← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وكان ﷺ لا يقوم من مجلس إلّا قال: «سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، وقال: «لا يقولهنّ أحد حيث يقوم من مجلسه.. إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» . وأخرج الترمذيّ- وقال: حسن غريب-؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ عن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى الفجر في جماعة ثمّ قعد يذكر الله تعالى حتّى تطلع الشّمس، ثمّ صلّى ركعتين؛ كانت له كأجر حجّة وعمرة تامّة ... تامّة ... تامّة» . قال في «الحرز» : قوله «ثمّ قعد يذكر الله تعالى» أي: استمرّ على حال ذكره؛ سواء كان قائما، أو قاعدا، أو مضطجعا. والجلوس أفضل إلّا إذا عارضه أمر؛ كالقيام لطواف، أو صلاة جنازة، أو لحضور درس ونحوها. انتهى. وما ذكره من القيام للطواف!! جرى على مثله المحقّق الشهاب الرّمليّ. وفي «التحفة» لابن حجر: وأفتى بعضهم بأن الطواف بعد الصبح أفضل من الجلوس ذاكرا إلى طلوع الشمس وصلاة ركعتين، وفيه نظر ظاهر!! بل الصواب أنّ الثاني أفضل، لأنّه صحّ في الأخبار الصحيحة ما يقارب ذلك، ولأن بعض الأئمة كره الطواف بعد الصبح؛ ولم يكره أحد تلك الجلسة، بل أجمعوا على ندبها وعظيم فضلها. انتهى «شرح الأذكار» . (و) أخرج الحاكم في «المستدرك» - قال العزيزي: وهو حديث صحيح- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ لا يقوم من مجلس) ؛ أي: لا يفارقه (إلّا قال) - أي: قبل قيامه أو عقبه- (: «سبحانك اللهمّ) - ربي، وفي رواية: ربّنا- (وبحمدك) أي: سبّحتك (لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ، وقال: «لا يقولهنّ) ؛ أي: هذه الكلمات (أحد حيث يقوم من مجلسه إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» ) .

стр. 1262

وكان ﷺ إذا جلس مجلسا، فأراد أن يقوم.. استغفر عشرا إلى خمس عشرة، ... أي: الذنوب الواقعة فيه مطلقا، أو خصوص الصغائر عند الجمهور إلّا حقوق الخلق؛ من نحو غيبة، أو أخذ مال، فلا بدّ من ردّه، أو استحلاله؛ قاله الحفني. قال المناوي: في رواية «أنه كان يقول ذلك ثلاثا» . قال الحليمي: كان يكثر أن يقول ذلك بعد نزول سورة الفتح الصغرى «١» عليه، وذلك لأن نفسه نعيت إليه بها. فينبغي لكلّ من ظنّ أنّه لا يعيش مثل ما عاش؛ أو قام من مجلس فظنّ أنّه لا يعود إليه أن يستعمل هذا الذكر. إلى هنا كلامه!. وقال الطيّبيّ: فيه ندب الذكر المذكور عند القيام، وأنّه لا يقوم حتّى يقوله، إلّا لعذر. قال القاضي عياض: وكان السّلف يواظبون عليه، ويسمّى ذلك «كفّارة المجلس» . (و) أخرج ابن السّنّيّ في «عمل اليوم والليلة» ؛ عن أبي أمامة الباهليّ؛- وهو حديث حسن لغيره؛ كما قال العزيزي-: (كان) رسول الله ﷺ إذا جلس مجلسا) ؛ أي: قعد مع أصحابه يتحدّث، (فأراد أن يقوم) منه (استغفر) الله تعالى (عشرا) من المرّات، وزاد (إلى خمس عشرة) مرّة، بأن يقول «أستغفر الله الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه» كما ورد تعيينه في خبر آخر، فتارة يكرّرها عشرا، وتارة يزيد إلى خمس عشرة مرّة.

стр. 1263

وروى ابن السّنّيّ: عشرين مرّة. وكان ﷺ إذا انصرف.. انحرف بجانبه. وكان ﷺ إذا قام ... وهذه تسمّى «كفارة المجلس» أي: أنّها ماحية لما يقع فيه من اللّغط، وكان ﵊ يقولها تعليما للأمة، وتشريعا، وحاشا مجلسه من وقوع اللّغط!!. (و) قد (روى ابن السّنّيّ) أيضا؛ عن عبد الله الحضرمي أنّه ﷺ كان إذا قام من المجلس استغفر الله (عشرين مرّة) ؛ فأعلن بالاستغفار. أي: نطق به جهرا؛ لا سرّا، ليسمعه القوم فيقتدوا به. وأخرج النسائي في «اليوم والليلة» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما جلس رسول الله ﷺ مجلسا، ولا تلا قرآنا، ولا صلّى إلّا ختم ذلك بكلمات فقلت يا رسول الله أراك ما تجلس مجلسا، ولا تتلو قرآنا ولا تصلّي صلاة إلا ختمت بهؤلاء الكلمات؟! قال: «نعم؛ من قال خيرا كنّ طابعا له على ذلك الخير، ومن قال شرّا كانت كفّارة له: سبحانك اللهمّ [و] بحمدك، لا إله إلّا أنت أستغفرك، وأتوب إليك» . انتهى. ذكره المناوي في «الشرح الكبير على الجامع الصغير» . (و) أخرج أبو داود بسند حسن؛ عن يزيد بن الأسود العامري السوائي رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا انصرف) ؛ أي: من صلاته بالسّلام (انحرف بجانبه) ، بأن يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس- على ما عليه الحنفية-، أو عكسه- على ما عليه الشافعية-؛ فيندب ذلك للإمام إلّا إذا كان في مسجد المدينة فالأفضل موافقة الحنفية، لئلا يصير مستدبرا لقبره ﷺ . انتهى «عزيزي» . (و) أخرج الطبراني في «الكبير» ؛ عن وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه قال: (كان ﷺ إذا قام) ؛ أي: من جلسة الاستراحة في الصلاة؛ كما في

стр. 1264

اتّكأ على إحدى يديه. وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ : فعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ متّكئا على وسادة على يساره. وعن أبي بكرة ... المناوي. قال العزيزي: وظاهر الحديث الإطلاق، وهو المنقول في كتب الفقه (اتّكأ) - بالهمزة-، (على إحدى يديه) كالعاجن- بالنون-، فيندب ذلك لكلّ مصلّ من إمام أو غيره؛ ولو ذكرا قويّا، لأنه أعون وأشبه بالتواضع. وقوله «إحدى يديه» هو ما وقع في هذا الخبر، وفي بعض الأخبار «يديه» بدون «إحدى» ، وعليه الشافعية؛ فقالوا لا تتأدّى السنّة بوضع إحداهما مع وجود الآخرى وسلامتها؛ قاله المناوي في «شرحه الكبير على الجامع الصغير» . (وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ ؛ وهو الاعتماد على الشيء من وسادة ونحوها. (ف) قد ورد فيما أخرجه أبو داود في «اللباس» ، والترمذي في «الجامع» في «الاستئذان» ، وقال: حديث حسن غريب. وفي «الشمائل» - واللفظ لها-؛ (عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ أي: أبصرته حال كونه (متّكئا على وسادة) - بكسر الواو- بوزن: إفادة- بمهملات- متعلّق ب «متّكئا» . وهي المخدّة- بكسر الميم وفتح الخاء المعجمة- وقد يقال: «وساد» بلا تاء، و «أساد» بالهمزة بدل الواو (على يساره) ؛ أي: حال كونها موضوعة على يساره، أي: جانبه الأيسر، وهو لبيان الواقع، وإلّا! فيحلّ الاتكاء يمينا أيضا. وقد بيّن الراوي في هذا الخبر ما اتكأ عليه النبي ﷺ وكيفية اتكائه. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» واللفظ لها؛ كلهم (عن أبي بكرة) - بالهاء في آخره- كنّي بذلك!! لأنه تدلّى من حصن بالطائف

стр. 1265

رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدّثكم ... إلى النبي ﷺ ببكرة، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلّا هكذا. وهو صحابي مشهور بكنيته، واسمه نفيع- بضم النون وفتح الفاء؛ بعدها مثناة تحتية؛ مصغّر- ابن الحارث بن كلدة- بكاف ولام مفتوحتين- ابن عمرو بن علاج بن أبي سلمة، وهو عبد العزّى بن غيرة- بكسر الغين المعجمة- ابن عوف بن قسي- بفتح القاف وكسر السين المهملة- وهو ثقيف بن منبه الثقفي البصري. وأمّه سميّة أمة للحارث بن كلال؛ وهي أيضا أمّ زياد بن أبيه، فهو أخوه من الأم. وكان أبو بكرة من الفضلاء الصالحين، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفّي، وكان أولاده أشرافا بالبصرة في كثرة العلم والمال والولايات. قال الحسن البصري: لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل من عمران بن حصين؛ وأبي بكرة. واعتزل أبو بكرة يوم الجمل فلم يقاتل مع أحد من الفريقين. وروي له عن النبي ﷺ مائة حديث واثنان وثلاثون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاريّ بخمسة، وانفرد مسلم بحديث. روى عنه ابناه: عبد الرحمن ومسلم، وربعيّ بن حراش، والحسن البصري، والأحنف. وكانت وفاته بالبصرة سنة: إحدى وخمسين، وقيل سنة: اثنتين وخمسين هجرية (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه. (قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أحدّثكم) وفي رواية: ألا أخبركم» وفي أخرى: «ألا أنبّئكم» ومعنى الكلّ واحد. قال الزين العراقي: ويؤخذ من ذلك أنّه ينبغي للعالم أن يعرض على أصحابه ما يريد أن يخبرهم به، وكثيرا ما كان يقع ذلك من المصطفى ﷺ ،

стр. 1266

بأكبر الكبائر؟» ، ... ويحتمل ذلك أمورا؛ منها: ألايجد عندهم قابليّة لما يريد إخبارهم به، لاحتمال كونهم مشغولين بشيء آخر. ومنها: حثّهم على التفرّغ والاستماع لما يريد إخبارهم به. ومنها: أن يكون وجد هناك سببا يقتضي التحذير بما يحذّرهم، أو الحضّ على الإتيان بما فيه صلاحهم. (بأكبر الكبائر» ) - وفي رواية: «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟!! «ثلاثا» . والمراد: أن المصطفى ﷺ أعاد هذه الكلمة ثلاث مرّات؛ على عادته في تكرير كلامه المفيد؛ تأكيدا لينبّه السامع على احضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره- كما يأتي في وصف كلامه-. والكبائر؛ جمع كبيرة، واختلف في تعريفها!! فقيل: ما توعّد عليه بخصوصه بنحو غضب، أو لعن في الكتاب أو السنة. واختاره في «شرح اللّبّ» للقاضي زكريا الأنصاري. وقيل: ما يوجب حدّا. واعترض على الأوّل: بالظهار، وأكل الخنزير، والإضرار في الوصية؛ ونحو ذلك مما عدّ كبيرة؛ ولم يتوعّد عليه بشيء من ذلك. واعترض على الثاني: بالفرار من الزحف، والعقوق، وشهادة الزور، ونحوها من كلّ ما لا يوجب حدّا؛ وهو كبيرة. وقيل: كلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدّين ورقّة الدّيانة؛ وعليه إمام الحرمين. وهو أشمل التعاريف. لكن اعترض عليه بأنه يشمل صغائر الخسّة؛ كسرقة لقمة، وتطفيف حبّة. والإمام إنّما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي. قال بعض الشافعية: والتحقيق: أنّ كلّ واحد من الأوجه اقتصر على بعض أنواعها. وبمجموع الأوجه يحصل ضابطها. وقد عدّوا منها جملة مستكثرة، حتّى

стр. 1267

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» ، قال الأذرعي في «التوسّط» : رأيت للحافظ الذهبي جزآ جمع فيه من الكبائر أربعمائة. انتهى. أقول: قد وقفت على ذلك الجزء، فلم أجده عدّ فيه إلّا نحو ثمانين!! انتهى (مناوي) وقد استوعب المحقّق ابن حجر الهيتميّ في «الزواجر» كلّ ما قيل فيه «إنّه كبيرة» ، أو انطبق عليه تعاريف الكبيرة. وقد عدّ منها أربعمائة ونيّفا وستين؛ في مجلدين ضخمين وهو مطبوع متداول!! فلينظره من أراده (قالوا: بلى) ، أي: حدّثنا (يا رسول الله) فائدة النداء مع عدم الاحتياج إليه!! الإشارة إلى عظيم الإذعان لرسالته المصطفوية، وما ينشأ عنها من بيان الشريعة واستجلاب ما عنده من الكمالات والعلوم التي أوتيها بعد رسالته؛ كذا قيل. ذكره المناوي على «الشمائل» (قال: «الإشراك بالله) يعني الكفر به، وإنما عبّر بالإشراك!! لأنه أغلب أنواع الكفر؛ لا لإخراج غيره (وعقوق) - بضمّ العين المهملة- (الوالدين» ) ؛ أو أحدهما. وجمعهما!! لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالبا، أو يجرّ إليه، لأن من تجرّأ على أحدهما تجرّأ على الآخر، لأن المعصية عقوبة المعصية قبلها، والطاعة تعجيل لبعض ثواب الطاعة قبلها، فالطاعات تتسلسل، كما أن المعاصي والذنوب تتسلسل بعضها يلي بعض، فالمتأخّرة من بعض ثمرات المتقدّمة والمراد من العقوق: أن يصدر من الولد في حقّهما ما من شأنه أن يؤذيهما من قول؛ أو فعل مما لا يحتمل عادة. والمراد بالوالدين: الأصلان؛ وإن عليا. ومال الزركشيّ الشافعي إلى إلحاق العمّ والخال بهما، ولم يتابع عليه!. وقرن العقوق بالشرك!! لمشاركته له من حيث أنّ الأب سبب وجوده ظاهرا؛

стр. 1268

قال: وجلس رسول الله ﷺ وكان متّكئا- قال: «وشهادة الزّور» ؛ أو: «قول الزّور» ... وهو يربّيه، ولذلك ذكرهما تعالى في سلك واحد، فقال. وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [٢٣/ الإسراء] . (قال) أي: أبو بكرة (وجلس رسول الله ﷺ ؛ تنبيها على عظم إثم شهادة الزور وتأكيد تحريمها وعظيم قبحها. (وكان متّكئا) قبل جلوسه. وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة، لأن فيه الاتّكاء. (قال) ؛ أي: النبيّ ﷺ استئناف بيانيّ، فكأنّ سائلا قال: ما فعل بعد ما جلس!! فقال: قال (وشهادة الزّور) ؛ عطف على ما سبق، أي: وأكبر الكبائر شهادة الزور. وخصّها!! ١- لما يترتّب عليها من نحو قتل وزنا، و ٢- لغلبة وقوع الناس فيها واستهانتهم بها، فإنّ الشّرك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يضرب عنه الطبع. وأما الزور!! فالحامل عليه كثير؛ من نحو عداوة، وحسد، فاحتيج للاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لكونه فوق الإشراك؛ أو مثله، بل لتعدّي مفسدته إلى الغير، فكانت أبلغ ضررا من هذا الوجه. قال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصّل بها إلى الباطل؛ من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام؛ أو تحريم حلال، فلا شيء أعظم ضررا منه، ولا أكثر فسادا بعد الشرك بالله. انتهى؛ ذكره العلامة ملا علي قاري. قال المطرّزيّ: وأصل الزّور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته حتّى يخيّل لمن سمعه بخلاف ما هو. وقيل للكذب «زور» !! لأنه مائل عن جهته. (أو «قول الزّور» ) شكّ من الراوي، لا من الصحابي، إذ يبعد نسيانه مع المبالغة وكثرة التكرار. ورواية البخاري لا شكّ فيها؛ وهي «ألا وقول الزّور، وشهادة الزّور» فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ألا سكت!!.

стр. 1269

قال: فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتّى قلنا: ليته سكت. قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون عطف تفسير، فإنّا لو حملنا القول على الإطلاق؛ لزم أن الكذبة الواحدة كبيرة!! وليس كذلك. وجزم غيره بأنّه عطف خاصّ على عامّ، وأنّ كلّ شهادة زور قول زور، ولا ينعكس. وفيه أنّه ينبغي للواعظ والمفيد فعل ما يفيد كثرة توجّه الحاضرين من تغيير الوضع والتكرار والمبالغة وإجهاد النفس في الإفادة؛ حتّى يرحمه السامعون، كما يدلّ له قوله (قال) أي: أبو بكرة (: فما زال رسول الله ﷺ يقولها) أي: هذه الكلمة؛ وهي «شهادة الزّور، أو قول الزّور» (حتّى قلنا: ليته سكت) تمنّوا سكوته!! شفقة عليه وكراهة لما يزعجه، أو خوفا أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاء عليهم. وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب والمحبّة والشفقة عليه ﷺ .

стр. 1270

[الفصل السّادس في صفة كرمه ﷺ وشجاعته] الفصل السّادس في صفة كرمه ﷺ وشجاعته (الفصل السّادس) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة كرمه) - بفتحتين- ﷺ . اعلم أنّ الجود والكرم والسخاء معانيها متقاربة، وبعضهم جعل بينها فرقا؛ فقال: الكرم- بفتحتين-: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره. وفي «القاموس» : الكرم- محرّكة-: ضدّ اللؤم، كرم- بضمّ الراء- كرامة وكرما؛ فهو كريم. وفي «القاموس» أيضا: اللؤم: ضدّ الكرم. انتهى والسخاء: صفة غريزية؛ وهي سهولة الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد من الصنائع المذمومة؛ كالحجامة، وأكل ما لا يحلّ؛ مأخوذ من الأرض السّخاوية وهي الرّخوة اللينة، ولذا وصف الله تعالى ب «جواد» دون «سخي» ، لأنه أوسع في معنى العطاء، وأدخل في صفة العلا. فعلى هذا هو أخصّ، وفي مقابلة السخاء: الشحّ، وهو أشدّ البخل. والشحّ من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ- أي: حرصها على المال- فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) [الحشر] فحكم بالفلاح لمن وقي الشحّ، وحكم بالفلاح لمن أنفق وبذل؛ فقال وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) [٣- ٥/ البقرة] والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين، وليس الشحّ من الآدمي بعجيب، لأنّه جبلّي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة. والسخاء أتمّ وأكمل من الجود؛ بناء على تغايرهما. والأصحّ أن السخاء أدنى

стр. 1271

......... منه، ولذا لم يوصف الله به- كما مرّ- وفي مقابلة الجود البخل، وفي مقابلة السخاء الشحّ ... والجود: إعطاء ما ينبغي شرعا لمن ينبغي أن يعطى لاستحقاقه، لأجل الصفة القائمة به؛ كالفقر. وقيل: الجود تجنّب اكتساب ما لا يحمد، وهو ضدّ التقتير. والجواد الذي يتفضّل على من يستحقّ، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير؛ ولا يخاف الفقر. والسخيّ: الليّن عند الحاجة. قال الأستاذ القشيريّ: قال القوم: من أعطى البعض فهو سخي، ومن أعطى الأكثر؛ وأبقى لنفسه شيئا فهو جواد، ومن قاسى الضّرّ وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر. انتهى. والجود والبخل يتطرّق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف الشحّ والسّخاء، إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة؛ فلا يمكن اكتسابهما، وبناء على التفرقة يقال: كلّ سخيّ جواد، وليس كلّ جواد سخيّا. والجود يتطرّق إليه الرياء، ويأتي به الإنسان متطلّعا إلى غرض من الخلق؛ أو الحقّ بمقابلة من الثناء، أو غيره من الخلق والثواب من الله تعالى. ولا يتطرّق الرياء إلى السخاء، لأنه غريزة لا صنع فيه، فلا يقصد به غرض، إذ هو ينبع من النفس الزكيّة المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه العارف السّهروردي في «عوارف المعارف» . انتهى؛ ذكره في «المواهب» وشرحها. (و) في بيان ما ورد في صفة (شجاعته) - مثلّث الشين المعجمة- قال الشامي: الشجاعة: انقياد النفس مع قوّة غضبيّة، وملكة يصدر عنها انقيادها في إقدامها متدرّبة على ما ينبغي؛ في زمن ينبغي؛ وحال ينبغي. انتهى وهي مصدر شجع- بالضمّ- شجاعة، فهو شجيع وشجاع- بضمّ الشين-،

стр. 1272

عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قطّ فقال: (لا) . وبنو عقيل بفتحها؛ حملا على نقيضه وهو جبان، وبعضهم كسرها للتخفيف؛ فرارا من توالي حركات متوالية من جنس واحد، وهو: الشديد القلب عند البأس المستهين بالحروب. انتهى من «شرح المواهب» للزرقاني. (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام (رضي الله تعالى عنهما؛ أنّه قال) ؛ فيما رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذي في «الشمائل» - وهذا لفظها-: حدّثنا محمد بن بشّار؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: حدّثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر؛ قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (ما سئل رسول الله ﷺ ؛ أي: ما طلب منه أحد (شيئا) يقدر عليه من أمور الدنيا الخيرية (قطّ) أبدا، (فقال «لا) أعطيك» ردّا له، بل إمّا أن يعطيه؛ إن كان عنده المسئول، أو يقول له ميسورا من القول بأن يعده، أو يدعو له، فكان إن وجد جاد، وإلّا وعد؛ ولم يخلف الميعاد. ولذلك قال الفرزدق: ما قال «لا» قطّ إلّا في تشهّده ... لولا التّشهّد كانت لاءه «نعم» قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : ليس المراد بقول جابر «فقال: «لا» » : أنّه يعطي ما يطلب منه جزما، بل المراد أنّه لا ينطق بالردّ، بل إن كان عنده شيء أعطاه؛ إن كان الإعطاء سائغا، وإلّا! سكت، أو اعتذر. قال: وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية؛ عند ابن سعد- ولفظه-: كان إذا سئل فأراد أن يفعل؛ قال «نعم» . وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبي هريرة ﵁ السابق: ما عاب طعاما قطّ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه. وبهذا لا يخالف ما ورد «أنّ من سأله حاجة لا يردّه إلّا بها؛ أو بميسور من القول» ذكره في «المواهب» .

стр. 1273

وكان ﷺ لا يسأل شيئا إلّا أعطاه، ثمّ يعود على قوت عامه فيؤثر منه، حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء. قال الباجوري: والمراد أنّه لم يقل «لا» ؛ منعا للإعطاء، فلا ينافي أنّه قاله ١- اعتذارا؛ إن لاق الاعتذار، كما في قوله «لا أجد ما أحملكم عليه» ، أو ٢- تأديبا للسائل؛ إن لم يلق به الاعتذار، كما في قوله للأشعريين «والله لا أحملكم» ، فهو تأديب لهم لسؤالهم ما ليس عنده؛ مع تحقّقهم ذلك، ومن ثمّ حلف حسما لطمعهم في تكليفه التحصيل مع عدم الاضطرار إلى ذلك. انتهى. (و) في «الإحياء» : (كان ﷺ لا يسأل شيئا إلّا أعطاه) . قال العراقي: رواه الطيالسيّ، والدارميّ؛ من حديث سهل بن سعد. وللبخاريّ من حديثه: أنّ الرّجل الذي سأله الشملة؛ فقال له القوم: سألته إيّاها؛ وقد علمت أنّه لا يردّ سائلا!! الحديث. ولمسلم من حديث أنس: ما سئل على الإسلام شيئا إلّا أعطاه. وفي «الصحيحين» ؛ من حديث جابر: ما سئل شيئا قطّ؛ فقال «لا» . انتهى. قلت: ورواه الحاكم؛ من حديث أنس بلفظ: لا يسأل شيئا إلّا أعطاه. أو سكت. وروى الإمام أحمد؛ من حديث أبي أسيد السّاعدي: كان لا يمنع شيئا يسأله. وكان ﷺ يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك؛ كما سيأتي للمصنّف تفصيله. ومن ذلك مما لم يذكره: جاءته امرأة يوم حنين أنشدته شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما قيمته خمسمائة ألف ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله. انتهى «إتحاف» . (ثمّ يعود على قوت عامه) الّذي ادّخره لعياله، (فيؤثر منه) على نفسه وعياله (حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء) .

стр. 1274

وكان ﷺ لا يكاد يسأل شيئا إلّا فعله. قال العراقي: هذا معلوم. ويدلّ عليه ما رواه الترمذيّ، وابن ماجه، والنسائي؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: توفّي ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله. وقال ابن ماجه: بثلاثين صاعا من شعير. وإسناده جيد. وللبخاري؛ من حديث عائشة: توفي ودرعه مرهونة عند يهودي. انتهى قلت: اليهودي هو أبو الشحم. والجمع بين الروايتين أنّه أخذ منه أوّلا عشرين؛ ثم عشرة، ثم رهنه إيّاها على الجميع، فمن روى العشرين لم يحفظ العشرة الآخرى، ومن روى الثلاثين حفظها، على أنّ روايتها أصحّ وأشهر، فكانت أولى بالاعتبار. وهذا يدلّ على غاية تواضعه ﷺ ، إذ لو سأل مياسير «١» أصحابه في رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك، فإذا ترك سؤالهم وسأل يهوديا؛ ولم يبال بأنّ منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودي في ذلك؛ فدلّ على غاية تواضعه وعدم نظره لحقوق مرتبته. وفيه دليل على ضيق عيشه ﷺ ، لكن عن اختيار؛ لا عن اضطرار، لأن الله فتح عليه في أواخر عمره من الأموال ما لا يحصى، وأخرجها كلّها في سبيل الله، وصبر هو وأهل بيته على مرّ الفقر والضيق والحاجة التامّة. انتهى؛ ذكره في شرح «الإحياء» المسمّى «إتحاف السادة المتقين» . (و) أخرج الطبراني في «الكبير» ؛ عن طلحة رضي الله تعالى عنه: (كان ﷺ لا يكاد يسأل) - بالبناء للمفعول- أي: لا يطلبه أحد (شيئا) من متاع الدنيا (إلّا فعله) . أي: جاد به على طالبه، لما طبع عليه من الجود، فإن لم

стр. 1275

وكان ﷺ لا يكاد يقول لشيء: (لا) ، فإذا هو سئل فأراد أن يفعل.. قال: (نعم) . وإن لّم يرد أن يفعل.. سكت. وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس بالخير، ... يكن عنده شيء؟! وعد، أو سكت. ولا يصرّح بالردّ- كما تقدّم-. (و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» عن محمد [ابن الحنفية] بن علي بن أبي طالب مرسلا: (كان ﷺ لا يكاد يقول لشيء لا) أي: لا أعطيه، أو لا أفعل. (فإذا هو سئل فأراد أن يفعل) المسؤول فيه (قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت) ، ولا يصرّح بالردّ، لما مرّ. وفي «مسند الطيالسي والدارمي» ؛ من حديث سهل بن سعد: كان لا يسأل شيئا إلّا أعطاه انتهى «مناوي» . (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والنّسائيّ، والترمذي في «الشمائل» - واللفظ لها-: (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ - أي: في حدّ ذاته؛ بقطع النظر عن أوقاته وأحواله الكريمة- (أجود النّاس) أي: أشدّهم جودا (بالخير) ، أي بكلّ خير من خيري الدنيا والآخرة، لله وفي الله؛ من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لإظهار الدين وهداية العباد، وإيصال النّفع إليهم بكلّ طريق، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، فكان يسمح بالموجود، لكونه مطبوعا على الجود؛ مستغنيا عن الفانيات بالباقيات الصالحات، فكان إذا وجد جاد، وإذا أحسن أعاد، وإن لّم يجد وعد؛ ولم يخلف الميعاد، ويجود على كلّ أحد بما يسدّ خلّته. ف «أجود» : أفعل تفضيل؛ من الجود، وهو: إعطاء ما ينبغي؛ لمن

стр. 1276

وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتّى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن، ... ينبغي؛ على ما ينبغي. ولما كانت نفسه أشرف النّفوس؛ كانت أخلاقه أفضل أخلاق الخلائق؛ فيكون أجود النّاس. وبالجملة: فكان يعطي عطاء الملوك؛ ويعيش عيش الفقراء. فكان يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان يمرّ عليه الشهر والشهران؛ لا يوقد في بيته نار (وكان أجود ما يكون) برفع «أجود» ؛ على أنه اسم «كان» ، و «ما» مصدرية، والخبر محذوف، والتقدير: كان أجود أكوانه حاصلا إذا كان مستقرّا (في شهر رمضان) ، وبنصب «أجود» ؛ على أنّه خبر «كان» ، واسمها ضمير يعود على النبي ﷺ . والمعنى: وكان النبي ﷺ مدّة كونه في شهر رمضان أجود من نفسه في غيره، لكن الرفع هو الذي في أكثر الروايات فهو الأشهر، والنصب أظهر. (حتّى ينسلخ) غاية في أجوديّته. والمعنى أنّ غاية جوده كانت تستمرّ في جميع رمضان إلى أن يفرغ، ثمّ يرجع إلى أصل جوده الذي جبل عليه الزائد عن جود الناس جميعا. وإنّما كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان، لأنّه موسم الخيرات، وتزايد البركات، فإنّ الله تعالى يتفضّل على عباده في هذا الشهر ما لا يتفضّل عليهم في غيره. وكان ﷺ متخلّقا بأخلاق ربّه؛ (فيأتيه جبريل) عند ملاقاته ومدارسته القرآن، كما يدلّ عليه قوله الآتي: «فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الرّيح المرسلة» (فيعرض) - بفتح التحتية وكسر الرّاء- لأنّه من «باب ضرب» ، أي: فيعرض النبيّ ﷺ (عليه) أي: على جبريل (القرآن) ، كما يدلّ عليه رواية «الصحيحين» : كان جبريل يلقاه كلّ ليلة في رمضان يعرض عليه النبي ﷺ القرآن،

стр. 1277

فإذا لقيه جبريل.. كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الرّيح المرسلة. أي: يقرؤه عليه عن ظهر قلب. أي: يعرض عليه بعضه؛ أو معظمه، لأنّ أوّل رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلّا بعضه، ثمّ كذلك كلّ رمضان بعده إلى الأخير، فكان نزل كلّه إلّا ما تأخّر نزوله بعد رمضان المذكور، وكانت في سنة عشر إلى أن توفّي رسول الله ﷺ ، وممّا نزل في تلك المدّة قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [٣/ المائدة] .. الآية، فإنّها نزلت في يوم عرفة بالاتفاق، ففيه إطلاق القرآن على بعضه؛ وعلى معظمه!!. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والطبرانيّ أنّ الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة (فإذا لقيه جبريل) لا سيّما عند قراءة التنزيل (كان رسول الله ﷺ أجود بالخير) أي: أسخى ببذل الخير للخير (من الرّيح المرسلة) - بفتح السين- بالمطر، فإنّها ينشأ عنها جود كثير، لأنها تنشر السحاب وتملؤه ماء، ثم تبسطها لتعمّ الأرض فينصبّ ماؤها عليها، فيحيا به الموات، ويخرج به النبات. وتعبيره ب «أفعل» التفضيل نصّ في كونه أعظم جودا منها، لأن الغالب عليها أن تأتي بالمطر، وربّما خلت عنه؛ وهو لا ينفكّ عن العطاء والجود. وبالجملة؛ فقد فضل جوده على جود الناس، ثمّ فضل جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في غيره، ثم شبّهه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة. فإن قيل: ما الحكمة في تخصيص الليل المذكور في رواية «الصحيحين» بمعارضة القرآن؛ دون النهار!!؟ فالجواب: هو أن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، ومظنّة ذلك الليل،

стр. 1278

وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال النّبيّ ﷺ : «ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ؛ ... بخلاف النهار؛ فإنّ فيه من الشواغل والعوارض ما لا يخفى، ولعلّه ﷺ كان يقسم ما نزل من القرآن في كلّ سنة أجزاء على ليالي رمضان؛ فيقرأ كلّ ليلة جزآ منه في جزء من الليلة، ويترك بقيّة ليلته لما سوى ذلك من تهجّد وراحة وتعهّد أهله!!. ويحتمل أنّه كان يعيد ذلك الجزء مرارا بحسب تعدّد الحروف المنزّل بها القرآن. انتهى؛ ذكره في «زاد المسلم» . وهذا حديث عظيم لاشتماله على ذكر أفضل الملائكة، إلى أفضل الخلق، بأفضل كلام، من أفضل متكلّم، في أفضل وقت. ويؤخذ منه ندب إكثار الجود في رمضان، ومزيد الإنفاق على المحتاجين فيه، والتوسعة على عياله وأقاربه ومحبّيه، وخصوصا عند ملاقاة الصالحين، وعقب مفارقتهم؛ شكرا لنعمة الاجتماع بهم، وندب مدارسته القرآن. وفيه أنّ صحبة الصالحين مؤثّرة في دين الرجل وعلمه، ولذلك قالوا: لقاء أهل الخير عمارة القلوب. انتهى «مناوي، وباجوري، وغيرهما» . (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا) لم يسمّ؛ (جاء إلى النّبيّ ﷺ فسأله أن يعطيه) أي: شيئا من الدنيا؛ (فقال النّبيّ ﷺ : «ما عندي شيء) موجود أعطيه لك، (ولكن ابتع) - روي بموحّدة ساكنة بعد همزة الوصل، ففوقية مفتوحة وعين مهملة- أي: اشتر ما تحتاجه بدين يكون عليّ أداؤه، فالابتياع بمعنى الاشتراء. وروي «أتبع عليّ» - بتقديم التاء الفوقية على الموحّدة- أي: أحل (عليّ) - بتشديد المثناة-، قال الزمخشري: أتبعت فلانا على فلان: أحلته، ومنه خبر: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» انتهى.

стр. 1279

فإذا جاءني شيء.. قضيته» . فقال عمر: يا رسول الله؛ [قد أعطيته] ، فما كلّفك الله ما لا تقدر عليه. فكره ﷺ قول عمر. وفي رواية البزّار؛ عن عمر: فقال: «ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض حتّى يأتينا شيء فنعطيك» . فلا مانع من تفسير «ابتع» أو «اتبع» : ب «استقرض» تجوّزا؛ لرواية البزار، إذ الحديث واحد. وليس بضمان! بل وعد منه. ووعده ملتزم الوفاء، إذ وعد الكريم دين. ولذا صحّ أنّه لما توفّي نادى الصدّيق لما جاءه مال البحرين: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة؛ أو دين فليأتنا. فجاء جابر؛ وقال: إنّه وعدني كذا. فأعطاه له ... الحديث في «الصحيح» . (فإذا جاءني شيء) من باب الله كفيء وغنيمة (قضيته» ) عنك. وهذا غاية الكرم ونهاية الجود. (فقال) الرّاوي (عمر) وكان الظاهر أن يقول: «فقلت» ، إلّا أن يقال «إنّه من قبيل الالتفات على مذهب بعضهم» ! (: يا رسول الله؛ قد أعطيته) أي: هذا السائل قبل هذا!! فلا حاجة إلى أن تعده بالإعطاء بعد ذلك؟! أو: قد أعطيته الميسور من القول؛ وهو قولك «ما عندي شيء» ؛ فلا حاجة إلى أن تلتزم له شيئا في ذمّتك. وقوله (فما كلّفك الله) الفاء للتعليل؛ لما يستفاد من قوله «قد أعطيته» ، فكأنّه قال: لا تفعل ذلك، لأنّ الله ما كلّفك (ما لا تقدر عليه) ؛ من أمره بالشّراء ووعده بالقضاء. (فكره ﷺ قول عمر) ، أي: بدا في وجهه الشريف أثر عدم رضاه به، لأنّ فيه كسر خاطر السائل، ولأنّ مثله لا يعدّ تكليفا لما لا يقدر عليه، لما عوّده الله من فيض نعمه.

стр. 1280

فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله؛ أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا. فتبسّم رسول الله ﷺ ، وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاريّ، ثمّ قال: «بهذا أمرت» . (فقال رجل من الأنصار) كان حاضرا حين رأى كراهة المصطفى لذلك (: يا رسول الله؛ أنفق) - بفتح الهمزة-: أمر من الإنفاق، (ولا تخف من ذي العرش إقلالا) ؛ أي: افتقارا من «أقلّ» بمعنى: افتقر. وإن كان في الأصل بمعنى: صار ذا قلة. وما أحسن من «ذي العرش» في هذا المقام!! أي: لا تخف؛ أي: يضيّع مثلك من هو مدبّر الأمر من السماء إلى الأرض!!. قال البرهان في «المقتفي» : هذا الرّجل لا أعرفه. وفي حفظي أنّه بلال، لكنه مهاجري؛ لا أنصاري، فيكون قد قال ذلك بلال والأنصاريّ، أو الذي فيه ذكر بلال قصّة أخرى؛ المأمور فيها بالإنفاق بلال!! روى الطبرانيّ، والبزّار؛ عن ابن مسعود: دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صبرة من تمر؛ فقال: «ما هذا يا بلال» . قال: يا رسول الله؛ ذخرته لك ولضيفانك. قال: «أما تخشى أن يفور لها بخار من جهنّم؛ أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . انتهى. فما في حفظه إنما هو في هذه القصة؛ فلا يصحّ تفسير المبهم ب «بلال» لوجهين. (فتبسّم رسول الله ﷺ فرحا بقول الأنصاري، (وعرف في وجهه البشر) - بكسر الباء- أي: الطلاقة والبشاشة (لقول الأنصاريّ) المارّ (ثمّ قال) أي: ﷺ ( «بهذا) أي: الإنفاق من غير مخافة فقر (أمرت» ) بنحو وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [٣٩/ سبأ] لا بقول عمر!! فقدّم الظرف! ليفيد قصر القلب ردّا لاعتماد عمر. وإنّما فعل ذلك!! للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه.

стр. 1281

......... وفيه أنّ الانفاق مأمور به في كلّ حال دعت المصلحة إليه، ولو بنحو استدانة، فإن عجز فبعدة. والعدة: إنفاق لأنها التزام النفقة؛ عند بعض الأئمّة. وقد استشكل هذا الحديث بأنّ الله تعالى قال وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [٢٩/ الإسراء] الآية. وأجاب القاضي أبو يعلى بأن المراد بهذا الخطاب غيره ﷺ ؛ وغير خلّص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميع ما عندهم عن طيب قلب لتوكّلهم وثقتهم بما عند الله، أمّا من كان ليس كذلك يتحسّر على ما ذهب منه!! فالمحمود منهم التوسّط؛ وهم الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، لأنّهم لا صبر لهم على الفاقة، ولذا صعب عليه ﷺ كلام عمر لمّا راعى ظاهر الحال، وأمره بصيانة المال؛ شفقة على النبي ﷺ لعلمه بكثرة السائلين له وتهافتهم عليه. والأنصاريّ راعى حاله ﷺ ، فلذا سرّه كلامه. فقوله «بهذا أمرت» إشارة إلى أنّه أمر خاصّ به وبمن يمشي على قدمه انتهى. من «شرح الشفاء» للخفاجي، ومن شرح الزرقاني على «المواهب» . قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ومما ينبغي التنبّه له أنّ كلّ خصلة من خصال الفضل قد أحلّ الله نبيّه في أعلاها وخصّه بذروة سنامها، ثم تقاسمت الفرق فضائله، فكلّ احتجّ على مطلوبه بشيء منها؛ فإذا احتجّ الغزاة بهديه في الجهاد على أنّهم أفضل؛ احتجّ الفقهاء على مثل ما احتجّ به أولئك. وإذا احتجّ الزّهاد به على فضلهم؛ احتجّ به ولاة الأمور على طولهم. وإذا احتجّ به الفقير الصابر؛ احتجّ به الغني الشاكر. وإذا احتجّ به العبّاد على فضل نفلهم؛ احتجّ به العارفون على فضل المعرفة. وإذا احتجّ به المتواضعون وأهل الحلم؛ احتجّ به أرباب العزّ والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم.

стр. 1282

وكان ﷺ إذا جاءه مال.. لم يبيّته، ولم يقيّله؛ أي: إذا جاءه آخر النّهار.. لم يمسكه إلى اللّيل، أو أوّل النّهار.. لم يمسكه إلى وقت القيلولة، بل يعجّل قسمته. وكان ﷺ أسخى النّاس، ... وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة؛ احتجّ به أرباب حسن الخلق والمزاح المباح ... وهكذا. وسرّ ذلك أنّه بعث لصلاح الدنيا والدين. انتهى. نقله المناوي على «الشمائل» وهو كلام نفيس. (و) أخرج البيهقيّ في «سننه» ، والخطيب؛ عن أبي محمد الحسن بن محمد بن علي مرسلا، وهو حديث حسن- كما قال العزيزي- (كان) رسول الله ﷺ إذا جاءه مال) ؛ من نحو فيء أو غنيمة (لم يبيّته) عنده، (ولم يقيّله) - بالتشديد فيهما- قال العزيزي: (أي: إذا جاءه آخر النّهار لم يمسكه إلى اللّيل، أو) جاءه (أوّل النّهار لم يمسكه إلى وقت القيلولة) : نصف النهار (بل يعجّل قسمته) تعجيلا للخير، إذ كان هديه يدعو إلى تعجيل الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان أشرح الخلق صدرا، وأطيبهم نفسا، وأنعمهم قلبا، فإنّ للصدقة والبذل تأثيرا عجيبا في شرح الصدر. انتهى «مناوي» . (و) في «الإحياء» و «كشف الغمة» : (كان ﷺ أسخى النّاس) : أي أكثرهم سخاء. قال الحافظ العراقي: رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ من حديث أنس: «فضّلت على النّاس بأربع: بالسّخاء والشّجاعة ... الحديث. ورجاله ثقات. وقال صاحب «الميزان» : إنّه منكر. وفي «الصحيحين» ؛ من حديثه: كان ﷺ أجود الناس. واتفقا عليه؛ من حديث ابن عبّاس. انتهى.

стр. 1283

لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل.. لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه. قلت: وفي حديث آخر سنده ضعيف: «أنا أجود بني آدم» وهو بلا ريب أجودهم مطلقا، كما أنّه أكملهم في سائر الأوصاف، ولأن جوده لله تعالى في إظهار دينه، بل كان بجميع أنواع الجود؛ من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكلّ طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، وكان جوده ﷺ كلّه لله تعالى، وفي ابتغاء مرضاته. (لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل) أي: بقي (شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل) أي: أتاه فجأة (لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه) . قال الحافظ العراقيّ: رواه أبو داود؛ من حديث بلال في حديث طويل فيه: أهدى صاحب فدك لرسول الله ﷺ أربع قلائص، وكانت عليهنّ كسوة وطعام، وباع بلال ذلك ووفّى دينه، ورسول الله ﷺ قاعد في المسجد وحده، وفيه قال: «فضل شيء؟» . قلت: نعم، ديناران. قال: «انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتّى تريحني منهما» . فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتّى أصبح، وظلّ في المسجد اليوم الثاني حتّى إذا كان في آخر النهار جاء راكبان؛ فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما، حتّى إذا صلّى العتمة؛ دعاني، فقال: «ما فعل الّذي قبلك» ؟. فقلت: قد أراحك الله منه، فكبّر وحمد الله؛ شفقة من أن يدركه الموت؛ وعنده ذلك، ثم اتبعه حتّى جاء أزواجه ... الحديث. وللبخاريّ من حديث عقبة بن الحارث: «ذكرت؛ وأنا في الصّلاة تبرا

стр. 1284

وأتاه ﷺ رجل فسأله، فأعطاه غنما سدّت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وأعطى غير واحد مئة من الإبل. فكرهت أن يمسي ويبيت عندنا فأمرت بقسمته» . ولأبي عبيد في «غريبه» ؛ من حديث الحسن بن محمد مرسلا: كان لا يقيّل مالا عنده؛ ولا يبيّته. انتهى شرح «الإحياء» . (وأتاه ﷺ رجل) ، هو: صفوان بن أمية- كما قال غير واحد- (فسأله) شيئا من العطاء، (فأعطاه غنما) كثيرة، ولكثرتها (سدّت ما بين جبلين) لسعة جوده وسماحة نفسه، (فرجع إلى قومه) ؛ وهم قريش، (وقال:) يا قوم (أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) . وذلك آية نبوّته. وفي رواية: من لا يخشى الفاقة. وهي: الفقر، أو: أشدّ الفقر. رواه مسلم؛ من حديث أنس ﵁. ويرحم الله أبا عبد الله محمد بن جابر حيث قال: هذا الّذي لا يتّقي فقرا إذا ... أعطى ولو كثر الأنام وداموا واد من الأنعام أعطى آملا ... فتحيّرت لعطائه الأوهام (وأعطى غير واحد) أي: كثيرا من المؤلّفة (مائة من الإبل) ؛ كأبي سفيان بن حرب، وابنيه: معاوية ويزيد، ومع كلّ واحد منهم أربعين أوقية، وكحكيم بن حزام، والحارث بن هشام وغيرهم ... والذين أعطاهم ﷺ مائة من الإبل ناس كثير؛ قد عدّهم البرهان الحلبي، وقال: إنّهم يبلغون ستّين من المؤلّفة قلوبهم، وكذا ذكر الشيخ قاسم في «تخريج أحاديث الشفا» ذكر ذلك الخفاجي في «نسيم الرياض» . قال شيخنا الشيخ حسن المشّاط عافاه الله تعالى في «إنارة الدجى» ما نصّه: أعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى؛ فأعطاه.

стр. 1285

......... وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل. وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل. وأعطى العلاء بن جارية الثقفي خمسين بعيرا. وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا. وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل. وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل. وأعطى صفوان بن أميّة مائة من الإبل. وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل. وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل. وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل. وأعطى حويطب بن عبد العزّى مائة من الإبل. وأعطى هشام بن عمرو العامريّ خمسين من الإبل. وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل. وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل. وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل. وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل؛ فقال في ذلك شعرا؛ فأعطاه مائة من الإبل، ويقال: خمسين. انتهى. وقد أشار إلى ذلك العلامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي، في «نظم المغازي» حيث قال: أعطى عطايا شهدت بالكرم ... يومئذ له ولم تجمجم وكيف لا ومستمدّ سيبه ... من سيب ربّ ذي عناية به

стр. 1286

وأعطى صفوان مئة ثمّ مئة ثمّ مئة. أعطى عطايا أخجلت دلح الدّيم ... إذ ملأت رحب الفضا من النّعم زهاء ألفي ناقة منها وما ... ملأ بين جبلين غنما (وأعطى صفوان) بن أميّة بن خلف بن وهب بن قدامة بن جمح القرشي الجمحي المكيّ، صحابيّ من المؤلّفة. أسلم يوم الفتح، وشهد حنينا والطائف؛ وهو مشرك، فلما أعطاه ﷺ ما ذكر قال: أشهد بالله؛ ما طابت بهذا إلّا نفس نبيّ، فأسلم وحسن إسلامه. روى له مسلم، وأصحاب «السنن» ، وعلّق له البخاريّ. ومات أيّام قتل عثمان، وقيل سنة: إحدى- أو اثنتين- وأربعين. (مائة) من الإبل (ثمّ مائة ثمّ مائة) . كذا قال ملا علي قاري. وقال في «شرح الإحياء» : أعطى صفوان بن أميّة يوم حنين مائة من الغنم؛ ثمّ مائة، ثمّ مائة حتى صار أحبّ الناس إليه بعد ما كان أبغضهم إليه، فكان ذلك سببا لحسن إسلامه. لكن في شرح الخفاجي على «الشفاء» ، وشرح الزرقاني على «المواهب» ترك هذه المئات الثلاث بدون تفسير؛ هل هي من الإبل، أو الغنم؟! فليحرر. قال الزرقاني: والحكمة في كونه ﷺ لم يعطها دفعة واحدة: أنّ هذا العطاء دواء لدائه، والحكيم لا يعطي الدواء دفعة واحدة، لأنه أقرب للشفاء. انتهى. قال في «شرح الإحياء» : روى مسلم، والترمذي؛ من طريق سعيد بن المسيّب؛ عن صفوان بن أمية قال: والله؛ لقد أعطاني النبي ﷺ وإنّه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتّى إنّه لأحبّ الناس إليّ!! انتهى. ولقد أحسن ابن جابر حيث قال: يروى حديث النّدى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهلّ ومنسجم من وجه أحمد لي بدر، ومن يده ... بحر، ومن فمه درّ لمنتظم

стр. 1287

وهذه كانت حاله ﷺ قبل أن يبعث، وقد قال له ورقة بن نوفل: ... يمّم نبيّا يباري الرّيح أنمله ... والمزن من كلّ هامي الودق مرتكم لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحر منه إن تعم يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كلّ طامي الموج ملتطم لو لم تحط كفّه بالبحر ما شملت ... كلّ الأنام وروّت قلب كلّ ظمي فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه. قال القاضي عياض في «الشفاء» : (وهذه) ، أي: الخصلة والسجيّة في الكرم والعطاء (كانت حاله ﷺ قبل أن يبعث) نبيّا؛ أو يرسل. (وقد قال له ورقة) - بواو وراء مهملة مفتوحتين وقاف آخره تاء مربوطة- (بن نوفل) بن أسد بن عبد العزّى. وكان من أعقل أهل زمانه وأعلمهم، شاعر بليغ متألّه، وكان يقرأ ويكتب الكتب القديمة بالعربية والعبرانية، ويتألّه ويتعبّد؛ ولذا سمّي «القسّ» ، وتهوّد في أوّل أمره؛ ثم تنصّر، وهو ابن عمّ خديجة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وله أشعار كثيرة في التوحيد ولترهّبه لم يكن له عقب، وورد في الحديث: «لا تسبّوا ورقة، فإنّي رأيت له جبّة أو جبّتين» - يعني بذلك- ما ورد من طريق آخر أنّه ﷺ رآه في منامه في الجنّة وعليه حلّة خضراء؛ أو بيضاء، أو نحوه كثياب من حرير وحلّة من سندس. وكان حيّا في ابتداء الوحي إلى أن تنبّأ رسول الله ﷺ واجتمع بالنبي ﷺ وآمن به؛ كما في أوّل البخاري، وقال: لئن أدركت زمانك لأنصرنّك نصرا مؤزّرا وكان ﷺ إذ ذاك نبيّا؛ ولم يؤمر بالدّعوة. ومات ورقة بعد نبوّته ﷺ وقبل رسالته، ولذا قالوا: إنّه أوّل من آمن بالنبي ﷺ من الرجال، وهو ثان بالنسبة لخديجة رضي الله تعالى عنها وصحابي، ولذا عرّفوا الصحابي بأنّه: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا به. ولم يقولوا «بالرّسول» ، وهذا ممّا

стр. 1288

إنّك تحمل الكلّ وتكسب المعدوم، ... ينبغي التنبّه له. وفي «نظم السيرة» للحافظ العراقي في ذكر ورقة: فهو الّذي آمن بعد ثانيا ... وكان برّا صادقا مواتيا والصّادق المصدوق قال: إنّه ... رأى له تخطّطا في الجنّه وهذا المذكور من أنّه صحابيّ هو الصحيح. وقيل: إنه ليس بصحابي، لأنه لم ير النبي ﷺ ؛ ولم يؤمن به بعد بعثته، وعليه جماعة محقّقون، والأكثر من أصحابنا على أنه صحابيّ. انتهى «خفاجي» . (إنّك تحمل الكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللام- أي: الثقيل؛ من العيال واليتيم ومن لا قدرة له من ضعيف الحال، أي: فيما بين قومه، وفي التنزيل وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ [٧٦/ النحل] أي: ثقيل في المؤنة ضعيف في الصنعة؛ قاله ملا علي قاري. (وتكسب) - بفتح التاء وكسر السين المهملة- وهي أكثر الروايات وأصحّها. قال النّووي: فتح التاء هو الصحيح المشهور، وروي بضمّها. (المعدوم) - بالواو في النسخ المعتبرة- وهو: الشيء الذي لا وجود له. والمراد أنّك تعطي الناس الفقراء ما لا يجدونه عند غيرك، لما فيك من مكارم الأخلاق. وما ذكره المصنف؛ من أنّ هذا من كلام ورقة هو ما في «الشفاء» للقاضي عياض، واعترضه شرّاحه؛ فقال الخفاجي؛ نقلا عن السيوطي: إنّ القائل له ﷺ هذا إنّما هو خديجة رضي الله تعالى عنها؛ في قصة مكالمتها لورقة في شأن النبي ﷺ ، لمّا رأى جبريل ﵊ في أوّل أمره وخاف على نفسه منه، وكذا اعترض عليه الشيخ قاسم في «تخريجه» أيضا؛ فقال: لا أعلم هذا من قول ورقة ﵁. والذي في «صحيح البخاري» وغيره: أنّه من قول خديجة رضي الله تعالى عنها.

стр. 1289

وقالت له خديجة رضي الله تعالى عنها: أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، ... وما قيل: من «أنّ القاضي «١» جليل القدر؛ لا يخفى عليه مثله، ولا يبعد صدوره من ورقة!!» لا يجدي نفعا مع نقل «الصحيحين» خلافه، وليس مثله محلّ بحث، ولكلّ صارم نبوة، ولكلّ جواد كبوة. انتهى. (و) المصنّف رحمه الله تعالى نقل ما في «الشفاء» وأردفه بما في «الصحيحين» ؛ وهو: (قالت له خديجة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها) حين قال لها ﷺ لمّا رأى جبريل ﵊: «لقد خشيت على نفسي» أي: الهلاك من شدّة الرّعب!! أو تعييرهم إيّاه، فأرادت خديجة ﵂ دفع ذلك الذي خشيه؛ فقالت له: (أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا) يخزيك- بضمّ أوّله والخاء المعجمة والزاي المكسورة، ثم الياء السّاكنة- من الخزي؛ وهو: الفضيحة والهوان، وفي رواية: يحزنك- بالحاء المهملة والنون، ويجوز فتح الياء في أوّله وضمّها- وكلاهما صحيح. ثمّ استدلّت خديجة على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي، ووصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إمّا إلى الأقارب، أو إلى الأجانب، وإمّا بالبدن، أو بالمال، وإمّا على من يستقلّ بأمره، أو من لا يستقلّ. وذلك كلّه مجموع فيما وصفته به في قولها: (إنّك لتصل الرّحم) صلة الرحم: هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسّلام.. وغير ذلك. (وتحمل الكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللّام- مصدر بمعنى الكلال؛ وهو:

стр. 1290

وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. الإعياء، وفسّر بالثّقل، فقيل: إنه لازم معناه، وهو المناسب للحمل، لأنّه لا يقال «حمل الإعياء» . وحمل الكلّ هو كقول العرب في المدح: هو حمّال أثقال. أي: يحمل ثقل غيره من الضعفاء والعيال، وإعانة الخلق بالإنفاق عليهم وإطعامهم وإعطائهم كلّ ما يحتاجون إليه، وكفالة الأيتام وغيره من وجوه البر. (وتكسب) - بفتح أوله ويضمّ، وبكسر السين المهملة- (المعدوم) - بالواو، والمعنى: تكسب غيرك المال المعدوم؛ أي تعطيه، واختاره النوويّ. وقيل: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق. انتهى «ملا علي قاري» . (وتقري) - بفتح التاء المثنّاة الفوقية- (الضّيف) أي: تحسن إليه، يقال قريت الضيف أقريه قرى- بكسر القاف- مقصور. وقراء بفتح القاف والمدّ، ويقال للطعام الذي يضيفه به قرى مقصور، ويقال لفاعله: قار مثل قضى؛ فهو قاض انتهى «نووي» . (وتعين على نوائب الحقّ) النوائب: جمع نائبة؛ وهي الحادثة، وإنّما قالت نوائب الحق!! لأن النائبة قد تكون في الخير، وقد تكون في الشرّ، قال لبيد: نوائب من خير وشرّ كلاهما ... فلا الخير ممدود؛ ولا الشّرّ لازب قال العلماء رحمهم الله تعالى: معنى كلام خديجة رضي الله تعالى عنها: أنّك لا يصيبك مكروه، لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق؛ وكرم الشمائل. وذكرت ضروبا من ذلك. وفي هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب السلامة من مصارع السوء. وقد روى أبو نعيم ما يؤيّده وهو قوله ﷺ : «صنائع المعروف تقي مصارع السّوء» .

стр. 1291

و (الكلّ) هنا: الثّقل من كلّ ما يتكلّف؛ كما في «لسان العرب» . وأعطى العبّاس رضي الله تعالى عنه ما لم يطق حمله. وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة. وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر، وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له. وفيه أعظم دليل وأبلغ حجّة على كمال خديجة رضي الله تعالى عنها، وجزالة رأيها، وقوّة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها. والله أعلم. انتهى «شرح مسلم» مع زيادة. (والكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللام- له معان كثيرة، لكن المراد (هنا) في حديث خديجة: (الثّقل من كلّ ما يتكلّف) يعني: مما فيه كلفة (كما) ذكره ابن منظور (في «لسان العرب» ) ، وابن الأثير في «النهاية» ، والزّبيديّ في «شرح القاموس» ؛ وهو من الكلال وهو الإعياء. قال الإمام النّوويّ: ويدخل في حمل الكلّ الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك. انتهى. (وأعطى) عمّه (العبّاس) بن عبد المطلب (رضي الله تعالى عنه، ما) أي: شيئا (لم يطق حمله) من الإطاقة، أي: ما لم يقدر على حمله وحده مع قوّته. روى البخاريّ في مواضع؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه ﷺ أتي بمال من البحرين؛ فقال: «انثروه» يعني: صبّوه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ ، فخرج إلى المسجد؛ ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلّا أعطاه منه، إذ جاء العبّاس؛ فقال: يا رسول الله؛ أعطني، فإنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له: «خذ» . فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه؛ فلم يستطع. فقال يا رسول الله؛ مر بعضهم يرفعه عليّ؟ قال: «لا» . قال: فارفعه أنت عليّ. فقال: «لا» . فنثر منه، ثمّ ذهب يقلّه فلم يستطع؛ فقال: يا رسول الله؛ مر بعضهم يرفعه عليّ. قال: «لا» . قال: فارفعه أنت عليّ. قال: «لا» فنثر منه، ثمّ احتمله فألقاه على كاهله فانطلق، فما

стр. 1292

وحمل إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثمّ قام إليها يقسمها، فما ردّ سائلا حتّى فرغ منها. ولمّا قفل من حنين ... زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا!! عجبا من حرصه، فما قام ﵊ وثمّ منها درهم!! وفي رواية: ثم انطلق؛ وهو يقول: «إنّما أخذت ما وعد الله، فقد أنجز» ! يشير إلى قوله تعالى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [٧٠/ الأنفال] . قال ابن كثير: كان العبّاس شديدا طويلا نبيلا، قلّما احتمل شيئا يقارب أربعين ألفا. (و) روى الترمذيّ أنّه ﷺ (حمل) - بصيغة المجهول- أي: أتي (إليه تسعون) - بمثناة فوقية قبل السين- وفي رواية أبي الحسن بن الضحاك في «شمائله» ؛ من حديث الحسن مرسلا: ثمانون (ألف درهم) . وأخرجه ابن الجوزي في «الوفاء» ؛ وقال: سبعون ألفا- بتقديم السين على الموحدة- ويوافقه قول الصرصري في مديحه؛ حيث قال: سبعون ألفا فضّها في مجلس ... لم يبق منها عنده فلسان (فوضعت) - بصيغة المجهول- أي: سكبت ونثرت (على حصير) أي: خصفة (ثمّ قام إليها) ، لعل المراد: شرع (يقسمها) ، أو أخذ يقسمها؛ بأن أمر به؛ وإن لم يقم بالفعل، ولا باشر القسم بيده. (فما ردّ سائلا) ، لا يؤخذ منه أنّه لم يعط إلّا من سأله! بل يصدق بذلك، وبإعطاء من علم حاجته فيدفع له إن كان عنده بلا سؤال، أو يبعث إليه (حتّى فرغ منها) غاية لقوله «يقسمها» . (و) في «الإحياء» : أنّه (لمّا قفل) ﷺ ؛ أي: رجع (من) غزوة (حنين) - بضم الحاء المهملة فنونين بينهما مثنّاة تحتية مصغّرا-: واد بين مكّة والطائف،

стр. 1293

وجاءت الأعراب ... وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنّث على معنى البقعة؛ قاله في «المصباح» . وقال ابن بليهد النّجدي في كتابه «صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار» : حنين موضع قد أعيانا الوقوف على حقيقته. ومن كتّاب هذا العصر من قال: إنّه عين الشرائع؛ يعني الموضع المسمّى ب «الشرائع» أنّها هي عين حنين، وهذا قريب من الصواب، فإن لم تكن عين حنين؛ فهي قريبة منها في الوادي الذي يقع عن «الشرائع» جنوبا، لأنّه قريب من «ذي المجاز» الذي ذكر في آخر رواية السّهيلي «يعني الكلام الذي نقله ابن بليهد المذكور نفسه عنه حيث قال» : وحنين قريب من مكة. وقيل: هو واد بالطائف. وقيل: واد بجنب «ذي المجاز» . انتهى كلام ابن بليهد. قال في «المصباح» : وقصّة حنين أنّ النبي ﷺ فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثمّ خرج منها لقتال هوازن وثقيف، وقد بقيت أيّام من رمضان؛ فسار إلى حنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثمّ أمدّهم الله بنصره فعطفوا، وقاتلوا المشركين فهزموهم، وغنموا أموالهم وعيالهم، ثم سار المشركون إلى أوطاس؛ فمنهم من سار على نخلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك نخلة!. ويقال: إنه ﵊ أقام عليها يوما وليلة، ثمّ سار إلى أوطاس فقاتلهم بقيّة شوّال، فلما أهلّ ذو القعدة ترك القتال، لأنّه شهر حرام، ورحل راجعا فنزل الجعرانة وقسم بها غنائم أوطاس وحنين، ويقال: كانت ستّة آلاف سبي- كما سيأتي- انتهى. (وجاءت الأعراب) - بفتح الهمزة- هم: أهل البدو، الواحد أعرابيّ بالفتح أيضا، وهو: الذي يكون صاحب نجعة وارتياد للكلأ. قال الأزهري: سواء كان من العرب أم من مواليهم. قال: فمن نزل البادية وجاور البادين وظعن بظعنهم؛ فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف؛ واستوطن

стр. 1294

يسألونه حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ وقال: «أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه نعما.. لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا، ولا جبانا» . و (العضاه) : شجر له شوك، واحدها: عضاهة. المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب؛ وإن لم يكونوا فصحاء؛ كذا في «المصباح» . (يسألونه) أي: يطلبون منه أن يعطيهم الغنائم وكثروا حوله ﷺ وازدحموا (حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت) - بكسر الطاء المهملة- من باب فهم، وفيه لغة من باب ضرب. والخطف: الاستلاب بسرعة (رداءه. فوقف رسول الله ﷺ حينئذ. (وقال: «أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه) - هي: من أشجار البادية- (نعما) أي: إبلا (لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا؛ ولا جبانا» ) الجبان: ضعيف القلب. قال الحافظ العراقيّ: رواه البخاريّ؛ من حديث جبير بن مطعم. قلت: ولفظه: بينما أنا مع النبي ﷺ ؛ ومعه الناس مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتّى اضطروه إلى سمرة ... فذكره. وفيه: «ولا كذوبا» بدل «كذّابا» . ورواه البيهقي في «الدلائل» ؛ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ بلفظ المصنف. انتهى «شرح الإحياء» . (والعضاه) - بالعين المهملة والضاد المعجمة فألف فهاء آخره؛ بزنة كتاب، والهاء أصلية- وهو (شجر له شوك) كالطلح والعوسج. واستثنى بعضهم القتاد والسّدر، فلم يجعله من العضاه، (واحدها عضاهة) وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة.

стр. 1295

وردّ على هوازن سباياها، وكانوا ستّة آلاف. وفي «المواهب» : (ذكر ابن فارس (و) في «الشفاء» : أنه ﷺ (ردّ على هوازن) : اسم قبيلة منسوبة لهوازن بن أسلم، وكان يسكن حنينا؛ وهو موضع سمّي بحنين بن نابه بن مهلاييل، وغزوته تسمّى «غزوة حنين» ، و «غزوة هوازن» ، وكانت في شوال؛ أو في رمضان. وأمرها معروف مفصّل في السّير. ولما غزاهم وحاز غنائمهم قدم وفدهم على رسول الله ﷺ ؛ وهم أربعة عشر رجلا؛ رئيسهم زهير بن صرفة، وفيهم أبو برقان عمّ رسول الله ﷺ من الرّضاع، فسألوه أن يمنّ عليهم بما أخذه منهم؛ لما بينهم وبينه من مناسبة الرضاعة، فقال لهم: «أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟!» . قالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا!!. فردّ على هوازن (سباياها) بعد مفاوضة جرت، إذ قال ﷺ : «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب؛ فهو لكم، وما للنّاس يسأل منهم» . فقال: المهاجرون والأنصار: ما كان لنا؛ فهو لرسول الله ﷺ . وقال جماعة من المؤلّفة: أمّا ما لنا!! فلا، فأخذه ﷺ منهم قرضا على أن يعوّضهم عنه من أوّل مال يجيء، فسلّموهم جميعا (وكانوا ستّة آلاف) نفس من النّساء والذرّيّة غير الأموال التي من غنائمهم، وكانت أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة من الغنم، وأربعة آلاف أوقيّة من الفضّة. والأوقيّة: أربعون درهما. (و) قال العلّامة شهاب الدين القسطلّاني شكر الله مسعاه؛ (في) كتابه ( «المواهب) اللّدنّيّة بالمنح المحمدية» : (ذكر) العلّامة الإمام أبو الحسين: أحمد (بن فارس) بن زكريا بن محمّد بن حبيب الرازي اللّغويّ. كان إماما في علوم شتى؛ وخصوصا اللغة فإنّه أتقنها، وألّف كتابه «المجمل» ، وهو على اختصاره جمع شيئا كثيرا.

стр. 1296

في كتابه في «أسماء النّبيّ ﷺ » : أنّه في يوم حنين جاءته امرأة؛ فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتّى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم، فكان خمس مئة ألف ألف. وأصله من قزوين وأقام مدّة في همذان، ثم انتقل إلى الرّي، وإليها نسبته، وأخذ عنه البديع الهمذاني، والصاحب ابن عبّاد وغيرهما من أعيان البيان. وله مؤلّفات عديدة؛ منها «مقاييس اللغة» طبع في ستّة أجزاء، و «الصاحبي في علم العربية» طبع، ألّف لخزانة الصاحب بن عباد، و «الفصيح» ، و «تمام الفصيح» ، و «فقه اللغة» ، و «النيروز» خطّ، و «الإتباع والمزاوجة» طبع، و «الحماسة المحدثة» ، و «متخيّر الألفاظ» ، و «ذمّ الخطأ في الشعر» خط، و «اللامات» خط، و «كتاب الثلاثة» خط؛ في الكلمات المكوّنة من ثلاث حروف متماثلة. وكتاب «أسماء النبي ﷺ » ، وكتاب «أوجز السّير لخير البشر» طبع في ثمان صفحات، و «جامع التأويل في تفسير القرآن» أربع مجلدات، وله كتاب «حلية الفقهاء» ، وله شعر حسن. وكانت ولادته سنة: تسع وعشرين وثلثمائة هجرية، ووفاته سنة: خمس وتسعين وثلثمائة. والله أعلم رحمه الله تعالى. (في كتابه) المؤلّف (في «أسماء النّبيّ ﷺ » ؛ أنّه في يوم حنين جاءته امرأة فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ) من النساء والبنين. ونسب إليه!! لأنه الأمير. (وأعطاهم) عطف تفسير؛ أي: كان المردود (عطاء كثيرا) ، لأنّه لم يكن معه مال غير المأخوذ من الغنيمة، وسمّي المردود عطاء!! لملك الغانمين له (حتّى قوّم) - بالبناء للمفعول- (ما) أي: الذي (أعطاهم ذلك اليوم؛ فكان خمسمائة ألف ألف) من السبايا بتكرير لفظ «ألف» «مرتين» ، وهو عبارة عن خمسمائة

стр. 1297

قال ابن دحية: ... مليون؛ بالتعبير العصري. وأما أموالهم فلم يردّها عليهم، لأنّه كان قسم الجميع، فلما جاؤا مسلمين خيّرهم بين ردّ المال أو السبايا. فاختاروا السبايا فردّهم كما مرّ مفصّلا. (قال) العلّامة الإمام الحافظ أبو الخطّاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجميّل بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملّال بن بدر بن أحمد (بن دحية) - بكسر الدال المهملة وفتحها، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ياء مثنّاة من تحت- وهو: دحية بن خليفة الكلبي «صاحب رسول الله ﷺ » . وصاحب الترجمة ينسب إليه، ويعرف ب «ذي النسبين» : دحية؛ والحسين السّبط، لأنّه كان يذكر أنّ أمّه من ذرية الحسين رضي الله تعالى عنهما. كان أبو الخطّاب؛ من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوي، وما يتعلّق به، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها. واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش، واجتمع بفضلائها. ثم ارتحل إلى إفريقيا، ومنها إلى الديار المصريّة، ثمّ إلى الشام والشرق والعراق، ودخل إلى عراق العجم، وخراسان، وما والاها، وما زندران، كلّ ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمّته والأخذ عنهم، وهو في تلك الحال يؤخذ عنه ويستفاد منه وولّي قضاء دانية. ومن تصانيفه «المطرب من أشعار أهل المغرب» خط «١» ، و «الآيات البينات» خطّ و «نهاية السول في خصائص الرسول» خط، و «النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس» طبع، و «التنوير في مولد السراج المنير» ، و «علم النّصر المبين في المفاضلة بين أهل صفين» .

стр. 1298

وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود) . وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة ويثيب عليها. وكانت ولادته سنة: أربع وأربعين وخمسمائة، ووفاته سنة: ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة؛ وعمره قارب التسعين، ودفن بسفح المقطّم رحمه الله تعالى. (وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود. و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «الهبة» وأبو داود في «البيوع» ، والترمذيّ في «الجامع» في «البر» وفي «الشمائل» ؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة) ؛ طلبا للتحابب والتواصل، وفرارا من التباغض والتقاطع، إلّا لعذر؛ كما ردّ على الصعب بن جثّامة الحمار الوحشيّ؛ وقال: «إنّا لم نردّه عليك إلّا أنّا حرم» . (ويثيب) أي: يجازي، والأصل في الإثابة: أن يكون في الخير والشرّ، لكن العرف خصّها بالخير (عليها) ؛ بأن يعطي المهدي بدلها، وأقلّه قيمة ما يساوي الهديّة، فيسنّ التأسّي به في ذلك، لكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قويّة فيها، وحيث لم يظنّ المهدى إليه أنّ المهدي أهداه حياء، وإلّا! لم يجز القبول. قال الغزالي: مثال من يهدي حياء: من يقدم من سفر ويفرّق الهدايا؛ خوفا من العار، فلا يجوز قبول هديّته؛ إجماعا، لأنه: «لا يحلّ مال امرىء مسلم إلّا عن طيب نفس» . وكذا إذا ظنّ المهدى إليه أنّ المهدي إنّما أهدى له هديّته لطلب المقابل، فلا يجوز له قبولها؛ إلّا إذا أعطاه ما في ظنّه بالقرائن.

стр. 1299

وأتته ﷺ امرأة ببردة، فقالت: يا رسول الله؛ أكسوك هذه؟ فأخذها ﷺ محتاجا إليها، فلبسها، قال المناوي: وأخذ بعض المالكية بظاهر الخبر، فأوجب الثواب عند الإطلاق؛ إذا كان ممن يطلب مثله الثواب، أي: كالهديّة من الأدنى للأعلى. قال: وإنّما قبل الهدية؛ دون الصدقة!! لأنّ المراد بها ثواب الدنيا، وبالإثابة تزول المنّة. والقصد بالصدقة ثواب الآخرة، فهي من الأوساخ. وظاهر الإطلاق: أنّه كان يقبلها من المؤمن والكافر. وفي السّير أنّه قبل هدية المقوقس وغيره من الملوك. انتهى. (وأتته ﷺ امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (ببردة) منسوجة؛ فيها حاشيتها- كما في البخاريّ مرفوعا بمنسوجة، لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله؛ كاسم الفاعل. وقال الداودي: يعني أنّها لم تقطع من ثوب، فتكون بلا حاشية. وقال غيره: حاشية الثوب هدبه. وكأنه أراد أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس. وقال القزّاز: حاشيتا الثوب ماحيتاه اللّتان في طرفيهما الهدب. ولفظ البخاريّ في «الأدب» : جاءت امرأة ببردة؛ فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟! قالوا: الشّملة. قال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها. (فقالت: يا رسول الله: أكسوك هذه) ؟! وفي رواية «الجنائز» : قال: «نعم» . قالت: قد نسجتها بيدي؛ فجئت لأكسوكها. قال الحافظ: وتفسير البردة بالشّملة تجوّز، لأن البردة كساء، والشّملة: ما اشتمل به. فهي أعمّ، لكن لمّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها. (فأخذها) النبيّ ﷺ محتاجا إليها) ، كأنّهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدّم قول صريح؛ (فلبسها) لفظ «الأدب» : وفي رواية «الجنائز» : فخرج إلينا، وإنّها إزاره.

стр. 1300

فرآها عليه رجل من الصّحابة فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن هذه! فاكسنيها، ... ولابن ماجه: فخرج إلينا فيها، وللطبرانيّ فاتّزر بها؛ ثمّ خرج (فرآها عليه رجل من الصّحابة) . أفاد المحبّ الطبريّ في «الأحكام» أنّه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبرانيّ، ولم أره في «المعجم الكبير» ، لا في مسند سهل؛ ولا في مسند عبد الرحمن!! وقد أخرج الطبرانيّ الحديث، وقال في آخره: قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقّاص. وأخرجه البخاريّ في «اللباس» ، والنسائي في «الزينة» عن قتيبة؛ ولم يذكرا عنه ذلك!! ورواه ابن ماجه؛ وقال فيه: فجاء رجل سمّاه يومئذ، وهو دالّ على أنّ الراوي ربّما سمّاه. وفي رواية أخرى للطبراني؛ من طريق زمعة بن صالح؛ عن أبي حازم؛ عن سهل أنّ السائل المذكور أعرابيّ، فلو لم يكن زمعة ضعيفا لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقّاص!! أو يقال: تعدّدت القصّة على ما فيه من بعد. وقول شيخنا ابن الملقّن «إنّه سهل بن سعد» غلط، التبس عليه اسم القائل باسم الراوي؛ قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. (فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن) - بنصبه؛ تعجبا- (هذه) البردة (فاكسنيها) . لفظ «الأدب» ؛ ولفظ الجنائز عقب أنّها إزاره: فحسّنها فلان؛ فقال: أكسنيها؛ ما أحسنها!! قال الحافظ: فحسّنها؛ كذا في جميع الروايات هنا؛ أي: في «الجنائز» - بمهملتين من التحسين-. وللبخاريّ في «اللباس» فجسّها- بجيم بلا نون-.
следующие страницы →