← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

موافقين ومخالفين، مسلمين وغير مسلمين.. أنّ رسول الله ﷺ أفصح النّاس على الإطلاق، ولم يخالف في ذلك أحد. التضييق على الناس في استعمال الألفاظ العربية. وعدّ هذا ونحوه لحنا- كما قاله الحريري- لا وجه له. وأما الثاني: فلأنّه روي عن عمر رضي الله تعالى عنه استعماله في كتابه لبني كاكله المرويّ عنه رواية ثابتة، وعن علي كرم الله تعالى وجهه في ذلك أيضا حيث كتبه بعينه بين جمع من الصّحابة وناهيك بهم فصاحة!! فإن أردت تفصيله فانظره في شرحنا ل «درة الغواص في أوهام الخواص» . انتهى كلام الخفاجي رحمه الله تعالى. والمراد بقوله «كافّة» : عموم الناس كما بيّنه بقوله: (موافقين) لنا في الدّين والعقيدة، (ومخالفين) فيهما (مسلمين؛ وغير مسلمين) ، فجميع الطوائف وجميع الفرق على اختلاف أديانهم وعقائدهم ومذاهبهم ومشاربهم كلّهم معترفون (أنّ رسول الله ﷺ أفصح النّاس على الإطلاق) أي: أقدرهم على الإتيان بالكلام الفصيح؛ أي: البليغ، فالفصاحة قد تطلق ويراد بها البلاغة، وهو أحسنهم بيانا، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب، ويسلب الأرواح، لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة. (ولم يخالف في ذلك أحد) من سائر الطوائف، فكيف وهو الذي شدّت به الفصاحة نطاقها، ومدّت إليه البلاغة رواقها، وقد كان يقول: «أنا أفصح العرب» !! ذكره في «المواهب» ؛ أي: والعرب أفصح الناس، فهو أفصح الفصحاء، وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله؛ مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟!. فقال: «كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها» . رواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» بإسناد ضعيف، وفي رواية ابن عساكر: «فحفّظنيها» ؛ أي: جبريل، فلذا كنت أفصح العرب. ينطق بأفصح

стр. 1577

وهاكها مرتّبة على الحروف: اللّغات وأتمّ البلاغات، وأفحم بلغاء العرب قاطبة، فلم يدع منهم أحدا إلّا أعجزه وأدلّه، وحيّره في أمره وأعلّه؛ قاله الزرقاني على «المواهب» قال: وأما ما يروى: «أنا أفصح من نطق بالضّاد» !! فقال ابن كثير: لا أصل له. انتهى، لكن معناه صحيح. وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند. وقد جمع العلماء كابن السنّي، والقضاعيّ، وابن الصّلاح في آخرين من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه كتبا مستقلة، وتبعهم المصنف فذكر منها جملة وافرة في هذا الفصل، (وهاكها) ؛ أي: خذها، لأن «ها» اسم فعل أمر بمعنى «خذ» . وفيه: لغتان: القصر والمدّ، ويستعمل مجرّدا، فيقال: للواحد المذكر وغيره «ها» بالقصر، و «هاء» بالمد، ويستعمل متلوا بكاف الخطاب بحسب المخاطب، فيقال: «هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن» ، ويستعمل مقتصرا على تصرف الهمزة فيقال: «هاء وهاؤما وهاؤم وهاؤن» . وهذه أفصح اللّغات فيها، وبها ورد القرآن؛ قاله السيوطي في «شرح جمع الجوامع» النحوي. (مرتّبة على الحروف) فما كان أوله همزة ففي حرف الهمزة، وما كان أوله باء موحدة ففي حرف الباء، وهكذا قال المصنف:

стр. 1578

[ (حرف الهمزة) ] (حرف الهمزة) قال رسول الله ﷺ : ١- «أوتيت جوامع الكلم» . (حرف الهمزة) ؛ أي: هذا باب الأحاديث المبدوءة بحرف الهمزة، وصدّرها بحديث «أوتيت جوامع الكلم» !! لما فيه من المناسبة للفصل الذي عقده، إذ تضمّن ذلك الحديث براعة الاستهلال، وحسن المطلع، وهي أن يأتي المتكلم في طالعة كلامه بما يشعر بمقصوده. ومراد المصنف التنويه بفصاحته ﷺ بذكر شيء من جوامع كلمه الدّالة على أنّه ﷺ أحرز قصب السبق في مضمار الفصاحة والبلاغة مع ملاحظة ما اشتملت عليه تلك الأحاديث من الأحكام ومكارم الأخلاق المطلوب من الشخص التخلّق بها والعمل بما فيها، كيما يتمّ له الاقتداء بالنبيّ ﷺ في أفعاله وأقواله وأخلاقه الذي هو موضوع الكتاب، فرحم الله المصنف رحمة واسعة، وجمعنا به في مستقرّ رحمته بمنّه وكرمه. آمين. (قال رسول الله ﷺ : ١- «أوتيت جوامع الكلم) واختصر لي الكلام اختصارا» رواه العسكري في «الأمثال» عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلا بهذا اللفظ، لكن في سنده من لا يعرف. ورواه الديلمي بلا سند عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه بلفظ: «أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا. ورواه الشيخان لكن بلفظ: «بعثت بجوامع الكلم» . وفي خبر آخر رواه أحمد: «أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه» . وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أنّه مرّ برجل يقرأ كتابا من التوراة فذكر

стр. 1579

٢- «اتّق الله فيما تعلم» . للنبيّ ﷺ ، فقال: «إنّما بعثت فاتحا وخاتما، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصرلي الحديث اختصارا» . ولأبي يعلى عن خالد بن عرفطة قال: كنت عند عمر فجاء رجل فذكره.. وفيه: فقال النبي ﷺ : «يا أيّها النّاس، أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصرلي الكلام اختصارا» . وفي رواية ابن سيرين عن أبي هريرة: «أعطيت فواتح الكلم» . وفي أخرى: «أعطيت مفاتيح الكلم» . وفي أخرى: أعطيت جوامع الكلم» . وفي حديث أبي موسى: «أعطيت فواتح الكلم وخواتمه» ، قلنا: يا رسول الله؛ علّمنا مما علمك الله! فعلمنا التشهد. ورواه أيضا في «المختارة» عن عمر بن الخطاب بلفظ آخر، مع بيان سبب وروده. ومعناه: أنّه ﷺ أوتي ملكة يقتدر بها على إيجاز اللفظ مع سعة المعنى، بنظم لطيف، لا تعقيد فيه؛ يعثر الفكر في طلبه، ولا التواء يحار الذّهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذهن إلا ومعناها أسبق إليه. وقيل: أراد القرآن، وقيل: أراد أنّ الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الأمور المتقدمة جمعت له في الأمر الواحد والأمرين، والله أعلم. ٢- ( «اتّق) - بكسر الهمزة وشد المّثناة فوق- (الله) أمر من التقوى: فعلى من الوقاية: ما يتقى به مما يخاف، فتقوى العبد لله: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه، وهي هنا الحذر (فيما تعلم» ) ؛ أي: احذره وخفه في العمل، أو في تركب العمل بالذي تعلمه- وحذف المفعول للتعميم- وذلك بأن تتجنب المنهي وتفعل المأمور. وخاطب العالم! لأن الجاهل لا يعرف كيف يتقي من جانب الأمر، ولا من جانب النهي. والمراد أصالة العلم العيني الذي لا رخصة للمكلّف في تركه وما عداه

стр. 1580

٣- «اتّق الله في عسرك ويسرك» . من كمال التقوى. قال ابن القيم: وللمعاصي من الآثار القبيحة ما لا يعلمه إلّا الله، فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذف في القلب، والمعصية تطفئه؛ شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأنّ العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي وكتب رجل إلى أخيه: إنّك أوتيت علما فلا تطفئنّ نوره بظلمة الذّنوب؛ فتبقى في الظّلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم. أوحى الله تعالى إلى داود ﵊: «يا داود أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي» . وقال بشر: التّلذّذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم من كل تنعم في الدنيا؛ فمن أجاب شهوته فيه فما اتقى فيما علم. انتهى ذكره المناوي على «الجامع» . وهذا الحديث رواه البخاري في «التاريخ» ، والترمذي: كلاهما عن زيد بن مسلمة الجعفي قال: قلت: يا رسول الله؛ سمعت منك حديثا كثيرا فإني أخاف أن ينسيني آخره أوّله فمدّني بكلمة جامعة؛ فقال: «اتق الله فيما تعلم» . قال الترمذي في «العلل» : سألت عنه محمدا- يعني البخاري- فقال: سعيد بن أشوع لم يسمع من زيد، فهو عندي مرسل. وقال السيوطي في «الجامع الكبير» : منقطع. انتهى ذكره المناوي في «شرح الجامع» وقال: رواه أيضا الطبراني من حديث سعيد بن أشوع عن زيد بن مسلمة الجعفي. انتهى ٣- ( «اتّق الله) : خفه واحذره (في عسرك) - بضم فسكون-: الضيق، والصعوبة، والشدّة. (ويسرك» ) : الغنى والسهولة؛ أي: خف الله واحذره في ضيقك وشدّتك، وضدّهما بأن تجتنب ما نهى عنه وتفعل ما أمر به في جميع أحوالك يعني: إذا كنت في ضيق وشدّة وفقر؛ فخف الله أن تفعل ما نهى عنه، أو تهمل ما أمر به، وإن كنت في سرور وغنى؛ فاحذره أن تطغى وتقتحم

стр. 1581

......... ما لا يرضاه، فإنّ نعمته إذا زالت عن إنسان قلّما تعود إليه، وقدّم العسر على اليسر!! لأن اليسر يعقبه، كما دلّ عليه قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) [الانشراح] ، أو اهتماما بشأن التقوى فيه. قال بعض العارفين: من علامات التحقق بالتقوى: أن يأتي المتقي رزقه من حيث لا يحتسب، وإذا أتاه من حيث يحتسب ما تحقق بالتقوى، ولا اعتمد على الله؛ فإن معنى التقوى أن تتخذ الله وقاية من تأثير الأسباب في قلبك باعتمادك عليها، والإنسان أبصر بنفسه، وهو يعلم من نفسه بمن هو أوثق، وبما تسكن إليه نفسه، ولا تقل: إنّ الله أمرني بالسعي على العيال، وأوجب مؤنتهم، فلا بدّ من الكدّ في السبب الذي جرت العادة أن يرزقه فيه، فإنا ما قلنا لك لا تعمل فيها؛ بل نهيناك عن الاعتماد عليها والسكون عندها، فإن وجدت القلب يسكن إليها؛ فاتّهم إيمانك، وإن وجدت قلبك ساكنا مع الله تعالى، واستوى عندك وجود السبب المعين وفقده؛ فأنت الذي لم تشرك بالله شيئا، فإن أتى رزقك من حيث لا تحتسب! فذلك بشرى أنك من المتقين. تنبيه: قال ابن عربي: طريق الوصول إلى علم القوم التقوى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ [٩٦/ الأعراف] ؛ أي: أطلعناهم على العلوم المتعلّقة بالعلويات والسفليّات، وأسرار الجبروت وأنوار الملك والملكوت. وقال الله تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [٢- ٣/ الطلاق] . والرزق: روحانيّ وجسمانيّ، وقال وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [٢٨٢/ البقرة] أي: يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية انتهى؛ ذكره المناوي على «الجامع» . وهذا الحديث قال في «الجامع الصغير» أخرجه أبو قرّة الزبيدي- نسبة إلى زبيد المدينة المشهورة باليمن- في «سننه» واسم أبي قرة: موسى بن طارق، عن طليب- بالتصغير- ابن عرفة. قال المناوي: له وفادة، ولم يرو عنه إلا ابنه كليب وهما مجهولان، ذكره الذهبي كابن الأثير. انتهى.

стр. 1582

٤- «اتّقوا مواضع التّهم» . ٥- «أتمّكم عقلا.. أشدّكم لله خوفا» . ٤- ( «اتّقوا مواضع التّهم» ) ذكره في «كنوز الحقائق» . ورمز له برمز البخاري في «التاريخ» . وقد أرشدنا النبي ﷺ كيف نتقي مواضع التّهم؛ حيث قال لمن أبصره مع زوجته صفيّة: «إنّها أمّكما صفيّة» فاستعظما ذلك! فقال: «إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا» . فأشفق عليهما فحرسهما، وأشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التّهمة حتى لا يتساهل العالم الورع في أحواله؛ ظنّا منه أنه لا يظّنّ به إلا الخير؛ إعجابا منه بنفسه، وهي زلة عظيمة، إذ أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا بدّ له من منقّص ومبغض! فتعيّن الاحتراز عن تهمة الأعداء والأشرار، فإنّهم لا يظنّون بالناس كلّهم إلا الشرّ. ٥- ( «أتمّكم عقلا أشدّكم لله خوفا» ) ذكره في «كنوز الحقائق» ، ورمز له برمز الغزالي، وعزاه في «شرح الإحياء» إلى داود بن المحبّر في «كتاب العقل» قال: حدثنا ميسرة، عن محمد بن زيد، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت قول الله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [٢/ الملك] فقال ﷺ : «أتمّكم عقلا أشدّكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه، وإن كانوا أقلّكم تطوّعا» . وأخرج داود بن المحبّر في «كتاب العقل» أيضا عن البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «جدّ الملائكة واجتهدوا في طاعة الله سبحانه بالعقل، وجدّ المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم، فأعملهم بطاعة الله أوفرهم عقلا» . وأخرج داود في كتابه المذكور عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله؛ بم يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: «بالعقل» . قلت: وفي الآخرة؟ قال: «بالعقل» . قلت: أليس إنما يجزون بقدر أعمالهم؟ فقال ﷺ :

стр. 1583

٦- «اجتنبوا الخمر؛ فإنّها مفتاح كلّ شرّ» . ٧- «الأجر على قدر النّصب» . «يا عائشة؛ وهل عملوا إلّا بقدر ما أعطاهم الله من العقل!. فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون» . قال العراقي: رواه الحكيم الترمذي في «نوادره» . ذكر ذلك كله في «الإحياء» و «شرحه» . ٦- ( «اجتنبوا الخمر) ؛ مصدر خمره؛ إذا ستره، سمّي به عصير العنب إذا اشتدّ!! لأنه يخمر العقل، ولها نحو أربعمائة اسم، وتذكّر وتؤنث، والتأنيث أفصح، وهو حرام مطلقا، وكذا كلّ ما أسكر عند الأكثر؛ وإن لم يسكر لقلّته، بل الشافعي وأحمد ومالك على وصفها بذلك، فعندهم الخمر كلّ مسكر، وخالف أبو حنيفة. فالمعنى؛ على رأي الجماعة: اجتنبوا كلّ مسكر؛ أي: - ما من شأنه الإسكار-، فشمل العصير، والاعتصار، والبيع، والشراء، والحمل، والمسّ، والنظر، وغيرها. ذكره المناوي على «الجامع» . أي: اجتنبوا تعاطيها؛ (فإنّها مفتاح كلّ شرّ» ) كان مغلقا من زوال العقل، والوقوع في المنهيات، وحصول الأسقام والآلام. والحديث المذكور ذكره في «الجامع الصغير» ، ورمز له برمز الحاكم في «الأطعمة» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال في العزيزي: وهو حديث صحيح. ٧- ( «الأجر على قدر النّصب» ) متفق عليه؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. قال النجم الغزي: وربما قيل: على قدر المشقة» . وقال النبيّ ﷺ لعائشة بعد اعتمارها: «أجرك على قدر نفقتك أو نصبك» وفي لفظ: «أو تعبك» وفي آخر: «إنّ لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك» بالواو. وروى ابن الإمام أحمد في «زوائده» عن ابن المبارك عن سفيان من قوله: إنما الأجر على قدر الصّبر.

стр. 1584

......... قال الإمام النووي: وظاهره أن الثّواب والفضل في العبادة بكثرة النصب والنفقة. قال الحافظ ابن حجر: وهو كما قال، لكنّه ليس بمطّرد، فقد يكون بعض العبادة أحقّ من بعض، وهي أكثر فضلا وثوابا بالنسبة للزمان؛ كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام رمضان، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وإلى شرف العبادة المالية، والبدنية؛ كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها وأطول من قراءتها ... ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر من التطوع!! أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في «القواعد» ، وقال أيضا: وقد كانت الصلاة قرّة عين النبيّ ﷺ وهي شاقّة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقّتها مساوية لصلاته مطلقا. والله أعلم. انتهى؛ ذكره العجلوني في «الكشف» . وقد جعل الفقهاء هذا الحديث أساسا لقاعدة قرّروها في كتبهم وعبّروا عنها بقولهم: ما كان أكثر فعلا كان أكثر فضلا، واستثنوا منها مسائل مذكورة في «الأشباه والنظائر» ، وقد نظمها السيد العلّامة الولي سراج الدين أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل المتوفى سنة: - ١٠٣٥- خمس وثلاثين وألف هجرية رحمه الله تعالى آمين؛ فقال: اعلم بأنّي كنت قد نظمت ... لهذه فيما مضى فقلت: قاعدة: ما كان أربى فعلا ... فإنّه يكون أزكى فضلا. وأصلها من الحديث المنتخب ... عن النبي: «الأجر على قدر النّصب» وأخرجوا عن ذاك بضع عشر ... فهاكها منظومة كدرّ وذلك القصر على الإتمام ... يفضل في الثّلاثة الأيّام ثمّ الضّحى ثمان ركعات أبر ... وإن يكن أكثرها ثنتي عشر والوتر مهما بثلاث يفعل ... فإنّها ممّا يزيد أفضل لكن على قول ضعيف نقلا ... عن «البسيط» والإمام ذي العلا

стр. 1585

......... كذا صلاة الصّبح كانت أفضلا ... من غيرها وإن يكنّ أطولا وركعة الوتر لديهم أفضل ... من سنّة الفجر وأيضا تفضل تهجّد اللّيل وإن كانت أقل ... وهو مع الكثرة والطّول حصل كذا صلاة العيد من كسوف ... أزكى ولو مع طولها المعروف وسنّة الفجر بلا تطويل ... أفضل منها معه للدّليل وفي الصّلاة سورة كمالا ... أفضل من بعض ولو قد طالا وقيل بل من قدرها وذاك ما ... لم يرد البعض وإلّا قدّما والجمع في مضمضة وما تلا ... أفضل من فصل بستّ حصلا كذلك الفصل بغرفتين ... أزكى من السّت بغير مين والحجّ والوقوف ممن ركبا ... أفضل منه ماشيا تأدّبا كذلك الميقات للإهلال ... أفضل من دويرة الأهالي ومرّة جماعة إن صلّى ... أفضل من صلاته وأعلى منفردا خمسا وعشرين جعل ... وهكذا تصدّق وقد أكل البعض من أضحيّة تبرّكا ... فهو على بذل الجميع قد زكا وينبغي عدّك كلّ ما أتى ... فيه الدّليل للقليل مثبتا كركعتي تحيّة المساجد ... أفضل من إتيانه بزائد واللّفظ في استعاذة بما ورد ... في الذّكر من زيادة في المعتمد وقس على ذلك بالتّأمّل ... والحمد لله على التّفضّل قال سيّدي أحمد زرّوق رحمه الله تعالى: قاعدة: الأجر على قدر الاتباع لا على قدر المشقة، لفضل الإيمان والمعرفة والذّكر والتلاوة على ما هو أشدّ منها بكثير من الحركات الجسمانيّة. وقوله ﵊: «أجرك على قدر نصبك» !! إخبار خاصّ في خاصّ لا يلزم عمومه، لا سيّما: وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما. مع قوله: «إنّ أعلمكم بالله وأتقاكم لله أنا» . وكذا جاء: «خير دينكم أيسره» ... إلى غير ذلك. والله أعلم. انتهى كلام سيدي زروق

стр. 1586

٨- «أجملوا في طلب الدّنيا؛ ... المغربي في «قواعده» . وهو موافق لما انتقده الشيخ أحمد بن حجر في «تحفته» حيث قال بعد استثناء هذه الصّور المنظومة سابقا: ولك أن تقول: لا يرد شيء من ذلك على القاعدة، لأن هذه كلّها لم تحصل الأفضلية فيها من حيث عدم أشقّيّتها؛ بل من حيثية أخرى اقترنت بها؛ كالاتّباع الذي يربو على ثواب الكثرة والمشقّة. فتأمله لتعلم ما في كلام الزركشي وغيره، فإنّ المجتهد قد يرى من المصالح المختصّة بالقليل ما يفضله على الكثير. انتهى كلام ابن حجر رحمه الله تعالى. لكن قال العلّامة المحقّق الفقيه عبد الله بن سليمان الجرهزيّ اليمنيّ الزّبيديّ المتوفّى سنة: - ١٢٠١- إحدى ومائتين وألف هجرية رحمه الله تعالى آمين؛ معقّبا على كلام ابن حجر ما نصّه: قلت: فيه ما فيه!! إذ تفضيل القليل للاتباع مناف لقوله ﷺ : «الأجر على قدر النّصب» ، فإن لم يحمل على الاستثناء لم يزل الإشكال. انتهى كلام الجرهزي رحمه الله تعالى. ٨- ( «أجملوا) - بهمزة قطع مفتوحة، فجيم ساكنة، فميم مسكورة- أي: ترفقوا (في طلب الدّنيا) بأن تطلبوا الرّزق طلبا جميلا؛ أي: تحسنوا السعي في نصيبكم منها بلا كدّ وتعب وتكالب، فلم يحرّم الطّلب بالكلّية، بل أمر بالإجمال فيه، وهو ما كان جميلا في الشرع؛ محمودا في العرف، فيطلب من جهة حلّه ما أمكن. ومن إجماله اعتماد الجهة التي هيّأها الله ويسّرها له، ويسّره لها، فينتفع بها ولا يتعدّاها. ومنه ألايطلب بحرص وقلق وشره ووله، حتى لا ينسى ذكر ربّه ولا يتورّط في شبهة؛ فيدخل فيمن أثنى عليهم بقوله تعالى رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [٣٧/ النور] ... الآية. قاله المناوي على «الجامع» .

стр. 1587

فإنّ كلّا ميسّر لما كتب له منها» ... ثم وجه الأمر بذلك بقوله: (فإنّ كلّا) ؛ أي: كلّ أحد من الخلق (ميسّر) بوزن معظّم- أي: مهيّأ مصروف مسهل (لما كتب) : قدّر (له منها» ) يعني: الرزق المقدّر له سيأتيه ولا بدّ، فإنّ الله تعالى قسم الرزق وقدّره لكلّ أحد بحسب إرادته؛ لا يتقدّم ولا يتأخّر، ولا يزيد ولا ينقص بحسب علمه الأزليّ، وإن كان يقع ذلك بتبديل في اللّوح أو الصحف بحسب تعليق بشرط. وقال: «أجملوا» ، وما قال: «اتركوا» !! إشارة إلى أنّ الإنسان؛ وإن علم أنّ رزقه المقدّر له لا بدّ له منه لكن لا يترك السعي رأسا، فإن من عوائد الله في خلقه تعليق الأحكام بالأسباب، وترتيب الحوادث على العلل، وهذه سنته في خلقه مطّردة، وحكمته في ملكه مستمرة، وهو وإن كان قادرا على إيجاد الأشياء اختراعا وابتداعا؛ لا بتقديم سبب وسبق علة؛ بأن يشبع الإنسان بلا أكل، ويرويه بغير شرب، وينشئ الخلق بدون جماع.. لكنّه أجرى حكمته بأنّ الشبع والرّي والولد يحصل عقب الطّعم والشرب والجماع. فلذا قال: «أجملوا» ؛ إيذانا بأنّه وإن كان هو الرزّاق، لكنه قدر حصوله بنحو سعي رفيق، وحالة كسب من الطلب جميلة، فجمع هذا الخبر بالنظر إلى السبب، والمسبب، والمسبّب له؛ وذلك هو: الله، والرزق، والعبد، والسعي. وجمع بين المسبب والسبب!! لئلا يتّكل من تلبّس بأهل التّوكل وليس منهم، فيهلك بتأخّر الرزق؛ فربّما أوقعه في الكفر!! ولئلا ينسب الرزق لسعيه؛ فيقع في الشرك. وقد عرف بذلك أن من اجتهد في طلب الدّنيا وتهافت عليها شغل نفسه بما لا يجدي، وأتعبها فيما لا يغني، ولا يأتيه إلّا المقدور؛ فهو فقير وإن ملك الدنيا بأسرها، فالواجب على المتأدّب باداب الله تعالى أن يكل أمره إلى الله تعالى، ويسلّم له، ولا يتعدّى طوره، ولا يتجرّأ على ربّه ويترك التكلّف؛ فإنه ربّما كان

стр. 1588

٩- «الإحسان: ... خذلانا، ويترك التدبير فإنه قد يكون هوانا: والمرء يرزق لا من حيث حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الدّاهي قال بزرجمهر: وكل الله تعالى الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل؛ ليعلم أنّه لو كان الرزق بالحيل؛ لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه والاحتيال لكسبه. قال بعضهم: لو كان بالعقل الغنى لوجدتني ... بنجوم أفلاك السّماء تعلّقي لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى ... شيئان مفترقان أيّ تفرّق التقى ملكان فتساءلا؛ فقال أحدهما: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهودي، وقال الآخر: أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد. انتهى ملخصا بعضه من المناوي على «الجامع» . وهذا الحديث رمز له في «الجامع الصغير» بأنه رواه ابن ماجه، والحاكم، والطبراني في «الكبير» ، والبيهقي في «سننه» ؛ عن أبي حميد السّاعدي، قال في العزيزي: وهو حديث صحيح. وقال المناوي على «الجامع» : قال الحاكم: على شرطهما. وأقرّه الذهبي. لكن فيه هشام بن عمار! أورده الذهبي في «ذيل الضعفاء» ، وقال أبو حاتم: صدوق تغيّر، فكلّما لقّن تلقّن. وقال أبو داود: حدّث بأرجح من أربعمائة حديث لا أصل لها. وفيه إسماعيل بن عياش! أورده في «الضعفاء» ؛ وقال: مختلف فيه وليس بقوي. وفيه عمارة بن غزية! أورده في «الذيل» أيضا وقال: ثقة، ضعفه ابن حزم. انتهى كلام المناوي على «الجامع» . ٩- ( «الإحسان) قال ابن حجر الهيتمي: «أل» فيه للعهد الذهني المذكور في الآيات الكثيرة نحو* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [٢٦/ يونس] ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) [البقرة] ، هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [الرحمن] .

стр. 1589

أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه.. فإنّه يراك» . فلمّا كثر تكّرره وعظم ثوابه سأل عنه جبريل ليعلمهم بعظم ثوابه وكمال رفعته، وهو مصدر «أحسنت كذا» ، و «وفي كذا» إذا أحسنته وكمّلته؛ متعديا بهمزة، من حسن كذا، وبحرف الجر ك «أحسنت إليه» إذا فعلت معه ما يحسن فعله، والمراد هنا الأول إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات بأدائها على وجهها المأمور به مع رعاية حقوق الله تعالى فيها ومراقبته واستحضار عظمته وجلاله! ابتداء واستمرارا. وهو على قسمين: أحدهما غالب عليه مشاهدة الحقّ كما قال ﷺ : (أن تعبد الله) من عبد: أطاع، والتعبّد: التنسّك، والعبودية: الخضوع والذّلّ. (كأنّك تراه) . وهذا من جوامع الكلم لأنّه جمع مع وجازته بيان مراقبة العبد ربّه في إتمام الخضوع والخشوع وغيرهما في جميع الأحوال، والإخلاص له في جميع الأعمال، والحثّ عليهما مع بيان سببهما الحامل عليهما لملاحظة أنّه لو قدّر أنّ أحدا قام في عبادة وهو يعاين ربّه تعالى لم يترك شيئا ممّا يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن الصّمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها. والثاني: من لا ينتهي إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق مطّلع عليه ومشاهد له وقد بيّنه ﷺ بقوله: (فإن لم تكن تراه! فإنّه يراك» ) مشيرا إلى أنّه ينبغي للعبد أن يكون حاله مع فرض عدم عيانه لربه تعالى كهو مع عيانه؛ لأنّه تعالى مطّلع عليه في الحالين؛ إذ هو قائم على كلّ نفس بما كسبت، مشاهد لكلّ أحد من خلقه في حركته وسكونه؛ فكما أنّه لا يقدم على تقصير في الحال الأول؛ كذلك لا ينبغي له أن يقدم عليه في الحال الثاني، لما تقرر من استوائهما بالنسبة إلى اطّلاع الله تعالى وعلمه وشهود عظيم كماله، وباهر جلاله.

стр. 1590

١٠- «اختلاف أمّتي رحمة» . وقد ندب أهل الحقائق ١- إلى مجالسة الصالحين لأنه لاحترامه لهم وحيائه منهم لا يقدم على تقصير في حضرتهم. و ٢- إلى أنّ العبد ينبغي له أن يكون في عبادة ربه كضعيف بين يدي جبّار؛ فإنه حينئذ يتحرّى ألايصدر منه سوء أدب بوجه. انتهى كلام ابن حجر في «شرح الأربعين» . وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام مسلم والثلاثة: أبي داود والترمذي والنسائي؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وهو قطعة من حديث طويل، أوله: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ... الحديث وهو مذكور بطوله في «كتاب الأربعين النووية» وكذا رمز له برمز أحمد والشيخين وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ١٠- ( «اختلاف أمّتي رحمة» ) اعلم أن هذا الحديث قد تكلّم عليه العلماء قديما وحديثا من جهة معناه، ومن جهة عزوه، وأنا أنقل كلامهم؛ وإن وقع فيه تكرار في بعض المواضع لأجل حصول الفائدة بالوقوف على ما قيل فيه ... قال العجلوني في كتاب «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» ما نصّه: قال في «المقاصد» : رواه البيهقي في «المدخل» بسند منقطع عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ: قال رسول الله ﷺ : «مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى؛ فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله! فسنّة منّي ماضية، فإن لم تكن سنّة منّي! فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النّجوم في السماء، فأيّما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة» . ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني، والديلمي بلفظه، وفيه ضعيف، وعزاه الزركشي وابن حجر في «اللآلئ» لنصر المقدسي في «الحجة» مرفوعا، من غير

стр. 1591

......... بيان لسنده؛ ولا لصحابيّه، وعزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب «العلم والحكم» بغير بيان لسنده أيضا؛ بلفظ: «اختلاف أصحابي رحمة لأمّتي» وهو مرسل ضعيف. وبهذا اللفظ أيضا ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» بغير إسناد. وفي «المدخل» له عن القاسم بن محمد من قوله: اختلاف أصحاب محمد ﷺ رحمة لعباد الله. وفيه أيضا عن عمر بن عبد العزيز: أنّه كان يقول: ما سرّني لو أنّ أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة. وفيه أيضا عن يحيى بن سعيد أنه قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون؛ فيحلّل هذا ويحرّم هذا. فلا يعيب هذا على هذا. ثمّ قال في «المقاصد» أيضا: قرأت بخط شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر- أنّه حديث مشهور على الألسنة. وقد أورده ابن الحاجب في «المختصر» في مباحث القياس بلفظ: «اختلاف أمتي رحمة للناس» ، وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمّة أنّه لا أصل له، لكنّه ذكره الخطّابي في «غريب الحديث» مستطردا؛ فقال: اعترض هذا الحديث رجلان: أحدهما ماجن، والآخر ملحد؛ وهما إسحاق الموصلي، وعمرو بن بحر الجاحظ، وقالا: لو كان الاختلاف رحمة؛ لكان الاتفاق عذابا، ثمّ تشاغل الخطابي بردّ كلامهما، ولم يشف في عزو الحديث؛ لكنّه أشعر بأن له أصلا عنده. ثمّ قال الخطّابي: والاختلاف في الدّين ثلاثة أقسام: الأول: في إثبات الصانع ووحدانيّته، وإنكاره كفر. والثاني: في صفاته ومشيئته، وإنكارهما بدعة. والثالث: في أحكام الفروع المحتملة وجوها؛ فهذا جعله الله رحمة وكرامة للعلماء، وهو المراد بحديث: «اختلاف أمتي رحمة» انتهى.

стр. 1592

......... وقال النووي في «شرح مسلم» ج ١١ ص ٩٢: ولا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضدّه عذابا، ولا يلتزم هذا ولا يذكره إلّا جاهل أو متجاهل، وقد قال تعالى وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا [٧٣/ القصص] فسمّى اللّيل رحمة، ولا يلزم من ذلك أن يكون النهار عذابا انتهى. ومثله يقال: فيما رواه ابن أبي عاصم في «السنة» عن أنس مرفوعا: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» ، ورواه الترمذي عن ابن عمر بلفظ: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة» . ورواه أحمد، والطبراني في «الكبير» عن أبي نصر الغفاري في حديث رفعه: «سألت ربّي ألاتجتمع أمتي على ضلالة» . فقد قيل مفهومه: إن اختلاف هذه الأمة ليس رحمة ونعمة، لكن فيه ما تقدم نظيره عن النووي وغيره. وفي «الموضوعات» للعلامة ملا علي قاري: أن السيوطي قال- يعني في «الجامع الصغير» -: أخرجه نصر المقدسي في «الحجة» ، والبيهقي في «الرسالة الأشعرية» بغير سند، ورواه الحليمي والقاضي الحسين وإمام الحرمين وغيرهم، ولعلّه خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا!!. ثمّ قال السيوطي؛ عقب ذكره لكلام عمر بن عبد العزيز: وهذا يدلّ على أنّ المراد اختلافهم في الأحكام الفرعية، وقيل: في الحرف والصنائع، والأصحّ الأول، فقد أخرج الخطيب في رواة مالك؛ عن إسماعيل بن أبي المجالد قال: قال هارون الرشيد لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله؛ نكتب هذه الكتب- يعني مؤلفات الإمام مالك- ونفرّقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمّة؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمّة، كلّ يتبع ما صحّ عنده، وكل على هدى، وكلّ يريد الله تعالى. وفي «مسند الفردوس» عن ابن عباس مرفوعا: «اختلاف أصحابي لكم رحمة» . وذكر ابن سعد في «طبقاته» ؛ عن القاسم بن محمد أنه قال: كان

стр. 1593

......... اختلاف أصحاب محمد ﷺ رحمة للناس. وأخرجه أبو نعيم بلفظ: كان اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ رحمة لهؤلاء الناس. انتهى كلام «كشف الخفا ومزيل الإلباس» . وذكر في «شرح الإحياء» في كتاب العلم ج ١ ص ٢٠٥ بعضا مما نقلناه عن «كشف الخفاء» ، وزاد أنّه رواه أبو نصر السّجزي في «الإبانة» ؛ وقال: غريب، والخطيب، وابن عساكر في «تاريخهما» . وقال ابن السبكي في «تخريج أحاديث المنهاج» : هذا شيء لا أصل له. وقال والده: لم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع! انتهى. وقال ابن الملقّن في «تخريج أحاديث المنهاج» : لم أر من خرّجه مرفوعا بعد البحث الشديد عنه، وإنّما نقله ابن الأثير في مقدمة «جامعه» من قول مالك. انتهى كلام «شرح الإحياء» ملتقطا. وفي المناوي على «الجامع الصغير» : «اختلاف» افتعال من الخلف، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور؛ ذكره الحراني. «أمّتي» ؛ أي: مجتهدي أمتي في الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها، فالكلام في الاجتهاد في الأحكام؛ كما في «تفسير القاضي» قال: فالنهي مخصوص بالتفرّق في الأصول؛ لا الفروع. انتهى. قال السبكي: ولا شكّ أن الاختلاف في الأصول ضلال؛ وسبب كلّ فساد؛ كما أشار إليه القرآن. وأمّا ما ذهب إليه جمع؛ من أنّ المراد الاختلاف في الحرف والصنائع! فردّه السّبكي بأنّه كان المناسب على هذا أن يقال: اختلاف الناس رحمة؛ إذ لا خصوص للأمة بذلك، فإنّ كلّ الأمم مختلفون في الحرف والصنائع! فلا بدّ من خصوصية!!

стр. 1594

......... قال: وما ذكره إمام الحرمين في «النهاية» كالحليمي؛ من أنّ المراد اختلافهم في المناصب والدرجات والمراتب؛ فلا ينساق الذهن من لفظ «الاختلاف» إليه. «رحمة» للناس. كذا هو ثابت في رواية من عزا المصنف الحديث إليه، فسقطت اللفظة منه سهوا؛ أي: اختلافهم توسعة على الناس بجعل المذاهب كشرائع متعدّدة بعث النبيّ ﷺ بكلّها؛ لئلا تضيق بهم الأمور من إضافة الحقّ الذي فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم، ولم يكلّفوا ما لا طاقة لهم به توسعة في شريعتهم السمحة السهلة، فاختلاف المذاهب نعمة كبيرة، وفضيلة جسيمة، خصّت بها هذه الأمّة، فالمذاهب التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوّعها كشرائع متعددة، وقد وعد بوقوع ذلك فوقع، وهو من معجزاته ﷺ : أما الاختلاف في العقائد فضلال ووبال كما تقرّر، والحقّ ما عليه أهل السّنة والجماعة فقط. فالحديث إنّما هو في الاختلاف في الأحكام. و «رحمة» نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي عموما فيكفي في صحّته أن يحصل في الاختلاف رحمة ما في وقت مّا في حال مّا على وجه مّا. وأخرج البيهقي في «المدخل» عن القاسم بن محمد؛ أو عمر بن عبد العزيز: لا يسرّني أنّ أصحاب محمد؛ لم يختلفوا، لأنّهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة. ويدلّ لذلك ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: «أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فبأيّهم اقتديتم اهتديتم: واختلاف أصحابي لكم رحمة» . قال السّمهوديّ: واختلاف الصّحابة في فتيا اختلاف الأمّة. وما روي من أن مالكا لما أراده الرشيد على الذّهاب معه إلى العراق؛ وأن يحمل الناس على «الموطأ» كما حمل عثمان الناس على القرآن؟ فقال مالك: أمّا حمل الناس على «الموطأ» فلا سبيل إليه؛ لأن الصحابة ﵃ افترقوا بعد موته ﷺ في الأمصار، فحدّثوا، فعند أهل كلّ مصر علم، وقد قال ﷺ :

стр. 1595

......... «اختلاف أمتي رحمة» كالصّريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام، كما نقله ابن الصلاح؛ عن مالك من أنّه قال في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ : مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد. قال: وليس كما قال ناس: فيه توسعة على الأمّة بالاجتهاد إنّما هو بالنّسبة إلى المجتهد، لقوله: فعليك بالاجتهاد، فالمجتهد مكلّف بما أدّاه إليه اجتهاده؛ فلا توسعة عليهم في اختلافهم، وإنّما التوسعة على المقلّد، فقول الحديث «اختلاف أمّتي رحمة للناس» أي: لمقلديهم، ومساق قول مالك «مخطئ ومصيب ... الخ» إنّما هو الردّ على من قال: من كان أهلا للاجتهاد له تقليد الصحابة دون غيرهم. وفي «العقائد» لابن قدامة الحنبلي: «إن اختلاف الأئمة رحمة واتفاقهم حجة» . انتهى. فإن قلت: هذا كلّه لا يجامع نهي الله تعالى عن الاختلاف، بقوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [١٠٣/ آل عمران] وقوله تعالى وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [١٠٥/ آل عمران] ؟! الآية. قلت: هذه دسيسة ظهرت من بعض من في قلبه مرض، وقد قام بأعباء الردّ عليه جمع جمّ؛ منهم: ابن العربي وغيره بما منه أنّه إنما ذمّ كثرة الاختلاف على الرسل كفاحا، كما دلّ عليه خبر: «إنّما أهلك الّذين من قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم» . وأما هذه الأمّة! فمعاذ الله تعالى أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين؛ لأنه أوعد الّذين اختلفوا بعذاب عظيم. والمعترض موافق على أنّ اختلاف هذه الأمّة في الفروع مغفور لمن أخطأ منهم، فتعيّن أنّ الآية فيمن اختلف على الأنبياء؛ فلا تعارض بينها وبين الحديث. وفيه ردّ على المتعصبين لبعض الأئمة على بعض، وقد عمّت به البلوى وعظم به الخطب.

стр. 1596

......... قال الذهبي: وبين الأئمة اختلاف كثير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غلطات وزلفات، ومفردات منكرة، وإنما أمرنا باتباع أكثرهم صوابا، ونجزم بأنّ غرضهم ليس إلا اتّباع الكتاب والسّنة، وكلّ ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل. قال: وإذا رأيت فقيها خالف حديثا، أو ردّ حديثا، أو حرّف معناه، فلا تبادر لتغليطه؛ فقد قال عليّ كرّم الله وجهه- لمن قال له: أتظنّ أنّ طلحة والزّبير كانا على باطل!؟ -: يا هذا إنّه ملبوس عليك، وإن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله. وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعا في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكلّ على تعظيم الباري ﷻ ، وأنه ليس كمثله شيء، وأن ما شرعه رسوله حقّ، وأن كتابهم واحد، ونبيّهم واحد، وقبلتهم واحدة، وإنما وضعت المناظرة لكشف الحقّ، وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه، وتنبيه الأغفل الأضعف، فإن داخلها زهو من الأكمل، وانكسار من الأصغر! فذلك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن الله تعالى؛ فما الظّنّ بالنفوس الشريرة المنطقية. انتهى. ويجب علينا أن نعتقد أنّ الأئمة الأربعة والسّفيانين والأوزاعي وداود الظاهري وإسحاق بن راهواه وسائر الأئمة على هدى، ولا التفات لمن تكلّم فيهم بما هم بريئون منه. والصحيح- وفاقا للجمهور- أن المصيب في الفروع واحد، ولله تعالى فيما حكم عليه أمارة، وأنّ المجتهد كلّف بإصابته، وأن مخطئه لا يأثم؛ بل يؤجر، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر. نعم؛ إن قصّر المجتهد أثم اتفاقا، وعلى غير المجتهد أن يقلّد مذهبا معيّنا. وقضية جعل الحديث «الاختلاف رحمة» جواز الانتقال من مذهب لآخر. والصحيح عند الشافعية جوازه، لكن لا يجوز تقليد الصحابة وكذا التابعين- كما قاله إمام الحرمين- من كلّ من لم يدوّن مذهبه، فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والإفتاء، لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحرّرت؛ حتى ظهر تقييد مطلقها

стр. 1597

......... وتخصيص عامّها، بخلاف غيرهم؛ لانقراض أتباعهم. وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوامّ من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم. انتهى. نعم؛ يجوز لغير عامّي من الفقهاء المقلّدين تقليد غير الأربعة في العمل لنفسه؛ إن علم نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده. لكن بشرط ألايتتبع الرّخص بأن يأخذ من كلّ مذهب بالأسهل بحيث تنحلّ ربقة التكليف من عنقه. وإلا! لم يجز. خلافا لابن عبد السلام حيث أطلق جواز تتبّعها، وقد يحمل كلامه على ما إذا تتبّعها على وجه لا يصل إلى الانحلال المذكور. وقول ابن الحاجب كالآمدي «من عمل في مسألة بقول إمام ليس له العمل فيها بقول غيره اتفاقا» !! إن أراد به اتفاق الأصوليين، فلا يقضي على اتفاق الفقهاء والكلام فيه. وإلا! فهو مردود، أو مفروض فيما لو بقي من آثار العمل الأول ما يستلزم تركّب حقيقة لا يقول بها كلّ من الإمامين؛ كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس؛ والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة؛ فعلم أنّه إنما يمتنع تقليد الغير في تلك الواقعة نفسها، لا مثلها. كأن أفتي ببينونة زوجته بنحو تعليق فنكح أختها، ثم أفتي بأن لا بينونة ليس له الرجوع للأولى بغير إبانتها «١» . وكأن أخذ بشفعة جوار تقليدا للحنفي، ثم استحقت عليه فيمتنع تقليده للشافعي في تركها؛ لأنّ كلّا من الإمامين لا يقول به، فلو اشترى بعده عقارا وقلّد الإمام الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار لم يمنعه ما تقدّم من تقليده في ذلك، فله الامتناع من تسليم العقار الثاني، وإن قال الآمدي وابن الحاجب ومن على قدمهما- كالمحلّي- بالمنع في هذا، وعمومه في جميع صور

стр. 1598

......... ما وقع العمل به أوّلا؛ فهو ممنوع، وزعم الاتفاق عليه باطل. وحكى الزركشي أنّ القاضي أبا الطيّب أقيمت صلاة الجمعة فهمّ بالتكبير؛ فذرق عليه طير، فقال: أنا حنبلي، فأحرم، ولم يمنعه عمله بمذهبه من تقليد المخالف عند الحاجة!!. وممن جرى على ذلك السبكي فقال: المنتقل من مذهب لآخر له أحوال. الأول: أن يعتقد رجحان مذهب الغير، فيجوز عمله به! اتباعا للراجح في ظنّه. الثاني: ألايعتقد رجحان شيء، فيجوز. الثالث: أن يقصد بتقليده الرخصة فيما يحتاجه؛ لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته، فيجوز. الرابع: أن يقصد مجرّد الترخّص فيمتنع، لأنّه متبع لهواه؛ لا للدّين. الخامس: أن يكثر ذلك ويجعل اتباع الرّخص ديدنه، فيمتنع؛ لما ذكر ولزيادة فحشه. السادس: أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع! فيمتنع. السابع: أن يعمل بتقليد الأوّل كحنفيّ يدّعي شفعة جوار فيأخذها بمذهب الحنفيّ! فتستحق عليه؛ فيريد تقليد الإمام الشافعي، فيمتنع لخطئه في الأولى أو الثانية؛ وهو شخص واحد مكلّف. قال: وكلام الآمدي وابن الحاجب منزّل عليه. وسئل البلقيني عن التقليد في المسألة السريجيّة فقال: أنا لا أفتي بصحة الدور، لكن إذا قلّد من قال بعدم وقوع الطلاق كفى، لا يؤاخذه الله ؛ لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها؛ أي مع التقليد. وهو ذهاب منه إلى جواز تقليد المرجوح وتتبعه.

стр. 1599

......... قال بعضهم: ومحل ما مرّ من منع تتبّع الرّخص إذا لم يقصد به مصلحة دينيّة، وإلا! فلا منع؛ كبيع مال الغائب، فإن السبكيّ أفتى بأن الأولى تقليد الشافعي فيه، لاحتياج الناس غالبا في نحو مأكول ومشروب إليه، والأمر إذا ضاق اتسع. وعدم تكرير الفدية بتكرر المحرم اللّبس، فالأولى تقليد الشافعي لمالك فيه. كما أفتى به الأبشيطي رحمه الله تعالى. وذهب الحنفية إلى منع الانتقال مطلقا. قال في «فتح القدير» : المنتقل من مذهب لمذهب باجتهاد وبرهان آثم، عليه التعزير وبدونهما أولى. ثم حقيقة الانتقال إنما تتحقق في حكم مسألة خاصّة قلّد فيها وعمل بها، وإلا! فقوله «قلّدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل أو التزمت العمل به» على الإجمال وهو لا يعرف صورها! ليس حقيقة التقليد بل وعد به، أو تعليق له كأنّه التزم العمل بقوله فيما يقع له، فإذا أراد بهذا الالتزام؛ فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد بالزامه نفسه بذلك! قولا أو نيّة شرعا، بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما يحتاجه بقوله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) [الأنبياء] ، والمسؤول عنه إنّما يتحقّق عند وقوع الحادثة!!. قال: والغالب أنّ مثل هذه الالتزامات لكفّ الناس عن تتبّع الرّخص، إلا أنّ أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخفّ عليه، ولا يدرى ما يمنع هذا من النقل والعقل. انتهى. وذهب بعض المالكية إلى جواز الانتقال بشروط: ففي «التنقيح» للقرافي؛ عن الزناتي: التقليد يجوز بثلاثة شروط ١- ألايجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع؛ كمن تزوّج بلا صداق، ولا وليّ ولا شهود؛ فإنه لم يقل به أحد. و ٢- أن يعتقد في مقلّده الفضل، و ٣- ألايتتبع الرخص والمذاهب. وعن غيره: يجوز فيما لا ينقض فيه قضاء القاضي، وهو ما خالف الإجماع، أو القواعد الكليّة، أو القياس الجليّ.

стр. 1600

١١- «اخزن لسانك ... ونقل عن الحنابلة ما يدلّ للجواز. وقد انتقل جماعة من المذاهب الأربعة من مذهبه لغيره؛ منهم عبد العزيز بن عمران كان مالكيا؛ فلمّا قدم الإمام الشافعيّ- رحمه الله تعالى- مصر تفقّه عليه. وأبو ثور من مذهب الحنفيّ إلى مذهب الشافعيّ. وابن عبد الحكم من مذهب مالك إلى الشافعيّ، ثم عاد إلى مذهب مالك. وأبو جعفر بن نصر من الحنبليّ إلى الشافعيّ. والطحاويّ من الشافعيّ إلى الحنفيّ. والإمام السّمعاني من الحنفي إلى الشافعيّ. والخطيب البغدادي والآمدي وابن برهان من الحنبلي إلى الشافعيّ، وابن فارس صاحب «المجمل» من الشافعيّ إلى المالكيّ، وابن الدّهان من الحنبلي للحنفيّ؛ ثم تحول شافعيا. وابن دقيق العيد من المالكي إلى الشافعيّ، وأبو حيان من الظّاهريّ للشافعيّ! ذكره الإسنوي وغيره. وإنما أطلنا وخرجنا عن جادة الكتاب!! لشدّة الحاجة لذلك، وقد ذكر جمع أنه من المهمات التي يتعيّن اتقانها. انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى في شرح «الجامع الصغير» . ١١- ( «اخزن لسانك) ؛ أي: صنه واحفظه عن التكلم فيما لا يعنيك، فإن الكلام ترجمان يعبّر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر، ولا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على دفع شوارده، فحقّ على العاقل أن يحترز من زلله بالإمساك عنه، أو الإقلال منه. قال عليّ كرّم الله وجهه: اللسان معيار أطاشه الجهل، وأرجحه العقل.

стр. 1601

......... ولله درّ القائل: احفظ لسانك أيّها الإنسان ... لا يلدغنّك إنّه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشّجعان قال ابن الأعرابي: أمراض النفس قولية وفعلية، وتفاريع القولية كثيرة، لكن عللها وأدويتها محصورة في أمرين: الأول: ألاتتكلم إذا اشتهيت أن تتكلم. والآخر: ألاتتكلم إلا فيما إن سكتّ عنه عصيت، وإلّا! فلا، وإيّاك والكلام عند استحسان كلامك، فإن حالتئذ من أكبر الأمراض، وما له دواء إلّا الصمت، وقد نسب إلى الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى في آفات اللسان هذه المنظومة: تعلّم حفظ آفات اللّسان ... لتحظى بالأمان وبالأماني وخذها إنّها سبعون شيئا ... حكت في نظمها عقد الجمان فكفر والخطامع خوف كفر ... وكذب ثمّ سبّ في هوان وفحش غيبة ونميمة مع ... مراء والجدال وطعن جاني وسخرية وتعريض ولعن ... ونوح واشتغال بالأغاني مخاصمة وإفشاء لسرّ ... وخوض في محلّ بافتتان سؤال المال والدّنيا، نفاق ... بقول والكلام لدى الأذان سؤالك عن أغاليط وأيضا ... عوام النّاس عن صعب المعاني وتغليظ الكلام وأمر نكر ... ونهي العرف عن خطأ اللّسان سؤال عن عيوب النّاس أخذ ... لذي الوجهين في أمر الدّهان كلام حالة القرآن يتلى ... وبعد طلوع فجر للعيان وحالة خطبة وبمسجد مع ... دخول خلا لحاجات تعاني وفي حال الصّلاة وفي جماع ... وفتح القول عند كبير شان

стр. 1602

إلّا من خير» . وبالألقاب نبز مع يمين ... غموس أو بغير الله دان إخافة مؤمن وفضول قول ... وإكثار اليمين بلا توان على غير الدّعاء كأهل ظلم ... بدون صلاح حال كلّ آن سؤال إمارة ووصيّة مع ... تولّيه على دار وخان وردّ كلام متبوع وقطع ... لقول الغير شعر ذو امتهان تناجي اثنين مدح مع مزاح ... ونطق بالّذي هو غير عاني على النّفس الدّعاء وردّ عذر ... أتى بالرّأي تفسير القران سؤالك عن حلال أو طهور ... بغير محلّه قصد امتحان وسجع والفصاحة مع سلام ... على الذّمي وذي فسق مهان كذا متغوّط أو بائل مع ... كلام الأجنبيّة في مكان وإرشاد لنحو طريق سوء ... وإذن في المعاصي للمدان وآفات العبادات اللّواتي ... تعدّت والّتي قصرت لفان كذا الآفات ضمن معاملات ... وآفات السّكوت بلا بيان وقد تمّت بعون الله فاخلص ... لناظمها دعاءك بالجنان وقد ذكر الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» آفات اللّسان مفصّلة بما يشفي العليل فراجعها إن شئت. (إلّا من خير» ) كقراءة القرآن، وذكر الله تعالى، ومذاكرة العلم، والأمر بالمعروف، وذلك أن قول الخير خير من السكوت؛ لأن قول الخير ينتفع به من يسمعه، والصّمت لا يتعدّى نفعه. وهذا الحديث رواه الطبراني في «الصغير» ؛ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، وتمام الحديث: «فإنّك بذلك تغلب الشّيطان» وقد جاءت أحاديث كثيرة في التحذير من خطر اللّسان، ولا نجاة من خطره إلّا بالصّمت، فلذلك مدح الشرع الصمت وحثّ عليه؛ فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم

стр. 1603

١٢- «أخلص العمل ... من قوله: «من صمت نجا» رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو- بسند فيه ضعف- وقال: غريب، وهو عند الطبراني- بسند جيّد-. وروى الإمام أحمد والترمذيّ- وصححه- والنسائيّ وابن ماجه؛ عن عبد الله بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك؟ قال: «قل آمنت بالله ثمّ استقم» . قال: قلت فما أتقي؟ فأومأ بيده إلى لسانه. وهو عند مسلم دون آخر الحديث الذي فيه ذكر اللّسان. وأخرج الترمذي- وقال: حسن- عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» . وأخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «من يضمن لي ما بين لحييه أضمن له الجنّة» . وفي الحديث عنه ﷺ أنّه قال «من سرّه أن يسلم فليلزم الصّمت» . رواه ابن أبي الدّنيا في «الصمت» ، وأبو الشيخ في «فضائل الأعمال» ، والبيهقي في «الشعب» كلّهم من حديث أنس ﵁ بإسناد فيه ضعف-. وأخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رفعه قال: «إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلّها تكفّر اللّسان تقول: اتّق الله فينا، فإنّك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» . وروى ابن أبي الدنيا في «الصمت» ؛ من طريق وهيب بن الورد قال: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء؛ فتسعة منها في الصمت، والعاشر: عزلة الناس. ١٢- ( «أخلص) - بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجّمة، وكسر اللام- (العمل) ، الإخلاص الكامل: أن تعبد ربك امتثالا لأمره، وقياما بحقّ ربوبيته،

стр. 1604

يجزك منه القليل» . لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره، ولا للسلامة من عضّة الدّهر ونكبته؛ وذلك لأن الإخلاص ثلاث درجات: عليا: وهو أن يعمل العبد لله وحده! امتثالا لأمره وقياما بحق ربوبيّته. ووسطى: وهو أن يعمل لثواب الآخرة. ودنيا: وهو أن يعمل للإكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها. وما عدا هذه الثلاث المراتب؛ فهو من الرّياء، فإذا اخلصت العمل لله تعالى (يجزك منه) ؛ أي: من العمل الخالص لله (القليل» ) وتكون تجارتك رابحة، وفي «التوراة» : ما أريد به وجهي فقليله كثير، وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل. ومن كلامهم: لا تسع في إكثار الطاعة بل إخلاصها. وقال الغزالي: أقلّ طاعة سلمت من الرياء والعجب وقارنها الإخلاص يكون لها عند الله تعالى من القيامة ما لا نهاية له. وأكثر طاعة إذا أصابتها هذه الآفة لا قيمة لها، إلّا أن يتداركها الله تعالى بلطفه. قال ابن الكمال: الإخلاص- لغة-: ترك الرياء في الطاعة. واصطلاحا-: تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدّر لصفائه، وكلّ شيء تصوّر أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه فخلص منه سمّي خالصا. قال بعضهم: ولا شكّ أن كلّ من أتى بفعل اختياري فلا بدّ له فيه من غرض، فمهما كان الباعث واحدا سمّي الفعل الصادر عنه إخلاصا؛ فمن تصدّق وغرضه محض الرياء؛ فهو غير مخلص، ومن كان غرضه محض التقرّب إلى الله تعالى! فهو مخلص، لكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرّب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل، لكن خصّصته العادة

стр. 1605

١٣- «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ... بالميل عن الحقّ. ومن كان باعثه مجرّد الرّياء فهو معرّض للهلاك، فالإخلاص شرط لقبول كلّ طاعة، كما جاء عنه ﷺ أنه قال: «أخلصوا أعمالكم لله، فإنّ الله لا يقبل إلا ما خلص له» رواه الدارقطني عن الضحّاك بن قيس رضي الله تعالى عنه. قال المناوي: ولكلّ عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص، كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله؛ لا من العبد، وكإخلاص المجاهد بأن النّصر من الله؛ لا من العبد المجاهد، قال الله تعالى وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [١٢٦/ آل عمران] وكذا سائر الأعمال. انتهى كلام المناوي في «شرح الجامع» . وهذا الحديث أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس» ؛ من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه- وإسناده منقطع-، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الإخلاص» ، وابن أبي حاتم، والحاكم، وأبو نعيم في «الحلية» من حديث معاذ؛ قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قلت: أوصني، فقال: «أخلص دينك يكفك القليل من العمل» . وقال الحاكم: صحيح، وتعقّبه الذهبي. انتهى ذكره في «شرح الإحياء» . ١٣- ( «أدّ) - بفتح الهمزة، وكسر الدّال- وجوبا في الواجب، وندبا فيما تطلب فيه المعاونة من الأداء. قال الراغب: وهو دفع ما يجب دفعه وتوفيته؛ أي: أوصل. (الأمانة) وهي: كلّ حقّ لزمك أداؤه وحفظه، ومن قصرها على حقّ الحقّ أو حقّ الخلق! فقد قصّر. قال القرطبي: الأمانة تشمل أعدادا كثيرة، لكن أمهاتها: الوديعة، واللقطة، والرهن، والعاريّة. (إلى من ائتمنك) عليها، ولا مفهوم له؛ بل غالبيّ، فإنّ حفظها أثر كمال الإيمان، فإذا نقص نقصت الأمانة في الناس، وإذا زاد زادت. والمراد: من جعل لك الشرع على ماله يدا؛ فشمل ما إذا ألقت الريح ثوبا في بيتك، أو دخل فيه جائع. والمراد بأدائها: إيصالها إليه بالتخلية بينه وبينها؛

стр. 1606

ولا تخن من خانك» . فليست الأمانة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء؛ من أنّها الوديعة التي لم يضمنها ذو اليد إذا لم يقصر. وقال النووي: الظاهر أن المراد بالأمانة: التكليف الذي كلّف الله به عباده، والعهد الذي أخذه الله عليهم، وهي التي في قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ [٧٢/ الأحزاب] ... الآية. وفي «النهاية» الأمانة: تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان. وقال الفخر الرازيّ: قيل: هي التكليف، سمّي أمانة!! لأنّ من قصّر فعليه الغرامة، ومن وفّى فله الكرامة. وقيل: هي لا إله إلّا الله، وهو بعيد. فالأكوان ناطقة بأن الله واحد. وقيل: هي الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي حفظها، والأذن كذلك، وبقيّة الأعضاء. وقيل: هي معرفة الله تعالى. ولما كانت النفوس نزّاعة إلى الخيانة روّاغة عند مضائق الأمانة، وربّما تأوّلت جوازها مع من لم يلتزمها أعقبه بقوله: (ولا تخن من خانك» ) ؛ أي: لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك؛ فتكون مثله، وليس منها ما يأخذه الإنسان من مال من جحده حقّه إذ لا تعدّي فيه. أو المراد: إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته، وإن كان حسنا؛ أي: جائزا، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو، وادفع بالّتي هي أحسن، وهذا- كما قاله الطيبي- أحسن. وهذه مسألة تتكرّر على ألسنة الفقهاء ولهم فيها أقوال؛ الأول: لا تخن من خانك مطلقا، وهذا ظاهر الحديث. الثاني: خن من خانك! قاله الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك!! وأجابوا عن هذا الحديث بأنّه لم يثبت، أو المعنى: لا تأخذ منه أزيد من حقك، أو هو إرشاد إلى الأكمل كما مرّ، واحتجّوا بقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ

стр. 1607

......... فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [١٩٤/ البقرة] ، وبحديث هند وهو قوله ﷺ : «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف» . الثالث: إن كان ممّا ائتمنك عليه من خانك فلا تخنه، وإن كان ليس في يدك فخذ حقّك منه؛ قاله مالك. الرابع: إن كان من جنس حقّك فخذه، وإلّا فلا! قاله أبو حنيفة. قال ابن العربي: والصحيح منها جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه؛ أو غير جنسه إذا عدلت؛ لأنّ ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اضطررت. انتهى من الزرقاني على «المواهب» ، والمناوي على «الجامع» . وهذه المسألة تلقّب عند الفقهاء ب «مسألة الظّفر» . وتحرير القول فيها أنّ الحقّ إمّا أن يكون عينا؛ أو دينا؛ أو منفعة. ١- فالعين إن خشي من أخذها ممّن هي عنده ضررا؛ فلا بدّ فيها من الرفع إلى الحاكم؛ تحرزا عن الضّرر، وإلّا! فله أخذها استقلالا للضرورة. ٢- والدّين إن كان على غير ممتنع من أدائه طالبه به؛ فلا يأخذ شيئا له من غير مطالبة، ولو أخذه! لم يملكه، ويلزمه ردّه، فإن تلف؟ ضمنه، وإن كان على ممتنع من أدائه! ولو مقرّا؟ جاز له أخذ جنس حقه بصفته بطريق الظّفر. ويملكه بمجرّد الأخذ؛ فلا يحتاج إلى صيغة تملك، فإن تعذّر عليه الجنس المذكور؛ بأن وجد غير جنس حقّه، أو جنس حقّه بغير صفته؟ أخذه مقدّما النقد على غيره. ويبيعه مستقلّا كما يستقل بالأخذ؛ لما في الرفع إلى الحاكم من المؤنة والمشقّة وتضييع الزمان حيث لا حجّة له، وإلّا! فلا يبيع إلا بإذن الحاكم، ولا يبيعه إلّا بنقد البلد، فإن كان جنس حقّه! تملّكه، وإن كان غير جنس حقّه؟ اشترى به جنس حقّه ثمّ تملكه. ولا يأخذ فوق حقّه إن أمكن الاقتصار على حقّه، فإن لم يمكن؟ أخذ فوق

стр. 1608

......... حقّه، ولا تضمن الزيادة لعذره، وباع منه بقدر حقّه إن أمكن تجزّؤه، وإلّا! باع الكلّ وأخذ من ثمنه قدر حقّه، وردّ الباقي بصورة هبة ونحوها. وله أخذ مال غريم غريمه؛ إن لم يظفر بمال غريمه، وكان غريم الغريم ممتنعا أيضا. وله فعل ما لا يصل للمال إلّا به؛ ككسر باب ونقب جدار وقطع ثوب، ولا يضمن ما فوّته بذلك، ومحلّ ذلك إذا كان ما يفعل به ذلك ملكا للمدين؛ ولم يتعلق به حقّ لازم؛ كرهن وإجارة. وما ذكر في دين آدميّ. إمّا دين الله تعالى؟ كزكاة امتنع المالك من أدائها! فليس للمستحق الأخذ من ماله إذا ظفر به لتوقّفه على النيّة. ٣- والمنفعة إن كانت واردة على عين؛ فهي كالعين، فله استيفاؤها منها بنفسه إن لم يخش من ذلك ضررا، وإلّا! فلا بد من الرّفع إلى الحاكم. وإن كانت واردة على ذمّة؟ فهي كالدّين، فإن كانت على غير ممتنع طالبه بها، ولا يأخذ شيئا من ماله بغير مطالبة، وإن كانت على ممتنع؛ وقدر على تحصيلها بأخذ شيء من ماله؟ فله ذلك بشرطه. هذا تفصيل «مسألة الظّفر» في كتب الفقه الشافعي، والله أعلم. وهذا الحديث رواه البخاري في «التاريخ» ، وأبو داود والترمذيّ في «البيوع» ؛ من رواية شريك بن عبد الله النخعي، ومن رواية قيس بن الربيع: كلاهما عن أبي صالح السمان. ورواه الحارث بن أبي أسامة من رواية الحسن البصري: كلاهما- أي: الحسن البصري وأبي صالح السمان- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وأخرجه الدارمي في «مسنده» والحاكم! وقال: إنه صحيح على شرط

стр. 1609

١٤- «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» . مسلم، ولكن أعلّه ابن حزم، وكذا ابن القطان والبيهقي، وقال أبو حاتم: إنّه منكر؛ أي: ضعيف. وقال الإمام الشافعي: إنّه ليس بثابت عند أهله؛ أي: ضعيف. وقال الإمام أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبيّ ﷺ من وجه صحيح، ولعلّ كلام الإمام أحمد باعتبار ما وقف عليه! وإلّا؛ فليس في رواته وضّاع ولا كذّاب، ويحتمل أن يكون ليس مراد الإمام أحمد حقيقة البطلان بل الضعف، بدليل قوله لا أعرفه ... الخ. وقال ابن ماجه: له طرق ستّة كلّها ضعيفة. قال السخاوي: لكن بانضمامها يقوى الحديث. انتهى. أي: لأنّ تباين الطّرق وكثرتها يفيد قوّة؛ وأن للحديث أصلا. وقد رواه الدارقطني، والطبراني في «الكبير» و «الصغير» ؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ورجاله ثقات، وصحّحه الضياء في «المختارة» ورواه الطبراني في «الكبير» وابن عساكر والبيهقي من حديث أبي أمامة- بإسناد ضعيف-، والدارقطني عن أبيّ بن كعب بإسناد ضعيف، والطبراني أيضا عن رجل من الصحابة. فحديث أبي هريرة لا يقصر عن درجة الحسن، وقد صحّحه ابن السّكن. وسبب الحديث كما رواه إسحاق بن راهواه في «مسنده» أن رجلا زنى بامرأة آخر، ثمّ تمكّن الآخر من زوجة الزّاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار النبي ﷺ في الأمر ... فذكر الحديث؛ قاله الزرقاني على «المواهب» . ١٤- ( «أدّبني ربّي) ؛ أي: علّمني رياضة النّفس ومحاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة. (فأحسن تأديبي» ) بإفضاله عليّ بالعلوم الوهبيّة ممّا لم يقع نظيره لأحد من البريّة.

стр. 1610

......... قال بعضهم: أدّبه باداب العبوديّة، وهذّبه بمكارم أخلاق الربوبيّة؛ لما أراد إرساله ليكون ظاهر عبوديّته مرآة للعالم؛ كقوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته، وللصديقين في السير إليه؛ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [٣١/ آل عمران] . وقال القرطبي: حفظه الله من صغره، وتولّى تأديبه بنفسه، ولم يكله في شيء من ذلك لغيره، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كرّه إليه أحوال الجاهلية وحماه منها، فلم يجر عليه شيء منها، كلّ ذلك لطف به وعطف عليه، وجمع للمحاسن لديه. انتهى. وقال بعضهم: أدّب الله روح رسوله وربّاها في محل القرب قبل اتصالها ببدنه باللّطف والهيبة؛ فتكامل له الأنس باللّطف، والأدب بالهيبة، واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج من اتّصالها كمالات أخرى من القوّة إلى الفعل، وينال كلّ من الروح والبدن بواسطة الآخر من الكمال ما يليق بالحال، ويصير قدوة لأهل الكمال. والأدب: استعمال ما يحمد قولا وفعلا. أو الأخذ بمكارم الأخلاق. أو الوقوف مع المستحسنات، أو تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونه، وقيل: غير ذلك. والحديث المذكور رواه الإمام أبو سعد ابن السمعاني في كتاب «أدب الإملاء» عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله أدّبني فأحسن تأديبي، ثمّ أمرني بمكارم الأخلاق؛ فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) » [الأعراف] . قال السخاوي: سند هذا الحديث ضعيف جدّا، وإن اقتصر شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر- على الحكم عليه بالغرابة؛ في بعض «فتاويه» !!. ولكن معناه صحيح. ولذا جزم بحكايته ابن الأثير في خطبة «النهاية» وغيرها، ثمّ قال:

стр. 1611

١٥- «إذا أراد الله بعبد خيرا.. فقّهه في الدّين، ... وبالجملة فهو كما قال ابن تيمية: لا يعرف له إسناد ثابت. وقال السيوطي في «الدرر» : ضعّفه ابن السّمعاني وابن الجوزي، وصحّحه أبو الفضل ابن ناصر رحمهم الله تعالى، آمين. ١٥- ( «إذا أراد الله بعبد خيرا) كاملا (فقّهه في الدّين) ؛ أي: فهّمه الأحكام الشرعية بتصوّرها والحكم عليها، أو باستنباطها من أدلّتها، وكلّ ميسّر لما خلق له، هذا ما عليه الجمهور. وقال الغزالي: أراد العلم بالله وصفاته الّتي تنشأ عنها المعارف القلبيّة؛ لأنّ الفقه المتعارف؛ وإن عظم نفعه في الدّين؛ لكنّه يرجع إلى الظواهر الدينيّة، إذ غاية نظر الفقيه في الصّلاة مثلا الحكم بصحّتها عند توفّر الواجبات والمعتبرات. وفائدته: سقوط الطلب في الدنيا. وأما قبولها وترتّب الثواب فليس من تعقّله، بل يرجع إلى عمل القلب وما تلبّس به من نحو خشية ومراقبة، وحضور وعدم رياء ونحو ذلك؛ فهذا لا يكون أبدا إلا خالصا لوجه الله، فهو الّذي يصحّ كونه علامة على إرادة الخير بالعبد. وأما الفقهاء فهم في واد والمتزوّدون للآخرة بعلمهم في واد. ألا ترى إلى قول مجاهد «إنّما الفقيه من يخاف الله» ، وقول الحسن- لمن قال «قال الفقهاء» -: وهل رأيت فقيها؛ إنّما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة!! والفقه في المعرفة أشرف كلّ معلوم، لأن كلّ صفة من صفاته توجب أحوالا ينشأ عنها التلبّس بكلّ خلق سنيّ، وتجنّب كلّ خلق رديّ. فالعارفون أفضل الخلق، فهم بالإرادة أخلق وأحقّ. وأمّا تخصيص الفقه بمعرفة الفروع وعللها! فتصرّف حادث بعد الصدر الأول. انتهى؛ من المناوي على «الجامع» . وقال الحفني على «الجامع الصغير» : الظاهر أن المراد في هذا الحديث ونظيره بالفقه: العلم بالله تعالى وصفاته والتخلّق بمقتضى ما علم؛ إذ هذا هو الذي

стр. 1612

وزهّده في الدّنيا، وبصّره عيوبه» . ينفع القلب. وعلم الفقه المعلوم! وإن كان خيرا كبيرا! لا دخل له في تطهير القلب، إذ هو مجرد أحكام ووقائع. انتهى. (وزهّده) - بالتشديد-: صيّره زاهدا (في الدّنيا) ؛ أي: جعل قلبه معرضا عنها، مبغضا محقرا لها؛ رغبة به عنها، تكريما له، وتطهيرا عن أدناسها، ورفعة عن دناءتها. (وبصّره) - بالتشديد- (عيوبه» ) ؛ أي: عرّفه بها وأوضحها له؛ ليتجنّبها كأمراض القلب؛ من نحو حسد وحقد، وغلّ وغش، وكبر ورياء، ومداهنة وخيانة، وطول أمل وقسوة قلب، وعدم حياء وقلّة رحمة.. وأمثالها. وفيه دلالة على أنّ الزهد في الدنيا علامة إرادة الله الخير بعبده. قال الغزالي: والزهد فيها: أن تنقطع همّته عنها ويستقذرها ويستنكرها؛ فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة، والدنيا وإن كانت محبوبة مطلوبة للإنسان؛ لكن لمن وفّق التوفيق الخاصّ وبصّره الله بافاتها تصير عنده كالجيفة، وإنما يتعجّب من هذا الراغبون في الدنيا، العميان عن عيوبها وآفاتها، المغترّون بزخرفها وزينتها، ومثل ذلك: إنسان صنع حلوى من أغلى السكر وعجنها بسمّ قاتل، وأبصر ذلك رجل ولم يبصره آخر. ووضعه بينهما، فمن أبصر ما جعل فيه من السّمّ زهده، وغيره يغترّ بظاهره فيحرص عليه، ولا يصبر عنه؛ قاله المناوي على «الجامع» . والحديث رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وعن محمد بن كعب القرظي مرسلا، ورواه الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس أيضا، قال العراقي: وإسناده ضعيف جدّا، وقال غيره: واه؛ قاله المناوي على «الجامع» .

стр. 1613

١٦- «إذا أسأت.. فأحسن» . ١٧- «إذا لم تستح.. فاصنع ما شئت» . ١٦- ( «إذا أسأت) بفعل كبيرة، أو صغيرة، أو ما لا ينبغي مع شخص (فأحسن» ) - بفتح الهمزة- أي: بالتوبة في الأول، وبفعل ما يكفّر الصغيرة في الثاني، وبالاعتذار للشخص في الثالث. قاله الحفني على «الجامع» . وقال المناوي على «الجامع» ؛ أي: قابل الفعلة السّيّئة بخصلة حسنة، كأن تقابل الخشونة باللّين، والغضب بالكظم، والسّورة بالأناة، وقس عليه؛ ذكره الزمخشري، وشاهده إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [١١٤/ هود] . وهذا إشارة إلى أن الإنسان مجبول على الشهوات، ومقتضى البهيميّة والسبعيّة والملكيّة، فإذا ارتكب من تلك الرذائل رذيلة يطغيها بمقتضى الملكيّة: «أتبع السّيّئة الحسنة تمحها» . ومن البيّن أنّ الكبيرة لا يمحوها إلّا التوبة. قال الراغب: والحسنة يعبّر بها عن كلّ ما يسرّ من نعمة تنال المرء في نفسه وبدنه، والسيئة تضادّها، وهما من الألفاظ المشتركة؛ كالحيوان الواقع على أنواع مختلفة. انتهى. والحديث رواه الحاكم، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن ابن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال: أراد معاذ بن جبل سفرا فقال: يا رسول الله؛ أوصني ... فذكره. ورواه عنه أيضا الطبراني وغيره، وفي العزيزي: إنه حديث ضعيف. انتهى. والله أعلم. ١٧- ( «إذا لم تستح) - بحذف الياء المثناة التحتيّة، وإثباتها- ويكون الجازم حذف الياء الثانية؛ لأنه من «استحيا» ، والأول من «استحى» . (فاصنع ما شئت» ) الأمر للتهديد والتوبيخ؛ أي: إذا نزع منك الحياء وكنت لا تستحي من الله ولا تراقبه في فعل أوامره واجتناب نواهيه (فاصنع ما شئت» ) أي: ما تهواه نفسك من الرذائل، فإنّ الله مجازيك عليه، ونظيره قوله تعالى

стр. 1614

......... اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [٤٠/ فصلت] ، وقوله تعالى فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [١٥/ الزمر] فإذا ارتفع الحياء صنعت النفس ما تهوى، وأنشد بعضهم: إذا لم تخش عاقبة اللّيالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء وقال آخر: إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع أو الأمر للإباحة؛ أي: انظر إلى ما تريد أن تفعله، فإن كان ممّا لا يستحى من الله ومن الناس في فعله؛ فافعله، وإن كان ممّا يستحى من الله ومن الناس في فعله؛ فدعه. وعلى هذا مدار الأحكام من حيث إن الفعل إمّا أن يستحيا منه؛ وهو ١- الحرام و ٢- المكروه و ٣- خلاف الأولى، واجتنابها مشروع. أو لا يستحيا منه وهو ١- الواجب و ٢- المندوب، و ٣- المباح، وفعل الأوّلين مطلوب. والثالث جائز. والحياء- بالمدّ- لغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وقيل: انقباض وخشية يجدها الإنسان من نفسه عندما يطّلع منه على قبيح. واصطلاحا: خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ. وأمّا الحيا- بالقصر-! فيطلق على المطر، وعلى فرج الناقة. وقد صحّ أنه ﷺ قال: «الحياء خير كلّه؛ لا يأتي إلّا بخير» . وحكي أنّ رجلا رأى «١» النبيّ ﷺ فقال له: أنت قلت «الحيا خير كلّه» ؟ بالقصر- فقال: لا. ثمّ رآه ثانيا فسأله مثل ذلك؛ فقال: لا، فأخبر بذلك بعض

стр. 1615

......... العلماء، فقال: الحيا- بالقصر- فرج الناقة، والذي في الحديث- بالمدّ- فرآه الثالثة وسأله: وقال: أنت قلت: «الحياء خير كلّه» ؟. فقال: نعم. وينبغي أن يراعى فيه القانون الشرعي، فإنّ منه ما يذمّ كالحياء المانع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجود شروطه. فإن هذا جبن لا حياء، ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات الدّين إذا أشكلت عليه، ومن ثمّ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: نعم النّساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين، ولذا جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ وقالت: إنّ الله لا يستحي من الحقّ؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم؛ إذا رأت الماء» . وروى البيهقي عن الأصمعي أنه قال: من لم يتحمل ذلّ التّعلم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبدا. ومن لم يذق ذلّ التّعلّم ساعة ... تجرّع ذلّ الجهل طول حياته وروى أيضا عن عمر قال: لا تتعلّم العلم لثلاث، ولا تتركه لثلاث: لا تتعلم العلم لتماري به، ولا لترائي به، ولا لتباهي به. ولا تتركه حياء من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضا بجهالة. وروى الترمذي أنّه ﷺ قال: «استحيوا من الله حقّ الحياء» ، قالوا: إنّا نستحي والحمد لله!! فقال: «ليس ذلك، ولكنّ الاستحياء من الله حقّ الحياء: أن تحفظ الرّأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء» . وأهل المعرفة في ذلك يتفاوتون بحسب تفاوت أحوالهم، وقد جمع الله لنبيّه ﷺ كمال الحياء بنوعيه، فكان في الحياء الغريزيّ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وكان في الكسبيّ واصلا إلى أعلى غايته وذروتها، والله أعلم. والحديث المذكور رواه البخاريّ في ذكر بني إسرائيل عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه بلفظ:
следующие страницы →