Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
[ (حرف القاف) ]
(حرف القاف) ١٦٢- «القريب.. من قرّبته المودّة، وإن بعد نسبه» .
١٦٣- «قل: آمنت بالله.. ثمّ استقم» .
(حرف القاف) ١٦٢- ( «القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه» ) ؛ أي: ليس القريب من كان قريبا في النّسب، بل القريب حقيقة: من قرّبته المودّة والمحبّة؛ بأن كان ودودا لك وحبيبا وصديقا، فذلك هو القريب حقيقة، وإن كان بعيدا عنك في النّسب، ف «ربّ أخ لك لم تلده أمّك» .
وأصل القرب الأمانة، فمن كان متّصفا بها فهو الّذي يحبّه النّاس ويقرّبونه، وأصل البعد: الخيانة، فمن اتّصف بها. فهو الّذي يفرّ النّاس منه، كالجمل الأجرب، وإن كان أقرب قريب في النّسب!! وهذا مشاهد معلوم.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «الفردوس» .
١٦٣- ( «قل آمنت بالله) ؛ أي: جدّد إيمانك بالله ذكرا بقلبك ونطقا بلسانك.
(ثمّ استقم» ) ؛ أي: الزم عمل الطّاعات والانتهاء عن المنهيّات، يحصل لك كلّ خير دنيوي وأخروي. وانتزع هاتين الجملتين من آية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [٣٠/ فصلت] وهذا من بدائع جوامع الكلم؛ فقد جمعتا جميع معاني الإيمان والإسلام؛ اعتقادا وقولا وعملا، إذ الإسلام توحيد، وهو حاصل بالجملة الأولى، والطّاعة بسائر أنواعها في ضمن الثّانية؛ إذ الاستقامة امتثال كلّ مأمور وتجنّب كلّ منهي، وعرّفها بعضهم بأنّها المتابعة للسنن المحمّديّة مع التّخلّق بالأخلاق المرضيّة.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» و «الكشف» وقال: أخرجه الإمام أحمد
стр. 1787
١٦٤- «قلّة العيال.. أحد اليسارين» .
ومسلم والتّرمذي والنّسائي وابن ماجه؛ عن سفيان بن عبد الله الثّقفي الطّائفي قال:
قلت: يا رسول الله؛ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، فذكره.
وفي ابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله؛ حدّثني بأمر أعتصم به، قال: «قل:
ربّي الله، ثمّ استقم» . وزاد التّرمذي: قلت: يا رسول الله؛ ما أخوف ما تخاف عليّ؟ قال: «هذا!» . وأخذ بلسانه.
١٦٤- ( «قلّة العيال أحد اليسارين» ) ؛ لأنّ الغنى نوعان:
١- غنى بالشيء؛ أي: بالمال؛ بأن يكون عنده ما يكفيه ويكفي عياله.
و٢- غنى عن الشّيء؛ بأن لا يكون عنده عيال يحوجونه إلى السّعي وطلب الدّنيا.
وهذا هو الغنى الحقيقي، فقلّة العيال لا حاجة معها إلى كثرة المؤن.
وقيل: اليسار خفض العيش؛ أي: سعته والراحة فيه، وزيادة الدّخل على الخرج، أو وفاء الدّخل بالخرج، فمن كثر عياله ودخله وفضل له من دخله، أو وفي دخله بخرجه، أو قلّ عياله ودخله وفضل أو وفى!! فهو في يسر، ومن قلّ دخله وكثر عياله!! ففي عسر. انتهى شرح «الجامع الصغير» ، وشرح «المواهب» .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» ، وقال: رواه القضاعي في «مسند الشّهاب» ؛ عن علي، «أمير المؤمنين» ؛ والدّيلمي في «مسند الفردوس» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنهما. انتهى
وفي «المقاصد» : حديث: «قلّة العيال أحد اليسارين، وكثرته أحد الفقرين» . القضاعي؛ عن علي، والدّيلمي؛ عن غيره، بالشّطر الأوّل مرفوعا بسندين ضعيفين. وذكره في «الإحياء» بتمامه. انتهى.
وكذا ذكره في «الجامع الصّغير» بتمامه، وأوّله: «التّدبير نصف العيش» ..
الخ.
стр. 1788
١٦٥- «قل الحقّ، وإن كان مرّا» .
١٦٦- «قليل تؤدّي شكره.. خير من كثير لا تطيقه» .
١٦٥- ( «قل الحقّ) في جميع الأمور ولا يصرفك عنه صارف؛ (وإن كان مرّا!» ) ؛ بأن كان على نفسك، أو على ولدك، أو صديقك، أو ذوي قرابتك؛ بأن تقرّ به وتشهد به ولا تكتمه؛ كما قال تعالى* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [١٣٥/ النساء] .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» ، وفي «كشف الخفاء» وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أبي ذرّ مرفوعا، وهو صحيح.
وله شواهد؛ منها: ما أخرجه البيهقي؛ عن جابر مرفوعا بلفظ: «ما من صدقة أحبّ إلى الله من قول الحقّ» . وقد صحّحه ابن حبان في حديث طويل.
واشتهر على الألسنة: «قل الحقّ ولو على نفسك» . انتهى.
١٦٦- ( «قليل) من المال (تؤدّي شكره) يا ثعلبة؛ الّذي قال: ادع الله أن يرزقني مالا؛ (خير من كثير لا تطيقه» ) . تمامه عند الطّبراني: «أما تريد أن تكون مثل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم!! لو سألت الله أن يسيل الجبال ذهبا وفضّة لسالت!!» . انتهى.
وهذا من معجزاته، فإنّه إخبار عن غيب وقع، فإنّه دعا لثعلبة هذا أن [ينمو] ماله، فنمت غنمه حتّى ضاقت المدينة عنها، فنزل واديا. وانقطع عن الجمعة والجماعة، وطلبت منه الزّكاة فقال: ما هذه إلّا أخيّة الجزية!! وفيه نزل* وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية [٧٥/ التوبة] .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» وقال: أخرجه البغويّ والباوردي، وابن قانع، وابن السّكن، وابن شاهين: كلهم في «الصّحابة» ، وكذا الطّبراني، والدّيلمي من طريق معاذ بن رفاعة؛ عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب «أو ابن أبي حاطب» الأنصاري؛
стр. 1789
١٦٧- «القناعة.. كنز لا يفنى» .
قال أبو أمامة: جاء ثعلبة إلى المصطفى ﷺ فقال: يا نبيّ الله؛ ادع الله أن يرزقني مالا.
فقال: «ويحك يا ثعلبة!! أما تحبّ أن تكون مثلي، فلو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت!!» .
فقال: ادع الله لي أن يرزقني مالا، فو الّذي بعثك بالحقّ نبيّا لئن رزقنيه لأعطينّ كلّ ذي حقّ حقّه! قال: «لا تطيقه» !!
قال: يا نبيّ الله؛ ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: «اللهمّ؛ ارزقه مالا» ، فاتّخذ غنما فبورك له فيها، ونمت حتّى ضاقت به المدينة؛ فتنحّى عنها، فكان يشهد مع المصطفى ﷺ بالنّهار، ولا يشهد صلاة اللّيل، ثمّ نمت فكان لا يشهد إلّا من الجمعة إلى الجمعة، ثمّ نمت؛ فكان لا يشهد الجمعة ولا الجماعة.
فقال المصطفى ﷺ : «ويح ثعلبة!» . ثمّ أمر المصطفى ﷺ بأخذ الزّكاة والصّدقة؛ فبعث رجلين فمرّا على ثعلبة وقالا: الصّدقة؟! فقال: ما هذه إلّا أخيّة الجزية!! فأنزل الله فيه* وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية [٧٥/ التوبة] .
قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر!! وهو مشهور بين أهل التّفسير.
انتهى.
وأشار في «الإصابة» إلى عدم صحّة هذا الحديث، فإنّه ساق هذا الحديث في ترجمة ثعلبة هذا، ثمّ قال: وفي كون صاحب هذه القصّة- إن صحّ الخبر!! ولا أظنّه يصحّ؛ هو البدري! - نظر!! انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى..
١٦٧- ( «القناعة) الرّضا بالمقسوم (كنز) ؛ أي: ككنز، بجامع أنّها تغني صاحبها عن النّاس؛ كما يغنيه كنز؛ أي: مال مدفون (لا يفنى» ) ؛ لأنّ القناعة تنشأ عن غنى القلب بقوّة الإيمان ومزيد الإيقان، ومن قنع أمدّ بالبركة ظاهرا وباطنا؛ لأنّ الإنفاق منها لا ينقطع؛ إذ صاحبها كلما تعذّر عليه شيء قنع بما دونه؛
стр. 1790
.........
فلا يزال غنيّا عن النّاس، ولذا كان ما يقنع به خير الرّزق؛ كما في حديث: «خير الذّكر الخفيّ، وخير الرّزق ما يكفي» . رواه أحمد والبيهقي.
ومن قنع بالمقسوم كانت ثقته بالله- الّتي شأنها ألاتنقطع؛ لتأكّد الوثاقة- كنزا لا ينفد إمداده، ولهذا قال لقمان لابنه: يا بنيّ، الدّنيا بحر عميق؛ غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها القناعة.
ولله در من قال:
وجدت القناعة كنز الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك
فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك
وصرت غنيّا بلا درهم ... أمرّ على النّاس شبه الملك
وللإمام الشّافعي رحمه الله تعالى:
عزيز النّفس من لزم القناعه ... ولم يكشف لمخلوق قناعة
أفادتني القناعة كلّ عزّ ... وأيّ غنى أعزّ من القناعه
فصيّرها لنفسك رأس مال ... وصيّرها مع التّقوى بضاعه
وللإمام الشّافعي أيضا رحمه الله تعالى:
أمتّ مطامعي وأرحت نفسي ... فإنّ النّفس ما طمعت تهون
وأحييت القنوع وكان ميتا ... ففي إحيائه عرضي مصون
إذا طمع يحلّ بقلب عبد ... علته مهانة وعلاه هون
وفي القناعة أحاديث كثيرة؛ منها حديث ابن عمر مرفوعا: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه» .
وعن علي في قوله تعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [٩٧/ النحل] ؛ قال: القناعة.
وكذا قال الأسود: إنّها القناعة والرّضا.
وعن سعيد بن جبير قال: لا يحوجه إلى أحد.
стр. 1791
١٦٨- «قيّد.. وتوكّل» .
وقال بعض الحكماء: انتقم من حرصك بالقناعة؛ كما تنتقم من عدوّك بالقصاص.
وكان من دعائه ﷺ : «اللهمّ؛ قنّعني بما رزقتني وبارك لي فيه» .
ولو لم يكن في القناعة إلّا التّمتّع بالعزّ؛ لكفى صاحبه.
وسئل بعض الصّوفيّة عن مقام القناعة: هل يطلب من ربّه القناعة بما أعطاه الحقّ له من معرفته؛ كما يقنع بنظيره من القوت!؟ فأجاب بأنّ القناعة المطلوبة خاصة بأمور الدّنيا لئلّا يشتغل بكثرتها عن آخرته، لكونه مجبولا على الشحّ.
وأمّا القناعة من المعرفة بالقليل!! فمذمومة بنصّ آية وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) [طه] ، أي: بك وبأسرار أحكامك، لا زيادة من التّكاليف؛ فإنّه كان يكره السّؤال في الأحكام، وأنشد يقول:
إنّ القناعة باب أنت داخله ... إن كنت ذاك الّذي يرجى لخدمته
فاقنع بما أعطت الأيّام من نعم ... من الطّبيعة لا تقنع بنعمته
لو كان عندك مال الخلق كلّهم ... لم يأكل الشّخص منه غير لقمته
وأنشد يقول:
لا تقنعنّ بشيء دونه أبدا ... واشره فإنّك مجبول على الشّره
واحرص على طلب العلياء تحظ بها ... فليس نائم ليل مثل منتبه
والحديث رواه الطّبراني في «الأوسط» ؛ عن جابر، بلفظ: «القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى» . قال الذهبيّ: وإسناده واه.
١٦٨- ( «قيّد) ؛ ناقتك- وفي رواية: قيدّها- (وتوكّل» ) على الله، فإنّ التّقييد لا ينافي التّوكّل، إذ هو: اعتماد القلب على الرّبّ في كلّ عمل دينيّ أو دنيويّ، فالتّقييد لا يضادّه؛ كما أن الكسب لا يناقضه.
стр. 1792
.........
قال المحاسبيّ: من ظنّ أنّ التّوكّل ترك كسبه فليترك كلّ كسب دنيويّ ودينيّ، وكفى به جهلا!!.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» ورمز له برمز البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن عمرو بن أميّة الضّمري الكناني قال: يا رسول الله؛ أرسل راحلتي وأتوكّل، قال: «بل قيّد وتوكّل» . ورواه عنه أيضا الحاكم بلفظ: «قيّدها وتوكّل» . قال الذهبي: وسنده جيد.
وقال الهيثمي: رواه الطّبراني؛ عن أبي هريرة بإسنادين؛ في أحدهما عمرو بن عبد الله بن أميّة الضّمري، ولم أعرفه! وبقية رجاله ثقات. انتهى مناوي على «الجامع» . وفي «العزيزي» : إنّه حديث صحيح.
ورواه التّرمذي؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: «اعقلها وتوكّل» وقال:
غريب. ونقل؛ عن يحيى بن سعيد القطان أنّه منكر، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن أبي الدّنيا؛ عن أنس أنّه قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل!؟ قال: «اعقلها وتوكّل» . يعني: النّاقة.
وأخرجه ابن حبّان وأبو نعيم أيضا؛ عن عمرو بن أميّة الضّمري أنّه قال: قال رجل للنّبي ﷺ وقيل: القائل عمرو-: أرسل ناقتي وأتوكل!؟ قال: «اعقلها وتوكّل» . انتهى «كشف الخفا ومزيل الإلباس» .
стр. 1793
[ (حرف الكاف) ]
(حرف الكاف) ١٦٩- «كفى بالمرء إثما.. أن يضيّع من يقوت» .
(حرف الكاف) ١٦٩- ( «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت» ) ؛ أي، من يلزمه قوته ونفقته، لا سيّما الزّوجة!! فإنّ نفقتها متأكّدة، وهذا صريح في وجوب نفقة من يقوت؛ لتعليقه الإثم على تركه، لكن إنّما يتصور ذلك في موسر لا معسر!! فعلى القادر السّعي على عياله لئلّا يضيّعهم، فمع الخوف على ضياعهم هو مضطرّ إلى الطّلب لهم، لكن لا يطلب لهم إلّا قدر الكفاية؛ لأنّ الدّنيا بغيضة، وسؤال أوساخ النّاس قروح وخموش يوم القيامة.
قال بعضهم: والضّيعة: هي التّفريط فيما له غناء وثمرة إلى ألايكون له غناء ولا ثمرة. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في «الزّكاة» ، والبيهقي في «سننه» ؛ عن ابن عمرو بن العاصي، وصحّحه الحاكم، وأقرّه الذّهبي، وقال في «الرياض» : إسناده صحيح. ورواه عنه أيضا النّسائي، وهو عند مسلم بلفظ: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوته» . انتهى. مناوي على «الجامع» .
قال في «الكشف» : والمشهور على الألسنة: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول» . بل هي رواية الحاكم؛ كما في «النجم» . انتهى.
قال المناوي: وسببه- كما في البيهقي- أنّ ابن عمرو كان ببيت المقدس فأتاه مولى له؛ فقال: أقيم هنا رمضان، قال: هل تركت لأهلك ما يقوتهم؟ قال:
لا، قال: سمعت النبي ﷺ يقول ... فذكره. انتهى.
стр. 1794
١٧٠- «كفى بك إثما.. ألاتزال مخاصما» .
١٧١- «كفى بالدّهر واعظا، وبالموت مفرّقا» .
١٧٠- ( «كفى بك إثما ألاتزال مخاصما!» ) ؛ أي: تكثر المخاصمة مع الخلق؛ لأنّ كثرة المخاصمة تفضي غالبا فيما يذمّ صاحبه، فالمستمرّ على الخصام الماهر فيه من أبغض الخلق إلى الله تعالى، وقد ورد التّرغيب في ترك المخاصمة، ففي أبي داود؛ عن أبي أمامة رفعه: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنّة لمن ترك المراء؛ وإن كان محقّا، وأبغض العباد إلى الله تعالى الألدّ الخصم» ؛ كما في «الصحيحين» .
فإن قيل: لا بد من الخصومة لاستيفاء الحقوق.
فالجواب ما قال الغزالي: إنّ الذّم المتأكّد إنّما هو خاصّ بباطل أو بغير علم؛ كوكلاء القاضي.
وقال بعض العارفين: إذا رأيت الرّجل لجوجا مرائيا معجبا برأيه فقد تمّت خسارته. انتهى مناوي على «الجامع» مرموزا له برمز التّرمذي؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وقال: غريب. وخرّجه عنه البيهقي والطّبراني، قال ابن حجر: وسنده ضعيف. انتهى «مناوي» .
١٧١- ( «كفى بالدّهر) ؛ أي: كفى تقلّبه بأهله (واعظا) مذكّرا ومنبّها على زوال الدّنيا، ومرقّقا مليّنا للقلوب، (وبالموت مفرّقا» ) - بشدّ الرّاء وكسرها- لأنّ تفريقه لا عود بعده إلّا في الآخرة؛ بخلاف فرقة غير الموت.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» و «كنوز الحقائق» وقالا: أخرجه ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» ، وكذا العسكري في «الأمثال» كلاهما؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
جاء رجل إلى النّبي ﷺ فقال: إن جاري يؤذيني! فقال: «اصبر على أذاه وكفّ عنه أذاك» . فما لبثت إلّا يسيرا إذ جاءه فقال له: مات!! ... فذكره.
стр. 1795
١٧٢- «كلّ آت.. قريب» .
وهذا من بديع حكمته ﷺ ووجيزها؛ لأنّه لمّا علم أنّ أسباب العظات كثيرة؛ من العبر والآيات، وطوارق الآفات، وسوء عواقب الغفلات، ومفارقة الدّنيا وما بعد الممات؛ قال في عظة الموت كفاية عن جميع ذلك، لأنّ الموت ينزعه عن جميع محبوباته في الدّنيا ومخوفاته؛ إمّا إلى الجنّة، وإمّا إلى ما يكرهه، وذلك يوجب المنع من الرّكون إلى الدّنيا، والاستعداد إلى الآخرة وترك الغافلة. انتهى «مناوي» .
قال: في «الكشف» : في سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وفي «العزيزي» : إنّه حديث حسن لغيره.
١٧٢- ( «كلّ آت) ؛ من الموت والقيامة والحساب والوقوف (قريب» ) ، وأنت سائر على مراحل الأيّام واللّيالي إليه، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) [المعارج] .
فالجاهل يراه بعيدا لعمى قلبه، والمؤمن الكامل يراه بنور إيمانه قريبا؛ كأنّه يعاينه؛ فبذل دنياه لآخراه، وسلّم نفسه لمولاه، فلا تغرّنّك الدّنيا، فجديدها عمّا قليل يبلى، ونعيمها يفنى، ومن لم يتركها اختيارا؛ فعمّا قريب يتركها اضطرارا، ومن لم تزل نعمته في حياته زالت بمماته.
قال ابن عطاء الله السّكندري: لا بد لهذا الوجود أن تنهدم دعائمه، وأن تسلب كرائمه. فالعاقل من كان بما هو أبقى أوثق منه بما هو يفنى.
وقال بعض الحكماء: من كان يؤمّل أن يعيش غدا فهو يؤمل أن يعيش أبدا.
قال الماوردي: ولعمري؛ إنّه صحيح! إذ كل يوم غدا، فإذا يفضي به الأمل إلى الفوت من غير درك، ويؤديه الرّجاء إلى الإهمال بغير تلاف.
وقال الحكماء: لا تبت على غير وصيّة، وإن كنت من جسمك في صحّة، ومن عمرك في فسحة، فإنّ الدّهر خائن، وكل ما هو آت كائن. انتهى «مناوي» .
стр. 1796
١٧٣- «كلّ الصّيد في جوف الفراء» .
والحديث ذكره في «الدّرر» للسّيوطي، وقال: أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود في أثناء حديث. وذكره في «الكشف» ، وقال: رواه ابن مردويه؛ عن ابن مسعود مرفوعا وموقوفا، ولفظه: «ألا لا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ألا إنّ كلّ ما هو آت قريب، ألا إنّما البعيد ما ليس بات» .
وروى البيهقي في «الأسماء والصفات» ، عن ابن شهاب مرسلا: إنّه ﷺ كان يقول إذا خطب: «كلّ ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخلف لأمر أحد، ما شاء الله لا ما شاء النّاس، يريد الله أمرا ويريد النّاس أمرا، وما شاء الله كائن؛ ولو كره النّاس، لا مبعّد لما قرّب الله؛ ولا مقرّب لما بعّد الله، ولا يكون شيء إلّا بإذن الله» .
وعزاه في «المقاصد» للقضاعي؛ عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: تلقفت هذه الخطبة من في رسول الله ﷺ ، فذكرها، وفيها: «كلّ ما هو آت قريب» . انتهى كلام «الكشف» .
وهذه الجملة موجودة في «الجامع الصّغير» أثناء حديث طويل أوله: «أمّا بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كتاب الله» ... الخ.
١٧٣- ( «كلّ الصّيد في جوف الفراء» ) - بفتح الفاء، مقصور مهموز-: حمار الوحش، هذا خاطب به النّبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، حين جاءه مسلما، بالأبواء بين مكّة والمدينة والنّبي ﷺ سائر إلى فتح مكّة؛ بعد أن كان عدوّا له هجّاء، كثير الهجاء بعد البعثة، وكان يألفه قبلها، فلمّا أسلم كان لا يرفع رأسه إلى المصطفى حياء منه ﷺ .
وكان النبيّ ﷺ يحبّه، ويشهد له بالجنّة، ويقول: «أرجو أن يكون خلفا من حمزة!» ﵁.
فكأنّ النّبي ﷺ يقول: إنّ الحمار الوحشيّ من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنّك أعظم أهلي وأمسّهم رحما بي، ومن أكرم من يأتيني، وكلّ
стр. 1797
.........
دونك!! قال ذلك ملاطفة له؛ لأنّه استأذن فلم يأذن له، وقال: إنّه هتك عرضي.
والحديث أخرجه الرّامهرمزي الإمام؛ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الفارسي في كتاب «الأمثال» من طريق ابن عيينة، عن وائل بن مازن، عن نصر بن عاصم الليثي؛ قال: أذن رسول الله ﷺ لقرشي وأخّر أبا سفيان، ثم أذن له فقال:
ما كدت أن تأذن لي حتى كدت أن تأذن لحجارة الجلهمتين قبلي وبكى، فقال:
«وما أنت وذاك يا أبا سفيان؛ إنّما أنت كما قال الأول: كلّ الصّيد في جوف الفراء» . وسنده جيد، لكنّه مرسل، لأنّ نصر بن عاصم تابعيّ وسط.
ونحوه عند العسكري، ولكنّه قال: «كلّ الصّيد في جوف الفراء- أو: جنب الفراء-» بالشّكّ.
قال في «المقاصد» : وقد أفردت فيه جزآ فيه نفائس.
والجلهمتان: تثنية الجلهمة- بضمّ الجيم وفتحها-: حافّة الوادي وناحيته.
قال الدّميري في «حياة الحيوان» : الفراء: الحمار الوحش. والجمع:
الفراء، مثل جبل وجبال، وفي المثل «كل الصّيد في جوف الفراء» ؛ قاله النّبي ﷺ لأبي سفيان بن الحارث، وقيل: لأبي سفيان بن حرب.
وقال السّهيلي: الصّحيح أنّه قاله لأبي سفيان بن حرب يتألّفه به؛ وذلك لأنّه استأذن على النّبي ﷺ فحجب قليلا ثمّ أذن له، فلما دخل؛ قال للنّبي ﷺ :
ما كدت أن تأذن لي حتّى كدت أن تأذن لحجارة الجلهمتين قبلي!!، فقال له النبي ﷺ : «يا أبا سفيان؛ أنت كما قيل- كلّ الصّيد في جوف الفراء-» . ثمّ قال:
وأصل هذا المثل أنّ جماعة ذهبوا للصّيد؛ فصاد أحدهم ظبيا، والآخر أرنبا، والآخر حمار وحش، فاستبشر الأوّلان بما نالا؛ فقاله الثالث؛ يعني أنّ ما رزقته يشتمل على ما عندكما؛ لأنّه أعظم، ثمّ اشتهر هذا المثل في كلّ شيء كان جامعا لغيره، كما قال القائل:
يقولون: كافات الشّتاء كثيرة ... وما هي إلّا واحد غير مفترى
стр. 1798
١٧٤- «كلّكم.. راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته» .
١٧٥- «كلّ المسلم.. على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه» .
إذا صحّ كاف الكيس فالكلّ حاصل ... لديك وكلّ الصّيد في جوف الفرا
انتهى «كشف» .
١٧٤- ( «كلّكم راع) ؛ أي: حافظ مؤتمن، ملتزم بصلاح ما قام عليه، وهو ما تحت نظره من الرّعاية؛ وهي الحفظ، يعني: كلكم ملتزم بحفظ ما يطالب به؛ من العدل إن كان واليا، ومن عدم الخيانة إن كان موليا عليه؛
(وكلّكم مسؤول عن رعيّته» ) في الآخرة، فكلّ من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلّقات ذلك، فإن وفى ما عليه من الرّعاية! حصل له الحظّ الأوفر والجزاء الأكبر، وإلّا! طالبه كل أحد من رعيّته بحقّه في الآخرة.
ويدخل في ذلك الولاة، والمنفق على زوجة أو قريب أو رفيق أو بهيمة؛ هل قام بحقّها أم لا!؟
والرّعاية تختلف؛ فالسّلطان أكثر مسؤولية من غيره، فإنّ عليه حفظ جميع رعيّته والذّب عنهم، وكذا نوّابه، فكلّ عليه حفظ ما تحت يده، وهكذا الزّوج ونحوه، فالرّاعي غير مطلوب لذاته؛ بل أقيم لحفظ ما استرعاه، ويشمل المنفرد؛ إذ يصدق عليه أنّه راع في جوارحه بفعل المأمور وترك المنهي. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذي؛ عن ابن عمر ﵄.
١٧٥- ( «كلّ) ؛ مبتدأ (المسلم) (- فيه ردّ لزاعم أنّ كلّا لا تضاف إلّا إلى نكرة (على المسلم) (متعلق بالخبر، وهو قوله (حرام: دمه) - بالرّفع، وكذا ما بعده بيان لكل؛ أي: إراقة دمه أو قتله بلا حق، (وماله) ؛ أي: أخذ ماله بنحو غصب، (وعرضه» ) ؛ أي: هتك عرضه بالتّكلم فيه بما يشينه بلا
стр. 1799
١٧٦- «كلّ معروف.. صدقة» .
١٧٧- «كلّ مؤذ.. في النّار» .
استحقاق؛ والعرض: موضع المدح والذّمّ من الإنسان.
وأدلّة تحريم هذه الثّلاثة مشهورة معروفة من الدّين بالضّرورة، وجعلها كلّ المسلم وحقيقته! لشدّة اضطراره إليها؛ فالدّم فيه حياته، ومادّته المال، فهو ماء الحياة الدّنيا، والعرض به قيام صورته المعنويّة.
واقتصر على هذه الثّلاثة؛ لأنّ ما سواها فرع عنها وراجع إليها؛ لأنّه إذا قامت الصّورة البدنيّة والمعنويّة فلا حاجة لغيرهما؛ وقيامهما إنّما هو بتلك الثّلاثة.
ولكون حرمتها هي الأصل والغالب لم يحتج لتقييدها بغير حقّ.
فقوله في رواية «إلّا بحقّها» إيضاح وبيان.
وهذا حديث عظيم الفوائد كثير العوائد مشير إلى المبادئ والمقاصد. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه مسلم، وأبو داود في «الأدب» ، وابن ماجه في «الزهد» .
١٧٦- ( «كلّ معروف) ؛ أي: عرف في الشّرع بأنّه قربة؛ من قول أو فعل، (صدقة» ) ؛ أي: كلّ ما يفعل من أعمال البرّ والخير فثوابه كثواب من تصدّق بالمال؛ وسمّيت صدقة؛ لأنّها من تصديق الوعد بنفع الطّاعة عاجلا وثوابها آجلا.
وفيه إشارة إلى أنّ الصّدقة لا تنحصر في المحسوس، فلا تختصّ بأهل اليسار مثلا، بل كلّ أحد يمكنه فعلها غالبا بلا مشقّة. انتهى «مناوي» وغيره.
والحديث أخرجه الإمام أحمد بسند رجاله رجال «الصحيح» ، والبخاريّ في «صحيحه» ؛ «باب الأدب» كلاهما؛ عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه الإمام أحمد ومسلم في «الزّكاة» ، وأبو داود في «الأدب» كلهم؛ عن حذيفة بن اليمان، وهو حديث متواتر، رواه نحو ستة عشر صحابيّا ﵃.
١٧٧- ( «كلّ مؤذ في النّار» ) ؛ يعني: كلّ ما يؤذي؛ من نحو حشرات
стр. 1800
١٧٨- «كلّ.. ميسّر لما خلق له» .
وسباع، يكون في نار جهنّم عقوبة لأهلها؛ وقيل: هو وعيد لمن يؤذي النّاس، أي: كل من آذى الناس في الدّنيا من النّاس أو من غيرهم؛ يعذّبه الله في تلك الدّار في نار الآخرة. ذكره الزّمخشري والخطّابي. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه الخطيب في ترجمة عثمان الأشج؛ المعروف ب «ابن أبي الدّنيا» ، وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» كلاهما؛ عن علي، «أمير المؤمنين» ، قال الخطيب: وعثمان عندي ليس بشيء. انتهى. وأورده الذّهبي في «المتروكين» ، وقال: خبر غريب. انتهى مناوي على «الجامع» ، وفي «العزيزي» : إنّه حديث حسن. اه.
١٧٨- ( «كلّ) - بالتّنوين-؛ أي: كلّ إنسان (ميسّر) - بضمّ الميم، وبالمثنّاة التّحتيّة، والمهملة الثّقيلة؛ المفتوحتين- وفي رواية يسّر (لما خلق له» ) ؛ أي: مهيّأ لما خلق لأجله، قابل له بطبعه، أي: فالأمر مغيب عنّا، فلا نعرف النّاجي من غيره، إلّا أنّ الشّارع نصب لنا دليلا على ذلك، فمن رأيناه منكبّا على الطّاعة علمنا أنّه ناج، وعكسه بعكسه.
وليس المراد بالتّيسير هنا ما يقابل التّعسير!! وقول بعضهم: «معناه كلّ موفّق لما خلق لأجله» غير سديد؛ لأنّ التّوفيق خلق قدرة الطّاعة في العبد؛ وليس المعنى هنا مقصورا عليه، بل المراد التّهيئة لما خلق لأجله من خير وشرّ وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) [الشمس] . انتهى مناوي على «الجامع» ، وحفني على «الجامع» .
قال العزيزي: وفي الحديث إشارة إلى أنّ المال محجوب عن المكلّف، فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به، فإنّ عمله أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبا، وإن كان بعضهم قد يختم له بغير ذلك؛ كما في حديث ابن مسعود وغيره، لكن لا اطّلاع له على ذلك، فعليه أن يبذل جهده ويجاهد نفسه في عمل الطّاعة، ولا يترك اتّكالا على ما يؤول إليه أمره، فيلام على ترك المأمور، ويستحقّ العقوبة. انتهى.
стр. 1801
١٧٩- «كلّموا النّاس.. بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون» .
فائدة: قال الرّاغب: لما احتاج النّاس بعضهم لبعض سخّر كلّ واحد منهم لصناعة ما يتعاطاه، وجعل بين طبائعهم وصنائعهم مناسبات خفيّة واتّفاقات سماويّة؛ ليؤثر الواحد بعد الواحد حرفة ينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه لمزاولتها، فإذا جعل إليه صناعة أخرى ربّما وجده مستبلدا فيها، متبرّما منها، سخّرهم الله لذلك؛ لئلّا يختاروا كلهم صناعة واحدة، فتبطل الأقوات والمعاونات، ولولا ذلك ما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها، ومن البلاد إلا أطيبها، ومن الصّناعات إلا أجملها، ومن الأفعال إلّا أرفعها، ولتنازعوا فيه، لكنّ الله بحكمته جعل كلّا منهم في ذلك مخيّرا.
فالنّاس؛ إمّا راض بصنعته لا يبغي عنها حولا؛ كالحائك الّذي رضي بصناعته ويعيب الحجّام الّذي يرضى بصناعته، وبذلك انتظم أمرهم وكُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) [المؤمنون] . وإمّا كاره لها يكابدها مع كراهته إيّاها، كأنّه لا يجد عنها بدلا. وعلى ذلك دلّ هذا الحديث: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [٣٢/ الزخرف] .
فالتّباين والتّفرق والاختلاف سبب الالتئام والاجتماع والاتّفاق، فسبحان الله ما أحسن صنعه!. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والشّيخين: البخاري ومسلم، وأبي داود؛ عن عمران بن حصين.
والتّرمذي؛ عن عمر بن الخطّاب.
والإمام أحمد؛ عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنهم. أجمعين.
١٧٩- ( «كلّموا النّاس بما يعرفون) ؛ أي: بما يفهمونه وتدركه عقولهم، لأنّ العقول لا تحتمل إلّا على قدر طاقتها، فلها حد محدود لا تتعدّاه، وشرّ العلم الغريب؛ (ودعوا ما ينكرون» ) ؛ أي: ما يشتبه عليهم فهمه؛ لأنّ السّامع لما لا يفهمه قد يعتقد استحالته جهلا؛ فلا يصدق بوجوده.
стр. 1802
١٨٠- «كما تدين.. تدان» .
فأفاد أنّ المتشابه لا ينبغي ذكره عند العامّة.
ويؤخذ من ذلك طلب تعليم العلوم السّهلة أوّلا لقاصر العقل.
وينبغي للمدرّس أن يكلّم كلّ طالب على قدر فهمه وعقله، فيجيبه بما يحتمله حاله.
ومن اشتغل بعمارة أو تجارة أو مهنة؛ فحقّه أن يقتصر به من العلم على قدر ما يحتاج إليه من هو في رتبته من العامّة، وأن يملأ نفسه من الرّغبة والرّهبة الوارد بهما القرآن. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» باللّفظ الّذي أورده المصنّف مرموزا له برمز البخاري.
وفي «الكشف» أنه في «صحيح البخاري» ؛ عن علي موقوفا بلفظ: «حدّثوا النّاس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله!» .
ونحوه ما في مقدمة «صحيح مسلم» ؛ عن ابن مسعود قال: «ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة» . انتهى. ذكره في الكلام على حديث: «أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم» .
١٨٠- ( «كما تدين تدان» ) ؛ أي: كما تفعل تجازى بفعلك، وكما تفعل يفعل معك، سمّي الفعل المبتدأ جزاء، والجزاء هو الفعل الواقع بعده؛ ثوابا كان أو عقابا. للمشاكلة، كما في وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [٤٠/ الشورى] .
مع أنّ الجزاء المماثل مأذون فيه شرعا؛ فيكون حسنا لا سيّئا!!
قال الميداني في ذلك: ويجوز إجراؤه على ظاهره، أي: كما تجازي أنت النّاس على صنيعهم تجازى أنت على صنيعك، والكاف في محلّ نصب للمصدر؛ أي: تدان دينا مثل دينك.
стр. 1803
.........
والقصاص إن لم يكن فيك؛ أخذ من ذرّيّتك، ولهذا قال تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) [النساء] .
فاتّق الله في أولاد النّاس يحفظك في ذرّيتك، وييسّر لهم ببركة تقواك ما تقرّ به عينك بعد موتك، وإن لم تتّق الله فيهم؛ فأنت مؤاخذ بذلك في نفسك وذرّيّتك، وما فعلته كله يفعل بهم، وهم وإن كانوا لم يفعلوا؛ لكنهم تبعا لأولئك الأصول، وناشئون عنهم وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [الأعراف] .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» للعجلوني، وقال: رواه أبو نعيم، والديلمي؛ عن ابن عمر رفعه في حديث بلفظ: «البرّ لا يبلى، والذّنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، فكن كما شئت، فكما تدين تدان» .
وأورده ابن عديّ أيضا في «الكامل» وفي سنده ضعيف.
قال في «اللآلئ» : رواه البيهقي في «كتاب الزّهد» ، و «الأسماء والصّفات» ؛ عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ : «الذّنب لا ينسى، والبرّ لا يبلى، والدّيّان لا يموت، وكما تدين تدان» . ثمّ قال في «اللآلئ» : هذا مرسل.
ورواه ابن عديّ في «الكامل» من حديث محمد بن عبد الملك.
وأخرجه عبد الرّزّاق في «جامعه» ؛ عن أبي قلابة رفعه مرسلا.
ووصله أحمد في «الزّهد» ، لكن جعله من قول أبي الدّرداء.
ولابن أبي عاصم في «السّنّة» بسند فيه وضّاع؛ عن أنس في حديث أنّه قال:
«يا موسى، كما تدين تدان» .
وفي «الحلية» ؛ عن يحيى بن أبي عمرو الشّيباني؛ أنّه قال: مكتوب في «التّوراة» : كما تدين تدان، وبالكأس الذي تسقي به تشرب. وفي التنزيل مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [١٢٣/ النساء] .
стр. 1804
١٨١- «كما تكونوا.. يولّى عليكم» .
وفي النجم؛ عن فضالة بن عبيد: مكتوب في «الإنجيل» : [كما تدين تدان، وبالمكيال الّذي تكيل تكتال] . انتهى كلام «الكشف» . وفي «العزيزي» : إنّه حديث حسن لغيره.
١٨١- ( «كما تكونوا يولّى عليكم» ) ؛ فإذا اتّقيتم الله وخفتم عقابه ولّى عليكم من يخافه فيكم، وعكسه.
وفي بعض الكتب المنزلة: [أنا الله؛ ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة؛ فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطّفهم عليكم] .
ومن دعاء المصطفى ﷺ : «اللهمّ؛ لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا» .
والرواية بحذف النّون وإثبات الياء في «يولّى» ، و «ما» مصدريّة؛ أعملت حملا على «أن» المصدريّة، كما أهملت «أن» حملا على «ما» .
وذكر السّيوطي في «فتاواه الحديثيّة» : أنّ حذف النّون على لغة من يحذفها بلا ناصب ولا جازم؛ كما في حديث: «لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا» . أو أنّ حذفها على رأي الكوفيّين الّذي ينصبون «كلّما» ، أو على أنّه من تغيير الرواة، لكن هذا بعيد جدا. انتهى.
وأنشد بعضهم في المقام:
بذنوبنا دامت بليّتنا ... والله يكشفها إذا تبنا
والحديث ذكره العجلوني في «الكشف» ؛ وقال: رواه الحاكم، ومن طريقه الديلمي؛ عن أبي بكرة مرفوعا بلفظ: «يولّى عليكم أو يؤمّر عليكم» .
وأخرجه البيهقي بلفظ «يؤمّر عليكم» بدون شكّ، وبحذف «أبي بكرة» .
فهو منقطع.
стр. 1805
١٨٢- «كن في الدّنيا كأنّك غريب، ...
وأخرجه ابن جميع في «معجمه» ، والقضاعي؛ عن أبي بكرة بلفظ: «يولّى عليكم» بدون شكّ، وفي سنده مجاهيل.
ورواه الطّبراني بمعناه؛ عن الحسن أنّه سمع رجلا يدعو على الحجّاج، فقال له: لا تفعل، إنّكم من أنفسكم أتيتم؛ إنّا نخاف إن عزل الحجّاج أو مات أن يتولّى عليكم القردة والخنازير، فقد روي: «إنّ أعمالكم عمّالكم، وكما تكونوا يولّى عليكم» .
وقال «النجم» : روى ابن أبي شيبة، عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً [١٢٩/ الأنعام] . ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد النّاس أمّر عليهم شرارهم.
وروى البيهقي؛ عن كعب قال: إنّ لكل زمان ملكا، يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم؛ بعث عليهم مصلحا، وإذا أراد هلاكهم؛ بعث عليهم مترفيهم.
وله عن الحسن: أنّ بني إسرائيل سألوا موسى ﵊: سل لنا ربّك يبيّن لنا علم رضاه عنا، وعلم سخطه، فسأله، فقال: أنبئهم أنّ رضائي عنهم أن أستعمل عليهم خيارهم، وأنّ سخطي عليهم أن أستعمل عليهم شرارهم. انتهى ملخصا.
١٨٢- ( «كن في الدّنيا كأنّك غريب) ؛ أي: عش بباطنك عيش الغريب عن وطنه بخروجك عن أوطان عاداتها ومألوفاتها؛ بالزّهد في الدّنيا، والتّزوّد منها للآخرة، فإنّها الوطن؛ أي: إنّ الدّار الآخرة هي دار القرار، كما أنّ الغريب حيث حلّ نازع لوطنه، ومهما نال من الطّرف أعدّها لوطنه، وكلما قرب مرحلة سرّه، وإن تعوّق ساعة ساءه، فلا يتّخذ في سفره المساكن والأصدقاء، بل يجتزئ بالقليل قدر ما يقطع به مسافة عبوره؛ لأنّ الإنسان إنّما وجد ليمتحن بالطّاعة؛ فيثاب، أو بالإثم؛ فيعاقب لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [٧/ هود] ، فهو كعبد أرسله سيّده في
стр. 1806
أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أهل القبور» .
حاجة، فهو إمّا غريب أو عابر سبيل، فحقّه أن يبادر لقضائها ثمّ يعود إلى وطنه.
وهذا أصل عظيم في قصر الأمل، وألايتّخذ الدّنيا وطنا ومسكنا، بل يكون فيها على جناح سفر مهيّأ للرّحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا جميع الأمم.
وفيه حثّ على الزّهد والإعراض عن الدّنيا، والغريب المجتهد في الوصول إلى وطنه لا بدّ له من مركب؛ وزاد؛ ورفقاء؛ وطريق يسلكها.
فالمركب: نفسه، ولا بد من رياضة المركوب ليستقيم للرّاكب، والزّاد:
التقوى، والرّفقاء: الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين و [الطريق:] الصّراط المستقيم، وإذا سلك الطّريق لم يزل خائفا من القطّاع؛ «إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع» . انتهى مناوي على «الجامع» .
(أو) بل (عابر سبيل) طريق قال الطّيبي: ليست «أو» للشّكّ ولا للتّخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى «بل» .
فشبّه النّاسك السّالك بالغريب الّذي لا مسكن له يؤويه، ثمّ ترقى وأضرب عنه إلى عابر السّبيل لأنّ الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السّبيل، القاصد لبلد شاسع، وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق! فإنّ من شأنه أن لا يقيم لحظة، ولا يسكن لمحة، ومن ثمّ عقّبه بقوله: (وعدّ نفسك من أهل القبور» ) ؛ أي: استمرّ سائرا ولا تفتر، فإنّك إن فترت انقطعت وهلكت في تلك الأودية، فلا تتنافس في عمارة الدّور فعل المستوطن المغرور؛ فيأتيك الموت من غير استعداد، وتقدم على سفر آخرة بغير زاد.
والحديث أخرجه البيقي في «الشّعب» ، والعسكري؛ من حديث ابن عمر بن الخطّاب مرفوعا في جملة حديث.
وأخرجه البخاري في «صحيحه» ؛ «كتاب الرّقاق» ؛ عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل» .
стр. 1807
١٨٣- «الكيّس.. من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز.. من أتبع نفسه هواها، ...
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» . وهذه رواية البخاري كما في «الأربعين النّوويّة» .
وزاد أحمد، والنّسائي؛ أوّله: «اعبد الله كأنّك تراه» . ورواه التّرمذيّ بمثل رواية البخاري، إلّا أنّه قدّم جملة: «وإذا أصبحت» ، وقال: ومن حياتك قبل موتك، فإنّك لا تدري يا عبد الله! ما اسمك غدا!» . ورواه أبو داود وابن ماجه.
١٨٣- ( «الكيّس) - بتشديد الياء مكسورة؛ مأخوذة من الكيس- بفتح فسكون.
قال في «النهاية» : أي: العاقل المتبصّر في الأمور، النّاظر في العواقب.
هو: (من دان نفسه) ؛ أي: أذلّها واستعبدها وأدّبها، وقيل: حاسبها؛ يعني:
جعل نفسه مطيعة منقادة لأوامر ربّها، مجتنبة لنواهيه، فلازم الطّاعة وتجنّب المعصية.
(وعمل لما بعد الموت) قبل نزوله، ليصير على نور من ربه؛ فالموت عاقبة أمور الدّنيا، فالكيّس من أبصر العاقبة، والأحمق من عمي عنها وحجبته الشّهوات والغفلات، وعاجل الحاصل يشترك في درك ضرّه ونفعه جميع الحيوانات بالطّبع؛ وإنّما الشّأن في العمل للآجل!!
فجدير بمن الموت مصرعه، والتّراب مضجعه، ومنكر ونكير جليسه، والدّود أنيسه، والقبر مقرّه، وبطن الأرض مستقرّه، والقيامة موعده، والجنّة أو النّار مورده؛
ألايكون له فكر إلّا في الموت وما بعده، ولا ذكر إلّا له، ولا استعداد إلّا لأجله ولا تدبير إلّا فيه، ولا اهتمام إلّا به، ولا انتظار إلّا له، وحقيق أن يعدّ نفسه من الموتى ويراها في أهل القبور، فكل ما هو آت قريب، والبعيد ما ليس بات.
(والعاجز) - بمهملة وجيم وزاي-؛ من العجز؛ أي: المقصّر في الأمور، ورواه العسكري: «الفاجر» ؛ بالفاء والرّاء؛ من الفجور.
(من أتبع) - بسكون المثنّاة الفوقيّة- (نفسه هواها) ؛ أي: صيّرها تابعة
стр. 1808
وتمنّى على الله الأمانيّ» .
لميلها للشّهوات، فلم يكفّها عن اللّذّات ولم يمنعها من ارتكاب المحرمات.
قال الطيبي: العاجز الّذي غلبت عليه نفسه وقهرته فأعطاها ما تشتهيه، قوبل الكيّس بالعاجز!! والمقابل الحقيقي السّفيه؛ إيذانا بأنّ الكيّس هو القادر، والعاجز هو السّفيه.
(وتمنّى على الله الأمانيّ» ) - بتشديد الياء: جمع أمنية-؛ أي: فهو مع تقصيره في طاعة ربّه واتّباع شهوات نفسه لا يستعدّ ولا يعتذر ولا يرجع، بل يتمنى على الله العفو والجنّة، مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار، فإذا قيل له: ارجع واستغفر، إلى متى هذا الانهماك والتّقصير؛ يقول: دعني، عفو الله واسع، وهو الغفور الرّحيم، ورحمته وسعت كل شيء!! وما درى هذا المسكين أنّ التّوغّل في المعاصي دليل على استدراج الله تعالى له، فالّذي ينبغي له أن يعدّ نفسه مقصّرا مستحقّا للهلاك والدّمار، لا أنّه يعد نفسه بالمغفرة والكرم، ويقول: فضل الله واسع! فإنّ ذلك تمنّ، فالشّارع أو عده بالعذاب، فكيف يعد نفسه بالمغفرة!؟
وإنّما ينبغي له الوعد بالمغفرة بعد أن يتوب، فيقول: لعلّ الله يقبل توبتي ويغفر لي، لأنّ هذا حينئذ من الترجّي، لا من التّمنّي! لأخذه في الأسباب، وسقط في رواية لفظ: «الأماني» ، وأصل الأمنية: ما يقدّره الإنسان في نفسه من منى إذا قدّر، ولذلك يطلق على الكذب، وعلى ما يتمنّى.
قال الحسن: إنّ قوما ألهتهم الأماني حتّى خرجوا من الدّنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إنّي أحسن الظّنّ بربّي. وكذب؛ لو أحس الظّنّ لأحسن العمل!! وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) [فصلت] .
وقال سعيد بن جبير: الغرّة بالله: أن يتمادى الرّجل في المعصية، ويتمنّى على الله المغفرة.
قال العسكري: وفيه: ردّ على المرجئة وإثبات الوعيد. انتهى. وفيه: ذمّ
стр. 1809
.........
التّمنّي. وأمّا الرّجاء!! فمحمود؛ لأنّ التّمنّي يصاحب الكسل، بخلاف الرّجاء!! فتعليق القلب بمحبوب يحصل حالا:
إنّ الرّجاء ما يقارن العمل ... وعند فقده تمنّ وكسل
انتهى من شروح «الجامع الصغير» وغيرها.
والحديث رواه الإمام أحمد، والتّرمذي، وابن ماجه؛ كلاهما في «الزّهد» ؛ والحاكم في «المستدرك» في «كتاب الإيمان» ، والعسكري، والقضاعي؛ من حديث أبي بكر بن أبي مريم الغسّاني، عن ضمرة بن حبيب، عن شدّاد بن أوس؛ وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. قال الذّهبي: لا والله! أبو بكر واه.
قال ابن طاهر: مدار الحديث على ابن أبي مريم، وهو ضعيف جدّا. انتهى.
لكن له شاهد عند البيهقي في «الشّعب» بإسناد فيه ضعف؛ عن أنس رفعه:
«الكيّس من عمل لما بعد الموت، والعاري: العاري من الدّين، اللهمّ؛ لا عيش إلّا عيش الآخرة» . انتهى «زرقاني» .
стр. 1810
[ (حرف اللّام) ]
(حرف اللّام) ١٨٤- «لدوا للموت، وابنوا للخراب» .
(حرف اللّام) ١٨٤- ( «لدوا) ؛ أي: توالدوا (للموت، وابنوا للخراب» ) - اللّام لام العاقبة، فهو تسمية للشّيء باسم عاقبته- ونبّه بذلك على أنّه لا ينبغي للمرء أن يا بني من المساكن إلّا ما تندفع به الضّرورة؛ وهو ما يقي الحرّ والبرد، ويدفع الأعين والأيدي؛ وكذا لا يجمع من المال إلّا قدر الحاجة، وما عدا ذلك! فهو مضادّ للدين مفسد له، وقد اتّخذ نوح بيتا من قصب؛ فقيل له: لو بنيت!! فقال: هذا كثير لمن يموت.
وقال الحسن: دخلنا على صفوان بن محرز، وهو في بيت من قصب قد مال عليه فقلنا: لو أصلحته. فقال: كم من رجل مات وهذا قائم على حاله؟!.
وأنشد البيهقي بسنده إلى ثابت البربري من أبيات له:
وللموت تغدو الوالدات يخالها ... كما لخراب الدّور تبنى المساكن
ولغيره:
له ملك ينادي كلّ يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب
وأنشد ابن حجر رحمه الله تعالى:
بني الدّنيا أقلّوا الهمّ فيها ... فما فيها يؤول إلى الفوات
بناء للخراب وجمع مال ... ليفنى والتّوالد للممات
والحديث ذكره العجلوني في «كشف الخفاء» ؛ وقال: رواه البيهقي في «الشّعب» ؛ عن أبي هريرة والزبير مرفوعا بلفظ:
«إنّ ملكا بباب من أبواب السّماء» فذكر حديثا فيه: «وإنّ ملكا بباب آخر يقول: يا أيّها النّاس؛ هلمّوا إلى ربّكم، فإنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى،
стр. 1811
١٨٥- «لست من الباطل، ولا الباطل منّي» .
١٨٦- «ليس الخبر.. كالمعاينة» .
وإنّ ملكا بباب آخر ينادي: يا بني آدم؛ لدوا للموت وابنوا للخراب» .
ورواه البيهقي أيضا عن أبي حكيم مولى الزّبير رفعه: «ما من صباح يصبح على العباد إلّا وصارخ يصرخ: لدوا للموت، واجمعوا للفناء، وابنوا للخراب» . وفي سنده ضعيفان، وأبو حكيم مجهول.
ورواه أبو نعيم؛ عن أبي ذرّ موقوفا منقطعا أنّه قال: تلدون للموت وتبنون للخراب، وتؤثرون ما يفنى؛ وتتركون ما يبقى!!
وأخرج أحمد في «الزّهد» عن عبد الواحد بن زيد أنّه قال: قال عيسى ابن مريم: يا بني آدم؛ لدوا للموت وابنو للخراب، تفنى نفوسكم وتبلى دياركم!! انتهى، كله من (المناوي) و «الكشف» للعجلوني رحمهما الله تعالى.
١٨٥- ( «لست من الباطل) ؛ أي: من أهله (ولا الباطل منّي» ) ؛ أي: من طريقتي، ولا من طريقة من اتّبعني، وإنّما لم يقل؛ «ولا هو مني» !! لأنّ الصّريح آكد وأبلغ، ولا يناقضه أنّه كان يمزح!! لأنّه كان لا يقول في مزاحه إلّا حقا.
والحديث أخرجه الطّبراني، والبزّار، وابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، وفيه يحيى بن محمد بن قيس المدني المؤذّن، قال في «الميزان» : ضعفه ابن معين وغيره؛ لكن ليس بمتروك، وساق له أخبارا هذا منها، وقال الهيثمي: إنّ يحيى المذكور قد وثّق، لكن ذكر هذا الحديث من منكراته. قال الذهبي: لكن تابعه عليه غيره. انتهى مناوي على «الجامع» .
١٨٦- ( «ليس الخبر كالمعاينة» ) ؛ وفي رواية: «كالعيان» - بكسر العين- ومعناهما واحد؛ أي: المشاهدة، لأنّها تحصل العلم القطعيّ، وقد جعل الله لعباده آذانا واعية وأبصارا ناظرة، ولم يجعل الخبر في القوة كالنّظر بالعيان. وكما جعل في الرّأس سمعا وبصرا جعل في القلب ذلك!! فما رآه الإنسان ببصره قوي
стр. 1812
.........
علمه به، وما أدركه ببصر قلبه كان أقوى عنده.
والحديث أخرجه الإمام أحمد ابن حنبل، وأحمد بن منيع، والطّبراني، والعسكري؛ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بزيادة:
«إنّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت» .
ورواه أحمد، وابن طاهر، والبغويّ، والدّارقطني، والطّبراني في «الأوسط» ، وابن حبّان، والعسكري أيضا؛ عن ابن عباس مختصرا بدون الزّيادة، وصحّح الحديث ابن حبّان، والحاكم، والضّياء.
قال العسكري: أراد ﷺ أنّه لا يهجم على قلب المخبر من الهلع بالأمر والاستفظاع له مثل ما يهجم على قلب المعاين، قال: وطعن بعض الملحدين في حديث موسى فقال: لم يصدّق بما أخبره به ربّه. وردّ بأنّه ليس في هذا ما يدلّ على أنّه لم يصدق، أو شكّ فيما أخبره به، ولكن للعيان روعة هي أنكى للقلب وأبعث لهلعه من المسموع. قال: ومن هذا قول إبراهيم ﵊ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [٢٦٠/ البقرة] . لأنّ للمشاهدة والمعاينة حالا ليست لغيره.
ولله درّ من قال:
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الخليل
وقال غيره: كان خبر الله ثابتا عند موسى، وخبره كلامه، وكلامه صفته، فعرف فتنة قومه بصفة الله، لكن صفة البشريّة لا تظهر عند صفة الله لعجز البشريّة وضعفها؛ فتمسّك موسى بما في يده ولم يلقه، فلمّا عاين قومه عاكفين على العجل عابدين له؛ عاتبهم بصفة نفسه الّتي هي نظره ببصره، ورؤيته بعينه، فلم يتمالك أن طرح الألواح من شدّة الغضب وفرط الضّجر؛ حميّة للدّين.
روي أنّها كانت سبعة، فانكسرت ستّة كان فيها تفصيل كلّ شيء، وبقي السّابع فيه المواعظ والأحكام. انتهى من «الزرقاني والمناوي وكشف الخفاء» رحمهم الله تعالى.
стр. 1813
.........
وهذا آخر ما أردنا تبييضه من الجزء الثّالث من كتاب (منتهى السّول» شرح كتاب «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ » ) تأليف العبد الفقير إلى الله ؛ عبد الله بن سعيد بن محمد بن عبادي، اللحجي، الحضرمي، الشحّاري، المكيّ، المدرّس بالمدرسة الصّولتية، وبالمسجد الحرام بمكّة المكرمة، رحمه الله تعالى رحمة الأبرار، وختم له بخاتمة السّعادة، ورزقه الحسنى وزيادة، بمنّه وكرمه. آمين.
حرر في ليلة الجمعة الموافق الثّالث من شهر ذي الحجّة الحرام سنة ١٣٩٨ هـ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1814
فهرسة الجزء الثالث من كتاب منتهى السول شرح شمائل الرسول ﷺ
الموضوع الصحيفة
الباب السادس: في صفة عبادة رسول الله ﷺ فيه ثلاثة فصول ٥
الفصل الأول: في صفة عبادة رسول الله ﷺ ٦
الفصل الثاني: في صفة صومه ﷺ ٧٣
الفصل الثالث: في صفة قراءته ﷺ ١٠٤
الباب السابع: في أخبار شتى من أحوال رسول الله ﷺ ... الخ وفيه ثلاثة فصول ١٢٦
الفصل الأول: في أخبار شتى من أحوال رسول الله ﷺ ١٢٨
الفصل الثاني: في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ ... الخ ١٨٤
الفصل الثالث: في ثلاثمائة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ ٢٤٦
حرف الهمزة ٢٥١
حرف الباء ٣٧٠
حرف التاء ٣٧٨
حرف الثاء ٣٨٥
حرف الجيم ٣٩١
حرف الحاء ٣٩٦
حرف الخاء ٤٠٦
حرف الدال ٤١٣
حرف الذال ٤٢٣
حرف الراء ٤٢٨
حرف الزاي ٤٣٣
حرف السين ٤٣٥
стр. 1815
الموضوع الصحيفة حرف الشين ٤٣٨
حرف الصاد ٤٣٩
حرف الضاد ٤٤٣
حرف الطاء ٤٤٤
حرف الظاء ٤٤٧
حرف العين ٤٤٨
حرف الغين ٤٥٦
حرف الفاء ٤٥٧
حرف القاف ٤٥٩
حرف الكاف ٤٦٦
حرف اللام ٤٨٣
стр. 1816
الجزء الرابع
[تتمة الباب السابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه الإعانة
[ (حرف الميم) ]
(حرف الميم) ١٨٧- «ماء زمزم.. لما شرب له» .
(حرف الميم) ١٨٧- ( «ماء زمزم) بمنع الصرف؛ للعلميّة والتّأنيث، وهو سيّد المياه وأشرفها، وأجلّها قدرا، وأحبّها إلى النفوس. ولها أسماء كثيرة «زمزم» ، و «مكتومة» ، و «مضنونة» ، و «شبّاعة» ، و «سقيا الدواء» ، و «ركضة جبريل» ، و «هزمة جبريل» ، و «شفاء سقم» ، و «طعام طعم» ، و «سقيا إسماعيل» ، و «حفيرة عبد المطّلب» ؛ ذكره في «شرح القاموس» . قال:
وقد جمعت أسماءها في نبذة لطيفة فجاءت على ما ينيّف على ستّين اسما ممّا استخرجتها من كتب الحديث واللّغة.
(لما شرب له» ) ، فإن شربته تستشفي شفاك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وإن شربته لظمإ أرواك الله، لأنّه سقيا الله وغياثه لولد خليله، فبقي غياثا لمن بعده، فمن شربه بإخلاص وجد ذلك الغوث» .
قال الحكيم الترمذي: هذا جار للعباد على مقاصدهم وصدقهم في تلك المقاصد والنيّات، لأن الموحّد إذا رابه أمر فشأنه الفزع إلى ربّه، فإذا فزع إليه واستغاث به؛ وجد غياثا، وإنّما يناله العبد على قدر نيّته.
قال سفيان الثّوري: إنّما كانت الرّقى والدّعاء بالنية!! لأن النية تبلغ بالعبد عناصر الأشياء، والنيّات على قدر طهارة القلوب وسعيها إلى ربّها؛ وعلى قدر
стр. 1817
.........
العقل والمعرفة يقدر القلب على الطيران إلى الله تعالى، فالشارب لزمزم على ذلك.
وهو أفضل المياه بعد الماء النابع من بين أصابعه ﷺ .
وقد نظم ذلك بعضهم؛ فقال:
وأفضل المياه ماء قد نبع ... أي من أصابع النّبيّ المتّبع
يليه ماء زمزم فالكوثر ... فنيل مصر ثمّ باقي الأنهر
قال الإمام النووي في «الإيضاح» : يستحبّ الشّرب من ماء زمزم والإكثار منه. ثبت في «صحيح مسلم» ؛ عن أبي ذر ﵁: أنّ النّبي ﷺ قال في ماء زمزم: «إنّها مباركة وإنّها طعام طعم» . وروّينا عن جابر ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له» وقد شرب جماعة من العلماء ماء زمزم لمطالب لهم جليلة فنالوها. انتهى.
وقد شربه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ليكون في الحديث مثل الحافظ الذّهبي فنال ذلك وأعلى من مرتبة الذّهبيّ، وشربه الحافظ السيوطيّ لأمور؛ منها أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدّين البلقينيّ، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني فنال رتبة عالية، ونقل عنه أنّه ادّعى الاجتهاد المطلق، وقال: ما جاء بعد السبكيّ مثلي.
وأعلى المطالب التي يشرب لأجلها ماء زمزم الموت على الإسلام، ورؤية الله تعالى في دار السّلام.
ويطلب عند شربها أن يقال ما كان يقول ابن عبّاس ﵄: اللهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كلّ داء.
قال الإمام النوويّ في «الإيضاح» : فيستحبّ لمن أراد الشرب للمغفرة؛ أو الشّفاء من مرض ونحوه أن يستقبل القبلة، ثمّ يذكر اسم الله تعالى، ثمّ يقول:
стр. 1818
.........
اللهمّ؛ إنّه بلغني أنّ رسولك محمدا ﷺ قال «ماء زمزم لما شرب له» .
اللهمّ؛ وإنّي أشربه لتغفر لي، اللهمّ؛ فاغفر لي؛ أو اللهمّ؛ إنّي أشربه مستشفيا به من مرضي، اللهمّ فاشفني ... ونحو هذا.
ويستحبّ أن يتنفّس ثلاثا، ويتضلّع منه؛ أي: يمتلئ، فإذا فرغ حمد الله تعالى. انتهى. وكان بعضهم يقول: إنّي أشربه لظمأ يوم القيامة.
وفي «المقاصد الحسنة» للحافظ السخاوي- ومثله في «كشف الخفا» للعجلوني-: يذكر على بعض الألسنة أنّ فضيلة ماء زمزم ما دام في محلّه، فإذا نقل تغيّر وهو شيء لا أصل له. فقد كتب النبيّ ﷺ إلى سهيل بن عمرو: «إن جاءك كتابي ليلا، فلا تصبحنّ، أو نهارا؛ فلا تمسينّ، حتّى تبعث إليّ بماء زمزم» .
وفيه أنّه بعث له بمزادتين، وكان بالمدينة قبل أن تفتح مكّة؛ وهو حديث حسن لشواهده، وكذا كانت عائشة ﵂ تحمله وتخبر: أنّه ﷺ كان يفعله ويحمله في الأداوي والقرب فيصبّ منه على المرضى ويسقيهم، وكان ابن عبّاس إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم. وسئل عطاء عن حمله؛ فقال: حمله النبي ﷺ ، والحسن والحسين. انتهى.
وهذا الحديث أعني حديث «ماء زمزم لما شرب له» ؛ قال المناوي: فيه خلاف طويل وتأليفات مفردة. قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: والحقّ أنّه حسن، وجزم البعض بصحّته والبعض بوضعه!! مجازفة. انتهى.
وفي «الحاوي» للسيوطي؛ في «الفتاوى الحديثية» : حديث «ماء زمزم لما شرب له» ؛ أخرجه ابن ماجه في «سننه» ؛ من حديث جابر بإسناد جيد، ورواه الخطيب في «تاريخ بغداد» بإسناد قال فيه الحافظ شرف الدّين الدّمياطيّ: إنّه على رسم الصحيح.
وقد ألّف الحافظ ابن حجر جزآ في حديث «ماء زمزم لما شرب له» وتكلم
стр. 1819
١٨٨- «ما آمن بالقرآن.. من استحلّ محارمه» .
عليه في تخريج أحاديث الأذكار النوويّة فاستوعب.
وحاصل ما ذكره أنّه مختلف فيه، فضعّفه جماعة وصحّحه آخرون؛ منهم الحافظ المنذريّ في «الترغيب» والحافظ الدّمياطيّ قال: والصّواب أنّه حسن لشواهده.
ثمّ أورده من طرق من حديث جابر وابن عباس وغيرهما، قال: وحديث جابر مخرج في «مسند أحمد» و «مسند أبي بكر بن أبي شيبة» و «مصنفه» ، و «سنن ابن ماجه» ، و «سنن البيهقي» ، و «شعب الإيمان» له، وحديث ابن عباس «في سنن الدارقطني» و «مستدرك» الحاكم، وأخرجه البيهقيّ أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا؛ لكنّ سنده مقلوب، وورد هذا اللّفظ أيضا عن معاوية، موقوفا بسند حسن لا علّة له.
وله شواهد أخر مرفوعة وموقوفة، تركتها خشية الإطالة. انتهى.
وقال في «شرح الأذكار» : وقد كثر في كلام الحفاظ الاختلاف في مرتبة هذا الحديث. وقد ألّفت فيه جزآ أسميته «النّهج الأقوم في الكلام على حديث ماء زمزم» وأودعته كتاب «درر القلائد؛ فيما يتعلّق بزمزم والسقاية من الفوائد» ، وحاصل ما فيه تصحيح الحديث، والله أعلم. انتهى.
غريبة: في «تاريخ المدينة الشريفة» للعلامة السيّد السّمهودي: إنّ بالمدينة المنورة بئرا تعرف بزمزم- لم يزل أهلها يتبرّكون بها، قديما وحديثا، وينقل ماؤها للآفاق كزمزم. من المناوي على «الجامع الصغير» . انتهى.
١٨٨- ( «ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه» ) أي: فهو كافر؛ لاستحلاله الحري ي ي ام المنصوص عليه في القرآن وخصّ القرآن لعظمه؛ وإلّا فمن استحلّ المجمع على تحريمه المعلوم ضرورة كافر أيضا؛ كذا قاله الحفني.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز التّرمذيّ عن صهيب
стр. 1820
١٨٩- «ما أعطي عبد شيئا.. شرّا من طلاقة في لسانه» .
١٩٠- «ما تشاور قوم.. إلّا هدوا» .
وقال: ليس إسناده قويّا. وقال البغويّ حديث ضعيف. انتهى. مناوي على «الجامع» .
١٨٩- ( «ما أعطي عبد شيئا شرّا من طلاقة في لسانه» ) بالخصام في الباص؛ بحيث يكون ماهرا؛ يزيّن بشقشقته الباطل بصورة الحق. والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا برمز الدّيلميّ في «الفردوس» .
١٩٠- ( «ما تشاور قوم) قال العامريّ في «شرح الشهاب» : حقيقة المشاورة: استخراج صواب رأيه، واشتقاق الكلمة من قولهم «شوّر العس» استخلصه من موضعه، وصفّاه من الشمع (إلّا هدوا» ) إلى الصواب، وتكلّلوا بالنجّاح في أمورهم.
وفيه إلماح بطلب الإستشارة المأمور بها في قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [١٥٩/ آل عمران] وقيل: المشاورة حصن من النّدامة وأمن وسلامة، ونعم الموازرة المشاورة، وفي بعض الآثار: «نقّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة» . وقال الحكماء: من كمال عقلك استظهارك على عقلك.
وقالوا: إذا أشكلت عليك الأمور وتغيّر لك الجمهور؛ فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة الفضلاء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد.
وقال بعض العارفين: الاستشارة بمنزلة تنبيه النّائم، أو الغافل؛ فإنّه يكون جازما بشيء يعتقد أنّه صواب وهو بخلافه. وقال بعضهم:
إذا عزّ أمر فاستشر فيه صاحبا ... وإن كنت ذا رأي تشير على الصّحب
فإنّي رأيت العين تجهل نفسها ... وتدرك ما قد حلّ في موضع الشّهب
стр. 1821
١٩١- «ما جمع شيء إلى شيء.. أحسن من حلم إلى علم» .
وقال الأرّجاني:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوما؛ وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تبصر منها ما نأى ودنا ... ولا ترى نفسها إلّا بمرآة
تنبيه: قال بعضهم: لا يستشار المحبّ؛ لغلبة هوى محبوبه عليه، ولا المرأة، ولا المتجردّ عن الدّنيا في شيء من أمورها، لعدم معرفته بذلك، ولا المنهمك على حبّ الدّنيا، لأنّ استيلاءها عليه يظلم قلبه فيفسد رأيه، ولا البخيل، ولا المعجب برأيه.
فائدة: أخرج الشافعي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى ﷺ ، أما إنّ الله ورسوله ليغنيان عنها، لكن «جعلها الله رحمة لأمّتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيّا» . قال ابن حجر: غريب. انتهى «فيض القدير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطبري.
١٩١- ( «ما جمع شيء إلى شيء أحسن) بالرفع، صفة ل «شيء» الأول، والجر صفة ل «شيء» الثاني. انتهى؛ «حفني» . وفي رواية «أفضل (من حلم) باللام (إلى علم» ) إذ باجتماعهما تحصل الكمالات، والنّجاة من الوقوع في المهلكات، وذلك لأنّ الحلم سعة الأخلاق، وإذا كان هناك علم؛ ولم يكن هناك حلم ساء خلقه وتكبّر بعلمه، لأنّ للعلم حلاوة، ولكل حلاوة شرة، فإذا ضاقت أخلاقه لم ينتفع بعلمه. انتهى «عزيزي» .
والحديث ذكره في «الجامع» ورمز له برمز الطبراني؛ في «الأوسط» عن علي أمير المؤمنين. وأخرجه العسكري في «الأمثال» ؛ عن علي بزيادة: «وأفضل الإيمان؛ التّحبّب إلى النّاس» .
«ثلاث من لم تكن فيه فليس منّي ولا من الله: حلم يردّ به جهل الجاهل،
стр. 1822
١٩٢- «ما خاب.. من استخار، ولا ندم.. من استشار، ولا عال.. من اقتصد» .
١٩٣- «ما رآه المسلمون حسنا.. فهو حسن عند الله» .
وحسن خلق يعيش به في النّاس، وورع يحجزه عن معاصي الله» .
وعند العسكريّ أيضا؛ من حديث جابر مرفوعا: «ما أوتي شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان إلى حلم» .
ولأبي الشيخ؛ عن أبي أمامة مرفوعا: «ما أضيف شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم» . وأخرجه ابن السني أيضا. انتهى. «كشف الخفا» ، ونحوه في «المواهب» مع الزرقاني.
١٩٢- ( «ما خاب من استخار) الله تعالى؛ أي: دعا وطلب من الله تعالى خير الأمرين المباحين؛ أو المندوبين.
أما الواجب! فلا كلام فيه. والأولى أن يكون بعد صلاة ركعتين؛ قاله الحفني.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول «اللهمّ خر لي واختر لي» . وشمل العموم العظيم والحقير، فربّ حقير يترتّب عليه أمر عظيم (ولا ندم من استشار) غيره ممّن له تبصّر ونصيحة.
ويستحبّ تقديم الاستشارة على الاستخارة؛ كما في «المدخل» .
(ولا عال من اقتصد» ) أي: ما افتقر من توسّط في النفقة على عياله.
والحديث أخرجه الطبراني في معجمه «الأوسط» و «الصغير» ، وكذا القضاعيّ؛ كلّهم عن أنس رضي الله تعالى عنه رفعه بإسناد ضعيف جدا؛ كما في الزّرقاني والمناوي وغيرهما.
١٩٣- ( «ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله» ) أخرجه الإمام أحمد في
стр. 1823
١٩٤- «ما ضاق مجلس بمتحابّين» .
كتاب «السنة» - وليس في «مسنده» ؛ كما توهّمه بعضهم- عن ابن مسعود بلفظ:
«إنّ الله نظر في قلوب العباد فاختار محمّدا ﷺ فبعثه برسالته، ثمّ نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه؛ فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح» . وهو موقوف حسن.
وأخرجه البزّار، والطّيالسيّ، والطّبرانيّ، وأبو نعيم، والبيهقي في «الاعتقاد» ؛ عن ابن مسعود أيضا. انتهى «كشف الخفا» .
قال العلائيّ: ولم أجده مرفوعا في شيء من كتب الحديث أصلا؛ ولا بسند ضعيف بعد طول البحث، انتهى «شرح قواعد الفقه» .
١٩٤- ( «ما ضاق مجلس بمتحابّين» ) بالتثنية؛ أي: لأنّ المحبة تقتضي عدم ضيق الصّدر لما يوجب من السّرور باجتماع الأحباب، ولذا قيل:
رحب الفلاة مع الأعداء ضيّقة ... سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
قال الحفني: وقد دخل الأصمعي على الخليل بن أحمد، وهو جالس على حصير ضيق فقال له: اجلس. فقال: أضيّق عليك. فقال له: مه، الدّنيا تضيق بمتباغضين وما ضاق مجلس بمتحابّين. ومما يعزى لإمامنا الشافعي ﵁:
من لم يكن بين إخوان يسرّ بهم ... فإنّ أوقاته نقص وخسران
وأطيب الأرض ما للنّفس فيه هوى ... سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
وأخبث الأرض ما للنّفس فيه أذى ... خضر الجنان مع الأعداء نيران
لكن ينبغي إذا كان في المجلس سعة أن يكون بين كل اثنين ثلثا ذراع، لأنّه الأدب. انتهى.
أمّا في الشّتاء، أو الصلاة، أو الجهاد!! فينبغي الالتصاق.
стр. 1824
١٩٥- «ما قلّ وكفى.. خير ممّا كثر وألهى» .
١٩٦- «ما كان الرّفق في شيء.. إلّا زانه» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الخطيب عن أنس بن مالك مرفوعا، ورواه عنه الدّيلمي بلا سند مرفوعا.
وأخرجه البيهقي في «الشعب» من قول ذي النون بلفظ: ما بعد طريق أدّى إلى صديق، ولا ضاق مكان من حبيب. انتهى «كشف» .
١٩٥- ( «ما قلّ وكفى) - من الدّنيا- (خير ممّا كثر) - منها- (وألهى» ) عن طاعة الله تعالى، وهذا من طرق الاقتصاد المحمود الممدوح، فينبغي للمرء أن يقلّل أسباب الدّنيا ما أمكن؛ فإنّ قليلها يلهي عن كثير من الآخرة، فالكثير يلهي القلب عن الرّبّ وعن الآخرة بما يحدث له؛ من الكبر والطّغيان على الحق كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) [العلق] .
قال بعضهم: خذ من الدّنيا ما شئت؛ وخذ من الهمّ أضعافه. وسمّى الدّنيا لهوا؛ لأنها تلهي القلب عن كل خير، وتلهو بكل شرّ. انتهى «مناوي» .
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» وقال: رواه أبو يعلى، والضياء المقدسي في «المختارة» ، والعسكريّ في «الأمثال» ؛ كلهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
سمعت رسول الله ﷺ وهو على الأعواد يقول ذلك.
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير صدقة بن الرّبيع؛ وهو ثقة، وهو قطعة من حديث: «أمّا بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كتاب الله» الحديث. انتهى «كشف ومناوي» .
١٩٦- ( «ما كان الرّفق) - أي: اللّطف- (في شيء إلّا زانه) ؛ لأنّ به تسهل الأمور ويأتلف ما تنافر، وهو مؤلّف الجماعات، وجامع الطّاعات؛ ومنه أخذ أنّه ينبغي للعالم إذا رأى من يخلّ بواجب، أو يفعل محرّما أن يترفق في
стр. 1825
١٩٧- «ما كان الفحش في شيء.. إلّا شانه» .
إرشاده، ويتلطّف به؛ ولذا لمّا جاء شابّ إليه ﷺ وقال: ائذن لّي في الزّنا! فدعاه ﷺ إلى الجلوس بقربه، وقال له: «أتحبّ أن يزنى بأمّك!» فقال: لا.
فقال: «بابنتك!» فقال: لا. وهكذا عدّد عليه في عمّته، وخالته، وهو يقول:
لا. فقال: «إذن لا تفعل ما تكره أن يفعل بأقاربك» . فترك الزنا، ولم يخطر بباله من ذلك الوقت، وسببه رفقه ﷺ به انتهى. «حفني»
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «ما كان الرّفق في شيء إلّا زانه، ولا نزع من شيء إلّا شانه» وقال: أخرجه عبد بن حميد، والضّياء المقدسيّ في «المختارة» ؛ عن أنس بن مالك.
وهو في مسلم بلفظ: «وما كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه» وبقية المتن بحاله.
ورواه البزّار عن أنس أيضا بلفظ: «ما كان الرّفق في شيء قطّ إلّا زانه، وما كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه، وإنّ الله رفيق يحبّ الرّفق» . قال المنذري:
إسناده ليّن. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال في «الكشف» : رواه ابن حبّان عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أي:
باللفظ الذي في «الجامع الصغير» .
١٩٧- ( «ما كان الفحش) أي: قبح اللّسان، وتكلّمه بما لا يليق (في شيء) من حيوان؛ أو حجر، فإن الشيء يشمل الجماد (إلّا شانه» ) أي: عابه، إذ الشّين: العيب، أي: لو فرض ذلك في حجر لكان معيبا فكيف بالإنسان!!
وأشار بهذا إلى أنّ الأخلاق الرّذلة مفتاح كلّ شر، بل هي الشرّ كلّه.
قال ابن جماعة: وقد بلي بعض أصحاب النّفوس الخبيثة؛ من فقهاء الزّمان بالفحش، والحسد، والعجب، والرياء، وعدم الحياء. انتهى.
وأقول: ليت ابن جماعة عاش إلى الآن؛ حتى رأى علماء هذا الزمان!! انتهى مناوي على «الجامع» .
следующие страницы →