.........
وفي «بلوغ الأرب» للألوسي: الجاهلية الذي كثر فيه الجهّال وهي ما قبل الإسلام. وعن ابن خالويه: أنّ هذا اللفظ اسم حدث في الإسلام للزّمن الذي كان قبل البعثة.
قال الحافظ ابن حجر في «شرحه على البخاري» : وهذا هو الغالب، ومنه يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [١٥٤/ آل عمران] . ثم قال: وأما جزم النووي في عدّة مواضع في «شرح مسلم» أنّ هذا هو المراد حيث أتى!! ففيه نظر، فإنّ هذا اللّفظ- وهو «الجاهلية» - يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضابط آخره فتح مكّة. انتهى كلام «الفتح» . أي: فلفظ «الجاهلية» لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها قبل الإسلام؛ لما كانوا عليه من مزيد الجهل في كثير من الأعمال والأحكام.
ومما أبطله الشرع من عوائدهم: أنّهم كانوا يطلّقون النساء حتى إذا قرب انقضاء عدّتهنّ راجعوهن؛ لا عن حاجة ولا لمحبّة، ولكن لقصد تطويل العدّة وتوسيع مدة الانتظار، وكان الرجل يطلق امرأته أو يتزوج أو يعتق ويقول «كنت لاعبا» فأبطل الله تعالى ذلك، وردّه عليهم بقوله سبحانه وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [٢٣١/ البقرة] .
وفي الحديث: «ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: النكاح، والطلاق، والرّجعة» .
ومن ذلك: أنهم كانوا يمنعون النساء أن يتزوجنّ من أردن من الأزواج بعد انقضاء عدّتهنّ؛ حميّة جاهلية، كما يقع كثيرا من نحو الملوك؛ غيرة على من كنّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم، فإنهم بسبب ما نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النّخوة والكبرياء؛ يتخيّلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمه الله منهم بالورع والتواضع، وقد أبطل الله ذلك ونهى عنه بقوله وَإِذا
стр. 1647
.........
طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) [البقرة] .
ومن ذلك: أنهم كانوا إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء أن يتزوّجها بعضهم، وإن شاؤا زوّجوها، وإن شاؤا لم يزوّجوها. فهم أحقّ بامرأته من أهلها، فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [١٩/ النساء] أي: لتأخذوا ميراثهن أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح.
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت؛ أو تردّ إليه صداقها. وفي رواية: إن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
وحاصل معنى الآية: لا يحل لكم أن تأخذوهنّ بطريق الإرث؛ فتزعمون أنّكم أحقّ بهنّ من غيركم، وتحبسونهنّ لأنفسكم، وكان الرجل من العرب إذا مات عن المرأة أو طلّقها قام أكبر بنيه، فإن كان له حاجة فيها طرح ثوبه عليها، وإن لم يكن له حاجة فيها تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، وقد أبطل الله ذلك بقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) [النساء] وقد كان هذا النكاح يسمى في الجاهلية «نكاح المقت» ، ويسمى الولد الحاصل منه «مقتي» ،
ولهم في هذا الباب غير ذلك من المنكرات، وقد ذكرت في كتب الحديث والتفسير!!.
وروى البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال:
إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما
стр. 1648
إلّا ما حسّنه الإسلام» .
٤٤- «أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم» .
كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) [الأنعام] .
(إلّا ما حسّنه الإسلام» ) وأقرّه كالقسامة والدية مئة من الإبل.
وكانت العرب في الجاهلية تحرّم أشياء نزل القرآن بتحريمها، فكانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات، إلّا ما يحكى عن حاجب بن زرارة وهو سيّد بني تميم: تزوج بنته وأولدها.
وإنما تنزّهت العرب، ولا سيّما قريش عن هذه المناكح!! حفظا لحرمة الأرحام الدّانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة، فتضعف الحميّة وتقل الغيرة، وهم أخصّ الناس بالمناكح الطاهرة، وكان أقبح ما يصنع بعضهم أن يجمع بين الأختين.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» .
٤٤- ( «أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم» ) رواه الديلمي- بسند ضعيف- عن ابن عباس مرفوعا. وفي «اللآلئ» بعد عزوه ل «مسند الفردوس» عن ابن عباس مرفوعا قال: وفي إسناده ضعيف ومجهول. انتهى.
وقال في «المقاصد» : وعزاه الحافظ ابن حجر ل «مسند الحسن بن سفيان» عن ابن عباس بلفظ: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» قال: وسنده ضعيف جدّا.
ورواه أبو الحسن التميمي من الحنابلة في «العقل» له؛ عن ابن عباس من طريق أبي عبد الرحمن السلمي أيضا بلفظ: «بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب النّاس على قدر عقولهم» .
وله شاهد عن سعيد بن المسيب مرسلا بلفظ: «إنّا معاشر الأنبياء أمرنا ... »
وذكره.
стр. 1649
.........
ورواه في «الغنية» للشيخ عبد القادر الجيلاني قدّس سرّه بلفظ: «أمرنا معاشر الأنبياء أن نحدّث النّاس على قدر عقولهم» .
وفي «صحيح البخاري» ؛ عن عليّ موقوفا: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله!!
ونحوه ما في «مقدمة صحيح مسلم» عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة.
وروى العقيلي في «الضعفاء» وابن السنّي وأبو نعيم في «الرياضة» وغيرهم عن ابن عباس مرفوعا: «ما حدّث أحدكم قوما بحديث لا يفهمونه إلّا كان فتنة عليهم» .
ورواه الديلمي أيضا من طريق حمّاد بن خالد، عن ابن عباس رفعه:
«لا تحدّثوا أمّتي من أحاديثي إلّا ما تحمله عقولهم» .
وروى البيهقي في «الشعب» عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا: «إذا حدّثتم النّاس عن ربّهم فلا تحدّثوهم بما يعزب عنهم ويشقّ عليهم» .
وصحّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: حفظت عن النبيّ ﷺ وعاءين؛ فأمّا أحدهما فبثثته، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.
وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: «عاقبوا أرقّاءكم على قدر عقولهم» .
وأخرجه الدارقطني عن عائشة مثله.
وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين؛ عن أبي ذرّ مرفوعا:
«خالقوا الناس بأخلاقهم» .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود مرفوعا: «خالط الناس بما يشتهون؛ ودينك فلا تكلمنّه» .
ونحوه عن عليّ رفعه: «خالق الفاجر مخالفة، وخالص المؤمن مخالصة،
стр. 1650
٤٥- «إنّ الله تعالى بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع أقوام وخفض آخرين» .
٤٦- «إنّ الله تجاوز لأمّتي عن النّسيان، وما أكرهوا عليه» .
ودينك لا تسلمه لأحد» . انتهى.
ذكر جميع ذلك العجلونيّ في «كشف الخفا» رحمه الله تعالى.
٤٥- ( «إنّ الله تعالى بعثني) أرسلني (رحمة مهداة) - بضم الميم وسكون الهاء-: أي: هدية للمؤمنين والكافرين بتأخير العذاب. (بعثت برفع أقوام) وهم المؤمنون (وخفض آخرين» ) وهم من أبى واستكبر، وإن بلغ من الشرف المقام الأفخر، بمعنى: أنه يضع قدرهم ويذلّهم باللّسان والسّنان؛ فكان عنده مزيد الرحمة للمؤمنين، وغاية الغلظة على الكافرين؛ فاعتدل فيه الإنعام والانتقام.
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» ، وقال: أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
٤٦- ( «إنّ الله تجاوز) ؛ أي: عفا «من جازه يجوزه» : إذا تعدّاه وعبر عليه (لأمّتي) أمة الإجابة (عن النّسيان) - بكسر النون-: ضد الذّكر والحفظ؛ أي:
عن إثم النّسيان، (وما أكرهوا) ؛ أي: الأمة، وذكّره «١» !! نظرا للمدلول؛ لا للفظ (عليه» ) ؛ أي: حملوا على فعله قهرا. قال المناوي: والمراد رفع الإثم، وفي ارتفاع الحكم خلف، والشافعي كالجمهور على الارتفاع.
قال العلقمي: وحدّه الإكراه: أن يهدّد قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقوبات؛ يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وقد غلب على ظنّه أنه يفعل به ما هدّد به؛ إن امتنع ممّا أكرهه عليه، وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بغيره ونحوهما من أنواع الدّفع.
стр. 1651
٤٧- «إنّ الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه» .
ويختلف الإكراه باختلاف الأشخاص والأسباب المكره عليها. انتهى «عزيزي» .
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللفظ الّذي أورده المصنف؛ مرموزا له برمز الطبراني في «الكبير» عن ثوبان الهاشمي «مولى المصطفى ﷺ » ، وقال الحاكم: إنّه صحيح على شرطهما. ذكره المناوي.
وأطال العجلوني في «كشف الخفا» في تخريجه وما قيل فيه من قدح، إلى أن قال: وأصل الباب: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في «الصحيحين» ؛ عن زرارة بن أوفى يرفعه: «إنّ الله تجاوز لأمّتي عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلّم به» . انتهى.
٤٧- ( «إنّ الله جعل الحقّ) يعني: أجراه (على لسان عمر) بن الخطاب، فكان كالسّيف الصّارم والحسام القاطع. قال الطيبي: «جعل» بمعنى «أجرى» ، فعدّاه ب «على» وفيه معنى ظهور الحقّ واستعلائه على لسانه، ووضع «جعل» موضع أجراه!! إيذانا بأنّ ذلك كان خلقيّا ثابتا لازما مستقرا (وقلبه» ) فكان الغالب على قلبه جلال الله؛ فكأنّ الحقّ معتمله حتى يقوم بأمر الله وينفّذ بقاله وحاله؛ وفاء بما قلّده الله الخلق من رعاية هذا الدين الذي ارتضاه لهم. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال الحفني: أي هو زائد عن غيره في ذلك؛ وإن كان أفضل منه كأبي بكر، إذ قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، فالغالب على سيّدنا أبي بكر الرأفة، والغالب على سيّدنا عمر الشدّة في دين الله تعالى، ولذا لما أسلم ووجد الناس مختفين فقال: ألسنا على الحقّ؛ يا رسول الله!! فقال ﷺ : «بلى» فقال:
ففيم الاختفاء؟. فأمر بالصّلاة والطّواف جهارا فظهر الإسلام من حينئذ، وإنما قيل هو زائد ... الخ!! لأنّ جميع الصّحابة كذلك لا يجري على ألسنتهم وقلوبهم إلّا الحق. انتهى كلام الحفني.
стр. 1652
٤٨- «إنّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ...
وفي «سنن أبي داود» في «كتاب الخراج» أنّ عمر بن عبد العزيز كتب: أنّ من سأل عن مواضع الفيء، فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فرآه المؤمنون عدلا موافقا لقول النّبي ﷺ : «جعل الله الحقّ على لسان عمر وقلبه» .
فرض الأعطية وعقد لأهل الأديان ذمّة بما فرض عليهم من الجزية لم يضرب فيها بخمس ولا مغنم. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما؛ وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وأخرجه أبو يعلى والحاكم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال الحاكم: على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» عن بلال بن رباح الحبشي المؤذن، وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما.
وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود في «الخراج» ، وابن ماجه، والحاكم، وصحّحه عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله تعالى عنه بلفظ: «إنّ الله وضع الحقّ على لسان عمر يقول به» . وفي «كشف الخفا» للعجلوني: حديث: «الحقّ بعدي مع عمر حيث كان» قال الصغاني: موضوع. انتهى.
وأقول رواه في «الجامع الكبير» عن الحكيم الترمذي، وابن عساكر؛ عن الفضل بن عباس بلفظ: «الحق بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان» . انتهى كلام العجلوني رحمه الله تعالى.
٤٨- ( «إنّ الله) (لا ينظر إلى أجسامكم) المجرّدة عن السّير المرضية، وفي «صحيح مسلم» : «أجسادكم» بدل «أجسامكم» ؛ أي:
لا يجازيكم على ظاهرها (ولا إلى صوركم) الظاهرة.
стр. 1653
ولكن ينظر إلى قلوبكم» .
(ولكن ينظر إلى قلوبكم» ) التي هي محلّ التقوى، وأوعية الجواهر، وكنوز المعرفة؛ أي: إنّما تكون المجازاة على ما في القلب من عظمة الله وخشيته ومراقبته؛ دون الصّور الظّاهرة، فمعنى النظر هنا: الإحسان والرحمة والعطف.
ومعنى نفيه: نفي ذلك، فعبّر عن الكائن عند النظر بالنظر مجازا، وذلك لأن النظر في الشاهد دليل المحبّة، وترك النظر دليل البغض والكراهة، وميل الناس إلى الصّور المعجبة، والله منزّه عن ذلك، فجعل نظره إلى ما هو السرّ واللّبّ؛ وهو القلب.
والجمال قسمان: ظاهري، وباطني؛ كجمال علم وعقل وكرم، وهذا هو محلّ نظر الله من غيره، وموضع محبته؛ فيرى صاحب الجمال الباطني، فيكسوه من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصفات؛ فإن المؤمن يعطى حلاوة ومهابة بحسب إيمانه؛ فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبّه؛ وإن كان أسود مشوها، وهذا أمر مشهود بالعيان.
قال الغزالي: قد أبان هذا الحديث أن محلّ القلب موضع نظر الرّبّ، فيا عجبا ممن يهتمّ بوجهه الّذي هو محل نظر الخلق؛ فيغسله وينظفه من القذر والدّنس، ويزيّنه بما أمكن لئلا يطّلع فيه مخلوق على عيب، ولا يهتمّ بقلبه الذي هو محلّ نظر الخالق فيطهّره ويزيّنه لئلا يطّلع ربّه على دنس أو غيره فيه. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
وهذا الحديث رواه مسلم في «صحيحه» في «كتاب الأدب» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ورواه مسلم أيضا في «الأدب» عنه بلفظ: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
ورواه ابن ماجه بمثله عن أبي هريرة في «باب الزهد» بلفظ: «إنما ينظر ...
الخ» .
стр. 1654
٤٩- «إنّ الله يحبّ معالي الأمور، ويكره سفسافها» .
٤٩- ( «إنّ الله) تعالى (يحبّ معالي الأمور) قال المناوي على «الجامع» :
هي الأخلاق الشرعية والخصال الدينيّة. انتهى.
قال الحفني: كالصلاة والصوم وتعليم العلم ونحو ذلك. انتهى.
أي: لا الأمور الدنيويّة، فإن العلوّ فيها نزول؛ كما في المناوي.
(ويكره سفسافها» ) - بفتح أوله-؛ أي: حقيرها ورديئها كالعجب والكبر.
فمن اتصف بالأخلاق الزكية أحبّه، ومن تحلّى بالأوصاف الرديّة كرهه.
والإنسان يضارع الملك بقوة الفكر والتمييز، ويضارع البهيمة بالشهوة والدناءة. فمن صرف همّته إلى اكتساب معالي الأخلاق أحبّه الله، فحقيق أن يلتحق بالملائكة لطهارة أخلاقه. ومن صرفها إلى السفاسف ورذائل الأخلاق التحق بالبهائم، فيصير إمّا ضاريا ككلب، أو شرها كخنزير، أو حقودا كجمل، أو متكبرا كنمر، أو رواغا كثعلب، أو جامعا لذلك كشيطان.
وشرف النفس صونها عن الرذائل والدّنايا، والمطامع القاطعة لأعناق الرجال؛ فيربأ بنفسه أن يلقيها في ذلك.
من نفسه شريفة أبيّه ... يربأ عن أموره الدّنيّه
ولم يزل يجنح للمعالي ... يسهر في طلابها اللّيالي
والحديث ذكره العجلوني في «كشف الخفا» بلفظ: «إنّ الله يحبّ معالي الأمور ويبغض سفسافها» ، وقال: رواه الحاكم عن سهل بن سعد.
ورواه أبو نعيم والطبراني وابن ماجه؛ عن سهل أيضا بلفظ: «إنّ الله كريم يحبّ الكرم، ويحبّ معالي الأخلاق؛ ويكره سفسافها» .
ورواه ابن ماجه عن طلحة، وأبو نعيم عن ابن عباس بلفظ: «إنّ الله جواد يحبّ الجود، ويحبّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها» .
стр. 1655
٥٠- «إنّ الله يحبّ الرّفق في الأمر كلّه» .
ورواه الطبراني عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بلفظ: «إنّ الله يحبّ معالي الأمور وأشرفها، ويكره سفسافها» . انتهى.
٥٠- ( «إنّ الله) تعالى (يحبّ الرّفق) - بكسر فسكون-: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والدفع بالأخفّ (في الأمر كلّه» ) ؛ أي: في أمر الدّين وأمر الدنيا في جميع الأحوال والأفعال حتى في معاملة المرء نفسه، ويتأكّد ذلك في معاشرة من لا بدّ من معاشرته؛ كزوجته وخادمه وولده.
فالرّفق محبوب مطلوب مرغوب، وكلّ ما في الرفق من الخير ففي العنف مثله من الشرّ.
قال الغزالي: فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به؛ رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به؛ حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به؛ فقيه فيما ينهى عنه.
وعظ المأمون واعظ بعنف؛ فقال له: يا هذا ارفق، فقد بعث من هو خير منك إلى من هو شرّ منّي.
قال تعالى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [٤٤/ طه] . أخذ منه أنه يتعيّن على العالم الرفق بالطالب، وألايوبّخه ولا يعنّفه. انتهى.
قال العلقمي: وسببه كما في البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
دخل رهط من اليهود على النبيّ ﷺ فقالوا: السام عليكم؛ قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السّام واللّعنة، قالت: فقال رسول الله ﷺ : «مهلا يا عائشة؛ إنّ الله يحبّ الرّفق في الأمر كلّه» ، فقلت: يا رسول الله؛ أو لم تسمع ما قالوا!؟
قال رسول الله ﷺ : «قلت: وعليكم» . انتهى من المناوي على «الجامع» ، ومن العزيزي على «الجامع» .
والحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم في «الاستئذان» ؛ كلاهما عن
стр. 1656
.........
عائشة رضي الله تعالى عنها، وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: «إنّ الرّفق لا يكون في شيء إلّا زانه، ولا نزع من شيء إلّا شانه» .
وفي رواية له؛ من حديث شعبة عنها: ركبت بعيرا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردّده، فقال لها رسول الله ﷺ : «عليك بالرّفق إنّ الرّفق ... » الحديث.
وعزاه في «اللآلي» ل «مسند الإمام أحمد» عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وأحمد وآخرون بلفظ: كنت على بعير فيه صعوبة، فقال النبيّ ﷺ : «عليك بالرّفق فإنّه لا يكون في شيء إلّا زانه، ولا ينزع من شيء إلّا شانه» .
ورواه العسكري عن عائشة بلفظ: «ما كان الرّفق في قوم إلّا نفعهم، ولا كان الخرق في قوم إلّا ضرّهم» .
وله من حديث حجاج بن سليمان الرعيني قال: قلت لابن لهيعة: كنت أسمع عجائز المدينة يقلن «إنّ الرّفق في المعيشة خير من بعض التّجارة» ، فقال: حدّثنيه محمد بن المنكدر، عن جابر، رفعه.
وله أيضا عن عروة بن الزبير قال: مكتوب في التوراة: الرّفق رأس الحكمة.
وأثر عروة عند أبي الشيخ بلفظ: بلغني أنه مكتوب في التوراة: ألا إنّ الرّفق.. الخ.
وأخرج الطبراني عن جرير مرفوعا: «الرفق زيادة تبركة» .
وروى العسكري والقضاعي عن عائشة مرفوعا: «من أعطي حظّه من الرّفق فقد أعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظّه من الرّفق فقد حرم حظّه من خير الدنيا والآخرة» .
стр. 1657
٥١- «إنّ الله ينزل الرّزق على قدر المؤونة» .
وفي رواية للعسكري عنها بلفظ: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرّفق» . ومثله للقضاعي عن أبي الدرداء مرفوعا.
وروى العسكري عن أنس مرفوعا: «ما كان الرّفق في شيء قطّ إلّا زانه، ولا كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه» .
ورواه عن جرير رفعه: «من يحرم الرّفق يحرم الخير كلّه» .
وروى البيهقي في «مناقب الشافعي» عن ابنه محمد أنّه قال: رآني أبي وأنا أعجل في بعض الأمور، فقال: يا بنيّ؛ رفقا، فإنّ العجلة تنقض الأعمال، وبالرفق تدرك الآمال.
ثمّ ساق الشافعي سنده إلى أبي هريرة رفعه: «إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» .
وقال النجم: وعند الطبراني عن ابن مسعود: «الرفق يمن، والخرق شؤم وهو عند البيهقي- وإذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرّفق؛ فإنّ الرفق لم يكن في شيء قطّ إلّا زانه، وإنّ الخرق لم يكن في شيء قطّ إلّا شانه» .
وعند الدارقطني في «الأفراد» عن أنس: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرا نفعهم في الدّين، ووقّر صغيرهم كبيرهم، ورزقهم الرّفق في معيشتهم، والقصد في نفقاتهم، وبصّرهم عيوبهم فيتوبوا منها، وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هملا» .
انتهى من «كشف الخفا» .
٥١- ( «إنّ الله) تعالى (ينزل الرّزق) - كذا في «كنوز الحقائق» ! قال العجلوني: والمشهور على الألسنة: «المعونة- (على قدر المؤونة» ) .
وهو في «الجامع الصغير» كما قال العجلوني: إنه مشهور على الألسنة.
قال العزيزي في «شرح الجامع» : ومعناه: أنّ الله يعين الإنسان على قدر ما يحتاج إليه من المؤونة؛ بحسب حاله، وما يناسبه.
стр. 1658
.........
وقال المناوي؛ يريد أن العبد إذا لزمه القيام بمؤونة من تلزمه مؤونته شرعا، فإن كانت تلك المؤن قليلة قلّل له، وإن كانت كثيرة وتحمّلها على قدر طاقته وقام بحقّها وعانى من فنون الدنيا ما أمر به لأجلها؛ أمدّه الله بمعونته، ورزقه من حيث لا يحتسب بقدرها. وعماد ذلك طلب المعونة من الله تعالى بصدق وإخلاص، فهو حينئذ مجاب فيما طلب من المعونة، فمن كانت عليه مؤنة شيء فاستعان الله عليها جاءته المعونة على قدر المؤونة، فلا يقع لمن اعتمد ذلك عجز عن مرام أبدا.
وفي ذلك ندب إلى الاعتصام بحول الله وقوّته وتوجيه الرّغبات إليه بالسؤال والإبتهال، ونهي عن الإمساك والتقتير على العيال؛ فلا يخشى الإنسان الفقر من كثرة العيال، فإنّ الله يعينه على مؤونتهم، بل يندب له أن يعمل على ما فيه تكثيرهم؛ اعتمادا على الله. ولذا لما شكا بعض التلامذة لشيخه ضيق العيش أمره بالزّواج؛ فتعجب لكونه على مؤونة نفسه، لكنه امتثل ثمّ شكا له بعد ذلك؛ فأمره بالسكنى في بيت، ثمّ باتخاذ دابة، ثمّ باتّخاذ خادم، فوسّع الله عليه بعد ذلك، فالشيخ أخذ ذلك من هذا الحديث. انتهى كلام المناوي على «الجامع» ، مع زيادة من غيره.
وتمام الحديث- كما في «الجامع الصغير» -: «وينزل الصّبر على قدر البلاء» ، ورمز له بأنّه أخرجه ابن لال في «مكارم الأخلاق» وابن عدي.
قال المناوي: وكذا البيهقي في «الشعب» : كلّهم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه عبد الرحيم بن رافد! أورده الذهبي في «الضعفاء» ، وقال:
ضعفه الخطيب، عن وهب بن وهب. قال أحمد وغيره: كذّاب، لكن يأتي ما يقوّيه بعض قوة. انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
وكأنه يعني بما يقوّيه حديث: «إنّ المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤونة، وإنّ الصّبر يأتي من الله للعبد على قدر المصيبة» .
أخرجه الحكيم الترمذي في «النوادر» ، والبزار في «المسند» ، والحاكم في
стр. 1659
٥٢- «إنّ أخسر النّاس صفقة ...
كتاب «الكنى والألقاب» ، والطبراني في «الكبير» : كلهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قال الهيثمي: وفيه طارق بن عمّار! قال البخاري: لا يتابع على حديثه.
وبقية رجاله ثقات. وقال المنذري: رواته محتجّ بهم في «الصحيح» إلا طارق بن عمّار ففيه كلام قريب؛ ولم يترك. قال: والحديث غريب. انتهى؛ نقله المناوي على «الجامع» .
وهذا الحديث وهو حديث: «إنّ المعونة تأتي من الله للعبد» ... الخ
ذكره العجلوني في «الكشف» ؛ وقال: رواه البيهقي في «الشعب» ، والعسكري في «الأمثال» ، والبزار وابن شاهين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
ورواه البيهقي أيضا بلفظ: «أنزل الله المعونة على قدر المؤونة، وأنزل الصّبر عند البلاء» . ورواه ابن الشخير بلفظ: «أنزل المعونة مع شدة المؤونة، وأنزل الصّبر عند البلاء» .
ورواه عمر بن طلحة من حديث أبي الحواري؛ حدثنا: عبد العزيز بن عمر أنه قال: أوحى الله إلى داود ﵊: يا داود اصبر على المؤونة تأتك المعونة، وإذا رأيت لي طالبا؛ فكن له خادما.
انتهى كلام العجلوني في «الكشف» رحمه الله تعالى.
٥٢- ( «إنّ أخسر النّاس صفقة) هي في الأصل: ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، والخسر في الأصل: نقص رأس المال، ثمّ استعمل في المقتنيات الخارجة؛ كالمال والجاه، وأكثر استعماله في النفيس منها؛ كصحة وسلامة وعقل وإيمان وثواب، وهو المراد هنا؛ ذكره الراغب.
أي: من أشد الناس خسرانا لعظيم الثواب، وأعظمهم حسرة يوم الماب.
стр. 1660
من أذهب آخرته بدنيا غيره» .
٥٣- «إنّ الدّين يسر، ولن يشادّ الدّين ...
(من أذهب آخرته) بترك الواجب أو المندوب (بدنيا غيره» ) ؛
أي: بسبب اشتغاله بجلب دنيا غيره؛ كخدام العظماء يشتغلون بنفع مخاديمهم، والقيام بمصالحهم، ويتركون الصّلوات، ويحلفون الأيمان الفاجرة، ويأخذون أموال الناس لاسترضاء مخاديمهم؛ كذا قاله الزرقاني على «المواهب» .
وفي القليوبي على «المنهاج» الفقهي: وأخسّ الأخسّاء: من باع دينه بدنيا غيره كالمكّاس. انتهى. أي: وكالقاضي الذي يحكم لغيره بملك غيره ظلما؛ كما قاله شيخنا.
وفي «المواهب مع الشرح» : أن ابن النّجار في «تاريخ بغداد» روى من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة العتري «حليف بني عديّ» أبي محمد المدني ولد على عهد النبيّ ﷺ ، ووثّقه العجلي.
روى عن أبيه عامر صحابيّ مشهور حديثا لفظه: «أخسّ الناس صفقة: رجل أخلق يديه في آماله، ولم تساعده الأيام على أمنيّته؛ فخرج من الدّنيا بغير زاد، وقدم على الله بغير حجة» . وهو مما بيّض له الديلمي لعدم وقوفه له على سند.
انتهى ملخصا، ومثله في «الجامع الصغير وشرحه» .
٥٣- ( «إنّ الدّين) - بكسر الدال- أي: دين الإسلام (يسر) أي: ذو يسر؛ نقيض العسر، أو هو يسر، مبالغة لكثرة اليسر- بالنسبة للأديان قبله- كأنّه نفسه، لأنّ الله رفع عن هذه الأمة الإصر الّذي كان على من قبلهم.
ومن أوضح الأمثلة له أنّ توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمّة بالإقلاع والعزم على عدم العود والنّدم.
(ولن يشادّ) : أي: يقاوم (الدّين) بأن يتعمّق بكثرة العبادة كأن يصوم كلّ
стр. 1661
أحد إلّا غلبه» .
يوم، ويقوم جميع اللّيل، فإنه يعجز، فيترك جميع ذلك، فيصير معرضا عن الله بعد الإقبال، أو بالمبالغة في الطهارة والصّلاة وإخراج الحروف من مخارجها.
و «الدّين» منصوب على المفعولية، وفاعله قوله: (أحد) الثابت في رواية ابن السكن وفي بعض الروايات عند الأصيلي، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي وأبي نعيم وابن حبان وغيرهم، وأكثر رواة البخاري بإسقاط لفظ «أحد» على إضمار الفاعل للعلم به، و «الدين» نصب على المفعولية أيضا.
وحكى صاحب «المطالع» أن أكثر الروايات برفع «الدّين» على أنّ «يشادّ» مبنيّ لما لم يسمّ فاعله، وعارضه النووي بأنّ أكثر الروايات: بالنصب.
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما بأنّه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيّد النصب لفظ حديث بريدة عند أحمد: «إنه من يشادّ هذا الدين يغلبه» . ذكره في حديث آخر يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب. انتهى زرقاني
(إلّا غلبه» ) قال العلقمي: المعنى لا يتعمّق أحد في الأعمال الدينيّة ويترك الرّفق إلّا عجز وانقطع، فيغلب. قال في «الفتح» : وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنّه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلّي اللّيل ويغالب النّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللّيل؛ فنام عن صلاة الصّبح؛ أي: عن وقت الفضيلة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس؛ فخرج وقت الفريضة.
وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: «إنّكم لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة، وخير دينكم أيسره» .
وقد يستفاد من هذا، الإشارة إلى الأخذ بالرّخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرّخصة تنطّع، كمن يترك التيمّم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعمال الماء إلى حصول الضّرر.
стр. 1662
٥٤- «إنّ الصّبر عند الصّدمة الأولى» .
قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوّة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أنّ كلّ متنطّع في الدّين ينقطع. انتهى عزيزي.
وقال الطيبيّ: بناء المفاعلة في «يشادّ» ليس للمغالبة، بل للمبالغة نحو طارقت النّعل، وهو من جانب المكلّف، ويحتمل أن يكون للمبالغة على سبيل الاستعارة، والمستثنى منه عامّ الأوصاف؛ أي: لم يحصل ويستقرّ ذلك المشادّ على وصف من الأوصاف إلّا على وصف المغلوبيّة. انتهى زرقاني.
وتمام هذا الحديث: «فسدّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة» . انتهى من «الجامع الصغير» . ورمز له برمز البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي الزرقاني: قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث من أفراد البخاري؛ عن مسلم. انتهى.
٥٤- ( «إنّ الصّبر) ؛ الكامل المحبوب ما كان (عند الصّدمة الأولى» ) ؛ أي: عند زمن ابتداء المصيبة وشدّتها بخلاف زمن آخرها؛ فإنّه وإن كان فيه ثواب إلّا أنه دون الأوّل؛ لأنّ آخر المصيبة يهوّن الأمر شيئا فشيئا؛ فيحصل له التّسلّي.
والصّبر: حبس النفس على كريه تتحمّله أو لذيذ تفارقه، وهو لفظ عامّ ربّما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف موقعه. فحبس النفس لمصيبة يسمّى «صبرا» ؛ لا غير، ويقابله: الجزع، وحبسها في محاربة يسمى «شجاعة» ويقابله:
الجبن، وفي إمساك عن الكلام يسمّى «صمتا وكتمانا» ويقابله: القلق.
وأصل الصّدم: ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» باللّفظ الّذي أورده المصنف مرموزا له برمز الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
стр. 1663
٥٥- «إنّك لن تدع لله شيئا.. إلّا عوّضك الله خيرا منه» .
وسببه: أنّ النبيّ ﷺ مرّ بامرأة تبكي على صبيّ لها؛ فقال رسول الله ﷺ لها:
«اتقي الله واصبري» فقالت: إليك عنّي، فإنّك لم تصب بمصيبتي!، ولم تعرفه.
فقيل لها: إنّه النبيّ ﷺ ! فأتت بابه فلم تجد عنده بوّابين فقالت: لم أعرفك ...
فذكره.
وفي رواية: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى» وفي رواية: «إنّما الصّبر عند أوّل صدمة» ، وفي رواية: «الصّبر عند الصّدمة الأولى» .
( «إنّك لن تدع لله) ؛ أي: لمحض الامتثال من غير مشاركة غرض من الأغراض (شيئا) ؛ بأن لا تشدّد في طلبه لكون تركه فيه رفق بالمسلمين (إلّا عوّضك الله خيرا منه» ) في الدين والدنيا، لأنّك لما قهرت نفسك وهواك لأجل الله جوزيت بما هو أفضل وأنفع.
والحديث ذكره المناوي في «الطبقات» باللفظ الذي أورده المصنف.
وذكره العجلوني في «الكشف» بلفظ: «ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلّا له؛ إلّا عوّضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه» وقال: رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعا، وقال: غريب.
لكن له شواهد منها ما رواه التيمي في «ترغيبه» عن أبي بن كعب مرفوعا بلفظ: «لا يترك عبد شيئا لا يدعه إلّا لله، إلّا آتاه الله ما هو خير له منه» .
ولأحمد عن قتادة وأبي الدهماء: أنّهما نزلا على رجل من البادية، فقالا له:
هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئا؟ قال: نعم سمعته يقول: «إنّك لن تدع شيئا لله إلّا أبدلك الله به ما هو خير لك منه» . وفي لفظ له أيضا: «إنّك لن تدع شيئا اتّقاء الله إلّا أعطاك الله خيرا منه» . ورجاله رجال الصحيح.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر مرفوعا: «ما ترك عبد لله أمرا لا يتركه إلّا لله؛ إلّا عوّضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه» .
стр. 1664
٥٦- «إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم.. فسعوهم بأخلاقكم» .
وللطبراني وأبي الشيخ عن أبي أمامة مرفوعا: «من قدر على طمع من طمع الدّنيا فأدّاه ولو شاء لم يؤدّه؛ زوّجه الله من الحور العين حيث شاء» . انتهى.
٥٦- ( «إنّكم لن تسعوا) - بفتح السين المهملة- وفي رواية: «لا تسعون» بالفتح أيضا- أي: لا تطيقون أن تعمّوا (النّاس بأموالكم) لعزّة المال وكثرة الناس فلا يمكنكم ذلك (فسعوهم بأخلاقكم» ) بحيث تقبلون على كلّ منهم بالبشاشة وإظهار المودّة، وكأنّه جعل المال محلّا لطالبيه لاستراحة من حصل له منك مال، فاطمأنّ به كما يطمئنّ من هيّء له منزل يدفع عنه الضّرر.
وهذا الحديث ذكره في «المواهب» ، وقال: رواه أبو يعلى والبزار من طرق؛ أحدها حسن عن أبي هريرة رفعه بلفظ: «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» .
قال الزرقاني: أي: لا تتسع أموالكم لعطائهم، فوسّعوا أخلاقكم لصحبتهم.
والوسع والسّعة: الجدة والطّاقة، وذلك لأن استيعاب عامّتهم بالإحسان بالفعل لا يمكن، فأمر بجعل ذلك بالقول. كما قال تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [٨٣/ البقرة] .
وروى العسكري عن الصّولي: لو وزنت كلمة النبيّ ﷺ بأحسن كلام الناس كلّهم لرجحت على ذلك، وهي قوله: «إنكم..» الخ. قال: وقد كان ابن عبّاد كريم الوعد، كثير البذل، سريعا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه.
وقال إبراهيم بن أدهم: إنّ الرجل ليدرك بحسن خلقه ما لا يدركه بماله؛ لأنّ المال عليه فيه زكاة وصلة أرحام وأشياء أخر، وخلقه ليس عليه فيه شيء.
وقال ﷺ : «إنّ الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم باللّيل الظامىء بالهواجر» رواه الطبراني. انتهى. وذكر حديث المتن في «الجامع الصغير» بلفظ «المواهب» مرموزا له برمز البزار، وأبي نعيم في «الحلية» ، والحاكم، والبيهقي
стр. 1665
٥٧- «إنّ لصاحب الحقّ مقالا» .
٥٨- «إنّما الأعمال بالنّيّات» .
في «شعب الإيمان» . زاد المناوي: رواه الطبراني؛ كلّهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
٥٧- ( «إنّ لصاحب الحقّ) ؛ أي: الدّين (مقالا» ) صولة الطلب، وقوّة الحجة.
وأخذ منه الغزالي أنّ المظلوم من جهة القاضي له أن يتظلّم إلى السلطان وينسبه إلى الظلم، وكذا يقول المستفتي للمفتي: قد ظلمني أبي.. أو أخي.. أو زوجي. فكيف طريقي في الخلاص!؟. والأولى التعريض بأن يقول: ما قولكم في رجل ظلمه أبوه أو أخوه، لكن التعيين مباح؛ لما ذكر.
والحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: إن رجلا تقاضى رسول الله ﷺ فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال:
«دعوه، فإنّ لصاحب الحقّ مقالا» وهو من غرائب الصحيح، فإنه لا يروى عن أبي هريرة إلا بإسناد مداره على سلمة بن كهيل، وقد صرّح بأنّه سمعه من أبي سلمة بن عبد الرحمن بمنى حين حجّ.
وذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وبرمز أبي نعيم في «الحلية» عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه.
٥٨- ( «إنّما الأعمال) : جمع عمل، وهو حركة البدن؛ فيشمل القول ويتجوّز به عن حركة النفس، والمراد هنا عمل الجوارح الصّادرة من المؤمنين، أي: إنما صحتها (بالنّيّات) من مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: كل عمل بنيّته.
وقال الحربي: كأنه إشارة إلى تنويع النيّة كالأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل وعده، أو اتقاء وعيده.
стр. 1666
.........
وفي معظم الرّوايات: «بالنّيّة» بالإفراد لأن محلّها القلب؛ وهو متّحد، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر؛ وهي متعدّدة فناسب جمعها، أو لأنّ النّيّة ترجع إلى الإخلاص؛ وهو واحد للواحد الذي لا شريك له.
وفي «صحيح ابن حبان» : «الأعمال بالنّيّات» بحذف «إنّما» وجمعهما، وللبخاري في «الإيمان والعتق والهجرة» : «الأعمال بالنّيّة» بجمع «الأعمال» وإفراد «النّيّة» . وله في «النكاح» : «العمل بالنّيّة» بإفرادهما.
وهذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين؛ لأنّ «أل» في الأعمال للاستغراق، وهو مستلزم للحصر؛ لأنّ معناه: كلّ عمل بنيّة، فلا عمل إلّا بنية.
أو لأنّ «إنّما» للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق؛ أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع؛ أو بالعرف، أو تفيده بالحقيقة، أو بالمجاز؟ ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا، بل نقله شيخ الإسلام البلقيني عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلّا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية.
وعبّر بالأعمال دون الأفعال!! لأن الفعل قد يكون زمانه يسيرا ولا يتكرر، قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) [الفيل] ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [٤٥/ إبراهيم] حيث كان إهلاكهم في زمن يسير ولم يتكرر، بخلاف العمل فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد بالاستمرار والتكرار الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [٢٥/ البقرة] طلب منهم العمل الدائم المتجدد لا نفس العمل، قال تعالى فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) [الصافات] ولم يقل الفاعلون.
و «النيات» جمع نية؛- بكسر النون وشدّ المثناة التحتية في المشهور، وفي لغة: تخفيفها.
قال البيضاوي: هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض؛ من جلب نفع أو دفع ضرّ حالا أو مالا. والشرع خصّه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل؛ لابتغاء رضاء
стр. 1667
٥٩- «إنّما البيع عن تراض» .
٦٠- «إنّما العلم بالتّعلّم، ...
الله تعالى وامتثال حكمه. وهي محمولة في الحديث على المعنى اللّغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده من بقية الحديث وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيل لما أجمل.
والحديث أخرجه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة: البخاري؛ في سبعة مواضع من «صحيحه» ، ومسلم، والترمذي في «الجهاد» ، وأبو داود في «الطلاق» ، والنسائي في «الأيمان» ، وابن ماجه في «الزهد» ؛ كلهم من حديث عمر بن الخطاب. ولم يخرجه في «الموطأ» رواية الأكثرين، وخرّجه في رواية محمد بن الحسن عنه، ذكره في آخر «باب النوادر» قبيل آخر الكتاب بورقات.
٥٩- ( «إنّما البيع) ؛ أي: الجائز الصحيح شرعا الذي يترتب عليه أثره؛ الذي هو انتقال الملك وحلّ الانتفاع: هو ما وقع (عن تراض» ) من المتعاقدين مع باقي أركانه وشروطه، بخلاف ما لو صدر بنحو إكراه بغير حقّ، فلا أثر له، بل المبيع باق على ملك البائع؛ وإن صدرت صورة البيع.
وأفاد الحديث بإناطة الانعقاد بالرضى؛ اشتراط الصيغة لوجود صورته الشرعية في الوجود، لأنّ الرضى أمر خفيّ لا يطّلع عليه، فاعتبر ما يدلّ عليه وهو الصّيغة.
والحديث أخرجه ابن ماجه والضّياء؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قدم يهودي بتمر وشعير وقد أصاب الناس جوع، فسألوه أن يسعّر لهم فأبى ... وذكر الحديث.
٦٠- ( «إنّما العلم) ؛ أي: اكتسابه في الابتداء، وإدراك الأحكام ووصولها إلى الذّهن (بالتّعلّم) من العلماء؛ أي: بالأخذ في أسبابه من سؤال العلماء العارفين، والاعتناء بالتّلقّي عنهم، وإنّما بقاؤه وعدم ضياعه بمذاكرته وعدم الغافلة عنه، ولا يستحي من السؤال عمّا أشكل.
стр. 1668
وإنّما الحلم بالتّحلّم» .
قال مجاهد: لا يتعلّم العلم مستحي ولا مستكبر.
وقيل لابن عباس: بم نلت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول.
والحصر في الحديث بالنّظر للغالب، وإلّا! فقد يحصل العلم بسبب الرياضة المقتضية لإفاضة العلوم على القلب من غير تعلم.
(وإنّما الحلم) ؛ أي: المكتسب (بالتّحلّم» ) ؛ أي: بحمل النفس عليه.
قال الراغب: الحلم: إمساك النفس عن هيجان الغضب. والتّحلّم: إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب. انتهى.
وفيه إشارة إلى أنّ الملكة قد تحصل بالاكتساب، فإذا كان عادته الغضب والانتقام؛ وعالج نفسه ومنعها من الانتقام المرّة بعد الآخرى، تعوّدت على الحلم حتى صار ملكة له، وكذا معالجة نحو الكبر والبخل والعجب والحسد تقتضي تبدّل الوصف الذميم بالوصف الجميل.
والحديث قال العجلوني في «الكشف» : رواه الطبراني في «الكبير» ، وأبو نعيم والعسكري عن أبي الدرداء رفعه بلفظ: «إنّما العلم بالتعلم والحلم بالتّحلّم، ومن يتحرّ الخير يعطه، ومن يتوقّ الشرّ يوقه. لم يسكن الدرجات العلى؛ ولا أقول لكم من الجنة: من استقسم، أو تطيّر طيرا يردّه من سفره» .
وفي سنده محمد بن الحسن الهمذاني: كذاب. ولكن رواه البيهقي في «المدخل» عن أبي الدرداء موقوفا.
وفي رواية للطبراني؛ وكذا البيهقي عن أبي الدرداء بزيادة بعد قوله «يوقه» :
«ثلاث من كنّ فيه لم يسكن الدّرجات العلى، ولا أقول لكم الجنّة من تكهّن، أو استقسم؛ أو ردّ من سفر تطيّرا» .
وأخرجه العسكري عن أنس مرفوعا، وعن معاوية مرفوعا بلفظ: «يا أيها الناس؛ إنّما العلم بالتّعلّم والفقه بالتّفقّه، ومن يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين،
стр. 1669
٦١- «إنّما المرء بخليله، ...
وإنّما يخشى الله من عباده العلماء» .
وأخرجه الطبراني في «الكبير» وابن أبي عاصم في «العلم» عن معاوية أيضا.
وجزم البخاري بتعليقه؛ فقال: وقال النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين» ، وقال: «إنّما العلم بالتّعلم» .
وأخرجه الدارقطني في «الأفراد» والخطيب؛ كلاهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والخطيب عن أبي الدرداء بلفظ: «إنّما العلم بالتّعلم، وإنّما الحلم بالتّحلّم، ومن يتحرّ الخير يعطه، ومن يتوقّ الشرّ يوقه»
وأخرجه أبو نعيم عن شداد بن أوس بلفظ: إنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ ماذا يزيد في العلم؟ قال: «التّعلم» . وفي سنده كذّاب، وهو عمر بن صبيح.
وأخرجه البزار بسند في حديث طويل رجاله ثقات عن ابن مسعود مرفوعا أنّه كان يقول: «فعليكم بهذا القرآن فإنه مأدبة الله، فمن استطاع منكم أن يأخذ من مأدبة الله فليفعل، فإنّما العلم بالتّعلم» .
وروى البيهقي في «المدخل» ، والعسكري في «الأمثال» : كلاهما عن أبي الأحوص أنه قال: «إنّ الرجل لا يولد عالما، وإنّما العلم بالتّعلم» .
وروى العسكري أيضا عن حميد الطويل أنّه قال: كان الحسن يقول: إذا لم تكن حليما فتحلّم، وإذا لم تكن عليما فتعلّم، فقلما تشبّه رجل بقوم إلّا كان منهم.
وروى العسكري أيضا من وجه آخر عن عمرو البجلي أنه قال: الحسن هو الله، والله أحسن منك رداء، وإن كان رداؤك حبرة رداؤه الحلم، فإن لم يكن حلم لا أبالك- فتحلّم، فإنّ من تشبّه بقوم لحق بهم. انتهى.
٦١- ( «إنّما المرء) : يعني الإنسان (بخليله) ؛ أي: صاحبه، يعني: هو على عادته وطريقته وسيرته، لأن الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يشعر،
стр. 1670
فلينظر المرء من يخالل» .
(فلينظر) ؛ أي: فليتأمّل ويتدبّر (المرء) بعين بصيرته إلى أمور (من يخالل» ) ؛ أي: الذي يريد صداقته، فمن رآه ورضي دينه وخلقه صادقه، ومن سخط دينه فليجتنبه، ومن رآه يرى له مثل ما يرى له؛ صحبه، فأقلّ درجات الأخوّة والصّداقة النظر بعين المساواة، والكمال رؤية الفضل للأخ، وفي معنى الحديث قول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
فإن كان ذا شرّ فجنّبه سرعة ... وإن كان ذا خير فقارنه تهتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردا فتردى مع الرّدي
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللفظ الذي أورده المصنف.
وذكره النووي في «رياض الصالحين» بلفظ: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ؛ وقال: رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال الترمذي: حديث حسن. ومثله في «الجامع الصغير» .
وذكره العجلوني في «الكشف» بلفظ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» . وقال: رواه أبو داود والترمذي وحسّنه، والبيهقي، والقضاعي عن أبي هريرة رفعه، وتساهل ابن الجوزي فأورده في «الموضوعات» ومن ثمّ خطّأه الزركشي، وتبعه في «الدرر» .
وقال الحافظ في «اللآلئ» : والقول ما قال الترمذي. يعني: أن الحديث حسن.
ورواه العسكري عن أنس رفعه بلفظ: «المرء على دين خليله، ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الخير؛ أو من الحقّ مثل الذي ترى له» ورواه ابن عدي في «كامله» بسند ضعيف. وأورده جماعة؛ منهم البيهقي في «شعبه» بلفظ: من يخالّ- بلام مشددة-. انتهى كلام «الكشف» .
стр. 1671
٦٢- «إنّ من البيان لسحرا» .
وفي «دليل الفالحين» : قال السيوطي في «المرقاة» : هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على «المصابيح» ، وزعم أنه موضوع.
قلت: قال الحافظ العلائي: نسبة هذا الحديث إلى الوضع جهل قبيح، بل هو حسن؛ كما قال الترمذي، ولا ينتهي إلى الضعف فضلا عن الوضع.
قال الحافظ العسقلاني في ردّه عليه: قد حسّنه الترمذي، وصححه الحاكم.
انتهى كلام «دليل الفالحين» . ملخصا.
ثم قال ابن علان: وبه يعلم ما في قول المصنف- يعني النووي- بإسناد صحيح، إلا أن يريد به المقبول مجازا، فيشمل الحسن، والله أعلم.
٦٢- ( «إنّ من البيان) هو: المنطق الفصيح المعرب عمّا في الضمير. وقال القاضي: البيان: جمع الفصاحة في اللفظ والبلاغة باعتبار المعنى. (لسحرا» ) بفتح لام التوكيد-؛ أي: إنّ من البيان لنوعا يحلّ من العقول والقلوب في التمويه محلّ السّحر، والسّحر- في الأصل-: الصّرف، قال تعالى فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) [المؤمنون] وسمّي السحر سحرا!! لأنه مصروف عن جهته. والساحر بسحره يزيّن الباطل في عين المسحور حتى يراه حقّا، فكذا المتكلم بمهارته في البيان وتفنّنه في البلاغة وترصيف النظم؛ يسلب عقل السامع، ويشغله عن التفكر فيه والتدبّر له؛ حتى يخيّل إليه الباطل حقّا والحقّ باطلا، وهذا معنى قول ابن قتيبة «إن منه ما يقرب البعيد، ويبعد القريب، ويزين الباطل القبيح، ويعظم الصغير؛ فكأنه سحر» .
والقصد النهي عن ذلك كالنهي عن السحر؛ إن كان ذلك البيان لأجل ستر حقّ ونصرة باطل. ويحتمل أنه مدح إن كان زخرفة العبارة لأجل قبول حقّ ونصره؛ فيكون تشبيهه بالسحر من حيث استمالة القلوب فقط، لا في النهي.
وهذا قاله النبيّ ﷺ حين قدم وفد تميم وفيهم الزّبرقان وعمرو بن الأهيم فخطبا
стр. 1672
.........
ببلاغة وفصاحة، ثمّ فخر الزبرقان فقال: يا رسول الله؛ أنا سيّد بني تميم، والمطاع فيهم، والمجاب لديهم، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه؛ فقال الزّبرقان: والله لقد علم مني أكثر ممّا قال؛ ما منعه أن يتكلم إلّا الحسد!!
فقال عمرو: أنا أحسدك! والله إنّك للئيم الخال، حديث المال، ضيّق العطن، أحمق الولد، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أوّلا، وما كذبت فيما قلت ثانيا؛ لكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والآخرى جميعا.
فقال رسول الله ﷺ : «إن من البيان لسحرا» . قال الميداني: هذا المثال في استحسان النطق وإيراد الحجة البالغة.
قال التوربشتي: وحقّه أن يقال إن بعض البيان كالسّحر، لكنّه جعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا. انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه الإمام مالك، والإمام أحمد، والبخاري في «النكاح والطّبّ» ، وأبو داود في «الأدب» ، والترمذي في «البرّ» : كلهم عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إنّ من البيان سحرا، وإن من الشّعر حكما» . ورمز له برمز الإمام أحمد وأبي داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والجملة الثانية في البخاري بلفظ: «إنّ من الشّعر لحكمة» من حديث أبيّ ﵁.
وذكره في «الجامع الصغير» أيضا بلفظ: «إنّ من البيان سحرا، وإنّ من العلم جهلا، وإنّ من الشّعر حكما، وإن من القول عيالا» ورمز له برمز أبي داود في «الأدب» ؛ من حديث صخر بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جدّه: بريدة بن الحصيب ﵃ آمين.
стр. 1673
٦٣- «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها» .
٦٣- ( «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» ) الذي يدخل منه إلى المدينة، فإن المصطفى ﷺ المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلّها، ولا بدّ للمدينة من باب، فأخبر أن بابها هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فمن أخذ طريقه دخل المدينة، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى، وقد شهد له بالأعلميّة الموافق والمخالف، والمعادي والمحالف؛
أخرج الكلاباذي: أن رجلا سأل معاوية رضي الله تعالى عنه عن مسألة، فقال: سل عليا؛ هو أعلم مني. فقال: أريد جوابك، قال: ويحك كرهت رجلا كان رسول الله ﷺ يعزّه بالعلم عزّا!!.
وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك، وكان عمر بن الخطاب يسأله عمّا أشكل عليه؛ جاءه رجل فسأله، فقال: ههنا عليّ فاسأله؛ فقال: أريد أسمع منك؛ يا أمير المؤمنين!! قال: قم؛ لا أقام الله رجليك. ومحا اسمه من الدّيوان.
وصحّ عنه من طرق أنه كان يتعوّذ من قوم ليس فيهم عليّ بن أبي طالب حتى أمسكه عنده ولم يولّه شيئا من البعوث لمشاورته في المشكل.
وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال: ذكر لعطاء: أكان أحد من الصحب أفقه من علي؟! قال: لا والله.
قال الحرالي: قد علم الأولون والآخرون أنّ فهم كتاب الله تعالى منحصر إلى علم عليّ، ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن القلوب الحجاب حتى يتحقّق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء. إلى هنا كلامه؛ ذكره المناوي.
وفيه أيضا: وناهيك بهذه المرتبة ما أسناها، وهذه المنقبة ما أعلاها، ومن زعم أن المراد «وعلي بابها» أنه مرتفع من العلوّ وهو الارتفاع فقد تنحّل لغرضه
стр. 1674
.........
الفاسد بما لا يجديه، ولا يسمنه ولا يغنيه.
أخرج أبو نعيم عن ترجمان القرآن مرفوعا: ما أنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا وعليّ رأسها وأميرها.
وأخرج عن ابن مسعود قال: كنت عند النبي ﷺ فسئل عن عليّ كرم الله وجهه! فقال: «قسمت الحكمة عشرة أجزاء؛ فأعطي عليّ تسعة أجزاء، والناس جزآ واحدا» .
وعنه أيضا: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، ما منها حرف إلّا وله بطن وظهر، وأما عليّ؛ فعنده منه علم الظاهر والباطن» .
وأخرج أيضا عن سيّد المرسلين وإمام المتقين: «أنا سيّد ولد آدم؛ وعليّ سيّد العرب» . وأخرج أيضا: «عليّ راية الهدى» .
وأخرج أيضا: «يا عليّ؛ إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتسعى» ، وأنزلت عليه هذه الآية وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)
[الحاقة] .
وأخرج عن ابن عباس: كنا نتحدّث أنّ رسول الله ﷺ عهد إلى عليّ كرم الله وجهه سبعين عهدا لم يعهده إلى غيره. والأخبار في هذا الباب لا تكاد تحصى.
انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ، مرموزا له برمز العقيلي، وابن عدي، والطبراني في «الكبير» ، والحاكم في «المستدرك» وصحّحه، زاد المناوي:
وكذا أبو الشيخ في «السنة» : كلّهم عن ابن عباس «ترجمان القرآن» مرفوعا مع زيادة: «فمن أراد العلم فليأت الباب» . ورمز له أيضا برمز ابن عدي والحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.
قال المناوي: ورواه الإمام أحمد بدون الزيادة يعني قوله: «فمن أراد العلم فليأت الباب» . قال الذهبي- كابن الجوزي-: موضوع، وقال أبو زرعة: كم خلق افتضحوا به. وقال ابن معين: لا أصل له. وقال الدارقطني: غير ثابت،
стр. 1675
.........
وقال الترمذي؛ عن البخاري: منكر، وتعقّبه جمع من الأئمة منهم الحافظ العلائي فقال: من حكم بوضعه فقد أخطأ، والصواب أنه حسن باعتبار طرقه؛ لا صحيح ولا ضعيف. وليس هو من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول، بل هو كخبر:
«أرأف أمّتي بأمتي أبو بكر» . قال الزركشي: الحديث ينتهي إلى درجة الحسن المحتجّ به، ولا يكون ضعيفا، فضلا عن كونه موضوعا!!
وفي «لسان الميزان» : هذا الحديث له طرق كثيرة في «المستدرك» أقلّ أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي إطلاق القول عليه بالوضع. انتهى.
ورواه الخطيب في «التاريخ» باللفظ المذكور من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ثم قال: قال القاسم: سألت ابن معين عنه؛ فقال: هو صحيح. قال الخطيب: قلت: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية؛ وليس بباطل، إذ رواه غير واحد عنه، وأفتى بحسنه ابن حجر، وتبعه السخاوي؛ فقال: هو حديث حسن. انتهى؛ كلام المناوي على «الجامع» .
وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «أنا دار الحكمة، وعليّ بابها» . ورمز له برمز الترمذي عن علي بن أبي طالب، أي: من رواية إسماعيل بن موسى الفزاري؛ عن محمد بن عمر الرومي، عن شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي عبد الضياء، عن عليّ وقال: غريب. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال في «المقاصد» : إنه رواه الترمذي في «المناقب» من «جامعه» ، وأبو نعيم في «الحلية» وغيرهما من حديث عليّ: أنّ النبيّ ﷺ قال: «أنا دار الحكمة وعليّ بابها» قال الدارقطني في «العلل» : إنّه حديث مضطرب غير ثابت.
وقال الترمذي: إنه منكر، وكذا قال شيخه البخاري، وقال: إنه ليس له وجه صحيح. وقال ابن معين- فيما حكاه الخطيب في «تاريخ بغداد» -: إنه كذب لا أصل له، وأورده ابن الجوزي من هذين الوجهين في «الموضوعات» ووافقه
стр. 1676
.........
الذهبي وغيره على ذلك. انتهى كلام «المقاصد» .
وقال المناوي في «شرح الجامع» بعد ذكر حديث عليّ من رواية شريك المذكور: وزعم القزويني كابن الجوزي وضعه، وأطال العلائي في ردّه. وقال:
لم يأت أبو الفرج ولا غيره بعلّة قادحة في هذا الخبر؛ سوى دعوى الوضع دفعا بالصّدر.
وسئل عنه الحافظ ابن حجر في «فتاويه» فقال: هذا حديث صحّحه الحاكم، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» ؛ وقال: إنه كذب.
والصواب خلاف قولهما معا، وأنه من قسم الحسن: لا يرتقي إلى الصحة؛ ولا ينحطّ إلى الكذب. قال: وبيانه يستدعي طولا لكن هذا هو المعتمد. انتهى كلام المناوي.
وقال الحافظ السيوطي في «الدرر» : وقد بسطت كلام العلائي وابن حجر في «التعقبات على الموضوعات» ، وقال في «اللآلئ» بعد كلام طويل:
والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتجّ به. انتهى.
وقال في «شرح الهمزية» لابن حجر المكي عند قولها «كم أبانت عن علوم» :
إنّه حسن خلافا لمن زعم وضعه. انتهى.
وقال في «الفتاوى الحديثية» : رواه جماعة وصححه الحاكم، وحسّنه الحافظان العلائي وابن حجر. انتهى.
وقد ألّف العلامة حافظ العصر أبو الفيض أحمد بن الصّدّيق الغماري المتوفى سنة ١٣٨٢ رحمه الله تعالى مؤلفا خاصّا في هذا الحديث؛ سمّاه «فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم عليّ» وقد طبع بمصر فليطلبه من أراده.
وما ذكرناه هو خلاصة ما قيل في هذا الحديث، ومن أراد المزيد فليراجع
стр. 1677
٦٤- «أنت ومالك لأبيك» .
«المقاصد» و «الكشف» و «اللآلئ المصنوعة» مع مؤلّف السيد أحمد الغماري رحمه الله تعالى. آمين.
٦٤- ( «أنت) أيّها الرجل القائل «إنّ أبي يريد أن يجتاح مالي» ؛ أي:
يستأصله (ومالك لأبيك» ) يعني: إنّ أباك كان سببا في وجودك، ووجودك سبب وجود مالك، فإذا احتاج فله الأخذ منه بقدر الحاجة؛ كما يأخذ من مال نفسه إذا كان المأخوذ فاضلا عن حاجة الابن، ومثل الأب سائر الأصول؛ ولو من جهة الأم، ومثل الابن سائر الفروع؛ ولو من جهة البنت.
وسببه- كما في ابن ماجه عن جابر بن عبد الله- أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ إنّ لي مالا وولدا، وإن أبي يجتاح مالي، فذكره حملا له على برّ أبيه، وعدم عقوقه، فليس المراد إباحة ماله له حتى يستأصله بلا حاجة.
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز ابن ماجه في «التجارة» ؛ عن جابر بن عبد الله. قال ابن حجر الحافظ في «تخريج أحاديث الهداية» : رجاله ثقات لكن قال البزار: إنما يعرف عن هشام، عن ابن المنكدر مرسلا، وقال البيهقي: أخطأ من وصله عن جابر.
انتهى مناوي على «الجامع» .
ورمز له في «الجامع» أيضا برمز الطبراني في «الكبير» .
قال المناوي: وكذا البزار، كلاهما عن سمرة بن جندب وابن مسعود. قال الحافظ الهيثمي: ومن طريق سمرة فيه عبد الله بن إسماعيل الحوداني، قال أبو حاتم: ليّن، وبقية رجال البزار ثقات. انتهى. ومفهومه: أنّ رجال الطبراني ليسوا كذلك، ومن طريق ابن مسعود فيه إبراهيم بن عبد الحميد؛ ولم أجد من ترجمه!! وبقية رجاله ثقات. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: فيه من طريق ابن مسعود هذا: معاوية بن يحيى وهو
стр. 1678
.........
ضعيف. وأما حديث سمرة، فإن العقيلي بعد تخريجه عنه قال: وفي الباب أحاديث فيها لين، وبعضها أحسن من بعض.
وقال البيهقي: روي من وجوه موصولا لا يثبت مثلها، وقال الحافظ ابن حجر في موضع آخر: قد أشار البخاري في «الصحيح» إلى تضعيف هذا الحديث.
انتهى؛ نقله المناوي على «الجامع الصغير» .
وقال في «كشف الخفا» : وله طرق أخرى عند البيهقي في «الدلائل» ، والطبراني في «الأوسط» و «الصغير» بسند فيه المنكدر- ضعّفوه- عن جابر؛
قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إنّ أبي أخذ مالي، فقال النبي ﷺ : «اذهب فأتني بأبيك» ، فنزل جبريل على النبيّ ﷺ فقال: إنّ الله يقرئك السلام؛ ويقول لك: إذا جاء الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه؛ ما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبيّ ﷺ : «ما بال ابنك يشكوك؛ تريد أن تأخذ ماله» ؟ قال: سله يا رسول الله؛ هل أنفقته إلّا على إحدى عمّاته أو خالاته؛ أو على نفسي!! فقال النبيّ ﷺ : «إيه دعنا من هذا؛ أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك» . فقال الشيخ: والله يا رسول الله؛ ما يزال الله يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. فقال: «قل وأنا أسمع، فقال: قلت:
غذوتك مولودا ومنتك يافعا ... تعلّ بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسّقم لم أبت ... لسقمك إلّا ساهرا أتململ
كأنّي أنا المطروق دونك بالّذي ... طرقت به دوني فعينيّ تهمل
تخاف الرّدى نفسي عليك؛ وإنّها ... لتعلم أنّ الموت وقت مؤجّل
فلمّا بلغت السّنّ والغاية الّتي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنّك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل
تراه معدّا للخلاف كأنّه ... بردّ على أهل الصّواب موكّل
стр. 1679
.........
ويروى بدل البيت الأخير قوله:
فأوليتني حقّ الجوار فلم تكن ... عليّ بمال دون مالك تبخل
قال: فحينئذ أخذ النبيّ ﷺ بتلابيب ابنه؛ وقال: «أنت ومالك لأبيك» .
وذكره في «الكشاف» في تفسير سورة الإسراء بلفظ:
شكا رجل إلى رسول الله ﷺ أباه وأنّه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكّأ على عصا، فسأله فقال: إنّه كان ضعيفا وأنا قويّ، وفقيرا وأنا غنيّ، فكنت لا أمنعه شيئا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قويّ وأنا فقير وهو غنيّ؛ وهو يبخل عليّ بماله.
فبكى ﵊ وقال: «ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلّا بكى» ، ثمّ قال للولد: «أنت ومالك لأبيك» وقال مخرّجه: لم أجده.
وقال في «المقاصد» قال شيخنا: أخرجه في «معجم الصحابة» من طريق وبيّض له. قال: قلت: وكأنه رام ذكر الذي قبله.
والحديث عند البزار في «مسنده» ؛ عن عمر أنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: إنّ أبي يريد أن يأخذ مالي ... فذكره، وهو منقطع.
وأخرجه الطبراني في «معاجيمه» الثلاثة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رجل إلى النبيّ ﷺ يستعدي على والده، قال: إنه أخذ منّي مالي، فقال له رسول الله ﷺ : «أما علمت أنّك ومالك من كسب أبيك» .
وأخرج ابن ماجه؛ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:
جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّ أبي اجتاح مالي؛ قال: «أنت ومالك لأبيك، إنّ أولادكم من طيب كسبكم فكلوا من أموالكم» . وأخرجه أحمد عنه، وكذا ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قال في «المقاصد» : والحديث قويّ.
стр. 1680
٦٥- «أن تفعل الخير خير لك» .
٦٦- «أنزلوا النّاس منازلهم» .
٦٥- ( «أن تفعل الخير خير لك» ) «أن» حرف مصدري فهو بفتح الهمزة، أي: فعلك الخير واشتغالك به خير لك من خلافه الّذي هو الترك؛ أو الاشتغال بالشرّ، فإنّ النّفس إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشرّ؛ فينبغي للإنسان أن يوجّه اهتمامه إلى وجوه الخير وأعمال البرّ؛ ليكون ذلك شغلا شاغلا له عن التوجّه إلى الشّر والتفكير فيه. والحديث المذكور لم أقف على من ذكره؛ ولا من خرّجه.
٦٦- ( «أنزلوا) الخطاب للأئمة أو عامّ (النّاس) ؛ من مسلم وكافر، وولي وصالح وعالم، وغني وفقير، وكبير وصغير وأشيب وغيره (منازلهم» ) ؛ أي:
احافظوا حرمة كلّ أحد على قدره، وعاملوه بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف؛ فلا تسوّوا بين الخادم والمخدوم، والرئيس والمرؤوس، فإنه يورث عداوة وحقدا في النفوس؛ لأن الإكرام غذاء الآدمي، والتارك لتدبير الله في خلقه لا يستقيم حاله، وقد دبّر الله تعالى الأحوال لعباده غنى وفقرا، وعزّا وذلّا، ورفعة وضعة؛ ليبلوكم أيّكم أشكر، فالعامل عن الله يعاشر أهل دنياه على ما دبّر الله لهم، فإذا لم ينزله المنزلة الّتي أنزله الله، ولم يخالقه بخلق حسن؛ فقد استهان به وجفاه، وترك موافقة الله في تدبيره.
فالمراد بالحديث الحضّ على مراعاة مقادير النّاس ومراتبهم ومناصبهم، وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام ... وغير ذلك من الحقوق.
فمنزلة العالم فوق منزلة الجاهل، ومنزلة الغني فوق منزلة غيره الّتي اعتادها بحيث لو ترك ذلك لأورث حقدا.
ومن ذلك قبول هديته، فينبغي عدم الردّ، إلّا إذا بلغ رتبة الزهد والورع. وإلّا إذا كانت في المعنى جعالة على قضاء حاجة، فالأولى الردّ صونا للمروءة، وبعضهم حرّمها إذا كانت بهذه الصّفة.
стр. 1681
.........
فإذا سوّيت بين شريف ووضيع وغنيّ وفقير في مجلس أو عطية؛ كان ما أفسدت أكثر ممّا أصلحت.
فالغنيّ إذا أقصيت مجلسه، أو حقرت هديته يحقد عليك، لما أنّ الله تعالى لم يعوّده ذلك، وإذا عاملت الولاة بما عاملت به الرّعية؛ فقد عرّضت نفسك للبلاء.
وقد عدّ العسكري هذا الحديث من الأمثال والحكم، وقال: هذا ممّا أدّب به المصطفى ﷺ أمته من إيفاء الناس حقوقهم؛ من تعظيم العلماء والأولياء، وإكرام ذي الشيبة المسلم، وإجلال الكبير وما أشبهه.
انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث رواه مسلم تعليقا في مقدمة «صحيحه» فقال: ويذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. ووصله أبو نعيم في «المستخرج» وأبو داود، وابن خزيمة، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي في «الأدب» ، والعسكري في «الأمثال» وغيرهم من حديث ميمون بن أبي شبيب أنه قال:
جاء سائل إلى عائشة رضي الله تعالى عنها فأمرت له بكسرة، وجاء رجل ذو هيئة فأقعدته معها، فقيل لها: لم فعلت ذلك؟ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم.
قال في «اللآلئ» : وأعلّه أبو داود بأن ميمونا لم يدرك عائشة، وردّ عليه بأن ميمونا هذا كوفي قديم أدرك المغيرة، والمغيرة مات قبل عائشة، ومجرّد المعاصرة كاف عند مسلم، وقد حكم الحاكم بصحّته، وتبعه ابن الصلاح في «علومه» .
انتهى ما في «اللآلئ» .
ورواه أبو نعيم في «الحلية» بلفظ: إن عائشة كانت في سفر فأمرت لناس من قريش بغداء؛ فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة؛ فقالت: ادعوه فنزل، فأكل ومضى، وجاء
стр. 1682
٦٧- «انظري أين أنت منه، فإنّما هو جنّتك ونارك» ؛ يعني:
الزّوج.
سائل فأمرت له بكسرة. فقالت: إن هذا الغنيّ لم يجمل بنا إلّا ما صنعنا به، وإن هذا السائل سأل فأمرت له بما يترضاه، وإن رسول الله ﷺ أمرنا أن ننزل الناس منازلهم.
ولفظ أبي داود: أنزلوا الناس منازلهم. وقد صحّحه الحاكم وغيره.
قال في «المقاصد» : تعقّب بالانقطاع، وبالاختلاف في رفعه ووقفه كما بسطت ذلك في أول ترجمة شيخنا مع الإلمام بمعناه.
وورد عن غير عائشة أيضا:
١- كمعاذ، فروى حديثه مرفوعا الخرائطي في «مكارم الأخلاق» بلفظ:
«أنزل الناس منازلهم من الخير والشرّ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصّالحة» .
و٢- كجابر، فروى حديثه مرفوعا في «جزء» الغسولي بلفظ: «جالسوا الناس على قدر أحسابهم، وخالطوا الناس على قدر أديانهم، وأنزلوا الناس على قدر منازلهم، وداروا الناس بعقولكم» .
و٣- كعليّ، فروى حديثه موقوفا في «تذكرة الغافل» بلفظ: «من أنزل الناس منازلهم رفع المؤونة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره فقد اجترّ عداوته» .
وبالجملة فحديث عائشة حسن، وقال في «التمييز» : وذكره الحاكم أبو عبد الله في كتابه «معرفة علوم الحديث» وقال: حديث صحيح.
انتهى من «كشف الخفا» للعجلوني رحمه الله تعالى.
٦٧- ( «انظري) ؛ أي: تأملي أيتها المرأة الّتي هي ذات بعل (أين أنت منه) ؛ أي: في أي منزلة أنت من زوجك!! أقريبة من مودته؛ مسعفة له عند شدّته، ملبية لدعوته، أم متباعدة من مرامه؛ كافرة لعشرته وإنعامه؟!
(فإنّما هو) ؛ أي الزوج (جنّتك ونارك» . يعني: الزّوج) أي: هو سبب
стр. 1683
٦٨- «أنهاكم عن قيل، وقال، ...
لدخولك الجنّة برضاه عنك، وسبب لدخولك النار بسخطه عليك، فاعرفي حقّه وأحسني عشرته، ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصية، وهذا قاله النبي ﷺ للمرأة الّتي جاءت تسأله عن شيء؛ فقال: «أذات زوج أنت» ؟ قالت: نعم، قال:
«كيف أنت منه؟!» قالت: لا آلوه إلّا ما عجزت عنه. فذكر الحديث.
وأخذ الذهبي من هذا الحديث ونحوه أنّ النشوز كبيرة.
والحديث رواه النسائي من طريقين، وعزاه له جمع جمّ؛ منهم الذهبي في «الكبائر» ، ولفظه: قالت عمة حصين ... وذكرت زوجها للنبيّ ﷺ فقال:
«أين أنت منه! فإنّه جنّتك ونارك» أخرجه الذهبي من وجهين؛ نقله المناوي.
وذكره في «الجامع الصغير» ورمز له برمز الطبراني في «الكبير» وابن سعد في «الطبقات» كلاهما عن عمة حصين- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرا-:
ابن محصن- بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الصاد-. وفي العزيزي قال الشيخ:
حديث صحيح.
٦٨- ( «أنهاكم عن قيل وقال) قال في «شرح مسلم» : هو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم.
وقال في «رياض الصالحين» : معناه: الحديث بكلّ ما يسمعه فيقول «قيل كذا» ، و «قال فلان كذا» ممّا لا يعلم صحته ولا يظنّها، و «كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكلّ ما سمع» . انتهى.
وقال في «شرح مسلم» : واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين:
أحدهما: أنهما فعلان، ف «قيل» : مبنيّ لما لم يسمّ فاعله، و «قال» : فعل ماض.
والثاني: أنهما [ «قيل وقال» ] اسمان مجروران منوّنان؛ لأن القيل والقال والقول والقالة؛ كلّه بمعنى، ومنه قوله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) [النساء] ومنه
стр. 1684
وكثرة السّؤال» .
قولهم: كثرة القيل والقال. انتهى.
(وكثرة السّؤال» ) قال في «شرح مسلم» : قيل المراد به القطع في المسائل والإكثار من السؤال عمّا لم يقع ولا تدعو إليه حاجة.
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنّهي عن ذلك، وكان السّلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلّف المنهيّ عنه.
وفي «الصحيح» : كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها.
وقيل: المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك.
وقيل: يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان، وهذا ضعيف، لأنّه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال.
وقيل: يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل في ذلك سؤاله عما لا يعنيه ويتضمّن ذلك حصول الحرج في حقّ المسؤول، فإنّه قد لا يؤثر إخباره بأحواله، فإن أخبره شقّ عليه، وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقّة، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. انتهى.
قال في «دليل الفالحين» : والأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعمّ الجميع، وذلك لأنّه اسم جنس محلّى ب «أل» فيعمّ، أمّا سؤال المال للغير!! فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، ولنفسه لحاجة فلا كراهة؛ بشرط عدم الإلحاح، وذلّ نفسه زيادة على ذلّ السؤال والمسؤول؛ فإن فقد شرط حرم. انتهى ملخصا.
والحديث ذكره بهذا اللفظ في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى الموصلي، وأخرجه الشيخان: البخاري في ثلاثة مواضع: «الزكاة والاستقراض والأدب» ، ومسلم في «الأحكام» ؛
стр. 1685
٦٩- «ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .
عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى حرّم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا، وهات، ووأد البنات، وكره لكم: قيل، وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» وهذا لفظ البخاري في «الأدب» .
٦٩- ( «ألا لا طاعة) خبر بمعنى النهي (لمخلوق) من المخلوقين كائنا من كان ولو أبا أو أما أو زوجا (في معصية الخالق» ) بل كلّ حقّ؛ وإن عظم، ساقط إذا جاء حقّ الله، إنّما الطّاعة فيما رضيه الشارع واستحسنه، فإذا أمر الإمام بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم: ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [٥٩/ النساء] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [٥٩/ النساء] . قال ابن الأثير: يريد طاعة ولاة الأمور إذا أمروا بما فيه إثم كقتل ونحوه. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» باللفظ الذي أورده المصنف.
ورواه الإمام أحمد، والحاكم عن عمران بن الحصين، وعن الحكم بن عمرو الغفاري رضي الله تعالى عنهم بلفظ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» قال الحافظ الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال في العزيزي: إسناده حسن.
ورواه البغوي عن النوّاس، وابن حبان عن عليّ بلفظ: «لا طاعة لبشر في معصية الله» ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي رضي الله تعالى عنه بلفظ «لا طاعة لأحد في معصية الله ... » ، إنما الطّاعة في المعروف» .
وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه في رواية: «لا طاعة لمن لم يطع الله» . وفي رواية لأحمد أيضا: «لا طاعة لمن عصى الله» . قال الحافظ