أقمت عندي مكرمة محبّة، أو متّعتك ورجعت إلى قومك» ، فاختارت قومها، فمتّعها.
وقال أبو الطّفيل: ...
(أقمت عندي مكرمة) - بضمّ أوله وسكون ثانية وتخفيف رائه؛ اسم مفعول من أكرمه: إذا فعل به ما يحسبه من الإحسان؛ قولا وفعلا- (محبّة) - بضمّ أوّله وفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- أي: محبوبة وهو اسم مفعول؛ من أحبّه، ويقال «حبّه وأحبّه» بمعنى، والأفصح الأكثر في اسم المفعول: أن يكون من الثلاثي؛ فيكثر فيه محبوب، ويقال محبّ، لكنه هنا أحسن لاقترانه ل «مكرمة» ! وعليه الاستعمال؛ كقول الشاعر:
وإذا نزلت فلا تظنّي غيره ... منّي بمنزلة المحبّ المكرم
(أو متّعتك) أي: إن كنت تريدين الرجوع أعطيتك متاعا حسنا، وزوّدتك، (ورجعت إلى قومك» ) رجوعا مستحسنا.
(فاختارت قومها، فمتّعها) وزوّدها، ورجعت إلى قومها.
وتفصيله؛ كما قال أصحاب السّير: أنّه لما قدمت أخته الشّماء بنت الحارث بن عبد العزّى، وعرّفته ﷺ بنفسها فعرفها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه وخيّرها؛ فاختارت الرجوع لقومها وأرضها، وأن يمتّعها بالإحسان إليها، فأعطاها عبدا له اسمه «مكحول» وجارية، فزوّجت أحدهما من الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقيّة.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: إنّها أسلمت فأعطاها ثلاثة أعبد وجارية، ونعما وشاء، وهذا منه ﷺ صلة لرحمه، لأنّ الرضاع له حكم النسب والقرابة. انتهى
خفاجي، وعلي قاري: كلاهما على «الشفاء» للقاضي عياض.
(وقال أبو الطّفيل) - بضمّ الطاء المهملة، وفتح الفاء- منقول من مصغّر الطّفل، جعل علما لعامر بن واثلة- بالتاء المثلاثة- الكناني الصحابي آخر من مات
стр. 1227
رأيت النّبيّ ﷺ وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا:
أمّه الّتي أرضعته.
من الصّحابة على الإطلاق، كان مولده عام واحد من الهجرة، ووفاته سنة مائة من الهجرة، روى أربعة أحاديث. قال بعضهم:
آخر من مات من الصّحاب له ... أبو الطّفيل عامر بن واثله
وقد روى هذا الحديث أبو داود في «سننه» بسند حسن؛ كما قال الخفاجيّ، أو صحيح؛ كما قال ملا علي قاري؛ كلاهما في «شرح الشفاء» ؛ عن أبي الطّفيل المذكور قال:
(رأيت النّبيّ ﷺ أي: وكان جالسا [ذات] يوم بالجعرانة يقسم لحما؛
(وأنا غلام) في «كفاية المتحفّظ» : الغلام- عند بعض أهل اللغة-: الصبيّ إذا فطم إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج. وقد يطلق الغلام على الشابّ التامّ الرجولية. والمراد هنا الأوّل.
(إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه) أي: قربت من مكانه الجالس فيه، (فبسط لها رداءه) ؛ تكريما لها. (فجلست عليه) أي: بأمره.
(فقلت [لمن عنده] : من هذه؟ قالوا: أمّه الّتي أرضعته) فقيل: هي حليمة. وقيل: ثويبة. قال الحافظ الدّمياطيّ: لا يعرف لحليمة صحبة؛ ولا إسلام، وزوجها لا نعرف له صحبة؛ ولا إسلاما،
وما قاله ابن عبد البرّ من «أنّها أتته ﷺ يوم حنين، وبسط لها رداءه، وروت عنه، وروى عنها عبد الله بن جعفر!! لم يصحّ، وابن جعفر لم يدركها، وإنّما التي جاءته هي بنتها الشّماء.
وأمّا حليمة!! فإنّها جاءته ﷺ بمكّة قبل النبوة في زمن خديجة ﵂؛ فأعطاها أربعين شاة وجملا، ثم انصرفت لأهلها.
стр. 1228
وعن عمرو بن السّائب: أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما، ...
وما هنا يقتضي مجيئها له ﷺ بعد النبوة بالجعرانة بعد انقضاء حرب هوازن؛ ومجيء وفدهم!! وليس كذلك، إنّما هي ابنتها. وجوّز الذهبيّ رحمه الله تعالى أن تكون المرأة التي جاءته ثويبة مولاة أبي لهب الآتي ذكرها.
ويردّه أنّها ماتت سنة: سبع؛ قبل هوازن، ولما فتح مكة سأل عنها ابنها مسروحا فأخبره بموتها. وصحّح بعضهم خلافه؛ ذكره ابن الجوزي في «الوفا» .
وصنّف الحافظ مغلطاي جزآ في إسلامها سمّاه «النعمة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة» . وأيّده وارتضاه علماء عصره، وممّن أنكره أبو حيّان النحوي.
والله أعلم.
وصحّح ابن حبّان وغيره ما يدلّ على إسلام حليمة. انتهى من «شرح الشفا» .
قلت: وابن عبد البرّ وابن حبّان كلّ منهما أجلّ من الحافظ الدمياطي، فالراجح عندي ما قاله ابن عبد البرّ؛ من إثبات إسلامها، وهو الذي اعتمده الحافظ مغلطاي. وأيّده علماء عصره؛ لا سيما وقد ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الإصابة» في الصحابيات أهل القسم الأول. والله أعلم.
(وعن عمرو بن السّائب) ؛ كذا في «الشفاء» : عمرو- بالواو- وهو ابن راشد المصري «مولى بني زهرة» تابعيّ. ذكره الحافظ عبد الغني في «إكماله» فيمن اسمه عمرو، ووهّمه الحافظ المزّيّ؛ وقال: اسمه عمر- بضم العين-.
قال الحلبي: وهو غلط صريح صوابه عمر بن السائب- بضم العين؛ وحذف الواو-
وهو يروي عن أسامة بن زيد وجماعة، وعنه الليث، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث وغيرهم؛ ذكره ابن حبّان في «الثقات» .
والحديث رواه أبو داود مرسلا عنه أنّه بلغه (أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما
стр. 1229
فأقبل أبوه من الرّضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه. ثمّ أقبلت أمّه، فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر، فجلست عليه. ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه.
وكان ﷺ يبعث إلى ثويبة- مولاة أبي لهب-..
فأقبل أبوه من الرّضاعة) ؛ هو: الحارث بن عبد العزّى- وقد تقدّم الكلام فيه وفي إسلامه- (فوضع له) ﷺ (بعض ثوبه) وفرشه له في الأرض ليجلس عليه، (فقعد عليه، ثمّ أقبلت أمّه) ؛ أي: حليمة، (فوضع لها شقّ) - بكسر الشين المعجمة- أي: طرف (ثوبه من جانبه الآخر؛ فجلست عليه؛ ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة) وهو عبد الله بن الحارث المذكور، (فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه) يعني:
أنّه أجلس أباه عن يمينه وفرش له جانبا من ثوبه، وأجلس أمّه حليمة عن يساره وفرش تحتها جانبا من ثوبه؛ إكراما لها، فلما قدم أخوه- وهو عبد الله بن الحارث بن عبد العزّى- لم يبق جانب من ثوبه يفرشه، فقام له ﷺ لئلا يقصّر في توقيره عن أبويه!!
وفيه دليل على أنّه يجوز القيام تعظيما لمن يستحقّ التعظيم؛ خلافا لمن قال «إنّه مكروه مطلقا» !!
وللنّبيّ ﷺ عدّة مرضعات؛ منها حليمة هذه، وثويبة مولاة أبي لهب الآتية، وخولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد، وأمّ أيمن، وثلاث نسوة من سليم؛ تسمّى كلّ واحدة منهنّ «عاتكة» ، وهو أحد القولين في قوله ﷺ : «أنا ابن العواتك» وقيل: إنّهنّ جدّات له.
ومعنى عاتكة: متضمّخة بالطيب؛ قاله الخفاجي.
(وكان ﷺ يبعث) أي: يرسل من المدينة إلى مكة (إلى ثويبة) - بضمّ مثلّثة وفتح واو، فسكون تحتيّة فموحّدة- (: مولاة أبي لهب) - بفتح الهاء- أي: جارية عتيقة لأبي لهب، وهذه كنيته، واسمه عبد العزّى، وكنّي «أبا لهب» ! لتوقّد
стр. 1230
مرضعته بصلة وكسوة، فلمّا ماتت.. سأل: «من بقي من قرابتها؟» ، فقيل: لا أحد) .
لونه، وذكر بهذه الكنية في القرآن!! للإشارة إلى أنّه جهنّميّ.
(مرضعته) ﷺ ؛ وهو بالجرّ بدل، أو عطف بيان من ثويبة (بصلة) - بكسر الصاد المهملة- أي: نفقة (وكسوة) - بكسر الكاف- أي: ثياب تلبسها.
(فلمّا ماتت) بمكّة بعد هجرته ﵊ (سأل: «من بقي) أي:
عمن بقي (من قرابتها؟» ) ؛ فهو منصوب بنزع الخافض، أو تقديره.
وقال: من بقي من قرابتها!! فهي إمّا موصولة؛ أو استفهامية.
(فقيل: لا أحد) أي: ما بقي منهم أحد، وما ذكر من حسن الوفاء وصلة الرحم. وفيه من مكارم أخلاقه وحسن عهده ﷺ ما لا يخفى.
وهذا الحديث رواه ابن سعد؛ عن الواقدي؛ عن غير واحد من أهل العلم.
وفي «الروض الأنف» كان يصلها من المدينة، فلما فتح مكّة؛ سأل عنها وعن ابنها «مسروح» ؟ فقيل: ماتا.
وأما إرضاع ثويبة له ﷺ !! فثابت في «الصحيحين» ، وهي أوّل من أرضعته مع ابنها مسروح؛ المتقدّم ذكره قبل حليمة، وأرضعت قبله عمّه حمزة، وأبا سلمة.
واختلف في إسلامها! فأثبته بعضهم، وعدّها في الصحابة، وأنكره أبو نعيم، وكان أبو لهب أعتقها لما بشّرته بولادة النبي ﷺ ورؤي في المنام؛ وهو يقول:
خفّف عنّي العذاب بإعتاقي ثويبة لمّا بشرتني به.
وفي السّير أنّه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل. انتهى خفاجي، وملا علي قاري؛ على «الشفاء» .
стр. 1231
وكان ﷺ يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين.
وكان له ﷺ عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس.
(و) أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» ، والطبراني في «الكبير» - قال في العزيزي: إنّه حديث حسن- عن أميّة بن خالد بن عبد الله بن أسد الأموي يرفعه.
وقال المنذري: رواته رواة الصحيح، وهو مرسل. انتهى.
وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح. انتهى، لكن الحديث مرسل، وأميّة المذكور لم يخرّج له أحد من الستّة. ورواه عنه أيضا البغوي في «شرح السنة» .
وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ عندي والحديث مرسل.
وفي «تاريخ ابن عساكر» أنّ أميّة هذا تابعيّ ثقة، ولّاه عبد الملك خراسان.
قال الذهبيّ في «مختصره» : والحديث مرسل.
وقال ابن حبان: أميّة هذا يروي المراسيل، ومن زعم أنّ له صحبة!! فقد وهم، وقال في «الاستيعاب» : لا يصحّ عندي صحبته.
وفي «أسد الغابة» : الصحيح لا صحبة له، والحديث مرسل.
وفي «الإصابة» : ليس له صحبة ولا رؤية. قاله المناوي على «الجامع الصغير» .
(كان ﷺ يستفتح ويستنصر) أي: يطلب النصر والفتح (بصعاليك المسلمين) أي: بدعاء فقرائهم لقربه من الإجابة، بسبب انكسار قلوبهم لخلوّ أيديهم من الأموال.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» :
(كان له ﷺ عبيد وإماء. وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس) .
стр. 1232
وكان ﷺ يأكل مع خادمه.
وكان ﷺ يجلس مع الفقراء.
روى: محمد بن سعد في «الطبقات» ؛ من حديث سلمى؛ قالت: كان خدم النبي ﷺ أنا، وخضرة، ورضوى، وميمونة بنت سعد؛ أعتقهنّ كلّهن. وإسناده ضعيف.
وروى أيضا: أن أبا بكر بن حزم كتب إلى عمر بن عبد العزيز بأسماء خدم النبي ﷺ فذكر بركة «أم أيمن» ، وزيد بن حارثة، وأبا كبشة، وآنسة، وشقران، وثوبان، وسفينة، ورباحا، ويسارا، وأبا رافع، وأبا مويهبة، ورافعا؛ أعتقهم كلّهم، وفضالة، ومدعما، وكركرة.
ولمسلم من حديث أبي اليسر: «أطعموهم ممّا تطعمون، وألبسوهم ممّا تلبسون» ... الحديث.
(و) أخرج أبو بكر بن الضّحاك في «الشمائل» ؛ من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد ضعيف:
(كان ﷺ يأكل مع خادمه) ؛ تواضعا لله وجبرا لخاطره.
(و) في «كنوز الحقائق» - ورمز له برمز أبي داود-: (كان ﷺ يجلس مع الفقراء) ، ويجتنب مجالسة الأغنياء، ويقول: «اتّقوا مجالسة الموتى» .
روى أبو داود؛ من حديث أبي سعيد: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين، وإنّ بعضهم ليستتر ببعض من العري!! وفيه؛ فجلس رسول الله ﷺ وسطنا ليعدل بنفسه فينا ... الحديث.
ولابن ماجه؛ من حديث خبّاب: وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا ...
الحديث في نزول قوله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [٥٢/ الأنعام] ... الآية وإسنادهما حسن.
стр. 1233
وكان ﷺ يواكل الفقراء والمساكين، ويفلي ثيابهم.
وكان ﷺ يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم.
(و) في «كشف الغمّة» : (كان ﷺ يواكل الفقراء والمساكين) الفرق بين المسكين والفقير مشهور في مبحث الزكاة، إلّا أنّ كلّا منهما يطلق على الآخر من غير فرق في العرف، والمسكين- بكسر الميم وفتحها- مأخوذ من السكون، ويكون بمعنى المتذلّل الخاضع، ومنه قوله ﷺ : «اللهمّ؛ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا» .
ولا يجوز أن يطلق على النبي ﷺ أنّه فقير أو مسكين، وإن أطلقه على نفسه الشريفة؛ قاله العلّامة الشهاب الخفاجي على «الشفا» .
روى البخاريّ؛ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا على أحد؛ إذا أتته صدقة بعث بها إليهم؛ ولم يتناول منها، فإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها.
(ويفلي) - بفتح فسكون- مضارع فلى؛ ثلاثيّا. (ثيابهم) أي: يزيل منها القمل. وهذه الجملة لم أجدها في غير «كشف الغمّة» !!.
(و) أخرج الإمام أحمد، وابن سعد، وأبو الشيخ وصحّحه، وابن حبّان؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله ﷺ يخيط) - بفتح المثناة التحتية وكسر الخاء المعجمة- (ثوبه) ، ورواية أبي الشيخ وابن سعد: ويرقع الثوب، (ويخصف) - بكسر الصاد المهملة- (نعله) ؛ أي: يخرز طاقا على طاق.
قال في «مختصر النهاية» : وخصف النعل خرزها.
(ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس؛ إرشادا للتواضع وترك التكبّر، لكنه مشرّف بالوحي والنبوة، مكرّم بالمعجزات والرسالة.
стр. 1234
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه قيل لها: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ...
وفيه أنّ الإمام الأعظم يتولّى أموره بنفسه، وأنّه من دأب الصالحين.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الشمائل» - واللفظ لها-، وأبو نعيم في «الحلية» : كلهم؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ أنّه قيل لها) ؛ أي: قال لها بعضهم (: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟.
قالت: كان بشرا من البشر) ، ذكرت ذلك تمهيدا لما تذكره بعد؛ الذي هو محطّ الجواب، ودفعت بذلك ما رأته من اعتقاد الكفّار أنّه لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعله غيره من العامّة، وإنّما يليق أن يكون كالملوك الذين يترفّعون عن الأفعال العاديّة؛ تكبرا! وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [٧/ الفرقان] فقالت: إنّه كان خلقا من خلق الله تعالى. أي: واحدا من بني آدم؛ يعتريه ما يعتريهم من الاحتياج إلى المأكل والمشرب، والمشي في السوق، والمحن والضرورات.
(يفلي) - بفتح المثناة التحتية وسكون الفاء؛ بعدها لام مكسورة، وآخره ياء تحتية، مضارع «فلى» ثلاثيا؛ كما ضبطه غير واحد، بزنة: رمى يرمي. ويجوز [يفلي] ضمّ أوّله وسكون ثانيه مخفّفا، أو [يفلّي] فتحه مثقّلا-
(ثوبه) أي: يفتّشه ليلتقط ما فيه مما علق فيه من نحو شوك، أو ليرقع ما فيه؛ من نحو خرق، لا نحو قمل، لأن أصل القمل من العفونة؛ ولا عفونة فيه! وأكثره من العرق، وعرقه طيب!! ولذلك ذكر ابن سبع- وتبعه بعض شرّاح «الشفاء» أنّه لم يكن فيه قمل، لأنه نور، ومن قال «إنّ فيه قملا» ؟! فهو كمن نقصه، وقيل: إنه كان في ثوبه قمل ولا يؤذيه. وإنّما كان يلتقطه!! استقذارا له؛ كذا قرّره الباجوريّ على «الشمائل» .
стр. 1235
ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وقال المناوي في شرح «الجامع الصغير» : ومن لازم التفلّي وجود شيء يؤذي في الجملة؛ كبرغوث وقمل، فدعوى أنّه لم يكن القمل يؤذيه؛ ولا الذباب يعلوه دفعت بذلك، ومحاولة الجمع ب «أن ما علق بثوبه من غيره؛ لا منه» !! ردّت بأنّه نفي أذاه، وأذاه غذاؤه من البدن، وإذا لم يتغذّ لم يعش، انتهى. ومن ثمّ قال الزرقاني؛ كالمناوي: ظاهره أنّ القمل يؤذيه. لكن قال ابن سبع ... إلى آخر ما تقدّم عن الباجوري.
(ويحلب) - بضمّ اللّام ويجوز كسرها- (شاته، ويخدم) - بضمّ الدال وتكسر- (نفسه) عطف عامّ على خاصّ. ونكتته الإشارة إلى أنّه كان يخدم نفسه عموما وخصوصا، وهذا يتعيّن حمله على أنّه كان يفعل ذلك في بعض الأوقات؛ لا دائما، فإنّه ثبت أنّه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه، وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة.
وفيه ندب خدمة الإنسان نفسه، وأنّه لا يخلّ بمنصبه؛ وإن جلّ. انتهى؛ قاله الزرقاني على «المواهب» . وذكر مثله المناويّ على «الجامع الصغير» .
وقال ملا علي قاري في «جمع الوسائل» - بعد قوله «يخدم نفسه» -: إنّه فسّر بصبّ الماء في الوضوء والغسل على الأعضاء. انتهى.
قال المناوي في «شرح الشمائل» : وفيه الترغيب في التواضع، وترك التكبّر، وخدمة الرجل نفسه وأهله. ولذا قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين؛ إن سرّك أن تلحق بصاحبيك؛ فارفع القميص، وأنكس الإزار، واخصف النعل، وأقصر الأمل، وكل دون الشبع؛ تلحق بهما.
وقد نظم معنى ذلك الحافظ العراقيّ حيث قال:
يخصف نعله يخيط ثوبه ... يحلب شاته، ولن يعيبه
يخدم في مهنة أهله كما ... يقطع بالسّكّين لحما قدما
стр. 1236
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أوسع النّاس خلقا، وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة، وكان يصنع كما يصنع آحاد النّاس، يشيل هذا، ويحطّ هذا، ويقمّ البيت، ويقطّع اللّحم، ويعين الخادم.
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان رسول الله ﷺ أوسع النّاس خلقا) - بضمّتين- أي: بشرا وطلاقة وجه وإبداء سرور.
(وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة) .
روى ابن سعد في «طبقاته» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه كان يرقع ثوبه ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، وفي رواية له عنها: يعمل عمل البيت، وأكثر ما يعمل الخياطة. انتهى.
وفيه أنّ الخياطة صنعة لا دناءة فيها، وأنّها لا تخلّ بالمروءة؛ ولا بالمنصب.
(وكان يصنع) في بيته (كما يصنع آحاد النّاس) في بيوتهم.
ثم فصّل بعض ما يفعله في البيت؛ فقال: (يشيل هذا) المتاع المحتاج إليه، (ويحطّ هذا) المتاع الذي انتهت منه الحاجة. (ويقمّ) - بضمّ القاف وكسرها وتشديد الميم- (البيت) أي: يكنسه ويزيل قمامته.
(ويقطع اللّحم) . قال الحافظ العراقي: رواه الإمام أحمد؛ من حديث عائشة ﵂: أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا، فأمسكت وقطع رسول الله ﷺ . أو قالت: فأمسكه رسول الله ﷺ وقطعنا.
وفي «الصحيحين» ؛ من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في أثناء حديث:
وايم الله؛ ما من الثلاثين ومائة إلّا حزّ له رسول الله ﷺ من سواد بطنها. انتهى «شرح الإحياء» .
(ويعين الخادم) ؛ مملوكا أو غيره، وهو يشمل الذكر والأنثى.
стр. 1237
وكان ﷺ يركب الحمار، ويخصف النّعل، ويرقع القميص، ويلبس الصّوف، ويقول: «من رغب عن سنّتي.. فليس منّي» .
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» ، وأبو الشيخ في «كتاب الأخلاق» :
كلاهما؛ عن أبي أيوب الأنصاري، وفي سنده راويان ضعيفان:
(كان ﷺ يركب الحمار) ، زاد ابن سعد في رواية: عريا؛ ليس عليه شيء.
وذلك- مع ما فيه من غاية التواضع- إرشاد للعباد، وبيان أنّ ركوبه لا يخلّ بمروءة ولا رفعة، بل فيه غاية التواضع وكسر النّفس.
(ويخصف) - بفتح المثناة التحتية- (النّعل) أي: يصلحها بترقيع وخرز.
(ويرقع) - بالقاف؛ من باب قطع- (القميص) أي: يجعل مكان القطع خرقة من نوعه؛ ومن غير نوعه.
(ويلبس) - بفتح الموّحدة- يقال: لبس الثوب يلبس- بفتح الباء الموحّدة؛ في المضارع، وكسرها في الماضي-، ويقال لبس يلبس- بفتح الموحّدة في الماضي، وكسرها في المضارع؛ بمعنى خلط-.
وقد نظم الفرق بينهما بعضهم؛ فقال:
لعين مضارع في لبس ثوب ... أتى فتح، وفي الماضي بكسر
وفي خلط الأمور أتى بعكس ... لعينهما فخذه بغير عسر
(الصّوف) ؛ رداآ وإزارا وعمامة. (ويقول) منكرا على من ترفّع عن ذلك:
«هذه سنّتي، و (من رغب عن سنّتي) - أي: طريقتي وهديي- (فليس منّي» ) ؛ أي: من العاملين بطريقتي السالكين منهجي، وهذه سنّة الأنبياء قبله أيضا.
روى الحاكم، والبيهقيّ في «الشعب» ؛ عن ابن مسعود: كانت الأنبياء يستحبّون أن يلبسوا الصوف، ويحلبوا الغنم، ويركبوا الحمر.
وقال عيسى ﵊: بحقّ أقول: إنّه من طلب الفردوس فغذاء الشعير له، والنوم على المزابل مع الكلاب كثير.
стр. 1238
وكان ﷺ يعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السّوق.
وفيه ندب خدمة الرجل نفسه، وأنّه لا دناءة في ذلك.
(و) في «الشفاء» : (كان ﷺ يعقل) - بكسر القاف؛ بوزن يضرب- (البعير) ؛ أي: يربطه في رجله بالعقال؛ وهو ما يعقل به من الحبال.
(ويعلف) - بكسر اللام- (ناضحه) - بنون وضاد معجمة وحاء مهملة- أي:
بعيره الذي يستقي عليه الماء.
(ويأكل مع الخادم) الخادم: متعاطي الخدمة؛ ذكرا كان أو أنثى، حرّا أو عبدا، وأكل الإنسان مع خادمه سنّة.
قال القاضي زكريا؛ في «شرح الروض» : السنّة أن يجلس خادمه للأكل معه، ويلبسه من لباسه، فإن أبى فلينا وله مما يأكله.
ومن الغريب ما نقل عن الشافعي: أنّه واجب للأمر به في الحديث. وفيه نظر!!
(ويعجن معها) الضمير للخادم، لأنّه يطلق على الأنثى- كما مرّ-، والعجين من عمل النساء غالبا، (ويحمل بضاعته) - بكسر الموحّدة-: ما يشتريه (من السّوق) إلى محلّه في بعض أوقاته، إذ ثبت أنّه ﵊ كان له خدم يقومون بما له من المرام.
وفي ذلك دلالة على أنّه ﷺ كان يدخل السوق، قالوا: وهو عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [٢٠/ الفرقان] وكذا كان دأب الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ولا ينافيه: «أحبّ البقاع إلى الله تعالى المساجد، وأبغضها إلى الله الأسواق» !! لأن المراد بغض ما فيها، أو النهي عن الجلوس فيها من غير حاجة.
انتهى «خفاجي، وقاري» .
стр. 1239
و (النّاضح) : البعير يستقى عليه، ثمّ استعمل في كلّ بعير.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت السّوق مع رسول الله ﷺ ، فاشترى سراويل وأخذه، فذهبت لأحمله، فقال: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» .
(والنّاضح) - بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة آخره- هو (: البعير يستقى عليه) الماء، والأنثى ناضحة؛ بالهاء.
سمّي ناضحا!! لأنّه ينضح العطش. أي: يبله بالماء الذي يحمله؛
هذا أصله، (ثمّ استعمل) الناضح (في كلّ بعير) ؛ وإن لم يحمل الماء، وجمعه: نواضح.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الأوسط» ، وأبو يعلى في «مسنده» - بسند ضعيف جدّا- (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال:
(دخلت السّوق) يوما؛ (مع رسول الله ﷺ فجلس إلى البزازين؛ (فاشترى سراويل) بأربعة دراهم. وسراويل فارسي معرب، يذكّر ويؤنّث، ولم يعرف فيه الأصمعيّ إلّا التأنيث. وجمعه سراويلات. والأشهر عدم صرفه.
وكان لأهل السوق وزّان، فقال له: «زن وأرجح» .
(وأخذه) أي: أخذ رسول الله ﷺ السراويل. قال أبو هريرة:
(فذهبت) أي: قصدت (لأحمله) عنه؛ (فقال) ﷺ لأبي هريرة (: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه) - أصله بالهمزة، قلبت ياء وأدغمت فيها الياء- أي: بمتاعه المختصّ به (أن يحمله» ) . أي: أحقّ بحمله، لأنّه أبقى على تواضعه، وأنفى لكبره وتمام الحديث- بعد قوله «أن يحمله» -: «إلّا أن يكون ضعيفا؛ فيعجز عنه فيعينه أخوه المسلم» . فقلت: يا رسول الله؛ إنّك لتلبس السراويل. قال: أجل في السّفر والحضر، وبالليل والنهار، فإنّي أمرت بالستر، فلم أجد أستر منه. انتهى.
стр. 1240
.........
وكذا أخرجه ابن حبّان في «الضعفاء» ؛ عن أبي يعلى، والدارقطني في «الأفراد» ، والعقيلي في «الضعفاء» ، ومداره على يوسف بن زياد الواسطي؛ وهو وشيخه ضعيفان.
بل بالغ ابن الجوزيّ فذكر الحديث هذا في «الموضوعات» !! وتعقّبه السيوطيّ، واقتصر الحافظ ابن حجر وغيره على أنّه ضعيف فقط.
لكن صحّ شراء النبيّ ﷺ للسراويل من غير هذا الطريق، فقد روى الإمام أحمد، وأصحاب «السنن الأربعة» ، وصحّحه ابن حبّان؛ عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبد بزّا من هجر، فأتينا مكّة، فجاءنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى فتساومنا سراويل؛ فبعناه منه فوزن ثمنه، وقال للوزّان: «زن وأرجح» .
وروى النّسائيّ، وأحمد؛ عن أبي صفوان: مالك بن عميرة الأسدي: أنّه باع من النبي ﷺ قبل أن يهاجر رجل سراويل؛ فلما وزن له أرجح له، وهذه القصّة غير التي ساقها المصنف، لأنّها بعد الهجرة، إذ أبو هريرة إنما جاء في خيبر!!.
واختلف العلماء: هل لبس النبي ﷺ السراويل؛ أم لا!! فجزم بعض العلماء بأنّه لم يلبسه، ولكن اشتراه، ويستأنس له بما جزم به النّوويّ في «ترجمة عثمان بن عفان» ؛ من كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» : أنه ﵁ لم يلبس السراويل في جاهلية ولا إسلام إلّا يوم قتله؛ مخافة أن تظهر عورته، فإنّ الصحابة ﵃ كانوا أحرص شيء على اتباعه ﷺ .
وفي «الهدي النبوي» لابن القيّم: الظاهر أنّه إنما اشتراه ليلبسه.
قال الحافظ ابن حجر: وما كان ليشتريه عبثا، وإن كان غالب لبسه الإزار!! ويحتمل أنّه اشتراه لغيره! وفيه بعد. وكانوا يلبسونه في زمانه، وبإذنه، بل قال الشاميّ: يؤيّد ابن القيّم أن البيهقي في «الشعب» ، وابن الجوزي في «الوفاء» وغيرهما من العلماء أوردوا الحديث في «باب ما كان رسول الله ﷺ يلبسه» .
стр. 1241
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ ، قال: وكانوا إذا رأوه.. لم يقوموا؛ لما يعلمون ...
وقد ترجم البخاري في «كتاب اللباس» ؛ من «صحيحه» باب السراويل، وأورد فيه حديث المحرم: «لا تلبسوا القمص ولا السّراويل ... » الحديث، لكونه لم يرد فيه شيء على شرطه، فاكتفى بما دلّ عليه الحديث: أنّ الحلال يجوز له لبس السراويل.
وروى أبو نعيم؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «أوّل من لبس السّراويل إبراهيم الخليل» . قيل: ولذا كان أوّل من يكسى يوم القيامة؛ كما في «الصحيحين» .
وروى الترمذيّ؛ وقال غريب، عن ابن مسعود رفعه: «كان على موسى يوم كلّمه ربّه كساء صوف، وكمّة صوف، وجبّة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت» . والكمّة- بالضمّ-: القلنسوة الصغيرة. صحّحه الحاكم وردّه المنذريّ. انتهى من «شرح المواهب» و «شرح الشفاء» . وقد تقدّم الكلام على السراويل في «اللباس» .
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه؛ قال: لم يكن شخص أحبّ) أي: أكثر محبوبيّة (إليهم) أي: إلى الصحابة (من رسول الله ﷺ ، لأنّه أنقذهم من الضلالة، وهداهم إلى السعادة، حتى قال عمر: يا رسول الله؛ أنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلّا من نفسي.
فقال ﷺ : لا يكمل إيمانك حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك» . فسكت ساعة، ثم قال: حتّى من نفسي. فقال: «ألآن تمّ إيمانك يا عمر» .
وقاتلوا معه آباءهم وأبناءهم، فقتل أبو عبيدة أباه، لإيذائه للمصطفى ﷺ .
وتعرّض أبو بكر لقتل ولده عبد الرحمن يوم بدر ... إلى غير ذلك مما هو مبيّن في كتب السّير.
(قال) أي أنس (: وكانوا إذا رأوه) أي: مقبلا (لم يقوموا) له (لما يعلمون
стр. 1242
من كراهته لذلك.
وأمّا جلوس رسول الله ﷺ :
فعن خارجة بن زيد رضي الله [تعالى] عنه قال: ...
من كراهته لذلك!) ، أي: لأجل المعلوم المستقرّ عندهم، وهو كراهته لذلك القيام؛ تواضعا وشفقة عليهم، وخوفا عليهم من الفتنة؛ إذا أفرطوا في تعظيمه، وإسقاطا لبعض حقوقه المعيّنة عليهم، فاختاروا إرادته على إرادتهم، لكن كان لا يكره قيام بعضهم لبعض، ولذلك قال: «قوموا لسيّدكم» يعني: سعد بن معاذ سيّد الأوس. فأمرهم بفعله؛ لأنه حقّ لغيره فوفّاه حقّه، وكره قيامهم له! لأنّه حقّه فتركه تواضعا.
وهذا دليل لما عليه محرّر المذهب الإمام محيي الدين النوويّ؛ من ندب القيام لأهل الفضل. وقد قام ﷺ لعكرمة بن أبي جهل لمّا قدم عليه، وكان يقوم لعديّ بن حاتم كلما دخل عليه؛ كما جاء ذلك في خبرين، وهما؛ وإن كانا ضعيفين؛ يعمل بهما في الفضائل. فزعم سقوط الاستدلال بهما وهم.
وقد ورد أنّهم قاموا لرسول الله ﷺ !! فيناقض ما هنا.
إلا أن يقال في التوفيق: إنّهم إذا رأوه من بعد غير قاصد لهم لم يقوموا له. أو أنه إذا تكرّر قيامه وعوده إليهم لم يقوموا؟! فلا ينافي أنّه إذا قدم عليهم أوّلا قاموا، وإذا انصرف عنهم قاموا. انتهى «باجوري» .
(وأمّا جلوس رسول الله ﷺ ف) قد ذكره في قوله:
(عن خارجة بن زيد) بن ثابت الأنصاريّ المدني التابعي، أحد فقهاء المدينة السبعة، وقد سبقت ترجمته (رضي الله [تعالى] عنه) ، فيكون حديثه مرسلا، وهو من «مراسيل أبي داود» ؛ كما قال الخفاجي في «شرح الشفاء» .
وذكره القاضي عياض في «الشفاء» بسنده من طريق أبي داود صاحب «السنن» ؛ (قال) : حدّثنا عبد الرحمن بن سلّام؛ قال: حدّثنا حجاج بن
стр. 1243
كان النّبيّ ﷺ أوقر النّاس في مجلسه؛ لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه.
وكان مجلسه ﷺ مجلس حلم وحياء، وأمانة
محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزّناد؛ عن عمر بن عبد العزيز بن وهيب؛ قال:
سمعت خارجة بن زيد يقول:
(كان النّبيّ ﷺ أوقر النّاس في مجلسه) أي: أعظمهم وقارا إذا برز للناس وجلس معهم، بخلاف ما إذا خلا مع أهله، أو مع خاصّته، فإنّه ينبسط معهم ويلاطفهم؛ يعني: أنّ هذا كان عادته ودأبه ﷺ بحيث لا يصدر عنه خلافه.
و «كان» ؛ وإن كانت بحسب الأصل فعلا ماضيا؛ لكنّها قد تستعمل ١- للاستمرار نحو وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦) [النساء] ، و ٢- للتكرار نحو: كان حاتم يقري الضيف، لقرينة؛ وهو استعمال شائع، ولكثرته عدّه بعض الأصوليين معنى لها، ولم يحقّقه أحد كابن جني في كتاب «الخصائص» ! فإن أردته؛ فانظره. انتهى «خفاجي» .
(لا يكاد يخرج) - بضمّ أوّله مضارع: أخرج- و (شيئا) مفعول، (من أطرافه) أي: أطراف بدنه كرجليه، ولا يكاد يخرج فيه مبالغة، أي: لا يخرج ولا يقرب من الخروج، ولذا عدل عن «لا يخرج» وهو أخصر.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» من حديث عليّ الطويل:
(كان مجلسه ﷺ مجلس حلم) - بكسر الحاء، وسكون اللام- وهو: ملكة تورث التّؤدة وعدم العجلة عند حركة الغضب وداعية العقوبة.
(و) مجلس (حياء) - بالمدّ- أي: منهم، فكانوا يجلسون معه على غاية من الأدب، فكأنّما على رؤوسهم الطير!
(و) مجلس (أمانة) ؛ أي: يأمن المتكلّمون فيه على أسرارهم، فلا ينقل منه ما لا يحبّون إفشاءه؛ كما في الحديث: «المجالس بالأمانة» .
стр. 1244
وصيانة، وصبر وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ...
وورد: «لا إيمان لمن لا أمانة له» . رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في «صحيحه» ؛ عن أنس ﵁.
(و) مجلس (صيانة) ؛ غير موجود في «الشمائل» !
(و) مجلس (صبر) منه على جفائهم (وسكينة) ؛ غير موجود في «الشمائل الترمذية» !
والمراد أنّه مجلس أعمال هذه الأمور، أو مجلس اكتسابها، وذلك لأنّ مجلسه مجلس تذكير بالله، وترغيب فيما عنده من الثواب، وترهيب مما عنده من العقاب، فترقّ قلوبهم فيزهدون في الدنيا، ويرغبون في الآخرة.
(لا ترفع) - بالبناء للمفعول- (فيه) أي: في مجلسه (الأصوات) ؛ أي:
لا يرفع أحد من أصحابه صوته في مجلسه ﷺ إلّا بمجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ.. وما أشبه ذلك، لكونه محرّما عليهم؛ لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [٢/ الحجرات] .
فكانوا ﵃ على غاية من الأدب في مجلسه ﷺ .
وأمّا كونه وقع رفع الصوت بحضرته في قصة الإفك!! فنادر لا يعتدّ به.
(ولا تؤبن) - بضمّ المثناة الفوقيّة، فهمزة ساكنة وتبدل واوا، ففتح الموحّدة المخفّفة، وقد تشدّد مع فتح الهمزة فنون آخره؛ من الأبن- بفتح الهمزة- وهو العيب، يقال أبنه يأبنه- بكسر الباء وضمّها- أبنا: إذا عابه. أي لا تعاب
(فيه) أي: في مجلسه (الحرم) - بضمّ الحاء وفتح الراء- جمع حرمة؛ وهي: كلّ ما يحرم هتكه. وأما استعماله بمعنى المرأة!! فعاميّة، وإن كان لها وجه؛ قاله الخفاجي.
والمعنى: لا تعاب فيه حرم الناس بقذف، ولا غيبة ونحوهما، بل مجلسه مصون عن كلّ قبيح.
стр. 1245
يتعاطفون فيه بالتّقوى، ويتواضعون، ويوقّر الكبار، ويرحم الصّغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلّة على الخير.
قوله: (لا تؤبن فيه الحرم) ...
(يتعاطفون فيه) أي: يعطف بعضهم على بعض، ويشفق عليه ويرحمه (بالتّقوى) ؛ أي: بسبب تقوى الله لا رياء؛ ولا سمعة، ولا خوفا، واتقاء شرّ.
فالباء سببيّة، كقوله تعالى رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [٢٩/ الفتح] .
(ويتواضعون) أي: يتواضع بعضهم لبعض، ولا يتكبّر أحد على أحد؛ فيخدمه ويخفض جناحه له، كما قال تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [٥٤/ المائدة] وكما قال تعالى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [٢٩/ الفتح]
(ويوقّر) فيه (الكبار) عمرا؛ أو قدرا.
(ويرحم) فيه (الصّغار) بمقتضى الشفقة، روى الترمذي في «جامعه» ؛ عن أنس: «ليس منّا من لّم يرحم صغيرنا ولم يوقّر كبيرنا» .
(ويؤثرون المحتاج) أي: يقدّمونه على أنفسهم في تقريبه للنّبي ﷺ ليقضي حاجته منه. (ويحفظون الغريب) من الناس، أي: يراعونه ويكرمونه، ويحفظون حقّه؛ لبعده عن بلاده وأصحابه، ومفارقة أولاده وأحبابه.
(ويخرجون) من عنده (أدلّة) - بالدال المهملة- أي: علماء هداة يدلون الناس (على الخير) .
قال المصنّف: (قوله: لا تؤبن) - بضمّ المثناة الفوقية وهمزة ساكنة وتبدل واوا؛ من الأبن- بفتح الهمزة- يقال: أبنه يأبنه- بكسر الباء وضمّها- أبنا: إذا عابه ورماه بقبيح، وأصل الأبن: العقدة في القسيّ تفسدها وتعاب بها.
(فيه الحرم) - بضمّ الحاء المهملة وفتح الراء المهملة- جمع الحرمة؛ وهي:
ما لا يحلّ انتهاكه وروي بضمّتين بمعنى النساء من الأهل، وما يحميه الرّجل.
стр. 1246
أي: لا تذكر فيه النّساء بقبيح، ويصان مجلسه عن الرّفث، وما يقبح ذكره.
وكان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه كأنّه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل عنه. فطلب أصحابه منه أن يجلس مجلسا رفيعا ليعرفه الغريب فقال: «افعلوا ما بدا لكم» ، فبنوا له دكّانا من طين، فكان يجلس عليها.
(أي: لا تذكر فيه النّساء بقبيح) من القول. (و) منه حديث النّهي عن شعر تؤبن فيه النساء، وكذا حديث الإفك «أشيروا عليّ في أناس أبنوا أهلي» . بل كان (يصان مجلسه عن الرّفث) أي: القول الفاحش. (و) عن (ما يقبح) - بضمّ الموحّدة- (ذكره) من لغو القول، وما لا يليق بمقام الكرام. انتهى ملا علي قاري؛ في «شرح الشفاء» وغيره.
(و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه) ؛ مختلطا بهم (كأنّه أحدهم، فيأتي الغريب) من الخارج (فلا يدري أيّهم هو) ﷺ (حتّى يسأل عنه) الحاضرين؛ فيقول: أيّكم ابن عبد المطلب؟
أو: أيّكم رسول الله!؟ فكانوا يقولون: هذا الأبيض المتّكىء.
(فطلب أصحابه منه أن يجلس مجلسا رفيعا) أي: مرتفعا (ليعرفه الغريب) حال دخوله لما يرى من تميّزه في المجلس؛
(فقال: «افعلوا ما بدا لكم» ) ممّا يجريه الحقّ على أيديكم.
(فبنوا له دكّانا) - بضمّ الدال المهملة وتشديد الكاف- أي: دكة مرتفعة (من طين، فكان يجلس عليها) ﷺ .
قال العراقي: رواه أبو داود، والنّسائيّ، من حديث أبي هريرة؛ وأبي ذرّ
стр. 1247
و (الدّكّان) - كالدّكّة-: المكان المرتفع يجلس عليه، وهو المسطبة «١» .
رضي الله تعالى عنهما. انتهى شرح «الإحياء» .
(والدّكّان) - بزنة رمّان- (: كالدّكّة) - بفتح الدّال المهملة؛ في المعنى- وكلاهما معناهما: (المكان المرتفع) عن الأرض (يجلس عليه) .
وفي «المصباح» : الدّكّان يطلق على الحانوت، وعلى الدّكّة التي يقعد عليها.
قال الأصمعي: إذا مالت النخلة بني تحتها من قبل الميل بناء كالدّكان فتمسكها بإذن الله تعالى أي دكّة مرتفعة.
وقال الفارابي: الطّلل ما شخص من آثار الدار؛ كالدّكان ونحوه.
وأما وزنه!! فقال السّرقسطي: النون زائدة؛ عند سيبويه، وكذلك قال الأخفش. وهي: مأخوذة من قولهم «أكمة دكّاء» أي: منبسطة.
وقال ابن القطّاع وجماعة: هي أصليّة؛ مأخوذة من دكنت المتاع: إذا نضدته. ووزنه على الزيادة فعلان، وعلى الأصالة فعال؛ حكى القولين الأزهريّ وغيره.
فإن جعلت الدّكّان بمعنى الحانوت؛ ففيه التذكير والتأنيث. انتهى
(وهو) أي: المكان المرتفع ( [المسطبة] ) - بفتح الميم وتكسر- أي:
يسمّى بذلك عرفا.
(و) أخرج البزّار في «مسنده» ؛ عن قرّة بن إياس- وهو حديث ضعيف؛ كما في العزيزي-:
стр. 1248
وكان ﷺ إذا جلس.. جلس إليه أصحابه حلقا حلقا.
وكان ﷺ لا يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل من أصحابه، فيدلك بها وجهه وجلده. وكان ﷺ إذا توضّأ.. كادوا يقتتلون على وضوئه؛ أي: الماء الّذي يتوضّأ به.
وكان ﷺ إذا تكلّموا عنده.. يخفضون أصواتهم، وإذا ...
(كان ﷺ إذا جلس) يتحدّث (جلس إليه أصحابه حلقا حلقا) قال العزيزي:
بكسر الحاء وفتح اللام. وقال المناوي: [حلقا] بفتحتين؛ على غير قياس، واحدته: حلقة- بالسكون-. والحلقة: القوم الذين يجتمعون متدبّرين، وذلك لاستفادة ما يلقيه من العلوم وينشره من الأحكام الشرعية.
(و) أخرج البخاريّ في «صحيحه» ؛ عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة في حديث صلح الحديبية الطويل؛ من كلام عروة بن مسعود الثقفي ﵁:
(كان ﷺ لا يتنخّم نخامة) - بضمّ النون-: ما يصعد من الصدر إلى الفم (إلّا وقعت في كفّ رجل) منهم، أي (من أصحابه فيدلك بها) أي: بالنّخامة (وجهه وجلده) ؛ تبرّكا بفضلاته. زاد ابن إسحاق: ولا يسقط من شعره شيء إلّا أخذوه.
وفي البخاريّ: وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره.
(وكان ﷺ إذا توضّأ) الأولى حذف «كان، وما بعدها» ، لأنّه من جملة كلام عروة بن مسعود؛ إذ قال: وإذا توضّأ (كادوا يقتتلون على وضوئه) - بفتح الواو- (أي) فضلة (الماء الّذي يتوضّأ به) ، أو على ما يجتمع من القطرات، وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء.
(وكان ﷺ إذا تكلّموا عنده يخفضون أصواتهم) ، إجلالا له وتوقيرا. (وإذا
стр. 1249
نظروا إليه.. لا يحدّون النّظر؛ تعظيما له ﷺ .
وكان ﷺ يتخوّل أصحابه بالموعظة.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: ...
نظروا إليه) ﷺ (لا يحدّون) - بضمّ الياء المثناة وكسر الحاء المهملة- من الإحداد؛ وهو: شدّة النظر انتهى؛ من «شرح العيني، وزكريا الأنصاري:
كلاهما على البخاريّ» :
أي: لا يتأمّلونه ولا يديمون (النّظر) إليه (تعظيما له ﷺ .
وهذا من جملة كلام عروة بن مسعود الثقفي ﵁، ثم قال- أي عروة- بعده حين رجع إلى أصحابه؛ مخبرا لهم بما رأى من الصحابة؛ من محبّتهم لرسول الله ﷺ وإجلالهم وتعظيمهم؛ قال: أي قوم؛ والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنّجاشي، والله إن رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا، والله؛ إن تنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر؛ تعظيما له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد!! فاقبلوها ... الحديث.
(وكان ﷺ يتخوّل) - بفتح المثناة التحتية وفتح التاء الفوقية، والخاء المعجمة والواو المشدّدة المفتوحة واللام- أي: يتعهّد (أصحابه بالموعظة) أي: بالنصائح المفيدة؛ مخافة السامة، أي: الملالة عليهم. رواه الشيخان؛ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتخوّلنا بالموعظة؛ مخافة السامة علينا.
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الشمائل» - واللفظ لها-، والبزار، والبيهقيّ وإسناده ضعيف: كلهم؛ (عن أبي سعيد الخدريّ) : سعد بن مالك بن سنان (رضي الله تعالى عنه) وعن والده؛ (قال:
стр. 1250
كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد.. احتبى بيديه. قوله: (احتبى) الاحتباء: أن يجلس على ألييه ويضمّ رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدّها عليهما وعلى ظهره.
و (اليدان) بدل عمّا يحتبي به؛ من نحو عمامة.
كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد احتبى بيديه)
وفي رواية: بثوبه. زاد البزّار: ونصب ركبتيه.
وأخرج البزار أيضا؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: جلس عند الكعبة فضمّ رجليه وأقامها، واحتبى بيديه. ذكره ملا علي قاري.
قال الباجوري؛ كالمناوي: هذا مخصوص بما عدا ما بعد صلاة الفجر، لخبر أبي داود بسند صحيح؛ عن جابر بن سمرة أنّه ﷺ كان إذا صلّى الفجر تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشمس حسناء. أي: بيضاء نقيّة.
ومخصوص أيضا بما عدا يوم الجمعة والإمام يخطب، للنهي عنه في حديث جابر ابن سمرة: «الاحتباء مجلبة للنّوم» ، فيفوته سماع الخطيب. وربما ينتقض وضوءه.
(قوله: احتبى) ؛ قال الباجوريّ: (الاحتباء) - بالحاء المهملة- (أن يجلس على ألييه) - بفتح الهمزة- تثنية: ألية؛ وهي: العجيزة، والجمع أليات مثل سجدة وسجدات، ولا تكسر الهمزة؛ كما قاله ابن السّكّيت وجماعة.
(ويضمّ رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدّها) أي: العمامة (عليهما) ، أي:
على رجليه (وعلى ظهره) . هذا معنى الاحتباء، وهذه كيفيته بحسب الاستعمال الكثير المعروف المألوف؛ ويقال: الحبوة جدار العرب.
(واليدان) أي: والاحتباء باليدين (بدل عمّا يحتبي به؛ من نحو عمامة) .
قال الحافظ ابن حجر: والاحتباء جلسة الأعراب، ومنه: الاحتباء حيطان العرب. أي: كالحيطان لهم في الاستناد، فإذا أراد أحدهم الاستناد احتبى، لأنّه لا حيطان في البراري، فيكون الاحتباء بمنزلة الحيطان لهم.
стр. 1251
وكان أكثر جلوسه: أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة. وكان لا يعرف مجلسه ﷺ من مجالس أصحابه؛ لأنّه كان حيث انتهى به المجلس جلس.
وما رئي ﷺ قطّ مادّا رجليه يضيّق بهما على أصحابه؛ إلّا أن يكون المكان واسعا.
وكان أكثر جلوسه ﷺ إلى القبلة.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» : (كان أكثر جلوسه) أي: هيئات جلوسه وحالات قعوده (: أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة) - بضمّ الحاء وكسرها-، والعامة تقول «حبية» .
روى البخاريّ؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيا بيديه؛ قاله العراقيّ.
(وكان لا يعرف مجلسه ﷺ من مجالس أصحابه) ؛ لكثرة تواضعه وعدم تميّزه عليهم. روى أبو داود، والنّسائيّ، من حديث أبي هريرة؛ وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه؛ فيجيء الغريب؛ فلا يدري أيّهم هو حتى يسأل ... الحديث. (لأنّه كان حيث انتهى به المجلس جلس) . رواه الترمذي في «الشمائل» ؛ من حديث عليّ الطّويل.
(وما رئي ﷺ قطّ مادّا رجليه) بين أصحابه (يضيّق بهما على) أحد من (أصحابه؛ إلّا أن يكون المكان واسعا) لا ضيق فيه. قال العراقيّ: رواه الدّارقطني في «غرائب مالك» ؛ من حديث أنس وقال: باطل. وروى الترمذيّ، وابن ماجه:
لم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له. زاد ابن ماجه: «قطّ» . وسنده ضعيف.
(وكان أكثر جلوسه ﷺ إلى القبلة) ، وكان يحثّ أصحابه بذلك؛ ويقول:
«أكرم المجالس ما استقبل به القبلة» كما رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ، وابن عديّ، من حديث ابن عمر ﵄. انتهى؛ جميعه من «شرح الإحياء» .
стр. 1252
وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها: أنّها رأت رسول الله ﷺ في المسجد، وهو قاعد القرفصاء، قالت:
فلمّا رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع ...
(و) أخرج أبو داود، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» - وهذا لفظها- والبخاريّ في «التاريخ» : كلهم؛
(عن قيلة) - بفتح القاف وسكون التحتيّة ولام- (بنت مخرمة) - بفتح الميم وإسكان المعجمة-.
قال في «الإصابة» : قيلة بنت مخرمة التميمية، ثمّ من بني العنبر، ومنهم من نسبها غنوية؛ فصحّف.
هاجرت إلى النبي ﷺ مع حريث بن حسان «وافد بني بكر بن وائل» .
روى حديثها عبد الله بن حسّان العنبري، عن جدّتيه: صفية ودحيية؛ ابنتي عليبة. وكانتا ربيبتي قيلة، وكانت قيلة جدّة أبيها. أنّها قالت:
قدمت على رسول الله ﷺ ... الحديث بطوله أخرجه الطبرانيّ مطوّلا.
وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» طرفا منه، وأبو داود طرفا منه أيضا، والترمذيّ؛ من أول المرفوع إلى قوله «يتعاونان» . قال: فذكر الحديث بطوله وقال: لا نعرفه إلّا من حديث عبد الله بن حسّان. قال أبو عمر: هو حديث طويل فصيح. وقد شرح حديثها أهل العلم بالحديث؛ فهو حديث حسن. انتهى.
(رضي الله تعالى عنها؛ أنّها رأت رسول الله ﷺ في المسجد) بعد صلاة الصبح. (وهو قاعد القرفصاء) - مثلاثة القاف، والفاء؛ مقصورة- والقرفصاء بالضمّ ممدودة، والقرفصاء- بضمّ القاف والراء على الإتباع؛ وهي منصوب مفعول مطلق؛ أي: قعودا مخصوصا. وسيأتي معنى القرفصاء في كلام المصنّف.
(قالت) أي قيلة (: فلمّا رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع) - بالتشديد- أي:
стр. 1253
في الجلسة «١» .. أرعدت من الفرق.
قوله: (القرفصاء) ...
الخاشع خشوعا تامّا (في الجلسة) أي: في هيئة جلسته تلك وكيفية قعدته المتضمّنة إظهار عبوديّته؛ فهو خافض الطرف والصوت، ساكن الجوارح؛ لا على هيئة جلوس الجبّارين المتكبّرين؛ من التربّع، والتمدّد، والاتكاء، ورفع الرأس، وشماخة الأنف؛ وعدم الالتفات إلى المساكين، والاحتجاب عن المحتاجين.
والتفعّل ليس للتكلّف؛ بل لزيادة المبالغة في الخشوع.
(أرعدت) - بضمّ تاء المتكلم؛ مبنيّا للمجهول- أي: حصلت لي رعدة (من الفرق) - بفاء وراء مفتوحتين، وقاف- أي: الخوف والفزع الناشىء مما علاه ﷺ من عظم المهابة والجلالة، أو للتّأسّي به، لأنّه إذا كان مع كمال قربه من ربّه غشيه من جلاله ما صيّره كذلك فغيره؛ يجب أن يرعد فرقا وهذا نهاية المهابة. ودليل على أنّ مهابته لأمر سماويّ ليس بالتصنّع.
والظاهر من سياق قصّة قيلة أنّه أوّل ملاقاتها للنّبيّ ﷺ ، ولذلك هابته.
ووقع في قصّتها- بعد قولها: أرعدت من الفرق-: فقال له جليسه:
يا رسول الله؛ أرعدت المسكينة!! فقال ﷺ ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره-:
«يا مسكينة عليك السّكينة» . فلما قاله أذهب الله ما كان دخل قلبي من الرّعب انتهى. وقد تقدّم في «اللباس» بعض من قصّتها.
(قوله: القرفصاء) - بضمّ القاف وإسكان الراء وضمّ الفاء وصاد مهملة؛ مع المدّ- وهذه اللغة هي الفصحى، والقرفصى- مثلث القاف والفاء مع القصر- وزاد ابن جني: القرفصاء- بضمّ القاف والراء مع المدّ- وقال: هو على الإتباع ضرب من القعود. قال الجوهري: فإذا قلت قعد فلان القرفصاء. فكأنّك قلت: قعد قعودا مخصوصا.
стр. 1254
هي: أن يجلس على ألييه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه، وهي: جلسة المحتبي. وقيل: أن يجلس على ركبتيه منكبّا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبّط كفّيه.
و (الفرق) : الخوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: ...
و (هي: أن يجلس على ألييه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه) ؛ كما يحتبى بالثوب؛ فتكون يداه مكان الثوب، (وهي: «جلسة المحتبي» .
وقيل) - كما نقله الجوهري؛ عن أبي المهدي- هي (: أن يجلس على ركبتيه منكبّا) - بالنون بعد الميم وباء آخره- (ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبّط كفّيه) ، وهي «جلسة الأعراب» .
(والفرق) - بفاء وراء مفتوحتين- (: الخوف) والفزع.
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه) ؛ كذا في النسخ التي بأيدينا من هذا الكتاب «وسائل الوصول» .
والحديث بتمامه مذكور في «المواهب» !! قال شارحها الزّرقاني:
أخرجه ابن ماجه، والحاكم؛ من حديث أبي مسعود البدريّ، والحاكم أيضا؛ من حديث جرير.
وذكر في «الإحياء» قطعة منه إلى قوله «تأكل القديد» . وعزاه الزّبيديّ شارح «الإحياء» إلى الحاكم؛ من حديث جرير. وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وكذا ذكر هذه القطعة في «الشفاء» للقاضي عياض، وعزاها شرّاحه إلى الحاكم؛ من حديث أبي مسعود البدري أيضا.
وراجعت «مستدرك الحاكم» فوجدته ذكر القطعة الّتي في «الإحياء» في
стр. 1255
.........
موضعين: الموضع الأول في «التفسير» ؛ من حديث جرير بن عبد الله البجلي.
والموضع الثاني: في «المغازي» ؛ من حديث أبي مسعود البدري.
كما راجعت ابن ماجه؛ فوجدته ذاكرا القطعة الّتي في «الإحياء» ؛ من حديث أبي مسعود البدري.
وذكر النّوويّ في «رياض الصالحين» القطعة الأخيرة من الحديث معزوّة إلى مسلم؛ من حديث عياض بن حمار. قال شارحه ابن علّان: ورواه أبو داود، وابن ماجه؛ من حديث عياض أيضا، وكذا ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ «رياض الصالحين» ، ورمز له برمز مسلم وأبي داود وابن ماجه؛ عن عياض بن حمار.
وراجعت مسلما وأبا داود وابن ماجه؛ فوجدتهم ذكروا الحديث كما قال النووي، وجعلوه من مسند عياض بن حمار.
ولم أر أحدا من هؤلاء ذكر الحديث من مسند أنس بن مالك؛ كما قال المصنف!! إلّا الإمام الشّعراني في «كشف الغمّة» !! فإنّه ذكر القطعة الّتي ذكرها في «الإحياء» ؛ فقال: قال أنس ﵁ وأتي ﷺ برجل ... الخ فتبعه المصنّف.
نعم؛ رأيت في «سنن ابن ماجه» في «كتاب الزهد» من مسند أنس بن مالك القطعة الأخيرة من الحديث، وهي قوله: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا، ولا يبغي بعضكم على بعض» .
والظاهر أنّ نسخة «كشف الغمّة» فيها تحريف، وأنّ قوله «قال أنس بن مالك» صوابه: «قاله أنس بن مالك» . والضمير في «قاله أنس» يعود على الكلام قبله، لأنّه المرويّ عن أنس بن مالك. ولفظه: كان ﷺ إذا مرّ على الصبيان سلّم عليهم، ثمّ باسطهم ... فهذا الحديث هو الّذي رواه أنس بن مالك. أخرجه الإمام الترمذيّ عنه؛ كما ذكره في شرح «الإحياء» .
стр. 1256
أتي ﷺ برجل فأرعد من هيبته ﷺ ، فقال له ﷺ : «هوّن عليك، فلست بملك، إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» ، فنطق الرّجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: «يا أيّها النّاس؛ إنّي أوحي إليّ ...
وقد تقدّم ذلك في الباب الرابع. فراجعه. والله أعلم.
(أتي ﷺ برجل) يوم الفتح، (فأرعد من هيبته) أي: انتفض جسمه من مهابته ﷺ عند وقوع بصره عليه، إذ قد تقدّم من وصفه: أنّه من رآه بديهة هابه.
وما ساقه المصنّف هو لفظ «كشف الغمّة» و «الإحياء» !!
وفي «المواهب» : ولقد جاء إليه ﷺ رجل فقام بين يديه؛ فأخذته رعدة شديدة ومهابة، (فقال له ﷺ : «هوّن عليك) - أي: خفّف عن نفسك هذا الخوف وأزله منك، ولا تجزع منّي-، (ف) - إني- (لست بملك) أي: متصوّر بصورة ملوك الأرض يهاب منهم! (إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» ) ؛ أي: اللحم اليابس، وكانت قريش تقدّد اللحم وترفعه لوقت الحاجة. (فنطق الرّجل بحاجته) التي جاء لها، فسكّن ﵊ روعه؛ شفقة، لأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وسلب عن نفسه الملوكية؛ بقوله «فإنّي لست بملك» لما يلزمها من الجبروتية، وقال «أنا ابن امرأة» فنسب نفسه إليها، ولم يقل «رجل» !! زيادة في شدّة التواضع؛ وتسكين الروع، لما علم من ضعف النسّاء، ووصفها بأنها تأكل القديد!! تواضعا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة، وكأنّه قال «أنا ابن امرأة مسكينة تأكل مفضول الأكل؛ فكيف تخاف مني!!» .
(فقام ﷺ ؛ إذ رأى تواضع نفسه مع الرجل سكّن روعه فتمكّن من عرض حاجته عليه؛ آمرا لهم بالتواضع وبيّن أنّه بالوحي؛
(فقال: «يا أيّها النّاس؛ إنّي أوحي إليّ) وحي إرسال، وزعم أنّه وحي
стр. 1257
أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتّى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، ...
إلهام!! خلاف الأصل؛ وخلاف الظاهر بغير دليل، والوحي: إعلام في خفاء.
(أن تواضعوا) أي: تواضعكم، أي: آمركم به (ألا فتواضعوا) بخفض الجناح ولين الجانب (حتّى لا يبغي) أي: لا يجور ولا يعتدي؛ (أحد) منكم (على أحد) ولو ذمّيّا؛ أو معاهدا؛ أو مؤمّنا. والبغي: مجاوزة الحدّ في الظلم.
وذلك لأنّ من انكسر وتذلّل امتثالا لأمر الله حال ذلك بينه وبين الفساد والوقوع في الظلم والاعتداء والعناد، ف «حتّى» هنا بمعنى «كي» ؛ كما قال الطيبي، فهو علّة للتواضع، فيكون طريقا لترك البغي والتعدّي.
(ولا يفخر) - بفتح الخاء المعجمة- والفخر: هو المباهاة بالمكارم والمناقب؛ من حسب ونسب.. وغير ذلك، سواء كان فيه، أو في آبائه. أي: لا يباهي (أحد) بتعداد محاسنه؛ كبرا، ورفع قدره على الناس؛ تيها وعجبا مستعليا بفخره (على أحد) ليس كذلك، فالخلق من أصل واحد، والنظر إلى العرض الحاضر الزائل ليس من شأن العاقل.
قال المجد ابن تيمية: نهى الله على لسان رسوله ﷺ عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهما: البغي والفخر، لأن المستطيل إن استطال بحقّ؛ فقد افتخر، أو بغير حق فقد بغى. فلا يحلّ هذا ولا هذا، فإن كان الإنسان من طائفة فاضلة؛ كبني هاشم!! فلا يكن حظّه استشعار فضل نفسه، والنظر إليها، فإنّه مخطىء، إذ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فربّ حبشيّ أفضل عند الله من جمهور قريش.
ثم هذا النظر يوجب بغضه وخروجه عن الفضل؛ فضلا عن استعلائه بهذا.
واستطالته به.
وأخذ منه أنّه يتأكّد للشيخ التواضع مع طلبته، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) [الشعراء] وإذا طلب التواضع لمطلق النّاس؛ فكيف لمن له حقّ
стр. 1258
وكونوا عباد الله إخوانا» .
وعن عبد الله بن زيد ...
الصحبة وحرمة التودّد وصدق المحبّة؟!! لكن لا يتواضع معهم مع اعتقاد أنّهم دونه! فقد قال ابن عطاء الله السّكندري رحمه الله تعالى: من أثبت لنفسه تواضعا؛ فهو المتكبّر حقّا، فالتواضع لا يكون إلّا عن رفعة مع عظمة واقتدار؛ ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنّه فوق ما صنع، بل الذي إذا تواضع رأى أنّه دون ما صنع. انتهى ذكره المناوي على «الجامع الصغير» .
(وكونوا) يا (عباد الله) فهو منادى بحذف الأداة، والخبر قوله (إخوانا» ) ، لا قوله «عباد الله» إذ هم عباده، فالقصد كونهم إخوانا. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، و «الموطأ» ، و «الشمائل» ؛ (عن) أبي محمد (عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن غنم بن مازن بن النّجّار الأنصاري المازني؛ يعرف ب «ابن أمّ عمارة» واسمها نسيبة- بفتح النون وضمها- وهو راوي ١- حديث: صفة الوضوء، و ٢- حديث: الرجل يشكّ في الحدث؛ فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، و ٣- حديث: صلاة الاستسقاء.
وهو غير صاحب الأذان. لأنّ هذا اسمه عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وليس له إلّا حديث الأذان فقط، وتوفي في خلافة عثمان ﵁ سنة: اثنتين وثلاثين هجرية. بخلاف عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب الترجمة؛ فإنّ له عدّة أحاديث، وشهد أحدا؛ وما بعدها من المشاهد،
واختلفوا في شهوده بدرا!! فقال ابن منده، وأبو نعيم الأصبهاني: شهدها.
وقال ابن عبد البرّ؛ لم يشهدها. ويقال: هو قاتل مسيلمة الكذّاب. شارك وحشيا في قتله؛ رماه وحشي بالحربة، وقتله عبد الله بن زيد بسيفه.
خرّج له الجماعة أهل الكتب الستة. وروى عنه ابن أخيه عبّاد بن تميم،
стр. 1259
رضي الله تعالى عنهما: أنّه رأى النّبيّ ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الآخرى.
ويحيى بن عمارة، وواسع بن حبان وغيرهم.
واستشهد يوم الحرّة بالمدينة المنورة سنة: ثلاث وستين، وهو: ابن سبعين سنة، وكان أبوه زيد صحابيا (رضي الله تعالى عنهما) ؛ ذكره النووي في «التهذيب» .
(أنّه) أي: عبد الله بن زيد (رأى النّبيّ ﷺ مستلقيا) ؛ أي: مضطجعا على قفاه (في المسجد) ، ولا يلزم منه نوم، ولا يخفى أنّه إذا حلّ الاستلقاء في المسجد حلّ الجلوس فيه بالأولى، فلهذا ذكر هذا الحديث في فصل جلوس رسول الله ﷺ ، فاندفع ما يقال «الاستلقاء ليس من الجلوس، فلا وجه لذكر هذا الحديث في هذا الباب» .
(واضعا) حال من النبي ﷺ ، وكذا قوله «مستلقيا في المسجد» حال من النبي؛ فيكون حالا مترادفة، أو «واضعا» حال من ضمير «مستلقيا» ؛ فتكون حالا متداخلة، أي: حال كونه واضعا (إحدى رجليه على الآخرى) ، وهذا يدلّ على حلّ وضع الرّجل على الآخرى حال الاستلقاء، مع مدّ الآخرى؛ أو رفعها.
لكن يعارض ذلك رواية مسلم؛ عن جابر: أن النبيّ ﷺ قال: «لا يستلقينّ أحدكم ثمّ يضع إحدى رجليه على الآخرى» .
وجمع بأن الجواز لمن لم يخف انكشاف عورته بذلك، كالمتسرول مثلا، والنهي خاصّ بمن خاف انكشاف عورته بذلك؛ كالمؤتزر.
وإنما اطلق النهي!! لأن الغالب فيهم الاتزار.
نعم؛ الأولى خلافه في مجامع الناس، وبحضرة من يحتشمه، وإن لم يخف الانكشاف؛ لا كخدمه وأصاغر جماعته، والظاهر من حال المصطفى ﷺ أنّه إنّما فعله عند خلوّه ممن يحتشم منه.
стр. 1260
وروى أبو داود بسند صحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الفجر.. تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشّمس حسناء؛ أي: بيضاء نقيّة.
وهذا الجمع- كما قال الحافظ ابن حجر- أولى من ادّعاء النسخ، لأنه لا يصار إليه بالاحتمال، وأولى من زعم أنّه من خصائصه، لأنه لا يثبت بالاحتمال أيضا، ولأن بعض الصّحب كانوا يفعلونه بعد المصطفى ﷺ بالمسجد؛ ولم ينكره!! انتهى مناوي، وباجوري على «الشمائل» .
(وروى أبو داود) في «كتاب الأدب» (بسند صحيح) ، وكذا رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي بتغيير في الألفاظ؛ كلهم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه
(أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الفجر تربّع في مجلسه) أي: يذكر الله تعالى- كما في رواية الطبراني- (حتّى تطلع الشّمس حسناء؛ أي: بيضاء نقيّة) ؛ أي:
زائلة عنها الصفرة التي تتخيل فيها عند الطلوع بسبب ما يعترض دونها على الأفق من الأبخرة والأدخنة. والمعنى أنّه كان يجلس متربّعا في مجلسه مستقبل القبلة يذكر الله تعالى إلى ارتفاع الشمس.
وفيه استحباب الجلوس في المصلّى بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، مع الاشتغال بذكر الله تعالى في هذه الجلسة، فإنّ ثواب ذلك عظيم جدّا.
فقد ورد عنه ﷺ فيما رواه أبو داود، وأبو يعلى؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه بإسناد حسن- أنّه قال: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتّى تطلع الشّمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل؛ دية كلّ واحد منهم اثنا عشر ألفا، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشّمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل؛ دية كلّ واحد منهم اثنا عشر ألفا» .
стр. 1261
وكان ﷺ لا يقوم من مجلس إلّا قال:
«سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، وقال: «لا يقولهنّ أحد حيث يقوم من مجلسه.. إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» .
وأخرج الترمذيّ- وقال: حسن غريب-؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ عن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى الفجر في جماعة ثمّ قعد يذكر الله تعالى حتّى تطلع الشّمس، ثمّ صلّى ركعتين؛ كانت له كأجر حجّة وعمرة تامّة ... تامّة ...
تامّة» .
قال في «الحرز» : قوله «ثمّ قعد يذكر الله تعالى» أي: استمرّ على حال ذكره؛ سواء كان قائما، أو قاعدا، أو مضطجعا. والجلوس أفضل إلّا إذا عارضه أمر؛ كالقيام لطواف، أو صلاة جنازة، أو لحضور درس ونحوها. انتهى.
وما ذكره من القيام للطواف!! جرى على مثله المحقّق الشهاب الرّمليّ.
وفي «التحفة» لابن حجر: وأفتى بعضهم بأن الطواف بعد الصبح أفضل من الجلوس ذاكرا إلى طلوع الشمس وصلاة ركعتين، وفيه نظر ظاهر!! بل الصواب أنّ الثاني أفضل، لأنّه صحّ في الأخبار الصحيحة ما يقارب ذلك، ولأن بعض الأئمة كره الطواف بعد الصبح؛ ولم يكره أحد تلك الجلسة، بل أجمعوا على ندبها وعظيم فضلها. انتهى «شرح الأذكار» .
(و) أخرج الحاكم في «المستدرك» - قال العزيزي: وهو حديث صحيح- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ لا يقوم من مجلس) ؛ أي: لا يفارقه (إلّا قال) - أي: قبل قيامه أو عقبه-
(: «سبحانك اللهمّ) - ربي، وفي رواية: ربّنا- (وبحمدك) أي: سبّحتك (لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، وقال: «لا يقولهنّ) ؛ أي: هذه الكلمات (أحد حيث يقوم من مجلسه إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» ) .
стр. 1262
وكان ﷺ إذا جلس مجلسا، فأراد أن يقوم..
استغفر عشرا إلى خمس عشرة، ...
أي: الذنوب الواقعة فيه مطلقا، أو خصوص الصغائر عند الجمهور إلّا حقوق الخلق؛ من نحو غيبة، أو أخذ مال، فلا بدّ من ردّه، أو استحلاله؛ قاله الحفني.
قال المناوي: في رواية «أنه كان يقول ذلك ثلاثا» .
قال الحليمي: كان يكثر أن يقول ذلك بعد نزول سورة الفتح الصغرى «١» عليه، وذلك لأن نفسه نعيت إليه بها.
فينبغي لكلّ من ظنّ أنّه لا يعيش مثل ما عاش؛ أو قام من مجلس فظنّ أنّه لا يعود إليه أن يستعمل هذا الذكر. إلى هنا كلامه!.
وقال الطيّبيّ: فيه ندب الذكر المذكور عند القيام، وأنّه لا يقوم حتّى يقوله، إلّا لعذر.
قال القاضي عياض: وكان السّلف يواظبون عليه، ويسمّى ذلك «كفّارة المجلس» .
(و) أخرج ابن السّنّيّ في «عمل اليوم والليلة» ؛ عن أبي أمامة الباهليّ؛- وهو حديث حسن لغيره؛ كما قال العزيزي-:
(كان) رسول الله ﷺ إذا جلس مجلسا) ؛ أي: قعد مع أصحابه يتحدّث، (فأراد أن يقوم) منه (استغفر) الله تعالى (عشرا) من المرّات، وزاد (إلى خمس عشرة) مرّة، بأن يقول «أستغفر الله الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه» كما ورد تعيينه في خبر آخر، فتارة يكرّرها عشرا، وتارة يزيد إلى خمس عشرة مرّة.
стр. 1263
وروى ابن السّنّيّ: عشرين مرّة.
وكان ﷺ إذا انصرف.. انحرف بجانبه.
وكان ﷺ إذا قام ...
وهذه تسمّى «كفارة المجلس» أي: أنّها ماحية لما يقع فيه من اللّغط، وكان ﵊ يقولها تعليما للأمة، وتشريعا، وحاشا مجلسه من وقوع اللّغط!!.
(و) قد (روى ابن السّنّيّ) أيضا؛ عن عبد الله الحضرمي أنّه ﷺ كان إذا قام من المجلس استغفر الله (عشرين مرّة) ؛ فأعلن بالاستغفار. أي: نطق به جهرا؛ لا سرّا، ليسمعه القوم فيقتدوا به.
وأخرج النسائي في «اليوم والليلة» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
ما جلس رسول الله ﷺ مجلسا، ولا تلا قرآنا، ولا صلّى إلّا ختم ذلك بكلمات فقلت يا رسول الله أراك ما تجلس مجلسا، ولا تتلو قرآنا ولا تصلّي صلاة إلا ختمت بهؤلاء الكلمات؟! قال: «نعم؛ من قال خيرا كنّ طابعا له على ذلك الخير، ومن قال شرّا كانت كفّارة له: سبحانك اللهمّ [و] بحمدك، لا إله إلّا أنت أستغفرك، وأتوب إليك» . انتهى. ذكره المناوي في «الشرح الكبير على الجامع الصغير» .
(و) أخرج أبو داود بسند حسن؛ عن يزيد بن الأسود العامري السوائي رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا انصرف) ؛ أي: من صلاته بالسّلام (انحرف بجانبه) ، بأن يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس- على ما عليه الحنفية-، أو عكسه- على ما عليه الشافعية-؛ فيندب ذلك للإمام إلّا إذا كان في مسجد المدينة فالأفضل موافقة الحنفية، لئلا يصير مستدبرا لقبره ﷺ .
انتهى «عزيزي» .
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» ؛ عن وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه قال:
(كان ﷺ إذا قام) ؛ أي: من جلسة الاستراحة في الصلاة؛ كما في
стр. 1264
اتّكأ على إحدى يديه.
وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ :
فعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ متّكئا على وسادة على يساره.
وعن أبي بكرة ...
المناوي. قال العزيزي: وظاهر الحديث الإطلاق، وهو المنقول في كتب الفقه (اتّكأ) - بالهمزة-، (على إحدى يديه) كالعاجن- بالنون-، فيندب ذلك لكلّ مصلّ من إمام أو غيره؛ ولو ذكرا قويّا، لأنه أعون وأشبه بالتواضع.
وقوله «إحدى يديه» هو ما وقع في هذا الخبر، وفي بعض الأخبار «يديه» بدون «إحدى» ، وعليه الشافعية؛ فقالوا لا تتأدّى السنّة بوضع إحداهما مع وجود الآخرى وسلامتها؛ قاله المناوي في «شرحه الكبير على الجامع الصغير» .
(وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ ؛ وهو الاعتماد على الشيء من وسادة ونحوها.
(ف) قد ورد فيما أخرجه أبو داود في «اللباس» ، والترمذي في «الجامع» في «الاستئذان» ، وقال: حديث حسن غريب. وفي «الشمائل» - واللفظ لها-؛
(عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ أي:
أبصرته حال كونه (متّكئا على وسادة) - بكسر الواو- بوزن: إفادة- بمهملات- متعلّق ب «متّكئا» . وهي المخدّة- بكسر الميم وفتح الخاء المعجمة- وقد يقال: «وساد» بلا تاء، و «أساد» بالهمزة بدل الواو (على يساره) ؛ أي: حال كونها موضوعة على يساره، أي: جانبه الأيسر، وهو لبيان الواقع، وإلّا! فيحلّ الاتكاء يمينا أيضا.
وقد بيّن الراوي في هذا الخبر ما اتكأ عليه النبي ﷺ وكيفية اتكائه.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» واللفظ لها؛ كلهم
(عن أبي بكرة) - بالهاء في آخره- كنّي بذلك!! لأنه تدلّى من حصن بالطائف
стр. 1265
رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدّثكم ...
إلى النبي ﷺ ببكرة، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلّا هكذا.
وهو صحابي مشهور بكنيته، واسمه نفيع- بضم النون وفتح الفاء؛ بعدها مثناة تحتية؛ مصغّر- ابن الحارث بن كلدة- بكاف ولام مفتوحتين- ابن عمرو بن علاج بن أبي سلمة، وهو عبد العزّى بن غيرة- بكسر الغين المعجمة- ابن عوف بن قسي- بفتح القاف وكسر السين المهملة- وهو ثقيف بن منبه الثقفي البصري.
وأمّه سميّة أمة للحارث بن كلال؛ وهي أيضا أمّ زياد بن أبيه، فهو أخوه من الأم.
وكان أبو بكرة من الفضلاء الصالحين، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفّي، وكان أولاده أشرافا بالبصرة في كثرة العلم والمال والولايات.
قال الحسن البصري: لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل من عمران بن حصين؛ وأبي بكرة. واعتزل أبو بكرة يوم الجمل فلم يقاتل مع أحد من الفريقين.
وروي له عن النبي ﷺ مائة حديث واثنان وثلاثون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاريّ بخمسة، وانفرد مسلم بحديث.
روى عنه ابناه: عبد الرحمن ومسلم، وربعيّ بن حراش، والحسن البصري، والأحنف.
وكانت وفاته بالبصرة سنة: إحدى وخمسين، وقيل سنة: اثنتين وخمسين هجرية (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه. (قال:
قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدّثكم) وفي رواية: ألا أخبركم» وفي أخرى:
«ألا أنبّئكم» ومعنى الكلّ واحد.
قال الزين العراقي: ويؤخذ من ذلك أنّه ينبغي للعالم أن يعرض على أصحابه ما يريد أن يخبرهم به، وكثيرا ما كان يقع ذلك من المصطفى ﷺ ،