١٥- «إذا أراد الله بعبد خيرا.. فقّهه في الدّين، ...
وبالجملة فهو كما قال ابن تيمية: لا يعرف له إسناد ثابت. وقال السيوطي في «الدرر» : ضعّفه ابن السّمعاني وابن الجوزي، وصحّحه أبو الفضل ابن ناصر رحمهم الله تعالى، آمين.
١٥- ( «إذا أراد الله بعبد خيرا) كاملا (فقّهه في الدّين) ؛ أي: فهّمه الأحكام الشرعية بتصوّرها والحكم عليها، أو باستنباطها من أدلّتها، وكلّ ميسّر لما خلق له، هذا ما عليه الجمهور.
وقال الغزالي: أراد العلم بالله وصفاته الّتي تنشأ عنها المعارف القلبيّة؛ لأنّ الفقه المتعارف؛ وإن عظم نفعه في الدّين؛ لكنّه يرجع إلى الظواهر الدينيّة، إذ غاية نظر الفقيه في الصّلاة مثلا الحكم بصحّتها عند توفّر الواجبات والمعتبرات.
وفائدته: سقوط الطلب في الدنيا. وأما قبولها وترتّب الثواب فليس من تعقّله، بل يرجع إلى عمل القلب وما تلبّس به من نحو خشية ومراقبة، وحضور وعدم رياء ونحو ذلك؛ فهذا لا يكون أبدا إلا خالصا لوجه الله، فهو الّذي يصحّ كونه علامة على إرادة الخير بالعبد.
وأما الفقهاء فهم في واد والمتزوّدون للآخرة بعلمهم في واد. ألا ترى إلى قول مجاهد «إنّما الفقيه من يخاف الله» ، وقول الحسن- لمن قال «قال الفقهاء» -:
وهل رأيت فقيها؛ إنّما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة!! والفقه في المعرفة أشرف كلّ معلوم، لأن كلّ صفة من صفاته توجب أحوالا ينشأ عنها التلبّس بكلّ خلق سنيّ، وتجنّب كلّ خلق رديّ.
فالعارفون أفضل الخلق، فهم بالإرادة أخلق وأحقّ. وأمّا تخصيص الفقه بمعرفة الفروع وعللها! فتصرّف حادث بعد الصدر الأول.
انتهى؛ من المناوي على «الجامع» .
وقال الحفني على «الجامع الصغير» : الظاهر أن المراد في هذا الحديث ونظيره بالفقه: العلم بالله تعالى وصفاته والتخلّق بمقتضى ما علم؛ إذ هذا هو الذي
стр. 1612
وزهّده في الدّنيا، وبصّره عيوبه» .
ينفع القلب. وعلم الفقه المعلوم! وإن كان خيرا كبيرا! لا دخل له في تطهير القلب، إذ هو مجرد أحكام ووقائع. انتهى.
(وزهّده) - بالتشديد-: صيّره زاهدا (في الدّنيا) ؛ أي: جعل قلبه معرضا عنها، مبغضا محقرا لها؛ رغبة به عنها، تكريما له، وتطهيرا عن أدناسها، ورفعة عن دناءتها.
(وبصّره) - بالتشديد- (عيوبه» ) ؛ أي: عرّفه بها وأوضحها له؛ ليتجنّبها كأمراض القلب؛ من نحو حسد وحقد، وغلّ وغش، وكبر ورياء، ومداهنة وخيانة، وطول أمل وقسوة قلب، وعدم حياء وقلّة رحمة.. وأمثالها.
وفيه دلالة على أنّ الزهد في الدنيا علامة إرادة الله الخير بعبده.
قال الغزالي: والزهد فيها: أن تنقطع همّته عنها ويستقذرها ويستنكرها؛ فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة، والدنيا وإن كانت محبوبة مطلوبة للإنسان؛ لكن لمن وفّق التوفيق الخاصّ وبصّره الله بافاتها تصير عنده كالجيفة، وإنما يتعجّب من هذا الراغبون في الدنيا، العميان عن عيوبها وآفاتها، المغترّون بزخرفها وزينتها، ومثل ذلك: إنسان صنع حلوى من أغلى السكر وعجنها بسمّ قاتل، وأبصر ذلك رجل ولم يبصره آخر. ووضعه بينهما، فمن أبصر ما جعل فيه من السّمّ زهده، وغيره يغترّ بظاهره فيحرص عليه، ولا يصبر عنه؛ قاله المناوي على «الجامع» .
والحديث رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وعن محمد بن كعب القرظي مرسلا، ورواه الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس أيضا، قال العراقي: وإسناده ضعيف جدّا، وقال غيره:
واه؛ قاله المناوي على «الجامع» .
стр. 1613
١٦- «إذا أسأت.. فأحسن» .
١٧- «إذا لم تستح.. فاصنع ما شئت» .
١٦- ( «إذا أسأت) بفعل كبيرة، أو صغيرة، أو ما لا ينبغي مع شخص (فأحسن» ) - بفتح الهمزة- أي: بالتوبة في الأول، وبفعل ما يكفّر الصغيرة في الثاني، وبالاعتذار للشخص في الثالث. قاله الحفني على «الجامع» .
وقال المناوي على «الجامع» ؛ أي: قابل الفعلة السّيّئة بخصلة حسنة، كأن تقابل الخشونة باللّين، والغضب بالكظم، والسّورة بالأناة، وقس عليه؛ ذكره الزمخشري، وشاهده إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [١١٤/ هود] .
وهذا إشارة إلى أن الإنسان مجبول على الشهوات، ومقتضى البهيميّة والسبعيّة والملكيّة، فإذا ارتكب من تلك الرذائل رذيلة يطغيها بمقتضى الملكيّة: «أتبع السّيّئة الحسنة تمحها» . ومن البيّن أنّ الكبيرة لا يمحوها إلّا التوبة.
قال الراغب: والحسنة يعبّر بها عن كلّ ما يسرّ من نعمة تنال المرء في نفسه وبدنه، والسيئة تضادّها، وهما من الألفاظ المشتركة؛ كالحيوان الواقع على أنواع مختلفة. انتهى.
والحديث رواه الحاكم، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن ابن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال: أراد معاذ بن جبل سفرا فقال: يا رسول الله؛ أوصني ... فذكره. ورواه عنه أيضا الطبراني وغيره، وفي العزيزي: إنه حديث ضعيف. انتهى. والله أعلم.
١٧- ( «إذا لم تستح) - بحذف الياء المثناة التحتيّة، وإثباتها- ويكون الجازم حذف الياء الثانية؛ لأنه من «استحيا» ، والأول من «استحى» .
(فاصنع ما شئت» ) الأمر للتهديد والتوبيخ؛ أي: إذا نزع منك الحياء وكنت لا تستحي من الله ولا تراقبه في فعل أوامره واجتناب نواهيه (فاصنع ما شئت» ) أي: ما تهواه نفسك من الرذائل، فإنّ الله مجازيك عليه، ونظيره قوله تعالى
стр. 1614
.........
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [٤٠/ فصلت] ، وقوله تعالى فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [١٥/ الزمر] فإذا ارتفع الحياء صنعت النفس ما تهوى، وأنشد بعضهم:
إذا لم تخش عاقبة اللّيالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
وقال آخر:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع
أو الأمر للإباحة؛ أي: انظر إلى ما تريد أن تفعله، فإن كان ممّا لا يستحى من الله ومن الناس في فعله؛ فافعله، وإن كان ممّا يستحى من الله ومن الناس في فعله؛ فدعه.
وعلى هذا مدار الأحكام من حيث إن الفعل إمّا أن يستحيا منه؛ وهو ١- الحرام و ٢- المكروه و ٣- خلاف الأولى، واجتنابها مشروع. أو لا يستحيا منه وهو ١- الواجب و ٢- المندوب، و ٣- المباح، وفعل الأوّلين مطلوب. والثالث جائز.
والحياء- بالمدّ- لغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به.
وقيل: انقباض وخشية يجدها الإنسان من نفسه عندما يطّلع منه على قبيح.
واصطلاحا: خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ.
وأمّا الحيا- بالقصر-! فيطلق على المطر، وعلى فرج الناقة.
وقد صحّ أنه ﷺ قال: «الحياء خير كلّه؛ لا يأتي إلّا بخير» .
وحكي أنّ رجلا رأى «١» النبيّ ﷺ فقال له: أنت قلت «الحيا خير كلّه» ؟
بالقصر- فقال: لا. ثمّ رآه ثانيا فسأله مثل ذلك؛ فقال: لا، فأخبر بذلك بعض
стр. 1615
.........
العلماء، فقال: الحيا- بالقصر- فرج الناقة، والذي في الحديث- بالمدّ- فرآه الثالثة وسأله: وقال: أنت قلت: «الحياء خير كلّه» ؟. فقال: نعم.
وينبغي أن يراعى فيه القانون الشرعي، فإنّ منه ما يذمّ كالحياء المانع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجود شروطه. فإن هذا جبن لا حياء، ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات الدّين إذا أشكلت عليه، ومن ثمّ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: نعم النّساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين، ولذا جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ وقالت: إنّ الله لا يستحي من الحقّ؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم؛ إذا رأت الماء» . وروى البيهقي عن الأصمعي أنه قال: من لم يتحمل ذلّ التّعلم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبدا.
ومن لم يذق ذلّ التّعلّم ساعة ... تجرّع ذلّ الجهل طول حياته
وروى أيضا عن عمر قال: لا تتعلّم العلم لثلاث، ولا تتركه لثلاث: لا تتعلم العلم لتماري به، ولا لترائي به، ولا لتباهي به. ولا تتركه حياء من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضا بجهالة.
وروى الترمذي أنّه ﷺ قال: «استحيوا من الله حقّ الحياء» ، قالوا: إنّا نستحي والحمد لله!! فقال: «ليس ذلك، ولكنّ الاستحياء من الله حقّ الحياء: أن تحفظ الرّأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء» .
وأهل المعرفة في ذلك يتفاوتون بحسب تفاوت أحوالهم، وقد جمع الله لنبيّه ﷺ كمال الحياء بنوعيه، فكان في الحياء الغريزيّ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وكان في الكسبيّ واصلا إلى أعلى غايته وذروتها، والله أعلم.
والحديث المذكور رواه البخاريّ في ذكر بني إسرائيل عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه بلفظ:
стр. 1616
.........
«إنّ ممّا أدرك الناس من كلام النّبوّة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه؛ عن أبي مسعود المذكور بلفظ:
«آخر ما أدرك الناس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
وكذا رواه ابن عساكر عن أبي مسعود أيضا.
وكذا رواه الإمام أحمد عن حذيفة لكن بلفظ: «إنّ ممّا أدرك الناس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
ورواه الطبراني في «الأوسط» عن أبي الطّفيل مرفوعا بلفظ: «كان يقال إنّ ممّا أدرك النّاس ... » الحديث، ورواه ابن عدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكذا الدمياطي عنه، وقال غريب.
انتهى ذكره العجلوني رحمه الله تعالى في «كشف الخفا» .
تنبيه: حكي أنّ بعضهم وافى البصرة نحو شعبة يسمع منه ويكثر، فصادف المجلس قد انقضى؛ وانصرف شعبة إلى منزله، فحمله السرف إلى أن سأل عن منزل شعبة؛ فأرشد إليه، فجاء فوجد الباب مفتوحا فدخل من غير استئذان، فوجد شعبة جالسا على البالوعة يبول، فقال: السلام عليكم؛ رجل غريب قدمت من بلدة بعيدة لتحدّثني بحديث رسول الله ﷺ ! فأعظم شعبة ذلك، فقال: يا هذا؛ دخلت منزلي بغير إذني، وتكلّمني على مثل هذه الحال!!. فقال: إني خشيت الفوت. فقال: تأخّر عنّي حتى أصلح من شأني، فلم يفعل واستمر في إلحاح، قال: وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرئ. فلما أكثر قال:
اكتب: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعيّ بن حراش، عن أبي مسعود البدري ﵁؛ عن رسول الله ﷺ قال: «إن ممّا أدرك الناس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . ثم قال:
والله؛ لا أحدّثك بعد هذا الحديث، ولا حدّثت قوما تكون فيهم. والله أعلم.
стр. 1617
١٨- «إذا نزل القضاء.. عمي البصر» .
١٨- ( «إذا نزل القضاء) ؛ أي: المقضيّ (عمي البصر) ؛ أي: غطّي عنه نور العقل حتّى لا يرى بنوره المنافع فيطلبها، ولا المضارّ فيجتنبها، فهو محجوب بحجاب القدرة مع بقاء صورته، فكم من متردّ في مهلكة وهو يبصرها، ومفوّت منفعة في دينه أو دنياه وهو مشرف عليها. قال تعالى وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) [الأعراف] ومنه علم: أن العبد لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا، وأنّه لا رادّ لقضائه بالنقض، ولا معقّب لحكمه بالرّد.
وهذا الحديث رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وأخرجه البيهقي من قول ابن عباس بلفظ: إنّ القدر إذا جاء حال دون البصر.
قاله جوابا عن قول نافع بن الأزرق في معناه «أرأيت الهدهد كيف يجيء فينقر الأرض فيصيب موضع الماء، ويجيء إلى الفخّ؛ وهو لا يبصره حتى يقع في عنقه» ؟!
ورواه الترمذي بلفظ: «إذا جاء القدر عمي البصر، وإذا جاء الحين غطّى العين» . ورواه ابن أبي شيبة والحاكم- وصححه- من طرق عن ابن عباس أنّه قيل له: كيف تفقّد سليمان الهدهد من بين الطّير؛ قال: إنّ سليمان نزل منزلا فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدلّ سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه فتفقّده.
قيل: «كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخّ، ويلقى عليه التراب، ويضع له الصبيّ الحبالة؛ فيغيّبها فيصيده» ؟! فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر.
وفي رواية سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك: أنّ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ذكر يوما الهدهد، فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض.
فقال نافع بن الأزرق: قف.. قف يا ابن عباس، كيف تزعم أنّ الهدهد يرى الماء من تحت الأرض؛ وهو ينصب له الفخّ فيذر عليه التراب فيصاد؟!
стр. 1618
١٩- «ارحموا ترحموا» .
فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: كذا وكذا، لم أقل له شيئا! إنّ البصر ينفع ما لم يأت القدر؛ فإذا جاء القدر حال دون البصر. فقال ابن الأزرق:
لا أجادلك بعدها في شيء. وأنشد غلام ثعلب لنفسه:
إذا أراد الله أمرا بامرئ ... وكان ذا رأي وعقل وبصر
وحيلة يعملها في كلّ ما ... يأتي به محتوم أسباب القدر
أغواه بالجهل وأعمى عينه ... فسلّه عن عقله سلّ الشّعر
حتّى إذا أنفذ فيه حكمه ... ردّ عليه عقله ليعتبر
وهذا الشعر تضمّن معنى حديث: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتّى ينفذ فيهم قضاؤه وقدره، فإذا مضى أمره؛ ردّ إليهم عقولهم ووقعت النّدامة» .
رواه الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس وعليّ رضي الله تعالى عنهما.
وقال في «الدرر» : رواه الديلمي والخطيب؛ عن ابن عباس بسند ضعيف.
وقال في «المقاصد» : رواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» ، ومن طريقه الديلمي في «مسنده» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا، وكذا الخطيب وغيره بسند فيه لا حق بن حسين كذّاب وضّاع؛ بلفظ: «إنّ الله إذا أحبّ إنفاذ أمر سلب ذوي العقول عقولهم» . انتهى من «كشف الخفا» للعجلوني.
وفي «الميزان» : إنه خبر منكر؛ أي: لأن فيه سعيد بن سماك بن حرب متروك كذّاب؛ ذكره المناوي.
١٩- ( «ارحموا) من في الأرض (ترحموا» ) - بضمّ أوله، مبنيا للمجهول- أي: يرحمكم الله سبحانه لأنّ الرحمة من صفات الحقّ الّتي شمل بها عباده، فلذا كانت أعلى ما اتّصفت بها البشر، فندب إليها الشارع في كلّ شيء، حتّى في قتال الكفّار والذّبح وإقامة الحجج وغير ذلك.
стр. 1619
٢٠- «ازهد في الدّنيا.. يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس.. يحبّك النّاس» .
وتمام الحديث: «واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرّين الّذين يصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون»
أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري في «الأدب» . والبيهقي في «شعب الإيمان» والطبراني بسند جيّد؛ كما قال المنذري والعراقي.
وقال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير حبان بن زيد الشرعبي وثّقه ابن حبان؛ قاله المناوي.
وقوله: «لأقماع القول» : - بفتح الهمزة جمع قمع؛ بكسر القاف وفتح الميم كضلع-: وهو الإناء الذي ينزل في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات، ومنه ويل لأقماع القول شبّه أسماع الّذين يستمعون القول؛ ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع الّتي لا تعي شيئا ممّا يفرغ فيها، فكأنه يمرّ عليها مجتازا كما يمرّ الشراب في الأقماع!! والله أعلم.
٢٠- ( «ازهد) من الزّهد- بضم أوله وقد تفتح-، وهو- لغة-: الإعراض عن الشيء احتقارا له، وشرعا-: الاقتصار على قدر الضّرورة من المال المتيقّن الحلّ فهو أخصّ من الورع؛ إذ هو ترك الحرام والمشتبه. (في الدّنيا) باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها لتحذير الله تعالى منها؛ أي: أعرض عنها بقلبك ولا تحصّل منها إلّا ما تحتاج إليه، فإنّك إن فعلت ذلك (يحبّك) - بفتح الباء المشددة- (الله) تعالى لكونك أعرضت عمّا أعرض عنه؛ ولم ينظر إليه منذ خلقه، ولأنّ الله تعالى يحبّ من أطاعه، وطاعته تعالى لا تجتمع مع محبة الدّنيا، كما دلّت عليه النصوص والتجربة والتواتر؛ لأنّ «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة» ، والله لا يحبّ الخطايا ولا أهلها.
(وازهد فيما في أيدي النّاس) ؛ أي: فيما عندهم من الدنيا (يحبّك) - بفتح الموحدة المشددة- (النّاس» ) لأنّ قلوبهم مجبولة على حبّها مطبوعة عليها.
стр. 1620
.........
ومن نازع إنسانا في محبوبه كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه أحبّه واصطفاه.
ولهذا قال الحسن البصري: لا يزال الرجل كريما على الناس حتى يطمع في دنياهم؛ فيستخفّون به ويكرهون حديثه.
وقيل لبعض أهل البصرة: من سيّدكم؟ قالوا: الحسن البصري، قيل: بم سادكم؟ قال: احتجنا لعلمه، واستغنى عن دنيانا. انتهى.
وقال النووي في «شرح الأربعين» قوله: «ازهد في الدنيا.. الخ» الزّهد:
ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا؛ وإن كان حلالا، والاقتصار على الكفاية.
والورع: ترك الشبهات. قالوا: وأعقل الناس الزهاد؛ لأنّهم أحبوا ما أحبّ الله، وكرهوا ما كره الله تعالى من جمع الدنيا، واستعملوا الراحة لأنفسهم.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو «أوصي لأعقل الناس» ! صرف إلى الزّهاد.
ولبعضهم:
كن زاهدا فيما حوت أيدي الورى ... تضحى إلى كلّ الأنام حبيبا
أو ما ترى الخطّاف حرّم زادهم ... فغدا رئيسا في الجحور قريبا
وللشافعي رضي الله تعالى عنه في ذمّ الدّنيا:
ومن يذق الدّنيا فإنّي طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلّا غرورا وباطلا ... كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلّا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فدع عنك فضلات الأمور فإنّها ... حرام على نفس التّقيّ ارتكابها
قوله: «حرام على نفس التقي ارتكابها» يدلّ على تحريم الفرح بالدّنيا، وقد صرّح بذلك البغوي في تفسير قوله تعالى وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا [٢٦/ الرعد] .
стр. 1621
.........
ثمّ المراد بالدنيا المذمومة: طلب الزّائد على الكفاية، أمّا طلب الكفاية! فواجب.
قال بعضهم: وليس ذلك من الدنيا. وأمّا الدنيا فالزائدة على الكفاية، واستدلّ بقوله تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ [١٤/ آل عمران] ... الآية، فقوله تعالى ذلك إشارة إلى ما تقدم من طلب التوسع والتبسط.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: طلب الزائد من الحلال عقوبة ابتلى الله بها أهل التوحيد. ولبعضهم:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ... إلّا الّتي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه ... وإن بناها بشرّ خاب بانيها
النّفس ترغب في الدّنيا وقد علمت ... أنّ الزّهادة فيها ترك ما فيها
فاغرس أصول التّقى ما دمت مجتهدا واعلم بأنّك بعد الموت لاقيها ثمّ بعد ذلك إذا فرح بها لأجل المباهاة والتفاخر والتطاول على الناس؛ فهو مذموم، ومن فرح بها لكونها من فضل الله تعالى؛ فهو محمود.
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اللهم لا نفرح إلّا بما رزقتنا.
انتهى كلام النووي ملخصا.
والحديث!! قال السخاوي وغيره: رواه ابن ماجه، والطبراني في «الكبير» ، والحاكم، وابن حبان، وأبو نعيم والبيهقي وآخرون؛ من حديث خالد بن عمر القرشي، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه أنّه قال:
جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ دلّني على عمل إذا عملته أحبّني الله وأحبّني الناس!! فقال: «ازهد ... » وذكر الحديث.
وحسّنه الترمذي، وتبعه النّوويّ، وصحّحه الحاكم، وتعقّبه الذّهبي؛ بأن فيه خالد بن عمر وضّاع، ومحمد بن كثير المصيصي ضعّفه أحمد.
стр. 1622
٢١- «استعينوا على الحاجات بالكتمان؛ فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» .
وقال المنذري عقب عزوه لابن ماجه: وقد حسّن بعض مشايخنا إسناده! وفيه بعد، لأنّه من رواية خالد القرشي وقد ترك واتّهم!!.
قال: لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النّبوّة، ولا يمنع كونه من رواية الضعفاء أن يكون النبي ﷺ قاله. انتهى.
وقال السخاوي: فيه خالد هذا مجمع على تركه، بل نسبوه إلى الوضع.
قال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات.
وقال ابن عدي: خالد وضع هذا الحديث. وقال العقيلي: لا أصل له.
لكن رواه غير الحاكم عن الثوري، وأخرجه أبو نعيم من طريق مجاهد عن أنس مرفوعا، لكن في سماع مجاهد من أنس نظر!! وقد رواه الثقات فلم يجاوزوا به مجاهدا، وكذا يروى عن الربيع بن خثيم رفعه مرسلا.
وبالجملة فقد حسّن الحديث النووي؛ ثم العراقي، وكلام شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر- ينازع فيه كما بيّنته في تخريج «الأربعين» . انتهى.
وقال ابن حجر الهيتمي في «شرح الأربعين» : التحسين إنّما جاء باعتبار تعدد الطّرق، فهو حسن لغيره؛ لا لذاته، وهو أحد الأحاديث الأربعة الّتي عليها مدار الإسلام. انتهى.
٢١- ( «استعينوا على) قضاء (الحاجات بالكتمان) - بكسر الكاف- أي:
إخفائها عن الغير قبل الشروع فيها مستعينين بالله على الظّفر بها، فالكتمان؛ وإن كان سببا عاديّا لقضائها؛ لكنّه في الحقيقة لله تعالى.
وعلّل طلب الكتمان بقوله: (فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» ) يعني: إن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم فعارضوكم في مرامكم.
стр. 1623
.........
قال السخاوي وغيره: والأحاديث الواردة في التحدث بالنّعم محمولة على ما بعد وقوعها؛ فلا تعارض هذا!!
نعم إن ترتب على التّحدث بها حسد فالكتمان أولى. انتهى.
وأخذ من الحديث أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمر إخفاء التحاور فيه؛ والاجتهاد في طيّ سرّهم.
قال الشافعي: من كتم سرّه كانت الخيرة في يده. قال: وروي لنا عن عمرو بن العاصي أنّه قال: ما أفشيت إلى أحد سرّا فأفشاه فلمته، لأنّي كنت أضيق منه سرّا.
وقال بعض الحكماء: من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه، وكم من إظهار سرّ أراق دم صاحبه ومنع من بلوغ مأربه!! ولو كتمه كان من سطواته آمنا! ومن عواقبه سالما، وبنجاح حوائجه فائزا!
وقال بعضهم: سرّك من دمك، فإذا تكلّمت فقد أرقته.
وقال أنوشروان: من حصّن سرّه فله بتحصينه خصلتان: الظّفر بحاجته، والسّلامة من السّطوات.
وفي «منثور الحكم» : انفرد بسرّك، ولا تودعه حازما فيزول، ولا جاهلا فيحول؛ لكن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق ومشورة ناصح فيتحرّى له من يأتمنه عليه ويستودعه إيّاه؛ فليس كلّ من كان على الأموال أمينا كان على الأسرار أمينا، والعفّة عن الأموال أيسر من العفّة عن إذاعة الأسرار.
قال الراغب: إذاعة السّرّ من قلّة الصّبر وضيق الصّدر، ويوصف به ضعفة الرجال والنساء، والسبب في صعوبة كتمان السّر أنّ للإنسان قوّتين: آخذة؛ ومعطية، وكلتاهما تتشوّف إلى الفعل المختصّ بها، ولولا أنّ الله وكّل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه القوّة تتشوّف إلى
стр. 1624
٢٢- «استعينوا على كلّ صنعة بأهلها» .
فعلها الخاصّ بها، فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلّا حيث يجب إطلاقها.
انتهى.
مناوي على «الجامع» ، وزرقاني على «المواهب» .
والحديث أخرجه الطبراني في «معاجمه» الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه، لكن بلفظ: «استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان» ... والباقي سواء.
وكذا أخرج الحديث البيهقيّ في «الشعب» ، وأبو نعيم وابن أبي الدنيا والعسكري والقضاعي وابن عديّ: كلّهم؛ عن معاذ بن جبل وفيه عند الجميع سعيد بن سلّام العطار كذّبه أحمد وغيره، وقال البخاري: يذكر بوضع الحديث، وقال فيه العجلي: لا بأس به.
ولكن أخرجه العسكري أيضا من غير طريقه بسند ضعيف مع انقطاعه بلفظ:
«استعينوا على طلب حوائجكم بالكتمان لها، فإنّ لكلّ نعمة حسدة، ولو أنّ امرأ كان أقوم من قدح لكان له من الناس غامز» .
ويستأنس له بما أخرجه الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس مرفوعا: «إنّ لأهل النّعم حسّادا فاحذروهم» .
وفي الباب عن جماعة منهم عمر؛ عند الخرائطي، وابن عباس؛ عند الخطيب، وعلي بن أبي طالب؛ عند الخلعي، فلا يسوغ دعوى وضعه كما صنع ابن الجوزي، وقد جزم الحافظ العراقي بأنه ضعيف فقط. انتهى من الزرقاني.
لكن قال العلامة الحفني في حاشية «الجامع الصغير» : الجمهور على أن هذا الحديث موضوع، والله أعلم.
٢٢- ( «استعينوا على كلّ صنعة بأهلها» ) ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز الحاكم، وذكره في «كشف الخفا» بلفظ: «استعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلها» ، وقال: قال في «الأصل» : قد يستأنس له بقوله ﷺ : «ما كان من أمر دنياكم فإليكم» .
стр. 1625
٢٣- «استفت قلبك وإن أفتاك النّاس وأفتوك» .
وقال في «التمييز» : ويشهد له ما ثبت في «سنن أبي داود» عن سعد قال:
مرضت مرضا فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثدييّ حتّى وجدت بردها على فؤادي، وقال لي: «إنّك رجل مفؤد فأت الحارث بن كلدة من ثقيف، فإنّه رجل يطبّ ... » الحديث.
٢٣- ( «استفت قلبك) ؛ أي: اطلب الفتوى من قلبك، وعوّل على ما فيه؛ لأنّ للنفس شعورا من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته فيه وما تذمّ؛ فيطمئن القلب للعمل الصالح طمأنينة تبشّره بأمن العاقبة، ولا يطمئنّ للإثم بل يورثه نفرة وتندّما وحزازة؛ لأن الشرع لا يقرّ عليه، وفي رواية: «استفت نفسك» (وإن) غاية لمقدّر دلّ عليه ما قبله، أي: فالتزم العمل بما في قلبك وإن (أفتاك النّاس) ؛ أي: علماؤهم كما في رواية: وإن أفتاك المفتون (وأفتوك» ) بخلافه، فرّخصوا لك فيه، لأنهم إنما يطّلعون على الظّواهر لا السّرائر.
والجمع للتأكيد!! كما في قوله تعالى فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ [١٧/ الطارق] فأتى بالثاني تأكيدا للأول، قال النووي في «شرح الأربعين» مثاله: الهدية إذا جاءتك من شخص غالب ماله حرام وتردّدت النفس في حلّها وأفتاك المفتي بحلّ الأكل، فإن الفتوى لا تزيل الشّبهة، وكذلك إذا أخبرته امرأة بأنه ارتضع مع فلانة، فإن المفتي إذا أفتاه بجواز نكاحها لعدم استكمال النّصاب لا تكون الفتوى مزيلة للشبهة، بل ينبغي الورع؛ وإن أفتاه الناس.
لكن قال المناوي: قال حجة الإسلام الغزالي: ولم يردّ كلّ أحد لفتوى نفسه، وإنّما ذلك ل «وابصة» في واقعة تخصّه. انتهى.
قال البعض: وبفرض العموم؛ فالكلام فيمن شرح الله صدره بنور اليقين فأفتاه غيره بمجرّد حدس أو ميل من غير دليل شرعي، وإلّا! لزمه اتباعه، وإن لم ينشرح له صدره. انتهى.
стр. 1626
.........
وبما بحثه صرّح حجّة الإسلام، لكن بزيادة بيان وإحسان، فقال ما محصوله:
ليس للمجتهد أو المقلّد إلّا الحكم بما يقع له أو لمقلّده. ثمّ يقال للورع:
استفت قلبك وإن أفتوك، إذ للإثم حزازات في القلوب، فإذا وجد قابض مال في نفسه شيئا منه؛ فليتّق الله، ولا يترخّص تعلّلا بالفتوى من علماء الظاهر، فإن لفتاويهم قيودا من الضّرورات، وفيها تخمينات واقتحام شبهات، والتّوقي عنها من شيم ذوي الدّين وعادات السالكين لطريق الآخرة. انتهى كلام المناوي.
والحديث المذكور رواه الإمام أحمد ابن حنبل والدارمي في «مسنديهما» بإسناد حسن، ورواه أبو يعلى وأبو نعيم والطبراني مرفوعا؛ كلّهم عن وابصة بن معبد الأسدي رضي الله تعالى عنه قال:
أتيت رسول الله ﷺ وأنا لا أريد أن أدع شيئا من البّر والإثم إلا سألت عنه، فقال لي: «ادن يا وابصة» . فدنوت منه حتى مسّت ركبتي ركبته، فقال: «يا وابصة؛ أخبرك بما جئت تسأل عنه، أو تسألني عنه؟» قلت: يا رسول الله، أخبرني، قال: «جئت تسأل عن البّر والإثم» . فقلت: نعم، قال: فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري؛ ويقول: «يا وابصة؛ استفت نفسك، البّرّ ما اطمأنّت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردّد في الصدر؛ وإن أفتاك الناس وأفتوك» . قال النووي: حديث حسن.
قال العلّامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: وفي جوابه ﷺ لوابصة بهذا إشارة إلى متانة فهمه وقوّة ذكائه وتنوير قلبه؛ لأنّه ﷺ أحاله على الإدراك القلبيّ، وعلم أنّه يدرك ذلك من نفسه، إذ لا يدرك ذلك إلّا من هو كذلك.
وأما الغليظ الطبع الضعيف الإدراك! فلا يجاب بذلك، لأنّه لا يتحصّل منه على شيء، وإنما يفصّل له ما يحتاج إليه من الأوامر والنواهي الشرعية.
وهذا من جميل عاداته ﷺ مع أصحابه، فإنه ﷺ كان يخاطبهم على قدر
стр. 1627
٢٤- «أسلم.. تسلم» .
عقولهم، ومن ثمّ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أمر رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. انتهى.
قال في «كشف الخفا ومزيل الإلباس» : وفي الباب عن النّواس وواثلة وغيرهما رضي الله تعالى عنهم. انتهى.
٢٤- ( «أسلم) - بكسر اللام- (تسلم» ) - بفتحها-: فيه غاية الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني مع ما فيه من البديع؛ وهو الجناس الاشتقاقي: وهو رجوع اللّفظين في الاشتقاق إلى أصل واحد.
وهذا قطعة من كتاب النبيّ ﷺ إلى هرقل مذكور في حديث طويل مشهور ب «حديث هرقل» ، رواه البخاري في مواضع كثيرة من «صحيحه» ، وأخرجه مسلم في «المغازي» وغيرها، ولفظ الكتاب:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله ﷺ وفي رواية البخاري في «الجهاد، وبدء الوحي» : من محمد عبد الله ورسوله- إلى هرقل عظيم الرّوم؛ سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد؛ فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين، قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) » [آل عمران] انتهى «١» .
وفي رواية للبخاري في «الجهاد» : «أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله ... »
الخ بتكرار «أسلم» مع زيادة الواو في الثانية، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه. كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ [١٣٦/ النساء] قاله الحافظ؛ نقله عنه الزّرقاني ثمّ قال:
стр. 1628
٢٥- «اسمح.. يسمح لك» .
قال الحافظ: وقد اشتملت هذه الجمل القليلة التي تضمّنها بعض هذا الكتاب على الأمر بقوله «أسلم» ، والترغيب بقوله. «تسلم، ويؤتك» ، والزجر بقوله «فإن توليت» ، والترهيب بقوله «فإن عليك» والدلالة بقوله «يا أهل الكتاب» .
وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا! وهو من كلام من أوتي جوامع الكلم ﷺ .
قال: واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام- يعني: السراج البلقيني-: أن كلّ من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذّبائح، لأنّ هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، بل ممّن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال لهم «يا أهل الكتاب» ، فدلّ على أنّ لهم حكمهم، خلافا لمن خصّ ذلك بالإسرائيليّين؛ أو بمن علم أن سلفه دخل اليهوديّة أو النصرانيّة قبل التبديل.
انتهى.
٢٥- ( «اسمح) أمر من السماح؛ قاله المناوي على «الجامع» .
وقال الحفني: «اسمح» من المسامحة وهي ترك المال؛ لا في مقابلة شيء.
فالمسامحة ترك، والسماح بذل، فثمّ فرق بينهما. انتهى.
(يسمح) - بالبناء للمفعول، والفاعل-؛ أي: يسمح الله (لك» ) في الدنيا بالإنعام، وفي العقبى بعدم المناقشة في الحساب وغير ذلك.
والمعنى: عامل الناس بالمسامحة والمساهلة يعاملك الله بمثله في الدنيا والآخرة، «كما تدين تدان» ، وهو حثّ على المساهلة في المعاملة وحسن الانقياد، وهو من سخاوة الطبع وحقارة الدنيا في القلب، فمن لم يجده من طبعه فليتخلّق به، فعسى أن يسامحه الحقّ فيما قصّر فيه من طاعته وعسر عليه في الانقياد إليه في معاملته إذا أوقفه بين يديه لمحاسبته.
ولا يخفى كمال المسامحة على ذي لبّ، فجمع بهذا اللفظ الموجز المضبوط
стр. 1629
٢٦- «أصحابي كالنّجوم؛ ...
بضابط العقل الذي أقامه الحقّ حجّة على الخلق ما لا يكاد يحصى من المصالح والمطالب العالية؛ قاله المناوي على «الجامع» .
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بسند رجاله ثقات، والطبراني في «الأوسط» و «الصغير» بسند رجاله رجال الصحيح؛ كما قاله الحافظ الهيثمي.
ورواه البيهقي في «شعب الإيمان» كلّهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وخطّئوا من حكم عليه بالوضع. ورواه عبد الرزاق عن عطاء مرسلا بلفظ:
«اسمحوا يسمح لكم» .
وروى الشيخان وأحمد؛ عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنّ النبيّ ﷺ قال:
«أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك» .
وعندهم أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه قال: «قال الله: أنفق أنفق عليك» ، وفي معناه ما في «المجالسة» من طريق عون أنّه قال: أخذ الحسن شعره فأعطى الحجام درهمين، فقيل له: يكفيه دانق، فقال: لا تدنّقوا فيدنّق عليكم.
انتهى من المناوي على «الجامع» ، ومن العجلوني.
٢٦- ( «أصحابي كالنّجوم) في الهداية، لأنّ كلّا منهما يهتدى به؛ فالنجوم يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر، والصحابة يهتدى بهم من ظلمات الجهل؛ لكن الاهتداء بالصّحابة أقوى من الاهتداء بالنّجوم، لأنّه ينجي من الهلاك الآخروي ومن الدنيوي، بخلاف الاهتداء بالنّجوم.
ولا يقال: إذا كان كذلك فكيف يشبه الصّحابة بالنجوم؛ مع أن القاعدة أن وجه الشبه يكون أقوى في المشبّه به!!
لأنّا نقول: التشبيه إنّما هو باعتبار الحسّ والمألوف. وبهذا الاعتبار يكون الاهتداء في المشبّه به أقوى من المشبّه.
وهذا لا ينافي أنّه أقوى في المشبّه باعتبار آخر.
стр. 1630
فبأيّهم اقتديتم اهتديتم» .
وفي تشبيههم بالنّجوم إشارة إلى علوّ مرتبتهم جميعا؛ كعلوّ مرتبة النجوم.
وفيه إشارة إلى تفاوت مراتب الصحابة كتفاوت مراتب النجوم.
(فبأيّهم) ؛ أي: بأيّ واحد منهم (اقتديتم) ؛ فيما اختلفوا فيه (اهتديتم» )
يوضّح ذلك ما روي من أن النبيّ ﷺ سأل الربّ عما يختلف فيه أصحابه؟
فقال: «يا محمد؛ أصحابك عندي كالنجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض؛ فمن أخذ بشيء ممّا اختلفوا فيه فهو على هدى عندي» ؛ قاله الباجوري على «السّلّم المنورق» قال:
وظاهر هذين الحديثين: أنّ الصّحابة كلّهم مجتهدون، وهو ما جرى عليه ابن حجر في «شرح الهمزية» ، وعلّله بتوفّر شروط الاجتهاد في جميعهم.
قال: ولذلك لم يعرف أنّ واحدا منهم قلّد غيره في مسألة من المسائل، لكن رجّح بعضهم أن فيهم المقلّدين والمجتهدين. ثم قال- أي: الباجوري-:
فإن قيل: خطابه ﷺ في قوله «بأيّهم اقتديتم اهتديتم» ؛ لا يصحّ أن يكون للصّحابة كما هو ظاهر، ولا لغيرهم؛ لعدم حضورهم حين الخطاب؟!
أجيب بأنه لغيرهم على طريق استحضارهم؛ وفرضهم حاضرين؛ كذا قال بعض المحققين. ثمّ ذكر الباجوري أن الشيخ تقي الدين السبكي نقل عن تاج الدين بن عطاء الله أنّ النبي ﷺ كانت له تجليات يرى في بعضها سائر أمّته الآتية بعده؛ فيقول: مخاطبا لهم: «لا تسبّوا أصحابي؛ فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» .
قال: ومثله يقال في الخطاب الذي نحن بصدده. انتهى كلام الباجوري في «شرح السّلّم المنورق» .
قال السيد عبد الله الغماري- عافاه الله تعالى-: هذا الحديث رواه الدارقطني في «غرائب مالك» ، وابن عبد البر في «كتاب العلم» ؛ من حديث جابر بن عبد الله
стр. 1631
٢٧- «أعجل الأشياء عقوبة.. البغي» .
بإسنادين ضعيفين، ورواه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث ابن عمر بإسناد واه، والقضاعي في «مسند الشهاب» ؛ من حديث أبي هريرة بإسناد فيه كذّاب، وأبو ذرّ الهروي في «السنة» ؛ من طريق الضحّاك معضلا، وإسناده ضعيف جدّا.
وقد ثبت ما يؤدي معنى صدره كما قال البيهقي؛ وهو ما في «صحيح مسلم» عن أبي موسى مرفوعا: «النّجوم أمنة أهل السّماء، فإذا ذهب النّجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون، وأصحابي أمنة أمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يوعدون» .
وفيه- كما قال الحافظ- الإشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة.
انتهى كلام الغماري في تعليقاته على كتاب «تأييد الحقيقة العلية» للسيوطي رحمه الله تعالى.
وقال في «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» : رواه البيهقي وأسنده الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ: «أصحابي بمنزلة النّجوم في السّماء؛ بأيّهم اقتديتم اهتديتم» انتهى.
وقال الباجوري في حواشي «السلّم المنورق» : وتكلّم بعضهم في سنده حتى قال الشهاب الخفاجي في «شرح الشفاء» : إنه روي من طرق كلّها ضعيفة، بل قال ابن حزم: إنه موضوع. لكن نقل العارف بالله الشعراني في «الميزان» : إنه صحيح عند أهل الكشف؛ وإن كان فيه مقال. انتهى.
٢٧- ( «أعجل) : أسرع (الأشياء) ؛ أي: الذنوب (عقوبة) - بالنصب- (البغي» ) : مجاوزة الحدّ والتعدي بلا حقّ، و «عقوبة» تمييز؛ محوّل عن المضاف، و «البغي» حذف منه المضاف؛ وأقيم المضاف إليه مقامه!! أي:
أسرع عقوبات الأشياء عقوبة البغي.
والمعنى: لكل ذنب عقوبة، لكنها قد تتأخر إلّا البغي فينجّز للباغي في الدّنيا إن لم يعف الله تعالى عنه، وما أحسن ما قيل:
стр. 1632
٢٨- «أعدى عدوّك.. نفسك الّتي بين جنبيك» .
لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
وهذا الحديث ذكره في «المواهب» ولم يعزه إلى أحد!! وكذلك شارحه الزرقاني لم يذكر من رواه! ولعلّه مرويّ بالمعنى، فكان ينبغي للمصنف حذفه، لكنّه تبع «المواهب» في ذكره، ويدلّ لما قلناه أن الزرقاني ذكر لفظ الحديث الوارد في هذا المعنى؛ فقال:
روى الطبراني في «الكبير» ، والبخاري في «التاريخ» ؛ عن أبي بكرة مرفوعا: «اثنان يعجّلهما الله تعالى في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين» .
قال في «الفائق» : وأصل التعجيل إيقاع الشيء قبل أوانه، أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ [١٥٠/ الأعراف] ؛ سبقتموه. انتهى.
قال المناوي- بعد ذكر الحديث الذي أورده الزرقاني-: وفيه أن البغي والعقوق من الكبائر. وخصّ هاتين الخصلتين من بين خصال الشرّ بذكر التعجيل فيهما!! لا لإخراج غيرهما؛ فإنه قد يعجل أيضا، بل لأنّ المخاطب بذلك كان لا يحترز من البغي؛ ولا يبرّ والديه، فخاطبه بما يناسب حاله؛ زجرا له، وكثيرا ما يخصّ بعض الأعمال بالحثّ عليها بحسب حال المخاطب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر ممّا سواها؛ إمّا لمشقتها عليه، وإمّا لتساهله في أمرها. انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
٢٨- ( «أعدى عدوّك) ؛ أي: أشد أعدائك عداوة لك (نفسك) ؛ الأمّارة بالسّوء (الّتي بين جنبيك» ) ؛ لأنّها عدوّ ملازم من داخل تعين الشّيطان على هلاكك، والعدوّ يكون للواحد والجمع والمؤنث والمذكر، وقد يثنّى، وقد يجمع، وما أحسن ما قيل:
إنّي بليت بأربع ما سلّطوا ... إلّا لأجل شقاوتي وعنائي
إبليس والدّنيا ونفسي والهوى ... كيف الخلاص وكلّهم أعدائي
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» ؛ معزوّا للبيهقي- يعني في
стр. 1633
٢٩- «أعظم النّاس خطايا.. أكثرهم خوضا في الباطل» .
٣٠- «أعظم الخطايا.. اللّسان الكذوب» .
«الزّهد» بإسناد ضعيف؛ كما قاله العجلوني- قال: وله شاهد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. انتهى.
٢٩- ( «أعظم النّاس خطايا) : جمع خطيئة؛ وهي الذنب الواقع عن عمد (أكثرهم خوضا) ؛ أي: كلاما (في الباطل» ) ؛ الذي لا فائدة فيه تعود على الإنسان. و «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» فلا ينبغي للشخص أن يصرف أوقاته في الخوض في الباطل، فإن ذلك ضياع لعمره، وكلّ نفس من أنفاسك جوهرة؛ إن صرفته فيما ينفعك في الآخرة، أو حسرة؛ إن صرفته في الأمور التي لا خير فيها ولا ثواب تناله منها.
٣٠- ( «أعظم الخطايا) ؛ أي: الذنوب الصّادرة عن عمد، والخطايا: جمع خطيئة، أصلها خطائي، بوزن فعائل؛ فأبدلت الياء بعد ألف الجمع همزة فصار خطائئ بهمزتين، ثمّ أبدلت الثانية ياء لتطرّفها، ثم قلبت الكسرة قبلها فتحة على حدّ عذاري، ثم قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ فصار خطاآ بألفين بينهما همزة، فاجتمع شبه ثلاث ألفات؛ فأبدلت الهمزة ياء فصار خطايا بعد خمسة أعمال.
والخطيئة: - فعيلة- من الخطي- بكسر أوله-: وهو الذنب. انتهى ذكره ابن علان في «شرح رياض الصالحين» .
(اللّسان) ؛ أي: خطيئة اللّسان (الكذوب» ) ؛ أي: الكثير الكذب الذي تكرّر كذبه حتى صار صفة له، حتى يأتي بالكبائر كلّها؛ كالقذف والبهتان وشهادة الزور وغيرها، وربّما أفضى إلى الكفر، ذلك لأنّ اللّسان أكثر الأعضاء عملا من سائر الجوارح. وما من معصية إلّا وله فيها مجال، وإذا تعوّد الكذب أورد صاحبه
стр. 1634
٣١- «أعمى العمى.. الضّلالة بعد الهدى» .
المهالك؛ فمن أهمله مرخيّ العنان؛ ينطق بما شاء من البهتان؛ سلك به في ميدان الخطايا والطّغيان، وما ينجى من شرّه إلّا أن يقيّده بلجام الشرع، ولكون جريمته عظيمة جعل له حاجزان: الأسنان والشفتان.
والحديث أخرجه ابن لال والديلمي؛ كلاهما عن ابن مسعود، وأخرجه ابن عديّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وإسناده ضعيف؛ كما في العزيزي.
٣١- ( «أعمى العمى الضّلالة بعد الهدى» ) ؛ أي: الكفر بعد الإسلام، فهو العمى على الحقيقة، والمرتد أسوء حالا من الكافر الأصلي؛ لأنّه لا يرث ولا يورث، وماله فيء، فإن عاد إلى الإسلام عاد إليه ماله ... إلى غير ذلك من أحكام يخالف فيها الكافر الأصليّ.
وهذا الحديث هو قطعة من حديث طويل رواه البيهقي في «دلائل النبوّة» وابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال:
خرجنا في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله ﷺ إذ كان منها على ليلة؛ فلم يستيقظ حتى كانت الشمس كرمح؛ فقال: «ألم أقل لك يا بلال إكلأ لنا الفجر» فقال:
يا رسول الله ذهب بي الّذي ذهب بك! فانتقل غير بعيد، ثمّ صلّى، ثمّ حمد الله، ثمّ أثنى عليه، ثم قال: «أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله ... » وهو مذكور بطوله في «الجامع الصغير» ، وكذا رواه العسكري، والديلمي؛ عن عقبة بن عامر، ورواه أبو نصر السجزي في «الإبانة» ؛ عن أبي الدرداء مرفوعا، ورواه ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في «الحلية» ، والقضاعي في «الشهاب» ؛ عن ابن مسعود موقوفا. قال بعض شراح «الشهاب» : إنه حسن غريب؛ قاله المناوي على «الجامع» .
стр. 1635
٣٢- «اعمل لوجه واحد.. يكفك الوجوه كلّها» .
٣٣- «أفضل الأعمال.. سرور تدخله على مسلم» .
٣٢- ( «اعمل لوجه واحد يكفك) - بحذف الياء- من الكفاية؛ لأنّه مجزوم في جواب الأمر، والفاعل المعمول له المدلول عليه بالفعل؛ أي: اعمل لله تعالى وحده خالصا لوجهه يكفك المعمول له (الوجوه كلّها» ) ؛ أي: جميع مهماتك في حياتك وبعد مماتك.
قال الغزالي: اعمل لأجل من إذا عملت لأجله ووحّدته بقصدك وطلبت رضاه بعملك؛ أحبّك وأكرمك وأغناك عن الكلّ، ولا تشرك بعبادته عبدا حقيرا مهينا لا يغني عنك شيئا.
وهذا الحديث أخرجه ابن عديّ والديلمي في «مسند الفردوس» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وفي سنده أبو عبد الرحمن السّلمي وضاع للصوفية.
ومحمد بن أحمد بن هارون؛ قال: الذهبي في «الضعفاء» : متّهم بالوضع، ونافع بن هرمز أبو هرمز قال في «الميزان» : كذّبه ابن معين، وتركه أبو حاتم وضعفه أحمد. انتهى. وبه يعرف أنّ سنده هلهل بالمرّة، فكان ينبغي للمصنف حذفه؛ قاله المناوي على «الجامع» .
وبه يعلم أنّ مصنّفنا تبع «الجامع الصغير» في ذكره هذا الحديث والأولى حذفه.
٣٣- ( «أفضل الأعمال) ؛ أي: من أفضلها بعد الفرائض، والمراد الأعمال التي يفعلها المؤمن مع إخوانه (سرور) ؛ أي: سبب سرور (تدخله على مسلم» ) من المسلمين، والمراد أن تدخل على أخيك المسلم سببا ينشرح به صدره؛ إمّا من جهة الدّين، أو من جهة الدّنيا، كأن تقضي عنه دينا لزمه أداؤه، أو تطعمه طعاما لا سيّما إذا كان ممّا يشتهيه.
стр. 1636
٣٤- «أفضل الأعمال.. العلم بالله تعالى» .
قيل لابن المنكدر: ما بقي ممّا يستلذّ؟ قال: الإفضال على الإخوان.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللّفظ الّذي أورده المصنف ورمز له برمز ابن عديّ، وهو موجود في «الجامع الصغير» بلفظ: «أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا أو تقضي عنه دينا أو تطعمه خبزا» . انتهى
وعزاه لابن أبي الدنيا في «قضاء الحوائج» والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وابن عديّ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
قال المناوي: وظاهر صنيع المصنف أنّ البيهقي خرّجه وسكت عليه، والأمر بخلافه، بل قال: عمّار فيه نظر، وللحديث شاهد مرسل ثمّ ذكره.
وضعّفه المنذري؛ وذلك لأنّ فيه الوليد بن شجاع! قال أبو حاتم: لا يحتجّ به، وفيه عمّار بن محمد مضعّف، ثمّ قال: والحاصل أنّه حسن لشواهده. انتهى
٣٤- ( «أفضل الأعمال العلم بالله تعالى» ) ؛ أي معرفة ما يجب له، ويستحيل عليه سبحانه من الصفات والسلوب والإضافات، فالعلم بذلك أفضل الأعمال وأشرف العلوم وأهمّها، فإنّه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرّسل منزّل للكتب؛ لم يتصوّر علم فقه ولا حديث ولا تفسير، فجميع العلوم متوقّفة على علم الأصول، وتوقفها عليه ليس بطريق الخدمة، بل بالإضافة والرئاسة. ومن ثمّ عدّ رئيس العلوم كلّها؛ فمعرفة الله تعالى والعلم به أول واجب مقصود لذاته على المكلّف، لكن ليس المراد بالمعرفة الحقيقية لأنّ حقيقته تعالى غير معلومة للبشر، ولا العيانيّة لأنّها مختصّة بالآخرة، ولا الكشفيّة فإنّها منحة إلهيّة، ولا نكلّف بمثلها إجماعا. بل البرهانيّة أي: التي تنشأ عن البراهين، وهي الّتي كلّفنا بها.
وإيضاح ذلك أنّ المعرفة أربعة أقسام:
١- المعرفة الحقيقية؛ أي: الإحاطة بذاته تعالى وهذا مستحيل لا نكلّف به،
стр. 1637
٣٥- «أفضل الجهاد.. أن تجاهد نفسك وهواك» .
ومنه: ما عرفناك حقّ معرفتك؛ أي: ما أحطنا بذاتك.
و٢- المعرفة التي لا تكون في الدنيا إلّا لنبيّنا ﷺ ؛ وهي معرفة العيان؛ أي:
المعرفة الناشئة عن إدراك البصر؛ فإنها لا تقع لغير نبيّنا إلا في الآخرة، فلسنا مكلّفين بها أيضا.
و٣- المعرفة عن كشف؛ وهي خاصّة بأولياء الله تعالى بأن يكشف عن لطيفة قلوبهم بحيث يدركون بواطن الأمور، حتى لو كشف لهم الحجاب في الآخرة لم يزدادوا يقينا. وهذه الجنّة المعجّلة في الدنيا، ولسنا مكلّفين بها أيضا، لأنها تقع بالفيض الإلهي، وإن كان لها أسباب ذكرها القوم في كتب التصوّف.
و٤- المعرفة البرهانية؛ أي: الّتي تنشأ عن البراهين وهي الّتي كلّفنا بها، وذلك بأن يعلم بالدّليل وجوده تعالى وما يجب له وما يستحيل عليه كما تقرّر.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» وقال: رواه ابن عبد البر.
وذكره في «الجامع» معزوّا للحكيم الترمذي، عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: «أفضل الأعمال العلم بالله، إنّ العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإنّ الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره» .
قال المناوي: وسبب هذا الحديث: أنّ رجلا جاء إلى النبي ﷺ وقال: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «العلم بالله» . ثمّ أتاه فسأله، فقال مثل ذلك، فقال:
يا رسول الله: إنّما أسألك عن العمل؟ فقال: «إنّ العلم ينفعك ... » الخ
قال ابن حجر الهيتمي: وفيه أن العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقّه أعظم قدرا من مجرّد العبادة البدنيّة. انتهى كلام المناوي؛ ملخصا.
٣٥- ( «أفضل الجهاد) بالمعنى اللّغوي: وهو ارتكاب المشاقّ، إذ الجهاد شرعا: قتال الكفار (: أن تجاهد) أيّها الإنسان (نفسك وهواك» ) في ذات الله بأن تكفّها عن الشهوات، وتمنعها عن الاسترسال في اللّذات، وتلزمها فعل الأوامر
стр. 1638
٣٦- «افتضحوا فاصطلحوا» .
٣٧- «أفضل الدّين.. الورع» .
وتجنب المناهي؛ فإنه الجهاد الأكبر، والهوى أكبر أعدائك؛ وهو ونفسك أقرب الأعداء إليك، لما أنّ ذلك بين جنبيك؛ والله يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [١٢٣/ التوبة] ، ولا أكفر عندك من نفسك؛ فإنها في كلّ نفس تكفر نعمة الله تعالى عليها، وإذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلص لك جهاد الأعداء الّذي إن قتلت فيه كنت شهيدا من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون!!.
ولعمري إنّ جهاد النّفس لشديد! بل لا شيء أشدّ منه؛ فإنها محبوبة، وما تدعو إليه محبوب، فكيف إذا دعيت إلى محبوب؛ فإذا عكس الحال وخولف المحبوب اشتدّ الجهاد، بخلاف جهاد أعداء الدين والدنيا!.
ولهذا قال الغزالي: وأشدّ أنواع الجهاد الصّبر على مفارقة ما يهواه الإنسان ويألفه، إذ العادة طبيعة خامسة فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله، ولا يقوى باعث الدين على قمعهما؛ فلذا كان أفضل الجهاد. انتهى ذكره المناوي على «الجامع» ؛ قال:
والحديث أخرجه الحافظ أبو نعيم والديلمي؛ من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وذكره في «الجامع الصغير» معزوّا إلى ابن النجار؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه بلفظ: «أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه» . انتهى.
٣٦- ( «افتضحوا فاصطلحوا» ) هو من الأمثال السائرة، وليس بحديث، وقد رواه الخطابي في «العزلة» ، من طريق محمد بن حاتم المظفري.
قال النجم الغزي: وفي معناه: «تعالوا نقتبح ساعة ونصطلح» انتهى. ذكره العجلوني في «كشف الخفا» فكان ينبغي للمصنف ألايذكره.
٣٧- ( «أفضل الدّين الورع» ) : الذي هو الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النّفس مع كل طرفة. والورع: يكون في خواطر القلوب وسائر أعمال الجوارح،
стр. 1639
٣٨- «أفضل الصّدقة.. جهد المقلّ، وابدأ بمن تعول» .
وإنّما كان أفضل! لما فيه من التخلّي عن الشبهات، وتجنّب المحتملات.
والحديث رواه الطبراني في «معاجيمه» الثلاثة؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بلفظ: «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع» وفيه محمد بن أبي ليلى ضعّفوه لسوء حفظه؛ كما قاله المنذري، ثمّ الهيثمي. نقله المناوي، وقد ذكره أيضا في «كنوز الحقائق» مقتصرا على الجملة التي في المتن.
٣٨- ( «أفضل الصّدقة) ؛ أي: من أفضلها (جهد) - قال المناوي: روي بضم الجيم وفتحها! فبالضم-: الوسع والطّاقة وهو الأنسب هنا. وبالفتح:
المشقة والمبالغة والغاية (المقلّ) - بضمّ الميم فكسر القاف-: أي: مجهود قليل المال، يعني: قدرته واستطاعته، ولا شك أن الصّدقة بشيء مع شدّة الحاجة إليه والشهوة له أفضل من صدقة الغني، وهو أفضل الناس بشهادة خبر: «أفضل النّاس رجل يعطي جهده» .
وإنّما كان ذلك أفضل!! لدلالته على الثقة بالله والزّهد. والمراد بالمقلّ:
الغني القلب؛ ليوافق حديث مسلم وغيره: «أفضل الصّدقة ما كان عن ظهر غنى» .
(وابدأ) - بالهمز، وتركه- (بمن تعول» ) ؛ أي: بمن تلزمك مؤنته وجوبا، ثمّ بعد ذلك تدفع الصّدقة لغيرهم، لأنّ القيام بكفاية العيال واجب عليك، والصّدقة مندوب إليها، ولا يدخل في ذلك ترفّه العيال وتشهيتهم وإطعامهم لذائذ الأطعمة بما زاد على كفايتهم من التّرفّه؛ لأنّ من لم تندفع حاجته أولى بالصّدقة ممن اندفعت حاجته في مقصود الشرع.
والحديث أخرجه أبو داود في «الزكاة» وسكت عليه، وأقرّه المنذري، وأخرجه الحاكم في «الزكاة» أيضا: كلاهما؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقرّه الذّهبي. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
стр. 1640
٣٩- «أفضل النّاس.. أتقاهم لله، وأوصلهم للرّحم» .
٤٠- «أفلح من رزق لبّا» .
٣٩- ( «أفضل النّاس أتقاهم لله) ؛ أي: أخوفهم فيما أمر ونهي (وأوصلهم للرّحم» ) ؛ أي: القرابة. وقد تقدم الكلام على صلة الرحم. وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
٤٠- ( «أفلح) بصيغة الماضي (من رزق) - بالبناء للمفعول- (لبّا» ) - بضم اللّام وبالباء الموحدة المشددة-: يعني فاز وظفر من رزقه الله تعالى عقلا راجحا؛ اهتدى به إلى الإسلام، وفعل المأمور، وتجنّب المنهيّ.
وكلّما كان العقل في العبد أوفر؛ فسلطان الدّلالة فيه على الرشد والنهي عن الغيّ أنفذ وأظهر، ولذلك كان المصطفى ﷺ إذا ذكر له عن رجل شدّة اجتهاده وعبادته سأل عن عقله؛ لأنه مناط الفلاح.
والعقل هو الكاشف عن مقادير العبودية، ومحبوب الله ومكروهه. والعقل:
نور خلقه الله وقسمه بين عباده على قدر مشيئته فيهم، وعلمه بهم.
وأول ما فات ابن آدم من دينه العقل، فإن كان ثابت العقل يكون خاشع القلب لله، متواضعا بريئا من الكبر؛ قائما على قدميه ينظر إلى اللّيل والنّهار يعلم أنّهما في هدم عمره؛ لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل؛ لعلمه أنّه إذا خلف الدنيا خلف الهموم والأحزان.
قال بعض العارفين: ما قسم الله لخلقه حظّا أفضل من العقل واليقين.
قال الراغب: والفلاح: الظّفر. وإدراك البغية أربعة أشياء: ١- بقاء بلا فناء، و ٢- غنى بلا فقر. و ٣- عزّ بلا ذلّ. و ٤- علم بلا جهل.
وقال الزمخشري: المفلح الفائز بالبغية كأنّه الّذي انفتحت له وجوه الظّفر ولم تستغلق عليه. والمفلج- بالجيم-: مثله. انتهى.
стр. 1641
٤١- «الاقتصاد في النّفقة.. نصف المعيشة، والتّودّد إلى النّاس وقال بعضهم: ليس شيء أجمع لخصال الخير من خصال الفلاح.
واللّب: العقل الخالص من الشوائب. سمي به! لأنّه خالص بما في الإنسان من قواه كاللبّاب من الشيء، وقيل: هو ما زكى من العقل، وكلّ لبّ عقل، ولا عكس. انتهى ذكره المناوي في «شرح الجامع» .
وهذا الحديث رمز له في «الجامع الصغير» برمز البخاري في «التاريخ» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن قرّة بن هبيرة بن عامر القشيري- من وجوه الوفود- قال: أتينا النبي ﷺ فقلنا: إنّه كان لنا أرباب نعبدهنّ فودعناهنّ ...
فذكره. قال الهيثمي: فيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. انتهى من المناوي على «الجامع» .
٤١- ( «الاقتصاد) ؛ أي: التوسط (في النّفقة) وتجنّب الإفراط والتفريط فيها. (نصف المعيشة) قال الطيبي: وذلك لأنّ كلا طرفي التبذير والتقتير ينغّص المعيشة، والتوسّط فيه هو العيش.
والعيش نوعان: عيش الدنيا، وعيش الآخرة. كما أن العقل صنفان:
مطبوع، ومسموع.
والمسموع: صنفان؛ معاملة مع الله، ومعاملة مع الخلق.
وقال غيره: التوسّط في النفقة يحصل به راحة للعبد وحسن حال، وذلك نصف ما به الحياة. فقد قيل:
كمال المعيشة شيئان: مدة الأجل، وحسن الحال. فمدّة الأجل لا دخل للعبد فيها بوجه، وحسن الحال؛ وإن كان من الله؛ لكنّه جعل للعبد مدخلا فيه بالسّعي في أسبابه المحصّله له عادة. ذكره الزرقاني على «المواهب» .
(والتودّد) ؛ أي: التحبب (إلى النّاس) بالأخذ في أسباب المحبة؛
стр. 1642
نصف العقل، وحسن السّؤال نصف العلم» .
كملاقاتهم بالبشر وطلاقة الوجه، وحسن الخلق، والرفق، وغير ذلك (نصف العقل) لأنّه يبعث على محبتهم، وعلى السلامة من شرّهم؛ أي: نصف ما يرشد إليه العقل ويحصّله.
وجعله نصفين! مبالغة حتّى كأنّ ما يرشد إليه من المحاسن هو نفسه.
(وحسن السّؤال نصف العلم» ) فإن السائل الفطن يسأل عما يهمّه وهو بشأنه أعنى، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسؤول ومسؤول؛ فإذا ظفر بمبتغاه وفاز به كمل علمه، وعليه يحمل قوله: «- لا أدري- نصف العلم» ذكره الطيبيّ.
وقال غيره: إذا أحسن سؤال شيخه أقبل عليه بقلبه وقالبه، وأوضح له ما أشكل، وأبان له ما أعضل؛ لكونه وجد استعدادا وقابلا، وإذا لم يحسن السؤال أعرض عنه وضنّ بإلقاء النفائس إليه، وفتح من الجواب بنزر يسير ممّا يورده عليه.
ذكره الزّرقاني على «المواهب» .
وهذا الحديث رواه البيهقي في «الشّعب» ، والطبراني في «مكارم الأخلاق» ، والعسكري في «الأمثال» ، وابن السني والديلمي من طريقه، والقضاعي: كلّهم من طريق نافع؛ عن ابن عمر مرفوعا.
وضعّفه البيهقي لكن له شاهد عند العسكري من حديث خلّاد بن عيسى الصّفّار أبي مسلم الكوفي، عن ثابت البناني، عن أنس رفعه: «الاقتصاد نصف المعيشة، وحسن الخلق نصف الدّين» .
وكذا أخرجه الطبراني، والخطيب، وابن لال «١» .
ومن شواهده أيضا للعسكري عن أنس رفعه: «السؤال نصف العلم، والرّفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد» .
стр. 1643
٤٢- «الله في عون العبد.. ما دام العبد في عون أخيه المسلم» .
وورد: «الرّفق في المعيشة خير من بعض التّجارة» ؛ رواه الدارقطني والطبراني وغيرهما، ويروى كما في «الفردوس» : «الرّفق خير من كثير من التّجارة» .
وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: «السؤال نصف العلم، والرّفق نصف المعيشة» . وفي «صحيح ابن حبان» من حديث طويل عن أبي ذرّ أنّ النبيّ ﷺ قال له: «يا أبا ذرّ؛ لا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق» . وهذا اللفظ عند البيهقي في «الشعب» .
وله أيضا، وللعسكريّ عن عليّ مرفوعا: «التّودّد نصف الدّين، وما عال امرؤ قطّ على اقتصاد» ؛ أي: ما افتقر من أنفق قصدا ولم يجاوزه إلى الإسراف.
وورد في حديث عند الديلمي؛ عن أنس رفعه: «إنّ أحدكم يأتيه الله برزق عشرة أيّام في يوم واحد، فإن هو حبس عاش تسعة أيّام بخير، وإن هو وسّع وأسرف قتّر عليه تسعة أيّام» . وجاء في خبر: «من فقه الرّجل رفقه في معيشته» .
قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده، ولا يتأوّل قوله وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [٣٩/ سبأ] فإنّ الرّزق مقسوم، فلعلّ رزقه قليل فينفق نفقة الموسّع ويبقى فقيرا حتّى يموت، بل معنى الآية: أنّ ما كان من خلف فمنه سبحانه، فلعلّه إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار كان خيرا من معاناة بعض التجارة. انتهى من «المواهب» وشرحها.
٤٢- ( «الله في عون العبد) ؛ أي: إعانته وتسديده، ومثل العبد الأمة.
فالمراد الذّكر والأنثى، وإنّما عبّر بالعبد! تنبيها على شرف العبوديّة.
(ما دام العبد) كرّر «العبد» بوضع الظاهر موضع المضمر!! تفخيما لشأنه وترغيبا في سرعة الامتثال، و «ما» مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام كون العبد
(في عون أخيه المسلم» ) ؛ أي: إعانة بقلبه أو بدنه أو ماله أو جاهه.
стр. 1644
.........
قيل: وهذا إجمال لا يسع بيانه الطّروس، فإنّه مطلق في سائر الأحوال والأزمان. ومنه أنّ العبد إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي له ألايجبن عن إنفاذ قوله وصدعه بالحقّ، وتأمّل دوام هذه الإعانة، فإنه ﷺ لم يقيّدها بحالة خاصّة، بل أخبر أنّها دائمة بدوام كون العبد في عون أخيه.
وروى الإمام أحمد: «من كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في حاجته» .
والطبراني: «أفضل الأعمال إدخال السّرور على المؤمن فكسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجته» .
وورد: «من سعى في حاجة أخيه المسلم؛ قضيت له أو لم تقض؛ غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وكتب له براءة من النّار وبراءة من النّفاق» .
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه: أنّه أمر ثابتا البناني بالمشي في حاجة، فقال: أنا معتكف! فقال له: يا أعمش؛ أما علمت أنّ مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجّة بعد حجّة؟!» .
وروى الإمام أحمد: أنّ خبّاب بن الأرتّ خرج في سرية فكان ﷺ يحلب عنزا لعياله، فيملأ الجفنة حتى يفيض زيادة على حلابها؛ فلما قدم وحلبها عاد إلى ما كان.
وكان أبو بكر الصّدّيق يحلب للحيّ أغنامهم؛ فلما استخلف؛ قيل: الآن لا يحلبها!، فقال: بلى؛ وإنّي لأرجو ألايغيّرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله. وذلك لأن العرب كانوا يستقبحون حلب النّساء.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يتعاهد الأرامل فيستقي لهنّ الماء باللّيل، ورآه طلحة داخلا بيت امرأة ليلا فدخل لها نهارا؛ فإذا هي عجوز عمياء مقعدة! فقال: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ فقالت له: منذ كذا وكذا يتعاهدني بما يقوم بي من البرّ، وما يصلح لي شأني، ويخرج عنّي الأذى ويقمّ لي بيتي! فقال
стр. 1645
٤٣- «أمت أمر الجاهليّة ...
طلحة لنفسه: ثكلتك أمّك يا طلحة؛ أعثرات عمر تتبع!!. انتهى من «شرح الأربعين» للعلامة ابن حجر رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللفظ الذي أورده المصنف؛ مرموزا له برمز متفق عليه.
لكن رأيت في «شرح رياض الصالحين» وغيره: أنه جزء من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن عساكر، وأبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» ، وأبو عوانة في «مستخرجه» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولم أر الحديث معزوّا للبخاري في شيء من المصنفات التي راجعتها، كما أنّي لم أر فيها زيادة لفظ «المسلم» ؛ بعد لفظة «أخيه» .
وهذا لفظ الحديث بطوله: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبيّ ﷺ قال: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلّا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» هذا لفظ مسلم في «صحيحه» في «كتاب الدعوات» .
٤٣- ( «أمت) - بإسكان التاء-: أمر من «أمات» ، والخطاب لمعاذ من جملة وصيته له، والمراد توصيته بأن يحيل (أمر الجاهليّة) بنقض أحكامها، وخفض أعلامها، حتى ينسى ذكرها، ويعفو أثرها؛ فتكون كالميت الذي نسي ذكره وانقطع خبره.
стр. 1646
.........
وفي «بلوغ الأرب» للألوسي: الجاهلية الذي كثر فيه الجهّال وهي ما قبل الإسلام. وعن ابن خالويه: أنّ هذا اللفظ اسم حدث في الإسلام للزّمن الذي كان قبل البعثة.
قال الحافظ ابن حجر في «شرحه على البخاري» : وهذا هو الغالب، ومنه يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [١٥٤/ آل عمران] . ثم قال: وأما جزم النووي في عدّة مواضع في «شرح مسلم» أنّ هذا هو المراد حيث أتى!! ففيه نظر، فإنّ هذا اللّفظ- وهو «الجاهلية» - يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضابط آخره فتح مكّة. انتهى كلام «الفتح» . أي: فلفظ «الجاهلية» لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها قبل الإسلام؛ لما كانوا عليه من مزيد الجهل في كثير من الأعمال والأحكام.
ومما أبطله الشرع من عوائدهم: أنّهم كانوا يطلّقون النساء حتى إذا قرب انقضاء عدّتهنّ راجعوهن؛ لا عن حاجة ولا لمحبّة، ولكن لقصد تطويل العدّة وتوسيع مدة الانتظار، وكان الرجل يطلق امرأته أو يتزوج أو يعتق ويقول «كنت لاعبا» فأبطل الله تعالى ذلك، وردّه عليهم بقوله سبحانه وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [٢٣١/ البقرة] .
وفي الحديث: «ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: النكاح، والطلاق، والرّجعة» .
ومن ذلك: أنهم كانوا يمنعون النساء أن يتزوجنّ من أردن من الأزواج بعد انقضاء عدّتهنّ؛ حميّة جاهلية، كما يقع كثيرا من نحو الملوك؛ غيرة على من كنّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم، فإنهم بسبب ما نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النّخوة والكبرياء؛ يتخيّلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمه الله منهم بالورع والتواضع، وقد أبطل الله ذلك ونهى عنه بقوله وَإِذا
стр. 1647
.........
طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) [البقرة] .
ومن ذلك: أنهم كانوا إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء أن يتزوّجها بعضهم، وإن شاؤا زوّجوها، وإن شاؤا لم يزوّجوها. فهم أحقّ بامرأته من أهلها، فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [١٩/ النساء] أي: لتأخذوا ميراثهن أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح.
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت؛ أو تردّ إليه صداقها. وفي رواية: إن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
وحاصل معنى الآية: لا يحل لكم أن تأخذوهنّ بطريق الإرث؛ فتزعمون أنّكم أحقّ بهنّ من غيركم، وتحبسونهنّ لأنفسكم، وكان الرجل من العرب إذا مات عن المرأة أو طلّقها قام أكبر بنيه، فإن كان له حاجة فيها طرح ثوبه عليها، وإن لم يكن له حاجة فيها تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، وقد أبطل الله ذلك بقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) [النساء] وقد كان هذا النكاح يسمى في الجاهلية «نكاح المقت» ، ويسمى الولد الحاصل منه «مقتي» ،
ولهم في هذا الباب غير ذلك من المنكرات، وقد ذكرت في كتب الحديث والتفسير!!.
وروى البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال:
إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما
стр. 1648
إلّا ما حسّنه الإسلام» .
٤٤- «أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم» .
كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) [الأنعام] .
(إلّا ما حسّنه الإسلام» ) وأقرّه كالقسامة والدية مئة من الإبل.
وكانت العرب في الجاهلية تحرّم أشياء نزل القرآن بتحريمها، فكانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات، إلّا ما يحكى عن حاجب بن زرارة وهو سيّد بني تميم: تزوج بنته وأولدها.
وإنما تنزّهت العرب، ولا سيّما قريش عن هذه المناكح!! حفظا لحرمة الأرحام الدّانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة، فتضعف الحميّة وتقل الغيرة، وهم أخصّ الناس بالمناكح الطاهرة، وكان أقبح ما يصنع بعضهم أن يجمع بين الأختين.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» .
٤٤- ( «أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم» ) رواه الديلمي- بسند ضعيف- عن ابن عباس مرفوعا. وفي «اللآلئ» بعد عزوه ل «مسند الفردوس» عن ابن عباس مرفوعا قال: وفي إسناده ضعيف ومجهول. انتهى.
وقال في «المقاصد» : وعزاه الحافظ ابن حجر ل «مسند الحسن بن سفيان» عن ابن عباس بلفظ: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» قال: وسنده ضعيف جدّا.
ورواه أبو الحسن التميمي من الحنابلة في «العقل» له؛ عن ابن عباس من طريق أبي عبد الرحمن السلمي أيضا بلفظ: «بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب النّاس على قدر عقولهم» .
وله شاهد عن سعيد بن المسيب مرسلا بلفظ: «إنّا معاشر الأنبياء أمرنا ... »
وذكره.
стр. 1649
.........
ورواه في «الغنية» للشيخ عبد القادر الجيلاني قدّس سرّه بلفظ: «أمرنا معاشر الأنبياء أن نحدّث النّاس على قدر عقولهم» .
وفي «صحيح البخاري» ؛ عن عليّ موقوفا: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله!!
ونحوه ما في «مقدمة صحيح مسلم» عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة.
وروى العقيلي في «الضعفاء» وابن السنّي وأبو نعيم في «الرياضة» وغيرهم عن ابن عباس مرفوعا: «ما حدّث أحدكم قوما بحديث لا يفهمونه إلّا كان فتنة عليهم» .
ورواه الديلمي أيضا من طريق حمّاد بن خالد، عن ابن عباس رفعه:
«لا تحدّثوا أمّتي من أحاديثي إلّا ما تحمله عقولهم» .
وروى البيهقي في «الشعب» عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا: «إذا حدّثتم النّاس عن ربّهم فلا تحدّثوهم بما يعزب عنهم ويشقّ عليهم» .
وصحّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: حفظت عن النبيّ ﷺ وعاءين؛ فأمّا أحدهما فبثثته، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.
وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: «عاقبوا أرقّاءكم على قدر عقولهم» .
وأخرجه الدارقطني عن عائشة مثله.
وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين؛ عن أبي ذرّ مرفوعا:
«خالقوا الناس بأخلاقهم» .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود مرفوعا: «خالط الناس بما يشتهون؛ ودينك فلا تكلمنّه» .
ونحوه عن عليّ رفعه: «خالق الفاجر مخالفة، وخالص المؤمن مخالصة،
стр. 1650
٤٥- «إنّ الله تعالى بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع أقوام وخفض آخرين» .
٤٦- «إنّ الله تجاوز لأمّتي عن النّسيان، وما أكرهوا عليه» .
ودينك لا تسلمه لأحد» . انتهى.
ذكر جميع ذلك العجلونيّ في «كشف الخفا» رحمه الله تعالى.
٤٥- ( «إنّ الله تعالى بعثني) أرسلني (رحمة مهداة) - بضم الميم وسكون الهاء-: أي: هدية للمؤمنين والكافرين بتأخير العذاب. (بعثت برفع أقوام) وهم المؤمنون (وخفض آخرين» ) وهم من أبى واستكبر، وإن بلغ من الشرف المقام الأفخر، بمعنى: أنه يضع قدرهم ويذلّهم باللّسان والسّنان؛ فكان عنده مزيد الرحمة للمؤمنين، وغاية الغلظة على الكافرين؛ فاعتدل فيه الإنعام والانتقام.
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» ، وقال: أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
٤٦- ( «إنّ الله تجاوز) ؛ أي: عفا «من جازه يجوزه» : إذا تعدّاه وعبر عليه (لأمّتي) أمة الإجابة (عن النّسيان) - بكسر النون-: ضد الذّكر والحفظ؛ أي:
عن إثم النّسيان، (وما أكرهوا) ؛ أي: الأمة، وذكّره «١» !! نظرا للمدلول؛ لا للفظ (عليه» ) ؛ أي: حملوا على فعله قهرا. قال المناوي: والمراد رفع الإثم، وفي ارتفاع الحكم خلف، والشافعي كالجمهور على الارتفاع.
قال العلقمي: وحدّه الإكراه: أن يهدّد قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقوبات؛ يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وقد غلب على ظنّه أنه يفعل به ما هدّد به؛ إن امتنع ممّا أكرهه عليه، وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بغيره ونحوهما من أنواع الدّفع.