← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وكان إذا كره شيئا.. عرف في وجهه. وكان ﷺ أشدّ النّاس حياء، لا يثبّت بصره في وجه أحد. ومحلّ وجود الحياء منه: في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزّنا: «أنكتها» ؟ لا يكنّي؛ كما في «الصحيح» في «كتاب الحدود» . ولشدّة حيائه ﷺ كان يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ. أخرجه البزّار بسند حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قاله الباجوريّ، والزرقاني. زاد البخاري من وجه آخر، و «الشمائل» : (وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه) لأنّ وجهه كالشمس والقمر، فإذا كره شيئا كسا وجهه ظلّ؛ كالغيم على النّيّرين، فكان لغاية حيائه لا يصرّح بكراهته، بل إنّما يعرف في وجهه، وكذا العذراء في خدرها لا تصرّح بكراهة الشيء، بل يعرف ذلك في وجهها غالبا، وبهذا ظهر وجه ارتباط هذه الجملة بالّتي قبلها. انتهى «مناوي، وملا علي قاري» رحمهما الله تعالى. (و) في «الإحياء» : (كان ﷺ أشدّ النّاس حياء) . قال في «المواهب» : قال القرطبي؛ أي: في «شرح مسلم» : الحياء المكتسب: هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به؛ دون الغريزي، غير أنّ من كان فيه غريزة منه؛ فإنّها تعينه على المكتسب حتّى يكاد يكون غريزة؛ قال: وكان ﷺ قد جمع له النوعان؛ فكان في الغريزي أشدّ حياء من العذراء في خدرها. وقال القاضي عياض في «الشّفاء» : وروي عنه ﷺ أنّه كان من حيائه (لا يثبّت) - بضمّ أوّله رباعيّ؛ لا بفتحها ثلاثي، لإيهامه العجز- (بصره) أي: لا يديم نظره (في وجه أحد) ، ولا يتأمّله لاستيلاء الحياء عليه. فإثبات البصر بمعنى: إطالة النظر من غير تخلّل إغماض الجفن ونحوه؛ حتّى كأنّ بصره صار قارّا في المرئيّ.

стр. 1157

وكان ﷺ يكنّي عمّا اضطرّه الكلام إليه ممّا يكره. قال السّيوطي: وهذا الحديث ذكره صاحب «الإحياء» ؛ ولم يجده العراقيّ. انتهى كلام «المواهب» ؛ مع شيء من «الزرقاني» . (و) في «الإحياء» و «الشفاء» : (كان ﷺ يكنّي) - بضمّ الياء وتشديد النون، أو [يكني] بفتح وتخفيف-؛ أي: يلوّح ولا يصرّح، ويعرّض (عمّا اضطرّه الكلام إليه) أي: عن شيء لا بدّ منه، ولا يسعه السكوت عنه (ممّا يكره) - بصيغة المفعول- أي: مما لا يستحسن التصريح به. يعني أنّه يورد المعنى القبيح عادة بطريق الكناية، لشدّة حيائه ﷺ ، كقوله: «حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» رواه البخاري؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، لأنّ الجماع وذكره للمرأة يستحيا منه، وكقوله «خذي فرصة ممسّكة فتطهّري بها» رواه الشيخان؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وكقوله: «فإنّه لا يدري أين باتت يده» حيث لم يقل «فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة في بدنه ... » ونظائر ذلك كثيرة في الأحاديث الصحيحة. يفعل ذلك تخلّقا بأخلاق ربّه، واقتداء بادابه، إذ قال تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [٤٣/ النساء] ، وقال تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [٢٢٣/ البقرة] . وهذا فيما إذا علم أنّ السامع يفهم المقصود بالكناية، وإلّا! لكان يصرّح لينتفي اللّبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرّحا به. والله أعلم. (و) أخرج ابن ماجه؛ عن بلال بن الحارث المزني، والإمام أحمد بن حنبل، والنّسائي، وابن ماجه- بسند حسن؛ كما في العزيزيّ-: كلّهم عن عبد الرحمن بن أبي فرّاد- بضمّ الفاء وشدّ الراء، بضبط المؤلف؛ يعني: السيوطي- السّلمي؛ كذا قاله العزيزي على «الجامع الصغير» ، وتعقّبه المناوي بأنّه ليس بصحيح! قال: ففي «التقريب» كأصله: بضمّ القاف وتخفيف الراء- يعني: أبا قراد السّليمي الأنصاريّ- ويقال له: الفاكه. قال:

стр. 1158

وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد. وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض. (كان ﷺ إذا أراد الحاجة) بالصحراء (أبعد) بحيث لا يسمع لخارجه صوت؛ ولا يشمّ له ريح؛ ذكره الفقهاء. وقال في «الروض» : لم يبيّن مقدار البعد، وهو مبيّن في حديث ابن السّكن في «سننه» ، أي: وفي «تهذيب الآثار» للطبري، و «الأوسط» و «الكبير» للطبراني؛ أي: بسند جيد؛ كما قاله الوليّ العراقيّ في «شرح أبي داود» بأنّه على ثلثي فرسخ من مكّة، أو نحو ميلين، أو ثلاثة. وفي معنى الإبعاد: اتخاذ الكنف في البيوت، وضرب الحجب، وإرخاء الستور، وإعماق الحفائر ... ونحو ذلك ممّا يستر العورة، ويمنع الرّيح. قال الولي العراقي: ويلحق بقضاء الحاجة كلّ ما يستحى منه؛ كالجماع، فيندب إخفاؤه، بتباعد أو تستّرّ. وكذا إزالة القاذورات؛ كنتف إبط، وحلق عانة؛ كما نقله والدي؛ يعني: الزين العراقي؛ عن بعضهم. انتهى كلام الوليّ العراقيّ؛ نقله المناوي على «الجامع الصغير» . (و) أخرج أبو داود، والتّرمذيّ؛ عن أنس بن مالك، وعن ابن عمر بن الخطاب، والطبرانيّ في «الأوسط» ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم. قال في العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح. قال المناوي: وليس بمسلّم!! فقد قال العراقيّ: والحديث ضعيف من جميع طرقه، وقد أورد النّوويّ في «الخلاصة» الحديث في «فصل الضعيف» ، فدلّ على أنّه ضعيف عنده من جميع طرقه!. انتهى. (كان ﷺ إذا أراد الحاجة) أي: القعود للبول؛ أو الغائط (لم يرفع ثوبه) أي: لم يتمّ رفعه عن عورته، ولفظ رواية أبي داود: حال قيامه، بل يصبر (حتّى يدنو) ؛ أي: يقرب (من الأرض) ، فإذا دنا منها رفعه شيئا فشيئا؛ محافظة على الستر، وهذا الأدب مستحبّ؛ اتفاقا، ومحلّه ما لم يخف تنجّس ثوبه، وإلّا! رفع قدر حاجته.

стр. 1159

وكان ﷺ إذا دخل المرفق.. لبس حذاءه وغطّى رأسه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطّ. (و) أخرج البيهقيّ، وابن سعد في «الطبقات» ؛ من حديث أبي بكر بن عبد الله؛ عن أبي موسى حبيب بن صالح- ويقال: ابن أبي موسى- الطائي مرسلا. (كان إذا دخل المرفق) - بكسر الميم وفتح الفاء-: الكنيف (لبس حذاءه) - بكسر الحاء وبالذال المعجمة، وبالمدّ-: نعله صونا لرجله عما قد يصيبها (وغطّى رأسه) حياء من ربّه، لأن هذا المحلّ معدّ لكشف العورة، ولأن تغطية الرّأس حال قضاء الحاجة أجمع لمسامّ البدن، وأسرع لخروج الفضلات، ولاحتمال أن يصل إلى شعره ريح الخلاء ويعلق به، قال أهل الطريق: ويجب كون الإنسان فيما لا بدّ منه من حاجته حييّ خجل مستور. انتهى «مناوي» . (و) أخرج الترمذي في «الشمائل» - بإسناد فيه مجهول-؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ - وفي رواية: ما رأيته منه ولا رآه مني- (قطّ) ؛ أي: أبدا. والمراد أنّه كان من شدّة حيائه لا يمكّنها النظر إلى فرجه، مع احتياطه بفعل ما يوجب امتناعها من رؤيته، إذ المرأة لا تتجرّأ على رؤية عورة زوجها إلّا من استهتاره وعلمها رضاه، مع أنّه يجوز رؤية كلّ واحد من الزوجين فرج الآخر؛ وإن كان مكروها!! وفي حديث رواه ابن حبّان: «النّظر إلى الفرج يورث الطّمس» ؛ أي: العمى. فقيل: عمى الناظر. وقيل: عمى أولاده. وقيل: المراد عمى القلب.

стр. 1160

......... فكان ﷺ لشدّة حيائه لا يكشف عورته عند أحد قطّ، كما ورد: «من كرامتي على الله أنّه لم يطلع لي على عورة أحد قطّ» ، فإنّ عائشة رضي الله تعالى عنها زوجته؛ وأقرب الناس وأحبّهم إليه، وكان يضاجعها وينام عندها، فإذا لم تر ذلك منه ﷺ لزم عدم كشفه عندها، فإذا لم يكشف عندها؛ فبالطريق الأولى عند غيرها. وقد أخرج البزّار؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ. وإسناده حسن. وروى ابن الجوزيّ؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان إذا أتى امرأة من نسائه غمّض عينيه وقنّع رأسه، وقال للّتي تحته: «عليك بالسّكينة والوقار» . وروى أبو صالح؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما أتى رسول الله ﷺ أحدا من نسائه إلّا مقنّعا، يرخي الثوب على رأسه!! وما رأيته من رسول الله ﷺ ولا رآه مني!! أورده ابن الجوزي في كتاب «الوفا» ؛ نقلا عن الخطيب. خاتمة: أخرج ابن جرير، وأبو نعيم، وغيرهما؛ عن العبّاس قال: لما بنت قريش البيت افترقت رجلين ... رجلين ... لنقل الحجارة، فكنت أنا وابن أخي نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا النّاس اتّزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمّد ﷺ قدّامي خرّ، فانبطح على وجهه! فجئت؛ فألفيته ينظر إلى السماء!! فقلت: ما شأنك!! فأخذ إزاره، وقال: «نهيت أن أمشي عريانا!!» فقال: اكتمها مخافة أن يقولوا مجنون. وأخرج أبو نعيم؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أبو طالب يعالج زمزم؛ وكان رسول الله ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره واتقى به. فقيل لأبي طالب الحق ابنك؛ فقد غشي عليه، فلما أفاق من غشيته سأله

стр. 1161

وأمّا مزاح رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ يمزح مع النّساء والصّبيان وغيرهم، أبو طالب؛ فقال: «أتاني آت عليه ثياب بيض» ؛ فقال لي استتر. قال ابن عبّاس: فكان أوّل شيء رآه من النبوة أن قيل له «استتر» . فما رؤيت عورته من يومئذ. انتهى؛ من «شرح الخفاجي على الشفا» وشروح «الشمائل» : المناوي؛ وعلي قاري؛ والباجوري رحمهم الله تعالى. آمين. (وأمّا مزاح رسول الله ﷺ ! فقد) ورد بيانه في الأحاديث الآتية، ففي «كشف الغمّة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ يمزح) أحيانا (مع النّساء) ؛ تلطّفا بهنّ، (والصّبيان) ؛ تأنيسا لهم، (و) مع (غيرهم) من أصحابه بالقول والفعل؛ جبرا لقلوبهم وتأنيسا لهم، لأن الناس مأمورون بالتأسّي به والاقتداء بهديه، فلو ترك الطلاقة والبشاشة ولزم العبوس؛ لأخذ الناس أنفسهم بذلك! على ما في مخالفة الغريزة من المشقّة والعنا!! فمزح ليمزحوا؛ قاله ابن قتيبة. وقال الخطّابي: سئل بعض السلف عن مزاحه ﷺ ؛ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط للناس بالدّعابة، وهو مع ذلك سرّه في الملكوت يجول حيث أراد الله تعالى به. ولا يخالف هذا قوله ﷺ : «لست من دد ولا الدّد منّي» أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» ، والبيهقيّ عن أنس ﵁، والطبرانيّ في «الكبير» ؛ عن معاوية ﵁. ودد- بفتح الدال الأولى؛ وكسر الثانية- أي: لست من أهل اللهو واللّعب، ولا هما منّي. ومعنى تنكير الدّد في الأول: الشياع والاستغراق، وألايبقى شيء منه إلّا وهو منزّه عنه؛ أي: ما أنا في شيء من اللهو واللعب، وتعريفه في الجملة الثانية!! لأنّه صار معهودا بالذكر، كأنّه قال: ولا ذلك النوع، وإنما لم يقل

стр. 1162

ولا يقول إلّا حقّا. وكان ﷺ من أفكه النّاس مع صبيّ. وكان ﷺ إذا مزح.. غضّ بصره. وكان ﷺ فيه دعابة قليلة. «ولا هو مني» !! لأن الصريح آكد وأبلغ. وقد رواه الطبرانيّ أيضا والبزار، وابن عساكر؛ عن أنس بزيادة: «ولست من الباطل، ولا الباطل منّي» . انتهى. لأنّ المنفيّ ما كان بباطل ومجرّد لهو ولعب؛ وهو ﷺ في مزاحه صادق؛ كما قال: (ولا يقول إلّا حقّا) ، فلا ينافي الكمال حينئذ، بل هو من توابعه وتتمّاته لجريه على القانون الشرعي. فمن زعم تناقض الحديثين من الفرق الزايغة! فقد ضل؛ قاله الزرقاني على «المواهب» . وحديث «المتن» رواه الإمام أحمد؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، مع تغيير يسير في اللفظ، وهو عند الترمذي بلفظ: قالوا: إنّك تداعبنا! قال: «إنّي لا أقول إلّا حقّا» . وسيأتي في المتن إن شاء الله تعالى. (و) أخرج الطبرانيّ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه: (كان ﷺ من أفكه النّاس) أي: من أمزحهم (مع صبيّ) - وقد تقدّم-. (وكان ﷺ إذا مزح غضّ بصره) . لم أقف عليه!. (و) أخرج الخطيب وابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ فيه دعابة) - بضمّ الدال وتخفيف العين المهملتين، وبعد الألف موحّدة (قليلة) أي: مزاح يسير للتشريع. قال في «المواهب» : الدّعابة هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره؛

стр. 1163

وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «يا ذا الأذنين» ؛ يعني: يمازحه. كالمداعبة الفعلية؛ كمجّه محمود بن الربيع، واحتضانه زاهرا. انتهى مع «شرح الزرقاني» . قال المناوي في «كبيره» : قال ابن عربي: وسبب مزاحه أنّه كان شديد الغيرة، فإنّه وصف نفسه بأنّه أغير من سعد؛ بعد ما وصف سعدا بأنه غيور، فأتى بصيغة المبالغة، والغيرة من نعت المحبّة؛ وهم لا يظهرونها، فستر محبّته وماله من الوجد فيه بالمزاح وملاعبته للصغير، وإظهار حبّه فيمن أحبّه؛ من أزواجه وأبنائه وأصحابه!! وقال: «إنّما أنا بشر» ، فلم يجعل نفسه أنّه من المحبّين، فجهلوا طبيعته وتخيّلت أنّه معها لمّا رأته أنّه يمشي في حقّها ويؤثرها، ولم تعلم أنّ ذلك عن أمر محبوبه إيّاه بذلك!. وقيل: إنّ محمدا ﷺ يحبّ عائشة والحسنين. وترك الخطبة يوم العيد ونزل إليهما لما رآهما يعثران في أذيالهما. وهذا كلّه من باب الغيرة على المحبوب أن تنتهك حرمته، وهكذا ينبغي أن يكون تعظيما للجناب الأقدس أن يعشق. انتهى. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» قال: حدّثنا محمود بن غيلان؛ قال: حدّثنا أبو أسامة؛ عن شريك؛ عن عاصم الأحول. (عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له) أي لأنس (: «يا ذا الأذنين» ) - بضمّ الذال المعجمة، وتسكن- أي: يا صاحب الأذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتاه، وصفه به مدحا له؛ لذكائه وفطنته وحسن استماعه، لأنّ من خلق الله له أذنين سميعتين كان أوعى لحفظه ووعيه جميع ما يسمعه، ولما كان ذلك لا يوجب كون الكلام ممازحة؛ قال محمود: (يعني) أي: يريد ﷺ بقوله: «يا ذا الأذنين» (يمازحه) أي: مزاحه من قبيل ذكر الفعل وإرادة المصدر، من قبيل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» ، ومنه قوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً [٢٤/ الروم] .

стр. 1164

وعن أنس أيضا قال: إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟» . وإنّما كان ذلك مزاحا مع كونه معناه صحيحا يقصد بالإفادة!! لأن في التعبير عنه ب «ذا الأذنين» مباسطة وملاطفة؛ حيث سمّاه بغير اسمه، فهو من جملة مزحه ولطيف أخلاقه ﷺ ، كما قال للمرأة عن زوجها: «ذاك الّذي في عينيه بياض» !!. (و) أخرج البخاريّ في «الأدب» ، ومسلم، والترمذي في «الجامع» في «الصلاة» ، وفي «الشمائل» أيضا، وهذا لفظها: (عن أنس أيضا؛ قال: «إن) - مخفّفة من الثقيلة، بدليل دخول اللام في خبرها، واسمها ضمير الشّأن محذوف، أي: أنّه (كان رسول الله ﷺ ليخالطنا) بالملاطفة وطلاقة الوجه والمزاح؛ قاله القسطلّانيّ في «المواهب» . وقال شرّاح «الشمائل» : ليخالطنا: يمازحنا، ففي «القاموس» : خالطه مازحه، والمراد أنس وأهل بيته (حتّى) للغاية، أي: انتهت مخالطته لنا إلى الصغير من أهلنا ومداعبته والسؤال عن طيره (يقول لأخ لي) من أمّي «أمّ سليم» ؛ يقال له «أبو عمير» بن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري. وكان اسمه عبد الله؛ فيما جزم به أبو أحمد الحاكم، أو حفص؛ كما عند ابن الجوزي، وهو الذي حقّقه الحافظ ابن حجر في «الفتح» . وقال: هو وارد على من صنّف في «الصحابة» وفي «المبهمات» !! انتهى. وقيل: اسمه «كبشة» ؛ كما في «جامع الأصول» !! ومات في حياة النبي ﷺ . والمعروف أنّ عبد الله هو أخوه الذي حملت به أمه عند وفاته؛ وهو صاحب الليلة المباركة!! ففي مسلم؛ عن أنس: أنّ ابنا لأبي طلحة مات ... فذكر قصّة موته، وأنهّا قالت لأبي طلحة: هو أسكن ممّا كان. وبات معها، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ؛ فقال: «بارك الله لكما في ليلتكما» . فأتت بعبد الله بن أبي طلحة؛ فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله الفقيه، وإخوة إسحاق كانوا عشرة، كلّهم حمل عنه العلم. (: «يا أبا عمير) - بضم العين وفتح الميم؛ مصغّرا- (ما فعل النّغير؟!» )

стр. 1165

قال أبو عيسى التّرمذيّ: وفقه هذا الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح. وفيه: أنّه كنّى غلاما صغيرا فقال له: «يا أبا عمير» . وفيه: أنّه لا بأس أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به- أي: لعبا لا عذاب فيه ... - بضمّ النون وفتح الغين المعجمة؛ تصغير النّغر، كالرّطب-: وهو طائر صغير كالعصفور أحمر المنقار؛ أي ما شأنه وحاله!! فباسطه بذلك ليسلّيه حزنه عليه؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، فيفرح بمكالمة المصطفى ﷺ ، ويرتاح لها ويفتخر؛ ويقول لأهله: كلّمني وسألني!! فيشتغل باغتباطه بذلك عن حزنه فيسلى ما كان. (قال) الإمام الحافظ (أبو عيسى) محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) في «الشمائل» (: وفقه هذا الحديث) أي: المسائل الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: (أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح) ؛ أي: لمصلحة تطييب نفس المخاطب، ومؤانسته وملاطفته ومداعبته، وذلك من كمال خلقه ومكارم أخلاقه، وتواضعه ولين جانبه؛ حتّى مع الصبيان، وسعة صدره، وحسن معاشرته للناس. (وفيه) أي: وفي هذا الحديث من الفوائد: (أنّه كنّى غلاما صغيرا؛ فقال له: «يا أبا عمير» ) وهو لا بأس به، لأنّ الكنية قد تكون للتفاؤل بأنّه يعيش ويصير أبا، لكونه يولد له. فاندفع ما يقال «إنّ في ذلك جعل الصغير أبا لشخص؛ وهو ظاهر الكذب» !!. (وفيه) ؛ أي: وفي الحديث أيضا من الفوائد: (أنّه لا بأس) ؛ أي: لا حرج (أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به؛ أي: لعبا لا عذاب فيه) . هذا إشارة إلى جواب ما استشكل بأن إعطاء الصغير الطير ليلعب به تعذيب له، وقد صحّ النهي عنه؟!.

стр. 1166

- وإلّا.. حرم تمكينه منه؛ للنّهي عن تعذيب الحيوان. وإنّما قال له النّبيّ ﷺ : «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .. لأنّه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النّبيّ ﷺ فقال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» . وحاصل الجواب: أن التعذيب غير محقّق، بل ربّما يراعيه فيبالغ في إكرامه وإطعامه لإلفه، وهذا إن قامت قرينة على أنّ الصبي لا يعذّبه، بل يلعب به لعبا لا عذاب فيه، ويقوم بمؤنته على الوجه اللائق، فيجوز تمكينه منه حينئذ. (وإلّا) بأن كان غير مميّز، أو قاسي القلب جافي الطّبع؛ دلّت القرينة على أنه يعذّبه؛ (حرم تمكينه منه) ، وذلك (للنّهي عن تعذيب الحيوان) ، فما في الحديث منزّل على القسم الأوّل. فائدة: قال ابن خلّكان في «تاريخه» : إن الإمام الزمخشريّ كانت إحدى رجليه ساقطة؛ أي أعرج، وكان يمشي في جارن خشب، وكان سبب سقوطها دعاء والدته عليه. قال الزمخشري: كنت في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله؛ فأفلت من يدي فأدركته؛ وقد دخل في خرق؛ فجذبته، فانقطعت رجله في الخيط. فقالت والدتي: قطع الله رجلك- الأبعد- كما قطعت رجله. قال: فلما وصلت إلى سنّ الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابّة فانكسرت رجلي، وعملت عليّ عملا أوجب قطعها. والله أعلم بالصّحة. انتهى كلام ابن خلّكان بتصرّف. (وإنّما قال له النّبيّ ﷺ ؛ أي للغلام (: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟!» ؛ لأنّه كان له نغير يلعب) : يتلهّى (به، فمات، فحزن الغلام عليه) ؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، (فمازحه) ؛ أي: باسطه (النّبيّ ﷺ ، فقال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» ) ليسلّيه، ويذهب حزنه عليه، لأنّه يفرح بمكالمة

стр. 1167

و (النّغير) : طائر كالعصفور، أحمر المنقار. النبي ﷺ له؛ فيذهب حزنه بسبب فرحه. (والنّغير) تصغير نغر- بضمّ النون وفتح الغين-: (طائر) صغير (كالعصفور أحمر المنقار) ، وأهل المدينة يسمّونه «البلبل» ، وقيل: طائر له صوت. وقيل: هو العصفور. وقيل غير ذلك. والرّاجح الأوّل. قال شيخ مشايخنا العلّامة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى في «زاد المسلم» في الجزء الرابع صفحة ١٦٥: وهذا الحديث فيه فوائد جمّة جمعها أبو العبّاس ابن القاصّ: أحمد بن أبي أحمد الطبري صاحب التصانيف من الشافعية في جزء مفرد، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم الرّازيّ أحد أئمة الحديث، ثم التّرمذيّ في «الشمائل» ، أشار لبعض فوائده المأخوذة منه، ثمّ الخطّابيّ إلى غير هؤلاء ممّن جمع فوائده. قال الإمام النّوويّ في «شرح مسلم» عند ذكره ما نصّه: وفي هذا الحديث فوائد كثيرة جدّا؛ منها: ١- جواز تكنية من لم يولد له، و ٢- تكنية الطفل، و ٣- أنّه ليس كذبا، و ٤- جواز المزاح فيما ليس إثما، و ٥- جواز تصغير بعض المسمّيات، و ٦- جواز لعب الصبي بالعصفور، و ٧- تمكين الوليّ إيّاه من ذلك، و ٨- جواز السجع بالكلام الحسن بلا كلفة، و ٩- ملاطفة الصبيان وتأنيسهم، و ١٠- بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل، لأن أمّ سليم والدة أبي عمير هي من محارمه ﷺ كما سبق بيانه. واستدلّ به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة، وقد سبقت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في كتاب الحج المصرّحة بتحريم صيد حرم المدينة، فلا يجوز تركها بمثل هذا، ولا معارضتها به. والله أعلم! انتهى بلفظه. وأخذ منه بعضهم جواز حبس الطيور في الأقفاص، وكان الشيخ أبو القاسم بن

стр. 1168

......... زيتون ﵁ يحبسها في القفص، فإذا انقضى لها سنة أخرجها وسرّحها. ووجه الأخذ من الحديث أنّ حبسها في القفص أخفّ من اللّعب بها. انتهى. وأقول: قد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد كثيرة؛ وهو من الأحاديث التي كنت مصمّما على إشباع الكلام عليها، لأن كثرة معاني هذه الجملة الموجزة من أعلام نبوّة رسول الله ﷺ . وقد قال الشيخ جسّوس والمناوي والقاري وغيرهم في «شرح الشمائل» ؛ عند هذا الحديث: إنّ فوائده تزيد على المائة، وقد أفردها ابن القاصّ بجزء. وقد قال الإمام تاج الدين بن عطاء الله- نفعنا الله به- في كتاب «التنوير» ؛ لمّا تكلّم على حديث «اتّقوا الله؛ وأجملوا في الطّلب» : وذكر أنّ فيه عشرة أوجه ما حاصله أنّه ليس القصد الحصر، بل أوسع من ذلك، لأنه كلام صاحب الأنوار المحيطة، فلا يأخذ الآخذ منه إلّا على حسب نوره، ولا يحصّل من جواهر بحره إلّا على قدر غوصه، وكلّ يفهم على حسب المقام الذي أقيم فيه يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [٤/ الرعد] وما لم يأخذوا أكثر مما أخذوا، وقد قال ﵊: «أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا» !!. فلو عبّر العلماء بالله أبد الآباد عن أسرار الكلمة الواحدة من كلامه؛ لم يحيطوا بها علما، ولم يقدروا لها فهما!! حتّى قال بعضهم: عملت بحديث واحد سبعين عاما؛ وما فرغت منه، وهو قوله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . وصدق ﵁ لو مكث عمر الدنيا أجمع، وأبد الآباد لم يفرغ من حقوق هذا الحديث، وما أودع فيه من غرائب العلوم وأسرار الفهوم. انتهى. وناهيك أنّ الله تعالى آتاه علم الأولين والآخرين ومنحه من الحكمة ما لم يمنحه أحدا من العالمين!!، فما من عالم ضربت إليه أكباد الإبل في أشتات العلوم العقلية

стр. 1169

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا، فقال: «نعم، غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» . والنقلية؛ ممّن تقدّم أو تأخّر؛ إلّا وكلام المصطفى ﷺ له قدوة. وإشارته له حجّة؛ دون تعلّم منه ﷺ ؛ ولا مدارسة ولا مطالعة كتب من تقدّم، ولا جلوس مع علمائها: كفاك بالعلم في الأمّيّ معجزة ... في الجاهليّة والتّأديب في اليتم انتهى. قال مقيّده رحمه الله تعالى: ومن أوسع ما وقفت عليه مجموعا من فوائد هذا الحديث المستنبطة منه في محلّ واحد ما جمعه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» عند شرحه في «باب الكنية للصبي» ؛ وقبل أن يولد للرجل في «كتاب الأدب» . انتهى. وساق في شرح «زاد المسلم» كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بطوله؛ فليراجعه من أراده. (و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الجامع» وحسّنه وفي «الشمائل» - وهذا لفظها- (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال) أي: أبو هريرة (: قالوا) ؛ أي: الصحابة مستفهمين (: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا) - بدال وعين مهملتين- أي: تمازحنا بما يستملح، وقد نهيت عن المزاح، فهل المداعبة خاصّة بك!! (فقال: «نعم) ، أداعب (غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» ) فمن حافظ على قول الحقّ وتجنّب الكذب وأبقى المهابة والوقار فله ذلك، بل هو سنّة كما مرّ!! ومن داوم عليها؛ أو أكثر منها، أو اشتمل مزاحه على كذب، أو أسقطت مهابته!! فلا. وقد كان مزاح المصطفى ﷺ على سبيل النّدور؛ لمصلحة من نحو مؤانسة، أو تألّف لما كانوا عليه من تهيّب الإقدام عليه، فكان يمازح تخفيفا عليهم، لما ألقي

стр. 1170

وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا ... عليه من المهابة والجلال؛ سيّما عقب التجلّيات السّبحانية، ومن ثمّ كان لا يخرج إليهم قبل الفجر إلّا بعد الاضطجاع بالأرض؛ أو مكالمة بعض نسائه، إذ لو خرج إليهم عقب المناجات الفردانية والفيوضات الرحمانية؛ لما استطاع أحد منهم لقيّه. وما ورد عنه ﷺ من النهي عن المداعبة؛ كقوله: «لا تمار أخاك ولا تمازحه، ولا تعده موعدا فتخلفه» رواه الترمذي!. محمول على الإفراط، لما فيه من الشّغل عن ذكر الله تعالى، وعن التفكّر في مهمات الدين وغير ذلك؛ كقسوة القلب، وكثرة الضحك، وذهاب ماء الوجه، بل كثيرا ما يورث الإيذاء والحقد والعداوة، وجراءة الصغير على الكبير، وقد قال سيّدنا عمر بن الخطاب: من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استخفّ به. أسنده العسكري، ولذا قيل: فإيّاك إيّاك المزاح فإنّه ... يجرّي عليك الطّفل والرّجل النّذلا ويذهب ماء الوجه من كلّ سيّد ... ويورثه من بعد عزّته ذلّا والذي يسلم من ذلك بأن لا يؤدّي إلى حرام؛ ولا مكروه: هو المباح المستوي الطرفين على الأصحّ، فإن صادف المباح مصلحة؛ مثل تطييب نفس المخاطب، كما كان هو فعله ﵊!! فهو مستحبّ. قاله القسطلّانيّ في «المواهب» مع الشرح. وقال المناوي في «شرح الشمائل» : ما سلم من المحذور، فهو بشرطه مندوب لا مباح؛ وفاقا للصدر المناوي، وخلافا للعصام. إذ الأصل في أفعاله ﷺ وأقواله وجوب أو ندب الاقتداء به فيها؛ إلّا لدليل يمنع؛ ولا مانع هنا!!. انتهى. (و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «الجامع» وصحّحه، وفي «الشمائل» واللفظ لها، والبخاريّ في «الأدب المفرد» : كلهم؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا) كان به بله؛ أي: عدم اهتمام بأمر

стр. 1171

استحمل رسول الله ﷺ ، فقال: «إنّي حاملك على ولد ناقة» ، فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟! فقال: «وهل تلد الإبل إلّا النّوق؟!» . الدنيا وتأمّل في معاني الألفاظ حتّى حمل الكلام على المتبادر، من أن المراد بالبنوّة الصغير فليس هو صفة ذمّ هنا، فهو كقوله في الحديث: «أكثر أهل الجنّة البله» . أي: في أمر الدنيا لقلّة اهتمامهم بها؛ وهم أكياس في أمر الآخرة، وللبله إطلاقات؛ منها هذا، وعدم التمييز وضعف العقل والحمق وسلامة الصدر، ولكلّ مقام مقال: (استحمل رسول الله ﷺ أي: سأله أن يحمله، والمراد: طلب منه أن يركبه على دابّة، (فقال) أي: رسول الله ﷺ مباسطا له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك، والظنّ- بل الجزم- أنّه حصل له الشفاء بتلك المداعبة قائلا (: «إنّي حاملك) أي: مريد حملك (على ولد ناقة» ) فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوّة. (فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟!) توهما أن المراد ب «ولد الناقة» الصغير، لكونه المتبادر من الإضافة؛ ومن التعبير ب «الولد» . (فقال) أي: رسول الله ﷺ (: «وهل تلد الإبل) - بالنصب مفعول مقدّم- والإبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو بكسرتين، وسمع [الإبل] تسكين الباء للتخفيف، ولم يجيء من الأسماء على فعل- بكسرتين- إلّا الإبل والحبر (إلّا النّوق» ؟!) - بالرفع فاعل مؤخّر- فالإبل؛ ولو كبارا أولاد الناقة، فيصدق «ولد الناقة» بالكبير والصغير، فكأنّه يقول لو تدبّرت وتأمّلت اللفظ لم تقل ذلك!! ففيه مع المباسطة الإيماء إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنّه ينبغي له إذا سمع قولا أن يتأمّله، ولا يبادر بردّه إلّا بعد أن يدرك غوره، ولا يسارع إلى ما تقتضيه الصورة. والنّوق- بضمّ النون- جمع ناقة؛ وهي أنثى الإبل. وقال أبو عبيدة: لا تسمّى

стр. 1172

وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية- وكان اسمه زاهرا- وكان يهدي إلى النّبيّ ﷺ هديّة من البادية، فيجهّزه النّبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ زاهرا باديتنا؛ ... ناقة حتّى تجذع. انتهى «باجوري، ومناوي» رحمهما الله تعالى. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية) خلاف الحاضرة، والنسبة إليها بدوي؛ على غير قياس. (وكان اسمه زاهرا) بالتنوين؛ وهو ابن حرام- ضدّ حلال- الأشجعي، شهد بدرا. (وكان يهدي) - بضمّ الياء بصيغة المعلوم، والإهداء؛ وهو: البعث بشيء إلى الغير إكراما، فهو هديّة- بالتشديد- لا غير (إلى النّبيّ ﷺ هديّة) حاصلة (من البادية) أي: بما يوجد بها من ثمار ونبات وغيرهما، لأنّها تكون مرغوبة عزيزة عند أهل الحضر، وكان ﷺ يقبلها منه، لأنّ من عادته قبول الهديّة، بخلاف العمّال بعده!! فلا يجوز لهم قبولها إلّا ما استثني في محلّه. (فيجهّزه) - بضمّ المثنّاة التحتيّة وفتح الجيم وتشديد الهاء وآخره زاي- قال في «المصباح» : جهاز السّفر أهبته، وما يحتاج إليه في قطع المسافة- بالفتح، والكسر لغة قليلة- أي: يعطيه (النّبيّ ﷺ ما يتجّهز به إلى أهله مما يعينه على كفايتهم والقيام بكمال معيشتهم، (إذا أراد أن يخرج) ويذهب إلى أهله؛ مكافأة له على هديته. (فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ زاهرا باديتنا) ؛ أي: ساكن باديتنا؛ فهو على تقدير مضاف، لأنّ البادية خلاف الحاضرة- كما تقدّم- فلا يصحّ الإخبار إلّا بتقدير مضاف، أو هو من إطلاق اسم المحلّ على الحال؛ أي: نستفيد منه ما يستفيد

стр. 1173

ونحن حاضرته» ، وكان ﷺ يحبّه، وكان رجلا دميما، فأتاه النّبيّ ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه ... الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النبات، فصار كأنّه باديتنا. فالتاء على هذين الوجهين للتأنيث لأنّه الأصل، ويحتمل أن التاء للمبالغة، والأصل بادينا؛ أي: البادي المنسوب إلينا، لأنّا إذا احتجنا متاع البادية جاء به إلينا؛ فأغنانا عن السّفر إليها. قيل: وهو أظهر، والضمير لأهل بيت النبوة، أو أتي به للتعظيم. ويؤيّد الأوّل ما في «جامع الأصول» ؛ من قوله ﷺ : «إنّ لكلّ حاضر بادية، وبادية آل محمّد زاهر بن حرام» . (ونحن) أي: أهل بيت النبوة، أو ضمير الجمع للتعظيم- كما مرّ في الذي قبله- (حاضرته» ) ؛ أي: يصل إليه منا ما يحتاج إليه مما في الحاضرة، أو لا يقصد بمجيئه إلى الحضر إلّا مخالطتنا. وتوقّف بعضهم في الأوّل ب «أن المنعم لا يليق به ذكر إنعامه» !! منع بأنّه ليس من ذكر المنّ بالإنعام في شيء، بل إرشاد للأمّة إلى مقابلة الهديّة بمثلها؛ أو أفضل منها، لأنّه ﷺ كان يكافيء عليها كما هو عادته، على أنه ﷺ مستثنى ممّن يحرم عليه المنّ. انتهى. «باجوري» وزرقاني على «المواهب» . (وكان) النّبيّ ﷺ يحبّه) ، يؤخذ منه جواز حبّ أهل البادية، وجواز الإخبار بمحبّة من يحبّك، (وكان رجلا دميما) - بالدال المهملة- أي: قبيح الوجه، كريه المنظر؛ مع كونه مليح السريرة، فلا التفات إلى الصورة، كما في الحديث: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . (فأتاه النّبيّ ﷺ يوما) ؛ أي: إلى السوق. وفيه جواز دخول السّوق وحسن المخالطة، (وهو) أي: والحال أنّه (يبيع متاعه) ؛ وهو: كلّ ما يتمتع به من نحو طعام وبرّ وأثاث بيت.

стр. 1174

فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النّبيّ ﷺ ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النّبيّ ﷺ حين عرفه، ... وأصله: ما يتبلّغ به من الزاد، ومتاع زاهر في ذلك الحين كان قربة لبن، وقربة سمن؛ كما في رواية. (فاحتضنه) أي: أدخله في حضنه؛ وهو: ما دون الإبط إلى الكشح- بزنة فلس-: ما بين الخاصرة إلى الضلع (من خلفه) أي: جاء من ورائه؛ وأدخل يديه تحت إبطيه. (وهو) أي: والحال أنّه (لا يبصره) أي: لا يراه ببصره. وذلك بعد أن جاء من أمامه وفتح إحدى القربتين، فأخذ منها على إصبعه، ثمّ قال له: «أمسك القربة» ، ثم فعل بالقربة الآخرى كذلك، ثم غافله وجاء من خلفه واعتنقه، وأخذ عينيه بيديه كي لا يعرفه. ويؤخذ من ذلك جواز اعتناق من تحبّه من خلفه؛ وهو لا يبصر. (فقال: من هذا؟!) أي: المحتضن؟ (أرسلني) - بصيغة الأمر- أي خلّني، وأطلقني، فالإرسالة: التخلية والاطلاق (فالتفت) أي: ببعض بصره ورأى بطرفه محبوبه. (فعرف النّبيّ) - القياس: فعرف أنّه النبيّ- ﷺ فجعل لا يألو) ، أي: لا يترك ولا يقصّر (ما) : مصدرية (ألصق ظهره) : أي شرع لا يقصر في إلصاق ظهره (بصدر النّبيّ ﷺ تبرّكا به، وتلذّذا، وتحصيلا لثمرات ذلك الإلصاق من الكمالات الناشئة عنه (حين عرفه) . ذكره مع علمه من قوله «فعرف النّبيّ ﷺ » !! اهتماما بشأنه، وإيماء إلى أن منشأ هذا الإلصاق ليس إلّا معرفته.

стр. 1175

فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد؟» ، فقال: يا رسول الله؛ إذن والله تجدني كاسدا، فقال النّبيّ ﷺ : «لكن عند الله لست بكاسد» ، أو قال: «أنت عند الله غال» ... (فجعل) أي: شرع (النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد!؟» ) أي: من يشتري مثل هذا العبد في الدّمامة، أو من يستبدله منّي بأن يأتي بمثله، فلما فعل ذلك معه ملاطفة نزّله منزلة العبد. ويؤخذ من ذلك جواز رفع الصوت بالعرض على البيع، وجواز تسمية الحرّ عبدا، ومداعبة الأعلى مع الأدنى. (فقال) أي زاهر (: يا رسول الله؛ إذن) ؛ واقعة في جواب شرط محذوف. أي: إن بعتني على فرض كوني عبدا إذن (والله تجدني كاسدا) رخيصا، لا يرغب فيّ أحد لدمامتي وقبح منظري. (فقال النّبيّ ﷺ ؛ أي: مدحا له. ويؤخذ جواز مدح الصّديق بما يناسبه (: «ولكن عند الله لست بكاسد» ) أي: لكونك حسن السريرة؛ وإن كنت دميما في الظاهر (أو) شكّ من الراوي (قال: «أنت عند الله غال» ) - بغين معجمة- وهو ضدّ الكاسد، وذلك ببركة محبّته ﷺ . وقد تضمّن هذا الحديث حكما عليّة وأسرارا جليّة، لأنّه لمّا أتاه المصطفى ﷺ وجده مشغوفا ببيع متاعه، فأشفق عليه أن يقع في بئر البعد عن الحقّ، ويشتغل عن الله تعالى؛ فاحتضنه احتضان المشفق على من أشفق عليه، فشقّ عليه الاشتغال بما يهواه، فقال: أرسلني لما أنا فيه!!. فلما شاهد جمال الحضرة العليّة اجتهد في تمكين ظهره من صدره ليزداد إمدادا، فقال النبيّ ﷺ تأديبا له: «من يشتري هذا العبد» !! إشارة إلى أنّ من اشتغل بغير الله فهو عبد هواه. فببركته ﷺ حصلت منه الإنابة وصادفته العناية، فلذلك بشّره النّبيّ ﷺ بعلوّ

стр. 1176

و (الدّميم) : قبيح الوجه. وعن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا كان يهدي للنّبيّ ﷺ العكّة ... قدره وإعلاء رتبته. فتضمّن مزاحه ﷺ بشرى فاضلة وفائدة كاملة، فليس مزاحا إلّا بحسب الصورة، وهو في الحقيقة غاية الجدّ. انتهى لخّصه الباجوريّ من المناوي رحمه الله تعالى. آمين (والدّميم) - بالدال المهملة- (: قبيح الوجه) كريه المنظر. (و) أخرج أبو يعلى (عن) أبي أسامة؛ (زيد بن أسلم) القرشي العدوي «مولاهم؛ مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه» المدني التابعي، الصالح الفقيه، العالم الثقة، وهو من رجال الجميع، لكن كان يرسل. روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين رضي الله تعالى عنهم، وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبي صالح السّمّان، وآخرين من التابعين. روى عنه الزّهري، ويحيى الأنصاري، وأيّوب السّختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون. ومالك والثوري؛ ومعمر، وخلائق من الأئمة. وتوفي بالمدينة المنورة سنة: ست وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك، ومناقبه كثيرة رحمه الله تعالى فقول المصنف (رضي الله تعالى عنه) كلام صحيح، إلّا أنّه يوهم أنّه صحابيّ كما هو العادة المعروفة في تخصيص الصحابيّ بالترضّي، مع أنّ الحديث مرسل، لكون زيد بن أسلم تابعيا؛ كما علمت من ترجمته. (أن رجلا) هو عبد الله الملّقب ب «حمار» بلفظ الحيوان المعروف؛ كما في «الإصابة» عن أبي يعلى نفسه ... (كان يهدي) بضمّ أوّله (للنّبيّ ﷺ العكّة) - بضم العين المهملة-: آنية السّمن

стр. 1177

من السّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه.. جاء به إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: أعط هذا حقّ «١» متاعه، فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم، ويأمر به فيعطى. وفي رواية: كان لا يدخل المدينة طرفة إلّا اشترى منها، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه.. جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول: «ألم تهده لي؟!» ، فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه. أصغر من القربة، جمعها: عكك، وعكاك (من السّمن) تارة (والعسل) أخرى، ويحتمل أنهما مخلوطان كما هو شأن العرب كثيرا!! (فإذا جاء صاحبه يتقاضاه) ؛ أي يطلبه (جاء به إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: أعط هذا [حقّ] متاعه) ؛ أي: ثمنه كما في الرواية اللاحقة، (فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم) تعجبّا، (ويأمر به فيعطى) الثمن. (وفي رواية) لمحمّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، له رؤية وليس له سماع إلا من الصحابة: (كان لا يدخل المدينة طرفة) : ما يستطرف؛ أي يستملح ويعجب، والجمع طرف؛ مثل غرفة وغرف، (إلّا اشترى منها) ، أي: فليست هديّته قاصرة على السّمن والعسل. (ثمّ جاء؛ فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك) ؛ أي: حملته لك كما تحمل الهدية، فلا يرد: كيف يطلب ثمنه بعد قوله ذلك؟! (فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه؛ جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول) ؛ أي ﷺ (: «ألم تهده لي؟!» ) استفهام تقريري. (فيقول: ليس عندي) ما أهديه! وإنّما أتيت به أريد ثمنه لمالكه!. (فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه) انتهى.

стр. 1178

وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أتت عجوز ... قال الزرقاني على «المواهب» : هكذا مشاه شيخنا؛ وهو خلاف الظاهر!! ولذا قال بعض المحقّقين من شرّاح «الشمائل» : كان هذا الصحابيّ ﵁ من كمال محبّته للنّبيّ ﷺ كلّما رأى طرفة أعجبته اشتراها وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه، فلما عجز صار كالمكاتب؛ فرجع إلى مولاه وأبدى إليه جميع ما أولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فرجع بالمطالبة إلى سيّده. ففعله هذا جدّ حقّ؛ ممزوج بمزاح صدق. انتهى. ووقع نحو ذلك للنّعيمان- بالتصغير- ابن عمرو بن رفاعة الأنصاري. ذكر الزّبير بن بكّار في كتاب «الفكاهة والمزاح» : كان لا يدخل المدينة طرفة إلّا اشترى منها، ثمّ جاء به إلى النبيّ ﷺ ؛ فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه أحضره إلى النبيّ ﷺ ؛ فيقول: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: «أولم تهده لي؟» . فيقول: إنّه والله؛ لم يكن عندي ثمنه! ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه. (و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» (عن الحسن) ؛ أي البصري، لأنه المراد عند الإطلاق في اصطلاح المحدثين، فالحديث مرسل، وظنّ بعضهم أنّه الحسن بن علي (رضي الله تعالى عنه) !! وليس كما ظنّ. (قال) ؛ أي الحسن البصري ناقلا عن غيره (: أتت عجوز) قيل: إنّها صفيّة بنت عبد المطّلب أمّ الزّبير بن العوّام، وعمّة النبيّ ﷺ ؛ ذكره ابن حجر الهيتمي وغيره، وتوقّف فيه بعضهم؛ فقال: الله أعلم بصحّته! ففي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند البيهقيّ: أتت خالتي وهي عجوز. وصفيّة ليست خالة عائشة؛ ذكره الزرقاني!! وقال: قلت: إن صحّ ما قالوه فسمّتها خالتها!! إكراما وتعظيما لسنّها، على العادة في تسمية المسنّة خالة، لا لكونها أخت أمّها حقيقة. انتهى كلام الزرقاني. وهو خلاف الظاهر المتبادر!! فلعل القصّة تعدّدت؛ إن ثبت تعيين صفية في رواية المتن؟! والله أعلم.

стр. 1179

النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة، فقال: «يا أمّ فلان؛ إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» . قال: فولّت تبكي، فقال: «أخبروها أنّها لا تدخلها وهي عجوز؛ إنّ الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ ... (النّبيّ ﷺ ؛ فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة. فقال: «يا أمّ فلان؛) كأنّ الراوي نسي اسمها، وما أضيف إليه؛ فكنّى عنه ب «أم فلان» !! وفيه جواز التكنّي ب «أم فلان» ، ولا يشترط للجواز كونها ذات ولد، فقد كنّيت عائشة ب «أم عبد الله» ، ولم تلد، والكنية نوع تفخيم للمكنّى وإكرام. (إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» ) كأنّه فهم من حالها أنّها تريد دخولها على صفتها حالة السؤال، فمازحها مريدا إرشادها إلى أنّها لا تدخل الجنّة على الهيئة التي هي عليها، بل ترجع في سنّ ثلاث وثلاثين، أو في سنّ ثلاثين سنة. واقتصاره ﷺ على العجوز!! لخصوص سبب الحديث، أو لأن غيرها يعلم بالمقايسة. وقد روى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «يدخل أهل الجنّة جردا مردا مكحّلين أبناء ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة» أخرجه الترمذيّ في «الجامع» . (قال) ؛ أي: الحسن ناقلا عن غيره- كما مرّ- (: فولّت) - بتشديد اللام- أي: أدبرت وذهبت (تبكي) حال من فاعل «ولّت» ، أي: باكية، لأنّها فهمت أنّها تكون يوم القيامة على الهيئة التي هي عليها؛ ولا تدخل الجنة، فحزنت. (فقال) ؛ أي: النبيّ ﷺ (: «أخبروها) بقطع الهمزة، أي: أعلموها (أنّها) ؛ أي تلك المرأة (لا تدخلها) ؛ أي: الجنّة (وهي عجوز) بل يرجعها الله تعالى في سنّ ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة، واستشهد على ذلك تطييبا لخاطرها، فقال: (إنّ الله تعالى يقول إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ) ؛ أي النسوة، أي أعدنا إنشاءهنّ

стр. 1180

إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً. عُرُباً أَتْراباً» [الواقعة: ٣٥- ٣٧] . (إِنْشاءً) خاصّا، والمعنى إنّا خلقنا النسوة خلقا جديدا غير خلقهنّ بدون توسّط ولادة بحيث يناسب البقاء والدوام، فالضمير للنسوة، وجعله للحور العين يردّه هذا الحديث، وإن كان هو مقتضى سياق القرآن (فَجَعَلْناهُنَّ) بعد كونهنّ عجائز شمطا رمصا في الدنيا (أَبْكاراً) أي: عذارى، وإن وطئن كثيرا، فكلّما أتاها الرجل وجدها بكرا؛ كما ورد به الأثر، ولكن لا دلالة للّفظ عليه (عُرُباً) أي: عاشقات متحبّبات إلى أزواجهن، جمع عروب، (أَتْراباً) أي: متساويات في السنّ، وهو سنّ ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة، وذلك أفضل أسنان النساء. وفي الحديث: «هنّ اللّاتي قبضن في دار الدّنيا عجائز، قد خلقهنّ الله بعد الكبر، فجعلهنّ عذارى متعشّقات؛ على ميلاد واحد أفضل من الحور العين كفضل الظّهارة على البطانة، ومن يكن لها أزواج؛ فتختار أحسنهم خلقا» ... الحديث في «جامع الترمذي» ، والطبراني مطولا. انتهى باجوري على «الشمائل» . وهذا الحديث الذي ذكره المصنّف في «المتن» قد ذكره رزين بن معاوية العبدريّ السّرقسطيّ، ورواه الترمذيّ أيضا في «الجامع» ، وابن الجوزيّ في «الوفا» بسنده موصولا؛ كلاهما عن أنس رضي الله تعالى عنه. أنّ عجوزا دخلت على النّبيّ ﷺ فسألته عن شيء، فقال لها ومازحها: «إنّه لا تدخل الجنّة عجوز» ، وحضرت الصّلاة فخرج النبيّ ﷺ إلى الصلاة، فبكت بكاء شديدا حتّى رجع النبي ﷺ ، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ إنّ هذه المرأة تبكي لمّا قلت لها: «إنّه لا تدخل الجنّة عجوز» !! فضحك، وقال: «أجل؛ لا تدخل الجنّة عجوز، ولكن قال الله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) [الواقعة] وهنّ العجائز الرّمص» . أي: مريضات العيون. ولا تنافي بين روايتي وصله وإرساله، لأنّ الحسن حدّث به مرسلا تارة؛ بإسقاط أنس، وتارة وصله بذكر أنس! وقد رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ من وجه آخر من حديث عائشة. انتهى؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .

стр. 1181

......... قال في «جمع الوسائل» : وقد أخرج أبو الشيخ ابن حيّان في «كتاب الأخلاق» بسنده إلى مجاهد قال: دخل النّبيّ ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها وعندها عجوز؛ فقال: «من هذه» ؟ قالت: هي عجوز من أخوالي. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ العجز- بضمّتين؛ جمع عجوز- لا يدخلن الجنّة» . فشقّ ذلك على المرأة، فلما دخل النبيّ ﷺ قالت له عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقّة شديدة! فقال: «إنّ الله ينشئهنّ خلقا غير خلقهنّ» !! انتهى. تتمة: وممّا ذكر من مزاحه ﷺ أيضا: ما رواه جمع عن خوّات بن جبير قال: نزلت مع رسول الله ﷺ بمرّ الظهران، فخرجت من خبائي؛ فإذا نسوة يتحدّثن، فأعجبنني، فرجعت فأخرجت حلّة من عيبتي فلبستها، ثم جلست إليهنّ، وخرج رسول الله ﷺ من قبّته؛ فقال: «يا عبد الله؛ ما يجلسك إليهنّ» ؟ فقلت: يا رسول الله؛ جمل لي شرود، أبتغي له قيدا! فمضى وتبعته، فألقى رداءه ودخل فقضى حاجته وتوضّأ، ثمّ جاء؛ فقال: «ما فعل شراد جملك» ؟ ثمّ ارتحل، فجعل لا يلحقني في منزل إلّا قال: «يا عبد الله؛ ما فعل شراد جملك؟» إلى أن قال: فقلت: والله؛ لأعتذرنّ إليه، ولأبرّدنّ صدره. فقال لي يوما.. فقلت: والّذي بعثك بالحق؛ ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت. ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم وغيره؛ من حديث عبد الله بن سهم الفهري؛ للمرأة التي سألت عن زوجها: «أهو الّذي بعينه بياض» ؟! وقد ذكره القاضي عياض في «الشفاء» من غير إسناد!. خاتمة: قد درج أكابر السلف وأعاظم الخلف؛ على ما كان عليه المصطفى ﷺ في الطلاقة والمزاح المجانب للكذب والفحش، فكان الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يكثر المداعبة، وكذا ابن سيرين. وقال رجل لصالح جزرة: ما تقول في سفيان الثوري؟ فقال: كذّاب. فأكبر

стр. 1182

......... الحاضرون ذلك ولاموه!! فقال: ما الّذي أقوله لمن سأل عن ذلك الإمام الأعظم؟! وسأل رجل رجلا آخر عن حسان بن هشام، فقال: توفّي البارحة. فجزع الرجل واسترجع، فقرأ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [٤٢/ الزمر] الآية انتهى من المناوي، وملا علي قاري: كلاهما على «الشمائل الترمذية» والله أعلم.

стр. 1183

[الفصل الخامس في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتّكائه] الفصل الخامس في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتّكائه (الفصل الخامس) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة تواضعه ﷺ . بضمّ الضاد؛ أي تذلّله وخشوعه؛ قاله الباجوري. وقال ابن القيّم: التواضع انكسار القلب لله، وخفض جناح الذلّ والرحمة للخلق؛ حتّى لا يرى له على أحد فضلا، ولا يرى له عند أحد حقا، بل، ويرى الحقّ لذلك الأحد؛ نقله الزرقاني على «المواهب» . وقال شيخنا العلّامة الشيخ حسن المشاط في «إسعاف أهل الإسلام» ؛ قبيل «باب ما جاء في ما يلبسه المحرم من الثياب» ما نصّه: واعلم أنّ التواضع خلق شريف؛ معناه عند المحققين: ألايرى العبد لنفسه قدرا، ولا قيمة، ولا مزيّة، ويرى الحال التي هو فيها أعظم من أن يستحقّها. قال سيّدي محمد بن قاسم الشهير ب «جسوس» ؛ عن أبي زيد ﵁: ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه؛ فهو متكبّر. قيل له: فمتى يكون متواضعا؟! قال: إذا لم ير لنفسه مقالا؛ ولا حالا. قال في «الحكم» : ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنّه فوق ما صنع، ولكنّ المتواضع الّذي إذا تواضع رأى أنّه دون ما صنع. ثمّ التواضع تارة يكون لرؤية العبد نقص نفسه، وتارة يكون عن شهود عظمة ربّه، وهذا التواضع الحقيقيّ الّذي لا يمكن ارتفاعه، فإنّ شهود عظمته تعالى هو

стр. 1184

كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس تواضعا، ... الذي يخمد النّفس ويذيبها، ويبطل أنانيّتها، وبه تنقلع شجرة الرياسة والكبر من القلب. فإنّ من شاهد عظيما من الخلق ذا هيئة ومنصب؛ لم يمكنه إلّا الخضوع له، فكيف لمن تتجلّى له عظمة الله تعالى التي لا عظمة تكاد تدانيها؟!! فما تجلّى الله لشيء إلّا خضع له فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [١٤٣/ الأعراف] . ولمّا كان لسيدنا رسول الله ﷺ الحظّ الأوفر من تجلّي نور الشهود كان أعظم الخلق تواضعا، وقد رفع الله ذكره، وأعلى على كلّ قدر قدره. ولم يخلق جاها أعظم من جاهه ﷺ !!. وقد شرح الإمام العارف الشهير ب «زروق» في «قواعده» ما تقدّم من حقيقة خلق التواضع؛ بقوله: التواضع: ترك اعتقاد المزيّة على الغير، ولو كان في أعلى درجات الرفعة. والكبر: اعتقاد المزيّة، ولو كان في أدنى درجات الضعة. وبالجملة؛ فالتواضع والأدب، والوقوف عند الحدّ، والتأسّي برسول الله ﷺ هو ملاك كلّ خير، وسبب كلّ علو وشرف، ومن تواضع لله رفعه الله، سلك الله بنا طريق الخير بمنّه وفضله. آمين؛ انتهى. (و) صفة (جلوسه) لكونه محتبيّا ومتوقّرا، ومستقبل القبلة ونحو ذلك. (و) صفة (اتّكائه) على وسادة؛ أو غيرها. قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء» ، والإمام الشعراني في «كشف الغمّة» : (كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس تواضعا) - بضمّ الضاد المعجمة- قال بعض العارفين: اعلم أنّ العبد لا يبلغ حقيقة التواضع؛ وهو التذلّل والتخشّع إلّا إذا دام

стр. 1185

وأسكنهم من غير كبر، ... تجلّي نور الشهود في قلبه، لأنه حينئذ يذيب النفس ويصفّيها عن غش الكبر والعجب، فتلين وتطمئنّ للحق والخلق؛ بمحو آثارها، وسكون وهجها، ونسيان حقّها، والذهول عن النظر إلى قدرها. ولمّا كان الحظّ الأوفر من ذلك لنبيّنا ﷺ كان أشدّ النّاس تواضعا. وحسبك شاهدا على ذلك أنّ الله خيّره بين أن يكون نبيّا ملكا؛ أو نبيّا عبدا؛ فاختار أن يكون نبيّا عبدا!! ومن ثمّ لم يأكل متّكئا بعد حتى فارق الدنيا. وقال: «أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد» ، ولم يقل لشيء فعله خادمه أنس «أفّ» قطّ، وما ضرب أحدا من عبيده وإمائه، وهذا أمر لا يتّسع له الطبع البشري؛ لولا التأييد الإلهي، وكذا الأخبار الآتية فكلّها دالّة على شدّة تواضعه ﷺ . (وأسكنهم) - بالنون- أي: أكثرهم سكونا (من غير كبر) . قال الحافظ العراقيّ: روى أبو داود وابن ماجه؛ من حديث البراء: فجلس وجلسنا كأنّ على رؤوسنا الطير. ولأصحاب «السنن» ؛ من حديث أسامة بن شريك: أتيت النّبيّ ﷺ وأصحابه كأنّما على رؤوسهم الطير. وفي «الشمائل» للترمذي: أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا. وفي «الشمائل» لأبي الحسن بن الضحاك؛ من حديث أبي سعيد الخدري: دائب الإطراق. وسنده ضعيف. أي: دائم السكون. وقوله «كأنّما على رؤوسهم الطير» كناية عن كونهم عند كلامه ﷺ على غاية تامّة من السكوت والإطراق، وعدم الحركة، وعدم الالتفات، أو عن كونه مهابين مدهوشين في هيئته، لما أنّ كلامه عليه أبّهة الوحي وجلالة الرسالة. وأصل ذلك: أنّ سليمان ﵇ كان إذا أمر الطير بأن تظلّل على

стр. 1186

وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمر الدّنيا. أصحابه؛ غضّوا أبصارهم، ولم يتكلّموا حتّى يسألهم مهابة. أو عن كونهم متلذّذين بكلامه. وأصل ذلك: أنّ الغراب يقع على رأس البعير يلقط عنه صغار القردان؛ فيسكن سكون راحة ولذّة، ولا يحرّك رأسه؛ خوفا من طيرانه عنه. وهذه الحالة لهم إنّما هي من تخلّقهم بأخلاقه ﷺ إذ كان ﷺ لكمال استغراقه بالمشاهدة في سكون دائم وإطراق ملازم. (وأبلغهم) ؛ أي: أكثرهم بلاغة في الكلام (من غير تطويل) . قال الحافظ العراقي: روى الشيخان؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه. ولهما من حديثها: لم يكن يسرد الحديث كسردكم. علّقه البخاري، ووصله مسلم. زاد الترمذيّ: ولكنه كان يتكلّم بكلام يبيّنه؛ فصل، يحفظه من جلس إليه. وله في «الشمائل» ؛ من حديث هند بن أبي هالة يتكلّم بجوامع الكلم، فصل؛ لا فضول ولا تقصير. (وأحسنهم بشرا) قال الحافظ العراقي: رواه الترمذي في «الشمائل» ؛ من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق ... الحديث. وله في «الجامع» ؛ من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ ؛ وقال غريب. قلت: وفيه ابن لهيعة. انتهى شرح «الإحياء» . (لا يهوله شيء من أمر الدّنيا) يقال: هاله الشيء؛ إذا راعه وأعجبه.

стр. 1187

وكان ﷺ متواضعا في غير مذلّة. وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم، قال العراقيّ: روى أحمد من حديث عائشة: ما أعجب رسول الله ﷺ شيء من الدنيا، ولا أعجبه أحد قطّ؛ إلا ذو تقى. وفي لفظ له: ما أعجب النبيّ ﷺ ولا أعجبه شيء من الدنيا، إلا أن يكون منها ذو تقى. وفيه ابن لهيعة. انتهى شرح «الإحياء» . (و) في «شرح الإحياء» : قال الحافظ العراقيّ: روى أبو الحسن بن الضحاك في «الشمائل» ؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه؛ في صفته ﷺ : أنه (كان ﷺ متواضعا في غير مذلّة) . وسنده ضعيف. انتهى. (و) أخرج البخاريّ والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» (عن) أبي حفص الفاروق (عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ - ووقع في رواية البخاريّ؛ عن ابن عبّاس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم يقول على المنبر: سمعت النبي ﷺ يقول (: «لا تطروني) - بضمّ أوّله وسكون الطاء المهملة- والإطراء: المدح بالباطل، أي: لا تتجاوزوا الحدّ في مدحي؛ بأن تقولوا ما لا يليق بي؛ (كما أطرت النّصارى) المسيح (ابن مريم) . وفي رواية: عيسى ابن مريم حيث كذبوا وقالوا: إله، و: ابن الله، و: أحد ثلاثة!! وحرّفوا قوله تعالى في «التوراة» «عيسى نبيي؛ أنا ولّدته- بتشديد اللام- من مريم» ؛ فجعلوا الأول «بنيّ» بتقديم الباء، وخفّفوا اللام في الثاني «ولدته» إلى غير ذلك من إفكهم!!؟. فمنعهم النبيّ ﷺ أن يصفوه بالباطل. وفي العدول عن «المسيح» إلى «ابن مريم» تبعيد عن الإلهية. والمعنى: أنّهم بالغوا في المدح بالكذب حتى جعلوا من حصل من جنس النساء الطوامث إلها، وابن إله.

стр. 1188

إنّما أنا عبد فقولوا: (عبد الله ورسوله) » . قال ابن الجوزيّ: ولا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه، لأنّا لا نعلم أن أحدا ادّعى في نبينا ما ادّعته النصارى في عيسى!!. وإنّما سبب النهي- فيما يظهر-: ما وقع في حديث معاذ بن جبل لمّا استأذن في السجود له على قصد التعظيم وإرادة التكريم، فامتنع ونهاه، وكأنّه خشي أن يبالغ غيره بأخوف من ذلك؛ فبادر إلى النهي تأكيدا للأمر، فالمعنى لا تتجاوزوا الحدّ في مدحي بغير الواقع؛ فيجرّكم ذلك إلى الكفر، كما جرّ النصارى إليه لمّا تعدّوا عن الحدّ في مدح عيسى ﵇ بغير الواقع، واتخذوه إلها. وإلى ذلك أشار في «البردة» بقوله: دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم ثم استأنف؛ وقال: (إنّما أنا عبد) ، أي: لست إلّا عبدا لا إلها، فلا تعتقدوا فيّ شيئا ينافي العبودية، (فقولوا عبد الله ورسوله» ) . ولا تقولوا ما قالته النصارى، فأثبت لنفسه ما هو ثابت له من العبودية والرسالة، وأسلم لله ما هو له؛ لا لسواه. وقد روى الإمام أحمد عن أنس أنّ رجلا جاءه؛ فقال: يا سيّدنا وابن سيّدنا، وخيرنا وابن خيرنا! فقال: «يا أيّها النّاس قولوا بقولكم، ولا يستهوينّكم الشّيطان، أنا محمّد بن عبد الله؛ عبد الله ورسوله» . وأخرج عن ابن الشخّير أنّه جاءه رجل؛ فقال: أنت سيّد قريش! فقال: «السّيّد الله» . فقال: أنت أعظمها فيها طولا، وأعلاها قولا. قال: «يا أيّها النّاس قولوا بقولكم، ولا يستهوينّكم الشّيطان» . وأخرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: استبّ رجلان؛ رجل من المسلمين، ورجل من اليهود. فقال المسلم: والّذي اصطفى محمّدا على العالمين. وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين! فلطم المسلم اليهوديّ، فأتى اليهوديّ رسول الله ﷺ وأخبره، فدعاه فسأله؛ فاعترف. فقال:

стр. 1189

و (الإطراء) : هو مجاوزة الحدّ في المدح. وكان ﷺ لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه. وكان ﷺ لا يأتيه أحد من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين.. إلّا قام معه في حاجته. «لا تخيّروني على موسى، فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّل من يفيق فأجد موسى ممسكا بجانب العرش؛ ما أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممّن استثنى الله؟!» . وهذه الأحاديث الثلاثة في «الصحيحين» أيضا، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ ، وقد كان أعظم النّاس تواضعا- كما تقدّم-؛ ذكره المناوي على «الشمائل» . (والإطراء: هو مجاوزة الحدّ في المدح) بالكذب. (و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: (كان ﷺ لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه) ببناء الفعلين للمفعول؛ وحذف النون للتخفيف، وذلك لعظم تواضعه؛ وبراءته من الكبر والتعاظم الذي هو من شأن الملوك وأتباعهم. وفيه أنّ أصحاب المقارع بين يدي الحكّام والأمراء محدثة مكروهة، كما ورد في خبر: رأيت المصطفى ﷺ على ناقته.. لا ضرب ولا طرد، ولا «إليك ... إليك» . وأخذ منه أن المفتي أو المدرّس ينبغي له ألايتخذ نقيبا جافيا غليظا، بل فطنا كيّسا دريّا يرتّب الحاضرين على قدر منازلهم، وينهى عن ترك ما ينبغي فعله؛ أو فعل ما ينبغي تركه، ويأمر بالإنصات للدرس، وعلى العالم سماع السؤال من مورده على وجهه؛ ولو صغيرا. انتهى مناوي؛ على «الجامع الصغير» . (و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان) رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد) ؛ أي: يطلبه في حاجة (من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين؛ إلّا قام معه في حاجته) .

стр. 1190

وكان ﷺ لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين. روى البخاريّ تعليقا؛ من حديث أنس: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. ووصله ابن ماجه، وقال: وما ينزع يده من يدها حتّى تذهب حيث شاءت من المدينة في حاجتها. وسيأتي مع حديث ابن أبي أوفى: ولا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي لهما حاجتهما. انتهى شرح «الإحياء» . (و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان ﷺ لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين) - بكسر الميم؛ لغة جميع العرب، إلا بني أسد فبفتحها- من السكون؛ لسكونه إلى النّاس. قال السيّد محمّد مرتضى الزبيدي في شرح «الإحياء» : هكذا في النسخ!! وفي نسخة العراقي: لا يستكبر أن يمشي مع المسكين. وقال: رواه النسائي، والحاكم؛ من حديث عبد الله بن أبي أوفى بسند صحيح. ورواه الحاكم؛ من حديث أبي سعيد وقال: صحيح على شرط الشيخين. انتهى. قلت: ولفظ النسائيّ: كان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين. وبهذا يظهر أن الذي في سياق المصنف من ذكر الأمة تحريف من النسّاخ! والصواب: الأرملة. ثمّ وجدت في البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيده ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. وعند أحمد: فتنطلق به في حاجتها. وعنده أيضا: كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتّى تذهب حيث شاءت. انتهى كلام السيد محمد مرتضى في شرح «الإحياء» . وستأتي هذه الأحاديث التي ذكرها قريبا.

стр. 1191

وكان ﷺ يكثر الذّكر ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتّى يقضي له حاجته. (و) أخرج النسائي، والحاكم؛ عن عبد الله بن أبي أوفى، والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال الحاكم: على شرطهما. وأقرّه الذهبيّ. ورواه الترمذيّ في «العلل» عن ابن أبي أوفى، وذكر أنّه سأل عنه البخاريّ؛ فقال: هو حديث تفرّد به الحسين بن واقد؛ قاله المناوي. وقال العزيزي: هو حديث صحيح. (كان) رسول الله ﷺ يكثر الذّكر) أي: ذكر الله تعالى، (ويقلّ اللّغو) ؛ أي: لا يلغو أصلا. قال ابن الأثير: القلّة تستعمل في نفي الشيء أصلا، ويجوز أن يريد باللغو الهزل والدعابة، أي: أنّه كان منه قليلا. انتهى «مناوي» . وقال الحفني: «قوله اللغو» ؛ أي: المزاح. فالمراد باللغو غير الذكر من المزاح، فيقع منه قليلا. وهذا أظهر من حمل اللغو على حقيقته، فإنّه حينئذ يضيع قوله «يقل» إذ المعنى حينئذ: لا يلغو أصلا. انتهى. (ويطيل الصّلاة ويقصر الخطبة) ، ويقول: «إنّ ذلك من علامة فقه الرّجل» . (وكان لا يأنف ولا يستكبر) ، تفسير لقوله: لا يأنف. (أن يمشي مع الأرملة) ؛ أي: التي لا زوج لها، (والمسكين والعبد) ، لأنه سيّد المتواضعين (حتّى يقضي له حاجته) قرب محلّها أو بعد. وسيأتي حديث مسلم والترمذي؛ عن أنس: أنه جاءت امرأة إليه ﷺ ، فقالت: إنّ لي إليك حاجة. فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك حتّى أقضي حاجتك» . وفيه بروزه للناس، وقربه منهم ليصل ذو الحقّ إلى حقّه، ويسترشد بأقواله وأفعاله، وصبره على تخمّل المشاقّ لأجل غيره ... وغير ذلك. انتهى «مناوي» .

стр. 1192

وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ امرأة ... وقد نظم الحافظ العراقي معنى هذا الخبر فأجاد؛ حيث قال: يمشي مع المسكين والأرملة ... في حاجة من غير ما أنفة (و) أخرج البخاريّ في «باب الكبر؛ من كتاب الأدب» تعليقا، ووصله ابن ماجه: كلاهما (عن أنس رضي الله تعالى عنه) : إن (كانت الأمة) أيّ أمة كانت (من إماء أهل المدينة) المنوّرة (لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) من الأمكنة، ولو كانت حاجتها خارج المدينة. وفي رواية الإمام أحمد؛ عن أنس: فتنطلق به في حاجتها. وعند أحمد أيضا إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء؛ فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتّى تذهب به حيث شاءت، ويجيب إذا دعي. انتهى. والمقصود من الأخذ باليد لازمه، وهو الانقياد. قال في «المواهب» : وقد اشتمل الحديث على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمّم بلفظ الإماء. أي أيّ أمة كانت، وبقوله «حيث شاءت» أي: من الأمكنة. والتعبير «باليد» إشارة إلى غاية التصرّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة؛ والتمست مساعدته في تلك الحالة لساعدها على ذلك بالخروج معها، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ وبراءته من جميع أنواع الكبر. ومن ثمّ أورده البخاريّ في «باب الكبر» إشارة إلى براءته منه. انتهى. (و) أخرج البخاريّ ومسلم، والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» - واللفظ لها-: (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه أنّ امرأة) . أي: كان في عقلها شيء؛ كما في رواية مسلم.

стр. 1193

جاءت إلى النّبيّ ﷺ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك» . وعند البخاريّ: امرأة من الأنصار. وفي رواية: ومعها صبيّ. قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها! وفي بعض «الحواشي» أنّها أم زفر ماشطة خديجة أمّ المؤمنين. ونوزع فيه، وتردّد البرهان الحلبي في «المقتضى» في أنّها هي أو غيرها؟!! وجزم غيره بأنها هي، لكن نوزع!!. (جاءت إلى النّبيّ ﷺ ؛ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة) ؛ أي: أريد أن أخفيها عن غيرك؛ قاله القاري. (فقال) رسول الله ﷺ (: «اجلسي» ) - بصيغة المخاطبة-؛ من أمر الحاضر (في أيّ) طريق من (طرق المدينة) المنوّرة (شئت) ، أي: في أيّ سكّة من سككها وقيل: المعنى في أيّ جزء من أجزاء طريق المدينة، وليس المراد أيّ طريق يوصل إلى المدينة؛ وإن كان طريق الشيء: ما يوصل إليه!! (أجلس) ؛ بالجزم جواب الأمر (إليك» ) أي: معك ف «إلى» بمعنى «عند» ، وزاد في رواية مسلم، «حتّى أقضي حاجتك» . قال أنس: فجلست، فجلس النبي ﷺ إليها حتّى فرغت من حاجتها؛ تواضعا منه ﷺ ، وملاطفة لسعة حلمه، وبراءته من الكبر. قال بعضهم: وفيه إيماء وإرشاد إلى أنّه لا يخلو أجنبيّ مع أجنبية، بل إذا عرضت حاجة يكون معها بموضع لا يتطرّق فيه تهمة، ولا يظن به ريبة؛ ككونه بطريق المارّة، وأنّه ينبغي للحاكم المبادرة إلى تحصيل أغراض ذوي الحاجات، ولا يتساهل في ذلك. وفيه حلّ الجلوس في الطريق لحاجة. ومحلّ النهي عنه!! إذا لزم عليه الإيذاء للمارّة. وقد أخرج أبو نعيم في «الدلائل» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 1194

وكان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟» ، فإن قالوا: لا.. قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟» ، فإن قالوا: لا.. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا» . كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس لطفا، والله؛ ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد؛ ولا أمة أن يأتيه بالماء فيغسل ﷺ وجهه وذراعيه. وما سأله سائل قطّ إلّا أصغى إليه؛ فلا ينصرف حتّى يكون هو الّذي ينصرف، وما تناول أحد يده قطّ إلّا ناوله إيّاها، فلا ينزعها حتّى يكون هو الّذي ينزعها منه. قال في «المواهب» : إنّ هذا كلّه من كثرة تواضعه ﷺ ، لبروزه للناس وقربه وصبره على المشاقّ لأجل غيره؛ خصوصا امرأة في عقلها شيء. انتهى مع شيء من الشرح. (و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة) ؛ أي: الصبح (أقبل عليهم بوجهه؛ فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟» ، فإن قالوا: لا؛ قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟» ، فإن قالوا: لا؛ قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا!» ) أي: لنعبّرها له، لأنّه محبّ لأصحابه؛ وسيّد العارفين بالتعبير، والمطلوب قصّ الرؤيا على حبيب عارف بالتعبير. قال الحكيم الترمذيّ: كان شأن الرؤيا عنده عظيما؛ فلذلك كان يسأل عنها كلّ يوم، وذلك من إخبار الملكوت من الغيب، ولهم في ذلك نفع في أمر دينهم؛ بشرى كانت؛ أو نذارة؛ أو معاتبة. انتهى. وقال القرطبيّ: إنّما كان يسألهم عن ذلك؟!! لما كانوا عليه من الصلاح والصدق، وعلم أنّ رؤياهم صحيحة؛ يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليسن لهم الاعتناء بالرؤيا والتشوّق لفوائدها، ويعلّمهم كيفية التعبير، وليستكثر من الاطلاع على الغيب.

стр. 1195

وكان ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وقال ابن حجر: فيه أنّه يسنّ قصّ الرؤيا بعد الصبح، وبعد الانصراف من الصلاة. وأخرج الطبرانيّ والبيهقيّ في «الدلائل» : كان ﵊ إذا صلى الصبح قال: «هل رأى أحد منكم شيئا» فإذا قال رجل: أنا؛ قال: «خيرا تلقاه وشرّا توقاه، وخيرا لنا وشرّا لأعدائنا. والحمد لله ربّ العالمين؛ اقصص رؤياك..» . الحديث وسنده ضعيف جدّا. قال ابن حجر: في الحديث ١- إشارة إلى ردّ ما أخرجه عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن سعيد بن عبد الرحمن، عن بعض علمائهم: ولا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتّى تطلع الشّمس. ٢- وردّ على من قال من أهل التعبير: يستحبّ أن يكون تفسير الرّؤيا بعد طلوع الشمس! إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبيل المغرب. فإنّ الحديث دلّ على ندب تعبيرها قبل طلوع الشمس! ولا يصحّ قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. قال المهلّب: تعبير الرؤيا بعد الصبح أولى من جميع الأوقات؛ لحفظ صاحبها لها، لقرب عهده بها، وقلّ ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر، وقلّة شغله فيما يفكره فيما يتعلّق بمعاشه؛ ليعرض الرائي ما يعرض له بسبب رؤيا. انتهى «مناوي» . (و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: (كان) رسول الله ﷺ يجلس على الأرض) أي: من غير حائل بل يباشر التراب، (ويأكل على الأرض) أي: من غير مائدة ولا خوان، إشارة إلى طلب التساهل في أمر الظاهر، وصرف الهمّ إلى عمارة الباطن وتطهير القلوب، وتأسّى به أكابر صحبه؛ فكانوا يصلّون على الأرض في المساجد، ويمشون حفاة في الطرقات، ولا يجعلون غالبا بينهم وبين التراب حاجزا في مضاجعهم.
следующие страницы →