وكان ﷺ يكثر الذّكر ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتّى يقضي له حاجته.
(و) أخرج النسائي، والحاكم؛ عن عبد الله بن أبي أوفى، والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال الحاكم: على شرطهما. وأقرّه الذهبيّ. ورواه الترمذيّ في «العلل» عن ابن أبي أوفى، وذكر أنّه سأل عنه البخاريّ؛ فقال: هو حديث تفرّد به الحسين بن واقد؛ قاله المناوي. وقال العزيزي: هو حديث صحيح.
(كان) رسول الله ﷺ يكثر الذّكر) أي: ذكر الله تعالى، (ويقلّ اللّغو) ؛ أي: لا يلغو أصلا. قال ابن الأثير: القلّة تستعمل في نفي الشيء أصلا، ويجوز أن يريد باللغو الهزل والدعابة، أي: أنّه كان منه قليلا. انتهى «مناوي» .
وقال الحفني: «قوله اللغو» ؛ أي: المزاح. فالمراد باللغو غير الذكر من المزاح، فيقع منه قليلا. وهذا أظهر من حمل اللغو على حقيقته، فإنّه حينئذ يضيع قوله «يقل» إذ المعنى حينئذ: لا يلغو أصلا. انتهى.
(ويطيل الصّلاة ويقصر الخطبة) ، ويقول: «إنّ ذلك من علامة فقه الرّجل» .
(وكان لا يأنف ولا يستكبر) ، تفسير لقوله: لا يأنف.
(أن يمشي مع الأرملة) ؛ أي: التي لا زوج لها، (والمسكين والعبد) ، لأنه سيّد المتواضعين (حتّى يقضي له حاجته) قرب محلّها أو بعد.
وسيأتي حديث مسلم والترمذي؛ عن أنس: أنه جاءت امرأة إليه ﷺ ، فقالت: إنّ لي إليك حاجة. فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك حتّى أقضي حاجتك» .
وفيه بروزه للناس، وقربه منهم ليصل ذو الحقّ إلى حقّه، ويسترشد بأقواله وأفعاله، وصبره على تخمّل المشاقّ لأجل غيره ... وغير ذلك. انتهى «مناوي» .
стр. 1192
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ امرأة ...
وقد نظم الحافظ العراقي معنى هذا الخبر فأجاد؛ حيث قال:
يمشي مع المسكين والأرملة ... في حاجة من غير ما أنفة
(و) أخرج البخاريّ في «باب الكبر؛ من كتاب الأدب» تعليقا، ووصله ابن ماجه: كلاهما (عن أنس رضي الله تعالى عنه) : إن (كانت الأمة) أيّ أمة كانت (من إماء أهل المدينة) المنوّرة (لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) من الأمكنة، ولو كانت حاجتها خارج المدينة.
وفي رواية الإمام أحمد؛ عن أنس: فتنطلق به في حاجتها.
وعند أحمد أيضا إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء؛ فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتّى تذهب به حيث شاءت، ويجيب إذا دعي. انتهى. والمقصود من الأخذ باليد لازمه، وهو الانقياد.
قال في «المواهب» : وقد اشتمل الحديث على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمّم بلفظ الإماء. أي أيّ أمة كانت، وبقوله «حيث شاءت» أي: من الأمكنة.
والتعبير «باليد» إشارة إلى غاية التصرّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة؛ والتمست مساعدته في تلك الحالة لساعدها على ذلك بالخروج معها، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ وبراءته من جميع أنواع الكبر. ومن ثمّ أورده البخاريّ في «باب الكبر» إشارة إلى براءته منه. انتهى.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم، والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» - واللفظ لها-: (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه أنّ امرأة) . أي: كان في عقلها شيء؛ كما في رواية مسلم.
стр. 1193
جاءت إلى النّبيّ ﷺ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك» .
وعند البخاريّ: امرأة من الأنصار. وفي رواية: ومعها صبيّ.
قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها! وفي بعض «الحواشي» أنّها أم زفر ماشطة خديجة أمّ المؤمنين. ونوزع فيه، وتردّد البرهان الحلبي في «المقتضى» في أنّها هي أو غيرها؟!! وجزم غيره بأنها هي، لكن نوزع!!.
(جاءت إلى النّبيّ ﷺ ؛ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة) ؛ أي: أريد أن أخفيها عن غيرك؛ قاله القاري.
(فقال) رسول الله ﷺ (: «اجلسي» ) - بصيغة المخاطبة-؛ من أمر الحاضر (في أيّ) طريق من (طرق المدينة) المنوّرة (شئت) ، أي: في أيّ سكّة من سككها وقيل: المعنى في أيّ جزء من أجزاء طريق المدينة، وليس المراد أيّ طريق يوصل إلى المدينة؛ وإن كان طريق الشيء: ما يوصل إليه!!
(أجلس) ؛ بالجزم جواب الأمر (إليك» ) أي: معك ف «إلى» بمعنى «عند» ، وزاد في رواية مسلم، «حتّى أقضي حاجتك» . قال أنس: فجلست، فجلس النبي ﷺ إليها حتّى فرغت من حاجتها؛ تواضعا منه ﷺ ، وملاطفة لسعة حلمه، وبراءته من الكبر.
قال بعضهم: وفيه إيماء وإرشاد إلى أنّه لا يخلو أجنبيّ مع أجنبية، بل إذا عرضت حاجة يكون معها بموضع لا يتطرّق فيه تهمة، ولا يظن به ريبة؛ ككونه بطريق المارّة، وأنّه ينبغي للحاكم المبادرة إلى تحصيل أغراض ذوي الحاجات، ولا يتساهل في ذلك.
وفيه حلّ الجلوس في الطريق لحاجة.
ومحلّ النهي عنه!! إذا لزم عليه الإيذاء للمارّة.
وقد أخرج أبو نعيم في «الدلائل» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
стр. 1194
وكان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟» ، فإن قالوا: لا..
قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟» ، فإن قالوا: لا.. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا» .
كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس لطفا، والله؛ ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد؛ ولا أمة أن يأتيه بالماء فيغسل ﷺ وجهه وذراعيه. وما سأله سائل قطّ إلّا أصغى إليه؛ فلا ينصرف حتّى يكون هو الّذي ينصرف، وما تناول أحد يده قطّ إلّا ناوله إيّاها، فلا ينزعها حتّى يكون هو الّذي ينزعها منه.
قال في «المواهب» : إنّ هذا كلّه من كثرة تواضعه ﷺ ، لبروزه للناس وقربه وصبره على المشاقّ لأجل غيره؛ خصوصا امرأة في عقلها شيء. انتهى مع شيء من الشرح.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة) ؛ أي: الصبح (أقبل عليهم بوجهه؛ فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟» ، فإن قالوا: لا؛ قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟» ، فإن قالوا: لا؛ قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا!» ) أي: لنعبّرها له، لأنّه محبّ لأصحابه؛ وسيّد العارفين بالتعبير، والمطلوب قصّ الرؤيا على حبيب عارف بالتعبير.
قال الحكيم الترمذيّ: كان شأن الرؤيا عنده عظيما؛ فلذلك كان يسأل عنها كلّ يوم، وذلك من إخبار الملكوت من الغيب، ولهم في ذلك نفع في أمر دينهم؛ بشرى كانت؛ أو نذارة؛ أو معاتبة. انتهى.
وقال القرطبيّ: إنّما كان يسألهم عن ذلك؟!! لما كانوا عليه من الصلاح والصدق، وعلم أنّ رؤياهم صحيحة؛ يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليسن لهم الاعتناء بالرؤيا والتشوّق لفوائدها، ويعلّمهم كيفية التعبير، وليستكثر من الاطلاع على الغيب.
стр. 1195
وكان ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض،
وقال ابن حجر: فيه أنّه يسنّ قصّ الرؤيا بعد الصبح، وبعد الانصراف من الصلاة.
وأخرج الطبرانيّ والبيهقيّ في «الدلائل» : كان ﵊ إذا صلى الصبح قال: «هل رأى أحد منكم شيئا» فإذا قال رجل: أنا؛ قال: «خيرا تلقاه وشرّا توقاه، وخيرا لنا وشرّا لأعدائنا. والحمد لله ربّ العالمين؛ اقصص رؤياك..» . الحديث وسنده ضعيف جدّا.
قال ابن حجر: في الحديث ١- إشارة إلى ردّ ما أخرجه عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن سعيد بن عبد الرحمن، عن بعض علمائهم: ولا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتّى تطلع الشّمس. ٢- وردّ على من قال من أهل التعبير:
يستحبّ أن يكون تفسير الرّؤيا بعد طلوع الشمس! إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبيل المغرب. فإنّ الحديث دلّ على ندب تعبيرها قبل طلوع الشمس! ولا يصحّ قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة.
قال المهلّب: تعبير الرؤيا بعد الصبح أولى من جميع الأوقات؛ لحفظ صاحبها لها، لقرب عهده بها، وقلّ ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر، وقلّة شغله فيما يفكره فيما يتعلّق بمعاشه؛ ليعرض الرائي ما يعرض له بسبب رؤيا. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
(كان) رسول الله ﷺ يجلس على الأرض) أي: من غير حائل بل يباشر التراب، (ويأكل على الأرض) أي: من غير مائدة ولا خوان، إشارة إلى طلب التساهل في أمر الظاهر، وصرف الهمّ إلى عمارة الباطن وتطهير القلوب، وتأسّى به أكابر صحبه؛ فكانوا يصلّون على الأرض في المساجد، ويمشون حفاة في الطرقات، ولا يجعلون غالبا بينهم وبين التراب حاجزا في مضاجعهم.
стр. 1196
ويعتقل الشّاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.
وكان ﷺ يعود مرضى المساكين ...
قال الإمام الغزاليّ: وقد انتهت النوبة الآن إلى طائفة يسمّون الرعونة «نظافة» ، ويقولون: هي مبنى الدين. فأكثر أوقاتهم في تزيين الظاهر؛ كفعل الماشطة لعروسها والباطن خراب، ولا يستنكرون ذلك، ولو مشى أحدهم على الأرض حافيا؛ أو صلّى عليها بغير سجادة مفروشة أقاموا عليه القيامة، وشدّدوا عليه النكير، ولقّبوه ب «القذر» وأخرجوه من زمرتهم، واستنكفوا عن مخالطته؛ فقد صار المعروف منكرا، والمنكر معروفا. انتهى. ذكره المناوي.
وهذا في زمان الغزاليّ؛ فكيف لو رأى زماننا، ورأى ما فيه من اعتناء الناس بإصلاح الظواهر؟! خصوصا الشباب، فإنّ الواحد منهم يحسّن نفسه ويمشط رأسه ويلبس الملابس الرقيقة الشفّافة؛ أو الملساء البرّاقة، حتّى يصير أشبه بالبنت في الميوعة والتكسّر، تكاد تكون ذهبت منه الرجولة؟! فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العزيز الحكيم.
(ويعتقل الشّاة) قال المناوي: أي: يجعل رجليه بين قوائمها ليحلبها؛ إرشادا إلى التواضع وترك الترفّع. (ويجيب دعوة المملوك) يحتمل أنّ المراد إذا أمره سيّده بذلك، لأن المملوك يمتنع عليه الإطعام من مال سيده بغير إذنه (على خبز الشّعير) زاد في رواية: والإهالة السنخة: أي الدّهن المتغيّر الريح.
وعلمه ذلك؛ إمّا بإخبار الداعي، أو للعلم بفقره ورثاثة حاله، أو مشاهدة غالب مأكوله ... ونحو ذلك من القرائن الحاليّة، فكان لا يمنعه ذلك من إجابته؛ وإن كان حقيرا، وهذا من كمال تواضعه ومزيد براءته من سائر صنوف الكبر وأنواع الترفع. انتهى «مناوي» .
(و) «في كشف الغمّة» : (كان ﷺ يعود مرضى المساكين) ؛ جمع مسكين بكسر الميم وفتحها؛ مأخوذ من السكون، ويكون بمعنى المتذلّل الخاضع، ومنه
стр. 1197
الّذين لا يؤبه لهم، ويخدمهم بنفسه ﷺ ، وكان ﷺ يجيب من دعاه؛ من غنيّ أو فقير أو شريف، ولا يحتقر أحدا.
وكان ﷺ يجيب إلى الوليمة، ويشهد الجنائز.
قوله ﷺ : «اللهمّ أحيني مسكينا وأمتني مسكينا» ، ولا يجوز أن يطلق على النبي ﷺ أنّه «فقير» أو «مسكين» ، وإن أطلقه على نفسه الشريفة.
(الّذين لا يؤبه) أي: لا يفطن (لهم، ويخدمهم بنفسه) الشريفة، أي:
يباشر خدمتهم بنفسه ﷺ ؛ تواضعا منه.
(وكان ﷺ يجيب من دعاه، من غنيّ أو فقير أو شريف) أو وضيع، جبرا لخاطره وتواضعا مع ربّه.
(ولا يحتقر أحدا) ؛ امتثالا لأمره سبحانه بقوله وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) [الشعراء] .
(و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان ﷺ يجيب إلى الوليمة) ؛ وهي طعام العرس، وسيأتي حديث «لو دعيت إلى كراع لأجبت» . وفي «الأوسط» للطبرانيّ؛ من حديث ابن عبّاس: كان الرّجل من أهل العوالي ليدعو رسول الله ﷺ بنصف الليل على خبز الشعير فيجيب، وإسناده ضعيف.
(ويشهد الجنائز) ؛ أي: يحضرها للصلاة عليها، ودفنها؛ هبها لشريف أو وضيع.
روى الترمذي، وابن ماجه وضعّفه، والحاكم وصحّحه؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال:
كان يعود المريض ويشهد الجنائز. ورواه الحاكم؛ من حديث سهل بن حنيف. وقال: صحيح الإسناد.
стр. 1198
وكان ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعود المرضى، ...
وفي «الصحيحين» وغيرهما عدّة أحاديث في عيادته ﷺ للمرضى وشهوده الجنائز؛
منها حديث جابر: مرضت فأتاني النبي ﷺ يعودني وأبو بكر ﵁؛ وهما ماشيان ... الحديث. وقد أخرجه أبو داود. فيتأكّد لأمّته التأسّي به.
وآثر قوم العزلة ففاتهم بها خيرات كثيرة؛ وإن حصل لهم منها خير كثير. ولتشييع الجنازة آداب مبيّنة في كتب الفروع، وسيأتي ذلك في حديث «الشمائل» ، وغيرها.
(و) أخرج أبو يعلى والطبرانيّ في «الكبير» ، والحاكم، عن سهل بن حنيف- بالتصغير- قال في العزيزي: وهو حديث صحيح
(كان) رسول الله ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم) في مواطنهم؛ تلطّفا بهم وإيناسا لهم، (ويعود مرضاهم) ؛ أيّ مريض كان؛ حرا أو عبدا، شريفا أو وضيعا. وكان يدنو من المريض ويجلس عند رأسه، ويسأله كيف حاله.
وجاء في فضيلة العيادة أحاديث كثيرة، ولها آداب مبيّنة في محلّها، وللعلامة ابن حجر الهيتمي كتاب «الإفادة في ما جاء في المرضى والعيادة» رسالة مفيدة جدّا، ولم تكن عندي حال الكتابة حتّى أنقل من فوائدها شيئا أتحف به القرّاء.
(ويشهد جنائزهم) أي: للصلاة والدفن، وهو فرض كفاية، وكان إذا شيّع جنازة علا كربه، وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه. رواه الحاكم في «الكنى» ؛ عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما.
(و) أخرج أبو داود، والبيهقيّ، والترمذيّ في «الشمائل» - واللفظ لها-؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان رسول الله ﷺ يعود المرضى) ؛
стр. 1199
ويشهد الجنائز ويركب الحمار، ...
الشريف والوضيع، والحرّ والعبد؛ حتّى لقد عاد غلاما يهوديا كان يخدمه؛ فقعد عند رأسه؛ فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه. فقال له: أطع أبا القاسم. فأسلم، فخرج ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الّذي أنقذه من النّار» .
رواه البخاريّ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
وعاد عمّه أبا طالب؛ وهو مشرك، وعرض عليه الإسلام. وقصّته في «الصحيحين» .
وعدّت العيادة تواضعا؛ مع أنّ فيها رضا الله تعالى وحيازة الثواب؛ ففي الترمذيّ وحسّنه مرفوعا: «من عاد مريضا؛ ناداه مناد طبت وطاب ممشاك، وتبوّأت من الجنّة منزلا» . ولأبي داود: «من توضّأ فأحسن الوضوء؛ وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنّم سبعين خريفا..» إلى غير ذلك!!!
لما فيها من خروج الإنسان عن مقتضى جاهه وتنزّهه عن مرتبته إلى ما دون ذلك.
وكان ﷺ يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأل عن حاله؛ ويقول:
«كيف تجدك!!» أو «كيف أصبحت» ، أو «كيف أمسيت» ، أو «كيف هو» ، ويقول: «لا بأس عليك، طهور إن شاء الله تعالى» ، أو «كفّارة وطهور» .
وقد يضع يده على المكان الذي يألم؛ ثم يقول: «باسم الله أرقيك من كلّ داء يؤذيك، الله يشفيك» . انتهى ذكره العلامة ملا علي قاري في «جمع الوسائل» .
( [ويشهد الجنائز] ، ويركب الحمار) ؛ بل عريانا أحيانا؛ مع قدرته على غيره من الناقة والفرس والجمل، وربما كان يردف أحدا معه؛ كما سيأتي.
وتأسّى به في ذلك أكابر السلف ... أخرج ابن عساكر أنّ سالم بن عبد الله بن
стр. 1200
ويجيب دعوة العبد.
وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف.
عمر كان له حمار هرم، فنهاه بنوه عن ركوبه فأبى، فجدعوا أذنه، فأبى أن يدعه وركبه، فجدعوا الآخرى، فركبه فقطعوا ذنبه؛ فصار يركبه مجدوع الأذنين مقطوع الذنب.
قال الباجوري: وقد كان أكابر العلماء قبل زماننا هذا يركبون الحمير، واطّردت عادتهم الآن بركوب البغال. انتهى.
والآن مع ظهور هذه المخترعات الحديثة كالسيارات والطيارات؛ اكتفى النّاس بها وتركوا ركوب الدّواب إلّا قليلا.
(ويجيب دعوة العبد) وفي رواية: المملوك، فيجيبه لأمر يدعوه له؛ من ضيافة وغيرها. وروى ابن سعد: كان يقعد على الأرض، ويأكل على الأرض، ويجيب دعوة المملوك. وهذا من مزيد تواضعه ﷺ وبراءته من جميع أنواع الكبر، ولله درّ الحافظ العراقي حيث يقول:
يردف خلفه على الحمار ... على إكاف غير ذي استكبار
يمشي بلا نعل ولا خفّ إلى ... عيادة المريض حوله الملا
(وكان) راكبا (يوم بني قريظة) ، وفي رواية لأبي الشيخ: يوم خيبر ويوم قريظة والنضير، وبنو قريظة- بصيغة التصغير، والقاف والراء المهملة والظاء المشالة، ثمّ [تاء التأنيث]-: قوم من اليهود بقرب المدينة، أي: يوم الذهاب إليهم لحربهم، وكان ذلك عقب الخندق (على حمار مخطوم) في أنفه (بحبل) ؛ أي: مجعول له خطام- بكسر الخاء المعجمة- وهو: الزمام (من ليف) - بكسر اللام والفاء آخره- بشيء يتّخذ من النخل، ويفتل حبالا. (وعليه) أي: الحمار (إكاف) - بكسر الهمزة وكاف وألف وفاء آخره؛ بزنة كتاب، و [أكاف] بضمّ
стр. 1201
و (الخطام) : الزّمام. و (الإكاف) : البرذعة.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: كان النّبيّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير ...
كغراب، ويقال: وكاف- بالواو- وهو: رحل يوضع على ظهر الحمار للركوب عليه يسمّى في بعض البلدان ب «البرذعة» . وبعضهم يسمّيه «الشّدّ» ؛ وهو لذوات الحافر بمنزلة السّرج للفرس.
وهذا نهاية التّواضع، وأيّ تواضع!! وقد ظهر له ﷺ من نصر الله عليهم، والظفر بهم، وبأموالهم ما هو معروف.
وفيه أنّ ركوب الحمار ممّن له منصب شريف لا يخلّ بمروءته.
وروى النسائيّ، وابن حبّان؛ عن ابن مسعود: أنّهم كانوا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، فكان أبو لبابة وعليّ زميلي رسول الله ﷺ ، فكان إذا جاءت عقبته؛ قالا: نحن نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الآخرة منكما» انتهى مناوي على «الشمائل» .
(والخطام) - بخاء معجمة وطاء مهملة- وهو: (الزّمام) الذي تقاد به الدابّة، (والإكاف) - بكسر الهمزة وكاف؛ آخره فاء؛ بزنة كتاب- هو (البرذعة) - بالذال والدال- وهي: حلس تجعل تحت الرّحل، والجمع البراذع؛ هذا هو الأصل، وفي عرف زماننا: هي للحمار ما يركب عليه؛ بمنزلة السّرج للفرس، والرحل للبعير، وهذه البرذعة التي يركب عليها يسمّيها بعضهم بهذا الاسم؛ أعني برذعة، وبعضهم يسميّها: «الشدّ» - بالشين المعجمة والدال المهملة-، ويخصّ اسم البرذعة بما تحت الشدّ، فيجتمع على ظهر الحمار شيئين الشدّ؛ وهو ما يركب عليه والبرذعة: وهي ما تحت الشدّ على هذا القول الأخير. والله أعلم.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ، وابن ماجه في «سننه» - واللفظ ل «الشمائل» -؛ (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه:
كان النّبيّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير.
стр. 1202
والإهالة السّنخة، فيجيب، ولقد كان له درع عند يهوديّ فما وجد ما يفكّها حتّى مات.
والإهالة: السّنخة) - بفتح السين وكسر النون؛ فالخاء المعجمة- أي: الدّهن المتغيّر الريح من طول المكث. ويقال الزّنخة- بالزاي بدل السين-.
ويؤخذ من ذلك جواز أكل المنتن من لحم وغيره؛ حيث لا ضرر.
(فيجيب) دعوة من دعاه، (ولقد كان له درع) - بكسر الدال المهملة- زاد البخاريّ: من حديد. وفي نسخة من «الشمائل» : كانت بالتأنيث وهي أولى، لأن درع الحديد مؤنّثة، لكن أجاز بعضهم فيه التّذكير.
وهذه الدرع هي «ذات الفضول» التي أرسل بها إليه سعد بن عبادة- كما قاله ابن القيّم- رهنها ﷺ (عند يهوديّ) هو أبو الشحم؛ في ثلاثين صاعا من شعير؛ كما رواه البخاريّ، وأحمد، وابن ماجه، والطبرانيّ وغيرهم.
وفي عشرين صاعا من طعام أخذه لأهله؛ كما قاله الترمذيّ في «الجامع» ، والنسائي في «سننه» .
وجمع بينهما بأنّه أخذ أوّلا عشرين؛ ثم عشرة! أو لعلّها كانت دون ثلاثين وفوق العشرين، فمن قال «ثلاثين) جبر الكسر، ومن قال «عشرين) ألغاه.
وهل هذه العشرون اشتراها منه، أو اقترضها منه!؟ قولان في ذلك، وكان الشراء إلى أجل سنة؛ كما في البخاري. وإنّما عامل ﷺ اليهوديّ ورهن عنده؛ دون الصحابة؟! لبيان جواز معاملة اليهود وجواز الرهن بالدّين؛ حتى في الحضر، وإن كان القرآن مقيّدا بالسّفر!! لكونه الغالب، ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يأخذون منه رهنا، ولا يتقاضون منه ثمنا، فعدل إلى اليهودي لذلك.
(فما وجد ما يفكّها) - بضم الفاء وتشديد الكاف- أي: يخلّصها (حتّى مات) وافتكّها بعده أبو بكر وسلّمها إلى عليّ.
لكن روى ابن سعد؛ عن جابر أنّ أبا بكر قضى عداته، وأنّ عليّا قضى ديونه.
стр. 1203
و (الإهالة السّنخة) وفي رواية: الزّنخة؛ هي: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أهدي إليّ كراع.. لقبلت، ...
وفي ذلك بيان ما كان عليه ﷺ من الزهد والتقلّل من الدنيا والكرم الذي ألجأه إلى رهن درعه. وحديث «نفس المؤمن مرهونة بدينه حتّى يقضى عنه» !! مقيّد بمن لم يخلّف وفاء، مع أنّه في غير الأنبياء. انتهى باجوري، و «جمع الوسائل» .
(والإهالة) - بكسر الهمزة وتخفيف الهاء ولام- (: السّنخة) - بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة وهاء آخره-.
(- وفي رواية: الزّنخة-) بزاي بدل السّين. قال الزمخشريّ: سنخ وزنخ إذا تغيّر وفسد، والأصل السين، والزّاي بدله.
(هي) أي الإهالة السّنخة (: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث) يقال:
سنخ الدهن وزنخ إذا تغيّر.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : لو أهدي) - بصيغة المجهول- أي: لو أرسل هديّة (إليّ كراع) - بضم الكاف؛ كغراب: ما دون الكعب من الدوابّ، وقيل: مستدقّ الساق من الغنم والبقر، يذكّر ويؤنّث، والجمع: أكرع؛ ثم أكارع. وفي المثل «أعطي العبد كراعا؛ فطلب ذراعا» ؛ لأنّ الذراع في اليد والكراع في الرجل، والذّراع خير من الكراع.
(لقبلت) ، ولم أردّه على المهدي؛ وإن كان حقيرا، جبرا لخاطره ليحصل التحابب والتالف، فإنّ الردّ يحدث النّفور والعداوة، فيندب قبول الهديّة؛ ولو لشيء قليل.
стр. 1204
ولو دعيت عليه.. لأجبت» .
(ولو دعيت) بصيغة المجهول (عليه) أي: إليه- كما في نسخة من «الشمائل» - أي: لو دعاني إنسان إلى ضيافة كراع غنم (لأجبت» ) أي: الداعي ولم أتكبّر، لا على داع؛ ولو كان حقيرا، ولا على مدعوّ إليه؛ ولو كان صغيرا، لأن القصد من الإجابة تأليف الداعي؛ وزيادة المحبة. وعدم الإجابة يقتضي النّفرة؛ وعدم المحبّة، فيندب إجابة الدعوة؛ ولو لشيء قليل.
وفيه حسن خلق المصطفى ﷺ وحسن تواضعه، وجبره للقلوب بإجابة الداعي، وإن قلّ الطعام المدعوّ إليه جدا، والحثّ على المواصلة والتّحابب.
وفي «الجامع الصغير» إنّ هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن حبان؛ عن أنس.
قال المناوي في «شرح الجامع» : ورواه البخاريّ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في مواضع من «النكاح» وغيره؛ بلفظ: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع لقبلت» .
وقال المناوي في «شرح الشمائل» : قال الحافظ ابن حجر: زعم بعضهم ١- أنّ المراد بالكراع المكان المعروف ب «كراع الغميم» محلّ بين الحرمين، و ٢- أنّه أطلق ذلك مبالغة في الإجابة؛ ولو بعد المكان، لكن الإجابة مع حقارة الشيء أبلغ في المراد.
وذهب الجمهور إلى أنّ المراد كراع الشاة!! قال: وحديث «الشمائل» يؤيّده. انتهى.
وقال في «شرح الجامع الصغير» : قال ابن حجر: وأغرب في «الإحياء» فذكر الحديث بلفظ «كراع الغنم» !! ولا أصل لهذه الزيادة. انتهى.
стр. 1205
وعنه أيضا قال: حجّ رسول الله ﷺ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهمّ؛ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» .
(و) أخرج ابن ماجه، والترمذيّ في «الشمائل» واللفظ له- بسند ضعيف، وله شاهد ضعيف؛ ذكره في «جمع الوسائل» - وكذا أخرجه البيهقيّ: كلهم؛
(عنه) أي: أنس بن مالك (أيضا) رضي الله [تعالى] عنه (قال: حجّ رسول الله ﷺ بعد الهجرة في حجّة الوداع (على رحل) أي: قتب (رثّ) - بفتح الراء المهملة وتشديد المثلاثة- أي: خلق بال، والرّحل للجمل كالسّرج للفرس، أي:
حال كونه ﷺ راكبا على قتب بال، (وعليه) أي: الرّحل، كما هو أنسب بالسياق.
ويؤيده قوله في رواية أخرى «على رحل وقطيفة» فأفادت أنّ ضمير «عليه» ليس للمصطفى [ ﷺ ] . (قطيفة) أي: كساء من صوف له خمل، وهو: هدب القطيفة، أي: الخيوط التي بطرفه المرسلة من السّدى من غير لحمة عليها (لا تساوي) أي: لا يبلغ مقدار ثمنها (أربعة دراهم) ، لأنه في أعظم مواطن التواضع، لا سيّما والحجّ حالة تجرّد وإقلاع، وخروج عن المواطن سفرا إلى الله!! ألا ترى ما فيه من الإحرام!! ومعناه: إحرام النفس من الملابس؛ تشبيها بالفارّين إلى الله، ومن الوقوف الذي يتذكّر به الوقوف بين يدي الله تعالى، فكان التواضع في هذا المقام من أعظم المحاسن، لأن الحجّ من أعظم شعائره التواضع وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، ومنع النفس من التلذّذ والملابس؛
(فقال: «اللهمّ؛ اجعله) أي: اجعل حجّي هذا (حجّا) - بفتح الحاء وكسرها- (لا رياء فيه) الرياء: العمل لغرض مذموم؛ كأن يعمل ليراه الناس.
(ولا سمعة» ) - بضمّ السين، فسكون الميم- وهي: أن يعمل العمل وحده، ثم يتحدّث بذلك ليسمع الناس ويصير مشهورا به؛ فيكرم ويعظم جاهه في قلوبهم.
وفي الحديث: «من راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به» ، فتضرّع ﷺ إلى
стр. 1206
و (القطيفة) : كساء له خمل.
هذا.. وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجّه ذلك مئة بدنة.
ولمّا فتحت عليه مكّة ...
الله وسأله عدم الرّياء والسمعة مع كمال بعده عنهما؛ تخشّعا، وتذلّلا، وعدّا لنفسه كواحد من الآحاد، وهذا من عظيم تواضعه، إذ لا تتطرّق السمعة إلّا لمن حجّ على المراكب النفيسة، والملابس الفاخرة، والأغشية المحبّرة، والأكواب المفضّضة ... إلى غير ذلك مما هو مكروه كما يفعله أهل زماننا؛ لا سيّما علماؤنا!!.
هذا؛ مع أنّه ﷺ أهدى في هذه الحجة مائة بدنة، وأهدى أصحابه ما لا يسمح به أحد، ومنهم سيّدنا عمر بن الخطاب أهدى فيما أهدى بعيرا أعطي فيه ثلثمائة دينار فأبى قبولها. انتهى من المناوي على «الشمائل» .
(والقطيفة) - بقاف مفتوحة فطاء مهملة؛ فمثنّاة تحتيّة ففاء فهاء آخره؛ بزنة:
الصّحيفة- (: كساء) من صوف (له خمل) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان الميم؛ بزنة فلس- وهو: هدب القطيفة، أي: الخيوط التي بطرفه المرسلة من السّدى من غير لحمة عليها.
(هذا) أي: فعله ﷺ هذا واختياره رثّ الثياب والمركب؛ (و) الحال أنّه (قد فتحت عليه الأرض) ، وألقت أفلاذها من ذهب وغيره (وأهدى) كما روى مسلم عنه (في حجّه ذلك) عام حجة الوداع (مائة بدنة) أي: ناقة تقرّبا إلى الله تعالى، وإرشادا لمن يقتدي به، وإيماء إلى أن ترك تكلّفه في ثوبه ومركوبه لم يكن عن عجز وافتقار به، وقد نقل أنه ﷺ نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بقدر سنيّ عمره، وأمر عليّا كرّم الله وجهه بنحر البقية في يومه.
(ولمّا فتحت عليه مكّة) في شهر رمضان الكريم لتسع عشرة ليلة خلت منه؛
стр. 1207
ودخلها بجيوش المسلمين.. طأطأ على رحله رأسه حتّى كاد يمسّ قادمته؛ تواضعا لله تعالى.
وكان ﷺ يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا، ...
فيما رواه ابن إسحاق والبيهقيّ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والحاكم، والبيهقيّ، وأبو يعلي؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه ﷺ لمّا فتحت عليه مكّة (ودخلها بجيوش المسلمين) وعددهم!! قيل: ثمانية آلاف، وقيل: عشرة آلاف، وقيل: اثنا عشر ألفا (طأطأ) - بهمزتين أولاهما ساكنة وثانيهما مفتوحة- أي: خفض وأرخى (على رحله رأسه) مفعول «طأطأ» (حتّى كاد) ؛ أي:
قارب ﷺ (يمسّ) - بفتح الميم- كقوله تعالى لا يَمَسُّهُ [٧٩/ الواقعة] أي: يصيب برأسه، أو قارب رأسه أن يمسّ (قادمته) ؛ أي: مقدّمة رحله، لأنّ الرحل له مقدّم ومؤخّر مرتفع عن محل الراكب، وفيها لغات: قادم، وقادمة، ومقدّم، ومقدمة؛ بكسر الدال مخففة، و [مقدّمة] فتحها مشدّدة- وكذا آخره الرّحل (تواضعا لله تعالى) ؛ مفعول لأجله، وفيه إيماء إلى ما يشير إليه قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) [البقرة] أي: متواضعين، لا متكبرين؛ كالجبارين.
ومن تواضعه ﷺ أن ركب الجمل؛ دون الفرس وعلى رأسه مغفر فوقه عمامة سوداء، وأردف خلفه أسامة رضي الله تعالى عنه- كما سيأتي-.
(و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان ﷺ يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا) . روى الشيخان؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه ركوبه ﷺ فرسا لأبي طلحة؛ وسيأتي.
ولمسلم؛ من حديث سمرة ركوبه الفرس عريا حين انصرف من جنازة ابن الدّحداح،
ولمسلم؛ من حديث سعد: كان للنبي ﷺ فرس يقال له «اللّحيف» .
стр. 1208
ومرّة بعيرا، ومرّة بغلة، ومرّة حمارا، ومرّة يمشي راجلا حافيا، بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة.
وكان ﷺ يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء.
وركب ﷺ الفرس مسرجة تارة، وعريانة أخرى،
(ومرّة) يركب (بعيرا) . روى الشيخان؛ من حديث البراء، ومن حديث ابن عبّاس: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير.
(ومرّة) يركب (بغلة) . روى الشيخان؛ من حديث البراء: رأيت النبي ﷺ على بغلته البيضاء يوم حنين.
(ومرّة) يركب (حمارا) . روى الشيخان؛ من حديث أسامة أنّه ﷺ ركب على حمار إكاف ... الحديث.
(ومرّة يمشي راجلا) ؛ أي: على قدميه (حافيا) : أي: بلا نعل (بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة) .
روى الشيخان؛ من حديث ابن عمر كان يأتي قباء راكبا وماشيا.
وروى مسلم؛ من حديث ابن عمر في عيادته ﷺ لسعد بن عبادة، فقام وقمنا معه؛ ونحن بضعة عشر: ما علينا نعال؛ ولا خفاف؛ ولا قلانس؛ ولا قمص نمشي في السّباخ.
(وكان ﷺ فيما رواه ابن سعد في «طبقاته» ؛ عن حمزة بن عبد الله بن عتبة مرسلا (يركب الحمار عريا) - بضمّ العين المهملة، وإسكان الراء- أي: (ليس عليه شيء) مما يشدّ على ظهره: من نحو إكاف وبرذعة؛ تواضعا، وهضما لنفسه وتعليما وإرشادا. قال ابن القيم: لكن كان أكثر مراكبه الخيل والإبل. انتهى «مناوي» .
(وركب ﷺ الفرس مسرجة تارة) ؛ وهو الغالب من أحواله ﷺ (وعريانة) أي: بلا إكاف تارة (أخرى) ؛ وهو قليل، واستعمال عريانة وصفا للفرس! غير
стр. 1209
وكان يجري بها في بعض الأحيان.
وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع ماشيا.
وكان ﷺ يتوكّأ إذا مشى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله ﷺ ليس براكب بغل ولا برذون.
معروف، فإنّ الذي صرّح به أهل اللغة أنّه لا يقال فرس عريان؛ كما لا يقال رجل عري.
(وكان يجري بها في بعض الأحيان) رواه الشيخان؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت فتلقّاهم رسول الله ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت، واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه؛ وهو يقول: «لن تراعوا» . وفي رواية: فلما رجع؛ قال: «ما رأينا من شيء؛ وإن وجدناه لبحرا» . أي: واسع الجري.
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان ﷺ يخرج إلى العيد) أي: صلاته (ماشيا) ؛ لا راكبا، (ويرجع ماشيا) في طريق آخر ليسلّم على أهل الطريقين، وليتبرّكا به، وليقضي حاجتهما وليظهر الشّعار فيهما، وليغيظ منافقيها، فتخالف الطريق لذلك ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها، ولأنّ الطريقين يشهدان له، ففيه تكثير الشهود، وقد ندب المشي إلى الصلاة؛ تكثيرا للأجر. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي (كان ﷺ يتوكّأ إذا مشى) رمز له ابن عساكر.
(و) أخرج أبو داود، والترمذي في «الشمائل» ؛- واللفظ لها-.
(عن جابر رضي الله تعالى عنه؛ قال: جاءني رسول الله ﷺ يعودني؛ كما في رواية أبي داود (ليس براكب بغل ولا برذون) ، بل كان على رجليه ماشيا، كما
стр. 1210
وكان ﷺ يردف خلفه عبده أو غيره، ...
صرّحت به رواية البخاريّ وغيره؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه: أتاني رسول الله ﷺ يعودني، وأبو بكر وهما ماشيان، فكان ﷺ لتواضعه يدور على أصحابه ماشيا.
والمراد أنّ الركوب ليس عادة مستمرّة له، فلا ينافي أنّه ركب في بعض المرّات.
والبرذون- بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح الذال المعجمة- هو: الفرس الأعجميّ، وهو أصبر من العربيّ، وفي «المغرب» : هو التركيّ من الخيل، والجمع البراذين وخلافها العراب، والأنثى برذونة. انتهى «باجوري، وجمع الوسائل» .
(و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان ﷺ يردف) - بضمّ التحتية- (خلفه عبده أو غيره) ؛ ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا.
قال الخفاجي في «نسيم الرياض؛ شرح شفاء القاضي عياض» : ذكروا أنّ جميع من أردفه النبي ﷺ على فرس؛ أو غيره في سفره وحضره بلغ أربعين:
وهم ١- أبو بكر الصديق في الهجرة ﵁، و ٢- عثمان بن عفان ﵁؛ راجعا من بدر. و ٣- علي كرّم الله وجهه؛ في حجة الوداع، و ٤- أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما؛ مرجعه من عرفة. و ٥- عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما بين يديه، وأسباطه الثلاثة: ٦- الحسين، و ٧- الحسن، و ٨- علي بن أبي العاص؛ مع: ٩/ ١٠- غلامين من بني هاشم، وأولاد عبّاس الأربعة: ١١- عبد الله، و ١٢- عبيد الله، و ١٣- الفضل، و ١٤- قثم، و ١٥- معاوية ﵁، و ١٦- معاذ بن جبل؛ على عفير.
و١٧- أبو ذرّ، على حمار، و ١٨- زيد بن حارثة ﵁، و ١٩- ثابت بن الضحاك، و ٢٠- الشريد بن سويد ﵁، و ٢١- سلمة بن الأكوع،
стр. 1211
.........
و٢٢- أبو طلحة الأنصاريّ؛ زوج أم سليم، و ٢٣- سهيل بن بيضاء، و ٢٤- عبد الله بن الزّبير، و ٢٥- غلام مطلبيّ، و ٢٦- أسامة بن عمير، و ٢٧- صفية بنت حييّ؛ مقدمه من خيبر، و ٢٨- أبو الدرداء، و ٢٩- آمنة بنت أبي الصلت، و ٣٠- أبو إياس، و ٣١- أبو هريرة، و ٣٢- قيس بن سعد بن عبادة، و ٣٣- خوات بن جبير، و ٣٤- زيد بن أرقم، و ٣٥- أم حبيبة الجهنية ﵂، و ٣٦- جابر بن عبد الله، و ٣٧- جبريل ﵇؛ على البراق في الإسراء انتهى.
وفي «فتح الباري» للحافظ ابن حجر أنّ الحافظ يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ الكبير أبي عبد الله بن منده أفرد أسماء من أردفه النبي ﷺ في جزء؛ فبلغوا ثلاثين نفسا، وذكر غير الحافظ أنّه بلّغهم نحو الخمسين، وذكر كثيرا منهم العلّامة إبراهيم بن أحمد الخليل الزّبيدي اليمني في «المنهج الأعدل شرح مولد الأهدل» .
قال الخفاجي في «نسيم الرياض» : وزاد ابن منده غير هؤلاء، ونظمهم أبو ذرّ بن موفّق الدين؛ فقال:
وأردافه جمّ غفير فمنهم ... عليّ وعثمان شريد وجبريل
وأولاد عبّاس ذوو الرّشد والهدى ... أسامة والدّوسيّ؛ وهو نبيل
معاوية قيس بن سعد صفيّة ... وسبطاه ماذا عنهم سأقول!؟
معاذ أبو الدّردا صديّ وعقبة ... وآمنة إن قام ثمّ دليل
كذلك خوّات الظّريف وسبطه ... عليّ ووجه النّقل فيه جميل
أسامة والصّدّيق ثمّ ابن جعفر ... وزيد وعبد الله ثمّ سهيل
كذا بنت قيس خولة وابن أكوع ... وقدرهم في العالمين جليل
كذلك زيد جابر ثمّ ثابت ... فعن حبّهم والله لست أحول
ثلاثة غلمان وزد معهم أبا ... إياس وحسبي الله وهو وكيل
وقد شرح هذا النظم العلّامة شيخ الإسلام مفتي الديار اليمنية السيد: محمد بن
стр. 1212
.........
أحمد عبد الباري الأهدل المراوعي؛ مؤلف «الكواكب الدريّة شرح متممة الآجرومية» المتوفى سنة: ثمان وتسعين ومائتين وألف هجرية رحمه الله تعالى في رسالة سماها «إتحاف النّجباء الظّراف بمن ثبت لهم من النبي ﷺ الإرداف» .
والفقير مؤلّف هذا الكتاب سيعلّق على هذه الأبيات من الشرح المذكور آنفا:
قوله وأردافه- بفتح الهمزة- جمع: رديف؛ أي الذين أردفهم النبي ﷺ .
وقوله عليّ ذكر حديثه ابن القيّم في «الهدي النبوي» ، وذكر أبو داود والنسائي فيه حديثا آخر عن رافع بن عمر المزنيّ ﵁.
وقوله شريد؛ أي: ابن سويد الثقفي أبو عمرو، ذكر حديثه البخاريّ في «الأدب المفرد» عنه.
وقوله وجبريل قال في «الشرح» : صحّ أنّه حمله على البراق رديفا له، وذلك في ليلة الإسراء. ورواه الإمام أحمد بلفظ: على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس. قال ابن حجر المكيّ: وأوّل ذلك بعضهم بما لا حاجة إليه، إذ ركوب جبريل معه لا ينافي كونه في خدمته. انتهى.
وقوله وأولاد عبّاس، فأمّا عبد الله- بالتكبير-!! فروى حديثه الإمام أحمد، والترمذي؛ عنه ﵁. وأمّا عبيد الله- بالتصغير-!! فروى حديثه النسائيّ وغيره. وأمّا الفضل!! فحديثه في «الصحيح» ، وكذا قثم حديثه في «الصحيح» أيضا.
قوله أسامة: أي ابن زيد بن حارثة حبّ رسول الله ﷺ روى حديثه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم.
وقوله والدوسي؛ يريد أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، وقصة إردافه ذكرها المحبّ الطبريّ في «سيرته» . وروى الإمام محمد بن جابر الفقيه في كتاب «الدلائل» له؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت رديف النبي ﷺ ؛
стр. 1213
.........
فقال: «يا أبا هريرة؛ هلك الأكثرون، إنّ الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة ... »
وذكر الحديث، وفيه قصّة الجمل الذي كلّمه في الحائط «١» .
قوله معاوية قيس؛ ذكر في الشرح أحاديثهما بغير عزو.
وقوله صفيّة روى حديثهما البخاريّ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
قوله وسبطاه: الحسن والحسين؛ ذكر حديثهما مسلم بن الحجّاج؛ عن سلمة بن الأكوع، وكذلك روى حديثهما مسلم، وأبو داود، والنسائيّ؛ من طريق مورق العجلي، عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما.
قوله معاذ؛ أي: ابن جبل، روى حديثه الإمام أحمد والشيخان، والترمذيّ عنه؛ ورواه البزّار بسند رجاله ثقات؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قوله أبو الدرداء؛ ذكر في «الشرح» حديثه بدون عزو.
قوله صدي أي: ابن عجلان أبو أمامة الباهلي ﵁؛ ذكر حديثه في «الشرح» غير معزوّ، ثم قال: وأصله في أبي داود والترمذي وغيرهما.
وقوله عقبة؛ يعني ابن عامر. قال في «الشرح» : لم أقف على قصّة إردافه!! قال: ولم يذكر أحد من علماء الحديث والسّير: أن النبي ﷺ أردف عقبة بن عامر الجهني؛ قاله القسطلّانيّ.
قوله وآمنة- بالنون- قيل: أمّه آمنة بنت وهب؛ وقيل غيرها؛ وهو أقرب لكنه لم يبيّنها في «الشرح» . قال: وبعضهم ضبطه أميّة- بضمّ الهمزة وبالياء التحتية المشدّدة- ويظهر لي أنّه وهم!! وقد جرى على ذلك إبراهيم بن أحمد الخليل في «شرح مولد الأهدل» فقال: وأميّة الغفاري. انتهى
قوله كذلك خوّات؛ أي: ابن جبير الأنصاري ﵁؛ ذكره ابن منده، وقال: كان رديف رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى بدر، فردّه من الرّوحاء، لأنّه اشتكى.
стр. 1214
.........
قوله: وسبطه علي أي: ابن أبي العاص بن الربيع؛ أمّه زينب بنت رسول الله ﷺ ؛ ذكر حديثه الزبير بن بكّار، وذكره في «مختصر الاستيعاب» لابن عبد البر.
قوله أسامة؛ أي: ابن عمير الهذلي ﵁، روى حديثه الطبرانيّ برجال الصحيح عنه ﵁.
قوله والصديق؛ أي: أبو بكر الصديق، روى حديثه الإمام أحمد، والبخاريّ وغيرهما؛ عن أنس ﵁.
قوله ابن جعفر- يعني: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما- روى حديثه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود وغيرهم عنه. ورواه أيضا مسلم والنّسائي وغيرهما.
قوله وزيد؛ أي: ابن حارثة حبّ رسول الله ﷺ ، روى حديثه أبو يعلى عنه ﵁.
قوله وعبد الله؛ يعني: ابن الزبير، روى حديثه البخاريّ، ومسلم، والإمام أحمد.
قوله ثم سهيل؛ أي: ابن بيضاء ﵁ ابن وهب بن ربيعة بن هلال، توفي على عهد رسول الله ﷺ . روى حديثه الإمام أحمد والطبرانيّ في «الكبير» ، وابن أبي شيبة وغيرهم عنه ﵁.
قوله كذا بنت قيس خولة؛ وهي بنت قيس بن قهد- بالقاف- الأنصاري؛ تكنّى «أمّ محمد» وهي امرأة سيّدنا حمزة ﵁، روى لها البخاريّ والترمذي وغيرهما
قال في «الشرح» ؛ ولم أقف على قصّة إردافه لها، ولعلّه في بعض مغازيه!.
قوله وابن أكوع؛ هو سلمة بن عمرو بن وهب بن سنان، وهو الأكوع الأسلمي
стр. 1215
.........
﵁، روى حديث إردافه البخاريّ ومسلم عنه.
ورواه أيضا الطبرانيّ بسند رجاله ثقات عنه.
قوله كذلك زيد؛ يعني: ابن ثابت، أو زيد بن أرقم، أو زيد بن سهل؛ أبو طلحة الأنصاري ﵃، إذ كلّ من هؤلاء الثلاثة قد عدّ فيمن أردفه النبيّ ﷺ !! ولم أقف على قصّة إردافه لكلّ منهم!! غير أنّ ذلك مصرّح به في كتب السّير.
قوله جابر؛ يعني: ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، روى حديثه إبراهيم الحربيّ في «غريبه» ، وابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه.
قوله ثم ثابت؛ يريد: ابن الضحّاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي، قال أبو زرعة الرازي: هو من أهل الصّفّة، وممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول الله ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد.
قوله ثلاثة غلمان روى حديثهم البخاريّ في «الصحيح» .
قوله أبا إياس ﵁، روى حديثه ابن منده والحارث بن أبي أسامة عنه ﵁. انتهى.
وهذا آخر التعليق من شرح الأبيات للسيد العلّامة محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل رحمه الله تعالى.
ثم رأيت في كتاب «دليل الفالحين شرح رياض الصالحين» للعلامة الشيخ محمد بن علي بن علّان المكّي رحمه الله تعالى ما نصّه:
وقد تتبعت الذين أردفهم النبيّ ﷺ معه على دابّته، فبلغت بهم فوق الأربعين، وجمعتهم في جزء سمّيته «تحفة الأشراف بمعرفة الأرداف» ، وقد نظمت اسم جماعة منهم، وأوردته في آخر ذلك الجزء؛ وها هو:
لقد أردف المختار طه جماعة ... فسنّ لنا الإرداف إن طاق مركب
стр. 1216
وتارة يردف خلفه وقدّامه، وهو في الوسط.
ولمّا قدم ﷺ مكّة استقبله أغيلمة بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه، وآخر خلفه.
أبو بكر عثمان عليّ أسامة ... سهيل سويد جبرائيل المقرّب
صفيّة والسّبطان، ثمّ ابن جعفر ... معاذ وقيس والشّريد المهذّب
وآمنة مع خولة وابن أكوع ... وزيد أبو ذرّ سما ذاك جندب
معاوية زيد وخوّات ثابت ... كذاك أبو الدّرداء في العدّ يكتب
وأبناء عبّاس وابن أسامة ... صديّ بن عجلان حذيفة صاحب
كذلك جا فيهم أبو هريرة من روى ... ألوفا من الأخبار تروى وتكتب «١»
وعدّ من الأرداف يا ذا أسامة ... هو ابن عمير ثمّ عقبة يحسب
وأردف غلمانا ثلاثا كذا أبو ... إياس وأنثى من غفار تقرّب
وأردف شخصا، ثمّ أردف ثانيا ... وما سمّيا فيما روي يا مهذّب
أولئك أقوام بقرب نبيّهم ... لقد شرفوا طوبى لهم يا مقرّب
(وتارة يردف) - بضمّ أوّله؛ من الإرداف- والرّدف والرّديف: الراكب خلف الراكب بإذنه؛ قاله في «المواهب» . (خلفه) أي: من ورائه (وقدّامه) أي:
أمامه، (وهو) ﷺ يكون (في الوسط) ، وقد بيّن ذلك في قوله:
(ولمّا قدم ﷺ مكّة استقبله أغيلمة) - تصغير الغلمة: جمع الغلام- وهو شاذّ، والقياس غليمة؛ قاله الكرماني. انتهى «زرقاني»
(بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه وآخر خلفه) . رواه البخاريّ؛ عن عبد الله بن عبّاس، وقد بيّن في رواية أخرى هذين المبهمين، ففي البخاريّ: قال ابن عبّاس أتى رسول الله ﷺ مكّة وقد حمل قثم- بضم القاف وفتح المثلاثة الخفيفة- بين يديه، والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه؟! شكّ الراوي، ففي هذه الرواية الآخرى بيان المبهمين في الرواية الأولى.
стр. 1217
وعن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما ...
وفيه جواز الإرداف؛ وإن كانوا ثلاثة إذا لم تكن الدابّة ضعيفة لا تطيق ذلك.
وقيل: يكره ما فوق الاثنين؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
(و) أخرج أبو داود؛ وغيره وفيه قصّة طويلة (عن) أبي الفضل (قيس بن سعد بن عبادة) بن دليم بن حارثة بن حرام بن حزيمة- بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي- ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السّاعدي المدني.
الصحابي بن الصحابي (رضي الله تعالى عنهما) الجواد بن الجواد، وهم أربعة مشهورون بالكرم؛ هو، وأبوه سعد، وجدّه عبادة، وجدّ أبيه دليم.
وكان قيس من فضلاء الصحابة، وأحد دهاة العرب؛ وذوي الرأي الصائب؛ والمكيدة في الحرب والنّجدة، وكان شريف قومه غير مدافع، ومن بيت سيادتهم، وأحد السادات الطّلس- أي: لم يكن في وجهه لحية؛ ولا شعر- وكانت الأنصار تقول: وددنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا!! وكان جميلا، وكان بين يدي رسول الله ﷺ بمنزلة الشّرطيّ من الأمير- يعني: يلي أموره. ذكره النووي في «التهذيب» .
قال الزهري وكان قيس يحمل راية الأنصار مع النبي ﷺ .
وله في جوده أخبار كثيرة مشهورة، ورووا أنّه كان في سريّة فيها أبو بكر وعمر ﵄، فكان يستدين ويطعم النّاس!! فقالا: إن تركناه أهلك مال أبيه!! فهمّا بمنعه، فسمع سعد؛ فقال للنبي ﷺ : من يعذرني منهما؛ يبخّلان عليّ ابني!!
وصحب قيس بعد ذلك عليّا في خلافته؛ وكان معه في حروبه، واستعمله على مصر.
روى عن النبي ﷺ ستّة عشر حديثا؛ روى عنه الشعبيّ، وابن أبي ليلى،
стр. 1218
قال: زارنا رسول الله ﷺ ، فلمّا أراد الانصراف..
قرّب له سعد حمارا وطّأ عليه بقطيفة، فركب ﷺ ، ثمّ قال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ ، قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ : «اركب» ، فأبيت، فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف» ، فانصرفت. وفي رواية أخرى: «اركب أمامي؛ فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها» .
وعمرو بن شرحبيل وغيرهم. وكانت وفاته سنة: ستين. وقيل: قبلها بسنة رحمة الله عليه ورضوانه. آمين.
(قال: زارنا رسول الله ﷺ على عادته في تفقّد أصحابه. قيل: كان سعد دعاه رجل ليلا فخرج له، فضربه بسيفه، فعاده ﷺ (فلمّا أراد الانصراف قرّب له سعد حمارا) ليركبه (وطّأ) - بشدّ المهملة وهمزة آخره- (عليه بقطيفة) ؛ بزنة صحيفة: كساء له خمل ووبر؛ وضعه على ظهر الحمار.
(فركب ﷺ ثمّ قال سعد) لابنه (: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ أي:
كن معه في خدمته.
وفي ذا الحديث أنّه ﷺ جاء على حمار مردفا أسامة خلفه؛ فسعد وهبه الحمار ليركبه وحده؛ ويبقى أسامة على الحمار الذي جاء به.
(قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ : «اركب» ، فأبيت) أن أركب تأدّبا معه ﷺ ؛ لا مخالفة لأمره.
(فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف» ) ؛ أي: ترجع ولا تمشي معي، (فانصرفت.
وفي رواية أخرى: «اركب أمامي، فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها» ) . إذ هو أدرى بسيرها، وسمّاه صاحبا باعتبار ما كان، لأنّه ابن مالكها سعد بن عبادة.
وعند ابن منده: فأرسل ابنه معه ليردّ الحمار، فقال: «أحمله بين يديّ» .
قال: سبحان الله؛ أتحمله بين يديك؟! قال: «نعم، هو أحقّ بصدر حماره» .
стр. 1219
وفي «المواهب» : (عن المحبّ الطّبريّ: ...
قال: هو لك؛ يا رسول الله. قال: «أحمله إذن خلفي» .
وفي البخاريّ؛ من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من خيبر وإنّي لرديف أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول الله ﷺ رديف رسول الله ﷺ إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة!! فقال ﷺ : «إنّها أمّكم» .
فشددت الرّحل وركب رسول الله ﷺ فلما دنا ورأى المدينة؛ قال: «آيبون تائبون عائدون؛ لربّنا حامدون» . انتهى.
والمرأة هي صفيّة بنت حييّ أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
(و) ذكر العلّامة الشهاب القسطلّاني (في «المواهب) اللّدنّيّة بالمنح المحمدية» ؛ نقلا (عن المحبّ الطّبريّ) في «مختصر السيرة» له؛
وهو الإمام الحافظ القدوة المحدّث الفقيه الشافعي، أبو العباس: أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر محبّ الدين الطّبري، ثم المكيّ شيخ الحرم،
فرع دوحة كبيرة من دوحات الشّرف والرياسة؛ في العلم والحسب، ينتهي نسبهم إلى سيّدنا الحسين السّبط بن عليّ بن أبي طالب ﵁
رسخت أصولهم في «طبرستان» ؛ من بلاد العجم في الشرق، وامتدت فروعهم إلى أمّ القرى في بلاد الحجاز، وتوارث هو وبنو أعمامه وأبناؤهم وأحفادهم مناصب التدريس والقضاء، والخطابة وإمامة الحرم المكي نحو ستة قرون.
وكانوا أكثر أصحاب البيوتات بمكّة، حتّى كان الأشراف حكّام مكّة لا يعدلون بهم أحدا في الشرف والصهر والنّسب وكان نساء هذه الأسرة يبارين فحول الرجال في رفع منار العلم والاستباق إلى غايات المجد.
قال المحبيّ في «الخلاصة» «١» : والطبريّون بيت علم وشرف؛ مشهورون في
стр. 1220
.........
مشارق الأرض ومغاربها، وهم أقدم ذوي البيوتات بمكّة، وإنّ أوّل من قدم منهم مكّة الشيخ رضيّ الدين أبو بكر محمّد بن أبي بكر بن علي بن فارس الحسيني الطبري. قيل: سنة سبعين وخمسمائة، أو: في التي بعدها وانقطع بها، وزار النبي ﷺ ، وسأل الله عنده أولادا علماء، هداة مرضيين؛ فولد له سبعة أولاد؛ وهم: محمّد، وأحمد، وعلي، وإبراهيم، وإسحاق وإسماعيل، ويعقوب.
وكانوا كلّهم فقهاء علماء مدرّسين. انتهى، ذكره في مواضع متفرقة.
وكان دخول القضاء وإمامة مقام إبراهيم في بيتهم سنة: ثلاث وسبعين وستمائة؛ كما ذكره النجم بن فهد في تاريخه «إتحاف الورى بأخبار أمّ القرى» ، والفاسيّ في «العقد الثمين» .
وكان منصب الخطابة قديما ينتقل بمكّة في ثلاثة بيوت: الطبريين، والظهريين، والنّويريين. وبيت الطبريّ أقدمهم في ذلك؛ كما يعلم من كتب التواريخ.
ومن خطباء الطبريين: المحبّ الطّبريّ، والبهاء الطبريّ،
ولبني الطبري مزيد التقوى والورع والصلاح، وتوفّر أسباب الخير والفلاح؛
وكان مولد صاحب الترجمة سنة: خمس عشرة وستمائة، أو: ستّ عشرة.
سمع من أبي الحسن بن المقيّر، وابن الجمّيزي، وشعيب الزعفراني، وعبد الرحمن بن أبي حرمي، وجماعة. وتفقّه ودرّس وأفتى وصنّف.
وكان شيخ الشافعية ومحدّث الحجاز، إماما صالحا، زاهدا كبير الشأن، روى عنه البرزالي، وأبو الحسن العطّار، وولده قاضي مكّة؛
وصنّف التصانيف الجيّدة؛ منها: كتاب «الأحكام» في الحديث، وله «مختصر في الحديث» رتّبه على أبواب الفقه، وكتاب «خلاصة سيرة سيّد البشر، ﷺ » ، وكتاب «صفوة القرى في صفة حجة المصطفى ﷺ وطوفه بأمّ القرى» ، وكتاب «السّمط الثمين في مناقب أمّهات المؤمنين» ، و «القرى
стр. 1221
أنّه ﷺ ركب حمارا عريا إلى قباء، وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، قال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب» ، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ ، فوقعا [جميعا] ، ثمّ ركب ﷺ ، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، قال: ما شئت
لقاصد أمّ القرى» ، و «الرياض النّضرة في مناقب العشرة» ، و «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» .
ومن طالع «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» للفاسي علم ما لهم من المناقب، وما اشتملوا عليه من المناصب.
وتوفي في جمادى الأولى سنة: أربع وسبعين وستمائة، أو: أربع وتسعين وستمائة. وقع تحريف في «سبعين» ؛ هل هي بتقديم السين!! رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار. آمين.
(أنّه ﷺ ركب حمارا عريا) - بضمّ العين وإسكان الرّاء- أي: ليس عليه إكاف، ولا يقال ذلك في الآدمي، إنّما يقال عريان- كما تقدّم قريبا-.
(إلى قبا) - بالضمّ-: موضع بالمدينة، وفيه لغات جمعها القائل:
حرا وقبا أنّث وذكّرهما معا ... ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصّرفا
وزدت عليها أخذا من «شرح مسلم» قولي:
وأفصحها التّذكير والصّرف يا فتى ... مع المدّ فاعلم إنّ ذلك لا يخفى
(وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟!» . قال: ما شئت) افعله (يا رسول الله. قال: «اركب» ، فوثب أبو هريرة ليركب؛ فلم يقدر، فاستمسك) أي: تمسّك وتعلّق (برسول الله ﷺ ، فوقعا [جميعا] ، ثمّ ركب ﷺ ، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟!» ، قال:) افعل (ما شئت؛
стр. 1222
يا رسول الله، فقال: «اركب» ، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله ﷺ ، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟» ، فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ لا رميتك ثالثا.
وذكر الطّبريّ أيضا: أنّه ﵊ كان في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ طبخها، فقال رسول الله ﷺ : «عليّ جمع الحطب» ، فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميّز عليكم، ...
يا رسول الله! فقال: «اركب» فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله ﷺ ، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟!» فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ؛ لا رميتك) أي: لا أرميك (ثالثا) . واستعمل الماضي موضع المضارع، لأنّه قوي عنده أنّه إذا ركب وقعا جميعا أيضا.
(وذكر) المحبّ (الطبريّ أيضا) في الكتاب المذكور (أنّه ﵊ كان في سفر وأمر أصحابه) أي: الجنس (بإصلاح شاة) أي: تهيئتها للأكل.
(فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها. وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها. وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ طبخها. فقال رسول الله ﷺ «عليّ جمع الحطب» ) من الوادي.
(فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل!! فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني) - بحذف إحدى النونين تخفيفا- والأصل: تكفونني (ولكن أكره أن أتميّز عليكم،
стр. 1223
فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه» ) .
وقال في «الشّفا» : (عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال:
وفد وفد النّجاشيّ، ...
فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه» ) ؛ أي: لا يثني عليه إذا رآه متميّزا.
والمكروه له تعالى في الحقيقة هو تميّز العبد؛ لا رؤيته تعالى لذلك.
(وقال) القاضي عياض (في) كتاب ( «الشّفا) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ » :
وأخرجه ابن إسحاق، والبيهقي في «الدلائل» (؛ عن أبي قتادة) الأنصاريّ السّلمي- بفتحتين-: الحارث؛ ويقال: عمرو- أو النعمان- بن ربعي- بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة-.
شهد أحدا وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرا، وكان يقال له «فارس رسول الله ﷺ » .
ومات سنة: أربع وخمسين. وقيل: ثمان وثلاثين، والأوّل أصحّ، وأشهر وعمره: سبعون سنة- بتقديم السين المهملة على الموحدة-.
روى له أحمد، وأصحاب «السنن» (رضي الله تعالى عنه؛ [قال] :
وفد) أي: قدم (وفد) - بسكون الفاء-: اسم جمع بمعنى: وافدين (النّجاشيّ) - بفتح النون وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها- واسمه: أصحمة، والنّجاشيّ اسم لكلّ من ملك الحبشة، وكان ﵁ ممن أعان المسلمين لمّا هاجروا إليه، وكاتب النبي ﷺ ، وأهدى له الهدايا، وزوّجه ب «أمّ حبيبة» رضي الله تعالى عنها. وكتب له النبيّ ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، فأسلم على يد جعفر بن أبي طالب ﵁ سنة: ستّ. وكان بينه وبين النبي ﷺ محبّة عظيمة، فلما توفي في رجب سنة: تسع من الهجرة نعاه النبي ﷺ وصلّى على
стр. 1224
فقام النّبيّ ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم» .
ولمّا جيء بأخته من الرّضاعة الشّيماء ...
جنازته، وبه استدلّ الشافعي ﵁ على جواز الصلاة على الغائب، ولما توفيّ خلفه نجاشيّ آخر دعاه النبي ﷺ للإسلام، فأبى ومات كافرا. انتهى «خفاجي؛ على «الشفاء» وأرسل النّجاشيّ المسلم جماعة من عنده رسلا إليه ﷺ .
(فقام النّبيّ ﷺ يخدمهم) بنفسه تواضعا منه وإرشادا لغيره.
(فقال له أصحابه:) نحن (نكفيك) خدمتهم؛ أي: نقوم عنك بذلك.
فأبى، و (قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا) الذين هاجروا إلى أرضهم (مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم) - بكسر الفاء وبعدها همزة مفتوحة- أي:
أجازيهم على إكرامهم لأصحابنا بإكرامهم، ولا إكرام أعظم من تعاطيه ﷺ أمورهم بنفسه.
(ولمّا) ؛ أي وحين (جيء) - مبنيّ للمفعول- أي: جاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم (بأخته من الرّضاعة) - بفتح الراء وكسرها- بمعنى الرضاع (الشّيماء) - بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية والميم وهمزة ممدودة- ويقال لها «الشّمّاء» - بتشديد الميم- من غير ياء؛ كما قاله المحبّ الطبري.
وهي بنت حليمة السعدية التي أرضعت النبي ﷺ ، وقيل: أختها.
وزوج حليمة هو الحارث بن عبد العزّى، وحليمة أسلمت وعدّت من الصحابة واسمها- يعني «الشّمّاء» - جدامة- بجيم مضمومة ودال مهملة- وقيل: حذافة- بحاء مهملة وذال معجمة وفاء-. وقيل: خذافة- بمعجمتين أولاهما مكسورة-.
واختلف في زوجها أبو النبي ﷺ من الرضاع! فلم يذكر أحد من أهل السير إسلامه، ولكن ذكره يونس بن بكير في روايته؛ فقال حدّثنا ابن إسحاق؛ عن أبيه
стр. 1225
في سبايا هوازن، وتعرّفت له.. بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت ...
عن بعض بني سعد بن بكر:
أن الحارث بن عبد العزّى أبا رسول الله ﷺ من الرضاع قدم عليه بمكّة بعد بعثته؛ فقالت له قريش: يا حارث؛ ما يقول ابنك هذا!! فقال: ما يقول؟.
قالوا: يزعم أنّ الله يبعث الخلق بعد الموت، وأنّ لله دارين، يعذّب فيهما من عصاه، ويكرم من أطاعه. وقد شتّت أمرنا وفرّق جماعتنا!!
فأتاه فقال: يا بنيّ؛ مالك ولقومك يشكونك، ويزعمون أنّك تقول لهم:
«إنّ النّاس يبعثون بعد الموت، ثمّ يصيرون إلى جنّة، أو نار؟!!» . فقال:
«نعم، ولو كان ذلك اليوم يا أبت أخذت بيدك حتّى أعرّفك حديثك اليوم» .
فأسلم وحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرّفني ما قال؛
لم يرسلني- إن شاء الله- حتّى يدخلني الجنّة. انتهى ذكره الخفاجي.
(في سبايا) جمع سبية بمعنى: مسبية، أي: مأسورة (هوازن) اسم قبيلة؛ من بني سعد بن بكر، سمّيت باسم الأب الأعلى كتميم.
وهو هوازن بن نصر بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن نصر.
والمراد بكونها فيهم: أنّها كانت مسبيّة معهم أيضا؛ أي: أسيرة من جملة أسارى قبيلة هوازن المذكورة.
(وتعرّفت له) يقال: تعرّف له: إذا أعلمه باسمه وشأنه، فهي أعلمته ﷺ أنّها أخته رضاعا، فقال لها ﷺ : «ما علامة ذلك!؟» . فقالت: عضّة كنت عضّيتنيها في ظهري، فعرف ذلك رسول الله ﷺ وصدّقها.
وجواب «لمّا» قوله (بسط [لها] رداءه) أي: فرشه لها لتجلس عليه؛ إكراما لها ومكافأة لفعلها، لأنها كانت تربّيه مع أمّها حليمة.
(وقال لها) أي: على وجه التّخيير (: «إن أحببت) - أي: الإقامة عندي-
стр. 1226
أقمت عندي مكرمة محبّة، أو متّعتك ورجعت إلى قومك» ، فاختارت قومها، فمتّعها.
وقال أبو الطّفيل: ...
(أقمت عندي مكرمة) - بضمّ أوله وسكون ثانية وتخفيف رائه؛ اسم مفعول من أكرمه: إذا فعل به ما يحسبه من الإحسان؛ قولا وفعلا- (محبّة) - بضمّ أوّله وفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- أي: محبوبة وهو اسم مفعول؛ من أحبّه، ويقال «حبّه وأحبّه» بمعنى، والأفصح الأكثر في اسم المفعول: أن يكون من الثلاثي؛ فيكثر فيه محبوب، ويقال محبّ، لكنه هنا أحسن لاقترانه ل «مكرمة» ! وعليه الاستعمال؛ كقول الشاعر:
وإذا نزلت فلا تظنّي غيره ... منّي بمنزلة المحبّ المكرم
(أو متّعتك) أي: إن كنت تريدين الرجوع أعطيتك متاعا حسنا، وزوّدتك، (ورجعت إلى قومك» ) رجوعا مستحسنا.
(فاختارت قومها، فمتّعها) وزوّدها، ورجعت إلى قومها.
وتفصيله؛ كما قال أصحاب السّير: أنّه لما قدمت أخته الشّماء بنت الحارث بن عبد العزّى، وعرّفته ﷺ بنفسها فعرفها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه وخيّرها؛ فاختارت الرجوع لقومها وأرضها، وأن يمتّعها بالإحسان إليها، فأعطاها عبدا له اسمه «مكحول» وجارية، فزوّجت أحدهما من الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقيّة.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: إنّها أسلمت فأعطاها ثلاثة أعبد وجارية، ونعما وشاء، وهذا منه ﷺ صلة لرحمه، لأنّ الرضاع له حكم النسب والقرابة. انتهى
خفاجي، وعلي قاري: كلاهما على «الشفاء» للقاضي عياض.
(وقال أبو الطّفيل) - بضمّ الطاء المهملة، وفتح الفاء- منقول من مصغّر الطّفل، جعل علما لعامر بن واثلة- بالتاء المثلاثة- الكناني الصحابي آخر من مات
стр. 1227
رأيت النّبيّ ﷺ وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا:
أمّه الّتي أرضعته.
من الصّحابة على الإطلاق، كان مولده عام واحد من الهجرة، ووفاته سنة مائة من الهجرة، روى أربعة أحاديث. قال بعضهم:
آخر من مات من الصّحاب له ... أبو الطّفيل عامر بن واثله
وقد روى هذا الحديث أبو داود في «سننه» بسند حسن؛ كما قال الخفاجيّ، أو صحيح؛ كما قال ملا علي قاري؛ كلاهما في «شرح الشفاء» ؛ عن أبي الطّفيل المذكور قال:
(رأيت النّبيّ ﷺ أي: وكان جالسا [ذات] يوم بالجعرانة يقسم لحما؛
(وأنا غلام) في «كفاية المتحفّظ» : الغلام- عند بعض أهل اللغة-: الصبيّ إذا فطم إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج. وقد يطلق الغلام على الشابّ التامّ الرجولية. والمراد هنا الأوّل.
(إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه) أي: قربت من مكانه الجالس فيه، (فبسط لها رداءه) ؛ تكريما لها. (فجلست عليه) أي: بأمره.
(فقلت [لمن عنده] : من هذه؟ قالوا: أمّه الّتي أرضعته) فقيل: هي حليمة. وقيل: ثويبة. قال الحافظ الدّمياطيّ: لا يعرف لحليمة صحبة؛ ولا إسلام، وزوجها لا نعرف له صحبة؛ ولا إسلاما،
وما قاله ابن عبد البرّ من «أنّها أتته ﷺ يوم حنين، وبسط لها رداءه، وروت عنه، وروى عنها عبد الله بن جعفر!! لم يصحّ، وابن جعفر لم يدركها، وإنّما التي جاءته هي بنتها الشّماء.
وأمّا حليمة!! فإنّها جاءته ﷺ بمكّة قبل النبوة في زمن خديجة ﵂؛ فأعطاها أربعين شاة وجملا، ثم انصرفت لأهلها.
стр. 1228
وعن عمرو بن السّائب: أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما، ...
وما هنا يقتضي مجيئها له ﷺ بعد النبوة بالجعرانة بعد انقضاء حرب هوازن؛ ومجيء وفدهم!! وليس كذلك، إنّما هي ابنتها. وجوّز الذهبيّ رحمه الله تعالى أن تكون المرأة التي جاءته ثويبة مولاة أبي لهب الآتي ذكرها.
ويردّه أنّها ماتت سنة: سبع؛ قبل هوازن، ولما فتح مكة سأل عنها ابنها مسروحا فأخبره بموتها. وصحّح بعضهم خلافه؛ ذكره ابن الجوزي في «الوفا» .
وصنّف الحافظ مغلطاي جزآ في إسلامها سمّاه «النعمة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة» . وأيّده وارتضاه علماء عصره، وممّن أنكره أبو حيّان النحوي.
والله أعلم.
وصحّح ابن حبّان وغيره ما يدلّ على إسلام حليمة. انتهى من «شرح الشفا» .
قلت: وابن عبد البرّ وابن حبّان كلّ منهما أجلّ من الحافظ الدمياطي، فالراجح عندي ما قاله ابن عبد البرّ؛ من إثبات إسلامها، وهو الذي اعتمده الحافظ مغلطاي. وأيّده علماء عصره؛ لا سيما وقد ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الإصابة» في الصحابيات أهل القسم الأول. والله أعلم.
(وعن عمرو بن السّائب) ؛ كذا في «الشفاء» : عمرو- بالواو- وهو ابن راشد المصري «مولى بني زهرة» تابعيّ. ذكره الحافظ عبد الغني في «إكماله» فيمن اسمه عمرو، ووهّمه الحافظ المزّيّ؛ وقال: اسمه عمر- بضم العين-.
قال الحلبي: وهو غلط صريح صوابه عمر بن السائب- بضم العين؛ وحذف الواو-
وهو يروي عن أسامة بن زيد وجماعة، وعنه الليث، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث وغيرهم؛ ذكره ابن حبّان في «الثقات» .
والحديث رواه أبو داود مرسلا عنه أنّه بلغه (أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما
стр. 1229
فأقبل أبوه من الرّضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه. ثمّ أقبلت أمّه، فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر، فجلست عليه. ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه.
وكان ﷺ يبعث إلى ثويبة- مولاة أبي لهب-..
فأقبل أبوه من الرّضاعة) ؛ هو: الحارث بن عبد العزّى- وقد تقدّم الكلام فيه وفي إسلامه- (فوضع له) ﷺ (بعض ثوبه) وفرشه له في الأرض ليجلس عليه، (فقعد عليه، ثمّ أقبلت أمّه) ؛ أي: حليمة، (فوضع لها شقّ) - بكسر الشين المعجمة- أي: طرف (ثوبه من جانبه الآخر؛ فجلست عليه؛ ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة) وهو عبد الله بن الحارث المذكور، (فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه) يعني:
أنّه أجلس أباه عن يمينه وفرش له جانبا من ثوبه، وأجلس أمّه حليمة عن يساره وفرش تحتها جانبا من ثوبه؛ إكراما لها، فلما قدم أخوه- وهو عبد الله بن الحارث بن عبد العزّى- لم يبق جانب من ثوبه يفرشه، فقام له ﷺ لئلا يقصّر في توقيره عن أبويه!!
وفيه دليل على أنّه يجوز القيام تعظيما لمن يستحقّ التعظيم؛ خلافا لمن قال «إنّه مكروه مطلقا» !!
وللنّبيّ ﷺ عدّة مرضعات؛ منها حليمة هذه، وثويبة مولاة أبي لهب الآتية، وخولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد، وأمّ أيمن، وثلاث نسوة من سليم؛ تسمّى كلّ واحدة منهنّ «عاتكة» ، وهو أحد القولين في قوله ﷺ : «أنا ابن العواتك» وقيل: إنّهنّ جدّات له.
ومعنى عاتكة: متضمّخة بالطيب؛ قاله الخفاجي.
(وكان ﷺ يبعث) أي: يرسل من المدينة إلى مكة (إلى ثويبة) - بضمّ مثلّثة وفتح واو، فسكون تحتيّة فموحّدة- (: مولاة أبي لهب) - بفتح الهاء- أي: جارية عتيقة لأبي لهب، وهذه كنيته، واسمه عبد العزّى، وكنّي «أبا لهب» ! لتوقّد
стр. 1230
مرضعته بصلة وكسوة، فلمّا ماتت.. سأل: «من بقي من قرابتها؟» ، فقيل: لا أحد) .
لونه، وذكر بهذه الكنية في القرآن!! للإشارة إلى أنّه جهنّميّ.
(مرضعته) ﷺ ؛ وهو بالجرّ بدل، أو عطف بيان من ثويبة (بصلة) - بكسر الصاد المهملة- أي: نفقة (وكسوة) - بكسر الكاف- أي: ثياب تلبسها.
(فلمّا ماتت) بمكّة بعد هجرته ﵊ (سأل: «من بقي) أي:
عمن بقي (من قرابتها؟» ) ؛ فهو منصوب بنزع الخافض، أو تقديره.
وقال: من بقي من قرابتها!! فهي إمّا موصولة؛ أو استفهامية.
(فقيل: لا أحد) أي: ما بقي منهم أحد، وما ذكر من حسن الوفاء وصلة الرحم. وفيه من مكارم أخلاقه وحسن عهده ﷺ ما لا يخفى.
وهذا الحديث رواه ابن سعد؛ عن الواقدي؛ عن غير واحد من أهل العلم.
وفي «الروض الأنف» كان يصلها من المدينة، فلما فتح مكّة؛ سأل عنها وعن ابنها «مسروح» ؟ فقيل: ماتا.
وأما إرضاع ثويبة له ﷺ !! فثابت في «الصحيحين» ، وهي أوّل من أرضعته مع ابنها مسروح؛ المتقدّم ذكره قبل حليمة، وأرضعت قبله عمّه حمزة، وأبا سلمة.
واختلف في إسلامها! فأثبته بعضهم، وعدّها في الصحابة، وأنكره أبو نعيم، وكان أبو لهب أعتقها لما بشّرته بولادة النبي ﷺ ورؤي في المنام؛ وهو يقول:
خفّف عنّي العذاب بإعتاقي ثويبة لمّا بشرتني به.
وفي السّير أنّه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل. انتهى خفاجي، وملا علي قاري؛ على «الشفاء» .