في كتابه في «أسماء النّبيّ ﷺ » : أنّه في يوم حنين جاءته امرأة؛ فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتّى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم، فكان خمس مئة ألف ألف.
وأصله من قزوين وأقام مدّة في همذان، ثم انتقل إلى الرّي، وإليها نسبته، وأخذ عنه البديع الهمذاني، والصاحب ابن عبّاد وغيرهما من أعيان البيان.
وله مؤلّفات عديدة؛ منها «مقاييس اللغة» طبع في ستّة أجزاء، و «الصاحبي في علم العربية» طبع، ألّف لخزانة الصاحب بن عباد، و «الفصيح» ، و «تمام الفصيح» ، و «فقه اللغة» ، و «النيروز» خطّ، و «الإتباع والمزاوجة» طبع، و «الحماسة المحدثة» ، و «متخيّر الألفاظ» ، و «ذمّ الخطأ في الشعر» خط، و «اللامات» خط، و «كتاب الثلاثة» خط؛ في الكلمات المكوّنة من ثلاث حروف متماثلة. وكتاب «أسماء النبي ﷺ » ، وكتاب «أوجز السّير لخير البشر» طبع في ثمان صفحات، و «جامع التأويل في تفسير القرآن» أربع مجلدات، وله كتاب «حلية الفقهاء» ، وله شعر حسن.
وكانت ولادته سنة: تسع وعشرين وثلثمائة هجرية، ووفاته سنة: خمس وتسعين وثلثمائة. والله أعلم رحمه الله تعالى.
(في كتابه) المؤلّف (في «أسماء النّبيّ ﷺ » ؛ أنّه في يوم حنين جاءته امرأة فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ) من النساء والبنين. ونسب إليه!! لأنه الأمير.
(وأعطاهم) عطف تفسير؛ أي: كان المردود (عطاء كثيرا) ، لأنّه لم يكن معه مال غير المأخوذ من الغنيمة، وسمّي المردود عطاء!! لملك الغانمين له (حتّى قوّم) - بالبناء للمفعول- (ما) أي: الذي (أعطاهم ذلك اليوم؛ فكان خمسمائة ألف ألف) من السبايا بتكرير لفظ «ألف» «مرتين» ، وهو عبارة عن خمسمائة
стр. 1297
قال ابن دحية: ...
مليون؛ بالتعبير العصري.
وأما أموالهم فلم يردّها عليهم، لأنّه كان قسم الجميع، فلما جاؤا مسلمين خيّرهم بين ردّ المال أو السبايا. فاختاروا السبايا فردّهم كما مرّ مفصّلا.
(قال) العلّامة الإمام الحافظ أبو الخطّاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجميّل بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملّال بن بدر بن أحمد (بن دحية) - بكسر الدال المهملة وفتحها، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ياء مثنّاة من تحت- وهو: دحية بن خليفة الكلبي «صاحب رسول الله ﷺ » . وصاحب الترجمة ينسب إليه، ويعرف ب «ذي النسبين» : دحية؛ والحسين السّبط، لأنّه كان يذكر أنّ أمّه من ذرية الحسين رضي الله تعالى عنهما.
كان أبو الخطّاب؛ من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوي، وما يتعلّق به، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها.
واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش، واجتمع بفضلائها.
ثم ارتحل إلى إفريقيا، ومنها إلى الديار المصريّة، ثمّ إلى الشام والشرق والعراق، ودخل إلى عراق العجم، وخراسان، وما والاها، وما زندران، كلّ ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمّته والأخذ عنهم، وهو في تلك الحال يؤخذ عنه ويستفاد منه وولّي قضاء دانية.
ومن تصانيفه «المطرب من أشعار أهل المغرب» خط «١» ، و «الآيات البينات» خطّ و «نهاية السول في خصائص الرسول» خط، و «النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس» طبع، و «التنوير في مولد السراج المنير» ، و «علم النّصر المبين في المفاضلة بين أهل صفين» .
стр. 1298
وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود) .
وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وكانت ولادته سنة: أربع وأربعين وخمسمائة، ووفاته سنة: ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة؛ وعمره قارب التسعين، ودفن بسفح المقطّم رحمه الله تعالى.
(وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود.
و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «الهبة» وأبو داود في «البيوع» ، والترمذيّ في «الجامع» في «البر» وفي «الشمائل» ؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة) ؛ طلبا للتحابب والتواصل، وفرارا من التباغض والتقاطع، إلّا لعذر؛ كما ردّ على الصعب بن جثّامة الحمار الوحشيّ؛ وقال: «إنّا لم نردّه عليك إلّا أنّا حرم» .
(ويثيب) أي: يجازي، والأصل في الإثابة: أن يكون في الخير والشرّ، لكن العرف خصّها بالخير (عليها) ؛ بأن يعطي المهدي بدلها، وأقلّه قيمة ما يساوي الهديّة، فيسنّ التأسّي به في ذلك، لكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قويّة فيها، وحيث لم يظنّ المهدى إليه أنّ المهدي أهداه حياء، وإلّا! لم يجز القبول.
قال الغزالي: مثال من يهدي حياء: من يقدم من سفر ويفرّق الهدايا؛ خوفا من العار، فلا يجوز قبول هديّته؛ إجماعا، لأنه: «لا يحلّ مال امرىء مسلم إلّا عن طيب نفس» .
وكذا إذا ظنّ المهدى إليه أنّ المهدي إنّما أهدى له هديّته لطلب المقابل، فلا يجوز له قبولها؛ إلّا إذا أعطاه ما في ظنّه بالقرائن.
стр. 1299
وأتته ﷺ امرأة ببردة، فقالت: يا رسول الله؛ أكسوك هذه؟ فأخذها ﷺ محتاجا إليها، فلبسها،
قال المناوي: وأخذ بعض المالكية بظاهر الخبر، فأوجب الثواب عند الإطلاق؛ إذا كان ممن يطلب مثله الثواب، أي: كالهديّة من الأدنى للأعلى.
قال: وإنّما قبل الهدية؛ دون الصدقة!! لأنّ المراد بها ثواب الدنيا، وبالإثابة تزول المنّة. والقصد بالصدقة ثواب الآخرة، فهي من الأوساخ.
وظاهر الإطلاق: أنّه كان يقبلها من المؤمن والكافر.
وفي السّير أنّه قبل هدية المقوقس وغيره من الملوك. انتهى.
(وأتته ﷺ امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (ببردة) منسوجة؛ فيها حاشيتها- كما في البخاريّ مرفوعا بمنسوجة، لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله؛ كاسم الفاعل.
وقال الداودي: يعني أنّها لم تقطع من ثوب، فتكون بلا حاشية.
وقال غيره: حاشية الثوب هدبه. وكأنه أراد أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس.
وقال القزّاز: حاشيتا الثوب ماحيتاه اللّتان في طرفيهما الهدب.
ولفظ البخاريّ في «الأدب» : جاءت امرأة ببردة؛ فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟! قالوا: الشّملة. قال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها.
(فقالت: يا رسول الله: أكسوك هذه) ؟! وفي رواية «الجنائز» : قال:
«نعم» . قالت: قد نسجتها بيدي؛ فجئت لأكسوكها.
قال الحافظ: وتفسير البردة بالشّملة تجوّز، لأن البردة كساء، والشّملة:
ما اشتمل به. فهي أعمّ، لكن لمّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها.
(فأخذها) النبيّ ﷺ محتاجا إليها) ، كأنّهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدّم قول صريح؛ (فلبسها) لفظ «الأدب» : وفي رواية «الجنائز» : فخرج إلينا، وإنّها إزاره.
стр. 1300
فرآها عليه رجل من الصّحابة فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن هذه! فاكسنيها، ...
ولابن ماجه: فخرج إلينا فيها، وللطبرانيّ فاتّزر بها؛ ثمّ خرج (فرآها عليه رجل من الصّحابة) . أفاد المحبّ الطبريّ في «الأحكام» أنّه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبرانيّ، ولم أره في «المعجم الكبير» ، لا في مسند سهل؛ ولا في مسند عبد الرحمن!!
وقد أخرج الطبرانيّ الحديث، وقال في آخره: قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقّاص.
وأخرجه البخاريّ في «اللباس» ، والنسائي في «الزينة» عن قتيبة؛ ولم يذكرا عنه ذلك!!
ورواه ابن ماجه؛ وقال فيه: فجاء رجل سمّاه يومئذ، وهو دالّ على أنّ الراوي ربّما سمّاه. وفي رواية أخرى للطبراني؛ من طريق زمعة بن صالح؛ عن أبي حازم؛ عن سهل أنّ السائل المذكور أعرابيّ، فلو لم يكن زمعة ضعيفا لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقّاص!! أو يقال: تعدّدت القصّة على ما فيه من بعد.
وقول شيخنا ابن الملقّن «إنّه سهل بن سعد» غلط، التبس عليه اسم القائل باسم الراوي؛ قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
(فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن) - بنصبه؛ تعجبا- (هذه) البردة (فاكسنيها) . لفظ «الأدب» ؛ ولفظ الجنائز عقب أنّها إزاره: فحسّنها فلان؛ فقال: أكسنيها؛ ما أحسنها!!
قال الحافظ: فحسّنها؛ كذا في جميع الروايات هنا؛ أي: في «الجنائز» - بمهملتين من التحسين-.
وللبخاريّ في «اللباس» فجسّها- بجيم بلا نون-.
стр. 1301
فقال: «نعم» ، فلمّا قام ﵊.. لامه أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النّبيّ ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها، وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه.
رواه البخاريّ.
وكذا للطبرانيّ والإسماعيليّ؛ من طريق آخر (فقال) ؛ أي: النبي ﷺ (: «نعم» ) أكسوكها.
وللبخاريّ في «اللباس» : فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، فأرسل بها إليه.
(فلمّا قام ﵊ لامه) أي: السائل (أصحابه، وقالوا: ما) - نافية- (أحسنت حين رأيت النّبيّ ﷺ أخذها) ، وفي رواية: لبسها (محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها؛ وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه!!) .
وفي رواية: لا يردّ سائلا. بقيّته في البخاري: فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلّي أكفّن فيها.
وفي رواية للبخاريّ أيضا: فقال الرّجل: والله؛ ما سألتها إلّا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه.
وبيّن في رواية الطّبرانيّ المعاتب له من الصحابة؛ ولفظه: قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟! فقال: رأيت ما رأيتم، ولكنّي أردت أن أخبّئها حتّى أكفّن فيها. وفي رواية البخاري في «الجنائز» : قال: والله؛ إنّي ما سألته لألبسها، إنّما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه.
(رواه البخاريّ) في «الجنائز» و «البيوع» و «الأدب» و «اللباس» ؛ من حديث سهل بن سعد السّاعديّ ﵁.
قال في «المواهب» : وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه ﷺ ، وسعة جوده، وقبوله الهدية، وغير ذلك.
стр. 1302
.........
واستنبط منه السّادة الصوفيّة جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من المشايخ تبرّكا بهم، وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنّه ﷺ ألبس أمّ خالد خميصة سوداء ذات علم. رواه البخاري.
لكن قال شيخنا- يعني السخاويّ- رحمه الله تعالى: ما يذكرونه- أي الصوفية- من أنّ الحسن البصريّ لبسها من علي بن أبي طالب ﵁!!
فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنّه باطل.
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح؛ ولا حسن؛ ولا ضعيف أنّه ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدا من أصحابه بفعلها، وكلّ ما يروى صريحا في ذلك!! فباطل.
قال الحافظ ابن حجر: ثمّ إنّ من الكذب المفترى قول من قال «إنّ عليا ألبس الخرقة الحسن البصري» ، فإنّ أئمّة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعا؛ فضلا عن أن يلبسه الخرقة.
قال السّخاوي: ولم ينفرد شيخنا- يعني: الحافظ ابن حجر- بذلك، بل سبقه إليه جماعة حتّى ممن لبسها وألبسها؛ كالدمياطي، والذهبي، والعلائي، ومغلطاي، والعراقي، والأبناسي، والحلبي، والهكاري، وابن الملقّن، وابن ناصر الدين؛ وتكلّم عليها في جزء مفرد.
وللحافظ السيوطي مؤلّف سمّاه «إتحاف الفرقة برفو الخرقة» ذكر فيه أنّ جمعا من الحفاظ أثبتوا سماع الحسن من علي بن أبي طالب. والحافظ ضياء الدين في «المختارة» رجّحه، وتبعه الحافظ في «أطرافها» ، وهو الراجح عندي لقاعدة الأصول: أن المثبت مقدّم على النافي، لأن معه زيادة علم ولأن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وكانت أمّه خيرة مولاة أمّ سلمة، فكانت أمّ سلمة تخرجه إلى الصحابة فيباركون عليه، وأخرجته إلى عمر؛ فدعا له، فقال: «اللهمّ؛ فقّهه في
стр. 1303
.........
الدين، وحبّبه إلى النّاس.» أخرجه العسكري بسنده.
وذكر المزّيّ أنّه حضر يوم الدار؛ وله أربع عشرة سنة، ومعلوم أنّه من حين بلغ سبع سنين أمر بالصلاة، فكان يحضر الجماعة ويصلّي خلف عثمان حتّى قتل، ولم يخرج عليّ إلى الكوفة إلّا بعد قتله؛ فكيف ينكر سماع الحسن منه؛ وهو كل يوم يجتمع به خمس مرّات من حين ميّز إلى أن بلغ أربع عشرة سنة!؟!
وقد كان عليّ يزور أمّهات المؤمنين، ومنهنّ أمّ سلمة؛ والحسن البصري في بيتها هو وأمّه!!
وقد ورد عن الحسن ما يدلّ على سماعه منه!
وروى المزّيّ؛ من طريق أبي نعيم أنّ يونس بن عبيد؛ قال للحسن: إنّك تقول «قال رسول الله ﷺ ؛ ولم تدركه» ؟! قال: يا ابن أخي؛ لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك!! إنّي في زمان كما ترى! وكان في عمل الحجّاج! كلّ شيء سمعتني أقول «قال رسول الله ﷺ » ؛ فهو عن عليّ، غير أنّي لا أستطيع أن أذكر عليّا.
ثم ذكر ما أخرجه الحفّاظ من رواية الحسن عن علي، فبلغ عشرة أحاديث ساقها وذكر خلالها قول ابن المديني «الحسن رأى عليا بالمدينة المنوّرة وهو غلام» .
وقال أبو زرعة: كان الحسن البصري يوم بويع علي ابن أربع عشرة سنة. ورأى عليّا بالمدينة، وقال: رأيت الزّبير يبايع عليّا! ثم خرج إلى الكوفة والبصرة؛ ولم يلقه الحسن بعد ذلك، ففي هذا القدر كفاية.
ويحمل قول النافي على ما بعد خروج عليّ من المدينة المنورة.
وروى أبو يعلى: حدّثنا جويرية بن أشرس قال: أخبرنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، قال: سمعت الحسن يقول: سمعت عليّا يقول: قال رسول الله ﷺ :
«فمثل أمّتي مثل المطر ... » . الحديث.
стр. 1304
وكان ﷺ رحيما، ...
قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» : قال محمد بن الحسن الصيرفي «شيخ شيوخنا» : هذا نصّ في سماع الحسن من علي. ورجاله ثقات. انتهى ملخصا.
وليس في ذا الرفع كلّه إثبات الدعوى أنّ عليّا ألبس الحسن الخرقة على متعارف الصوفية.
وكذا قول المصنف- يعني القسطلّانيّ-: «نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كهيل «١» بن زياد النخعي؛ وهو صحب عليا من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل» ! لا دلالة فيه على الدعوى؛ «وهو أنّ عليا ألبسها كهيلا» إنّما هو احتمال، ولا تقوم به حجّة.
وفي بعض الطرق للخرقة اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب، وهذه صحبة لا مطعن فيها. لكن لا تدلّ على الدعوى نصّا!! إنما هو احتمال، وكثير من السادة الصوفية يكتفي بمجرّد الصحبة؛ كالشاذلي إمام الطريقة، وشيخنا أبي إسحاق إبراهيم المتبولي، وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس، وله في ذلك رسالته «ريحان القلوب» . وللشيخ قطب الدين القسطلاني «ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة» انتهى كلام «المواهب» مع شرح الزرقاني، رحمهما الله تعالى.
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» بسند حسن- كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ رحيما) ، حذف المعمول!! ليفيد العموم؛ فهو رحيم حتّى بأعدائه، لما دخل يوم الفتح مكّة على قريش؛ وقال: «اجلسوا بالمسجد الحرام» وصحبه ينتظرون أمره فيهم.. من قتل أو غيره! قال: «ما تظنّون أنّي فاعل بكم؟» . قال: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم.. فقال: «أقول كما قال أخي يوسف «لا تثريب عليكم اليوم» اذهبوا فأنتم الطّلقاء» .
стр. 1305
وكان لا يأتيه أحد إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده.
وأمّا شجاعة رسول الله ﷺ :
فقد كان ﷺ أنجد النّاس ...
قال ابن عربي: فلا ملك أوسع من ملك سيّدنا محمّد، فإنّ له الإحاطة بالمحاسن والمعارف، والتودّد والرحمة والرفق، وكان بالمؤمنين رحيما.
وما أظهر في وقت غلظة على أحد إلّا عن أمر إلهيّ حين قال له جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [٧٣/ التوبة] فأمر بما لم يقتض طبعه ذلك، وإن كان بشرا يغضب لنفسه ويرضى لها!!.
(وكان لا يأتيه أحد) يسأله شيئا (إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده) ، وإلّا أمر بالاستدانة عليه. انتهى مناوي؛ على «الشمائل» .
(وأمّا شجاعة رسول الله ﷺ :
الشجاعة- بفتح الشين- قال القاضي عياض: هي فضيلة قوّة الغضب، وانقياد تلك القوّة للعقل؛ على وفق الشرع. أي: لتقع على ما ينبغي من النعوت الآدمية، ولتكون من الصفات البهيّة.
والنّجدة- بفتح النون فسكون الجيم فدال مهملة- بمعنى الشجاعة؛ في قول، وقال بعضهم: هي شدّة البأس، يقال: هم أنجاد أمجاد؛ أي: أشدّاء شجعان، والواحد نجد؛ ككتف وأكتاف.
وقال القاضي عياض: النّجدة: ثقة النفس؛ أي: وثوقها بربّها عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها؛ دون خوف.
(فقد) كان ﷺ منها بالمحلّ الذي لا يجهل،! قد حضر المواقف الصعبة، وفرّ الكماة والأبطال عنه غير مرّة؛ وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح وما شجاع إلّا وقد أحصيت له فرّة وحفظت عنه جولة؛ سواه ﷺ .
وفي «الإحياء» : (كان ﷺ أنجد النّاس) أي: أكثرهم نجدة،
стр. 1306
وأشجعهم.
قال عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنّبيّ ﷺ ، ...
(وأشجعهم) ؛ أي: أقواهم قلبا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ؛ ولا تحدّث أحد بفراره.
وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي؛ بل أخذه بعضهم من النص القرآني، لقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [٧٣/ التوبة] فكلّفه؛ وهو فرد؛ جهاد الكلّ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [٢٨٦/ البقرة] !! ولا ضير في كون المراد:
هو ومن معه، إذ غايته أنّه قوبل بالجميع؛ وذلك مفيد للمقصود.
قال العراقي: روى الدارميّ؛ من حديث ابن عمر بسند صحيح: ما رأيت أجلد، ولا أجود، ولا أشجع، ولا أرضى من رسول الله ﷺ . انتهى
وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما رأيت أشجع، ولا أنجد، ولا أجود، ولا أرضى من رسول الله ﷺ . رواه الإمام أحمد، والنّسائيّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ.
وعطف «أجود» على «أنجد» ؟! للمناسبة بينهما، إذ الجواد لا يخاف الفقر، والشجاع لا يخاف الموت، ولأن الأوّل بذل النفس، والثاني: بذل المال.
والجود بالنفس أقصى غاية الجود!
انتهى من «شرح الزرقاني» ، و «شرح الإحياء» و «شرح الشفاء» .
(قال) الإمام (عليّ) بن أبي طالب أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه) وكرّم الله وجهه في الجنّة (: لقد رأيتني) - بضمّ التّاء- وهذا من خصائص أفعال القلوب وما ألحق بها؛ من «رأى» البصريّة والحلميّة: أن يكون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لشيء واحد، و «رأى» هذه بصريّة؛ أي: والله لقد أبصرت نفسي (يوم بدر ونحن نلوذ) أي: نلتجىء ونستتر (بالنّبيّ ﷺ ، وكان الظاهر أن
стр. 1307
وهو أقرب إلى العدوّ. وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا.
وقال أيضا: كنّا إذا حمي «١» البأس ولقي القوم القوم ...
يقول: ولقد رأيتنا. وكأنه عدل عنه إشارة إلى أنّ كلّ أحد مشغول بنفسه؛ لا يرى غيره. (وهو) أي: رسول الله ﷺ ( [أقرب] إلى العدوّ) منا لشدّة شجاعته ﷺ ، والمراد بالعدوّ الكفّار
(وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا) أي: نكاية في العدو، كقوله تعالى وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) [النساء] كما قاله الرّاغب.
وإذا كان حاله هذا في مثل هذا الوقت؛ ففي سائر الأوقات بالأولى، وما أحسن قول من قال من أرباب الحال:
له وجه الهلال لنصف شهر ... وأجفان مكحّلة بسحر
فعند الابتسام كليل بدر ... وعند الانتقام كيوم بدر
وهذا الحديث أخرجهء الإمام أحمد، والنّسائي، والبيهقيّ في «الدّلائل» ؛ من طرق؛ عن علي رضي الله تعالى عنه، ورواه أبو الشيخ في «الأخلاق» بسند جيّد. انتهى «شرح الشفا» . و «شرح الإحياء» .
(وقال أيضا) ؛ أي: عليّ رضي الله تعالى عنه كما في «الإحياء» و «الشفاء» قال في «شرحه» : رواه الإمام أحمد، والنسائيّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ.
(كنّا إذا [حمي] ) - بزنة: علم- (البأس) - بموحّدة، وبهمزة، أو ألف- وهو الشدّة. والمراد به الخوف؛ أو الحرب، أي: اشتدّ القتال، وهو معنى ما وقع في الرواية الآخرى «حمي الوطيس» ، فإنّ الوطيس التّنور، (ولقي القوم) - بالرفع فاعل- (القوم) - بالنصب مفعول-.
стр. 1308
اتّقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
وقيل: كان رسول الله ﷺ قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال.. تشمّر.
وكان من أشدّ النّاس بأسا، وكان الشّجاع هو الّذي يقرب منه في الحرب؛ لقربه من العدوّ.
وفي «الشفاء» بدل قوله: «ولقي القوم القوم» «واحمرّت الحدق» - (اتّقينا برسول الله ﷺ . أي: جعلناه وقاية من العدو، بأن يتقدمّ علينا؛ فيدفع العدوّ؛ ونحن خلفه، كما يشير إليه قوله (فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه) ، ولذا أمسوا بغلته ﷺ يوم حنين؛ كما مرّ، ولم ينكر عليهم!!
(و) في «الإحياء» : (قيل كان رسول الله ﷺ قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال تشمّر)
قال العراقي: رواه أبو الشيخ؛ من حديث سعد بن عياض الثّمالي مرسلا.
قلت: وروى الإمام أحمد؛ من طريق سماك؛ قال: قلت لجابر بن سمرة:
أكنت تجالس النبي ﷺ ؟! قال: نعم، وكان طويل الصّمت قليل الضّحك. رجاله رجال الصّحيح؛ غير شريك، وهو ثقة. وسعد بن عياض المذكور تابعيّ يروي عن ابن مسعود، وعنه أبو إسحاق السّبيعي وثّق. روى له أبو داود، والنسائي؛ كذا في «الكاشف» . انتهى شرح «الإحياء» .
(وكان) ﷺ (من أشدّ النّاس بأسا) . رواه الإمام أحمد، والنّسائيّ، وغيرهما؛ من حديث عليّ في قصّة بدر- وقد تقدم قريبا-
(وكان الشّجاع) منّا (هو الّذي يقرب منه) ﷺ (في الحرب؛ لقربه من العدوّ) .
قال العراقي: رواه مسلم؛ من حديث البراء: كنّا والله؛ إذا حمي البأس نتّقي
стр. 1309
وقال عمران بن حصين ...
به، وإنّ الشجاع الذي يحاذى به. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) أخرج أبو الشيخ في «الأخلاق» بسند فيه مجهول؛ (قال) أبو نجيد- بضم النون وفتح الجيم- (عمران) - بكسر العين المهملة وسكون الميم وراء مهملة- (ابن حصين) - بضمّ الحاء وفتح الصاد المهملتين؛ كتصغير حصن- ابن عبيد بن خلف بن عبد شهم بن سالم الخزاعيّ البصري؛
كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم.
أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر سنة: سبع من الهجرة.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة وثمانون حديثا؛ اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاريّ بأربعة ومسلم بتسعة.
روى عنه أبو رجاء العطاردي؛ واسمه: تيم، ومطرّف بن عبد الله، وزرارة ابن أوفى، وزهدم، وعبد الله بن بريدة، وابن سيرين، والحسن، والشعبي، وأبو الأسود الدّؤلي، وآخرون.
نزل البصرة؛ وكان قاضيها؛ استقضاه عبد الله بن عامر أيّاما، ثم استعفاه فأعفاه.
توفي بها سنة: ثنتين وخمسين هجرية، وكان الحسن البصري يحلف بالله تعالى: ما قدم البصرة راكب خير لهم من عمران.
وغزا مع النبي ﷺ غزوات وبعثه عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان مجاب الدّعوة؛ ولم يشهد تلك الحروب
وكان أبيض الرأس واللحية، وله عقب بالبصرة.
وفي «صحيح مسلم» ؛ عن عمران قال: قد كان يسلّم عليّ حتّى اكتويت «١»
стр. 1310
رضي الله تعالى عنهما: ما لقي النّبيّ ﷺ كتيبة إلّا كان أوّل من يضرب.
وقالوا: وكان قويّ البطش. ولمّا غشيه المشركون.. نزل عن بغلته، فجعل يقول: ...
فتركت. ثم تركت الكيّ فعاد. يعني كانت الملائكة تسلم عليه ويراهم عيانا كما جاء مصرّحا به في غير «صحيح مسلم» .
ومات عمران سنة: اثنتين وخمسين. وقيل: سنة ثلاث وخمسين هجرية.
واختلف العلماء في حصين «والد عمران» : هل أسلم، وله صحبة؛ أم لا؟!
قال ابن الجوزي في «التلقيح» : الصحيح أنّه أسلم (رضي الله تعالى عنهما:
ما لقي النّبيّ ﷺ كتيبة) - بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية، وبالمثناة التحتية، وباء موحّدة، أي: طائفة من الجيش مجتمعة- (إلّا كان أوّل من يضرب) بسيفه، ويقاتل.
(و) في «الإحياء» : (قالوا: وكان) ﷺ (قويّ البطش) .
قال العراقي: رواه أبو الشيخ؛ من رواية أبي جعفر معضلا. انتهى
قلت: ورواه ابن سعد؛ عن محمد بن علي مرسلا؛ بلفظ: كان شديد البطش. قال الشارح: فلم تكن الرّحمة منزوعة عن بطشه لتخلّقه بأخلاق الله تعالى، وهو سبحانه ليس له وعيد وبطش شديد؛ ليس فيه شيء من الرحمة واللّطف.
وقال الحافظ العراقيّ: وللطبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو: «وأعطيت قوّة أربعين في البطش والجماع» . وسنده ضعيف.
(ولمّا غشيه المشركون) يوم حنين (نزل عن بغلته، فجعل يقول:
стр. 1311
«أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه.
«أنا النّبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب»
قال الحافظ العراقيّ: متّفق عليه؛ من حديث البراء. انتهى.
وسيأتي في الحديث بعده التفصيل. ومعنى قوله «أنا النّبيّ لا كذب» ؛ أي:
حقا فلا أفرق ولا أزول، أي: صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنّه قال أنا النبيّ؛ والنبيّ لا يكذب. لست بكاذب فيما أقول حتّى أنهزم بل أنا متيقن أن ما وعدني الله من النصر حق فلا يجوز علي الفرار أنا ابن عبد المطلب.
فيه دليل لجواز قول الإنسان في الحرب «أنا فلان بن فلان» . ومنه قول الإمام علي بن أبي طالب ﵁: أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره.
وقول سلمة: أنا ابن الأكوع.
والمنهيّ عنه قول ذلك على وجه الافتخار؛ كما كانت الجاهلية تفعله.
وانتسب لجدّه عبد المطلب؛ دون أبيه عبد الله!! لأنه توفّي شابّا في حياة أبيه عبد المطلب؛ فلم يشتهر كاشتهار أبيه.
وكان عبد المطلب سيّد قريش وسيّد أهل مكّة، ومن ثمّ نسب إليه ﷺ في نحو قول ضمام: أيّكم ابن عبد المطلب. انتهى شرح «الإحياء» .
(فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه) ﷺ ، لأنّه لمّا استقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قطّ؛ من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادي؛ فحملوا حملة واحدة؛ فانكشفت خيل بني سليم مولّية؛ وتبعهم أهل مكّة والنّاس، ولم يثبت معه ﷺ إلّا عمّه العبّاس، وأبو سفيان بن الحارث، وأبو بكر، وأسامة في أناس من أهل بيته وأصحابه.
قال العبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفّها؛ مخافة أن تصل إلى العدو، لأنّه كان يتقدّم نحوهم، وأبو سفيان آخذ بركابه. انتهى شرح «الإحياء» ، وسيأتي
стр. 1312
وسأل رجل البراء ...
مزيد الكلام على الحديث الذي بعد هذا.
(و) أخرج البخاريّ في «الجهاد» ، ومسلم في «المغازي» ، والنسائي في «السّير» بإختلاف في بعض ألفاظه أنّه (سأل رجل) من قيس. قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه!!
(البراء) - بفتح الموحّدة وتخفيف الرّاء وبالمدّ- هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء.
وهو: أبو عمارة، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب- بالزاي- ابن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسيّ الحارثيّ المدني.
أمّه أمّ حبيبة بنت أبي حبيبة. وقيل: أم خالد بنت ثابت.
وأبوه عازب صحابي، ذكر محمد بن سعد في «الطبقات» أنّه أسلم.
روي للبراء عن النبي ﷺ ثلثمائة حديث وخمسة أحاديث؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستّة.
روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة الصحابيان، وجماعة من التابعين؛ منهم: الشعبي، وابن أبي ليلى، والسبيعي، ومعاوية بن سويد، وأبو المنهال سيّار بن سلامة، وغيرهم.
نزل الكوفة وابتنى بها دارا، وتوفي بها زمن مصعب بن الزبير، وأرّخه ابن حبان سنة: اثنتين وسبعين.
استصغره النبي ﷺ يوم بدر، وأوّل مشاهده أحد.
وفي البخاري؛ عن البراء قال: غزوت مع النبي ﷺ خمس عشرة غزوة، وشهد البراء مع أبي موسى غزوة تستر، وشهد مع عليّ ﵁ وقعة الجمل وصفّين والنهروان، هو وأخوه عبيد بن عازب.
стр. 1313
رضي الله تعالى عنه: أفررتم يوم حنين عن رسول الله ﷺ ؟! قال: نعم، لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ،
وكان للبراء ابنان: يزيد وسويد (رضي الله تعالى عنه: أفررتم) معاشر الصحابة (يوم حنين) معرضين (عن رسول الله ﷺ ؛ قال: نعم، لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ) استدراك على ما قد يتوهّم من فراره ﷺ حين فرّوا عنه، الواقع عند السائل؛ أخذا من عموم ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) [التوبة] فبيّن له أنّه من العموم الذي أريد به الخصوص، والتقدير: نعم فررنا، ولكنه ﷺ ثبت وثبت معه عليّ، والعبّاس، وأبو سفيان بن الحارث، وابن مسعود. رواه ابن أبي شيبة مرسلا.
وللترمذي بإسناد حسن؛ عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين، وإنّ الناس لمولّون، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل.
ولأحمد، والحاكم؛ عن ابن مسعود: فولّى الناس عنه، وبقي معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار.
وفي شعر العبّاس: أنّ الذين ثبتوا عشرة فقط.
قال الحافظ ابن حجر: ولعلّه العدد الذي ثبت، ومن زاد عليهم عجّل الرجوع! فعدّ فيمن لم يفرّ. انتهى زرقاني؛ على «المواهب» .
قال في «نظم المغازي» للعلّامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي رحمه الله تعالى:
وثبتت مع النّبيّ طائفه ... من أهل بيته وممّن ألفه
حيدرة والعمران وأبو ... سفيان جعفر ابنه المنتخب
وعمّه ربيعة، العبّاس ... وفضله أسامة الأكياس
وأيمن ابن أمّه والعبدري ... شيبة رام غدر خير مضر
فصدّه عمّا نوى فضربه ... نبيّنا في صدره فجذبه
قال الخفاجي في «نسيم الرياض» ؛ شرح «شفاء» القاضي عياض رحمه الله
стр. 1314
كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا؛ فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسّهام.
تعالى: ولم يجيء أنّه ﷺ انهزم قطّ ولم ينقله أحد، وقد نقل الإجماع على أنّه لا يجوز أن يعتقد أنّه ﷺ انهزم. ولا يجوز ذلك عليه.
قال الزّرقاني على «المواهب» : وقد تقدّم للمصنّف في حنين، وقبله في أحد: أنّ من زعم أنّه ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب؛ وإلّا! قتل عند الشافعية، ووافقهم ابن المرابط من المالكية. وأنّ مذهب مالك يقتل بلا استتابة، وفرّقوا بينه وبين من قال «جرح. أو: أوذي» : بأن الإخبار عن الأذى نقص في المؤذي؛ لا عليه، والإخبار بالانهزام نقص له ﷺ ، لأنّه فعله؛ لو وقع، كما أن الأذى فعل المؤذي.
قال ابن دحية: وأما تغيّبه في الغار!! فكان قبل الإذن في القتال.
وأما مظاهرته بين درعين يوم أحد!! فهو من الاستعداد للإقدام، وليقتدي به أصحابه. والمنهزم خارج عن الإقدام جملة، بخلاف المستعدّ له. انتهى.
ثمّ بيّن سبب التولّي؛ فقال (كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا) : انهزموا؛ كما هو لفظ رواية البخاري في «الجهاد» : (فأكببنا) - بفتح الموحّدة الأولى وإسكان الثانية ونون- أي: وقعنا (على الغنائم) ، وفي «الجهاد» ؛ فأقبل الناس على الغنائم (فاستقبلتنا) أي: هوازن.
وفي «الجهاد» : فاستقبلونا (بالسّهام) ؛ أي: فولّينا.
وفي مسلم: فرموهم برشق من نبل كأنّها رجل جراد.
وفيه أيضا؛ عن أنس: جاء المشركون بأحسن صفوف رأيت؛ [فصفّت] الخيل، ثم المقاتلة، ثمّ النّساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النّعم ونحن بشر كثير، وعلى خيلنا خالد بن الوليد؛ فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرّت الأعراب ومن تعلم من الناس.
стр. 1315
ثمّ قال: ولقد رأيته على بغلته البيضاء- وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها ...
(ثمّ قال) ؛ أي: البراء (: ولقد رأيته على بغلته البيضاء) التي أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي؛ كما في مسلم؛ عن العبّاس. وعند ابن سعد وأتباعه:
على بغلته دلدل.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس.
قال القطب الحلبي: فيحتمل أنّه ركب يومئذ كلّا من البغلتين؛ إن ثبت أنّ دلدل كانت معه، وإلّا! فما في «الصحيح» أصحّ
(وأبو سفيان بن الحارث) بن عبد المطلب، هو ابن عمّ النبي ﷺ
واسمه المغيرة، أو اسمه كنيته. وكان أخاه من الرّضاع، وآلف الناس به قبل النبوة، وكان يشبهه ﷺ أيضا.
وكان شاعرا مطبوعا، فلما ظهر الإسلام أظهر العداوة، وهجا النبي ﷺ ، وأجابه حسّان رضي الله تعالى عنه بما هو مذكور في السّير، ثم أسلم؛ وحسن إسلامه، وأبلى بلاء حسنا يوم حنين.
وتوفي: سنة عشرين، وصلّى عليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو أحد من ثبت يوم حنين رضي الله تعالى عنه.
(آخذ بلجامها) أوّلا، فلما ركضها ﷺ إلى جهة المشركين خشي عليه العبّاس؛ فأخذ زمامها، وأخذ أبو سفيان بالرّكاب.
فلا يخالف هذا ما في «مسلم» : أنّ العبّاس كان آخذا بزمامها.
وللبخاري في «الجهاد» : فنزل؛ أي عن البغلة فاستنصر.
وفي «مسلم» : فقال «اللهمّ؛ أنزل نصرك» .
وإنّما أمسكا باللّجام!! لئلا يسرع للاتصال بالعدو!! لما رأيا من إقدامه صلى الله عليه وسلم
стр. 1316
- وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه.
ومسارعته، وأشفقا عليه بمقتضى المحبّة الإسلامية والرحم.
(وهو يقول: «أنا النّبيّ) حقّا (لا كذب) في ذلك، أو والنبي لا يكذب، فلست بكاذب حتّى أنهزم، (أنا ابن عبد المطّلب» )
قال الخطّابي: خصّه بالذّكر!! تثبيتا لنبوّته وإزالة للشكّ، لما اشتهر من رؤيا عبد المطّلب المبشّرة به ﷺ ، ولما أنبأت به الأحبار والكهان، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بدّ مما وعدت به؛ لئلا ينهزموا عنه، أو يظنّوا أنّه مغلوب، أو مقتول.
فليس من الفخر بالآباء في شيء، وليس بشعر؛ وإن كان موزونا، لأنّه لم يقصده، ولا أراده، وهما من شرط كونه شعرا، وهذا أعدل الأجوبة.
ولا يجوز فتح الباء الأولى [كذب] ، وكسر الثانية [المطّلب] ، ليخرج عن الوزن، لأنّه تغيير للرواية بمجرّد خيال يقوم في النفس، ولأنّه وقع في إشكال أصعب مما فرّ منه، لأن فيه نسبة اللّحن إلى أفصح الفصحاء، فالعرب لا تقف على متحرّك. انتهى «زرقاني» .
وهذا يعدّ في غاية ما يكون من الشجاعة التامّة، لأنّه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة؛ ليست بسريعة، ولا تصلح لكرّ ولا فرّ ولا هرب، فركوبها وركضها إلى وجوههم مع التنويه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه: كلّ ذلك دليل النهاية في الشجاعة والثبات وعدم المبالاة بالعدوّ، وأنّ الحرب عنده كالسّلم، صلوات الله وسلامه عليه، كما قال:
(فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه) ، أي: لم ير في حرب هوازن أقوى؛ وأشجع من النبي ﷺ ، وقد ركب بغلته؛ وقد ظاهر عليها درعا ومغفرا، وطاف على الصفوف يحضّهم على القتال ويبشّرهم بالفتح؛ إن صدقوا وصبروا، وكانوا
стр. 1317
وعن العبّاس ...
برزوا للقتال في كتائب لم ير المسلمون مثلها عدّة وعدّة، وحملوا حملة واحدة، وكانوا أرمى الناس بالسّهام، وأعرفهم بالقتال؛ فانهزم الناس، والنبيّ ﷺ ثابت يلتفت يمنة ويسرة لمن فرّ منهم وهو يقول: «يا أنصار الله؛ وأنصار رسوله ﷺ أنا عبد الله ورسوله» ثمّ تقدّم بحربته أمام الناس، فلم يمض قليل حتّى هزمهم الله تعالى. انتهى «خفاجي» .
قال في «شرح الإحياء» : ومما يدلّ على شجاعته ﷺ ، وكونه أشدّهم بأسا ركوبه يومئذ على بغلته البيضاء؛ وهي دلدل. كما في رواية مسلم مع عدم صلاحيّتها للحرب كرّا وفرّا، ومن ثمّ لم يسهم لها. ومع العادة إنّما هي من مراكب الطمأنينة، ومع أنّ الملائكة الذين قاتلوا معه في ذلك اليوم لم يكونوا إلّا على الخيل لا غير!! ومع أنّه كانت له أفراس متعدّدة في مواطن الحرب.
وهذا هو النهاية القصوى في الشجاعة والثبات، وفيه إعلام بأن سبب نصرته مدده السّماوي والتأييد الإلهي الخارق للعادة، وبأنّه ظاهر المكانة والمكان؛ ليرجع إليه المسلمون وتطمئنّ قلوبهم بمشاهدة جميل ذاته، وجليل آياته؛
كركضه بها في نحر العدو مع فرار الناس عنه، ولم يبق معه إلا أكابر أصحابه.
وكنزوله عنها إلى الأرض مبالغة في الثبات والشجاعة ومساواة في مثل هذا المقام للماشين من أصحابه. والله أعلم. انتهى.
(و) ذكر مسلم في «صحيحه» رواية (عن) أبي الفضل (العبّاس) بن عبد المطّلب الهاشمي «عمّ رسول الله ﷺ » ، وكان أسنّ من رسول الله ﷺ بسنتين؛ أو ثلاث.
وكان العبّاس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عمارة المسجد الحرام والسقاية.
وحضر ليلة العقبة مع رسول الله ﷺ حين بايعته الأنصار قبل أن يسلم الأنصار،
стр. 1318
رضي الله تعالى عنه قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار.. ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركّض بغلته نحو الكفّار، ...
فشدّد العقد مع الأنصار وأكّده.
وخرج مع المشركين إلى بدر مكرها وأسر، وفدى نفسه وابني أخويه عقيلا ونوفل بن الحارث. وأسلم عقب ذلك.
وقيل: أسلم قبل الهجرة، وكان يكتم إسلامه؛ مقيما بمكّة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، وكان عونا للمسلمين المستضعفين بمكّة.
قالوا: وأراد القدوم إلى المدينة؛ فقال له النبي ﷺ : «مقامك بمكّة خير» .
وكان رسول الله ﷺ يعظّمه ويكرمه ويبجّله، وكان وصولا لأرحام قريش؛ محسنا إليهم، ذا رأي وكمال وعقل، جوادا؛ أعتق سبعين عبدا.
وكانت الصحابة تكرّمه وتعظّمه وتقدّمه، وتشاوره وتأخذ برأيه، وهو معتدل القامة. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثا؛ اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه ابناه: عبد الله وكثير، وجابر، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وآخرون.
وكانت وفاة العبّاس بالمدينة المنوّرة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: من رمضان سنة؛ اثنتين وثلاثين. وقيل: أربع وثلاثين؛ وهو ابن ثمان وثمانين سنة. تقريبا. وقبره مشهور بالبقيع (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه.
(قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار ولّى المسلمون) أي: رجعوا وانهزموا (مدبرين) حال مؤكّدة منهم، (فطفق) - بكسر الفاء- أي: جعل (رسول الله ﷺ يركّض بغلته) أي: يسوقها ويسرع بها (نحو الكفّار) .
وأصل الرّكض: الضرب بالرّجل، فمتى نسب إلى الراكب فهو إعداء مركوبه، نحو ركضت الفرس، ومتى نسب إلى الماشي؛ فهو وطىء بالأرض، نحو قوله ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [٤٢/ ص] انتهى «خفاجي» .
стр. 1319
وأنا آخذ بلجامها أكفّها إرادة ألاتسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه.
وقد كان أبيّ بن خلف يقول للنّبيّ ﷺ حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها ...
(وأنا آخذ بلجامها) أي: ممسكه، والجملة حالية.
(أكفّها) أي: أمنعها من السرعة، والجملة حال أخرى.
(إرادة ألاتسرع) - بنصب «الإرادة» على العلّة «١» للجملة السابقة، أي:
أمنعها من أجل ألاتعجل إلى جهة العدوّ (وأبو سفيان) بن الحارث: ابن عمّه ﷺ (آخذ) أي: ممسك (بركابه) ﷺ .
هذه رواية، وفي أخرى: أنّ أبا سفيان كان يقود بغلته ﷺ آخذ بلجامها؛ من أحد جانبيها، فلعلّه تارة كان يفعل كذا، وتارة كان يفعل كذا، فلا تعارض بين الروايات. انتهى «خفاجي» .
(وقد كان أبيّ بن خلف) بن وهب بن حذافة بن جمح الكافر المشهور؛ وذلك فيما رواه ابن سعد في «طبقاته» ، والبيهقيّ في «دلائل النبوة» ، وعبد الرزاق في «مصنّفه» مرسلا، والواقديّ في «مغازيه» موصولا، وهو حديث صحيح أنّه كان (يقول للنّبيّ ﷺ حين افتدى) أسيرا له، وهو ابنه عبد الله، أي: أعطى الفدية لافتكاك الأسير (يوم بدر) ظرف لمحذوف يدلّ عليه «افتدى» أي: افتدى أسيره يوم بدر، فهو متعلّق بأسيره، أي من أسر يوم بدر؛ وهو ابنه، فالأسر وقع ببدر؛ والافتداء بالمدينة المنوّرة؛ كذا قال الخفاجي رحمه الله تعالى.
ومقول القول قوله (: عندي فرس) عظيمة اسمها العود- بعين ودال مهملتين- بوزن الضرب، (أعلفها) - بفتح الهمزة وكسر اللام- أي: أطعمها من العلف،
стр. 1320
كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال له النّبيّ ﷺ : «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» . فلمّا رآه يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه على رسول الله ﷺ ، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النّبيّ ﷺ هكذا؛ أي: خلّوا طريقه، ...
والفرس يقع على الذكر والأنثى. وأنّثها هنا!! لأنها كانت أنثى، وقد ورد في الحديث تذكيرها وتأنيثها بحسب المراد والقرائن
(كلّ يوم فرقا) - بفتح الفاء والراء المهملة ويجوز تسكينها. وقيل:
لا يجوز- وهو مكيال يسع ستة عشر رطلا، وتحريكه وتسكينه بمعنى، وقيل:
المسكّن مائة وعشرون رطلا، والمحرّك ستة عشر رطلا.
(من ذرة) بيان للفرق- بضمّ الذال المعجمة وفتح الراء المهملة المخففة- وهي: نوع من الحبوب معروف (أقتلك عليها) أي: أريد أن أقتلك عليها.
(فقال النّبيّ ﷺ : «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» ) ، فحقّق ما أوعده، وكأنه إنّما علف فرسه لتسوقه لهلاكه سريعا؛ كالباحث عن حتفه بظلفه، ولكلّ باغ مصرع.
(فلمّا رآه) أي: رأى أبيّ بن خلف النبي ﷺ (يوم أحد شدّ أبيّ) بن خلف الشقي أي: عدا وأسرع (على فرسه على رسول الله ﷺ الجارّان متعلّقان ب «شدّ» . أو الأوّل مستقرّ حال، أي: راكبا على فرسه، والثاني لغو، و «شدّ» جواب «لمّا» الثاني دالا على جواب «لمّا» الأول
(فاعترضه رجال من المسلمين) أي: حالوا بين أبيّ وبين رسول الله ﷺ ليدفعوه ويصدّوه عنه. (فقال النّبيّ ﷺ لأصحابه (.. هكذا) ؛ أي: مشيرا إلى جانب أبيّ، (أي: خلّوا طريقه) . والمعنى تنحّوا عنه ولا تحولوا بيني وبينه.
стр. 1321
وتناول الحربة من الحارث بن الصّمّة؛ فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء ...
(وتناول) ﷺ (الحربة) - بفتح الحاء وإسكان الراء المهملتين؛ بوزن الضّربة- وهي واحدة الحراب بوزن رجال، وهي: قناة صغيرة؛ أي: أخذها (من الحارث بن الصّمّة) - بكسر الصاد المهملة، وفتح الميم المشدّدة وهاء التأنيث-، وهو- أعني: الحارث- ابن الصّمّة بن عمرو بن عتيك الأنصاري الخزرجي الصحابي.
شهد مع رسول الله ﷺ بدرا وغيرها من المشاهد، وقتل ببئر معونة.
وذكر ابن الأثير: أنّ الذي ناول رسول الله ﷺ الحربة كعب بن مالك.
وبين الروايتين مخالفة! وجمع بينهما بأنّه تناولها من أحدهما؛ فسقطت منه، فناولها له الآخر. أو أنّ أحدهما وهو الذي معه الحربة كان بعيدا منه؛ فناولها آخر قريبا منه، فسلّمها له بيده. ولا بدّ من التوفيق، فإنّ الروايتين صحيحتان، والقصّة واحدة. انتهى من شرح الخفاجي على «الشفا» .
(فانتفض بها) أي: الحربة (انتفاضة) أي: قام بها قومة مسرعة.
والأبلغ الأحسن أن يقال: إنه استعارة تمثيلية؛ يلزمها تشبيههم بأنهم كالذباب المؤذي الواقع المتهافت، فيفيد هجومهم عليه وتشبيه نهوضه لهم بفحل اهتزّ ليزيل ذبابا وقع عليه،
لقوله (تطايروا) ؛ أي: تفرّقوا فارّين بسرعة؛ كالطيور (عنه) ﷺ .
والمتفرّقون!! إمّا المسلمون، واقتصر عليه بعضهم!! وإمّا المشركون الذين هجموا مع أبيّ!! وهو أبلغ وأنسب بقوله:
(تطاير الشّعراء) - بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وراء بعدها همزة ممدودة- أي: كتطاير ذباب أحمر- أو أزرق- يقع على الحيوان فيؤذيه أذى شديدا. وفي رواية: تطاير العشارير.
стр. 1322
عن ظهر البعير إذا انتفض. ثمّ استقبله النّبيّ ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا- وقيل: بل كسر ضلعا من أضلاعه- فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمّدّ. وهم يقولون:
لا بأس بك.
(عن ظهر البعير إذا انتفض) أي: تحرّك البعير تحرّكا شديدا
(ثمّ استقبله النّبيّ ﷺ أي: قام إليه ومشى إليه بالحربة. (فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ) - بمثنّاة فوقيّة ودالين مهملتين، وهمزتين- أي: تدحرج وسقط (منها) أي: الطعنة (عن فرسه مرارا) ، لما غشيه من مرارة الألم.
(وقيل) : لم يطعنه ﷺ في عنقه (بل كسر) بقوّة ضربته (ضلعا) - بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام- أي: واحدا (من أضلاعه) : عظام أحد جوانبه.
قال الأخفش: في الجنب الأيمن تسع أضلاع، وفي الأيسر ثمان، وما نقص منه تامّ في النساء «١» ؛ وهو الذي خلقت منه حواء. ولذا روي عن الإمام أبي حنيفة في الخنثى المشكل: أنّه يحكم فيه بأنّه أنثى بتمام أضلاعه وعكسه.
وقال التلمساني: رواية طعنه أقوى، لأن المعروف الطعن بالرمح.
وفيه نظر. وقيل: إنّه ﷺ طعنه فوقع عن فرسه؛ فكسر ضلعه. وفيه جمع بين الروايتين، وهو حسن. انتهى «خفاجي» .
(فرجع) أي: أبيّ (إلى قريش) وهو (يقول: قتلني محمّد!!) ، جملة «يقول» حاليّة؛ أي: قائلا. وعبّر بالماضي! لتحقّقه الموت.
(وهم يقولون: لا بأس بك) البأس- بهمزة ساكنة وتبدل ألفا- وهو اسم «لا» مبنيّ على الفتح، والبأس: الشدّة والموت والألم، وهذا هو المناسب.
стр. 1323
فقال: لو كان ما بي بجميع النّاس لقتلهم، أليس قد قال: «أنا أقتلك» ؟! والله لو بصق عليّ.. لقتلني. فمات بسرف في قفولهم إلى مكّة.
و (الفرق) : مكيال يسع [ستّة عشر] رطلا؛ كلّ رطل مئة وثلاثون درهما.
يقال: لا بأس بك، ولا بأس عليك. للتسلية؛ أو الدعاء له بأن لا يصيبه شيء من البأس.
(فقال) أي: أبيّ (: لو كان ما بي) من الألم والشدّة التي أجدها في نفسي موزّعا وحالّا (بجميع النّاس لقتلهم) ، فكيف أتحمّل أنا وحدي هذا وأسلم منه!؟
(أليس قد قال) أي: النبي ﷺ حين توعّده (: «أنا أقتلك» ) أي: لا أنت تقتلني، فهو قصر قلب (والله؛ لو بصق عليّ لقتلني!) ؛ إبرارا لكلامه.
وإنّما قال ذلك!! لتحقّق صدقه ﷺ فيما قاله
(فمات) الملعون من تلك الطعنة (بسرف) - بفتح السّين المهملة، وكسر الرّاء المهملة؛ وفاء آخره، ممنوعا من الصرف، ويجوز صرفه-. وهو: اسم موضع على ستّة أميال من مكّة، كان فيه زواج ميمونة زوج النبي ﷺ في عمرة القضاء. واتفق أنّها ماتت فيه بعد النبي ﷺ وفيه قبرها، وبني مسجد عليها (في قفولهم) - بقاف ففاء- أي: رجوع الكفار من أحد (إلى مكّة) وهو معهم.
(والفرق) - بالفاء والراء المفتوحتين- (: مكيال يسع) ثلاثة آصع؛ كلّ صاع أربعة أمداد، فهي اثنا عشر مدّا، والمدّ رطل وثلث، والصاع خمسة أرطال وثلث رطل بغدادي، فيكون مجموع الثلاثة الآصع بالأرطال ( [ستّة عشر] رطلا) بغداديا (كلّ رطل مائة وثلاثون درهما) فيما جزم به الرّافعي. قال ابن الرّفعة: وهو الذي يقوى في النفس صحّته بحسب التجربة، لكن الأصحّ عند الإمام النّوويّ: أنّ رطل
стр. 1324
و (الشّعراء) : ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل فيؤذيها أذى شديدا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس، ...
بغداد مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. هذا معنى الفرق- بالتّحريك-.
وأما الفرق- بسكون الراء-! فمائة وعشرون رطلا.
(والشّعراء) - بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وراء مهملة؛ بعدها همزة ممدودة- (: ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل) والحمر والكلاب، (فيؤذيها أذى شديدا) . وعبارة الصّحاح: «الشّعراء» ذبابة؛ يقال هي التي لها إبرة. انتهى. وقيل الشّعراء: ذباب يلسع الحمار؛ فيدور.
وقال أبو حنيفة [الدينوري] : الشّعراء نوعان: للكلب شعراء معروفة، وللإبل شعراء.
فأما شعراء الكلب! فإنّها إلى الدّقّة والحمرة، ولا تمسّ شيئا غير الكلب.
وأمّا شعراء الإبل: فتضرب إلى الصّفرة؛ وهي أضخم من شعراء الكلب؛ ولها أجنحة، وهي زغباء تحت الأجنحة. قال: وربّما كثرت في النعم حتّى لا يقدر أهل الإبل على أن يحتلبوا بالنهار، ولا أن يركبوا منها شيئا معها؛ فيتركونها إلى الليل وهي تلسع الإبل في مراق الضروع وما حولها، وما تحت الذنب، والبطن والإبطين، وليس يتّقونها بشيء إذا كان ذلك إلّا بالقطران، وهي تطير على الإبل حتى تسمع لصوتها دويا. انتهى شرح «القاموس» .
(و) في «المصابيح» - وهو حديث رواه الشيخان وغيرهما- (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال:
كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس) صورة وسيرة، لأنّ الله تعالى أعطاه كلّ الحسن.
стр. 1325
وأجود النّاس، وأشجع النّاس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق النّاس قبل الصّوت، ...
(وأجود النّاس) لتخلّقه بصفات الله تعالى التي منها الجود والكرم. و «أجود» أفعل تفضيل؛ من الجود، وهو: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي أن يعطى. ومعناه:
هو أسخى النّاس بكلّ ما ينفع، فحذف للتعميم، أو لفوات إحصائه كثرة، لأنّ من كان أعظمهم شرفا وأيقظهم قلبا، وألطفهم طبعا وأعدلهم مزاجا جدير بأن يكون أسمحهم صورة، وأنداهم يدا، ولأنّه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
(وأشجع النّاس) أقواهم قلبا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الّذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ، ولا تحدّث أحد بفراره. وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي.
واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة!! من جوامع الكلم، فإنّها أمّهات «١» الأخلاق. فإنّ في كل إنسان ثلاث قوى:
أحدها: الغضبية؛ وكمالها الشجاعة. ثانيها: الشهوانيّة؛ وكمالها الجود.
ثالثها: العقلية؛ وكمالها النطق بالحكمة. انتهى من «المواهب» .
وفي «الفتح» : جمع أنس صفات القوى الثلاثة على العقلية، والغضبية، والشهوانية؛ فالشجاعة تدلّ على الغضبية، والجود يدلّ على الشهوة، والحسن تابع لاعتدال المزاج المستتبع لصفاء النفس الذي به جودة القريحة الدالّ على العقل، فوصف بالأحسنيّة في الجميع. انتهى
(ولقد فزع) - بكسر الزاي-: خاف (أهل المدينة ذات ليلة) من صوت سمعوه في ناحية من نواحي المدينة؛ كما أفاده بقوله
(فانطلق النّاس) أي: ذهبوا (قبل) - بكسر القاف وفتح الباء الموحّدة-:
جهة (الصّوت) ليعرفوا خبره لظنّهم أنّه عدو.
стр. 1326
فاستقبلهم النّبيّ ﷺ قد سبق النّاس إلى الصّوت، وهو يقول: «لن تراعوا.. لن تراعوا» ، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، والسّيف في عنقه، فقال: «لقد وجدته بحرا» .
وهذا الفرس اسمه: (المندوب) .
(فاستقبلهم النّبيّ ﷺ راجعا (قد سبق النّاس إلى الصّوت) أي: المكان الذي سمع الصوت من جهته؛ أي: منفردا قد استبرأ الخبر؛ (وهو يقول) للمقبلين: ( «لن تراعوا) - بضم التاء المثناة فوق، وبضمّ العين المهملة- (لن تراعوا» ) تكرير الجملتين، و «لن» هنا بمعنى «لم» بدليل الرواية الآخرى، والمراد نفي سبب الرّوع؛ أي: الخوف، أي: ليس هناك شيء تخافونه
(وهو) أي ﷺ راكب (على فرس لأبي طلحة) المسمّى: زيد بن سهل «زوج أمّ سليم» والدة أنس بن مالك، استعاره منه (عري) - بضمّ العين المهملة، وسكون الراء- مجرور صفة فرس. (ما) أي: ليس (عليه سرج) للاستعجال في ركوبه، ولا يقال في الآدمي عري، وإنّما يقال عريان؛ كما تقدّم التنبيه عليه غير مرة.
(والسّيف في عنقه) أي: حمائله معلّقة في عنقه الشريف؛ متقلّدا به.
وهذا هو السنّة في حمل السيف؛ كما قاله ابن الجوزي، لا شدّه في وسطه؛ كما هو المعروف الآن!!.
(فقال: «لقد وجدته) - أي: الفرس- (بحرا» ) . أي: واسع الجري، ومنه سمّي البحر «بحرا» لسعته، وتبحّر فلان في العلم: إذا اتّسع فيه.
وقيل: شبّهه بالبحر..! لأن جريه لا ينفد؛ كما لا ينفد ماء البحر.
(وهذا الفرس اسمه «المندوب» ) قيل: سمّي بذلك!! من النّدب، وهو الرّهن عند السباق. وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح.
стр. 1327
وفي رواية للبخاريّ: إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة كان يقطف، فلمّا رجع..
قال: «وجدنا فرسكم هذا بحرا» ، فكان بعد لا يجارى.
قوله (بحرا) البحر: الفرس الجواد الواسع الجري.
وقال عياض: يحتمل أنّه لقب، أو اسم لغير معنى كسائر الأسماء، وقد كان في أفراسه ﷺ فرس اسمه «المندوب» ، لكن صرّحت الرواية الآخرى في «الصحيحين» بأنّه لأبي طلحة. ولفظها: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبيّ ﷺ فرسا من أبي طلحة؛ يقال له «المندوب» ، فركبه ﵊، فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا» أو إنّه لبحر. قال: وكان فرسا يبطىء. انتهى.
فلعله صار إلى رسول الله ﷺ بعد أبي طلحة بهبة؛ أو بيع منه له؟!.
وقال النّوويّ: يحتمل أنّهما فرسان؛ اتفقا في الاسم!! وهذا أولى.
(وفي رواية للبخاريّ) في «الجهاد» ؛ عن أنس:
(إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة) ليلا، (فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة) :
زيد بن سهل- تقدّمت ترجمته-؛ (كان يقطف) - بكسر الطاء، وتضمّ- والمراد أنّه بطيء المشي. وعند البخاريّ في باب آخر: فركب فرسا لأبي طلحة بطيئا.
(فلمّا رجع) بعد أن استبرأ الخبر؛ (قال: «وجدنا فرسكم هذا بحرا» ) لسرعة جريه. (فكان بعد) - بضمّ الدال- (لا يجارى) - بضمّ أوّله وفتح الرّاء؛ مبنيّ للمجهول- أي: لا يسابق في الجري، ولا يطيق فرس الجري معه ببركته ﷺ ؛ قاله القسطلّاني وغيره. وقال بعضهم: أي: لا يسابق، لعلمهم بأنّه لا يسبقه فرس غيره.
(قوله «بحرا» ) ؛ قال المصنف: (البحر) هو: (الفرس الجواد الواسع الجري) ، وهو مجاز. قال نفطويه: إنّما شبّه الفرس ب «البحر» !! لأنّه أراد أنّ
стр. 1328
و (يقطف) : يقال قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه.
و (القطوف من الدّوابّ وغيرها) : البطيء.
جريه كجري ماء البحر، أو لأنّه يسبح في جريه؛ كالبحر إذا ماج فعلا بعض مائه على بعض.
وفي «الخصائص» لابن جني: الحقيقة: ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضدّ ذلك.
وإنّما يقع المجاز، ويعدل إليه عن الحقيقة!! لمعان ثلاثة؛ وهي ١- الاتساع، و ٢- التوكيد، و ٣- التشبيه، فإن عدمت الثلاثة؟! تعيّنت الحقيقة،
فمن ذلك قوله ﷺ «هو بحر» فالمعاني الثلاثة موجودة فيه؛
أمّا الاتساع!! فلأنّه زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجواد، ونحوها البحر، حتّى إنه إن احتيج إليه في شعر؛ أو سجع، أو اتساع؛ استعمل استعمال بقية تلك الأسماء، لكن لا يفضى إلى ذلك إلّا بقرينة تسقط الشبهة، وذلك كأن يقول الساجع: فرسك إن سما بغرّته كان فجرا، وإن جرى إلى غايته كان بحرا. فإن عري عن دليل؟! فلا، لئلا يكون إلباسا وإلغازا.
وأمّا التشبيه!! فلأنّ جريه يجري في الكثرة مثل مائه.
وأمّا التوكيد!! فلأنّه شبّه العرض بالجوهر، وهو أثبت في النفوس منه.
انتهى شرح «القاموس» .
(و «يقطف» ) - بكسر الطاء وضمّها؛ أي من بابي «قتل» و «ضرب» : أي يضيق خطوه عند المشي. ودليله أنّه (يقال: قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه) وأسرع مشيه.
(و) في «المصباح» : قال الفارابيّ: (القطوف) - بزنة رسول-: (من الدّوابّ وغيرها: البطيء) . وقال ابن القطّاع: قطف الدابّة: أعجل سيرها مع
стр. 1329
.........
تقارب الخطو، وفي «التوشيح» : القطوف المتقارب الخطو، وقيل: الضيق المشي. انتهى زرقاني، و «مصباح» .
وفي الحديث بيان شجاعته ﷺ من شدّة عجلته في الخروج إلى العدوّ قبل النّاس كلّهم، بحيث كشف الحال؛ ورجع قبل وصول الناس.
وفيه بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا؛ بعد أن كان بطيئا، وهو معنى قوله ﵊ «وجدناه بحرا» أي: واسع الجري.
وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدوّ ما لم يتحقّق الهلاك.
وفيه جواز العارية، وجواز الغزو على الفرس المستعار لذلك.
وفيه استحباب تقلّد السيف في العنق، واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف إذا ذهب. انتهى؛ قاله الإمام النّوويّ في «شرح مسلم» رحمهما الله تعالى. آمين.
стр. 1330
.........
وههنا انتهى الجزء الثاني من كتاب «منتهى السّول» ؛ شرح «وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ﷺ » على يد مؤلّفه الفقير إلى عفو الله :
عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللّحجي الحضرمي الشحاري، المدرّس بالمدرسة الصولتية، وبالمسجد الحرام بمكّة المكرّمة،
وكان ذلك في مجالس آخرها عصر يوم الثلاثاء الموافي ١٤/ ١/ ١٣٩٧: أربع عشرة، شهر محرم الحرام سنة: سبع وتسعين وثلثمائة وألف هجرية.
كتبه مؤلفه لنفسه، ولمن شاء الله من بعده؛ عبد الله سعيد اللّحجي المدرّس بالمسجد الحرام المكّي، وبالمدرسة الصولتية، عفا الله عنه ووفّقه لما يرضاه، وجعله ممن يخافه ويخشاه، وبلغه مراده وأحسن ختامه بفضله ومنّه، إنّه ذو الفضل العظيم،
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله ربّ العالمين، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. آمين.
стр. 1331
[فهرسة الجزء الثاني من كتاب منتهى السّول إلى شمائل الرسول ﷺ ]
الباب الرابع: في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه ونومه، وفيه ستة فصول. ٥
الفصل الأول: في صفة عيشه ﷺ وخبزه. ٧
الفصل الثاني: في صفة أكله ﷺ وإدامه. ٨٨
الفصل الثالث: فيما كان يقوله ﷺ قبل الطعام وبعده. ١٩٨
الفصل الرابع: في صفة فاكهته ﷺ . ٢٢٢
الفصل الخامس: في صفة شرابه ﷺ وقدحه. ٢٤١
الفصل السادس: في صفة نومه ﷺ . ٢٨٣
الباب الخامس: في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، ٣٠٤ وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته. وفيه ستة فصول.
الفصل الأول: في صفة خلقه ﷺ وحلمه. ٣٠٦
الفصل الثاني: في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ. ٥٠٨
الفصل الثالث: في صفة أمانته ﷺ وصدقه. ٥٢٩
الفصل الرابع: في صفة حيائه ﷺ ومزاحه. ٥٣٧
الفصل الخامس: في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتكائه. ٥٦٧
الفصل السادس: في صفة كرمه ﷺ وشجاعته. ٦٥٤
стр. 1332
الجزء الثالث
[الباب السّادس في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته، وصومه، وقراءته]
الباب السّادس في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته، وصومه، وقراءته وفيه ثلاثة فصول: (الباب السّادس) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب ومقدمة وخاتمة.
(في) بيان ما ورد في (صفة عبادة رسول الله ﷺ
قال الباجوري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل. وتعورفت في الشّرع فيما جعل علامة على ذلك؛ من صلاة وصوم وجهاد وقراءة وغير ذلك.
والتحقيق: أنه ﷺ لم يتعبّد قبل النبوة بشرع أحد، وتعبّده بحراء!! إنّما كان تفكّرا في مصنوعات الله وغيره من العبادات الباطنة، وإكرام من يمرّ عليه من الضّيفان، فإنّه كان يخرج إلى حراء في كلّ عام شهرا ويتعبّد فيه بذلك. انتهى.
والمراد بالعبادة هنا ما هو أعمّ من العبادات الظاهرة أو الباطنة؛ كالتفكر والخوف والخشية، فلذا عطف عليها قول (و) في صفة (صلاته) ؛ من عطف الخاصّ على العامّ للاهتمام، لأنّها عمود الإسلام، وكذا قوله (وصومه وقراءته) ﷺ .
(وفيه) ؛ أي: هذا الباب (ثلاثة فصول) . يأتي بيانها.
стр. 1333
[الفصل الأوّل في صفة عبادته ﷺ وصلاته]
الفصل الأوّل في صفة عبادته ﷺ وصلاته قال رسول الله ﷺ : «أنا أتقاكم لله تعالى، وأشدّكم له خشية» .
(الفصل الأوّل) من الباب السادس (في) بيان ما ورد في (صفة عبادته)
بكسر العين المهملة وتخفيف الموحّدة- ﷺ ، و) في صفة (صلاته) النافلة كمّا وكيفا ﷺ .
(قال رسول الله ﷺ - فيما رواه البخاري ومسلم، وأورده المصنف هنا بالمعنى- (: «أنا أتقاكم) - أي: أكثركم تقوى- (لله تعالى) التقوى- في اللغة- بمعنى الاتقاء، وهو: اتّخاذ الوقاية، وعند أهل الحقيقة-: هو الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وهو: صيانة النفس عما تستحقّ به العقوبة من فعل أو ترك.
والتقوى في الطاعة يراد به الإخلاص، وفي المعصية يراد به الترك والحذر
(وأشدّكم له خشية» ) ، لأن الخوف على قدر المعرفة، وهو أعرف خلق الله بالله تعالى. ولله درّ من قال:
على قدر علم المرء يعظم خوفه ... فلا عالم إلّا من الله خائف
فامن مكر الله: بالله جاهل ... وخائف مكر الله: بالله عارف
قال بعضهم: الخشية تألّم القلب بسبب توقّع مكروه في المستقبل؛ يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته، وخشية الإنسان من هذا القبيل. انتهى.
وقد ترجم البخاري في «صحيحه» بقوله ﷺ : «أنا أعلمكم بالله» ، وأورد فيه
стр. 1334
وفي «صحيح البخاريّ» : «إنّي لأعلمكم بالله، وأشدّكم له خشية» .
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم؛ أمرهم من الأعمال بما يطيقون؛ قالوا: إنّا لسنا كهيئتك؛ يا رسول الله، إنّ الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر!! فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه. ثم يقول:
«إنّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» .
ولفظ ترجمة البخاري لأبي ذرّ: «أنا أعرفكم بالله» وكأنه مذكور بالمعنى؛ بناء على ترادفهما.
(وفي «صحيح) الإمام (البخاريّ» ) في «كتاب الأدب» ، وفي «كتاب الاعتصام» ؛ عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: صنع النبي ﷺ شيئا ترخّص فيه، فتنزّه عنه قوم!! فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فحمد الله، ثم قال:
«ما بال أقوام يتنزّهون عن الشّيء أصنعه!! فو الله؛ (إنّي لأعلمكم) - أي: أكثركم علما- (بالله) هذا ظاهر في أنّ العلم بالله درجات، وأنّ بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأنّ النبي ﷺ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته؛ وما بأحكامه، وما يتعلّق بذلك، فهذا هو الإيمان حقا. (وأشدّكم) - لفظ البخاري: «إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم- (له خشية) ، لأن الله سبحانه جمع له بين علم اليقين وعين اليقين؛ مع الخشية القلبيّة واستحضار العظمة الإلهية؛ على وجه لم يجتمع لغيره. وكلما ازداد علم العبد بربّه ازداد تقواه وخوفه منه، ومن عرف الله صفا له العيش، وهابه كلّ شيء.
فمعناه: ما أنا عليه من العلم والخشية أوفر وأكثر من علمكم وخشيتكم؛ ذكره القاضي عياض.
وقال القرطبي: إنّما كان كذلك!! لما خصّ به في أصل خلقته؛ من كمال الفطنة، وجودة القريحة، وسداد النظر، وسرعة الإدراك، ولما رفع عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه. ومن اجتمعت هذه الأمور [فيه] سهّل الله عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقّه كالضروريّة.
стр. 1335
وفيه: عن أبي هريرة رضي الله [تعالى] عنه: «لو تعلمون ما أعلم.. لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» .
وفي «صحيح مسلم» : عن أنس رضي الله [تعالى] عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد بيده، لو رأيتم ما رأيت.. لضحكتم قليلا ولبكيتم ...
ثمّ إنّه تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه وأحوال العالم ما لم يطلع عليه غيره، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس؛ لزم أن يكون أخشاهم، لأن الخشية منبعثة عن العلم إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] انتهى من «شرح المناوي» ﵀.
(وفيه) ؛ أي «صحيح البخاري» ؛ في «كتاب الرّقاق» (عن أبي هريرة رضي الله) تعالى (عنه: «لو تعلمون ما أعلم) - من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وأهوال القيامة وأحوالها، أي: لو تعلمون ما علمته لما ضحكتم أصلا؛ المعبّر عنه بقوله: - (لضحكتم قليلا) إذ القليل بمعنى العديم على ما يقتضيه السياق، لأن «لو» حرف امتناع لامتناع. والمعنى: لو دام علمكم كما دام علمي. لأنّ علمه متواصل بخلاف غيره! لتركتم الضّحك (ولبكيتم كثيرا» ) لغلبة الحزن، واستيلاء الخوف، واستحكام الوجل. ورواه البخاري أيضا في «كتاب الرقاق» ؛ عن أنس، وفي «كتاب الكسوف» ؛ عن عائشة ﵂.
(وفي «صحيح) الإمام (مسلم» ) ؛ في الصلاة «باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود» ؛ (عن أنس ﵁ قال:
صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه؛ فقال:
«يا أيّها النّاس؛ إنّي إمامكم، فلا تسبقوني بالرّكوع ولا بالسّجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإنّي أراكم من أمامي ومن خلفي» .
ثمّ قال: (إنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد بيده؛ لو رأيتم ما رأيت) - وعلمتم ما علمت ممّا رأيته اليوم وقبل اليوم- (لضحكتم قليلا ولبكيتم