٢- والعدل في الرّضا والغضب، ٣- والقصد في الفقر والغنى.
وثلاث مهلكات: ١- هوى متّبع، ٢- وشحّ مطاع، ٣- وإعجاب المرء بنفسه» .
القصد، أو خاف من الإظهار الرياء؛ فالأمور بمقاصدها.
(و ٢- العدل) ؛ العادل: من لا يميل به الهوى فيجور في الحكم (في) ؛ حال (الرّضا والغضب) كما قال تعالى اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨/ المائدة] ، وقال تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [١٣٥/ النساء] .
(و ٣- القصد) ؛ أي: التوسط (في) الإنفاق في حال (الفقر والغنى) ؛ فلا يقتّر جدّا لفقره، ولا يسرف لغناه، بل يتوسّط. قال تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) [الفرقان] .
(وثلاث مهلكات) ؛ أي: موقعات لفاعلهن في الهلاك.
(١- هوى) - بالقصر- (متّبع) - بالتشديد، وفتح الموحدة-: يعني اتباع هوى النفس دائما، فكلّما مال إلى شهوة أتاها وحرص على غيرها، فهذا هواه موقع له في الرّدى دنيا وأخرى. أمّا مطاوعة الهوى في بعض الأوقات مع الرجوع إليه تعالى عقب ذلك! فليست من المهلكات.
(و ٢- شحّ) ؛ أي: بخل (مطاع) وهو: أن يطيعه صاحبه في منع الحقوق الّتي أوجبها الله عليه في ماله.
وقيّد الشّحّ بالمطاع! لأنّه إنّما يكون مهلكا إذا كان مطاعا؛ أمّا لو كان موجودا في النفس غير مطاع فلا يكون كذلك، لأنّه من لوازم النّفس.
(و ٣- إعجاب المرء بنفسه» ) ؛ أي: ملاحظته إيّاها بعين الكمال مع نسيان نعمة الله تعالى، وتحسينه فعل نفسه على غيره؛ وإن كان قبيحا، بأن يرى فعل نفسه خيرا من فعل غيره، وكثيرا ما يقع ذلك في أهل العلم، وقد قال أهل الله تعالى:
стр. 1717
.........
لا يتمّ حال العبد إلّا إذا رأى نفسه دون كلّ مخلوق.
وما وقع لبعض أهل الله تعالى من التّكلم بكلام يقتضي الإعجاب!! فهو من أهل الأحوال في حال السّرّ والغيبة؛ بحيث لو استيقظوا لتابوا من ذلك، كما نتوب من الذّنوب. ومن الكمّل في حال شهود وحدة الوجود والاشتغال به عن كلّ ما سواه؛ فيكون من التحدّث بنعمة الله تعالى؛ لا عجبا وافتخارا. قاله الحفني على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ، وقال: أخرجه أبو الشيخ في «التوبيخ» ، والبزار، وأبو نعيم، والبيهقي، والطبراني في «الأوسط» كلهم عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف. انتهى مناوي على «الجامع» .
стр. 1718
[ (حرف الجيم) ]
(حرف الجيم) ٩٢- «الجار قبل الدّار، والرّفيق قبل الطّريق» .
(حرف الجيم) ٩٢- ( «الجار) ؛ أي: التمسوا الجار الصّالح (قبل) شراء (الدّار) ؛ والدار مؤنثة، وقد سئل عن ذلك العلامة عبد الملك العصامي المكي رحمه الله تعالى:
وهذا نصّ السؤال:
ماذا يقول إمام العصر سيّدنا ... ومن لديه ينال القصد طالبه
في الدّار: هل جائز تذكير عائدها ... في قولنا مثلا «في الدّار صاحبه»
ومن إبانة همز ابن أراد فهل ... يكون موصوفه اسما يطالبه
أم كونه علما كاف ولو لقبا ... أو كنية إن أراد الحذف كاتبه
أفد، فما قد رأينا الحقّ منخفضا ... إلّا وأنت على التّمييز ناصبه
فأجاب بما نصّه:
يا فاضلا لم يزل يهدي الفرائد من ... علومه وتروّينا سحائبه
تأنيثك الدّار حتم لا سبيل إلى التّ ... ذكير فامنع إذا «في الدّار صاحبه»
والابن موصوفه عمّم فإن لقبا ... أو كنية فارتكاب الحذف واجبه
هذا جوابي فاعذر إن ترى خللا ... فمصدر العجز والتّقصير كاتبه
لا زلت تاجا لهامات الهدى علما ... في العلم يحوي بك التّحقيق طالبه
(و) التمسوا (الرّفيق) ؛ الذي تحصل به المعاونة والمرافقة على قطع السّفر (قبل) السلوك في (الطّريق» ) وكلّ من «الجار» و «الرّفيق» يجوز نصبه ورفعه؛ فنصبه بفعل مقدّر؛ أي: التمس أو اتّخذ. ورفعه بالابتداء والله أعلم.
والحديث أخرجه الخطيب في «الجامع» عن عليّ ورافع بن خديج بأسانيد ضعيفة، وتمامه: «والزّاد قبل الرّحيل» .
стр. 1719
٩٣- «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» .
ورواه العسكري في «الأمثال» عن عليّ قال: خطب رسول الله ﷺ وذكر حديثا طويلا في آخره: «الجار ثمّ الدّار، والرّفيق ثمّ الطّريق»
ورواه الطبراني في «الكبير» وابن أبي خيثمة، والعسكري في «الأمثال» عن رافع بن خديج بلفظ: «التمسوا الرّفيق قبل الطريق، والجار قبل الدّار» .
ورواه القضاعي بلفظ: «التمسوا الجار قبل شراء الدّار، والرّفيق قبل الطّريق» وكلها ضعيفة، لكن بانضمامها يقوى الحديث؛ فيصير حسنا. قاله في «الكشف» للعجلونيّ.
٩٣- ( «الجماعة رحمة) ؛ أي: لزوم جماعة المسلمين موصل إلى الرحمة، أو سبب للرحمة. (والفرقة) عن جماعة المسلمين بأن لا ينصرهم ببدنه أو اعتقاده (عذاب» ) ؛ أي: سبب للعذاب، لأنّه تعالى جمع المؤمنين على معرفة واحدة، وشريعة واحدة؛ ليألف بعضهم بعضا بالله وفي الله؛ فيكونون كرجل واحد على عدوّهم، فمن انفرد عن حزب الرّحمن انفرد به الشّيطان، وأوقعه فيما يؤدّيه إلى عذاب النيران.
قال العامريّ في «شرح الشهاب» : لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين لما اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام، ومكارم الأخلاق، وترقّي السابقين منهم إلى درجة الإحسان؛ وإن قلّ عددهم، حتّى لو اجتمع التقوى والإحسان اللّذان معهما الرحمة في واحد كان هو الجماعة، فالرحمة في متابعته، والعذاب في مخالفته. انتهى.
والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ، والقضاعي في «مسند الشهاب» عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: «الجماعة..» ... الخ.
قال الزركشي- بعد عزوه لأحمد والطبراني-: فيه [أبو وكيع الجراح بن مليح] «١» ؛ قال
стр. 1720
٩٤- «جفّ القلم بما أنت لاق» .
الدارقطني: ليس بشيء. وقال السّيوطيّ في «الدرر» سنده ضعيف.
وقال السخاوي: سنده ضعيف؛ لكن له شواهد،
منها: ما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «يد الله على الجماعة، اتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّ من شذّ شذّ في النّار» .
ومنها: ما روى الطبراني عن أسامة بن شريك رفعه: يد الله على الجماعة، فإن شذّ الشّاذّ منهم اختطفته الشّياطين» ... الحديث.
ومنها ما رواه أيضا؛ عن عرفجة رفعه: «يد الله مع الجماعة، والشّيطان مع من فارق الجماعة يركض» . ومنها ما رواه الديلمي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «الشّيطان يهمّ بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهمّ بهم» .
انتهى مناوي على «الجامع الصغير» ، مع زيادة من «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» للعجلوني ﵏. آمين.
٩٤- ( «جفّ القلم بما أنت لاق» ) ؛ أي: نفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ؛ فبقي القلم الذي كتب به جافا لا مداد فيه، لفراغ ما كتب به.
قال القاضي عياض: كتاب الله ولوحه وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به ونكل علمه إليه. وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
وهذا الحديث رواه البخاري، والنسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوّج به النساء، فأذن لي أختصي. فسكت عنّي، ثم قلت مثل ذلك؛ فسكت، ثم قلت مثل ذلك؛ فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة؛ جفّ القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك، أو ذر» .
ورواه الطبراني في «الكبير» عن ابن عباس ﵄ بلفظ: «جفّ
стр. 1721
٩٥- «الجنّة تحت أقدام الأمّهات» .
القلم بما هو كائن» وهو حسن. ورواه القضاعي؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي ﷺ يقول: «جفّ القلم بالشّقيّ والسّعيد، وفرغ من أربع: من الخلق، والخلق، والأجل، والرّزق» وكذا رواه الديلمي؛ عن ابن مسعود بلفظ «جرى القلم بما حكم» .
٩٥- ( «الجنّة تحت أقدام الأمّهات» ) يعني: التواضع لهنّ وترضّيهن وإطاعتهن في خدمتهنّ، وعدم مخالفتهن إلا فيما حظره الشرع سبب لدخول الجنة، وتمام الحديث: «من شئن أدخلن، ومن شئن أخرجن» .
قال العامري: المراد أنّه يكون في برّها وخدمتها كالتراب تحت قدميها؛ مقدّما لها على هواه، مؤثرا برّها على برّ كلّ عباد الله، لتحمّلها شدائد حمله ورضاعه وتربيته. انتهى.
فينبغي التواضع جدا للأمّهات حتى يكون كالتراب الذي تحت أقدامهنّ ليدخل الجنة مع السابقين، لأن لها ثلثي البرّ.
قال بعض الصوفية: هذا الحديث له ظاهر وباطن، وحقّ وحقيقة، لأن المصطفى ﷺ أوتي جوامع الكلم فقوله «الجنة» ... الخ
ظاهره: أن الأمّهات يلتمس رضاهنّ المبلّغ إلى الجنة بالتواضع لهنّ، وإلقاء النّفس تحت أقدامهنّ، والتذلّل لهنّ.
والحقيقة فيه: أنّ أمّهات المؤمنين هنّ معه ﵊ أزواجه في أعلى درجة في الجنة، والخلق كلّهم تحت تلك الدرجة، فانتهاء رؤوس الخلق في رفعة درجاتهم في الجنة؛ وآخر مقام لهم في الرفعة: أوّل مقام أقدام أمّهات المؤمنين، فحيث انتهى الخلق فهنّ ثمّ ابتداء درجاتهنّ، فالجنة كلها تحت أقدامهن. وهذا قاله لمن أراد الغزو معه؛ وله أمّ تمنعه، فقال: «الزمها ... ثم ذكره.
стр. 1722
٩٦- «الجنّة تحت ظلال السّيوف» .
قال الذهبي: فيه أن عقوق الأمهات من الكبائر وهو إجماع. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه الخطيب في «جامعه» ، والقضاعي في «مسند الشهاب» ؛ عن أنس رفعه، وهو منكر لأن في سنده مجهولين.
وذكره الخطيب أيضا عن ابن عباس ﵄ وضعفه.
قال في «المقاصد» : وقد عزاه الديلمي لمسلم عن أنس فلينظر!! ومثله في «الدرر» انتهى «كشف الخفا» .
وفي المناوي على «الجامع» : أنه أخرجه النسائي وابن ماجه، وكذا الإمام أحمد والحاكم وصححه. ومثله في «كشف الخفا» ؛ قال: عن معاوية بن جاهمة السلمي ﵁.
٩٦- ( «الجنّة تحت ظلال) - وفي رواية للبخاري: تحت بارقة- (السّيوف» ) ؛ أي: الجهاد ماله الجنة، يعني: أنّ ظلال السّيوف والضرب بها في سبيل الله تعالى سبب للفوز بظلال بساتين الجنّة ونعيمها.
وفي «النّهاية» : هو كناية عن الدّنوّ من الضّرب في الجهاد حتى يعلوه السّيف ويصير ظلّه عليه؛ وخصّ السّيوف! لكونها أعظم آلات الحرب وأنفعها إذ ذاك.
والحديث رواه الحاكم في «المستدرك» في «الجهاد» ؛ عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه الذّهبي.
وفي رواية للبخاري؛ عن ابن أبي أوفى مرفوعا بلفظ: «اعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف» . ورواه مسلم في «المغازي» ؛ عن أبي موسى بلفظ: أنّه قال بحضرة العدوّ: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أبواب الجنّة تحت ظلال السّيوف» .
فقام رجل رثّ الهيئة، فقال: يا أبا موسى؛ أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى أصحابه؛ فقال: أقرأ عليكم السلام؛ ثمّ كسر جفن سيفه وألقاه، ثمّ مشى بسيفه إلى العدوّ، فضرب به حتى قتل. وأخرجه أبو داود في «الجهاد» .
стр. 1723
[ (حرف الحاء) ]
(حرف الحاء) ٩٧- «حبّ الدّنيا.. رأس كلّ خطيئة» .
(حرف الحاء) ٩٧- ( «حبّ الدّنيا) ؛ أي: تعلّق القلب بها، والانهماك في تحصيلها بأي وجه كان، كالمكاسين والتجّار الّذين يحلفون كذبا لترويج السلعة.
(رأس كلّ خطيئة» ) بشاهد التجربة والمشاهدة، فإنّ حبّها يوقع في الشّبهات ثم في المكروهات، ثم في المحرمات، وطالما أوقع في الكفر، بل جميع الأمم المكذّبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم حبّ الدنيا، فكل خطيئة في العالم أصلها حبّ الدنيا، ولا تنس خطيئة الأبوين، فإن سببها حبّ الخلود في الدنيا؛ ولا تنس خطيئة إبليس، فإن سببها حب الرّياسة التي هي شرّ من حبّ لدنيا، وكفر فرعون وهامان وجنودهما ... فحبّ الدّنيا هو الذي عمر النّار بأهلها، وبغضها هو الذي عمر الجنّة بأهلها، ومن ثمّ قيل: الدّنيا خمر الشّيطان، فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلّا في عسكر الموتى، خاسرا نادما.
نعم؛ إذا أحبّ جمع الدنيا لصرفها في مصارفها كإطعام الجائع؛ فهو محمود لا خطيئة، فضلا عن كونه رأس كل خطيئة، ولذا ورد: «نعمت الدّنيا مطيّة المؤمن، بها يصل إلى الخير وينجو من الشّرّ» ، وهذه نصيحة منه ﷺ لأمّته.
وإلّا! فكل واحد لا غنى له عن الدنيا، ولو لم يحبّ الناس الدنيا هلك العالم وبطل المعاش، إلّا أنّه علم ﷺ أن حبّ الدنيا مهلك؛ وأنّ ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحبّ من قلب الأكثر، إلّا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم؛ فلم يترك النصح؛ وذكر ما في حب الدنيا من الخطر، ولم يترك ذكره؛ خوفا من أن يترك ثقة بالشهوات المهلكة التي سلّطها الله على عباده ليسوقهم بها إلى جهنّم تصديقا لقوله وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [١٣/ السجدة] . الآية
стр. 1724
.........
تنبيه: أخذ بعضهم من الحديث أنّه ينبغي ألايؤخذ العلم إلّا عن أقلّ الناس رغبة في الدنيا، فإنه أنور قلبا وأقلّ إشكالات في الدّين؛ فكيف يؤخذ علم عمّن جمع في قلبه رأس خطيئات الوجود!! كيف وذلك يمنع من دخول حضرة الله وحضرة رسوله؟! فإنّ حضرته تعالى كلامه وحضرة رسوله كلامه، ومن لم يتخلّق بأخلاق صاحب الكلام لا يمكنه دخول حضرته؛ ولو في صلاته، إذ لا يفهم أحد عن أعلى صفة إلّا إن صلح لمجالسته؛ فمن زهد في الدنيا كما زهد فيها المصطفى ﷺ ؛ فقد أهّل لفهم كلامه، ولو رغب فيها كغالب الفقهاء! لا يؤهّل لذلك، ولا يفهم مراد الشارع إلّا إن فسر له بكلام مغلق قلق ضيق؛ كذا في «إرشاد الطالبين» .
قال: وسمعت نصرانيّا يقول لفقيه: كيف يزعم علماؤكم أنّهم ورثة نبيّهم؛ وهم يرغبون فيما زهد فيه رهباننا؟! قال: كيف؟. قال: لأنّهم يأخذون في إقامة شعار دينهم؛ من تدريس وخطابة وإمامة ونحوها عرضا من الدنيا؛ ولو منعوه لعطّلوها، وجميع الرّهبان يقومون بأمر ديننا مجّانا. فانظر قوّة يقين أصحابنا وضعف يقين أصحابكم، فلو صدقوا ربّهم أنّ ما عنده خير وأبقى؛ لزهدوا في الدنيا كما زهد فيها نبيّهم والرهبان.
وشكا بعضهم كثرة خواطر الشّيطان؛ فقال: طلّق بنته يهجر زيارتك، وهي الدنيا، تريد أن يقطع رحمه لأجلك. قال: هو يأتي من لا دنيا عنده، قال: إن لم تكن عنده؟؛ فهو خاطب لها، ومن خطب بنت رجل فتح باب مودّته؛ وإن لم يدخل بها.
وكان الرّبيع بن خثيم يقول: أخرجوا حبّ الدنيا من قلوبكم يدخلها حبّ الآخرة. انتهى. مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث رواه البيقهي في «شعب الإيمان» ؛ عن الحسن البصري مرسلا؛ ثم قال- أعني البيهقي-: ولا أصل له من حديث النّبي ﷺ .
стр. 1725
٩٨- «الحبّ في الله والبغض في الله من أفضل الأعمال» .
قال الحافظ الزّين العراقي: ومراسيل الحسن عندهم شبه الرّيح، ومثل به في «شرح الألفية» للموضوع من كلام الحكماء، وقال: هو من كلام مالك بن دينار؛ كما رواه ابن أبي الدنيا، أو من كلام عيسى، كما رواه البيهقي في «الزهد» ، وأبو نعيم في «الحلية» ، أو من قول سعيد بن سعود؛ كما ذكره ابن يونس في «تاريخ مصر» .
وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي، وعدّ ابن الجوزي الحديث في الموضوعات، وتعقّبه الحافظ ابن حجر بأن ابن المديني أثنى على مراسيل الحسن، والإسناد إليه حسن. وأورده الديلمي من حديث علي وبيّض لسنده. وقال ابن الغرس: الحديث ضعيف.
وللديلمي؛ عن أبي هريرة رفعه: «أعظم الآفات تصيب أمّتي: حبّهم الدّنيا، وجمعهم الدّنانير والدّراهم، لا خير في كثير ممّن جمعها إلّا من سلّطه الله على هلكتها في الحقّ» انتهى مناوي على «الجامع» ، و «كشف الخفا» للعجلوني، رحمهما الله تعالى. آمين.
٩٨- ( «الحبّ في الله) ؛ أي: في ذات الله، لا لشوب رياء ولا هوى، (والبغض في الله من أفضل الأعمال» ) . قال الطيبي: «في» هنا بمعنى اللام في الحديث الآخر «من أحبّ لله» ؛ إشارة إلى الإخلاص، لكن «في» هنا أبلغ، أي: الحب في جهته ووجهه، كقوله تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [٦٩/ العنكبوت] . أي: في حقنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا.
فمن أفضل الأعمال أن يحبّ الرجل للإيمان والعرفان، لا لحظ نفساني كإحسان، وأن يكرهه للكفر والعصيان؛ لا لإيذائه له.
والحاصل: ألايكون معاملته مع الخلق إلا لله؛
ومن البغض في الله بغض النفس الأمّارة بالسّوء وأعداء الدّين، وبغضهما
стр. 1726
٩٩- «حبّك الشّيء يعمي ويصمّ» .
مخالفة أمرهما، والمجاهدة مع النّفس بحبسها في طاعة الله تعالى بما أمر ونهى، ومع أعدائه تعالى بالمصابرة معهم والمرابطة لأجلهم.
وهذا الحديث من تدبّره وقف على سلوك طريق الله وفناء السالك في الله.
قال ابن رسلان: فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله؛ كما يكون له أصدقاء يحبّهم في الله: بيانه أنّك إذا أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله، فإن عصاه فلا بدّ أن تبغضه؛ لأنه عاص لله وممقوت عند الله، فمن أحبّ لسبب فبالضرورة يبغض لضدّه؛ وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وهو مطّرد في الحب والبغض في العادات، والله أعلم.
انتهى. من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» باللّفظ الذي أورده المصنف معزوا لأبي داود.
وذكره في «الجامع الصّغير» بلفظ: «أفضل الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله» . معزوّا لأبي داود؛ من حديث أبي ذر الغفاري ﵁، وهو الموافق لما في «سنن أبي داود» ، لكن في سنده راو لم يسمّ.
٩٩- ( «حبّك الشّيء) - بلام ودونها روايتان- (يعمي) عن عيوب المحبوب، (ويصمّ» ) عن سماعها، فلا تبصر قبيح فعله، ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى قبيحه حسنا وتسمع منه الجفا قولا جميلا، وهذا شامل لمحبّة النّفس، فإذا أحبّ الشخص نفسه وفعلها؛ رضي بكل أفعال نفسه، وأثنى على نفسه، فلا يرى لنفسه فعلا سيّئا، وهذا من سوء الحال. انظر قول سيّدنا يوسف ﵊: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [٥٣/ يوسف] فما بالك بغيره!! فالحبّ لذّة تعمي عن رؤية غير المحبوب، وتصمّه عن سماع العذل فيه، والمحبة إذا استولت على القلب سلبته عن صفاته، ولذا قال بعض الشّعراء:
стр. 1727
١٠٠- «الحرب خدعة» .
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» ؛ مرموزا له برمز الإمام أحمد والبخاري في «التاريخ» ، وأبي داود في «الأدب» عن أبي الدرداء مرفوعا وموقوفا، قال الحافظ العراقيّ: وإسناده ضعيف. وقال الزركشي: روي من طرق في كلّ منها مقال. وقال السيوطي في «الدرر» : الوقف أشبه.
وقال في «المقاصد» : رواه أبو داود والعسكري؛ عن أبي الدرداء مرفوعا وموقوفا، والوقف أشبه؛ وفي سنده ابن أبي مريم، ورواه أحمد؛ عن ابن أبي مريم؛ فوقفه، والرفع أكثر. ولم يصب الصّغاني حيث حكم عليه بالوضع.
وكذا قال العراقي: إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب، إنما سرق له حليّ فأنكر عقله! وقال الحافظ ابن حجر- تبعا للعراقي-: ويكفينا سكوت أبي داود عليه. فليس بموضوع، ولا شديد الضعف؛ فهو حسن. انتهى.
وقال القاري- بعد أن ذكر ما تقدم-: فالحديث؛ إما صحيح لذاته أو لغيره، مرتقي عن درجة الحسن لذاته إلى [الصحة] لصحة معناه؛ وإن لم يثبت مبناه.
انتهى. من المناوي على «الجامع» و «كشف الخفاء» للعجلوني.
١٠٠- ( «الحرب خدعة» ) ؛ بفتح الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة، وهي أشهر اللغات وأفصحها، حتى قال ثعلب وغيره: هي لغة النّبيّ ﷺ ، وهي المرّة الواحدة من الخداع، أي: الحرب خدعة واحدة؛ من تيسرت له حقّ له الظّفر.
أو المعنى: أنها تخدع أهلها؛ من وصف الفاعل باسم المصدر، أو أنّها وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي: مضروبه.
وفيها لغة ثانية: [خدعة] بضم الخاء وإسكان الدال، ومعناها أنها تخدع الرّجال؛ أي: هي محلّ الخداع وموضعه؛ وفيها لغة ثالثة: [خدعة] بضمّ الخاء وفتح الدال، صيغة مبالغة: ك هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) [الهمزة] . والمعنى: إنّها تخدع
стр. 1728
١٠١- «الحسب.. المال، والكرم.. التّقوى» .
الرّجال؛ أي: تمنّيهم الظّفر، ولا تفي لهم، كالضّحكة إذا كان يضحك بالناس.
قال العسكري: أراد بالحديث أن المماكرة في الحرب أنفع من الطعن والضرب؛ والمثل السّائر: إذا لم تغلب فاخلب. أي: اخدع.
قال العزيزي: وأصل الخدع: إظهار أمر وإضمار خلافه، يعني: الحرب الكامل إنما هو المخادعة؛ لا المواجهة، وحصول الظّفر مع المخادعة بغير خطر.
وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفّار، إلّا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان؛ فلا يجوز.
ويقع الخداع بالتعريض والتوراة واليمين وإخلاف الوعد ونحو ذلك؛ قال النووي:
اتفقوا على حلّ خداع الكفّار في الحرب كيف كان، حيث لا نقض عهد ولا أمان.
وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشّجاعة، فينبغي قدح الفكر وإعمال الرأي، واستعمال المكيدة في الحرب حسب الاستطاعة، فإن ذلك أنفع من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، كما في قوله: «الحجّ عرفة» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي في «الجهاد» ؛ عن جابر بن عبد الله، والبخاري ومسلم؛ عن أبي هريرة، والإمام أحمد؛ عن أنس بن مالك، وأبي داود؛ عن كعب بن مالك الأنصاري، وابن ماجه؛ عن ابن عباس، وعن عائشة. والبزّار في مسنده؛ عن الحسين بن علي؛ والطبراني في «الكبير» ؛ عن الحسين بن علي وعن زيد بن ثابت وعبد الله بن سلام وعوف بن مالك، وعن نعيم بن مسعود وعن النواس بن سمعان. وابن عساكر عن خالد بن الوليد؛ وهو حديث متواتر.
١٠١- ( «الحسب: المال، والكرم: التّقوى» ) ، أي: الشيء الذي يكون به المرء عظيما عند الناس؛ هو المال، والذي يكون به عظيما عند الله؛ هو التقوى، والتفاخر بالآباء ليس واحدا منهما فلا فائدة له؛ أو المراد: إن الغني يعظم ما لا يعظم الحسيب، فكأنه لا حسب إلّا المال؛ وإنّ الكريم هو المتّقي، لا من يجود بماله ويخاطر بنفسه ليعدّ جوادا شجاعا. وقال العلقمي: الحسب- في الأصل- الشّرف بالآباء،
стр. 1729
١٠٢- «حسبك بالصّحّة والسّلامة داء قاتلا لابن آدم» .
وما يعده الإنسان من مفاخره، والمعنى: إنّ الفقير ذا الحسب لا يوقّر ولا يحتفل به، والغنيّ الذي لا حسب له يوقّر ويجلل في العيون؛ وقال العامري في شرح الشهاب: أشار بالخبر إلى أن الحسب الذي يفتخر به أبناء الدنيا اليوم المال، فقصد ذمّهم بذلك حيث أعرضوا عن الأحساب الخفية ومكارم الأخلاق الدينية، ألا ترى أنه أعقبه بقوله: والكرم التقوى؛ والتقوى تشمل المكارم الدينيّة والشيم المرضيّة التي فيها شرف الدارين. انتهى.
من شروح «الجامع الصغير» .
ومما ينسب للإمام الشافعي- رحمه الله تعالى-:
قيمة المرء فضله عند ذي الفض ... ل وما في يديه عند الرّعاع
فإذا ما حويت علما ومالا ... كنت عين الزّمان بالإجماع
وإذا منهما غدوت خليّا ... صرت في النّاس من أخسّ المتاع
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ؛ مرموزا له برمز الإمام أحمد والترمذي في «التفسير» ، وابن ماجه في «الزهد» ، والحاكم في «النكاح» ؛ عن سمرة بن جندب؛ وقال الترمذي: حسن صحيح؛ وقال الحاكم: على شرط البخاري، وأقرّه الذّهبي.
لكن قيل: إنّه من حديث الحسن عن سمرة؛ وقد تكلموا في سماعه منه. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
١٠٢- ( «حسبك بالصّحّة) في البدن، (والسّلامة) عن المنغّصات؛ في النفس والأهل والمال (داء قاتلا لابن آدم» ) ، لأنّ ذلك يدعوه إلى الغرور وارتكاب الشّرور، ويورثه البطر والعجب، وينسيه الآخرة، ويحبّب إليه الدّنيا لما يألفه من الشّهوات؛ «وحبّ الدّنيا رأس كلّ خطيّة» ! والتمتّع بالشّهوات المباحات يحجب القلوب عن الآخرة، وكل ذلك يسقم الدين؛ وهو دليل على عدم محبّة الله له، لأنّ المؤمن كخامة الزرع يتكفّؤها البلاء، وإذا أحبّ الله عبدا ابتلاه ليسمع تضرّعه، ويكره العفريت النّفريت الذي لا يمرض ولا يرمد.
فالمؤمن كثير المشوّشات والمنغّصات في بدنه وماله وأهله، فيمرض ويصاب غالبا، ويخلو من ذلك أحيانا ليكفّر عنه سيئاته، ولا يخلو المؤمن من قلّة أو علّة أو ذلّة.
وأمّا دوام السّلامة للعبد فيخشى منه الاستدراج؛ وهو من علامة الكفّار، لأن الغالب
стр. 1730
١٠٣- «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات» .
عليهم الصحّة ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة.
وهذا لا ينافي طلب العافية المأمور به في عدة أحاديث، لأن المطلوب العافية السليمة العاقبة مما ذكر.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» ، وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «كفى بالسّلامة داء» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإسناده ضعيف؛ قال الديلمي: وفي الباب؛ عن أنس ﵁.
١٠٣- ( «حفّت الجنّة بالمكاره) أي: أحاطت بها.
والمراد بالمكاره: ما يكرهه المرء ويشقّ عليه من القيام بحقوق العبادة على وجهها؛ كإسباغ الطّهر في الشّتاء وتجرّع الصّبر على المصائب والتسليم لأمر الله فيها واجتناب المنهيات قولا وفعلا، وأطلق عليها مكاره!! لمشقّتها على العامل وصعوبتها؛ (وحفّت النّار بالشّهوات» ) أي: ما يستلذّ من أمور الدّنيا مما منع الشرع من تعاطيه، وهذا تمثيل حسن، ومعناه يوصل إلى الجنّة بارتكاب المكاره من الجهد في الطاعة، والصبر عن الشهوة؛ كما يوصل المحجوب عن الشيء إليه بهتك حجابه، ويوصل إلى النّار بارتكاب الشهوات ...
ومن المكاره: الصبر على المصائب بأنواعها، فكلّ من صبر على واحدة قطع حجابا من حجب الجنّة، ولا يزال يقطع حجبها حتى لا يبقى بينه وبينها إلا مفارقة روحه بدنه؛ فيقال يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) [الفجر] .
قال الغزالي: بيّن بهذا الحديث أن طريق الجنّة وعر، وسبيل صعب كثير العقبات شديد المشقّات، بعيد المسافات عظيم الآفات، كثير العوائق والموانع، خفيّ المهالك والقواطع، عزيز الأعداء والقطّاع، عزيز الأتباع والأشياع؛ وهكذا يجب أن يكون.
قال ابن حجر: وهذا من جوامع كلم المصطفى ﷺ وبديع بلاغته في ذمّ الشّهوات؛ وإن مالت إليها النّفوس، والحث على الطاعات؛ وإن كرهتها وشقّت عليها.
والحديث متفق عليه؛ عن أبي هريرة ﵁. لكن للبخاري «حجبت» بدل «حفّت» في الموضعين؛ ورواه القضاعي؛ عن أبي هريرة بلفظ مسلم؛ وأخرج الإمام
стр. 1731
١٠٤- «الحكمة ضالّة المؤمن» .
أحمد، ومسلم، والترمذي؛ عن أنس ﵁. وأخرجه الإمام أحمد في «الزهد» ؛ عن ابن مسعود موقوفا.
١٠٤- ( «الحكمة) - التي هي العلم بالأشياء على ما هي عليه، والعمل كما ينبغي.
وقال ابن دريد: كلّ كلمة وعظتك أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة (ضالّة المؤمن» ) ؛ أي: بمنزلة الضّالّة التي هو ناشد لها وساع في طلبها.
والحديث ذكره في «الكشف» ؛ وقال: رواه القضاعي في مسنده مرسلا؛ عن زيد بن أسلم رفعه بزيادة: «حيث ما وجد المؤمن ضالّته فليجمعها إليه» .
ورواه الترمذي والعسكري والقضاعي أيضا؛ عن أبي هريرة ﵁ وفي سندهم إبراهيم بن الفضل ضعيف-؛
ولفظ العسكري والقضاعي: «كلمة الحكمة ضالّة كلّ حكيم، فإذا وجدها فهو أحقّ بها» . ولفظ الترمذي: «الكلمة الحكيمة ضالّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها» ؛ وقال: غريب.
ورواه العسكري أيضا عن أنس رفعه بلفظ: «العلم ضالّة المؤمن حيث وجده أخذه» .
ورواه أيضا؛ عن ابن عباس من قوله؛ بلفظ: خذوا الحكمة ممّن سمعتموها، فإنّه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرّمية من غير رام» .
وهذا عند البيهقي في «المدخل» ؛ عن عكرمة بلفظ: خذ الحكمة ممّن سمعت، فإنّ الرّجل يتكلّم بالحكمة وليس بحكيم؛ فيكون كالرّمية خرجت من غير رام» ..
وعنده أيضا؛ عن سعيد بن أبي بردة قال: كان يقال: الحكمة ضالّة المؤمن؛ يأخذها حيث وجدها. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان يقال: العلم ضالّة المؤمن يغدو في طلبها، فإن أصاب منها شيئا حواه حتى يضمّ إليه غيره.
وفي معناه ما رواه الديلمي؛ عن علي مرفوعا: «ضالّة المؤمن العلم، كلّما قيّد حديثا طلب إليه آخر» . وللديلمي أيضا؛ عن ابن عباس مرفوعا: «نعم الفائدة الكلمة من الحكمة؛ يسمعها الرّجل فيبديها لأخيه» .
стр. 1732
١٠٥- «الحلال بيّن والحرام بيّن» .
وله أيضا بلا سند؛ عن ابن عمر رفعه: «خذ الحكمة؛ ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت» . ويروى نحو هذا من قول علي ﵁. انتهى.
ولله در من قال:
خذ العلوم ولا تنظر لقائلها ... من أين كان، فإنّ العلم ممدوح
كدرّة أنت تلقاها بمزبلة ... ألست تأخذها؛ والزّبل مطروح!!
١٠٥- ( «الحلال) ، ضد الحرام- لغة؛ وشرعا- (بيّن) : ظاهر واضح؛ لا يخفى حله، وهو ما نص الله أو رسوله، أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه؛ ومنه: ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال.
(والحرام بيّن» ) واضح لا تخفى حرمته، وهو ما نص الله أو رسوله، أو أجمع المسلمون على تحريمه بعينه أو جنسه، أو بورود عقوبة أو وعيد عليه.
ثم التحريم. إمّا لمفسدة أو مضرة خفية: كالزّنا ومذكّى المجوس؛ وإما لمفسدة أو مضرة واضحة: كالسّمّ والخمر ... وتفصيله يطول.
والحديث طويل، أخرجه البخاري في «كتاب الإيمان» ، وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي في «البيوع» ، وابن ماجه في «الفتن» ؛ كلهم من حديث النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول ... فذكره مطولا.
стр. 1733
[ (حرف الخاء) ]
(حرف الخاء) ١٠٦- «خذ الحكمة، ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت» .
١٠٧- «خصلتان لا يجتمعان إلّا في مؤمن: السّخاء، وحسن الخلق» .
١٠٨- «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق» .
(حرف الخاء) ١٠٦- ( «خذ الحكمة؛ ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت» ) أخرجه الدّيلمي بلا سند؛ عن ابن عمر رفعه، وقد تقدّم في «الحكمة ضالّة المؤمن» .
١٠٧- ( «خصلتان لا يجتمعان) ، مع بلوغ النّهاية فيهما؛ (إلّا في مؤمن) كامل الإيمان (: ١- السّخاء) - بالمد-: الجود والكرم والإعطاء بطيب نفس.
(و ٢- حسن الخلق» ) ؛ وهو هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال الحسنة بسهولة. والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» .
١٠٨- ( «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن) ، أي: كامل الإيمان؛ فلا يرد أن كثيرا من الموحدين موجودتان فيه؛ (: ١- البخل، و ٢- سوء الخلق» ) . قال العلقمي: قال شيخنا: قال في «النهاية» : المراد من ذلك: اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النّهاية فيهما، بحيث لا ينفكّ عنهما؛ ولا ينفكان عنه، فأمّا من فيه بعض هذا وبعض هذا؛ وينفك عنه في بعض الأوقات! فإنّه بمعزل عن ذلك. انتهى «عزيزي» .
وفي المناوي على «الجامع الصغير» : «خصلتان لا يجتمعان» : مبتدأ
стр. 1734
١٠٩- «الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله» .
موصوف، والخبر محذوف، أي: فيما أحدثكم به خصلتان، كقوله سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [١/ النور] . أي: فيما أوحينا إليك.
والبخل وسوء الخلق: مبتدأ تقديره: هما. وأفرد البخل عن سوء الخلق؛ وهو بعضه، وجعله معطوفا عليه يدلّ على أنه أسوؤها وأبشعها!! لأنّ البخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس.
والحديث ذكره في «كشف الخفا» ؛ وقال: رواه الترمذي وأبو داود الطيالسي؛ عن أبي سعيد الخدري. وذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الترمذي والبخاري في «الأدب المفرد» ؛ عن أبي سعيد أيضا: قال الترمذي:
غريب، لا نعرفه إلّا من حديث صدقة بن موسى. انتهى. قال الذهبي: وصدقة ضعيف؛ ضعّفه ابن معين وغيره. وقال المنذري: ضعيف. انتهى من المناوي على «الجامع الصغير» .
١٠٩- ( «الخلق كلّهم عيال الله) ؛ أي: فقراؤه، وهو الذي يعولهم.
(وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله» ) بالهداية إلى الله، والتعليم لما يصلحهم، والعطف عليهم، والترحم والشفقة والإنفاق عليهم من فضل ما عنده ... وغير ذلك من وجوه الإحسان الآخروية والدنيوية.
والعادة أنّ السّيّد يحب الإحسان إلى عبيده وحاشيته، ويجازي عليه.
وفيه حثّ على فضل قضاء حوائج الخلق ونفعهم بما تيسّر؛ من علم أو مال أو جاه أو إرشاد أو نصح، أو دلالة على خير، أو إعانة أو شفاعة أو غير ذلك.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز أبي يعلى، والبزار في «مسنده» ، وكذا البيهقي في «الشعب» ؛ عن أنس. قال السيوطي كالزركشي:
سنده ضعيف؛ وأخرجه الديلمي وابن عدي؛ من حديث ابن مسعود؛ قال ابن
стр. 1735
١١٠- «خير الأمور.. أوساطها» .
الجوزي: حديث لا يصح. انتهى مناوي على «الجامع» ، و «درر» .
١١٠- ( «خير الأمور أوساطها» ) أي: التوسّط فيها بين الإفراط والتفريط في الأخلاق؛ كالكرم بين التبذير والبخل؛ والشّجاعة بين التهوّر والجبن؛ وفي الأحوال كالاعتدال بين الخوف والرّجاء، والقبض والبسط؛ وفي الاعتقاد بين التشبيه والتعطيل، وبين القدر والجبر، فكلّ إنسان مأمور أن يجتنب كلّ وصف مذموم بالبعد عنه، وأبعد الجهات والمقادير من كلّ طرفين وسطهما؛ فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الأطراف المذمومة.
ويشهد لما تقدم قوله تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [٢٩/ الإسراء] . وقوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) [الفرقان] . وقوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) [الإسراء] . وقوله تعالى بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [٦٨/ البقرة] .
وكذا حديث الاقتصاد؛ ولقد أجاد بعضهم حيث قال:
عليك بأوساط الأمور فإنّها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الحريري:
حبّ التّناهي غلط ... خير الأمور الوسط
وقال:
خير الأمور عندنا الأوساط ... ويكره التفريط والإفراط
والحديث ذكره في «الكشف» باللّفظ المذكور، قال: وفي لفظ «أوسطها» وقال: قال ابن الغرس: ضعيف، انتهى.
وقال في «المقاصد» : رواه ابن السّمعاني في ذيل «تاريخ بغداد» ، لكن بسند فيه مجهول؛ عن علي مرفوعا.
стр. 1736
١١١- «خير الرّزق.. ما لا يطغيك ولا يلهيك» .
١١٢- «خير العمل.. أن تفارق الدّنيا ولسانك رطب من ذكر الله» .
وللدّيلمي بلا سند؛ عن ابن عبّاس مرفوعا: «خير الأعمال أوسطها» ؛ في حديث أوّله: «دوموا على أداء الفرائض» .
وللعسكري عن الأوزاعي أنّه قال: ما من أمر أمر الله إلّا عارض الشّيطان فيه بخصلتين؛ لا يبالي أيّهما أصاب: الغلوّ، أو التقصير.
ولأبي يعلى بسند جيّد؛ عن وهب بن منبّه قال: إنّ لكلّ شيء طرفين ووسطا، فإذا أمسك بأحد الطّرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطّرفان، فعليكم بالأوساط من الأشياء. انتهى.
١١١- ( «خير الرّزق ما) - يعني: الكفاف الذي- (لا يطغيك ولا يلهيك» ) ، لأنّ ذلك هو الاقتصاد المحمود، فإنّ الزّيادة ربّما تطغي الإنسان، والنّقص عن ذلك ربما يورثه السّخط؛ والمراد بالرزق: الحلال. والحديث ذكره المناوي؛ في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبرانيّ.
١١٢- ( «خير العمل أن تفارق الدّنيا) يعني تموت (ولسانك) ؛ أي: والحال أنّ لسانك (رطب من ذكر الله» ) ، هذا مسوق للحثّ على لزوم الذّكر؛ ولو باللّسان مع عزوب القلب، إذ ذكر اللّسان خير؛ وإن كان قلبه مشغولا، فلا يشترط حضور القلب في الذّكر، ولذلك قال تلميذ لأبي عثمان البنانيّ: في بعض الأحيان يجري الذّكر على لساني؛ وقلبي غافل! فقال: اشكر الله أن استعمل جارحة منك في خير وعوّدك الذّكر، ومن عجز عن الحضور بالقلب، فترك تعويد اللّسان بالذّكر فقد أسعف الشّيطان، فتدلّى بحبل غروره. فتمّت بينهما المشاكلة والموافقة.
ولهذا قال التاج ابن عطاء الله: لا تترك الذّكر مع عدم الحضور؛ فعسى أن ينقلك منه إلى ذكر مع الحضور، ومنه إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور،
стр. 1737
١١٣- «خيركم.. خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» .
وما ذلك على الله بعزيز.
قال ناظم «الحكم العطائيّة» :
لا تترك الذكر إذا لم تحضر ... فيه مع المولى الجليل الأكبر
فغافلة منك عن الذّكر أشدّ ... من غفلة في الذّكر يا أخا الرّشد
لكنّ أكمل الذّكر وأنفعه هو ما كان بالقلب واللّسان. أي: استحضار القلب لمعنى ما يجري على لسانه، وأكمل منه: أن يغيب عن الذّكر بالمذكور.
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية» ؛ عن عبد الله بن بسر- بضمّ الموحّدة وسكون المهملة- رضي الله تعالى عنه، وفي «العزيزي» : إنّه حديث ضعيف.
١١٣- ( «خيركم) ؛ أي: من خيركم (خيركم لأهله) ؛ يعني: من خياركم وأفاضلكم: من كان معظم برّه لأهله، كما يقال: فلان أعقل النّاس، أي: من أعقلهم، فلا يصير بذلك خير النّاس مطلقا.
والأهل: قد يخصّ الزّوجة وأولادها، وقد يطلق على جملة الأقارب، فهم أولى من الأجانب.
قال ابن الأثير: هو إشارة إلى صلة الرّحم والحثّ عليها.
قال الحفني: والأولى حمله على العموم من كلّ ذي رحم.
(وأنا خيركم لأهلي» ) برّا ونفعا لهم دينا ودنيا، وكان أحسن النّاس عشرة لهم، حتى أنّه كان يرسل بنات الأنصار لعائشة يلعبن معها. وكانت إذا هويت شيئا لا محذور فيه تابعها عليه. وإذا شربت شرب من موضع فمها، ويقبّلها وهو صائم. وأراها الحبشة وهم يلعبون في المسجد؛ وهي متّكئة على منكبه. وسابقها في السّفر مرتين فسبقها وسبقته؛ ثم قال: «هذه بتلك» . وتدافعا في خروجهما من المنزل مرّة.
стр. 1738
١١٤- «خيركم.. خيركم لأهلي من بعدي» .
وفي «الصحيح» : أنّ نساءه كنّ يراجعنه ... الحديث. وتهجره الواحدة منهنّ يوما إلى الليل، ودفعته إحداهنّ في صدره؛ فزجرتها أمّها؛ فقال لها:
«دعيها فإنّهنّ يصنعن أكثر من ذلك» ؛ كذا في «الإحياء» .
وجرى بينه وبين عائشة كلام؛ حتى أدخل بينهما أبا بكر حكما؛ كما في خبر «الطّبرانيّ» ، وقالت له عائشة مرّة في كلام غضبت عنده: وأنت الذي تزعم أنّك نبيّ الله!! فتبسّم، كما في خبر أبي يعلى، وأبي الشّيخ؛ عنها.
وكان يعتني بهنّ ويهتمّ بتفقّد أحوالهنّ، فكان إذا صلّى العصر دار على نسائه، فدنا منهنّ، واستقرأ أحوالهنّ، فإذا جاء اللّيل انقلب إلى صاحبة النّوبة.
وكان إذا شربت عائشة من الإناء؛ أخذه فوضع فمه على موضع فمها. رواه مسلم.
ولمّا أراد أن يحمل صفيّة بنت حييّ على بعير؛ نصب لها فخذه لتضع رجلها عليه؛ فلوت ساقها عليه.
فينبغي الاقتداء به ﷺ في تلك الملاطفة. وفي «تذكرة ابن عراق» ؛ عن الإمام مالك: يجب على الرّجل أن يتحبّب إلى أهل داره حتّى يكون أحبّ النّاس إليهم.
وذكر نحوه يوسف الصّدفي المالكي رحمهم الله تعالى.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الترمذي في «المناقب» ؛ عن عائشة ﵂. وابن ماجه؛ عن ابن عباس. والطبراني في «الكبير» ؛ عن معاوية. وصحّحه الترمذي؛ وتمام الحديث: «وإذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه» . انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
١١٤- ( «خيركم) ؛ أيّها الصّحب، (خيركم لأهلي) : زوجاتي وأقاربي وعيالي، (من بعدي» ) ؛ أي: من بعد وفاتي وقد قبل أكثر الصحابة وصيّته، فقابلوهم بالإكرام والاحترام.
стр. 1739
١١٥- «خير النّاس.. أنفعهم للنّاس» .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن أبي هريرة ﵁. قال المناوي: ورواه أيضا أبو يعلى وأبو نعيم والدّيلمي، ورجاله ثقات، ولكنّ شذّ راويه بقوله: «لأهلي» . والكلّ إنما قالوه: «لأهله» ذكره ابن أبي خيثمة. انتهى.
١١٥- ( «خير النّاس أنفعهم للنّاس» ) بالإحسان إليهم بماله وجاهه، فإنّهم عباد الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعباده، أي: أشرفهم عنده؛ أكثرهم نفعا للنّاس، بنعمة يسديها، أو نقمة يزويها عنهم دينا ودنيا.
ومنافع الدّين أشرف قدرا وأبقى نفعا، قال بعضهم: هذا يفيد أنّ الإمام العادل خير الناس؛ أي: بعد الأنبياء لأنّ الأمور التي يعمّ نفعها، ويعظم وقعها؛ لا يقوم بها غيره، وبه نفع العباد والبلاد، وهو القائم بخلافة النّبوّة في إصلاح الخلق؛ ودعائهم إلى الحقّ، وإقامة دينهم، وتقويم أودهم، ولولاه لم يكن علم ولا عمل. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه القضاعي في «مسند الشّهاب» ؛ عن جابر ﵁، وفيه عمرو بن أبي بكر السّكسكيّ الرّمليّ؛ قال في «الميزان» : واه. وقال ابن عديّ: له مناكير؛ وابن حبّان: يروي عن الثّقات الطّامات.
ثم أورد له أخبارا هذا منها. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
وفي «العزيزي» : إنه حديث حسن لغيره.
стр. 1740
[ (حرف الدّال) ]
(حرف الدّال ١١٦- «الدّالّ على الخير.. كفاعله، والدّالّ على الشّرّ..
كفاعله» .
(حرف الدّال) ١١٦- ( «الدّالّ على الخير كفاعله» ) في حصول الثّواب؛ وإن تفاوت المقدار، كما إذا أمرت شخصا بنحو صدقة، أو صوم يوم، أو صلاة، أو صلة رحم، أو غير ذلك؛ فإن حصل ذلك الخير فله مثل ثوابه، وإلّا فله ثواب دلالته.
قال القرطبيّ: ذهب بعض الأئمّة إلى أنّ المثل المذكور إنّما هو بغير تضعيف؛ لأنّ فعل الخير لم يفعله الدّالّ! وليس كما قال!! بل ظاهر اللّفظ المساواة، ويمكن أن يصار إلى ذلك، لأنّ الأجر على الأعمال إنّما هو بفضل الله؛ يهب لمن يشاء على أيّ فعل شاء، وقد جاء في الشّرع كثير. انتهى «مناوي» .
ويدخل في ذلك دخولا أوّليّا أولويّا: من يعلّم النّاس العلم الشّرعيّ، ويتحمّلون عنه؛ قاله في شرح «الإحياء» .
(والدّالّ على الشّرّ كفاعله» ) ؛ أي: لإعانته عليه، فله كفعله من الإثم؛ وإن لم يحصل بمباشرته.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ، وقال: أخرجه البزّار؛ عن ابن مسعود وعن أنس، والطّبرانيّ في «الكبير» ؛ عن سهل بن سعد السّاعدي وعن أبي مسعود؛ وفي إسناده ضعيف [جدا] .
وأخرجه أحمد والضّياء؛ عن بريدة بن الحصيب، وابن أبي الدّنيا في «قضاء الحوائج» ؛ عن أنس بإسناد حسن، بلفظ: «الدّالّ على الخير كفاعله، والله يحبّ إغاثة اللهفان» انتهى.
стр. 1741
١١٧- «الدّعاء.. مخّ العبادة» .
١١٨- «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ...
ورواه ابن عبد البرّ؛ عن أبي الدرداء من قوله بلفظ: الدّالّ على الخير وفاعله شريكان. ورواه التّرمذيّ؛ عن أنس وقال: غريب. ورواه مسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، وصحّحه؛ عن أبي مسعود البدريّ؛ بلفظ: من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله. انتهى «كشف الخفا» .
١١٧- ( «الدّعاء مخّ العبادة» ) ؛ أي: خالصها، لأنّ الدّاعي إنّما يدعو الله عند انقطاع أمله ممّا سواه، وذلك حقيقة التّوحيد، والإخلاص، ولا عبادة فوقها، فكان مخّها بهذا الاعتبار. وأيضا لما فيه من إظهار الافتقار، والتّبرّي من الحول والقوّة وهو سمت العبوديّة، واستشعار ذلّة البشريّة، ومتضمّن للثّناء على الله؛ وإضافة الكرم والجود إليه.
وبقية الحديث: ثم قرأ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] .
وهذا استدلال بالآية، فإنّها تدلّ على أنّه مأمور به؛ إذا أتى به المكلّف قبل منه لا محالة، وترتّب عليه المقصود ترتّب الجزاء على الشّرط، والمسبّب على السّبب، وما كان كذلك كان أتمّ العبادة وأكملها. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث رواه الترمذي في (الدّعوات) ؛ عن أنس ﵁ وقال:
غريب؛ لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وفي «العزيزي» : إنّه حديث صحيح.
انتهى.
١١٨- ( «دع ما يريبك) - بضمّ الياء، وفتحها أكثر رواية-؛ أي: اترك ما تشكّ في كونه حسنا، أو قبيحا، أو حلالا، أو حراما (إلى ما لا يريبك) ؛ أي: واعدل إلى ما لا شكّ فيه؛ يعني: ما تيقّنت حسنه وحلّه.
والأمر للنّدب، لما أنّ توقّي الشّبهات مندوب لا واجب على الأصحّ. «ومن
стр. 1742
فإنّ الصّدق.. طمأنينة، وإنّ الكذب.. ريبة» .
اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه» .
قال القاضي: هذا الحديث من دلائل النّبوّة، ومعجزات المصطفى ﷺ ، فإنّه أخبر عمّا في ضمير وابصة قبل أن يتكلم به!.
والمعنى: أنّ من أشكل عليه شيء والتبس؛ ولم يتبيّن أنّه من أيّ القبيلين هو فليتأمل فيه؛ إن كان من أهل الاجتهاد، ويسأل المجتهدين؛ إن كان من المقلدين، فإن وجد ما يسكن إليه نفسه، ويطمئنّ به قلبه، وينشرح صدره، فليأخذ به، وإلّا! فليدعه، وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة؛ (فإنّ الصّدق طمأنينة) ؛ أي: يطمئنّ إليه القلب ويسكن. وفيه إضمار، أي: محلّ طمأنينة أو سبب طمأنينة.
(وإنّ الكذب ريبة» ) ؛ أي: يقلق القلب ويضطرب.
وقال الطّيبيّ: جاء هذا القول ممهّدا لما تقدّمه من الكلام. ومعناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشّيء فاتركه، فإنّ نفس المؤمن تطمئنّ إلى الصّدق، وترتاب من الكذب، فارتيابك من الشّيء منبئ عن كونه مظنّة للباطل فاحذره، وطمأنينتك للشّيء مشعر بحقيقته؛ فتمسك به.
والصّدق والكذب يستعملان في الأقوال والأفعال، وما يحقّ أو يبطل من الاعتقاد. وهذا مخصوص بذوي النّفوس الشّريفة، القدسيّة المطهّرة عن دنس الذّنوب؛ ووسخ العيوب. انتهى.
والحاصل: أنّ الصّدق إذا مازج قلب الكامل؛ امتزج نوره بنور الإيمان، فاطمأنّ وانطفأ سراج الكذب، فإنّ الكذب ظلمة، والظّلمة لا تمازج النّور. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود الطّيالسيّ، وأبو يعلى في «مسانيدهم» ، والتّرمذيّ، وابن ماجه، والحاكم، وآخرون؛ عن الحسن بن
стр. 1743
١١٩- «الدّنيا.. سجن المؤمن وجنّة الكافر» .
علي، وقال التّرمذيّ: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصحّحه ابن حبّان، وهو طرف من حديث طويل. انتهى «كشف الخفاء» ، ومناوي على «الجامع الصغير» .
١١٩- ( «الدّنيا) قال القرطبيّ: وزنها فعلى وألفها للتّأنيث، وهو من الدّنوّ بمعنى القرب، وهي صفة لموصوف محذوف، كما قال تعالى وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) [آل عمران] غير أنّه كثر استعمالها استعمال الأسماء؛ فاستغني عن موصوفها. والمراد: الدّار الدّنيا والحياة الدّنيا الّتي تقابل الدار الآخرة؛ أو الحياة الآخرى. انتهى.
وقيل: هي ما على الأرض من الهواء والجوّ. وقيل: كلّ المخلوقات من الجواهر والأعراض، ويطلق على كلّ جزء من ذلك مجازا. انتهى عزيزي على «الجامع الصغير» .
(سجن المؤمن) ؛ بالنّسبة لما أعدّ له في الآخرة من النّعيم المقيم.
(وجنّة الكافر» ) ؛ بالنّسبة لما أمامه من عذاب الجحيم، وعما قريب يحصل في السّجن المستدام؛ نسأل الله السلامة يوم القيامة.
وقيل: المؤمن صرف نفسه عن لذّاتها؛ فكأنّه في السّجن لمنع الملاذّ عنه، والكافر سرّحها في الشّهوات؛ فهي له كالجنّة.
قال السّهرورديّ: والسّجن والخروج منه يتعاقبان على قلب المؤمن على توالي السّاعات، ومرور الأوقات، لأنّ النّفس كلما طهرت صفاتها أظلم الوقت على القلب؛ حتى ضاق وانكمد. وهل السّجن إلا تضييق وحجر من الخروج؛ فكلما همّ القلب بالتّبرّي عن مشائم الأهواء الدّنيويّة، والتخلّص عن قيود الشّهوات العاجلة؛ تشهّيا إلى الآجلة، وتنزّها في فضاء الملكوت، ومشاهدة للجمال الأزلي؛ حجزه الشّيطان المردود من هذا الباب بالاحتجاب، فتدلّى بحبل النّفس
стр. 1744
١٢٠- «الدّنيا.. عرض حاضر، يأكل منها البرّ والفاجر، والآخرة.. وعد صادق، ...
الأمّارة إليه، فتكدّر صفو العيش عليه، وحال بينه وبين محبوب طبعه، وهذا من أعظم السّجون وأضيقها، فإنّ من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه.
تتمة: ذكروا أنّ الحافظ شهاب الدّين؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ﵀، لما كان قاضي القضاة مرّ يوما بالسّوق، في موكب عظيم، وهيئة جميلة؛ فهجم عليه يهوديّ يبيع الزيت الحارّ، وأثوابه ملطّخة بالزّيت، وهو في غاية الرّثاثة والشّاعة، فقبض على لجام بغلته؛ وقال: يا شيخ الإسلام؛ تزعم أنّ نبيّكم قال: «الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر» فأي: سجن أنت فيه؟!! وأي:
جنّة أنا فيها؟!! فقال: أنا بالنّسبة لما أعدّ الله لي في الآخرة من النّعيم؛ كأنّي الآن في السّجن، وأنت بالنسبة لما أعدّ لك في الآخرة من العذاب الأليم؛ كأنّك في جنّة. فأسلم اليهوديّ. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
وقيل: إنّ صاحب القصّة هو أبو سهل الصّعلوكيّ الفقيه الخراساني، وكان ممّن جمع رياسة الدّين والدّنيا، وقيل: إنّه الإمام الشّافعي؛ ولا مانع من تعدّد الواقعة.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد؛ ومسلم في «الرّقائق» ، والتّرمذيّ؛ وابن ماجه في «الزهد» ؛ عن أبي هريرة ﵁، والطّبراني في «الكبير» ، والحاكم في «المستدرك» ؛ عن سلمان، والبزّار؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
١٢٠- ( «الدّنيا عرض حاضر) ؛ أي: متاع عاجل (يأكل منها البرّ والفاجر) : الطائع والعاصي.
(والآخرة وعد) من الله (صادق) ؛ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) [آل عمران] .
стр. 1745
يحكم فيها ملك عادل، يحقّ الحقّ ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة، ولا تكونوا أبناء الدّنيا، فإنّ كلّ أمّ يتبعها ولدها» .
١٢١- «الدّنيا.. كلّها متاع، وخير متاعها: المرأة الصّالحة» .
(يحكم فيها ملك عادل) ؛ لا يتصوّر منه الجور والظلم؛ (يحقّ الحقّ ويبطل الباطل.
فكونوا أبناء الآخرة) ؛ أي: عاملين بأعمال الآخرة وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) [الإسراء] .
(ولا تكونوا أبناء الدّنيا) ؛ أي: مشتغلين بها، منهمكين فيها، بحيث تشغلكم عن الآخرة، وعما يقرّبكم إلى الله تعالى.
(فإنّ كلّ أمّ يتبعها ولدها» ) فمن كان من أبناء الدّنيا مشتغلا بها معرضا عن الله والآخرة؛ فذلك حظّه وهو في الآخرة من الخاسرين، ومن كان من أبناء الآخرة، مشتغلا بما يقرّبه إلى الله؛ متزوّدا لآخرته؛ فعسى أن يكون من المفلحين.
ولله درّ من قال:
عتبت على الدّنيا لرفعة جاهل ... وخفض لذي علم، فقالت: خذ العذرا
بنو الجهل أبنائي لهذا رفعتهم ... وأهل التّقى أولاد للضّرّة الآخرى
١٢١- ( «الدّنيا كلّها متاع) أي: شيء يتمتّع به؛ أي: ينتفع به أمدا قليلا.
وعبّر بلفظ المتاع! إفهاما لخسّتها، لكونه من أسماء الجيفة؛ الّتي هي للمضطرّ يأخذ منها قدر الحاجة والضرورة.
(وخير متاعها المرأة الصّالحة» ) التي فسّرت في الحديث؛ بقوله:
«الّتي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته؛ في نفسها، وماله» .
وقيّد بالصّالحة!! إيذانا بأنّها شرّ المتاع؛ لو لم تكن صالحة، وهو كذلك.
стр. 1746
١٢٢- «الدّنيا.. مزرعة الآخرة» .
فشرّ متاع الدّنيا المرأة غير الصالحة. قال الطّيبيّ: المتاع من التمتّع بالشّيء؛ وهو الانتفاع به، وكلّ ما ينتفع به من عروض الدّنيا: متاع. والظّاهر أنّ المصطفى ﷺ أخبر: بأنّ الاستمتاعات الدّنيويّة كلّها حقيرة؛ ولا يؤبه لها، وذلك أنّه تعالى لمّا ذكر أصنافها وملاذّها في آية زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ أتبعه بقوله ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا. ثمّ قال بعده وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) [آل عمران] . انتهى.
وفيه إيماء إلى أنّ المرأة أطيب حلال في الدّنيا، أي: لأنّه سبحانه زيّن الدّنيا بسبعة أشياء ذكرها بقوله زُيِّنَ لِلنَّاسِ.. الآية؛ وتلك السّبعة هي ملاذّها وغاية آمال طلّابها؛ وأعمّها زينة وأعظمها شهوة النّساء، لأنّها تحفظ زوجها عن الحرام، وتعينه على القيام بالأمور الدّنيويّة والدّينيّة، وكلّ لذّة أعانت على لذّات الآخرة فهي محبوبة مرضية لله تعالى؛ فصاحبها يلتذّ بها من جهة تنعّمه وقرّة عينه بها، ومن جهة إيصالها إلى مرضاة ربّه، وإيصاله إلى لذّة أكمل منها. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، في «الرّضاع» ، والنّسائي في «النّكاح» ، وابن ماجه وغيره؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما رفعه. ولم يخرّجه البخاريّ!!.
١٢٢- ( «الدّنيا مزرعة الآخرة» ) الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» ؛ مرموزا له برمز الدّيلميّ في «الفردوس» ، وذكره العجلوني في «الكشف» .
وقال: قال في «المقاصد» : لم أقف عليه. مع إيراد الغزالي له في «الإحياء» !!.
وقال القاري: قلت: معناه صحيح، مقتبس من قوله تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [٢٠/ الشورى] . وقال ابن الغرس: لا يعرف.
وأنشدوا:
стр. 1747
١٢٣- «دوروا مع كتاب الله حيثما دار» .
١٢٤- «الدّين.. النّصيحة» .
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التّفريط في زمن البذر
ورواه في «الفردوس» بلا سند، عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: «الدّنيا قنطرة الآخرة» ، وذكره الصّغاني بإسقاط الآخرة «فاعبروها؛ ولا تعمروها» .
وفي «الضّعفاء» للعقيلي و «مكارم الأخلاق» لابن لال؛ عن طارق بن أشيم رفعه: «نعمت الدّار الدّنيا لمن تزوّد منها لآخرته» ... الحديث.
وذكره الحاكم وصحّحه، ولكن تعقّبه الذّهبيّ بأنّه منكر، وراويه عبد الجبّار لا يعرف.
ولابن عساكر، عن يحيى بن سعيد؛ قال: كان عيسى ﵊ يقول: اعبروا الدّنيا ولا تعمروها، وحبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة، والنّظر يزرع في القلب الشّهوة» . انتهى كلام «الكشف» .
١٢٣- ( «دوروا مع كتاب الله حيثما دار» ) المراد- كما في حديث آخر-:
«أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه، فإنّه الكتاب المبين والصراط المستقيم» .
وهذا الحديث يوضّحه ما رواه الطّبراني عن معاذ: «خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدّين؛ فلا تأخذوه، ألا إنّ رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا وإنّ الكتاب والسّلطان سيفترقان؛ فلا تفارقوا الكتاب» .
انتهى.
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما. وفي «العزيزي» : إنّه حديث صحيح.
١٢٤- ( «الدّين النّصيحة» ) أي: عماده وقوامه النّصيحة، على وزان «الحجّ عرفة» ، فبولغ في النّصيحة حتى جعل الدّين كله إيّاها.
стр. 1748
.........
وهي- لغة-: الإخلاص والتّصفية. وشرعا-: إخلاص الرّأي من الغشّ للمنصوح، وإيثار مصلحته، ومن ثمّ كانت هذه الكلمة مع وجازة لفظها كلمة جامعة؛ معناها: حيازة الخير للمنصوح له.
وليس في كلام العرب أجمع منها، ومن كلمة الفلاح لخيري الدنيا والآخرة.
ودلت هذه الجملة على أنّ النّصيحة تسمّى «دينا» و «إسلاما» وعلى أنّ الدّين يقع على العمل كما يقع على القول.
قال ابن بطّال: والنّصيحة فرض يجزئ فيه من قام به ويسقط عن الباقين.
قال:
والنّصيحة واجبة على قدر الطّاقة؛ إذا علم الناصح أنّه يقبل نصحه ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى! فهو في سعة. والله تعالى أعلم.
فإن قيل: ففي «صحيح البخاري» : أنّه ﷺ قال: «إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له» . وهو يدلّ على تعليق الوجوب بالاستنصاح؛ لا مطلقا. ومفهوم الشّرط حجّة في تخصيص عموم المنطوق!؟
فجوابه: أنّه يمكن حمل ذلك على الأمور الدّنيويّة؛ كنكاح امرأة ومعاملة رجل ... ونحو ذلك. والأوّل يحمل بعمومه في الأمور الدّينيّة الّتي هي واجبة على كلّ مسلم. والله أعلم.
وبقيّة الحديث: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ورسوله وأئمّة المسلمين وعامّتهم» . أخرجه الإمام مسلم في «صحيحه» ؛ من حديث تميم الدّاريّ مرفوعا.
ورواه البخاريّ في الترجمة معلّقا؛ فقال: باب قول النّبي ﷺ : «الدّين النّصيحة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم» .
وعزاه ابن حجر إلى مسلم، وأبي داود، وأحمد موصولا، وإلى البخاريّ.
стр. 1749
١٢٥- «دين المرء.. عقله، ومن لا عقل له لا دين له» .
وعزاه النّوويّ في «الأذكار» إلى مسلم.
ونسبه النّجم لأحمد عن ابن عبّاس، وله ولمسلم وأبي داود والنّسائي؛ عن تميم الدّاريّ. وللتّرمذيّ والنّسائيّ؛ عن أبي هريرة.
وذكره في «الجامع الصّغير» مقتصرا على الجملة الّتي في المتن هنا رامزا لها برمز البخاريّ في «التّاريخ» ؛ عن ثوبان «مولى النّبيّ ﷺ » ؛ والبزّار في «مسنده» ؛ عن ابن عمر بن الخطاب. قال الهيثمي: رجاله رجال الصّحيح، وهو في «الأربعين النّوويّة» ؛ الحديث السّابع. انتهى من المناوي وغيره.
١٢٥- ( «دين المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له» ) لأنّ العقل هو الكاشف عن مقادير العبوديّة، ومحبوب الله ومكروهه، وهو الدّليل على الرّشد، والناهي عن الغيّ، وكلّما كان حظّ العبد من العقل أوفر فسلطان الدّلالة فيه أبعد، فالعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه فأتمر بما أمر وانزجر عما نهاه؛ فتلك علامة العقل.
وصورة العبادة قد تكون عادة، ومن ثمّ كان المصطفى ﷺ إذا ذكر له عبادة رجل سأل عن عقله. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه أبو الشّيخ بن حيّان في كتاب «الثّواب على الأعمال» ، وابن النجار في «تاريخ بغداد» ؛ عن جابر؛ ورواه عنه الدّيلمي أيضا.
وفي «العزيزي» : إنّه حديث ضعيف.
стр. 1750
[ (حرف الذّال) ]
(حرف الذّال) ١٢٦- «ذكر الله.. شفاء القلوب» .
١٢٧- «الذّنب لا ينسى، ...
(حرف الذّال) ١٢٦- ( «ذكر الله) من تسبيح وتهليل (شفاء القلوب» ) من أمراضها، أي:
هو دواء لها مما يلحقها من ظلمة الذّنوب، ويدنّسها من درن الغافلة، ولهذا كان المصطفى ﷺ أكمل النّاس ذكرا، بل كان كلامه كلّه في ذكر الله وما والاه؛ أمره ونهيه وتشريعه وأخباره عن أسماء الرّبّ، وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، ووعده ووعيده، وتمجيده وتسبيحه وتحميده، ورغبته ورهبته ذكرا منه بلسانه، وصمته ذكر منه بقلبه في كل أحيانه.
تنبيه: قال الرّاغب: ذكر الله تعالى تارة يكون لعظمته فيتولّد منه الهيبة والإجلال، وتارة لقدرته فيتولّد منه الخوف والحزن، وتارة لفضله ورحمته فيتولّد منه الرّجاء، وتارة لنعمته فيتولّد منه العزّ، فحقّ المؤمن ألاينفكّ أبدا عن ذكره على أحد هذه الوجوه. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلميّ في «مسند الفردوس» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وفي «العزيزي» : إنّه حديث حسن لغيره.
١٢٧- ( «الذّنب) أي: الإثم، بمعنى: المؤثم، أي: ما يحصل به لوم، أو إثم على فاعله. (لا ينسى) ، بل هو محفوظ في صحف الملائكة، ولا بدّ أن يجازى عليه؛ إن لم يحصل عفو؛ لا يضلّ ربّي ولا ينسى.
ونّبّه به على شيء دقيق، يغلط النّاس فيه كثيرا؛ وهو أنّهم لا يرون تأثير الذّنب؛ فينساه الواحد منهم، ويظنّ أنّه لا يضرّه ذلك، وأنّه كما قال:
стр. 1751
والبرّ لا يبلى، والدّيّان لا يموت.. فكن كما شئت» .
إذا لم يغبّر حائط في وقوعه ... فليس له بعد الوقوع غبار
قال ابن القيّم: وسبحان الله؛ ما أهلكت هذه البليّة من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة!! وما أكثر المغترّين بها من العلماء فضلا عن الجهّال، ولم يعلم المغترّ أنّ الذّنب ينقض؛ ولو بعد حين، كما ينقض السّمّ والجرح المندمل على دغل.
(والبرّ) - بالكسر-: الخير والفضل (لا يبلى) أي: لا ينقطع ثوابه ولا يضيع، بل هو باق عند الله تعالى. وقيل: أراد الإحسان؛ وفعل الخير لا يبلى ثناؤه، وذكره في الدّنيا والآخرة، فهو بمنزلة الثّوب الجديد الذي لا يفنى ولا يتغيّر. (والدّيّان لا يموت) ، بل هو سبحانه حيّ باق، عالم بأحوال عباده فيجازيهم عليها.
وإذا علمت هذا (فكن كما شئت» ) من أحوال وأفعال، خير؛ أو شرّ، فإنّ الدّيّان يجازيك عليها، ففيه وعيد شديد وتهديد، وفيه جواز إطلاق الدّيّان على الله لو صحّ الخبر.
وفي رواية عبد الرزاق وغيره: «اعمل ما شئت، كما تدين تدان» ، أي: كما تجازي تجازى. يقال: دنته بما صنع؛ أي: جزيته. ذكره الدّيلميّ.
ومن مواعظ الحكماء: عباد الله؛ الحذر الحذر، فو الله لقد ستر، حتى كأنّه غفر، ولقد أمهل حتى كأنّه أهمل. انتهى «زرقاني» .
والحديث ذكره في «المواهب» ؛ وقال رواه الدّيلميّ في «مسند الفردوس» ، وأبو نعيم عن عمر بن الخطاب، وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري ضعيف.
وقد رواه عبد الرزّاق في «جامعه» ، والبيهقيّ في «الزّهد» ؛ وفي «الأسماء والصفات» ، له عن أبي قلابة رفعه مرسلا: «البرّ لا يبلى ... الخ» . ووصله أحمد في «الزّهد» ؛ فرواه عن أبي قلابة، عن أبي الدرداء من قوله لكنّه منقطع مع وقفه.
стр. 1752
١٢٨- «ذهب حسن الخلق بخير الدّنيا والآخرة» .
١٢٩- «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» .
وللدّيلمي عن أنس رفعه: الذّنب شؤم على غير فاعله؛ إن عيّره ابتلي، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه» . انتهى زرقاني رحمه الله تعالى.
١٢٨- ( «ذهب حسن الخلق) الذي جاء تفسيره في حديث آخر بقوله: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك» ، وقد مرّ الكلام على حسن الخلق غير مرّة.
(بخير الدّنيا والآخرة» ) وهو أثقل ما يوضع في الميزان، وهو الدّين كما جاء ذلك في أحاديث أخر، وهذا الحديث قاله النّبيّ ﷺ : لأمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان «إحدى أمهات المؤمنين ﵂» حين قالت له: يا رسول الله؛ أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدّنيا؛ فتموت، ويموتان ويدخلون الجنة، لأيهما تكون هي؟ قال: لأحسنهما خلقا كان عندها في الدّنيا؛ يا أمّ حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدّنيا والآخرة» .
قال العراقيّ: أخرجه البزّار، والطبراني في «الكبير» ، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» بإسناد ضعيف؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
١٢٩- ( «ذو) أي: صاحب (الوجهين) : هو الذي يأتي كلّ قوم بما يرضيهم؛ خيرا كان أو شرّا، فيظهر لأهل المنكر أنّه راض عنهم؛ فيستقبلهم ببشر منه وترحيب. ويظهر لأهل الحقّ أنّه عنهم راض، فيريد إرضاء كلّ فريق منهم، ويظهر أنّه معهم؛ وإن كان ليس كذلك باطنا. كذا في «الشهاب الخفاجي» .
وقال ابن حجر: ذو اللّسانين هو: ذو الوجهين الذي لا يكون عند الله وجيها.
ثم قال: قال الغزالي: ذو اللّسانين: من يتردّد بين متعاديين؛ ويكلّم كلّا بما يوافقه، وقلّ من يتردّد بين متعاديين إلّا وهو بهذه الصفة! وهذا عين النّفاق.
ثم قال الغزالي: واتفقوا على أنّ ملاقاة اثنين بوجهين نفاق. وللنفاق علامات
стр. 1753
.........
كثيرة؛ وهذه من جملتها، ثم قال:
فإن قلت: فبماذا يصير ذا لسانين! وما حدّ ذلك؟ فأقول: إذا دخل على متعاديين وجامل كلّ واحد منهما؛ وكان صادقا فيه لم يكن منافقا، ولا ذا لسانين.
فإنّ الواحد قد يصادق متعاديين؛ ولكنّ صداقته ضعيفة لا تنتهي إلى حدّ الأخوّة، إذ لو تحققت الصداقة لا قتضت معاداة الأعداء.
نعم؛ لو نقل كلام كلّ واحد إلى الآخر فهو ذو لسانين، وذلك شرّ من النّميمة لأنّه يصير نمّاما بمجرّد نقله من أحد الجانبين.
فإذا نقل من كلّ منهما؛ فقد زاد على النميمة.
وإن لم ينقل كلاما؛ ولكن حسّن لكلّ واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه؛ فهو ذو لسانين أيضا.
وكذا إن وعد كلّا منهما بأنّه ينصره، أو أثنى على كلّ في معاداته، أو على أحدهما مع ذمّه له؛ إذا خرج من عنده، فهو ذو لسانين في كلّ ذلك. انتهى من «الزواجر» .
وفي «الشهاب الخفاجي» أنّه يقال له «ذو الوجهين» و «ذو اللّسانين» ، ويقال له «ذو الأوجه» كما قال:
وكم من فتى يعجب النّاظرين ... له ألسن وله أوجه
وهذا القول مجاز؛ لأنّه ﵊ لم يرد تثنية الوجه الّذي هو العضو المخصوص على الحقيقة، لأنّ استحالة ذلك في الإنسان معلوم ضرورة.
وإنّما أراد ذمّ المنافق الّذي ظاهره يخالف باطنه، وحاضره يضادّ غائبه، فكأنّه يلقى أخاه في مشهده بصفحة المودّة، ويتناوله في مغيبه بلسان الذمّ والعصبيّة.
فشبّه ﵊ هاتين الحالتين لاختلافهما بالوجهين المختلفين، لتباين ما بينهما. وقوله (لا يكون عند الله وجيها» ) ! أي: ذا قدر ومنزلة. يعني:
стр. 1754
.........
أنّ الله لا يرضاه ولا يحبّه لقباحة فعله، لما يتفرّع عليه من الفساد بين العباد.
أما لو فعل ذلك لإصلاح ذات البين وإزالة ضغائن القلوب.. ونحو ذلك! فهو أمر حسن ليس داخلا فيما مرّ.
وإذا كان «ذو الوجهين» هذا حاله ف «ذو الأوجه» معلوم بطريق الأولى، وبين الوجه والوجيه جناس اشتقاق كقوله تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ [٤٣/ الروم] .
والحديث ذكره القاضي عياض في «الشفاء» ، قال الشهاب الخفاجي: هذا حديث رواه أبو داود عن عمّار بلفظ: «ذو الوجهين وذو اللّسانين في النّار.
وروى أبو هريرة ﵁؛ عن النّبي ﷺ أنّه قال: «إنّ من شرّ النّاس ذا الوجهين؛ الّذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» أخرجه مسلم.
وعن أنس ﵁؛ عنه ﷺ أنّه قال: «من كان ذا لسانين في الدّنيا؛ جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة» . انتهى.
وفي رواية الطبراني في «الأوسط» عن أبي سعيد: «ذو الوجهين في الدّنيا يأتي يوم القيامة له وجهان من نار» . وأخرج الشيخان وغيرهما؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تجدون النّاس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار النّاس في هذا الشّأن أشّدهم له كراهية، وتجدون شرّ النّاس ذا الوجهين الّذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» انتهى. من «الزواجر» . وقد عدّ ذلك من الكبائر! فانظره.
стр. 1755
[ (حرف الرّاء) ]
(حرف الرّاء) ١٣٠- «رأس الحكمة.. مخافة الله» .
(حرف الرّاء) ١٣٠- ( «رأس الحكمة مخافة) - وفي رواية: خشية- (الله» ) ومعنى كون ذلك رأسا أنّه أصل ينبغي أن يترتّب عليه الثمرات؛ أي: أصل الحكمة وأسّها الخوف منه تعالى، لأنّ الحكمة تمنع النّفس عن المنهيّات، والشّهوات، والشّبهات، ولا يحمل على العمل بها إلا الخوف منه تعالى، فيحاسب النفس على كل خطرة ونظرة ولذّة، ولأنّ الخشية تدعوه إلى الزّهد في الدّنيا، فيفرّغ قلبه، فيعوّضه الله في قلبه حكمة ينطق بها، فالخوف سبب وأصل لورود الحكم.
والحكمة: العلم بأحوال الموجودات على ما هي عليه بقدر الطّاقة البشريّة، ويطلق على المعلومات، وعلى إحكام الأمور وسلامتها من الآفات، وعلى منع النّفس من الشهوات.. وغير ذلك. وأوثقها العمل بالطّاعات؛ بحيث يكون خوفه أكثر من رجائه؛ فيحاسب نفسه على كل خطرة ونظرة.
ومخافة الله تعالى آكد أسباب النّجاة. قال الغزالي: وقد جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرّحمة والعلم والرّضوان، وناهيك بذلك!! فقال تعالى هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [الأعراف] ، وقال إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) [البينة] . انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع» ؛ وقال أخرجه الحكيم الترمذي، وأبو بكر بن لال في «المكارم» ، والقضاعيّ في «الشّهاب» ، عن ابن مسعود ﵁.
ورواه عنه أيضا البيهقيّ في «الشّعب» وضعّفه، انتهى من المناوي. وفي العزيزي: إنّه حديث حسن لغيره.