Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
١٩١- «ما جمع شيء إلى شيء.. أحسن من حلم إلى علم» .
وقال الأرّجاني:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوما؛ وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تبصر منها ما نأى ودنا ... ولا ترى نفسها إلّا بمرآة
تنبيه: قال بعضهم: لا يستشار المحبّ؛ لغلبة هوى محبوبه عليه، ولا المرأة، ولا المتجردّ عن الدّنيا في شيء من أمورها، لعدم معرفته بذلك، ولا المنهمك على حبّ الدّنيا، لأنّ استيلاءها عليه يظلم قلبه فيفسد رأيه، ولا البخيل، ولا المعجب برأيه.
فائدة: أخرج الشافعي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من المصطفى ﷺ ، أما إنّ الله ورسوله ليغنيان عنها، لكن «جعلها الله رحمة لأمّتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيّا» . قال ابن حجر: غريب. انتهى «فيض القدير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطبري.
١٩١- ( «ما جمع شيء إلى شيء أحسن) بالرفع، صفة ل «شيء» الأول، والجر صفة ل «شيء» الثاني. انتهى؛ «حفني» . وفي رواية «أفضل (من حلم) باللام (إلى علم» ) إذ باجتماعهما تحصل الكمالات، والنّجاة من الوقوع في المهلكات، وذلك لأنّ الحلم سعة الأخلاق، وإذا كان هناك علم؛ ولم يكن هناك حلم ساء خلقه وتكبّر بعلمه، لأنّ للعلم حلاوة، ولكل حلاوة شرة، فإذا ضاقت أخلاقه لم ينتفع بعلمه. انتهى «عزيزي» .
والحديث ذكره في «الجامع» ورمز له برمز الطبراني؛ في «الأوسط» عن علي أمير المؤمنين. وأخرجه العسكري في «الأمثال» ؛ عن علي بزيادة: «وأفضل الإيمان؛ التّحبّب إلى النّاس» .
«ثلاث من لم تكن فيه فليس منّي ولا من الله: حلم يردّ به جهل الجاهل،
стр. 1822
١٩٢- «ما خاب.. من استخار، ولا ندم.. من استشار، ولا عال.. من اقتصد» .
١٩٣- «ما رآه المسلمون حسنا.. فهو حسن عند الله» .
وحسن خلق يعيش به في النّاس، وورع يحجزه عن معاصي الله» .
وعند العسكريّ أيضا؛ من حديث جابر مرفوعا: «ما أوتي شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان إلى حلم» .
ولأبي الشيخ؛ عن أبي أمامة مرفوعا: «ما أضيف شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم» . وأخرجه ابن السني أيضا. انتهى. «كشف الخفا» ، ونحوه في «المواهب» مع الزرقاني.
١٩٢- ( «ما خاب من استخار) الله تعالى؛ أي: دعا وطلب من الله تعالى خير الأمرين المباحين؛ أو المندوبين.
أما الواجب! فلا كلام فيه. والأولى أن يكون بعد صلاة ركعتين؛ قاله الحفني.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول «اللهمّ خر لي واختر لي» . وشمل العموم العظيم والحقير، فربّ حقير يترتّب عليه أمر عظيم (ولا ندم من استشار) غيره ممّن له تبصّر ونصيحة.
ويستحبّ تقديم الاستشارة على الاستخارة؛ كما في «المدخل» .
(ولا عال من اقتصد» ) أي: ما افتقر من توسّط في النفقة على عياله.
والحديث أخرجه الطبراني في معجمه «الأوسط» و «الصغير» ، وكذا القضاعيّ؛ كلّهم عن أنس رضي الله تعالى عنه رفعه بإسناد ضعيف جدا؛ كما في الزّرقاني والمناوي وغيرهما.
١٩٣- ( «ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله» ) أخرجه الإمام أحمد في
стр. 1823
١٩٤- «ما ضاق مجلس بمتحابّين» .
كتاب «السنة» - وليس في «مسنده» ؛ كما توهّمه بعضهم- عن ابن مسعود بلفظ:
«إنّ الله نظر في قلوب العباد فاختار محمّدا ﷺ فبعثه برسالته، ثمّ نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه؛ فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح» . وهو موقوف حسن.
وأخرجه البزّار، والطّيالسيّ، والطّبرانيّ، وأبو نعيم، والبيهقي في «الاعتقاد» ؛ عن ابن مسعود أيضا. انتهى «كشف الخفا» .
قال العلائيّ: ولم أجده مرفوعا في شيء من كتب الحديث أصلا؛ ولا بسند ضعيف بعد طول البحث، انتهى «شرح قواعد الفقه» .
١٩٤- ( «ما ضاق مجلس بمتحابّين» ) بالتثنية؛ أي: لأنّ المحبة تقتضي عدم ضيق الصّدر لما يوجب من السّرور باجتماع الأحباب، ولذا قيل:
رحب الفلاة مع الأعداء ضيّقة ... سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
قال الحفني: وقد دخل الأصمعي على الخليل بن أحمد، وهو جالس على حصير ضيق فقال له: اجلس. فقال: أضيّق عليك. فقال له: مه، الدّنيا تضيق بمتباغضين وما ضاق مجلس بمتحابّين. ومما يعزى لإمامنا الشافعي ﵁:
من لم يكن بين إخوان يسرّ بهم ... فإنّ أوقاته نقص وخسران
وأطيب الأرض ما للنّفس فيه هوى ... سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
وأخبث الأرض ما للنّفس فيه أذى ... خضر الجنان مع الأعداء نيران
لكن ينبغي إذا كان في المجلس سعة أن يكون بين كل اثنين ثلثا ذراع، لأنّه الأدب. انتهى.
أمّا في الشّتاء، أو الصلاة، أو الجهاد!! فينبغي الالتصاق.
стр. 1824
١٩٥- «ما قلّ وكفى.. خير ممّا كثر وألهى» .
١٩٦- «ما كان الرّفق في شيء.. إلّا زانه» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الخطيب عن أنس بن مالك مرفوعا، ورواه عنه الدّيلمي بلا سند مرفوعا.
وأخرجه البيهقي في «الشعب» من قول ذي النون بلفظ: ما بعد طريق أدّى إلى صديق، ولا ضاق مكان من حبيب. انتهى «كشف» .
١٩٥- ( «ما قلّ وكفى) - من الدّنيا- (خير ممّا كثر) - منها- (وألهى» ) عن طاعة الله تعالى، وهذا من طرق الاقتصاد المحمود الممدوح، فينبغي للمرء أن يقلّل أسباب الدّنيا ما أمكن؛ فإنّ قليلها يلهي عن كثير من الآخرة، فالكثير يلهي القلب عن الرّبّ وعن الآخرة بما يحدث له؛ من الكبر والطّغيان على الحق كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) [العلق] .
قال بعضهم: خذ من الدّنيا ما شئت؛ وخذ من الهمّ أضعافه. وسمّى الدّنيا لهوا؛ لأنها تلهي القلب عن كل خير، وتلهو بكل شرّ. انتهى «مناوي» .
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» وقال: رواه أبو يعلى، والضياء المقدسي في «المختارة» ، والعسكريّ في «الأمثال» ؛ كلهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
سمعت رسول الله ﷺ وهو على الأعواد يقول ذلك.
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير صدقة بن الرّبيع؛ وهو ثقة، وهو قطعة من حديث: «أمّا بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كتاب الله» الحديث. انتهى «كشف ومناوي» .
١٩٦- ( «ما كان الرّفق) - أي: اللّطف- (في شيء إلّا زانه) ؛ لأنّ به تسهل الأمور ويأتلف ما تنافر، وهو مؤلّف الجماعات، وجامع الطّاعات؛ ومنه أخذ أنّه ينبغي للعالم إذا رأى من يخلّ بواجب، أو يفعل محرّما أن يترفق في
стр. 1825
١٩٧- «ما كان الفحش في شيء.. إلّا شانه» .
إرشاده، ويتلطّف به؛ ولذا لمّا جاء شابّ إليه ﷺ وقال: ائذن لّي في الزّنا! فدعاه ﷺ إلى الجلوس بقربه، وقال له: «أتحبّ أن يزنى بأمّك!» فقال: لا.
فقال: «بابنتك!» فقال: لا. وهكذا عدّد عليه في عمّته، وخالته، وهو يقول:
لا. فقال: «إذن لا تفعل ما تكره أن يفعل بأقاربك» . فترك الزنا، ولم يخطر بباله من ذلك الوقت، وسببه رفقه ﷺ به انتهى. «حفني»
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «ما كان الرّفق في شيء إلّا زانه، ولا نزع من شيء إلّا شانه» وقال: أخرجه عبد بن حميد، والضّياء المقدسيّ في «المختارة» ؛ عن أنس بن مالك.
وهو في مسلم بلفظ: «وما كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه» وبقية المتن بحاله.
ورواه البزّار عن أنس أيضا بلفظ: «ما كان الرّفق في شيء قطّ إلّا زانه، وما كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه، وإنّ الله رفيق يحبّ الرّفق» . قال المنذري:
إسناده ليّن. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال في «الكشف» : رواه ابن حبّان عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أي:
باللفظ الذي في «الجامع الصغير» .
١٩٧- ( «ما كان الفحش) أي: قبح اللّسان، وتكلّمه بما لا يليق (في شيء) من حيوان؛ أو حجر، فإن الشيء يشمل الجماد (إلّا شانه» ) أي: عابه، إذ الشّين: العيب، أي: لو فرض ذلك في حجر لكان معيبا فكيف بالإنسان!!
وأشار بهذا إلى أنّ الأخلاق الرّذلة مفتاح كلّ شر، بل هي الشرّ كلّه.
قال ابن جماعة: وقد بلي بعض أصحاب النّفوس الخبيثة؛ من فقهاء الزّمان بالفحش، والحسد، والعجب، والرياء، وعدم الحياء. انتهى.
وأقول: ليت ابن جماعة عاش إلى الآن؛ حتى رأى علماء هذا الزمان!! انتهى مناوي على «الجامع» .
стр. 1826
١٩٨- «ما هلك امرؤ.. عرف قدره» .
١٩٩- «ما هو بمؤمن.. من لا يأمن جاره بوائقه» .
وهذا في زمانهما، فكيف لو رأيا زماننا؟! فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والبخاريّ في «الأدب» ، والترمذي في «البر» ، وابن ماجه؛ كلّهم عن أنس بن مالك: قال التّرمذي: حسن غريب. انتهى مناوي على «الجامع» ، وفي «العزيزي» : إن إسناده صحيح.
١٩٨- ( «ما هلك امرؤ عرف قدره» ) يعني: أنّ من عرف مقدار نفسه، ونزّلها منزلتها؛ نجا في الدّنيا والآخرة من الهلاك، ومن تعدى طوره؛ فتكبّر، ورفع نفسه فوق حدّه؛ هلك. وهو ظاهر.
والحديث ذكره في «الشّفاء» قال السّيوطي: قال السمعاني: رحمه الله تعالى إنّه: حديث روي مسندا عن عليّ كرّم الله وجهه، وفي سنده من لا يعرف حاله.
وقال التّجاني: لا أعرف له سندا صحيحا إلى النّبي ﷺ ! وإنما هو من كلام أكثم بن صيفي في وصيته، فإن ثبت عن النّبي ﷺ فلعله تمثّل به.
وأكثم هذا بالمثلّثة: من بلغاء العرب وعدّه بعضهم في الصّحابة، والأكثر على خلافه.
وفي كتاب «جوامع الكلم وبدائع الحكم» : هو من كلامه ﷺ وذكره مسندا انتهى «شهاب» .
قال القاري: ويقرب منه ما روي عن عليّ أمير المؤمنين ﵁ وكرّم وجهه في الجنّة: ما ضاع امرؤ عرف قدره. لأن الضائع بمنزلة الهالك. انتهى.
١٩٩- ( «ما هو بمؤمن) كامل (من لا يأمن جاره بوائقه» ) أي: شره؛ كما
стр. 1827
٢٠٠- «مت مسلما ولا تبال» .
٢٠١- «المجالس.. بالأمانة» .
جاء مبينا في الحديث؛ في بعض الروايات. يعني: لا يكون المؤمن كامل الإيمان حتى يأمن جاره من إيذائه؛ وذلك لأن إيذاء المسلم كبيرة، فكيف إذا كان جارا!! فإيذاؤه أغلظ إثما، وذلك شامل للجار الذّمّي، فإنه لا يجوز إيذاؤه أيضا؛ وفاء بذمّته، حيث انقاد لأحكام الإسلام.
والحديث ذكره «في كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى.
٢٠٠- ( «مت مسلما ولا تبال» ) هكذا ذكره في «كنوز الحقائق» ؛ مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» . لكن قال في «المقاصد» : لا أعلمه بهذا اللفظ! والأحاديث في «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة» كثيرة، منها ما للشّيخين: البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁، ومنها ما لمسلم عن عثمان بلفظ: «من مات يشهد ألاإله إلا الله دخل الجنّة» . وقال القاري: معناه صحيح، لقوله تعالى وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) [آل عمران] ويناسب هذا قول بعضهم:
كن كيف شئت فإنّ الله ذو كرم ... وما عليك إذا أذنبت من باس
إلّا اثنتين فلا تقربهما أبدا ... الشّرك بالله والإضرار بالنّاس
٢٠١- ( «المجالس) أي: ما يقع فيها قولا وفعلا ملحق (بالأمانة» ) فيجب حفظها فلا يشيع أحد حديث جليسه لأنّه غيبة، أو نميمة.
نعم يجوز؛ بل يجب فيما إذا كان فيه ضرر، كما لو أسرّ لك جليسك أنّه يريد قتل فلان، أو الزّنا بزوجته، أو أخذ ماله مثلا، فيجب عليك إخباره ليحذر منه، كما أشار لذلك في الحديث بقوله «إلّا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» انتهى «حفني» .
قال ابن رسلان: الباء تتعلّق بمحذوف لا بدّ منه ليتمّ به الكلام؛ والتّقدير
стр. 1828
.........
المجالس تحسن، أو حسن المجالس وشرفها بأمانة حاضريها لما يحصل في المجالس، ويقع في الأقوال والأفعال. فكأنّه ﷺ يقول: ليكن صاحب المجلس أمينا لما يسمعه؛ أو يراه، فيحفظه أن ينتقل إلى من غاب عنه؛ انتقالا يحصل به مفسدة.
وفائدة الحديث: النّهي عن النّميمة الّتي ربما تؤدّي إلى القطيعة، انتهى «عزيزي» .
وقال العسكري: أراد ﷺ أنّ الرّجل يجلس إلى القوم فيخوضون في الحديث، ولعلّ فيه ما إن نمي كان فيه ما يكرهون؛ فيأمنونه على أسرارهم!! فيريد: أنّ الأحاديث الّتي تجري بينهم كالأمانة، الّتي لا يجب أن يطلع عليها، فمن أظهرها فهو قتّات، وفي التّنزيل هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) [القلم] . وقال ﷺ : «لا يدخل الجنّة قتّات- أي: نمّام-» وروي مرفوعا، ألا إنّ من الخيانة أن يحدّث الرّجل أخاه بالحديث فيفشيه. انتهى.
ولعبد الرزاق مرفوعا: «إنّما يتجالس المتجالسون بأمانة الله، فلا يحلّ لأحد أن يفشي عن صاحبه ما يكره» . وقال ابن الأثير: هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس؛ من قول أو فعل، فكأنّ ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه، والأمانة تقع على الطّاعة والعبادة والوديعة والثّقة والأمان، وقد جاء في كلّ منها حديث انتهى «شروح الجامع» ، ومن الزرقاني.
والحديث رواه ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
ورواه الديلمي والعسكري والقضاعي والعقيلي والخطيب؛ كلهم عن علي بن أبي طالب ﵁ رفعه.
ورواه أبو داود والعسكري؛ عن جابر بن عبد الله مرفوعا بزيادة: «إلّا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» انتهى.
«زرقاني» وغيره، رحمهم الله تعالى
стр. 1829
٢٠٢- «محرّم الحلال.. كمحلّ الحرام» .
٢٠٣- «المرء.. كثير بأخيه» .
٢٠٤- «مداراة النّاس.. صدقة» .
٢٠٢- ( «محرّم الحلال كمحلّ الحرام» ) في الإثم، فكما يحرم على المكلّف تحريم ما أحلّ الله؛ كذلك يحرم عليه تحليل ما حرّم الله، فإن كان ذلك المحرّم الّذي أحلّه محرّما بالإجماع، معلوما من الدّين بالضرورة؛ كتحليل الزّنا، وشرب الخمر، فتحليله كفر، وكذا الحلال؛ إن كان حلالا مجمعا على حلّه، معلوما من الدّين بالضرورة؛ كالبيع، والنّكاح، فتحريم ذلك كفر، وخروج عن ملّة الإسلام؛ تجب الاستتابة من ذلك، وإلّا! قتل كافرا، ورميت جيفته للكلاب.
هذا إن اعتقد تحليل المحرّم بالإجماع، أو اعتقد تحريم الحلال بالإجماع، وإلّا! فلا. والله أعلم.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.
٢٠٣- ( «المرء) قليل بمفرده (كثير بأخيه» ) في النّسب، أو في الدّين.
قال العسكريّ: أراد أنّ الرّجل؛ وإن كان قليلا في نفسه حين انفراده؛ كثير باجتماعه معه، فهو كخبر: «اثنان فما فوقهما جماعة» انتهى.
وهذا كما ترى ذهاب منه إلى أنّ المراد الأخوّة في الإسلام! نزّله الماوردي على أنّها أخوّة النّسب. ووجهه بأنّ تعاطف الأرحام، وحمية الأقارب؛ يبعثان على التّناصر والألفة، ويمنعان من التّخاذل والفرقة؛ أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقّيا من تسلّط الغرباء الأجانب انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» ؛ وقال: أخرجه ابن أبي الدّنيا أبو بكر القرشيّ في كتاب «الإخوان» ، وكذا العسكريّ؛ كلاهما عن سهل بن سعد الساعديّ، ورواه الديلمي والقضاعي عن أنس، قال شارحه العامريّ: وهو غريب. انتهى «مناوي» .
٢٠٤- ( «مداراة) بغير همزة (النّاس صدقة» ) قال العامريّ: المداراة اللّين
стр. 1830
.........
والتعطّف، ومعناه: أنّ من ابتلي بمخالطة النّاس؛ معاملة ومعاشرة؛ فألان جانبه وتلطّف، ولم ينفّرهم كتب له صدقة.
قال ابن حبّان: المداراة الّتي تكون صدقة للمداري: تخلّقه بأخلاقه المستحسنة مع نحو عشيرته؛ ما لم يشبها بمعصية.
والمداراة محثوث عليها مأمور بها، ومن ثمّ قيل: اتّسعت دار من يداري، وضاقت أسباب من يماري.
وفي «شرح البخاري» : قالوا:
المداراة: الرفق بالجاهل في التّعليم، وبالفاسق بالنّهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه. والمداهنة: معاشرة الفاسق، وإظهار الرضى بما هو فيه.
والأولى مندوبة، والثّانية محرّمة.
وقال حجّة الإسلام: النّاس ثلاثة: أحدهم مثل الغذاء؛ لا يستغنى عنه.
والآخر مثل الدواء؛ يحتاج إليه في وقت دون وقت. والثّالث مثل الداء لا يحتاج إليه، لكنّ العبد قد يبتلى به، وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع، فتجب مداراته إلى الخلاص منه. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز ابن حبّان، والطّبراني في «الكبير» ، والبيهقيّ في «شعب الإيمان» ؛ عن جابر بن عبد الله.
وهو حديث له طرق عديدة، وهذا الطّريق- كما قاله العلائي وغيره-:
أعدلها.
وفيه يوسف بن أسباط الراهب! أورده الذّهبي في «الضّعفاء» !! وقال الهيثمي: فيه عند الطّبراني يوسف بن محمد بن المنكدر متروك، وقال الحافظ في «الفتح» بعد ما عزاه لابن عدي والطّبرانيّ في «الأوسط» : فيه يوسف بن محمّد بن المنكدر ضعّفوه، وقال ابن عدي: لا بأس به. قال الحافظ: وأخرجه
стр. 1831
٢٠٥- «المرء.. مع من أحبّ» .
٢٠٦- «المستشار.. مؤتمن» .
ابن أبي عاصم في «آداب الحكماء» بسند أحسن منه. انتهى «مناوي» .
٢٠٥- ( «المرء مع من أحبّ» ) في الجنّة بحسن نيّته من غير زيادة عمل، لأنّ محبّته لهم لطاعتهم، والمحبّة من أفعال القلوب، فأثيب على ما اعتقده؛ لأن الأصل النيّة والعمل تابع لها، ولا يلزم من المعيّة استواء الدّرجات، بل ترفع الحجب حتّى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكلّ في درجته؛ قاله القسطلّاني.
وهذا الحديث متواتر، قال في «الفتح» : جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب «المحبين مع المحبوبين» ، وبلغ عدد الصّحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم «المرء مع من أحبّ» ،
وفي بعضها بلفظ حديث أنس: «أنت مع من أحببت» . انتهى.
قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث؛ وفي ضمنه حثّ على حبّ الأخيار؛ رجاء اللّحاق بهم في دار القرار، والخلاص من النّار، والقرب من الغفّار، والترغيب في الحبّ في الله، والترهيب من التّباغض بين المسلمين؛ لأن من لازمه فوات هذه المعية؛ وفيه رمز إلى أنّ التّحابب بين الكفار ينتج لهم المعيّة في النّار، وبئس القرار، قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) [إبراهيم] .
والحديث رواه الشيخان في «الأدب» وغيرهما؛ عن أنس وأبي موسى وابن مسعود ﵃ أجمعين.
٢٠٦- ( «المستشار مؤتمن» ) أي: أمين على ما استشير فيه، فمن أفضى إلى أخيه بسرّه وأمّنه على نفسه؛ فقد جعله بمحلّها، فيجب عليه ألايشير عليه، إلّا بما يراه صوابا، فإنّه كالأمانة للرجل الّذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا ثقة.
والسرّ الّذي قد يكون في إذاعته تلف النّفس؛ أولى بأن لا يجعل إلّا عند موثوق
стр. 1832
.........
به، ولذا احتاج المشير والنّاصح إلى كونه أمينا مجرّبا، حازما ناصحا، ثابت الجأش، غير معجب بنفسه، ولا متلوّن في رأيه، ولا كاذب في مقاله، فارغ البال وقت الاستشارة.
ولذا قيل: إنهما يحتاجان إلى علم كبير كثير، فيحتاج أولا إلى علم الشّريعة، وهو العلم المتضمّن لأحوال النّاس، وعلم الزّمان والمكان، وعلم التّرجيح إذا تقابلت هذه الأمور، فقد يكون ما يصلح الزّمان يفسد الحال أو المكان، وهكذا فينظر إلى التّرجيح، فيفعل بحسب الأرجح عنده.
مثاله: أن يضيق الزّمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال، فيشير بأهمهما.
وإذا عرف من حال إنسان بالمخالفة؛ وأنه إذا أرشده لشيء فعل ضدّه! أشار عليه بما لا ينبغي؛ ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمّى علم السّياسة، فإنه يسوس بذلك النّفوس الجموحة الشّاردة عن طريق مصالحها، فلذا يحتاج المشير والنّاصح إلى علم وعقل وفكر صحيح، ورويّة حسنة واعتدال مزاج، وتؤدة وتأنّ. فإن لم يجمع هذه الخصال!؟ فخطؤه أسرع من إصابته؛ فلا يشير ولا ينصح. قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدقّ، ولا أخفى، ولا أعظم من النّصيحة. انتهى «زرقاني» ، ومناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد؛ من حديث ابن مسعود بزيادة: «وهو بالخيار إن شاء تكلّم وإن شاء سكت، فإن تكلّم فليجتهد رأيه» .
وأخرجه أصحاب «السنن الأربعة» ؛ عن أبي هريرة، والتّرمذيّ؛ عن أمّ سلمة، والطّبراني في «الأوسط» و «الكبير» ؛ عن سمرة بزيادة: «إن شاء أشار، وإن شاء لم يشر» .
والقضاعي عن سمرة بلفظ: «المستشار مؤتمن، فإن شاء أشار وإن شاء سكت، فإن أشار فليشر بما لو نزل به لفعله» .
стр. 1833
٢٠٧- «المسلم.. أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه» .
والطّبراني في «الأوسط» ؛ عن علي وزاد: «فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه» .
وللعسكريّ؛ عن عائشة: «المستشير معان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صالح لنفسه» .
وفي الباب جابر بن سمرة، وأبو الهيثم، وابن عباس، وآخرون. قال السّيوطي: وهو متواتر. انتهى «زرقاني» .
وقد تقدّم الكلام على هذا الحديث في الباب الرّابع في صفة أكله ﷺ .
٢٠٧- ( «المسلم) حرا كان؛ أو قنا، بالغا أو صبيّا (أخو المسلم) أي:
يجمعهما دين واحد إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [١٠/ الحجرات] ، فهو كالأخوّة الحقيقية، وهي أن تجمع الشّخصين ولادة من صلب أو رحم؛ أو منهما. بل الأخوّة الدينيّة أعظم من الحقيقيّة، لأنّ ثمرة هذه دنيويّة وثمرة تلك أخرويّة.
(لا يظلمه ولا يسلمه» ) بضم أوله، يقال: «أسلم فلان فلانا» ؛ إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوّه، وهو عامّ في كلّ من أسلم لغيره، لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة؛ أي لا يتركه مع من يؤذيه؛ ولا فيما يؤذيه، بل ينصره، ويدفع عنه، ولا يترك نصرته المشروعة؛ سيما مع الاحتياج، أو الاضطرار إليها، لأن من حقوق أخوّة الإسلام التّناصر.
قال تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [٢/ المائدة] ، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [٧٢/ الأنفال] . وقال ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . فقوله «ظالما» ؛ أي: بأن تكفّه عن ظلمه. وقوله «مظلوما» ؛ أي: بأن تدفع عنه من يظلمه، فخذلانه محرّم شديد التّحريم دنيويّا؛ كأن مثل أن يقدر على دفع عدوّ يريد أن يبطش به ولا يدفعه، أو دينيّا مثل أن يقدر على نصحه عن غيّه، بنحو وعظ فيترك.
стр. 1834
٢٠٨- «المسلم.. من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر.. من هجر ما حرّم الله» .
والحديث أخرجه البخاري في «المظالم والإكراه» ، وأبو داود في «الأدب» ، والتّرمذي في «الحدود» ؛ عن ابن عمر بن الخطاب. وأخرجه مسلم في «الأدب» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال: «لا يخذله» بدل «يسلمه» .
٢٠٨- ( «المسلم) الكامل في الإسلام (من) - أي: إنسان؛ ذكرا كان أو أنثى- أتى بأركان الدّين، و (سلم المسلمون) وغيرهم؛ من أهل الذمّة، فالتّقييد غالبيّ كالتّعبير بجمع المذكّر السّالم (من لسانه ويده) وبقيّة أعضائه؛ بأن لا يتعرّض لهم بما حرم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
وخصّ هذين العضوين! لأن الأذى بهما أغلب.
وقدّم اللّسان! لأكثريّة الأذى به، ولكونه المعبّر عمّا في الضّمير.
وعبّر باللّسان دون القول! ليشمل من أخرج لسانه استهزاء.
وعبّر باليد دون بقيّة الجوارح! ليدخل اليد المعنويّة كالاستيلاء على حقّ الغير ظلما.
فإن قيل: هذا يستلزم أنّ من اتّصف بهذا خاصّة كان كاملا!!
ويجاب بأنّ المراد أتى بذلك مع مراعاة بقيّة أركان الإسلام، فهذا إنّما ورد على سبيل المبالغة؛ تعظيما لترك الإيذاء. كأنّ ترك الإيذاء؛ هو نفس الإسلام الكامل، وكأنّه محصور فيه، على سبيل الادّعاء للمبالغة!!.
قال الخطّابي: أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى حقوق المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثّ على حسن معاملة العبد مع ربّه، لأنّه إذا أحسن معاملة إخوانه، فالأولى أن يحسن معاملة ربّه، من باب التّنبيه بالأدنى على الأعلى. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
(والمهاجر) هجرة كاملة ممدوحة (من هجر) ؛ أي: ترك (ما حرّم الله» ) عليه، أي: ليس المهاجر حقيقة من هاجر من بلاد الكفر، بل من هجر نفسه،
стр. 1835
٢٠٩- «مع كلّ فرحة.. ترحة» .
وأكرهها على الطّاعة، وحمّلها تجنّب المنهيّ، لأن النّفس أشدّ عداوة من الكافر؛ لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير.
فالمجاهد الحقيقيّ من جاهد نفسه، واتبع سنّة نبيّه، واقتفى طريقه؛ في أقواله وأفعاله على اختلاف أحواله بحيث لا يكون له حركة ولا سكون إلّا على السّنّة، وهذه الهجرة العليا لثبوت فضلها على الدوام.
قال العلقمي: الهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة.
فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النّفس الأمّارة بالسّوء والشّيطان.
والظّاهرة: الفرار بالدّين من الفتن.
وكأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتّكلوا على مجرّد التحوّل من دارهم حتّى يمتثلوا أوامر الشّرع ونواهيه.
ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لمّا فتحت مكّة؛ تطييبا لقلوب من لم يدرك ذلك؛ بأنّ حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما حرّم الله!! فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز البخاري في «كتاب الإيمان» لكن بلفظ: «ما نهى الله عنه» ، وأبو داود في «الجهاد» ، والنّسائي في «الإيمان» ، وهذا لفظه؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه، ولم يخرّجه مسلم؛ قاله المناوي على «الجامع» .
٢٠٩- ( «مع كلّ فرحة ترحة» ) في «النهاية» الترح ضد الفرح. انتهى؛ أي: مع كلّ سرور حزن؛ أي: يعقبه. حتّى كأنّه معه؛ أي: جرت عادة الله بذلك؛ لئلا تسكن نفوس العقلاء إلى نعيمها، ولا تعكف قلوب المؤمنين على فرحاتها؛ فيمقتها الله سبحانه عند هجوم ترحاتها، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) [القصص] قال بعضهم:
стр. 1836
٢١٠- «مفتاح الجنّة.. لا إله إلّا الله» .
ثمانية تجري على سائر الورى ... ولا بدّ للمرء يذوق الثّمانيه
ففرح وكره واجتماع وفرقة ... وعسر ويسر ثمّ سقم وعافيه
والحديث ذكره في «الجامع» و «الكنوز» مرموزا له برمز الخطيب في ترجمة أبي بكر الشّيرازي؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وفيه حفص بن غياث، أورده الذّهبي في الضّعفاء، وقال: مجهول. انتهى «مناوي» .
٢١٠- ( «مفتاح الجنّة) أي: مبيح دخولها (لا إله إلّا الله» ) أي؛ وأنّ محمّدا رسول الله، وفيه استعارة لطيفة، لأن الكفر لما منع من دخول الجنّة، شبّه بالغلق المانع من دخول الدّار ونحوها؛ والإتيان بالشّهادة لمّا رفع المانع؛ وكان سبب دخولها شبّه بالمفتاح.
وفي البخاري؛ عن وهب أنّه قيل له: أليس مفتاح الجنّة لا إله إلّا الله قال:
بلى؛ ولكن ليس مفتاح إلّا وله أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلّا! فلا. فجعل الأعمال الصالحة الّتي هي ثمرة الشهادة بمنزلة أسنان المفتاح. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال الشريف الرضي: المراد أنّ هذا القول به يوصل إلى دخول الجنة، فجعله ﵊ بمنزلة المفتاح الّذي به يستفتح الغلق؛ ويستفرج الباب.
وأراد ﵊ هذه الكلمة وما يتبعها من شعائر الإسلام وقوانين الإيمان، إلّا أنّه ﷺ عبّر عن جميع ذلك بهذه الكلمة، لأنّها أوّل لتلك الشعائر، وسائرها تابع لها ومتعلّق بها، فهي لها كالزّمام القائد والمتقدّم الرّائد، وذلك كما يعبّرون عن حروف المعجم ببعضها، فيقال: «ألف باء تاء ثاء» والمراد جميعها، وكذلك يقولون هو في «أبجد» ويريدون سائر هذه الحروف، إلّا أنّ هذه الحروف لمّا كانت أوّلة لباقيها ومتقدّمة لما يليها، حسن أن يعبّر بها عن جميعها. انتهى.
والحديث ذكره في «كشف الخفاء» باللّفظ الّذي أورده المصنّف؛ وقال: رواه الإمام أحمد عن معاذ رفعه، قال النجم: وفي لفظ «مفاتيح الجنّة» . وضعّفوه،
стр. 1837
٢١١- «ملاك الدّين.. الورع» .
لكن عند البخاري عن وهب ما يشهد له. انتهى.
وذكره «في كنوز الحقائق» ، مرموزا له برمز الديلمي في «الفردوس» ، وذكره في «الجامع» بلفظ «مفاتيح الجنّة شهادة ألاإله إلّا الله» ، ورمز له برمز الإمام أحمد؛ عن معاذ بن جبل، قال الهيثمي: رجاله وثّقوا، إلّا أنّ شهرا لم يسمع من معاذ. انتهى مناوي على «الجامع» . وفي «فيض القدير» للمناوي:
تنبيه:
قد جعل الله لكلّ مطلوب مفتاحا يفتح به؛ فجعل مفتاح الصّلاة الطّهور، ومفتاح الحجّ الإحرام، ومفتاح البرّ الصّدقة، ومفتاح الجنّة التّوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال والإصغاء، ومفتاح الظّفر الصّبر، ومفتاح المزيد الشّكر، ومفتاح الولاية والمحبّة الذّكر، ومفتاح الفلاح التّقوى، ومفتاح التّوفيق الرّغبة والرّهبة، ومفتاح الإجابة الدّعاء، ومفتاح الرّغبة في الآخرة الزّهد في الدّنيا، ومفتاح الإيمان التفكّر في مصنوعات الله، ومفتاح الدّخول على الله استسلام القلب والإخلاص له في الحبّ والبغض، ومفتاح حياة القلوب تدبّر القرآن والضّراعة بالأسحار وترك الذّنوب، ومفتاح حصول الرّحمة الإحسان في عبادة الحقّ؛ والسّعي في نفع الخلق؛ ومفتاح الرزق السّعي مع الاستغفار، ومفتاح العزّ الطّاعة، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كلّ خير الرّغبة في الآخرة، ومفتاح كلّ شرّ حبّ الدّنيا وطول الأمل. وهذا باب واسع من أنفع أبواب العلم، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يقف عليه إلّا الموفّقون. انتهى.
٢١١- ( «ملاك) - بكسر الميم وفتحها- (الدّين) - أي: قوامه، ونظامه، وما يعتمد عليه فيه- هو: (الورع» ) بالكفّ عن التّوسّع في الأمور الدّنيويّة؛ المشغلة عن ذكر الله ودوام مراقبته.
والورع أصله: النّظر البالغ في كلّ شيء، والبحث التّام عن كلّ شيء هو بصدده.
стр. 1838
٢١٢- «المكر والخديعة.. في النّار» .
وأصل الملاك استحكام القدرة؛ يعني أنّ إحكام الدّين يكون بالورع، بمعنى أنه إذا وجد كان الدّين على غاية من الكمال، وذلك لأن الورع دائم المراقبة للحقّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلا بحقّ؛ كما قال الحبر ابن عباس: كان عمر كالطّير الحذر.
والحديث أخرجه أبو الشيخ ابن حيان، والدّيلمي؛ كلاهما عن عبادة بن الصّامت. وأخرجه الخطيب وابن عبد البرّ؛ كلاهما عن ابن عباس. وأخرجه ابن عبد البر؛ عن أبي هريرة ﵃ أجمعين. وذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي الشيخ بن حيّان.
٢١٢- ( «المكر) : إضمار السوء لغيره (والخديعة) : إيصال المكروه للغير، من حيث لا يعلم (في النّار» ) ومعناه- كما قال العسكري-: أنّ صاحب المكر والخداع لا يكون تقيّا، ولا خائفا لله، لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وإذا فعلهما أوبق نفسه، وهذا لا يكون في تقي، فكلّ خلّة جانبت التّقى فهي في النّار؛ أي صاحبها. انتهى.
ومقتضى هذا تغاير المكر للخديعة، لأنّه جعل المكر سبب الغدر، وهو سبب الخديعة؛ والسبب مغاير للمسبب!! وفي «القاموس» وغيره: المكر الخديعة!!
والجواب: أنّه جرد المكر عن معناه، كما ذكرناه؛ فلا يخالف ترادفهما.
وقال الرّاغب: المكر والخديعة متقاربان، وهما اسمان لكلّ فعل يقصد فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره؛ ويكون سيّئا، كقصد إنزال مكروه بالمخدوع.
وإيّاه قصد ﷺ بهذا الحديث، ومعناه يؤدّيان بقاصدهما إلى النّار، ويكون حسنا؛ وهو أن يقصد فاعلهما مصلحة بالمخدوع والممكور به، كما يفعل بالصّبي إذا امتنع من فعل خير، ولكونهما ضربين قال تعالى وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) [فاطر] ، ووَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [٤٣/ فاطر] ووصف نفسه بالمكر الحسن؛ فقال وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) [آل عمران] . انتهى زرقاني على «المواهب» .
стр. 1839
٢١٣- «من أبطأ به عمله.. لم يسرع به نسبه» .
٢١٤- «من اتّقى الله.. كلّ لسانه، ولم يشف غيظه» .
والحديث ذكره في «المواهب» وقال: رواه الديلمي؛ عن أبي عن أبي هريرة، والقضاعي؛ عن ابن مسعود وزاد: «من غشّنا فليس منّا» . وفي الباب غيرهما، ونحو «ليس منّا من ضارّ مسلما وما كره» رواه الترمذي. انتهى مع زيادة من «شرح الزرقاني» .
٢١٣- ( «من أبطأ) - بألف قبل الموحدة ودونها: روايتان، وهما بمعنى، إلّا أنّ السّخاوي ادّعى أنّ لفظ مسلم بلا ألف، وأنّ رواية القضاعي «أبطأ» بألف- (به عمله) - أي: أخّره عمله السّيء، أو تفريطه في العمل الصّالح؛ بأن لم يأت به على الوجه الأكمل- (لم يسرع به نسبه» ) - أي: لا ينفعه في الآخرة شرف النّسب؛ فلا يعجل به إلى منازل السعداء. والحديث رواه مسلم، وأبو داود، والتّرمذي، وابن ماجه، وأحمد، والعسكري، والقضاعي؛ كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ في آخر حديث لفظه: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا ... » الخ. انتهى «زرقاني» .
٢١٤- ( «من اتّقى الله) - أي: أطاعه في أمره ونهيه بقدر الاستطاعة- (كلّ) بفتح الكاف وشدّ اللام؛ أي: تعب وأعيا- (لسانه، ولم يشف غيظه» ) ممّن فعل به مكروها، لأنّ التّقوى عبارة عن امتثال أوامر الله؛ وتجنّب نواهيه.
ولن يصل العبد إلى القيام بأوامره، إلّا بمراقبة قلبه وجوارحه في لحظاته وأنفاسه؛ بحيث يعلم أنّه مطّلع عليه وعلى ضميره، ومشرف على ظاهره وباطنه؛ محيط بجميع لحظاته وخطراته وخطواته، وسائر حركاته وسكناته، وذلك مانع له مما ذكر.
فمن زعم أنّه من المتقين؛ وهو ذرب اللّسان، منتصر لنفسه، مشف لغيظه؛ فهو من الكاذبين، لا بل من الهالكين.
стр. 1840
٢١٥- «من اتّقى الله.. وقاه كلّ شيء» .
٢١٦- «من أحبّ أن يعلم منزلته عند الله.. فلينظر منزلة الله عنده» .
والحديث ذكره في «الجامع» ؛ وقال: أخرجه ابن أبي الدّنيا في «كتاب التّقوى» ؛ عن سهل بن سعد. ورواه عنه أيضا الدّيلميّ في «مسند الفردوس» قال الحافظ العراقي: وسنده ضعيف، قال: ورأيناه في «الأربعين البلدانية» للسّلفي.
انتهى مناوي على «الجامع» .
٢١٥- ( «من اتّقى الله وقاه كلّ شيء» ) يخافه أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) [يونس] ، فأعظم بخصلة تضمّنت موالاة الله وانتفاء الخوف والحزن، وحصول البشرى في الدّنيا والعقبى!! فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) [التوبة] ، أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [٦٢- ٦٤/ يونس] .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ؛ وقال: أخرجه ابن النّجّار في «تاريخه» ؛ عن ابن عباس، ورواه عنه أيضا الخطيب في «تاريخه» باللفظ المزبور. انتهى مناوي على «الجامع» .
٢١٦- ( «من أحبّ أن يعلم منزلته عند الله) - أي: هل هو من النّاجين المحبوبين لله؛ أم لا- (فلينظر) - كيف- (منزلة الله عنده» ) من الوقار والإجلال المستلزمين لامتثال الأوامر واجتناب النّواهي، فمنزلة الله عند العبد في قلبه على قدر معرفته إيّاه؛ وعلمه به وإجلاله وتعظيمه، والحياء والخوف منه، وإقامة الحرمة لأمره ونهيه، والوقوف عند أحكامه بقلب سليم ونفس مطمئنة، والتّسليم له روحا وبدنا وقلبا، ومراقبة تدبيره في أموره، ولزوم ذكره، والنّهوض بأثقال نعمته ومنّته، وترك مشيئة نفسه لمشيئته وحسن الظّنّ به، والنّاس في ذلك درجات، وحظوظهم بقدر حظوظهم من هذه الأشياء؛ فأوفرهم حظّا منها أعظمهم درجة عنده، وعكسه بعكسه.
стр. 1841
.........
قال ابن عطاء الله: إذا أردت أن تعرف مقامك عنده؛ فانظر ما أقامك فيه! فإن كان في الخدمة؛ فاجتهد في تصحيح عبوديتك، ودوام المراقبة في خدمتك، لأنّ شرط العبوديّة المراقبة في الخدمة لمراد المولى؛ وهي المعرفة، لأنك إذا عرفت أنّه أوجدك وأعانك واستعملك فيما شاء- وأنت عاجز- عرفت نفسك، وعرفت ربّك، ولزمت طاعته.
إذا أردت أن ترى مقامكا ... لديه فلتنظر بما أقامكا
فقيمة الإنسان عند ربّه ... بقدر ما شغله الرّبّ به
قال بعض العارفين: إن أردت أن تعرف قدرك عنده؛ فانظر فيم يقيمك.
متى رزقك الطّاعة والغنى به عنها؛ فاعلم أنّه أسبغ نعمه عليك ظاهرة وباطنة.
وخير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك.
متى رزقت طاعة مع الغنى ... عنها بمولاك فقد نلت المنى
إذ أسبغ الله عليك نعمه ... ظاهرة باطنة وكرمه
أجلّ ما تطلبه من ربّكا ... ما هو طالب له من نفسكا
والحديث ذكره المناويّ في «الطّبقات» ، وقال في «العزيزي» : رواه الحاكم بلفظ: «من كان يحبّ أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنّ الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه» . وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ:
«من أراد أن يعلم ماله عند الله فلينظر ما لله عنده» ورمز له برمز الدارقطني في «الأفراد» ؛ عن أنس بن مالك، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ؛ عن أبي هريرة ﵁؛ وعن سمرة بلفظ: «من سرّه أن يعلم ... الخ» وقال: إنه غريب من حديث صالح المرّي. وصالح المرّي. وصالح المرّي ذكره الذّهبي في الضعفاء؛ وقال فيه: قال النّسائي وغيره: متروك.
ورواه الحاكم عن جابر بلفظ: «من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله
стр. 1842
٢١٧- «من أحبّ دنياه.. أضرّ باخرته، ومن أحبّ آخرته..
أضرّ بدنياه؛ فاثروا ما يبقى على ما يفنى» .
عنده، فإنّ الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه» انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
٢١٧- ( «من أحبّ دنياه أضرّ باخرته) لأن حبّها يشغله عن تفريغ قلبه لحبّ ربّه ولسانه لذكره؛ فتضرّ آخرته (ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه) فهما ككفّتي الميزان؛ إذا رجحت إحداهما خفّت الآخرى.
قال الإمام علي ﵁: الدّنيا والآخرة كالمشرق والمغرب؛ إذا قربت من إحداهما بعدت عن الآخرى، فالجمع بين الدّنيا والدّين على الكمال لا يكاد يقع، إلّا لمن سخّره الله لتدبير خلقه في معاشهم ومعادهم؛ وهم الأنبياء.
أمّا غيرهم! فإذا شغلت قلوبهم بالدّنيا انصرفت عن الآخرة، وذلك أنّ حبّ الدّنيا سبب لشغله بها والانهماك فيها؛ وهو سبب للشّغل عن الآخرة، فتخلو عن الطّاعة، فيفوت الفوز بدرجاتها؛ وهو عين المضرّة.
بنى ملك من الملوك مدينة وتأنّق فيها، ثمّ صنع طعاما ونصب ببابها من يسأل عنها. فلم يعبها إلّا ثلاثة، فسألهم فقالوا: رأينا عيبين. قال: وما هما؟ قالوا:
تخرب ويموت صاحبها. قال: فهل ثمّ دار تسلم منها؟! قالوا: نعم، الآخرة، فتخلّى عن الملك وتعبّد معهم، ثمّ ودّعهم، فقالوا: هل رأيت منا ما تكره!!.
قال: لا، لكن عرفتموني فأكرمتموني، فأصحب من لا يعرفوني. انتهى «مناوي» .
(فاثروا) أي: إذا علمتم ذلك فقدّموا (ما يبقى على ما يفنى» ) فقد ذمّ الله من يحبّ الدّنيا، ويؤثرها على الآخرة، بقوله كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) [القيامة] وذمّ حبّها يستلزم مدح بغضها. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا برمز الإمام أحمد، والحاكم؛ عن
стр. 1843
٢١٨- «من أحبّ شيئا.. أكثر من ذكره» .
٢١٩- «من أحبّ قوما.. حشره الله في زمرتهم» .
أبي موسى الأشعري، قال الحاكم: على شرطهما، وردّه الذّهبي، وقال: فيه انقطاع. انتهى. وقال المنذري والهيثمي: رجال أحمد ثقات. انتهى. وفي «العزيزي» : إنّه حديث صحيح. انتهى.
٢١٨- ( «من أحبّ شيئا أكثر من ذكره» ) أي: علامة صدق المحبّة إكثار ذكر المحبوب، ولهذا قال أبو نواس:
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
قال في «الرعاية» : علامة المحبّين كثرة ذكر المحبوب على الدّوام؛ لا ينقطعون، ولا يملّون، ولا يفترون، فذكر المحبوب هو الغالب على قلوب المحبّين؛ لا يريدون به بدلا، ولا يبغون عنه حولا، لو قطعوا عن ذكر محبوبهم فسد عيشهم!.
وقال بعضهم: علامة المحبّة ذكر المحبوب على عدد الأنفاس. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث رواه أبو نعيم، والديلمي؛ عن عائشة ﵂ مرفوعا.
٢١٩- ( «من أحبّ قوما حشره الله في زمرتهم» ) ، فمن أحبّ أولياء الرّحمن فهو معهم في الجنان، ومن أحب حزب الشّيطان فهو معهم في النيران.
وفيه بشارة عظيمة لمن أحب الصوفيّة؛ أو تشبّه بهم، وأنّه يكون مع تفريطه بما هم عليه معهم في الجنّة.
والحديث أخرجه الطّبراني في «الكبير» ، والضياء المقدسي؛ عن أبي قرصافة بكسر القاف فسكون الراء فصاد مهملة ففاء- واسمه: حيدة، قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم! فقال السخاوي: فيه إسماعيل بن يحيى التيمي ضعيف. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
стр. 1844
٢٢٠- «من أحبّ لقاء الله.. أحبّ الله لقاءه» .
قال في «كشف الخفا» ، ويشهد له حديث: «المرء مع من أحبّ» .
انتهى» .
٢٢٠- ( «من أحبّ لقاء الله) أي: المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن المؤمن عند الغرغرة يبشر برضوان الله؛ فيكون موته أحبّ إليه من حياته (أحبّ الله لقاءه» ) أي: أفاض عليه فضله وأكثر عطاياه. وتمام الحديث: «ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» .
قالت عائشة؛ أو بعض أزواجه: إنّا لنكره الموت!.
قال: «ليس ذلك، ولكنّ المؤمن إذا حضره الموت وبشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه ممّا أمامه؛ فأحبّ لقاء الله وأحبّ الله لقاءه، وإنّ الكافر إذا حضره الموت وبشّر بعذاب الله وعقابه، فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه؛ كره لقاء الله فكره الله لقاءه» . انتهى.
قال النّوويّ: هذا الحديث يفسّر آخره أوّله، ويبيّن المراد بباقي الأحاديث المطلقة: من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله.
ومعنى الحديث: أنّ الكراهة المعتبرة هي التّي تكون عند النّزع؛ في حالة لا تقبل فيها توبة، ولا غيرها، فحينئذ يبشّر كلّ إنسان بما هو صائر إليه، وما أعدّ له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السّعادة يحبّون الموت ولقاء الله؛ لينقلوا إلى ما أعدّ لهم، ويحبّ الله لقاءهم فيجزل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاء يكرهون لقاءه؛ لما علموا من سوء ما ينقلبون إليه ويكره الله لقاءهم، أي: يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهته لقاءهم.
وليس معنى الحديث: أنّ سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك!! ولا أنّ حبّه لقاء الآخرين حبّهم ذلك!! بل هو صفة لهم. انتهى.
والحديث متفق عليه من حديث أبي موسى وعبادة بن الصّامت: البخاري في
стр. 1845
٢٢١- «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه.. فهو ردّ» .
«الرّقاق» ، ومسلم في «الدّعوات» عنهما، وعن أبي هريرة، وعن عائشة رضي الله تعالى عنهم.
و «في كشف الخفا» : أنّه أخرجه الإمام أحمد، والبيهقي، والتّرمذي في «الزّهد» ، والنّسائي في «الجنائز» ؛ عن عائشة، وعن عبادة رضي الله تعالى عنهما.
قال في «الكشف» : وروى مالك، والبخاري- واللفظ له-، ومسلم، والتّرمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال الله تعالى: «إذا أحبّ عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه» . انتهى.
٢٢١- ( «من أحدث) أي: أنشأ واخترع وأتى بأمر حديث من قبل نفسه (في أمرنا) أي: شأننا الذي نحن عليه، وهو ما شرعه الله تعالى ورسوله، واستمرّ العمل به، وهو دين الإسلام، عبّر عنه بالأمر تنبيها على أنّ هذا الدّين هو أمرنا الّذي نهتمّ به، ونشتغل به؛ بحيث لا يخلو عنه شيء من أقوالنا، ولا من أفعالنا.
(هذا) موضوع ليشار به لمحسوس مشاهد، وهو هنا مشار به للدّين المعقول، لتنزيله منزلة المحسوس المشاهد؛ اعتناء بشأنه وإشارة إلى جلالته ومزيد رفعته، وتعظيمه بالقرب؛ تنزيلا له باعتبار جلالته منزلة القريب، لأن الأمر العظيم من شأنه أن يطلب القرب منه وتتوجّه الهمم إلى الوصول إليه.
قال الطّيبيّ: وفي وصف الأمر ب «هذا» إشارة إلى أنّ أمر الإسلام كمل، واشتهر وشاع وظهر ظهورا محسوسا؛ بحيث لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة.
انتهى.
(ما) أي: شيئا (ليس منه) أي: ليس له في الكتاب أو السّنّة عاضد ظاهر، أو خفيّ ملحوظ أو مستنبط، (فهو ردّ» ) أي: مردود على فاعله، لبطلانه وعدم
стр. 1846
.........
الاعتداد به؛ من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كخلق ومخلوق ونسج ومنسوج، سواء كانت منافاته لما ذكر ١- لعدم مشروعيّته بالكليّة؛ كنذر القيام وعدم الاستضلال. أو ٢- للإخلال بشرطه، أو ركنه؛ عبادة كانت أو عقدا، فلا ينقل الملك مطلقا، أو للزّيادة على المشروع فيه نحو الزّيادة في الصّلاة دون الوضوء. أو ٣- لارتكاب منهياته، كذبح المحرم للصيد، ولبسه للخفّ بلا عذر؛ فلا يمسح عليه، وجماع الصائم، وجماع الحاجّ قبل التّحلّل الأول.
أمّا ما عضده عاضد؛ بأن شهد له شيء من أدلة الشرع، أو قواعده!! فليس بردّ على فاعله، بل هو مقبول منه؛
كبناء نحو الرّبط والمدارس وسائر أنواع البرّ الّتي لم تعهد في الصّدر الأول، فإنّه موافق لما جاءت به الشريعة؛ من اصطناع المعروف والمعاونة على البّر والتقوى.
وكالتّصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية؛ على اختلاف فنونها، وتقرير قواعدها، وكثرة التفريعات، وفرض ما لم يقع، وبيان حكمه، وتفسير القرآن والسّنّة، والكلام على الأسانيد والمتون، وتتبع كلام العرب؛ نثره ونظمه، وتدوين كلّ ذلك، واستخراج علوم اللّغة؛ كالنّحو، والمعاني، والبيان، والأوزان، فذلك كلّه وما شاكله معلوم حسنه، ظاهرة فائدته، معين على معرفة كتاب الله تعالى، وفهم معاني كتابه وسنّة رسوله ﷺ ؛ فيكون مأمورا به.
وكتفريع الأصول والفروع، وما يحتاجان إليه من الحساب وغيره من العلوم الآليّة، وككتابة القرآن في المصاحف، ووضع المذاهب وتدوينها، وتصنيف الكتب ومزيد إيضاحها وتبيينها، وغير ذلك ممّا مرجعه ومنتهاه إلى الدّين بواسطة أو وسائط، فإنّه مقبول من فاعله، مثاب ممدوح عليه.
ومن ثمّ استجاز كثيرا منه الصّحابة رضوان الله عليهم؛ كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم في جمع القرآن، فإنّ عمر أشار به على
стр. 1847
.........
أبي بكر؛ خوفا من اندراس القرآن بموت الصّحابة رضي الله تعالى عنهم لمّا كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف لكونه صورة بدعة، ثمّ شرح الله صدره لفعله، لأنّه ظهر له أنه يرجع إلى الدّين، فإنّه غير خارج عنه.
ومن ثمّ لمّا دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع قال له: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله!! فقال: والله إنّه حقّ. ولم يزل يراجعه حتّى شرح الله صدره للّذي شرح له صدرهما.
وكما وقع لعمر ﵁ في جمع النّاس لصلاة التّراويح في المسجد، مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال- أعني عمر-: نعمت البدعة هي.
أي: لأنها؛ وإن أحدثت ليس فيها ردّ لما مضى، بل موافقة له، لأنّه ﷺ علّل التّرك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته ﷺ .
وقال الشّافعي ﵁:
ما أحدث فخالف كتابا أو سنّة أو إجماعا أو أثرا؛ فهو البدعة الضالّة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك؛ فهو البدعة المحمودة.
والحاصل: أنّ البدعة الحسنة متّفق على ندبها، وهي ما وافق شيئا مما مرّ؛ ولم يلزم من فعله محذور شرعيّ. ومنها ما هو فرض كفاية، كتصنيف العلوم ونحوها ممّا مرّ. انتهى. من «الفتح المبين» للشيخ أحمد بن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى.
والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ كلّهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا. وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» أي: مردود عليه، وإن لم يكن هو المحدث له. فاستفيد منه زيادة على ما مرّ- وهي الردّ- لما قد يحتجّ به بعض المبتدعة؛ من أنّه لم يخترع، وإنّما المخترع من سبقه!! ويحتجّ بالرّواية الأولى فيردّ عليه بهذه الرّواية الصّريحة في ردّ
стр. 1848
٢٢٢- «من أرضى النّاس بسخط الله.. وكله الله إلى النّاس» .
٢٢٣- «من أطاع الله.. فاز» .
٢٢٤- «من أعان ظالما.. سلّطه الله عليه» .
المحدثات المخالفة للشّريعة؛ بالطريقة الّتي قدّمناها، سواء أحدثها الفاعل؛ أو سبق بإحداثها.
وفي الحديث دلالة للقاعدة الأصولية أنّ مطلق النّهي يقتضي الفساد، لأنّ المنهي عنه ليس من الدّين، بل مخترع محدث، وقد حكم عليه بالردّ المستلزم للفساد.
وفيه دلالة على إبطال جميع العقود المنهيّة، وعدم وجود ثمراتها المترتّبة عليها، وهو حديث عظيم معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده.
قال النّوويّ: ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به لذلك. انتهى.
٢٢٢- ( «من أرضى النّاس بسخط الله) كأن وافقهم على غيبة شخص (وكله الله إلى النّاس» ) ومن وكله إليهم وقع في المهلكات؛ لأنّه لما رضي لنفسه بولاية من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؛ وكله إليه.
وتمام الحديث: «ومن أسخط النّاس برضاء الله كفاه الله مؤنة النّاس» . ذكره في «الجامع الصغير» ورمز له برمز الترمذي، وأبي نعيم في «الحلية» ؛ عن عائشة ﵂، ورواه عنها أيضا الدّيلمي والعسكري. انتهى «مناوي» . قال في «العزيزي» : وإسناده حسن.
٢٢٣- ( «من أطاع الله فاز» ) ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز الإمام أحمد.
٢٢٤- ( «من أعان ظالما) على ظلمه (سلّطه الله عليه» ) ؛ عدلا منه سبحانه
стр. 1849
٢٢٥- «من بثّ.. لم يصبر» .
٢٢٦- «من بورك له في شيء.. فليلزمه» .
وتعالى، فإنّه أحكم الحاكمين. والحديث ذكره في «الكنوز» و «الجامع» مرموزا له برمز ابن عساكر في «التاريخ» ؛ عن ابن مسعود رفعه، وهو حديث ضعيف- كما في «العزيزي» - بل قال المناوي كغيره: في سنده زكريا العدوي متّهم بالوضع!! أي: فيكون على هذا ضعيفا شديد الضّعف.
٢٢٥- ( «من بثّ) أي: أذاع ونشر وشكا مصيبته للنّاس (لم يصبر» ) أي:
لأنّ الشّكوى منافية للصّبر إذا كانت الشكوى على جهة الجزع.
والحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز ابن عساكر، وفي «الجامع» ذكره من حديث تمّام؛ عن ابن مسعود، وهو قطعة من حديث أوّله «ثلاث من كنوز البرّ ... الخ» .
٢٢٦- ( «من بورك له في شيء) من نحو صناعة، أو حرفة، أو تجارة (فليلزمه» ) أي: من جعلت معيشته في شيء من ذلك؛ فلا ينتقل عنه حتى يتغيّر، لأنه قد لا يفتح عليه في المنتقل إليه فهو خلقك لما شاء؛ لا لما تشاء، فكن مع مراد الله فيك؛ لا مع مرادك لنفسك.
قال في «الحكم» : من علامة إقامة الحقّ لك في الشي إدامته إياك فيه مع حصول النّتائج. قال النّاظم:
نتيجة الشّيء والاستقامه ... فيه دواما آية الإقامة
والحديث أخرجه ابن ماجه؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، وذكره في «الكنوز» .
وأخرجه البيهقي في «الشعب» ، والقضاعي عنه بلفظ: «من رزق» .
وفي لفظ للبيهقي: «من رزقه الله رزقا في شيء فليلزمه» .
стр. 1850
٢٢٧- «من تأنّى.. أصاب أو كاد، ومن عجل.. أخطأ أو كاد» .
ولابن ماجه؛ عن نافع قال:
كنت أجهّز إلى الشّام وإلى مصر فجهّزت إلى العراق، فأتيت أمّ المؤمنين عائشة فقلت لها: يا أمّ المؤمنين؛ كنت أجهّز إلى الشّام وإلى مصر، فجهّزت إلى العراق!! فقالت: لا تفعل، مالك ولمتجرك!؟ فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إذا سبّب الله لأحدكم رزقا من وجه؛ فلا يدعه حتّى يتغيّر له؛ أو يتنكّر» .
ورواه البيهقي أيضا؛ عنه بسند ضعيف بلفظ: «إذا قسم لأحدكم رزق فلا يدعه حتّى يتغيّر أو يتنكّر له» .
وبلفظ: «إذا فتح لأحدكم رزق من باب فليلزمه» .
ورواه أحمد؛ عن جابر أيضا بسند ضعيف، ورواه في «الإحياء» بلفظ: «من جعلت معيشته في شيء؛ فلا ينتقل عنه حتّى يتغيّر» انتهى. من «كشف الخفا» للعجلوني.
٢٢٧- ( «من تأنّى) في أموره (أصاب) الحقّ ونال المطلوب (أو كاد) أن يصيب؛ أي: قارب الإصابة (ومن عجل) - بكسر الجيم- (أخطأ، أو كاد» ) أن يخطئ؛ أي: قارب الخطأ، لأن العجلة شؤم الطبع، فجاء المشرّع بضدّ الطّبع، وجعل في التأنّي اليمن والبركة، فإذا ترك شؤم الطّبع وأخذ بأمر الشّرع أصاب الحقّ، ونال المراد أو قارب؛ لتعرّضه لرضا ربّه.
قال الغزالي: الاستعجال هو الخصلة المفوّتة للمقاصد؛ الموقعة في المعاصي، ومنها تبدو آفات كثيرة، وفي المثل السائر: إذا لم تستعجل تصل.
قال:
стр. 1851
٢٢٨- «من تشبّه بقوم.. فهو منهم» .
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
ومن آفاته أنّه مفوّت للورع، فإنّ أصل العبادات وملاكها الورع، والورع أصله النّظر البالغ في كلّ شيء، والبحث التّام عن كلّ شيء هو بصدده، فإن كان المكلّف مستعجلا، لم يقع منه توقّف ونظر في الأمور كما يجب، ويتسارع إلى كلّ طعام فيقع في الزّلل والخلل. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير» ، وكذا في «الأوسط» كلاهما؛ عن عقبة بن عامر بإسناد حسن، كما قال العزيزي: وقضيّة كلام المناوي أنّه ضعيف.
٢٢٨- ( «من تشبّه بقوم) - أي: تزيّا في ظاهره بزيّهم، وفي تعرّفه بفعلهم، وفي تخلّقه بخلقهم، وسار بسيرتهم وهداهم في ملبسهم وبعض أفعالهم، أي:
وكان التشبّه بحقّ قد طابق فيه الظّاهر الباطن-
(فهو منهم» ) وقيل: المعنى من تشبّه بالصّالحين فهو من أتباعهم؛ يكرم كما يكرمون، ومن تشبّه بالفسّاق يهان ويخذل مثلهم، ومن وضع عليه علامة الشّرف أكرم؛ وإن لم يتحقّق شرفه.
وفيه أنّ من تشبّه من الجنّ بالحيّات وظهر بصورتهم قتل، وأنّه لا يجوز في زماننا لبس العمامة الصفراء أو الزرقاء؛ إذا كان مسلما. كذا ذكره ابن رسلان.
وبأبلغ من ذلك صرّح القرطبيّ فقال: لو خصّ أهل الفسوق والمجون بلباس منع لبسه لغيرهم، فقد يظنّ به من لا يعرفه أنّه منهم! فيظنّ به ظنّ السّوء؛ فيأثم الظّانّ والمظنون فيه بسبب العون عليه.
وقال بعضهم: قد يقع التشبّه في أمور قلبية، من اعتقادات وإرادات وأمور خارجية من أقوال وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون عادات؛ في نحو طعام ولباس، ومسكن ونكاح، واجتماع وافتراق، وسفر وإقامة وركوب وغيرها.
стр. 1852
.........
وبين الظّاهر والباطن ارتباط ومناسبة، وقد بعث الله المصطفى ﷺ بالحكمة، الّتي هي سنّة، وهي الشّرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان ممّا شرعه له من الأقوال والأفعال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضّالّين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظّاهر في هذا الحديث؛ وإن لم يظهر فيه مفسدة، لأمور؛
منها أنّ المشاركة في الهدي الظّاهر تؤثّر تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، تعود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإنّ لابس ثياب العلماء مثلا، يجد من نفسه نوع انضمام إليهم؛ ولابس ثياب الجند المقاتلة مثلا، يجد من نفسه نوع تخلّق بأخلاقهم، وتصير طبيعته منقادة لذلك إلّا أن يمنعه مانع.
ومنها أنّ المخالفة في الهدي الظّاهر توجب مباينة ومفارقة؛ توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضّلال، والانعطاف على أهل الهدي والرّضوان.
ومنها أنّ مشاركتهم في الهدي الظّاهر توجب الاختلاط الظّاهر؛ حتّى يرتفع التّمييز ظاهرا بين المهديّين المرضيّين، وبين المغضوب عليهم والضّالين ... إلى غير ذلك من الأسباب الحكميّة الّتي أشار إليها هذا الحديث وما أشبهه.
وقال ابن تيميّة: هذا الحديث أقلّ أحواله أن يقتضي تحريم التشبّه بأهل الكتاب!! وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [٥١/ المائدة] .
وهو نظير قول ابن عمر «ومن بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبّه بهم حتّى يموت؛ حشر يوم القيامة معهم» فقد حمل هذا على التشبّه المطلق، فإنّه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك.
وقد يحمل منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه؛ فإن كان كفرا، أو معصية، أو شعارا لها؛ كان حكمه كذلك. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الكشف» ك «الجامع» وقال: رواه أحمد وأبو داود
стр. 1853
٢٢٩- «من تعلّق بشيء.. وكل إليه» .
والحاكم والطّبراني في «الكبير» ؛ عن ابن عمر رفعه، وفي سنده ضعيف كما في «اللآلي» و «المقاصد» . لكن قال العراقي: سنده صحيح.
وله شاهد عند البزار؛ عن حذيفة وأبي هريرة، وعند أبي نعيم في «تاريخ أصبهان» ؛ عن أنس، وعند القضاعي؛ عن طاووس مرسلا، وصححه ابن حبّان.
وتقدّم في «إنّما العلم بالتّعلّم» في أثر عن الحسن: قلّما تشبّه رجل بقوم إلّا كان منهم. وقال النّجم: قلت: روى العسكري عن حميد الطّويل؛ قال: كان الحسن يقول: إذا لم تكن حليما فتحلّم، وإذا لم تكن عالما فتعلّم؛ فقلّما تشبّه رجل بقوم إلا كان منهم. انتهى.
٢٢٩- ( «من تعلّق بشيء) - قال في «النّهاية» : أي: من علّق على نفسه شيئا من التّعاويذ والتّمائم وأشباهها، معتقدا أنها تجلب نفعا، أو تدفع عنه ضرّا- (وكل إليه» ) أي: وكلّ الله شفاءه إلى ذلك الشّيء فلا ينفع.
أما إذا اعتقد أنّ الشّفاء من الله تعالى حقيقة، وأنّ هذا الدواء أو هذه التميمة أسباب عادية!! فلا بأس به، إذ الأسباب لا تنافي التّوكّل؛ قاله الحفني.
وكذلك من علّق شيئا من أسماء الله الصريحة، فهو جائز بل مطلوب محبوب، فإن من وكّل إلى أسماء الله أخذ الله بيده.
وأمّا قول ابن العربي «السنّة في الأسماء والقرآن الذكر؛ دون التعليق» !! فممنوع. انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد والتّرمذي والحاكم؛ عن عبد الله بن عليم- بالتصغير- الجهني، أبو سعيد الكوفي، أدرك المصطفى ﷺ ولم يره، فروى عن عمر وغيره، وقد سمع كتاب النّبي ﷺ إلى جهينة. انتهى «مناوي» .
стр. 1854
٢٣٠- «من حسن إسلام المرء.. تركه ما لا يعنيه» .
٢٣٠- ( «من حسن) فائدة الإتيان به!! الإشارة إلى أنّه لا عبرة بصور الأعمال فعلا وتركا، إلّا إذا اتّصفت بالحسن، بأن وجدت شروط مكمّلاتها؛ فضلا عن مصحّحاتها، وجعل ترك ما لا يعني من الحسن مبالغة ذلك، لأنّ الحسن من وصف الملكات؛ والترك عدميّ، فوصفه بوصف الملكات مبالغة.
(إسلام المرء) آثره على الإيمان!! لأنّه الأعمال الظّاهرة، والفعل والترك إنّما يتعاقبان عليها، لأنّها حركات اختيارية يتعاقبان فيها اختيارا، وأمّا الباطنة الرّاجعة للإيمان! فهي اضطرارية؛ تابعة لما يخلقه الله تعالى في النّفوس، ويوقعه فيها.
وهذا من المواضع الّتي يجب فيها تقديم الخبر على المبتدأ، لئلّا يعود الضّمير فيه على المتأخّر لفظا ورتبة، لما في المبتدأ من ضمير يعود على متعلّق الخبر؛ فهو من باب «على التّمرة مثلها زبدا» ، فقوله: «من حسن إسلام المرء» ، خبر مقدّم، والمبتدأ هو قوله (تركه) - مصدر مضاف لفاعله- (ما) - أي: شيئا، أعمّ من أن يكون قولا أو فعلا- (لا يعنيه» ) بفتح أوله؛ من «عناه الأمر» ؛ إذا تعلقت عنايته به، وكان من غرضه وإرادته.
ومفهومه: أنّ من قبح إسلام المرء أخذه فيما لا يعنيه.
والّذي «لا يعني» هو: الفضول كلّه على اختلاف أنواعه.
والّذي «يعني» الإنسان من الأمور: ما تعلّق ١- بضرورة حياته في معاشه؛ مما يشبعه من جوع، ويرويه من عطش، ويستر عورته، ويعفّ فرجه، ونحو ذلك مما يدفع الضّرورة؛ دون ما فيه تلذّذ وتنعّم واستكثار.
و٢- سلامته في معاده، وهو الإسلام والإيمان والإحسان، فإذا اقتصر على ما يعنيه سلم من سائر الآفات، وجميع الشرور، والمخاصمات، وكان ذلك من الفوائد الدّالّة على حسن إسلامه، ورسوخ إيمانه، وحقيقة تقواه، ومجانبته لهواه، ومعاناة ما عداه ضياع للوقت النّفيس، الّذي لا يمكن أن يعوّض فائته فيما
стр. 1855
٢٣١- «من رتع ...
لم يخلق لأجله. فمن عبد الله على استحضار قربه من ربه، أو قرب ربّه منه؛ فقد حسن إسلامه- كما مرّ-.
وأخذ النّووي من هذا الخبر: أنّه يكره أن يسأل الرّجل فيم ضرب امرأته.
قال بعضهم: وممّا لا يعني العبد تعلّمه ما لا يهمّ من العلوم وتركه أهمّ منه، كمن ترك تعلّم العلم الذي فيه صلاح نفسه، واشتغل بتعلّم ما يصلح به غيره، كعلم الجدل؛ ويقول في اعتذاره «نيتي نفع النّاس» ، ولو كان صادقا؛ لبدأ باشتغاله بما يصلح نفسه وقلبه، من إخراج الصّفات المذمومة؛ من نحو حسد ورياء، وكبر وعجب، وتطاول على الأقران، ونحوها من المهلكات. انتهى «مناوي على «الجامع» ، ومن شرح ابن حجر على «الأربعين النوويّة» .
والحديث ذكره في «الجامع» ، و «الأربعين النووية» ، و «كشف الخفا» ؛ وقالوا: رواه الإمام أحمد، والتّرمذي، وابن ماجه، وأبو يعلى؛ عن أبي هريرة ﵁.
ورواه الإمام أحمد، والطبراني؛ عن الحسن بن علي. ورجالهما ثقات.
ورواه الحكيم في «الكنى والألقاب» ؛ عن أبي بكر، والشيرازيّ؛ عن أبي ذر، والعسكري، والحاكم في «تاريخ نيسابور» ؛ عن علي بن أبي طالب، والطّبرانيّ في «الأوسط» ، عن زيد بن ثابت، وابن عساكر في «التّاريخ» ؛ عن أبي عبد الرحمن: الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المكيّ رفعوه، وقد أوضحه السّخاوي في تخريج أحاديث «الأربعين النووية» .
قال المناوي على «الجامع» : وأشار باستيعاب مخرجيه!! إلى تقوّيه وردّ زعم جمع ضعّفه، ومن ثمّ حسّنه النّووي، بل صحّحه ابن عبد البر، وبذكره خمسة من الصّحابة إلى ردّ قول آخرين لا يصح إلّا مرسلا. انتهى.
٢٣١- ( «من رتع) بفتح المثناة الفوقية فيه وفي مضارعه، أي: رعى مواشيه
стр. 1856
حول الحمى.. يوشك أن يواقعه» .
٢٣٢- «من رضي بقسمة الله.. استغنى» .
(حول) - يعني جانب- (الحمى) - بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مخففة، أي: المكان المحميّ، والمراد به موضع الكلأ الذي منع منه الغير، وتوعّد من رعى فيه- (يوشك) - بكسر الشين مضارع «أوشك» بفتحها أي: يقرب- (أن يواقعه» ) ؛ أي: تأكل ماشيته منه؛ فيعاقب.
شبّه أخذ الشهوات بالراعي، والمحارم بالحمى، والشّبهات بما حوله، فكما أنّ الرّاعي الخائف من عقوبة السلطان يبعد، لأنّه يلزم من القرب منه الوقوع وإن كثر الحذر؛ فيعاقب، كذلك حمى الله تعالى؛ أي: محارمه الّتي حظرها لا ينبغي قرب حماها؛ فضلا عنها، لغلبة الوقوع فيها حينئذ فيستحقّ العقوبة، وأنّ الّذي ينبغي تحرّي البعد عنها، وعمّا يجرّ إليها من الشّبهات ما أمكن، حتّى يسلم من ورطتها.
ومن ثمّ قال تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [١٨٧/ البقرة] ، نهى عن المقاربة حذرا من المواقعة! والقصد إقامة البرهان على تجنّب الشّبهات، لأنّه لمّا كان حمى الله لا يدركه إلّا ذو البصائر؛ كان فيه نوع خفاء فضرب له المثل بالمحسوس، بخلاف حمى الملوك، فإنّه محسوس يحترز عنه كلّ بصير. انتهى ابن حجر «شرح الأربعين» ، ومناوي على «الجامع» .
وهذا قطعة من حديث أخرجه أهل الكتب السّتّة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، وله فوائد جمّة أفردت بالتّأليف، حتى قال بعضهم: إنّه عليه نور النّبوة، عظيم الموقع من الشّريعة.
٢٣٢- ( «من رضي بقسمة الله) - تعالى أي: قنع بما أعطاه الله تعالى؛ ولم يتضجّر، ولم يتسخّط، وشكر الله- (استغنى» ) : اتّصف بالغنى الحقيقي الّذي هو الغنى عن الشّيء؛ لا به، وهو القناعة المحمودة، الّتي توجد في أفراد من النّاس، فليحمد الله على ما أكرمه الله به.
стр. 1857
٢٣٣- «من رضي عن الله.. ﵁» .
والحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز أبي الشيخ بن حيّان.
٢٣٣- ( «من رضي عن الله) ؛ بأن سلّم لقضائه وقدره، من ضيق عيش وبلاء بدن، وفقد ولد؛ مثلا، فلا يتسخّط ولا يتشكّى- ﵁» ) أي: أثابه وأدخله الجنّة ونعمه. قال الطّيبي: ولعلوّ هذه المرتبة التي هي الرّضا من الجانبين خصّ الله كرام الصّحب بها، حيث قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [٨/ البينة] .
قال بعضهم: رضا العبد عن الله: ألايختلج في سرّه أدنى حزازة من وقوع قضاء من أقضيته، بل يجد في قلبه لذلك برد اليقين، وثلج الصّدور، وشهود المصلحة، وزيادة الطّمأنينة.
ورضا الله عن العبد: تأمينه من سخطه، وإحلاله دار كرامته.
وقال السهروردي: الرّضا يحصل لانشراح القلب، وانفساحه، وانشراح القلب من نور اليقين، فإذا تمكّن النّور من الباطن؛ اتّسع الصّدر، وانفتحت عين البصيرة، وعاين حسن تدبير الله، فينزع السّخط والتّضجّر، لأنّ انشراح الصّدر؛ يتضمن حلاوة الحب، وفعل المحبوب، بموقع الرّضا عند المحبّ الصّادق، لأنّ المحبّ يرى أنّ الفعل من المحبوب مراده واختياره، فيفنى في لذّة اختيار المحبوب عن اختيار نفسه.
وقال بعض العارفين: الرّضا عن الله باب الله الأعظم وجنّة الدّنيا ولذّة العارفين، والرّاضوان عن الله في الجنّة، وهم في الدّنيا راضون عنه؛ متلذّذون بمجاري أقضيته، سليمة صدورهم من الغل، مطهّرة قلوبهم عن الفساد، لا يتحاسدون ولا يتباغضون. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع» ، وقال: أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» ، عن عائشة ﵂.
стр. 1858
٢٣٤- «من سرّته حسنته وساءته سيّئته.. فهو مؤمن» .
٢٣٤- ( «من سرّته حسنته) ؛ أي: فرح بها لكونه راجيا ثوابها موقنا بنفعها، (وساءته سيّئته) ؛ أي: حصل له همّ وغمّ بارتكابها؛ (فهو مؤمن» ) كامل الإيمان، لأنّ هذا شأن من أيقن أنّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء، وأنّه يجازيه بعمله، وأمّا من لا يرى للحسنة فائدة ولا للمعصية آفة؛ فذلك يكون من استحكام الغافلة على قلبه، فإيمانه ناقص، ولهذا قال ابن مسعود- فيما خرّجه الحكيم التّرمذي-:
بأنّ المؤمن إذا أذنب فكأنّه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه فتقتله، والمنافق يرى ذنبه كذباب مرّ على أنفه.
فعلامة المؤمن أن توجعه المعصية حتّى يسهر ليله فيما حلّ بقلبه من وجع الذّنب، ويقع في العويل كالّذي فارق محبوبه من الخلق بموت أو غيره، فيتفجّع لفراقه فيقع في النّحيب.
نعم السّرور بالحسنة مقيّد في أخبار أخر؛ بأنّ شرطه ألاينتهي إلى العجب بها، فيسرّ بما يرى من طاعته فيطمئنّ بأفعاله؛ غافلا عن منّة الله فيها، فيكون قد انصرف عن الله إلى نفسه العاجزة الحقيرة الضّعيفة الأمّارة اللّوّامة، فيهلك. ولهذا قال بعض العارفين: ذنب يوصل العبد إلى الله تعالى خير من عبادة تصرفه عنه، وخطيئة تفقره إلى الله خير من طاعة تغنيه عن الله تعالى.
معصية أورثت افتقارا ... خير من الطّاعة واستكبارا
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» ، والسيّوطي في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير» ؛ عن أبي موسى الأشعري بإسناد ضعيف.
ورواه الطّبراني عن أبي أمامة باللّفظ المذكور، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه النّسائي في «الكبرى» باللفظ المزبور؛ عن عمر، فساق
стр. 1859
٢٣٥- «من صمت.. نجا» .
بإسناده إلى جابر بن سمرة: أنّ عمر خطب النّاس فقال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّته ... » الخ.
قال الحافظ العراقي في «أماليه» : صحيح على شرط الشّيخين.
وأخرجه أحمد في «المسند» بلفظ: «من ساءته سيّئته وسرّته حسنته فهو مؤمن» قال- أعني العراقي-: حديث صحيح. انتهى مناوي على «الجامع» .
٢٣٥- ( «من صمت) ؛ أي: سكت عن النطق بما لا يعنيه، أي:
ما لا ثواب فيه، (نجا» ) من العقاب والعتاب يوم الماب، ولذا قال ﷺ : «كفّ عنك هذا، وهل يكبّ النّاس ... » الحديث، ولذا جعل للّسان حبسان: الأسنان والشّفتان.
قال الغزالي: هذا من فصل الخطاب وجوامع كلمه ﷺ ، وجواهر حكمه، ولا يعرف ما تحت كلماته من بحار المعاني؛ إلّا خواصّ العلماء، وذلك أنّ خطر اللّسان عظيم، وآفاته كثيرة؛ من نحو كذب، وغيبة، ونميمة، ورياء، ونفاق، وفحش، ومراء، وتزكية نفس، وخوض في باطل، ومع ذلك إنّ النّفس تميل إليها لأنها سبّاقة إلى اللّسان، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطّبع والشّيطان، فالخائض فيها قلّما يقدر على أن يلزم لسانه، فيطلقه فيما يحبّ، ويكفّه عما لا يحبّ، ففي الخوض خطر، وفي الصّمت سلامة؛ مع ما فيه من جمع الهمّ، ودوام الوقار، وإفراغ الفكر للعبادة، والذكر، والسّلامة من تبعات القول في الدّنيا، ومن حسابه في الآخرة.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: الأحاديث الواردة في الصمت وفضله؛ ك «من صمت نجا» ، وحديث ابن أبي الدّنيا بسند رجاله ثقات: «أيسر العبادة الصّمت» !! لا تعارض حديث ابن عباس الّذي جزم بقضيّته الشّيخ في «التّنبيه» من النّهي عن صمت يوم إلى اللّيل، لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصّمت المرغّب فيه
стр. 1860
٢٣٦- «من ضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنّة» .
ترك الكلام الباطل، وكذا المباح؛ إن جرّ إليه، والصّمت المنهيّ عنه ترك الكلام في الحقّ لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطّرفين. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والتّرمذي في الزّهد؛ عن ابن عمرو بن العاص، وقال: غريب لا نعرفه، إلّا من حديث ابن لهيعة.
قال النّووي في «الأذكار» بعد ما عزاه للتّرمذي: إسناده ضعيف، وإنّما ذكرته!! لأبيّنه لكونه مشهورا.
وقال الزّين العراقي: سند التّرمذي ضعيف، وهو عند الطّبراني بسند جيّد.
وقال المنذري: رواة الطّبراني ثقات. انتهى. وقال ابن حجر: رواته ثقات.
انتهى مناوي على «الجامع» .
٢٣٦- ( «من ضمن لي) - من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية، فأطلق الضّمان وأراد لازمه وهو أداء الحقّ الّذي عليه-
(ما بين لحييه) ؛ بفتح اللّام وسكون المهملة، والتّثنية: هما العظمان بجانبي الفمّ، وأراد بما بينهما اللّسان وما يتأتّى به النّطق.
(وما بين رجليه) ؛ أي: الفرج، ترك التّصريح به استهجانا له واستحياء، لأنّه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
والمعنى: من أدّى الحقّ الّذي على لسانه، من النّطق بما يجب عليه أو الصّمت عما لا يعنيه، وأدّى الحقّ الّذي على فرجه من وضعه في الحلال، وكفّه عن الحرام.
(ضمنت له على الله الجنّة» ) أي: دخوله إياها؛ قاله الحافظ وغيره.
وقال الدّاودي أحمد بن نصر المالكي: المراد بما بين اللّحيين الفم بتمامه،
следующие страницы →