بن الحارث المزني، والإمام أحمد بن حنبل، والنّسائي، وابن ماجه- بسند حسن؛ كما في العزيزيّ-: كلّهم عن عبد الرحمن بن أبي فرّاد- بضمّ الفاء وشدّ الراء، بضبط المؤلف؛ يعني:
السيوطي- السّلمي؛ كذا قاله العزيزي على «الجامع الصغير» ، وتعقّبه المناوي بأنّه ليس بصحيح! قال: ففي «التقريب» كأصله: بضمّ القاف وتخفيف الراء- يعني: أبا قراد السّليمي الأنصاريّ- ويقال له: الفاكه. قال:
стр. 1158
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض.
(كان ﷺ إذا أراد الحاجة) بالصحراء (أبعد) بحيث لا يسمع لخارجه صوت؛ ولا يشمّ له ريح؛ ذكره الفقهاء. وقال في «الروض» : لم يبيّن مقدار البعد، وهو مبيّن في حديث ابن السّكن في «سننه» ، أي: وفي «تهذيب الآثار» للطبري، و «الأوسط» و «الكبير» للطبراني؛ أي: بسند جيد؛ كما قاله الوليّ العراقيّ في «شرح أبي داود» بأنّه على ثلثي فرسخ من مكّة، أو نحو ميلين، أو ثلاثة. وفي معنى الإبعاد: اتخاذ الكنف في البيوت، وضرب الحجب، وإرخاء الستور، وإعماق الحفائر ... ونحو ذلك ممّا يستر العورة، ويمنع الرّيح.
قال الولي العراقي: ويلحق بقضاء الحاجة كلّ ما يستحى منه؛ كالجماع، فيندب إخفاؤه، بتباعد أو تستّرّ. وكذا إزالة القاذورات؛ كنتف إبط، وحلق عانة؛ كما نقله والدي؛ يعني: الزين العراقي؛ عن بعضهم. انتهى كلام الوليّ العراقيّ؛ نقله المناوي على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج أبو داود، والتّرمذيّ؛ عن أنس بن مالك، وعن ابن عمر بن الخطاب، والطبرانيّ في «الأوسط» ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم.
قال في العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح.
قال المناوي: وليس بمسلّم!! فقد قال العراقيّ: والحديث ضعيف من جميع طرقه، وقد أورد النّوويّ في «الخلاصة» الحديث في «فصل الضعيف» ، فدلّ على أنّه ضعيف عنده من جميع طرقه!. انتهى.
(كان ﷺ إذا أراد الحاجة) أي: القعود للبول؛ أو الغائط (لم يرفع ثوبه) أي: لم يتمّ رفعه عن عورته، ولفظ رواية أبي داود: حال قيامه، بل يصبر (حتّى يدنو) ؛ أي: يقرب (من الأرض) ، فإذا دنا منها رفعه شيئا فشيئا؛ محافظة على الستر، وهذا الأدب مستحبّ؛ اتفاقا، ومحلّه ما لم يخف تنجّس ثوبه، وإلّا! رفع قدر حاجته.
стр. 1159
وكان ﷺ إذا دخل المرفق.. لبس حذاءه وغطّى رأسه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطّ.
(و) أخرج البيهقيّ، وابن سعد في «الطبقات» ؛ من حديث أبي بكر بن عبد الله؛ عن أبي موسى حبيب بن صالح- ويقال: ابن أبي موسى- الطائي مرسلا.
(كان إذا دخل المرفق) - بكسر الميم وفتح الفاء-: الكنيف (لبس حذاءه) - بكسر الحاء وبالذال المعجمة، وبالمدّ-: نعله صونا لرجله عما قد يصيبها (وغطّى رأسه) حياء من ربّه، لأن هذا المحلّ معدّ لكشف العورة، ولأن تغطية الرّأس حال قضاء الحاجة أجمع لمسامّ البدن، وأسرع لخروج الفضلات، ولاحتمال أن يصل إلى شعره ريح الخلاء ويعلق به، قال أهل الطريق: ويجب كون الإنسان فيما لا بدّ منه من حاجته حييّ خجل مستور. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» - بإسناد فيه مجهول-؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ
- وفي رواية: ما رأيته منه ولا رآه مني- (قطّ) ؛ أي: أبدا.
والمراد أنّه كان من شدّة حيائه لا يمكّنها النظر إلى فرجه، مع احتياطه بفعل ما يوجب امتناعها من رؤيته، إذ المرأة لا تتجرّأ على رؤية عورة زوجها إلّا من استهتاره وعلمها رضاه، مع أنّه يجوز رؤية كلّ واحد من الزوجين فرج الآخر؛ وإن كان مكروها!!
وفي حديث رواه ابن حبّان: «النّظر إلى الفرج يورث الطّمس» ؛ أي:
العمى. فقيل: عمى الناظر. وقيل: عمى أولاده. وقيل: المراد عمى القلب.
стр. 1160
.........
فكان ﷺ لشدّة حيائه لا يكشف عورته عند أحد قطّ، كما ورد: «من كرامتي على الله أنّه لم يطلع لي على عورة أحد قطّ» ، فإنّ عائشة رضي الله تعالى عنها زوجته؛ وأقرب الناس وأحبّهم إليه، وكان يضاجعها وينام عندها، فإذا لم تر ذلك منه ﷺ لزم عدم كشفه عندها، فإذا لم يكشف عندها؛ فبالطريق الأولى عند غيرها.
وقد أخرج البزّار؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ. وإسناده حسن.
وروى ابن الجوزيّ؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان إذا أتى امرأة من نسائه غمّض عينيه وقنّع رأسه، وقال للّتي تحته: «عليك بالسّكينة والوقار» .
وروى أبو صالح؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما أتى رسول الله ﷺ أحدا من نسائه إلّا مقنّعا، يرخي الثوب على رأسه!! وما رأيته من رسول الله ﷺ ولا رآه مني!! أورده ابن الجوزي في كتاب «الوفا» ؛ نقلا عن الخطيب.
خاتمة: أخرج ابن جرير، وأبو نعيم، وغيرهما؛ عن العبّاس قال:
لما بنت قريش البيت افترقت رجلين ... رجلين ... لنقل الحجارة، فكنت أنا وابن أخي نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا النّاس اتّزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمّد ﷺ قدّامي خرّ، فانبطح على وجهه! فجئت؛ فألفيته ينظر إلى السماء!! فقلت: ما شأنك!! فأخذ إزاره، وقال: «نهيت أن أمشي عريانا!!» فقال: اكتمها مخافة أن يقولوا مجنون.
وأخرج أبو نعيم؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أبو طالب يعالج زمزم؛ وكان رسول الله ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره واتقى به.
فقيل لأبي طالب الحق ابنك؛ فقد غشي عليه، فلما أفاق من غشيته سأله