.........
فإذا سوّيت بين شريف ووضيع وغنيّ وفقير في مجلس أو عطية؛ كان ما أفسدت أكثر ممّا أصلحت.
فالغنيّ إذا أقصيت مجلسه، أو حقرت هديته يحقد عليك، لما أنّ الله تعالى لم يعوّده ذلك، وإذا عاملت الولاة بما عاملت به الرّعية؛ فقد عرّضت نفسك للبلاء.
وقد عدّ العسكري هذا الحديث من الأمثال والحكم، وقال: هذا ممّا أدّب به المصطفى ﷺ أمته من إيفاء الناس حقوقهم؛ من تعظيم العلماء والأولياء، وإكرام ذي الشيبة المسلم، وإجلال الكبير وما أشبهه.
انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث رواه مسلم تعليقا في مقدمة «صحيحه» فقال: ويذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. ووصله أبو نعيم في «المستخرج» وأبو داود، وابن خزيمة، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي في «الأدب» ، والعسكري في «الأمثال» وغيرهم من حديث ميمون بن أبي شبيب أنه قال:
جاء سائل إلى عائشة رضي الله تعالى عنها فأمرت له بكسرة، وجاء رجل ذو هيئة فأقعدته معها، فقيل لها: لم فعلت ذلك؟ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم.
قال في «اللآلئ» : وأعلّه أبو داود بأن ميمونا لم يدرك عائشة، وردّ عليه بأن ميمونا هذا كوفي قديم أدرك المغيرة، والمغيرة مات قبل عائشة، ومجرّد المعاصرة كاف عند مسلم، وقد حكم الحاكم بصحّته، وتبعه ابن الصلاح في «علومه» .
انتهى ما في «اللآلئ» .
ورواه أبو نعيم في «الحلية» بلفظ: إن عائشة كانت في سفر فأمرت لناس من قريش بغداء؛ فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة؛ فقالت: ادعوه فنزل، فأكل ومضى، وجاء
стр. 1682
٦٧- «انظري أين أنت منه، فإنّما هو جنّتك ونارك» ؛ يعني:
الزّوج.
سائل فأمرت له بكسرة. فقالت: إن هذا الغنيّ لم يجمل بنا إلّا ما صنعنا به، وإن هذا السائل سأل فأمرت له بما يترضاه، وإن رسول الله ﷺ أمرنا أن ننزل الناس منازلهم.
ولفظ أبي داود: أنزلوا الناس منازلهم. وقد صحّحه الحاكم وغيره.
قال في «المقاصد» : تعقّب بالانقطاع، وبالاختلاف في رفعه ووقفه كما بسطت ذلك في أول ترجمة شيخنا مع الإلمام بمعناه.
وورد عن غير عائشة أيضا:
١- كمعاذ، فروى حديثه مرفوعا الخرائطي في «مكارم الأخلاق» بلفظ:
«أنزل الناس منازلهم من الخير والشرّ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصّالحة» .
و٢- كجابر، فروى حديثه مرفوعا في «جزء» الغسولي بلفظ: «جالسوا الناس على قدر أحسابهم، وخالطوا الناس على قدر أديانهم، وأنزلوا الناس على قدر منازلهم، وداروا الناس بعقولكم» .
و٣- كعليّ، فروى حديثه موقوفا في «تذكرة الغافل» بلفظ: «من أنزل الناس منازلهم رفع المؤونة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره فقد اجترّ عداوته» .
وبالجملة فحديث عائشة حسن، وقال في «التمييز» : وذكره الحاكم أبو عبد الله في كتابه «معرفة علوم الحديث» وقال: حديث صحيح.
انتهى من «كشف الخفا» للعجلوني رحمه الله تعالى.
٦٧- ( «انظري) ؛ أي: تأملي أيتها المرأة الّتي هي ذات بعل (أين أنت منه) ؛ أي: في أي منزلة أنت من زوجك!! أقريبة من مودته؛ مسعفة له عند شدّته، ملبية لدعوته، أم متباعدة من مرامه؛ كافرة لعشرته وإنعامه؟!
(فإنّما هو) ؛ أي الزوج (جنّتك ونارك» . يعني: الزّوج) أي: هو سبب
стр. 1683
٦٨- «أنهاكم عن قيل، وقال، ...
لدخولك الجنّة برضاه عنك، وسبب لدخولك النار بسخطه عليك، فاعرفي حقّه وأحسني عشرته، ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصية، وهذا قاله النبي ﷺ للمرأة الّتي جاءت تسأله عن شيء؛ فقال: «أذات زوج أنت» ؟ قالت: نعم، قال:
«كيف أنت منه؟!» قالت: لا آلوه إلّا ما عجزت عنه. فذكر الحديث.
وأخذ الذهبي من هذا الحديث ونحوه أنّ النشوز كبيرة.
والحديث رواه النسائي من طريقين، وعزاه له جمع جمّ؛ منهم الذهبي في «الكبائر» ، ولفظه: قالت عمة حصين ... وذكرت زوجها للنبيّ ﷺ فقال:
«أين أنت منه! فإنّه جنّتك ونارك» أخرجه الذهبي من وجهين؛ نقله المناوي.
وذكره في «الجامع الصغير» ورمز له برمز الطبراني في «الكبير» وابن سعد في «الطبقات» كلاهما عن عمة حصين- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرا-:
ابن محصن- بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الصاد-. وفي العزيزي قال الشيخ:
حديث صحيح.
٦٨- ( «أنهاكم عن قيل وقال) قال في «شرح مسلم» : هو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم.
وقال في «رياض الصالحين» : معناه: الحديث بكلّ ما يسمعه فيقول «قيل كذا» ، و «قال فلان كذا» ممّا لا يعلم صحته ولا يظنّها، و «كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكلّ ما سمع» . انتهى.
وقال في «شرح مسلم» : واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين:
أحدهما: أنهما فعلان، ف «قيل» : مبنيّ لما لم يسمّ فاعله، و «قال» : فعل ماض.
والثاني: أنهما [ «قيل وقال» ] اسمان مجروران منوّنان؛ لأن القيل والقال والقول والقالة؛ كلّه بمعنى، ومنه قوله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) [النساء] ومنه
стр. 1684
وكثرة السّؤال» .
قولهم: كثرة القيل والقال. انتهى.
(وكثرة السّؤال» ) قال في «شرح مسلم» : قيل المراد به القطع في المسائل والإكثار من السؤال عمّا لم يقع ولا تدعو إليه حاجة.
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنّهي عن ذلك، وكان السّلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلّف المنهيّ عنه.
وفي «الصحيح» : كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها.
وقيل: المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك.
وقيل: يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان، وهذا ضعيف، لأنّه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال.
وقيل: يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل في ذلك سؤاله عما لا يعنيه ويتضمّن ذلك حصول الحرج في حقّ المسؤول، فإنّه قد لا يؤثر إخباره بأحواله، فإن أخبره شقّ عليه، وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقّة، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. انتهى.
قال في «دليل الفالحين» : والأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعمّ الجميع، وذلك لأنّه اسم جنس محلّى ب «أل» فيعمّ، أمّا سؤال المال للغير!! فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، ولنفسه لحاجة فلا كراهة؛ بشرط عدم الإلحاح، وذلّ نفسه زيادة على ذلّ السؤال والمسؤول؛ فإن فقد شرط حرم. انتهى ملخصا.
والحديث ذكره بهذا اللفظ في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى الموصلي، وأخرجه الشيخان: البخاري في ثلاثة مواضع: «الزكاة والاستقراض والأدب» ، ومسلم في «الأحكام» ؛
стр. 1685
٦٩- «ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .
عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى حرّم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا، وهات، ووأد البنات، وكره لكم: قيل، وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» وهذا لفظ البخاري في «الأدب» .
٦٩- ( «ألا لا طاعة) خبر بمعنى النهي (لمخلوق) من المخلوقين كائنا من كان ولو أبا أو أما أو زوجا (في معصية الخالق» ) بل كلّ حقّ؛ وإن عظم، ساقط إذا جاء حقّ الله، إنّما الطّاعة فيما رضيه الشارع واستحسنه، فإذا أمر الإمام بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم: ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [٥٩/ النساء] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [٥٩/ النساء] . قال ابن الأثير: يريد طاعة ولاة الأمور إذا أمروا بما فيه إثم كقتل ونحوه. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» باللفظ الذي أورده المصنف.
ورواه الإمام أحمد، والحاكم عن عمران بن الحصين، وعن الحكم بن عمرو الغفاري رضي الله تعالى عنهم بلفظ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» قال الحافظ الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال في العزيزي: إسناده حسن.
ورواه البغوي عن النوّاس، وابن حبان عن عليّ بلفظ: «لا طاعة لبشر في معصية الله» ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي رضي الله تعالى عنه بلفظ «لا طاعة لأحد في معصية الله ... » ، إنما الطّاعة في المعروف» .
وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه في رواية: «لا طاعة لمن لم يطع الله» . وفي رواية لأحمد أيضا: «لا طاعة لمن عصى الله» . قال الحافظ
стр. 1686
٧٠- «الإسلام حسن الخلق» .
الهيثمي: فيه عمرو بن زبيب لم أعرفه! وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وقال ابن حجر: سنده قوي. انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
٧٠- ( «الإسلام) الكامل (حسن الخلق) ؛ الذي يرجع حسنه إلى اعتدال قوّة العقل بكمال الحكمة، وإلى اعتدال القوّة الغضبيّة والشهويّة، وإطاعة كلّ منهما للعقل مع الشرع.
ثمّ هذا الاعتدال إمّا أن يكون بجود إلهي وكمال فطري، وإمّا أن يكون باكتساب أسبابه من المجاهدة والرياضة؛ بأن يحمل نفسه على كلّ عمل يوجب حسن خلقها ويضادّ سوء طويّتها، إذ هي لا تألف ربّها ولا تأنس بذكره؛ إلّا إذا فطمت عن عاداتها وحفظت عن شهواتها بالخلوة والعزلة أوّلا، ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات، ثمّ بإدمان الذكر والدعاء في تلك الخلوة إلى أن يغلب عليه الأنس بالله وبذكره؛ فحينئذ يتنعّم به في نهايته؛ وإن شق عليه في بدايته. وربمّا ظنّ من جاهد نفسه أدنى مجاهدة بترك فواحش المعاصي أنه قد هذّبها وحسّن خلقها؛ وأنى له بذلك؛ ولم توجد فيه صفات الكاملين ولا أخلاق المؤمنين!!
قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً إلى أن قال: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [٢- ٤/ الأنفال] .
وقال تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) إلى أن قال:
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) [المؤمنون] .
وقال تعالى التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إلى قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) [التوبة] .
وقال وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [٦٢/ الفرقان] إلى آخر السورة.
فمن أشكل عليه حال نفسه فليعرضها على هذه الآيات ونظائرها، فوجود جميع
стр. 1687
.........
هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق الذي هو أصل لكثير من المعاصي والذنوب، ووجود البعض يدلّ على البعض.
وقد أشار ﷺ إلى مجامع محاسن الأخلاق؛ بقوله:
«المؤمن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» ، وبأمره بإكرام الضيف والجار.
وبأن المؤمن إمّا أن يقول خيرا أو يصمت.
وبما جاء: «إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقي الحكمة» .
«لا يحلّ لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظر يؤذيه» .
«لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما» .
«إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره» .
وجمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الفضول، قليل الزلل، وهو برّ، وصول، وقور، صبور، رضيّ، شكور، حليم، رفيق، عفيف، شفيق، لا لمّاز، ولا سبّاب، ولا نمّام، ولا مغتاب، ولا عجول، ولا حقود، ولا بخيل، ولا حسود، هشاش بشاش، يحب في الله؛ ويبغض في الله، ويرضى في الله؛ ويغضب في الله.
فهذا هو حسن الخلق وفقنا الله تعالى للتحلّي بمعاليه، وأدام علينا سوابغ أفضاله، وموانح قربه، والاندراج في سلك أوليائه وأحبابه ومواليه. آمين. قاله ابن حجر في «الزواجر» رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» .
стр. 1688
٧١- «الإسلام يجبّ ما قبله، والهجرة تجبّ ما قبلها» .
٧١- ( «الإسلام يجبّ) - بفتح المثناة التحتية وضم الجيم- (ما قبله) من الكفر والمعاصي وما يترتب عليهما من حقوق الله تعالى؛ أي: يقطع ذلك ويمحو أثره، أما حقّ الآدمي فلا يسقط، وظاهر الخبر أن مجرّد الإسلام مكفّر للسوابق، سواء أساء أو أحسن بعد.
وأمّا خبر: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» !! فوارد على منهج التحذير. انتهى مناوي ٣/ ٧٧؛ على «الجامع» .
(والهجرة) ؛ أي: الانتقال من أرض الكفر إلى بلاد الإسلام (تجبّ) بالمثناة الفوقية والجيم- أي: تمحو (ما قبلها» ) من الخطايا المتعلقة بحقّ الله تعالى من العقوبات، أمّا الحقّ الماليّ؛ كزكاة، وكفارة يمين! ففي سقوطها خلاف بين العلماء.
والمراد بالهجرة: ما كان قبل الفتح. وفيه: عظم موقع كلّ واحد من الخصلتين. وفي تكرير «يجبّ» في كلّ منهما دلالة على أن كلّ واحد منهما يكفّر بمفرده؛ قاله المناوي.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» بهذا اللفظ مرموزا له برمز الطبراني.
وذكره العجلوني في «كشف الخفا» بلفظ: «الإسلام يجبّ ما قبله» ، وقال: رواه ابن سعد في «طبقاته» عن الزبير، وجبير بن مطعم.
ورواه الإمام أحمد والطبراني عن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه.
انتهى.
ونحو ذلك في «الجامع الصغير» والمناوي.
وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب «الإيمان» من حديث ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاصي وهو في سياقة الموت؛ فبكى طويلا
стр. 1689
٧٢- «الإسلام يعلو ولا يعلى» .
وحول وجهه إلى الجدار فجعل ولده يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا! أما بشرك بكذا! فأقبل بوجهه؛ فقال: إنّ أفضل ما نعدّ شهادة (ألاإله إلّا الله وأن محمدا رسول الله) إني كنت على أطباق ثلاث؛ لقد رأيتني وما أحد أشدّ بغضا للمصطفى ﷺ منّي، ولا أحبّ إليّ أن أكون استمكنت منه فقتلته؛ فلو متّ على ذلك كنت من أهل النار؛ فلما جعل الله في قلبي الإسلام أتيته؛ فقلت: ابسط يمينك أبايعك؛ فبسطها، فقبضت يدي، قال: «ما لك» ؟
قلت: أشترط. قال: «تشترط ماذا؟» قلت: أن يغفر لي، فقال: «أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله» ، فما كان أحد أحبّ إليّ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، ولو متّ على تلك الحالة رجوت أن أكون من أهل الجنة. ثمّ ولّينا أشياء ما أدري حالي فيها!!. انتهى.
٧٢- ( «الإسلام يعلو ولا يعلى) عليه. قال البيهقي: قال قتادة: يعني: إذا أسلم أحد أبوين فالولد مع المسلم، فلا يتبع الفرع أحد أبويه الكافر؛ بل المسلم، فالعلوّ في نفس الإسلام.
وقال ابن حزم: معناه إذا أسلمت يهودية أو نصرانية تحت كافر يفرّق بينهما، ويحتمل العلو بحسب الحجّة، أو بحسب النصرة في العاقبة، فإنها للمسلمين.
انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» وفي «كشف الخفاء» وقالا: رواه الدارقطني والضياء في «المختارة» ، والخليلي في «فوائده» ، والروياني كلّهم عن عائذ بن عمرو المزني رفعه. ورواه الطبراني في «الصغير» ، والبيهقي في «الدلائل» عن معاذ رفعه. وعلّقه البخاري في «صحيحه» .
стр. 1690
٧٣- «إيّاك ودعوة المظلوم» .
والمشهور على الألسنة زيادة: «عليه» آخرا، بل هي رواية الإمام أحمد، والمشهور أيضا على الألسنة: «الحقّ يعلو ولا يعلى عليه» . قال ابن حجر:
وسنده ضعيف. انتهى.
٧٣- ( «إيّاك) - منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره- من قبيل قولهم: إياك والأسد، وتقديره هنا: باعد نفسك (ودعوة) - بفتح الدال-: المرّة من الدعاء؛ أي: احذر الظلم لئلا يدعو عليك.
(المظلوم» ) ؛ أي: من ظلمته بأيّ وجه كان من نحو استيلاء على ما يستحقه، أو إيذاء له. فأقام المسبب الذي هو الدعاء مقام السبب الذي هو الظلم.
وخلاصك من الظلم بأن تردّ إليه حقّه، أو تمكّنه من استيفائه، فإنك إن ظلمته ودعا عليك استجيب له؛ وإن كان عاصيا مجاهرا، لأنّه إنما يسأل الله حقّه الواجب على خصمه. وربّ العالمين لا يمنع صاحب حقّ من حقّه لأنّه الحاكم العادل.
نعم ورد أنّ الله : يرضي خصوم بعض عباده بما شاء.
وفي خبر رواه ابن لال والديلمي وغيرهما: أنّ في صحف إبراهيم: أيها الملك المسلّط المبتلى المغرور؛ إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها لبعض، لكن بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم؛ فإني لا أردّها؛ ولو كانت من كافر.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنّ الله يأخذ للمظلوم حقّه من الظّالم، فإيّاك أن تظلم من لا ينتصر عليك إلّا بالله تعالى، فإنه تعالى إذا علم التجاء عبده بصدق واضطرار انتصر له ولا بدّ! أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [٦٢/ النمل] انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إياكم ودعوة المظلوم؛ وإن كانت من كافر، فإنها ليس لها حجاب دون الله » أخرجه سمويه عن أنس
стр. 1691
.........
رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: وله شواهد كثيرة سبقت؛ ويجيء كثير منها.
وذكره في «الجامع» بلفظ: «اتّق دعوة المظلوم؛ فإنّما يسأل الله تعالى حقّه، وإنّ الله تعالى لن يمنع ذا حقّ حقّه» . ورمز له برمز الخطيب عن عليّ أمير المؤمنين، وهو حديث ضعيف.
وذكره العجلوني في «الكشف» بلفظ: «اتّقوا دعوة المظلوم» وقال: رواه أحمد وأبو يعلى عن أنس مرفوعا؛ بزيادة: «وإن كانت من كافر، فإنّه ليس بينها وبين الله تعالى حجاب» .
ورواه الطبراني عن خزيمة رفعه بزيادة: فإنها تحمل على الغمام، ويقول الله ﷻ : «وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين» .
ورواه الحاكم وقال: إنّه على شرط مسلم، والضياء في «المختارة» عن ابن عمر مرفوعا بزيادة: «فإنها تصعد إلى السماء كأنّها الشّرار» .
ورواه الحاكم عن ابن عمر بلفظ: «اتّقوا دعوة المظلوم فإنّها تصعد إلى السماء كأنّها شرارة» .
ورواه أبو يعلى عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ: «اتّق دعوة المظلوم؛ فإنّه ليس بينها وبين الله تعالى حجاب» . واتفق عليه الشيخان بهذا اللفظ عن ابن عباس مرفوعا.
ورواه الخطيب عن عليّ بلفظ: «اتّق دعوة المظلوم فإنّما يسأل الله حقّه، وإنّ الله لم يمنع ذا حقّ حقّه» انتهى كلام العجلوني.
وذكره أيضا في موضع آخر بلفظ: «اتّقوا الظّلم فإنّه ظلمات يوم القيامة» ، وقال: رواه الإمام أحمد، والطبراني، وابن ماجه عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد» ، ومسلم عن جابر بزيادة:
стр. 1692
٧٤- «إيّاك وقرين السّوء، فإنّك به تعرف» .
٧٥- «إيّاك والخيانة، ...
«واتّقوا الشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم» . انتهى.
وقد ألّف العلامة القاضي محمد بن أحمد مشحم اليمانيّ الصّعديّ كتاب:
«تحذير الظّلوم من سهام دعوات المظلوم» . رسالة مطوّلة جمع فيها كثيرا من الأحاديث المتعلقة بالتحذير من الظّلم مع ذكر حكايات وأشعار تتعلق بذلك، وهي مخطوطة لم تطبع.
٧٤- ( «إيّاك وقرين السّوء) - بالفتح-: مصدر (فإنّك به تعرف» ) أي:
تشتهر بما اشتهر من السوء. قال تعالى وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) [النساء] .
ومن ثمّ قالوا: الإنسان موسوم بسيما من يقارن، ومنسوب إليه أفاعيل من صاحب؛ أي: فإن صاحب الفاجر كان دليلا على فجوره، وعكسه بعكسه.
وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: الصاحب مناسب. ما شيء أدلّ على شيء؛ ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب.
وقال بعض الحكماء: اعرف أخاك بأخيه قبلك، وقال آخر: يظنّ بالمرء ما يظنّ بقرينه.
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
ومقصود الحديث: التحرّز من أخلاق السوء، وتجنّب صحبة أهل الرّيب؛ ليكون موفر العرض سليما من العيب؛ فلا يلام بلائمة غيره.
والحديث أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قاله في «الجامع» مع المناوي. وفي العزيزي: إنه حديث ضعيف. والله أعلم.
٧٥- ( «إيّاك والخيانة) ؛ أي: خيانة الغير؛ كالخيانة في الوديعة، وخيانة
стр. 1693
فإنّها بئست البطانة» .
٧٦- «إيّاك وما يسوء الأذن» .
النفس كأن لا تمتثل المأمورات، وكأن لا تجتنب المنهيات؛ قاله الحفني.
والخيانة: تكون في المال والنفس والعدد والكيل والوزن والزرع ... وغير ذلك. وفي العزيزي: قال بعضهم: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدّي الأمانة فيه.
قال أبو عبيد: لا نراه خصّ به الأمانة في أمانات الناس؛ دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم، فإنه قد سمّى ذلك أمانة؛ فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [٢٧/ الأنفال] فمن ضيّع شيئا ممّا أمر الله به، أو ارتكب شيئا ممّا نهى الله عنه؛ فقد خان نفسه، إذ جلب إليها الذمّ في الدّنيا والعقاب في الآخرة. انتهى.
(فإنّها بئست البطانة» ) - بالكسر-؛ أي: بئس الشيء الذي يستبطنه من أمره ويجعله بطانة.
قال في «المغرب» : بطانة الرجل أهله وخاصّته؛ مستعار من بطانة الثوب.
وقال الراغب: تستعار البطانة لمن تخصّه بالاطلاع على باطن أمرك.
وقال القاضي: البطانة أصلها في الثوب؛ فاستعيرت لما يستبطن الرجل من أمره ويجعله بطانة حاله؛ قاله المناوي.
وقال الحفني: البطانة في الأصل: الثوب الملاصق للجسد، والجهة التي لا تلاصقه تسمّى ظهارة، فاستعيرت لكلّ شيء ملازم، يقال: بطانة الرجل أهله وعياله، والمراد هنا الصّفة الملازمة للشخص. انتهى.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطبراني.
٧٦- ( «إيّاك) - بكسر الكاف-: خطاب لامرأة (وما يسوء الأذن» ) قال ذلك
стр. 1694
.........
ثلاثا، وهو نهي عن الغيبة؛ أي: احذري النطق بكلام يسوء غيرك؛ إذا سمعه عنك، فإنّه موجب للتنافر والعداوة.
والحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي الغادية- بغين معجمة-؛ قال: خرجت أنا وحبيب بن الحارث وأم العلاء؛ مهاجرين إلى رسول الله ﷺ فأسلمنا، فقالت المرأة: أوصني ... فذكره.
وأخرجه أبو نعيم في «المعرفة» ؛ من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي؛ عن العاصي بن عمرو الطفاوي، عن حبيب بن الحارث، قلت: يا رسول الله أوصني ... فذكره.
قال في «الإصابة» : والعاصي مجهول.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» عن عمّه العاصي بن عمرو الطفاوي، قال:
حدثتني عمّتي؛ قالت: دخلت مع ناس على النبيّ ﷺ قلت: حدّثني حديثا ينفعني الله به ... فذكره. قال الهيثمي: فيه العاصي بن عمرو الطفاوي؛ وهو مستور، روى عنه محمد بن عبد الرحمن الطّفاوي وتمّام بن السريع، وبقية رجال المسند رجال الصحيح. انتهى.
وقال السخاوي: هذا مرسل، فالعاصي لا صحبة له، وقال شيخي «يعني ابن حجر» : مجهول، لكن ذكره ابن حبان في «الثقات» . انتهى.
ولذلك لم يذكره الذهبي في «الصّحابة» !! انتهى مناوي.
وفي «الكشف» : إنّه رواه عبد الله بن أحمد في «زوائده» ؛ من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي قال: سمعت العاصي قال: خرج أبو الغادية وحبيب بن الحارث وأم الغادية مهاجرين إلى رسول الله ﷺ فأسلموا، فقالت المرأة: أوصني يا رسول الله؛ قال: «إيّاك وما يسوء الأذن» وهو مرسل، إذ العاصي لا صحبة له.
стр. 1695
٧٧- «إيّاكم وخضراء الدّمن؛ المرأة الحسناء في المنبت السّوء» .
وأخرجه ابن منده في «المعرفة» ، والخطيب في «المؤتلف» عن العاصي، عن عمّته «أم غادية» قالت: خرجت مع رهط من قومي إلى النبيّ ﷺ فلما أردت الانصراف؛ قلت: يا رسول الله أوصني. قال: «إياك وما يسوء الأذن» . انتهى ملخصا.
٧٧- ( «إيّاكم وخضراء الدّمن) - بكسر الدال المهملة، وفتح الميم- جمع:
دمنة، مثل سدر وسدرة، وهي البعر؛ أي: احذروا المرأة الحسناء ومنبتها سوء؛ كالشجرة الخضراء النابتة في الزبل.
ومعناه: أنه كره نكاح ذات الفساد في أصلها، فإن أعراق السّوء تنزع أولادها؛ أي: لشبههم بها. وتفسير حقيقته: أنّ الريح يجمع الدّمن؛ وهي البعر في البقعة من الأرض، ثم يركبه الساقي فإذا أصابه المطر أنبت نباتا غضّا ناعما يهتزّ، وتحته الأصل الخبيث، فيكون ظاهره حسنا؛ وباطنه قبيحا فاسدا. قال الشاعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزازات النّفوس كما هيا
ومعنى البيت: أن الرجلين قد يظهران الصلح أو المودة وينطويان على البغضاء والعداوة؛ كما ينبت المرعى على الدّمن. وهذا أكثريّ، أو كلّيّ- في زماننا-، والله المستعان.
والحديث رواه الدارقطني في «الأفراد» ، والرامهرمزي والعسكري كلاهما في «الأمثال» ، وابن عدي في «الكامل» ، والقضاعي في «مسند الشهاب» وأبو بكر بن دريد في «المجتنى» ، والخطيب في «إيضاح الملتبس» ، والديلمي في «الفردوس» : كلّهم من حديث الواقدي؛ قال: حدثنا يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا باللفظ المزبور مع زيادة: قيل: يا رسول الله؛ وماذا؟ قال:
( «المرأة الحسناء) الجميلة (في المنبت) - بالميم- (السّوء» ) قال ابن عدي:
стр. 1696
٧٨- «الإيمان نصفان؛ فنصف في الشّكر، ونصف في الصّبر» .
تفرّد به الواقدي وهو متروك، وذكره أبو عبيد في «الغريب» ، وقال الدارقطني:
لا يصح من وجه.
٧٨- ( «الإيمان نصفان؛ فنصف في الشّكر) أي: العمل بالطاعة (ونصف في الصّبر» ) عن المحارم. والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال المناوي: وفيه يزيد الرّقاشي، قال الذهبي وغيره: متروك، ورواه القضاعي بهذا اللفظ، وذكر بعض شرّاحه أنه حسن. انتهى كلام المناوي.
стр. 1697
[ (حرف الباء) ]
(حرف الباء) ٧٩- «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك ...
(حرف الباء) أي: هذا باب الأحاديث التي أولها حرف الباء الموحدة.
٧٩- ( «البرّ) - بكسر الموحدة-؛ أي: الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبرّ في تغذية البدن، أي: معظم البرّ (حسن الخلق) - بضم اللام-:
فالحصر مجازيّ، وضدّه الفجور، والإثم، ولذا قابله به، والبرّ بهذا المعنى عبارة عما اقتضاه الشارع؛ وجوبا أو ندبا، والإثم ما ينهى عنه، وتارة يقابل البرّ بالعقوق فيكون هو الإحسان، والعقوق الإساءة.
وأمّا حسن الخلق! فهو التخلّق مع الحقّ والخلق، والمراد هنا المعروف، وهو طلاقة الوجه، وكفّ الأذى، وبذل الندى، وأن يحبّ للناس ما يحب لنفسه، وهذا راجع لتفسير البعض له بأنه الإنصاف في المعاملة والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والإحسان في العسر واليسر ... إلى غير ذلك من الخصال الحميدة.
قال النووي: قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى الصدق، وبمعنى اللّطف، والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. انتهى.
ففعل أنواع الخير ناشئ عن حسن الخلق، وفعل الشرور يدلّ على سوء الخلق وعدم استقامة الطبيعة. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
(والإثم ما حاك) - بحاء مهملة وكاف- (في صدرك) ؛ أي: تحرّك فيه وتردّد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشكّ وخوف كونه ذنبا.
стр. 1698
وكرهت أن يطّلع عليه النّاس» .
٨٠- «برّوا آباءكم.. تبرّكم أبناؤكم، وعفّوا.. تعفّ ...
(وكرهت أن يطّلع عليه النّاس» ) ؛ أي: أماثلهم الذين يستحيا منهم كالعلماء والصلحاء، بخلاف من لا يبالى باطلاعهم، والمراد بالكراهة هنا الدينية الخارمة، فخرج العادية؛ كمن يكره أن يرى آكلا لنحو حياء أو بخل، وغير الخارمة؛ كمن يكره أن يركب بين مشاة لنحو تواضع.
وإنما كان التأثير في النفس علامة للإثم!! لأنه لا يصدر إلّا لشعورها بسوء عاقبته.
وظاهر الخبر أن مجرّد خطور المعصية إثم لوجود الدلالة ولا مخصص، وذا من جوامع الكلم. لأن البرّ كلمة جامعة لكلّ خير، والإثم جامع للشرّ. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد» ، ومسلم في «الأدب» ، والترمذي في «الزهد» ؛ عن النّوّاس بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن الإثم والبر ... فذكره. واستدركه الحاكم فوهم، وعجيب ذهول الذهبي عنه في اختصاره.
٨٠- ( «برّوا آباءكم) ؛ أي: وأمهاتكم، وكأنّه اكتفى به عنه من قبيل سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [٨١/ النحل] ، أو أراد بالآباء ما يشمل الأمهات تغليبا؛ كالأبوين
فإنكم إن فعلتم ذلك (تبرّكم) - بفتح الموحدة- (أبناؤكم) ؛ أي: وبناتكم، و «كما تدين تدان» . عن ثابت البناني قال: رأيت رجلا يضرب أباه في موضع؛ فقيل له ما هذا؟ فقال الأب: خلّوا عنه، فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع؛ فابتليت بابن يضربني في هذا الموضع.
(وعفّوا) - بكسر العين المهملة-: من عفّ يعفّ من «باب ضرب» ، يقال:
عفّ عن كذا فهو لازم؛ أي: لا تزنوا بنساء الغير (تعفّ) - بكسر العين- قال
стр. 1699
نساؤكم» .
البرماوي في (شرحه على «لامية ابن مالك» ) : والحاصل: أنّ مضارع المضاعف اللازم: الكسر، والمتعدي: الضم، وما سمع من المضموم في الأول نادر، وما سمع من المكسور في الثاني نادر؛ فيحفظ في كلّ منهما ولا يقاس عليه.
(نساؤكم» ) أي: حلائلكم عن الرجال الأجانب؛ أي لا يزنين.
قال الراغب: دخلت امرأة يزيد بن معاوية وهو يغتسل؛ فقالت: ما هذا!؟
قال: جلدت عميرة «١» ، ثم دخل وهي تغتسل، فقال: ما هذا؟ قالت: جلدني زوج عميرة. انتهى «مناوي» .
والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وقال المنذري: إسناده حسن، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد «غير منسوب» !! والظاهر أنّه من المتكثرين من شيوخه؛ فلذلك لم ينسبه. انتهى.
وبالغ ابن الجوزي فجعله موضوعا.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» ، والخطيب في «التاريخ» ، والحاكم في «المستدرك» : كلّهم من طريق علي بن قتيبة عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله تعالى عنه بلفظ: «برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم، وعفّوا عن النّساء تعفّ نساؤكم، ومن تنصّل إليه فلم يقبل؛ فلن يرد عليّ الحوض» . قال الحاكم:
صحيح. وقال ابن الجوزي: موضوع، لأن عليّ بن قتيبة يروي عن الثقات البواطيل. انتهى.
وتعقبه السيوطي بأن له شاهدا. انتهى، وأورده في «الميزان» في ترجمة عليّ بن قتيبة الرفاعي وقال: قال ابن عدي: له أحاديث باطلة عن مالك، ثم أورده في هذا الخبر. انتهى مناوي رحمه الله تعالى.
стр. 1700
٨١- «بعثت بمداراة النّاس» .
٨٢- «البلاء موكّل بالمنطق» .
٨١- ( «بعثت بمداراة) - بلا همز- (النّاس» ) : كلين الكلام، وخفض الجناح، وترك الإغلاظ عليهم، والقيام لمن يحصل له حقد إذا لم يقم له، وذلك من أسباب الألفة واجتماع الكلمة وانتظام الأمر، ولهذا قيل: من لانت كلمته وجبت محبته، وحسنت أحدوثته، وظمئت القلوب إلى لقائه، وتنافست في مودته.
والمداراة: تجمع الأهواء المتفرقة، وتؤلّف الآراء المتشتتة، وهي غير المداهنة المنهيّ عنها.
والفرق بينهما: أن المداراة بذل الدنيا لسلامة الدين، والمداهنة: بذل الدين لأجل الدنيا، وهي محرمة؛ والمداراة مطلوبة؛ لأنّها من أخلاق المؤمنين. ولذا لما طرق بعض الناس «١» بابه ﷺ فسأل عنه؛ فقيل له: فلان، فقال: بئس أخو العشيرة، فلما فتح له ودخل عظّمه وفرش له رداءه، وأظهر له البشر؛ فلما ذهب الرجل قيل له: كيف ذلك؟ قال: «إنّا لنبشّ في وجوه قوم- أي: لأجل التأليف- وقلوبنا تلعنهم» أي: لعلمنا بنفاقهم-: أي: تلعنهم ما داموا لم يرجعوا للحقّ.
انتهى (شروح «الجامع الصغير» ) .
والحديث أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف؛ كما قاله العزيزي.
٨٢- ( «البلاء موكّل بالمنطق» ) قال الديلمي: البلاء: الامتحان والاختبار، ويكون حسنا ويكون سيئا، والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بما يكره ليمتحن صبره.
ومعنى الحديث: أنّ العبد في سلامة ما سكت، فإذا تكلم عرف ما عنده بمحنة
стр. 1701
.........
النطق؛ فيتعرض للخطر؛ أو للظفر، ولذا قال ﷺ لمعاذ «أنت في سلامة ما سكتّ، فإذا تكلّمت فلك؛ أو عليك» . ويحتمل أن يريد التحذير من سرعة النطق بلا تثبت؛ خوف بلاء لا يطيق دفعه، وقد قيل: اللسان ذئب الإنسان، وما من شيء أحقّ بسجن من اللسان. وعلى ذلك أنشدوا:
لا تنطقنّ بما كرهت فربّما ... نطق اللّسان بحادث فيكون
وقال آخر:
لا تمزحنّ بما كرهت فربّما ... ضرب المزاح عليك بالتّحقيق
وفي «تاريخ الخطيب» : اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فقدموا الكسائي يصلي جهريّة فأرتج عليه في قراءة «الكافرون» ، فقال اليزيدي: قارئ الكوفة يرتجّ عليه في هذه!!، فحضرت جهرية أخرى؛ فقام اليزيدي: فأرتج عليه في الفاتحة، فقال الكسائي:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إنّ البلاء موكّل بالمنطق
والحديث رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في «الأدب المفرد» ؛ من رواية إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود مرفوعا بهذا اللفظ، وزيادة: «لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا» .
ورواه الخطيب والديلمي وأبو نعيم والعسكري مرفوعا: «البلاء موكّل بالمنطق، فلو أنّ رجلا عيّر كلبة برضاع كلبة لرضعها» وسنده ضعيف.
وهو عند أحمد في «الزهد» ؛ موقوفا على ابن مسعود. قاله السخاوي.
ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة: «ما قال عبد لشيء: والله لا أفعله إلّا ترك الشيطان كلّ شيء وولع به حتى يؤثّمه» . وقد رواه القضاعي وابن السمعاني عن عليّ، والديلمي عن ابن مسعود، والعسكري عن أبي الدرداء رفعوه، وابن لال في «المكارم» عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق موقوفا، وابن
стр. 1702
٨١- «البيّنة على المدّعي، واليمين ...
أبي الدنيا من مرسل الحسن: خمستهم بلفظ: «البلاء موكّل بالقول» .
وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» من حديث أبي الدرداء وابن مسعود.
قال السخاوي في «المقاصد» :
ومع مجموع ما ذكرناه- يعني هذه الطرق التي لخصت من كلامه- لا يحسن الحكم عليه بالوضع؛ لأن تعدّد الطّرق وتباين مخارجها دليل على أنّ للحديث أصلا، ويشهد لمعناه قوله ﷺ للأعرابي الذي دخل عليه يعوده، وقال له:
«لا بأس طهور» ، فقال الأعرابي: كلّا بل هي حمى تفور على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: «فنعم إذا» . انتهى من الزرقاني على «المواهب» وغيره.
٨٣- ( «البيّنة) قال البيضاوي: البينة في الأصل: الدلالة الواضحة التي تفصل الحقّ من الباطل. وقال غيره: هي ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، والمراد هنا ما يثبت به الحقّ من شاهد أو شاهدين، أو شاهد ويمين، أو أربعة رجال، أو أربع نسوة.
وسمّي الشهود «بيّنة» !! لأن بهم يتبيّن الحقّ.
وقوله: (على المدّعي) هو: من يخالف قوله الظاهر، والمدّعى عليه: من يوافق قوله الظاهر. وقيل: المدعي من لو سكت خلّي ولم يطالب بشيء، والمدعى عليه من لا يخلّى؛ ولا يكفيه السكوت. وفي رواية: «على من ادعى» .
(واليمين) قال الإمام النووي: هذه اليمين تسمى يمين الصّبر، وتسمى يمين الغموس، وسميت يمين الصبر!! لأنها تحبس صاحب الحقّ عن حقّه، والحبس:
الصبر، ومنه قيل للقتيل والمحبوس عن الدفن «مصبّر» ، قال ﷺ : «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان» . وهذه اليمين لا تكون إلّا على الماضي.
стр. 1703
على من أنكر» .
ووقعت في القرآن العظيم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا [٧٤/ التوبة] ، ومنها قوله تعالى إخبارا عن الكفرة ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) [الأنعام] ومنها قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [٧٧/ آل عمران] .. الآية.
ويستحبّ للحاكم أن يقرأ هذه الآية عند تحليفه للخصم لينزجر. انتهى.
(على من) ؛ أي: الذي (أنكر» ) المدّعى به عليه، لأنّ جانب المدعي ضعيف، فكلّف حجة قويّة وهي البيّنة، وجانب المدعى عليه قويّ؛ فقنع منه بحجة ضعيفة، وهي اليمين.
قال الإمام النووي: وإنما كانت اليمين في جانب المدعى عليه! لأنه يدعي ما وافق الأصل؛ وهو براءة الذّمة. ويستثنى مسائل فيقبل فيها قول المدعي بلا بيّنة فيما لا يعلم إلّا من جهته،
كدعوى الأب حاجة إلى الإعفاف. ودعوى السّفيه التوقان إلى النكاح مع القرينة. ودعوى الخنثى الأنوثة أو الذكورة. ودعوى الطفل البلوغ بالاحتلام.
ودعوى القريب عدم المال ليأخذ النفقة. ودعوى المدين الإعسار في دين لزمه بلا مقابل كصداق الزوجة والضمان وقيمة المتلف. ودعوى المرأة انقضاء العدة بالأقراء؛ أو بوضع الحمل. ودعواها أنها استخلت وطلقت، ودعوى المودع تلف الوديعة؛ أو ضياعها بسرقة ونحوها.
ويستثنى أيضا القسامة، فإن الأيمان تكون في جانب المدعي مع اللّوث.
واللّعان، فإن الزّوج يقذف ويلاعن ويسقط عنه الحدود، ودعوى الوطء في مدة العنّة، فإنّ المرأة إذا أنكرته يصدّق الزوج بدعواه، إلّا أن تكون الزوجة بكرا، وكذا لو ادّعى أنّه وطئ في مدّة الإيلاء. وتارك الصلاة إذا قال: صليت في البيت، ومانع الزكاة إذ قال: أخرجتها؛ إلّا أن ينكر الفقراء وهم محصورون؛ فعليه البيّنة، وكذا
стр. 1704
.........
لو ادّعى الفقر وطلب الزكاة أعطي؛ ولا يحلّف. بخلاف ما إذا ادّعى العيال، فإنّه يحتاج إلى البيّنة. انتهى ملخصا.
قال ابن العربي: وهذا الحديث من قواعد الشريعة الّتي ليس فيها خلاف، وإنّما اختلف في تفاصيل الوقائع. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه عبد الرزاق والبيهقي في «سننه» وابن عساكر في «التاريخ» والدارقطني عن ابن عمرو بن العاصي بزيادة: «إلّا في القسامة» .
قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث غريب معلول.
وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمرو أيضا بلفظ: «البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه» ، وله شاهد عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما.
стр. 1705
[ (حرف التّاء) ]
(حرف التّاء) ٨٤- «ترك الشّرّ صدقة» .
٨٥- «تعرّف إلى الله في الرّخاء.. يعرفك في الشّدّة، ...
(حرف التّاء) أي: هذا باب الأحاديث التي أولها حرف التاء- المثناة الفوقية-:
٨٤- ( «ترك الشّرّ) : السّوء والفساد والظلم، وجمعه شرور.
وهذا شرّ من ذاك أصله: أشرّ؛ بالألف على «أفعل» ، واستعمال الأصل لغة لبني عامر. قال ابن مالك في «الكافية» :
وغالبا أغناهم خير وشر ... عن قولهم أخير منه وأشر
وقرئ شاذا: مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [٢٦/ القمر] على هذه اللغة.
(صدقة» ) معنى ذلك: أن من ترك الشرّ وترك أذى الناس فكأنّه تصدّق عليهم، وعلم من ذلك أن فضل ترك الشرّ كفضل الصّدقة؛ أي: في الجملة.
والحديث ذكره في «المواهب» بغير عزو.
٨٥- ( «تعرّف) - بالمثناة الفوقية وتشديد الراء المفتوحتين- أي: تحبب وتقرّب (إلى الله) تعالى بطاعته والشكر على سابغ نعمته، والصّبر تحت مرّ أقضيته، وصدق الالتجاء الخالص قبل نزول بليّته (في الرّخاء) ؛ أي: في حالة الغنى وصحة البدن والأمن، فالتّعرف في حال الغنى بالصّدقات ونفع الناس بماله، والتعرف في حال الصّحة بالعبادات، والتعرف في حالة الأمن بالاشتغال بموالاته تعالى؛ لخلوّ ذهنه عن العدوّ والخوف، فإن فعلت ذلك (يعرفك في الشّدّة) بتفريجها عنك، وجعله لك من كلّ ضيق مخرجا، ومن كلّ همّ فرجا بما سلف من ذلك التعرّف؛ فإذا تعرّفت إليه في الاختيار جازاك به عند الاضطرار بمدد توفيقه
стр. 1706
واعلم أنّ ما أخطأك.. لم يكن ليصيبك، وما أصابك.. لم يكن ليخطئك، ...
وخفيّ لطفه؛
كما أخبر تعالى عن يونس ﵊ بقوله فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) [الصافات] يعني: قبل البلاء، فلما عرف الله تعالى في الرّخاء بالتسبيح وغيره؛ نجّاه من بطن الحوت.
وكما وقع للثلاثه الذين انطبقت عليهم الصخرة؛ ففرج الله عنهم، فإنهم تعرّفوا إليه في الرخاء فعرفهم في الشدّة، بخلاف فرعون فإنّه لما تنكّر لربّه في حال رخائه؛ لم ينجه اللجوء عند بلائه، وقيل له آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) [يونس] .
وأمّا أهل الله فتعرّفهم الاشتغال به على الدوام وترك ما سواه؛ فيعرفهم وقت الموت، والقبر، والقيامة، وغيرها. قال الصوفية: ينبغي للعبد أن يكون بينه وبين ربّه معرفة خاصّة بقلبه بحيث يجده قريبا للاستغناء له منه، فيأنس به في خلوته، ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته، ولا يزال العبد يقع في شدائد وكرب في الدنيا، والبرزخ، والموقف؛ فإذا كان بينه وبين ربّه معرفة خاصّة كفاه ذلك كلّه. انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
(واعلم) : يا من يتأتّى منك العلم (أنّ ما أخطأك) من المقادير؛ أي:
جاوزك فلم يصل إليك (لم يكن ليصيبك) لأنّه بان بكونه أخطأك أنّه غير مقدّر عليك، (وما أصابك) منها (لم يكن) قدّر (ليخطئك) ؛ أي: محال أن يتجاوزك إلى غيرك؛ إذ لا يصيب الإنسان إلّا ما قدّر عليه.
ومعنى ذلك: أنّه قد فرغ ممّا أصابك، أو أخطأك من خير أو شرّ، فما أصابك فإصابته لك محتومة لا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه محتومة؛ فلا يمكن أن يصيبك، لأنّها سهام صائبة وجّهت من الأزل، فلا بدّ أن تقع مواقعها،
стр. 1707
واعلم أنّ النّصر مع الصّبر، وأنّ الفرج مع الكرب، ...
ومن ثمّ قال ﷺ : «إنّ لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» . رواه الإمام أحمد.
ففي ذلك حضّ على تفويض الأمور كلّها إلى الله تعالى، مع شهود أنّه الفاعل لما يشاء، وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدّى حدّه المقدّر له، وهذا راجع لقوله تعالى ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) [الحديد] ، وقُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [١٥٤/ آل عمران] .
(واعلم) : تنبيه على أنّ الإنسان في هذه الدار؛ لا سيّما الصالحون معرّضون للمحن والمصائب وطروق المنغّصات والمتاعب. قال الله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) [البقرة] الآيات.
فينبغي للإنسان أن يصبر ويحتسب ويرضى بالقضاء والقدر، وينتظر وعد الله تعالى له بأنّ عليه صلوات من ربّه ورحمة، وبأنّه من المهتدين. (أنّ النّصر) من الله للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه إنّما يوجد (مع الصّبر) على طاعته وعن معصيته.
قال ﷺ : «لا تتمنّوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ولا تفرّوا، فإنّ الله مع الصّابرين» ، وكذلك الصبر على الأذى في مواطن يعقبه النّصر، قال تعالى وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) [النحل] ، وكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) [البقرة] ومن خيريّته لهم كونه سببا لنصرهم على أعدائهم ونفوسهم.
(وأنّ الفرج) - بفتحتين-: وهو كشف الغمّ يحصل سريعا (مع الكرب) ؛ أي: يعقبه لا محالة، فلا دوام للكرب، وهو شدّة البلاء، فإذا اشتدّ البلاء أعقبه الله تعالى الفرج، كما جاء: اشتدّي أزمة تنفرجي.
وفيه إشارة إلى أنّ الله تعالى إذا أراد أن يفتح لعبده بابا من فضله ابتلاه بشيء من
стр. 1708
وأنّ مع العسر يسرا» .
بلائه، ثمّ يخصّه بنعمة من نعمائه، وما رأيت شيئا من الامتحان إلّا ورأيت معه أو بعده من بوادر برّه ولطائف امتنانه سبحانه ما ينسيك ما أصابك من طوارق الحدثان.
نحمده على شمول النّعم ... حتّى لقد أبطنها في الألم
والحكمة في ذلك: أن يعرف قدر النّعمة وشرف الكرامة، فبمرارة الفراق يعرف حلاوة الوصال، وبحرارة الهجران يدرك راحة العرفان؛ فيحسن لمن نزل به كرب أن يكون صابرا محتسبا؛ راجيا سرعة الفرج ممّا نزل به، حسن الظّنّ بمولاه في جميع أموره، فالله أرحم به من كلّ راحم حتّى أمّه وأبيه؛ إذ هو سبحانه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.
(وأنّ مع العسر يسرا» ) كما نطق به قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) [الانشراح] ، وقال تعالى سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) [الطلاق] .
وتنوين «يسرا» للتعظيم مبالغة، و «اليسر» هو السهولة، ومنه اليسار للغنى، لأنّه تسهل به الأمور، واليد اليسرى لأنّ الأمور تسهل بمعاونتها لليمنى، والعسر:
نقيضه.
فإن قلت: النّصر والفرج، واليسر بعد الصّبر، والكرب والعسر؛ لأنّهما يتواردان على المحل بالتناوب؛ فما معنى الاصطحاب المستفاد من «مع» ؟
فالجواب: أنّ المقصود المبالغة في معاقبة أحدهما الآخر واتصاله به، حتّى جعله كالمقارن له، وزيادة في التسلية والتنفيس.
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [١٨٥/ البقرة] وبين قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) [الانشراح] ، فإنّ الآية الأولى تدلّ على عدم إرادة العسر، وما لا يريده الله تعالى لا يكون ولا يقع؛ إجماعا من أهل السنة، والآية الثانية تدلّ على وقوع العسر قطعا؟
فالجواب: أنّ المراد ب «العسر» في الآية الأولى: العسر في الأحكام
стр. 1709
.........
والتكاليف الشاقّة، بدليل قوله تعالى وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [٧٨/ الحج] .
وقوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [٢٨٦/ البقرة] ، وقوله ﵊: «بعثت بالحنيفيّة السمحة» مع أنّ صدر الآية يدلّ على ذلك، وهو قوله تعالى وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [١٨٥/ البقرة] . وأمّا الآية الثانية فالمراد بالعسر فيها العسر في العوارض الدنيويّة؛ كضيق الأرزاق، وتوالي المحن والفتن، وأخذ الأموال ظلما.
وقد ذكر الله تعالى اليسر في القرآن مرتين، وذكر العسر مرتين. لكن عند العرب أن المعرفة إذا أعيدت معرفة توحدت؛ لأنّ اللام الثانية للعهد، وإذا أعيدت النكرة نكرة تعدّدت، فالعسر ذكر مرتين معرفا، فهو عسر واحد، واليسر ذكر مرتين منكرا فكان اثنين.
فلهذا قال ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين» . أخرجه الحاكم عن الحسن البصري مرسلا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» . أخرجه البزار وابن أبي حاتم، واللفظ له.
وما أحسن قول القائل:
لا تجزعنّ لعسرة من بعدها ... يسران وعدا ليس فيه خلاف
كم عسرة ضاق الفتى لنزولها ... لله في أعطافها ألطاف
وقال الشاعر:
إذا اشتدّت بك البلوى ... ففكّر في «ألم نشرح»
فعسر بين يسرين ... إذا فكّرته تفرح
والحديث أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» عن ابن عباس رضي الله تعالى
стр. 1710
٨٦- «تعس عبد الزّوجة» .
٨٧- «تمسّكوا بالعروة الوثقى؛ قول: (لا إله إلّا الله) » .
٨٨- «تهادوا تحابّوا» .
عنهما، وسنده ضعيف. وأخرجه الطبراني في «الكبير» ، والعسكري في «الأمثال» كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
٨٦- ( «تعس عبد الزّوجة» ) لم أقف على من رواه.
٨٧- ( «تمسّكوا بالعروة الوثقى) ؛ أي: العقدة المحكمة الّتي لا انقطاع ولا زوال لها حتّى تؤدّيه إلى الجنّة، وهي (: قول: (لا إله إلّا الله) » ) ؛ أي: مع قرينتها محمّد رسول الله، بأن تعتقدوا ما تضمّنته من التّوحيد وعموم الرّسالة لنبيّنا محمد ﷺ ، و «العروة» في الأصل: موضع شدّ اليد، وأصل المادّة تدلّ على التّعلّق، ومنه: عروته إذا ألممت به متعلقا به، واعتراه الهمّ: تعلّق به.
و «الوثقى» فعلى للتفصيل؛ تأنيث الأوثق، كفضلى تأنيث الأفضل، وجمعها على: وثق، نحو: كبرى وكبر. وأمّا «وثق» بضمتين: فجمع وثيق.
والكلام إمّا من باب التمثيل مبنيّ على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحقّ بالهيئة الحسيّة المنتزعة من التمسّك بالحبل المحكم، وإمّا من باب الاستعارة المفردة، حيث استعيرت العروة الوثقى للاعتقاد الحق. انتهى «جمل» .
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» ، وقد روى الطبراني في «الدعاء» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «العروة الوثقى هي شهادة ألاإله إلّا الله» . انتهى «شرح الإحياء» .
٨٨- ( «تهادوا) - بفتح الدال المهملة-؛ أي: ليهد بعضكم لبعض (تحابّوا» ) ؛ أي: يحبّ بعضكم بعضا، لأنّ الهديّة خلق من أخلاق الإسلام دلّت
стр. 1711
.........
عليه الأنبياء، وحثّ عليه خلق الأولياء، وهي تؤلّف القلوب، وتنفي البغضاء من الصدور.
قال الغزالي: قبول الهدية سنّة، لكن الأولى ترك ما فيه منّة، فإن كان البعض تعظم منّته دون البعض ردّ ما تعظم منّته. انتهى.
ويسنّ المكافأة عن الهديّة بردّ مثلها أو زيادة إن قدر على ذلك، ولا يكلّف نفسه ما لا يطيق. والتهادي: تفاعل، فيكون من الجانبين.
وينبغي للمهدي أن يقصد بالهدية امتثال أمر الشارع وما ندب لأجله، ولا يقصد بذلك الدنيا. قال حسّان ﵁:
إنّ الهدايا تجارات اللّئام وما ... يبغي الكرام لما يهدون من ثمن
والحديث ذكره في الجامع الصغير مرموزا له برمز أبي يعلى الموصلي في مسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال المناوي: أخرجه النسائي في الكنى وسلطان المحدثين البخاري في الأدب المفرد، قال الزين العراقي: والسند جيد، وقال ابن حجر: سنده حسن. انتهى وذكره في المقاصد والكشف وأطالا في تخريجه وبيان اختلاف ألفاظه بالزيادة والنقص فراجعه إن شئت.
стр. 1712
[ (حرف الثّاء) ]
(حرف الثّاء) ٨٩- «ثلاث من كنّ فيه.. وجد حلاوة الإيمان: ١- أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، ...
(حرف الثّاء) ٨٩- ( «ثلاث) ؛ نكرة، وهي صفة لموصوف محذوف، ومن ثمّ وقعت مبتدأ؛ أي: خصال ثلاث، والخبر جملة، قوله: (من كنّ) ؛ أي: حصلن (فيه وجد) ؛ أي: أصاب (حلاوة الإيمان) ؛ أي: التلذّذ بالطاعة وتحمّل المشقة في رضا الله ورسوله، وإيثار ذلك على عرض الدنيا.
وهذا استعارة بالكناية؛ شبّه الإيمان بنحو العسل للجهة الجامعة، وهو الالتذاذ؛ فأطلق المشبّه وأضاف إليه ما هو من خصائص المشبّه به ولوازمه، وهو الحلاوة على جهة التخييل. وادّعى بعض الصّوفيّة أنّها حلاوة حسيّة، لأنّ القلب السليم من أمراض الغافلة والهوى يجد طعم الإيمان كذوق الفم طعم العسل. ذكره المناوي رحمه الله تعالى.
(١- أن يكون الله ورسوله أحبّ) ؛ أي: كون الله ورسوله في محبته إيّاهما أكثر محبّة (إليه ممّا سواهما) من نفس وأهل ومال وكلّ شيء.
قال النووي: وعبّر ب «ما» دون «من» ! لعمومها «١» ، وجمعه بين اسم الله ورسوله في ضمير لا ينافيه إنكاره [ ﷺ ] على الخطيب: «ومن يعصهما» !! لأنّ المراد في الخطب الإيضاح لا الرمز، وهنا المطلوب إيجاز اللّفظ ليحفظ.
وأولى منه قول البيضاوي: ثنّى الضمير هنا إيماء إلى أنّ المعتبر هو المجموع المركب من المحبّتين لا كلّ واحدة؛ فإنّها وحدها لاغية. وأمر بالإفراد في حديث
стр. 1713
٢- وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله، ...
الخطيب؛ إشعارا بأنّ كلّ واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية إذ العطف في تقدير التكرار، والأصل استقلال كلّ من المعطوفين في الحكم. انتهى.
ومحبّة العبد ربّه بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبّة رسوله.
ومحبّة العبد ربّه تنقسم باعتبار سببها والباعث عليها إلى قسمين:
أحدهما: ينشأ عن مشاهدة الإحسان ومطالعة الآلاء والنظر في النّعم، فإن الإحسان سبب لميل النفس إلى حبّ من أحسن إليها، والقلوب جبلت على حبّ من أحسن إليها، ولا إحسان أعظم من إحسان الربّ تقدّس، وهذا القسم يدخل فيه كلّ أحد.
والثاني: يتعلّق بالخواصّ؛ وهي محبّة الجلال والجمال ولا شيء أكمل ولا أجمل منه، فلا يحدّ كماله، ولا يوصف جلاله، ولا ينعت جماله.
وأسباب محبة النبيّ ﷺ كثيرة منها: أنّه أنقذنا به من النار، وأوجب لنا باتباعه الفلاح الأبديّ والنعيم السرمديّ.
(و ٢- أن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله) ؛ أي: لا يحبّه لغرض، إلا لغرض رضا الله حتى تكون محبّته لأبويه؛ لكونه سبحانه أمر بالإحسان إليهما، ومحبته لولده لكونه ينفعه في الدعاء الصالح له.
وهكذا ذكره المناوي في «شرح الجامع» .
وفي «النصائح الدينية» للحبيب الولي السيد عبد الله الحداد رحمه الله تعالى.
آمين:
فإذا أحبّ الإنسان الإنسان وألفه وصاحبه؛ لأنّه يحبّ الله ويعمل بطاعته؛ كان ذلك من المحبة في الله.
وإذا أحبّه وصحبه؛ لأنّه يعينه على دينه ويساعده على طاعة ربّه؛ فقد أحبه في الله.
стр. 1714
٣- وأن يكره أن يعود في الكفر- بعد إذ أنقذه الله منه- كما يكره أن يلقى في النّار» .
وإذا أحبّه وصحبه؛ لأنه يعينه على دنياه الّتي يستعين بها على أخراه؛ فقد أحبّه في الله تعالى.
وإذا أحبّه وصحبه؛ لأنه وجد طبعه يميل إليه ونفسه تأنس به، أو لأنّه يعينه على دنياه وأسباب معاشه الّتي يتمتع بها؛ فتلك محبّة طبيعية ليست من المحبة لله في شيء، وتلك صحبة نفسانيّة اقتضاها ميل الطّبع، ولكنّها مباحة، ولعلّها لا تخلو من خير إن شاء الله تعالى.
وأمّا إذا أحبّه وصحبه؛ لأنّه يعينه على المعصية والظلم ويساعده على أسباب الفسق والمنكر؛ فتلك محبّة وصحبة مذمومة قبيحة، وهي في سبيل الشيطان، وليست من الله في شيء، وهي التي تنقلب في الآخرة عداوة، وربما انقلبت في الدنيا قبل الآخرة. قال الله تعالى الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) [الزخرف] انتهى كلام الحداد.
(و ٣- أن يكره أن يعود في الكفر) ؛ أي: يصير إليه، واستعمال العود بمعنى الصيرورة غير عزيز. (بعد إذ أنقذه الله) ؛ أي: نجّاه (منه) بالإسلام؛ إن كان كافرا، وبأن خلقه من أمّة الإجابة؛ إن كان مسلما أصالة. قاله: «الحفني على الجامع»
(كما يكره أن يلقى) - بالبناء للمفعول- (في النّار» ) لثبوت إيمانه، وتمكّنه في جنانه.
والحديث أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم في «كتاب الإيمان» ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام.
стр. 1715
٩٠- «ثلاث من كنّ فيه حاسبه الله حسابا يسيرا، وأدخله الجنّة برحمته: ١- تعطي من حرمك، ٢- وتعفو عمّن ظلمك، ٣- وتصل من قطعك» .
٩١- «ثلاث منجيات: ١- خشية الله تعالى في السّرّ والعلانية، ٩٠- ( «ثلاث من كنّ فيه حاسبه الله حسابا يسيرا) يوم القيامة، فلا يناقشه، ولا يشدّد عليه، ولا يطيل وقوفه. (وأدخله الجنّة) مع السابقين (برحمته) ؛ أي: بإحسانه تعالى، وإن كان عمله لا يبلّغه ذلك لقلته.
(١- تعطي من حرمك) : إعطاءه أو مودته أو معروفه.
(و ٢- تعفو عمن ظلمك) في نفس أو مال أو عرض.
(و ٣- تصل من قطعك» ) من ذوي قرابتك وغيرهم.
والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي في كتاب «ذم الغضب» ، والطبراني في «الأوسط» ، والحاكم في «التفسير» ؛ من حديث سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال الحاكم: صحيح، وردّه الذهبي، فقال: سليمان ضعيف، وفي «الميزان» : قال البخاري: سليمان منكر الحديث، قال: ومن قلت فيه: منكر الحديث لا تحلّ رواية حديثه، ثم ساق له أخبارا هذا منها، وقال العلائي: فيه سليمان؛ ضعفه غير واحد. وقال الهيثمي: فيه سليمان متروك. انتهى «مناوي» .
٩١- ( «ثلاث منجيات) للعبد في الدنيا والآخرة:
(١- خشية الله) ؛ أي: خوفه (تعالى في السّرّ والعلانية) فهذا أكمل من خوفه في العلن فقط، أو في السّرّ فقط إلّا إذا كان عالما يقتدى به فأظهر الخشية لهذا
стр. 1716
٢- والعدل في الرّضا والغضب، ٣- والقصد في الفقر والغنى.
وثلاث مهلكات: ١- هوى متّبع، ٢- وشحّ مطاع، ٣- وإعجاب المرء بنفسه» .
القصد، أو خاف من الإظهار الرياء؛ فالأمور بمقاصدها.
(و ٢- العدل) ؛ العادل: من لا يميل به الهوى فيجور في الحكم (في) ؛ حال (الرّضا والغضب) كما قال تعالى اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨/ المائدة] ، وقال تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [١٣٥/ النساء] .
(و ٣- القصد) ؛ أي: التوسط (في) الإنفاق في حال (الفقر والغنى) ؛ فلا يقتّر جدّا لفقره، ولا يسرف لغناه، بل يتوسّط. قال تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) [الفرقان] .
(وثلاث مهلكات) ؛ أي: موقعات لفاعلهن في الهلاك.
(١- هوى) - بالقصر- (متّبع) - بالتشديد، وفتح الموحدة-: يعني اتباع هوى النفس دائما، فكلّما مال إلى شهوة أتاها وحرص على غيرها، فهذا هواه موقع له في الرّدى دنيا وأخرى. أمّا مطاوعة الهوى في بعض الأوقات مع الرجوع إليه تعالى عقب ذلك! فليست من المهلكات.
(و ٢- شحّ) ؛ أي: بخل (مطاع) وهو: أن يطيعه صاحبه في منع الحقوق الّتي أوجبها الله عليه في ماله.
وقيّد الشّحّ بالمطاع! لأنّه إنّما يكون مهلكا إذا كان مطاعا؛ أمّا لو كان موجودا في النفس غير مطاع فلا يكون كذلك، لأنّه من لوازم النّفس.
(و ٣- إعجاب المرء بنفسه» ) ؛ أي: ملاحظته إيّاها بعين الكمال مع نسيان نعمة الله تعالى، وتحسينه فعل نفسه على غيره؛ وإن كان قبيحا، بأن يرى فعل نفسه خيرا من فعل غيره، وكثيرا ما يقع ذلك في أهل العلم، وقد قال أهل الله تعالى:
стр. 1717
.........
لا يتمّ حال العبد إلّا إذا رأى نفسه دون كلّ مخلوق.
وما وقع لبعض أهل الله تعالى من التّكلم بكلام يقتضي الإعجاب!! فهو من أهل الأحوال في حال السّرّ والغيبة؛ بحيث لو استيقظوا لتابوا من ذلك، كما نتوب من الذّنوب. ومن الكمّل في حال شهود وحدة الوجود والاشتغال به عن كلّ ما سواه؛ فيكون من التحدّث بنعمة الله تعالى؛ لا عجبا وافتخارا. قاله الحفني على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ، وقال: أخرجه أبو الشيخ في «التوبيخ» ، والبزار، وأبو نعيم، والبيهقي، والطبراني في «الأوسط» كلهم عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف. انتهى مناوي على «الجامع» .
стр. 1718
[ (حرف الجيم) ]
(حرف الجيم) ٩٢- «الجار قبل الدّار، والرّفيق قبل الطّريق» .
(حرف الجيم) ٩٢- ( «الجار) ؛ أي: التمسوا الجار الصّالح (قبل) شراء (الدّار) ؛ والدار مؤنثة، وقد سئل عن ذلك العلامة عبد الملك العصامي المكي رحمه الله تعالى:
وهذا نصّ السؤال:
ماذا يقول إمام العصر سيّدنا ... ومن لديه ينال القصد طالبه
في الدّار: هل جائز تذكير عائدها ... في قولنا مثلا «في الدّار صاحبه»
ومن إبانة همز ابن أراد فهل ... يكون موصوفه اسما يطالبه
أم كونه علما كاف ولو لقبا ... أو كنية إن أراد الحذف كاتبه
أفد، فما قد رأينا الحقّ منخفضا ... إلّا وأنت على التّمييز ناصبه
فأجاب بما نصّه:
يا فاضلا لم يزل يهدي الفرائد من ... علومه وتروّينا سحائبه
تأنيثك الدّار حتم لا سبيل إلى التّ ... ذكير فامنع إذا «في الدّار صاحبه»
والابن موصوفه عمّم فإن لقبا ... أو كنية فارتكاب الحذف واجبه
هذا جوابي فاعذر إن ترى خللا ... فمصدر العجز والتّقصير كاتبه
لا زلت تاجا لهامات الهدى علما ... في العلم يحوي بك التّحقيق طالبه
(و) التمسوا (الرّفيق) ؛ الذي تحصل به المعاونة والمرافقة على قطع السّفر (قبل) السلوك في (الطّريق» ) وكلّ من «الجار» و «الرّفيق» يجوز نصبه ورفعه؛ فنصبه بفعل مقدّر؛ أي: التمس أو اتّخذ. ورفعه بالابتداء والله أعلم.
والحديث أخرجه الخطيب في «الجامع» عن عليّ ورافع بن خديج بأسانيد ضعيفة، وتمامه: «والزّاد قبل الرّحيل» .
стр. 1719
٩٣- «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» .
ورواه العسكري في «الأمثال» عن عليّ قال: خطب رسول الله ﷺ وذكر حديثا طويلا في آخره: «الجار ثمّ الدّار، والرّفيق ثمّ الطّريق»
ورواه الطبراني في «الكبير» وابن أبي خيثمة، والعسكري في «الأمثال» عن رافع بن خديج بلفظ: «التمسوا الرّفيق قبل الطريق، والجار قبل الدّار» .
ورواه القضاعي بلفظ: «التمسوا الجار قبل شراء الدّار، والرّفيق قبل الطّريق» وكلها ضعيفة، لكن بانضمامها يقوى الحديث؛ فيصير حسنا. قاله في «الكشف» للعجلونيّ.
٩٣- ( «الجماعة رحمة) ؛ أي: لزوم جماعة المسلمين موصل إلى الرحمة، أو سبب للرحمة. (والفرقة) عن جماعة المسلمين بأن لا ينصرهم ببدنه أو اعتقاده (عذاب» ) ؛ أي: سبب للعذاب، لأنّه تعالى جمع المؤمنين على معرفة واحدة، وشريعة واحدة؛ ليألف بعضهم بعضا بالله وفي الله؛ فيكونون كرجل واحد على عدوّهم، فمن انفرد عن حزب الرّحمن انفرد به الشّيطان، وأوقعه فيما يؤدّيه إلى عذاب النيران.
قال العامريّ في «شرح الشهاب» : لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين لما اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام، ومكارم الأخلاق، وترقّي السابقين منهم إلى درجة الإحسان؛ وإن قلّ عددهم، حتّى لو اجتمع التقوى والإحسان اللّذان معهما الرحمة في واحد كان هو الجماعة، فالرحمة في متابعته، والعذاب في مخالفته. انتهى.
والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ، والقضاعي في «مسند الشهاب» عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: «الجماعة..» ... الخ.
قال الزركشي- بعد عزوه لأحمد والطبراني-: فيه [أبو وكيع الجراح بن مليح] «١» ؛ قال
стр. 1720
٩٤- «جفّ القلم بما أنت لاق» .
الدارقطني: ليس بشيء. وقال السّيوطيّ في «الدرر» سنده ضعيف.
وقال السخاوي: سنده ضعيف؛ لكن له شواهد،
منها: ما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «يد الله على الجماعة، اتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّ من شذّ شذّ في النّار» .
ومنها: ما روى الطبراني عن أسامة بن شريك رفعه: يد الله على الجماعة، فإن شذّ الشّاذّ منهم اختطفته الشّياطين» ... الحديث.
ومنها ما رواه أيضا؛ عن عرفجة رفعه: «يد الله مع الجماعة، والشّيطان مع من فارق الجماعة يركض» . ومنها ما رواه الديلمي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «الشّيطان يهمّ بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهمّ بهم» .
انتهى مناوي على «الجامع الصغير» ، مع زيادة من «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» للعجلوني ﵏. آمين.
٩٤- ( «جفّ القلم بما أنت لاق» ) ؛ أي: نفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ؛ فبقي القلم الذي كتب به جافا لا مداد فيه، لفراغ ما كتب به.
قال القاضي عياض: كتاب الله ولوحه وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به ونكل علمه إليه. وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
وهذا الحديث رواه البخاري، والنسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوّج به النساء، فأذن لي أختصي. فسكت عنّي، ثم قلت مثل ذلك؛ فسكت، ثم قلت مثل ذلك؛ فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة؛ جفّ القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك، أو ذر» .
ورواه الطبراني في «الكبير» عن ابن عباس ﵄ بلفظ: «جفّ