حول الحمى.. يوشك أن يواقعه» .
٢٣٢- «من رضي بقسمة الله.. استغنى» .
(حول) - يعني جانب- (الحمى) - بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مخففة، أي: المكان المحميّ، والمراد به موضع الكلأ الذي منع منه الغير، وتوعّد من رعى فيه- (يوشك) - بكسر الشين مضارع «أوشك» بفتحها أي: يقرب- (أن يواقعه» ) ؛ أي: تأكل ماشيته منه؛ فيعاقب.
شبّه أخذ الشهوات بالراعي، والمحارم بالحمى، والشّبهات بما حوله، فكما أنّ الرّاعي الخائف من عقوبة السلطان يبعد، لأنّه يلزم من القرب منه الوقوع وإن كثر الحذر؛ فيعاقب، كذلك حمى الله تعالى؛ أي: محارمه الّتي حظرها لا ينبغي قرب حماها؛ فضلا عنها، لغلبة الوقوع فيها حينئذ فيستحقّ العقوبة، وأنّ الّذي ينبغي تحرّي البعد عنها، وعمّا يجرّ إليها من الشّبهات ما أمكن، حتّى يسلم من ورطتها.
ومن ثمّ قال تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [١٨٧/ البقرة] ، نهى عن المقاربة حذرا من المواقعة! والقصد إقامة البرهان على تجنّب الشّبهات، لأنّه لمّا كان حمى الله لا يدركه إلّا ذو البصائر؛ كان فيه نوع خفاء فضرب له المثل بالمحسوس، بخلاف حمى الملوك، فإنّه محسوس يحترز عنه كلّ بصير. انتهى ابن حجر «شرح الأربعين» ، ومناوي على «الجامع» .
وهذا قطعة من حديث أخرجه أهل الكتب السّتّة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، وله فوائد جمّة أفردت بالتّأليف، حتى قال بعضهم: إنّه عليه نور النّبوة، عظيم الموقع من الشّريعة.
٢٣٢- ( «من رضي بقسمة الله) - تعالى أي: قنع بما أعطاه الله تعالى؛ ولم يتضجّر، ولم يتسخّط، وشكر الله- (استغنى» ) : اتّصف بالغنى الحقيقي الّذي هو الغنى عن الشّيء؛ لا به، وهو القناعة المحمودة، الّتي توجد في أفراد من النّاس، فليحمد الله على ما أكرمه الله به.
стр. 1857
٢٣٣- «من رضي عن الله.. ﵁» .
والحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز أبي الشيخ بن حيّان.
٢٣٣- ( «من رضي عن الله) ؛ بأن سلّم لقضائه وقدره، من ضيق عيش وبلاء بدن، وفقد ولد؛ مثلا، فلا يتسخّط ولا يتشكّى- ﵁» ) أي: أثابه وأدخله الجنّة ونعمه. قال الطّيبي: ولعلوّ هذه المرتبة التي هي الرّضا من الجانبين خصّ الله كرام الصّحب بها، حيث قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [٨/ البينة] .
قال بعضهم: رضا العبد عن الله: ألايختلج في سرّه أدنى حزازة من وقوع قضاء من أقضيته، بل يجد في قلبه لذلك برد اليقين، وثلج الصّدور، وشهود المصلحة، وزيادة الطّمأنينة.
ورضا الله عن العبد: تأمينه من سخطه، وإحلاله دار كرامته.
وقال السهروردي: الرّضا يحصل لانشراح القلب، وانفساحه، وانشراح القلب من نور اليقين، فإذا تمكّن النّور من الباطن؛ اتّسع الصّدر، وانفتحت عين البصيرة، وعاين حسن تدبير الله، فينزع السّخط والتّضجّر، لأنّ انشراح الصّدر؛ يتضمن حلاوة الحب، وفعل المحبوب، بموقع الرّضا عند المحبّ الصّادق، لأنّ المحبّ يرى أنّ الفعل من المحبوب مراده واختياره، فيفنى في لذّة اختيار المحبوب عن اختيار نفسه.
وقال بعض العارفين: الرّضا عن الله باب الله الأعظم وجنّة الدّنيا ولذّة العارفين، والرّاضوان عن الله في الجنّة، وهم في الدّنيا راضون عنه؛ متلذّذون بمجاري أقضيته، سليمة صدورهم من الغل، مطهّرة قلوبهم عن الفساد، لا يتحاسدون ولا يتباغضون. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع» ، وقال: أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» ، عن عائشة ﵂.
стр. 1858
٢٣٤- «من سرّته حسنته وساءته سيّئته.. فهو مؤمن» .
٢٣٤- ( «من سرّته حسنته) ؛ أي: فرح بها لكونه راجيا ثوابها موقنا بنفعها، (وساءته سيّئته) ؛ أي: حصل له همّ وغمّ بارتكابها؛ (فهو مؤمن» ) كامل الإيمان، لأنّ هذا شأن من أيقن أنّ الله تعالى لا يخفى عليه شيء، وأنّه يجازيه بعمله، وأمّا من لا يرى للحسنة فائدة ولا للمعصية آفة؛ فذلك يكون من استحكام الغافلة على قلبه، فإيمانه ناقص، ولهذا قال ابن مسعود- فيما خرّجه الحكيم التّرمذي-:
بأنّ المؤمن إذا أذنب فكأنّه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه فتقتله، والمنافق يرى ذنبه كذباب مرّ على أنفه.
فعلامة المؤمن أن توجعه المعصية حتّى يسهر ليله فيما حلّ بقلبه من وجع الذّنب، ويقع في العويل كالّذي فارق محبوبه من الخلق بموت أو غيره، فيتفجّع لفراقه فيقع في النّحيب.
نعم السّرور بالحسنة مقيّد في أخبار أخر؛ بأنّ شرطه ألاينتهي إلى العجب بها، فيسرّ بما يرى من طاعته فيطمئنّ بأفعاله؛ غافلا عن منّة الله فيها، فيكون قد انصرف عن الله إلى نفسه العاجزة الحقيرة الضّعيفة الأمّارة اللّوّامة، فيهلك. ولهذا قال بعض العارفين: ذنب يوصل العبد إلى الله تعالى خير من عبادة تصرفه عنه، وخطيئة تفقره إلى الله خير من طاعة تغنيه عن الله تعالى.
معصية أورثت افتقارا ... خير من الطّاعة واستكبارا
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» ، والسيّوطي في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير» ؛ عن أبي موسى الأشعري بإسناد ضعيف.
ورواه الطّبراني عن أبي أمامة باللّفظ المذكور، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه النّسائي في «الكبرى» باللفظ المزبور؛ عن عمر، فساق
стр. 1859
٢٣٥- «من صمت.. نجا» .
بإسناده إلى جابر بن سمرة: أنّ عمر خطب النّاس فقال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّته ... » الخ.
قال الحافظ العراقي في «أماليه» : صحيح على شرط الشّيخين.
وأخرجه أحمد في «المسند» بلفظ: «من ساءته سيّئته وسرّته حسنته فهو مؤمن» قال- أعني العراقي-: حديث صحيح. انتهى مناوي على «الجامع» .
٢٣٥- ( «من صمت) ؛ أي: سكت عن النطق بما لا يعنيه، أي:
ما لا ثواب فيه، (نجا» ) من العقاب والعتاب يوم الماب، ولذا قال ﷺ : «كفّ عنك هذا، وهل يكبّ النّاس ... » الحديث، ولذا جعل للّسان حبسان: الأسنان والشّفتان.
قال الغزالي: هذا من فصل الخطاب وجوامع كلمه ﷺ ، وجواهر حكمه، ولا يعرف ما تحت كلماته من بحار المعاني؛ إلّا خواصّ العلماء، وذلك أنّ خطر اللّسان عظيم، وآفاته كثيرة؛ من نحو كذب، وغيبة، ونميمة، ورياء، ونفاق، وفحش، ومراء، وتزكية نفس، وخوض في باطل، ومع ذلك إنّ النّفس تميل إليها لأنها سبّاقة إلى اللّسان، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطّبع والشّيطان، فالخائض فيها قلّما يقدر على أن يلزم لسانه، فيطلقه فيما يحبّ، ويكفّه عما لا يحبّ، ففي الخوض خطر، وفي الصّمت سلامة؛ مع ما فيه من جمع الهمّ، ودوام الوقار، وإفراغ الفكر للعبادة، والذكر، والسّلامة من تبعات القول في الدّنيا، ومن حسابه في الآخرة.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: الأحاديث الواردة في الصمت وفضله؛ ك «من صمت نجا» ، وحديث ابن أبي الدّنيا بسند رجاله ثقات: «أيسر العبادة الصّمت» !! لا تعارض حديث ابن عباس الّذي جزم بقضيّته الشّيخ في «التّنبيه» من النّهي عن صمت يوم إلى اللّيل، لاختلاف المقاصد في ذلك، فالصّمت المرغّب فيه
стр. 1860
٢٣٦- «من ضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنّة» .
ترك الكلام الباطل، وكذا المباح؛ إن جرّ إليه، والصّمت المنهيّ عنه ترك الكلام في الحقّ لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطّرفين. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والتّرمذي في الزّهد؛ عن ابن عمرو بن العاص، وقال: غريب لا نعرفه، إلّا من حديث ابن لهيعة.
قال النّووي في «الأذكار» بعد ما عزاه للتّرمذي: إسناده ضعيف، وإنّما ذكرته!! لأبيّنه لكونه مشهورا.
وقال الزّين العراقي: سند التّرمذي ضعيف، وهو عند الطّبراني بسند جيّد.
وقال المنذري: رواة الطّبراني ثقات. انتهى. وقال ابن حجر: رواته ثقات.
انتهى مناوي على «الجامع» .
٢٣٦- ( «من ضمن لي) - من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية، فأطلق الضّمان وأراد لازمه وهو أداء الحقّ الّذي عليه-
(ما بين لحييه) ؛ بفتح اللّام وسكون المهملة، والتّثنية: هما العظمان بجانبي الفمّ، وأراد بما بينهما اللّسان وما يتأتّى به النّطق.
(وما بين رجليه) ؛ أي: الفرج، ترك التّصريح به استهجانا له واستحياء، لأنّه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
والمعنى: من أدّى الحقّ الّذي على لسانه، من النّطق بما يجب عليه أو الصّمت عما لا يعنيه، وأدّى الحقّ الّذي على فرجه من وضعه في الحلال، وكفّه عن الحرام.
(ضمنت له على الله الجنّة» ) أي: دخوله إياها؛ قاله الحافظ وغيره.
وقال الدّاودي أحمد بن نصر المالكي: المراد بما بين اللّحيين الفم بتمامه،
стр. 1861
.........
فيتناول الأقوال كلّها والأكل والشّرب وسائر ما يتأتّى بالفم من النّطق، والفعل؛ كتقبيل وعضّ وشتم.
قال- أعني الدّاودي-: ومن تحفّظ من ذلك أمن من الشرّ كلّه، لأنّه لم يبق إلّا السّمع والبصر. قال الحافظ: وخفي عليه أنّه بقي البطش باليدين؛ وإنّما محمل الحديث على أنّ النّطق باللّسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلّا في خير سلم.
وقال ابن بطّال: دلّ الحديث على أنّ أعظم البلايا على المرء في الدّنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرّهما وقي أعظم الشّرّ. انتهى. يعني فخصّهما بالذكر لذلك.
وقال الطّيبي أصل الكلام: من يحفظ ما بين لحييه من اللّسان والفم فيما لا يعنيه من الكلام والطّعام يدخل الجنّة، فأراد أن يؤكّد الوعد تأكيدا بليغا، فأبرزه في صورة التّمثيل ليشير بأنّه واجب الأداء؛ فشبّه صورة حفظ المؤمن نفسه، بما وجب عليه من أمر النّبي ﷺ ونهيه، وشبّه ما يترتّب عليه من الفوز بالجنّة، وأنّه واجب على الله تعالى بحسب الوعد أداؤه، وأنّه ﷺ هو الواسطة والشّفيع بينه وبين الله تعالى بصورة شخص له حقّ واجب الأداء على آخر، فيقوم به ضامن منّا يتكفّل له بأداء حقّه، وأدخل المشبّه في جنس صورة المشبّه به، وجعله فردا من أفراده، ثمّ ترك المشبّه به، وجعل القرينة الدّالة عليه ما يستعمل فيه من الضّمان؛ ونحوه في التمثيل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [١١١/ التوبة] انتهى. شرح الزّرقاني على «المواهب» ، وشروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» ، وفي «المواهب» وقالا: رواه جماعة؛ منهم العسكري عن جابر بهذا اللّفظ مرفوعا.
وأخرجه البخاري في «الرّقاق» و «المحاربين» ، والتّرمذيّ في «الزّهد» ؛ وقال: حسن صحيح غريب؛ كلاهما عن سهل بن سعد السّاعدي بلفظ:
стр. 1862
٢٣٧- «من عمل بما علم.. ورّثه الله علم ما لم يعلم» .
«من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنّة» . وفي لفظ عند الطّبراني بسند جيد؛ عن أبي رافع: «من توكّل لي ما بين فقميه ورجليه أتوكّل له بالجنّة» ، وفي لفظ آخر: «من تكفّل لي تكفّلت له» . وتكلّم عليها العسكري.
وروى التّرمذي وابن حبّان والحاكم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
«من وقاه الله شرّ ما بين لحييه وشرّ ما بين رجليه دخل الجنّة» ، وفي لفظ عنه «من حفظ ما بين لحييه» .
وللدّيلمي والبيهقي بسند ضعيف؛ عن أنس رفعه:
«من وقي شرّ قبقبه وذبذبه ولقلقه وجبت له الجنّة» .
ولفظ الإحياء «فقد وقي» ؛ بدل «وجبت له الجنّة» .
وفي الباب عن ابن عبّاس وآخرين.
«وقبقبه» - بقافين مفتوحتين وموحدتين؛ أولاهما ساكنة-: البطن؛ من القبقبة، وهي صوت يسمع من البطن.
«وذبذبه» - بذلين معجمتين مفتوحتين وموحّدتين؛ أولاهما ساكنة-:
الذكر.
«ولقلقه» - بلامين مفتوحتين وقافين؛ أولاهما ساكنة-: اللّسان، ويجوز أن يكون القبقبة كناية عن أكل الحرام؛ وفي هذا كلّه تحذير عظيم من شهوتي البطن والفرج، وأنّهما مهلكة ولا يقدر على كسر شهوتهما إلّا الصّدّيقون. انتهى «كشف الخفا» ، وزرقاني على «المواهب» .
٢٣٧- ( «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم» ) أي: العلم اللّدنيّ، الّذي هو موهبة من الله؛ يدرك به العبد ما للنفس من الحظوظ، وما للحقّ من الحقوق، فيترك ما لها من الحظوظ، ويقوم بما للحقّ من الحقوق، وهو معنى قول
стр. 1863
.........
البعض «أراد به: إلهامه علم ما لم يتعلّم من مزيد معرفة الله تعالى، وخدع النّفس والشّيطان، غرور الدّنيا وآفات العمل؛ من نحو عجب ورياء وكبر، ورياضة النّفس وتهذيبها، وتحمّل الصّبر على مرّ القضاء، والشّكر على النّعماء، والثّقة بما وعد، والتّوكّل عليه، وتحمّل أذى الخلق» .
وقد ثبت أنّ دقائق علوم الصّوفيّة منح إلهيّة، ومواهب اختصاصيّة؛ لا تنال بمعتاد الطلب.
فلزم مراعاة وجه تحصيل ذلك؛ وهو ثلاث:
الأوّل: العمل بما علم على قدر الاستطاعة.
الثّاني: اللجأ إلى الله تعالى على قدر الهمّة.
الثّالث: إطلاق النّظر في المعاني حال الرجوع لأهل السّنّة، ليحصل الفهم وينتفي الخطأ، ويتيسّر الفتح.
وقد أشار لذلك الجنيد بقوله: ما أخذنا التّصوّف عن القيل والقال، والمراء والجدال، بل عن الجوع والسّهر ولزوم الأعمال.
قال الغزالي: من انكشف له ولو الشيء اليسير؛ بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري؛ فقد صار عارفا بصحّة الطّريق، ومن لم ير ذلك من نفسه! فينبغي أن يؤمن به، فإنّ درجة المعرفة عزيزة جدا.
ويشهد لذلك شواهد الشّرع والتّجارب والوقائع، فكلّ حكم يظهر في القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلّم؛ فهو بطريق الكشف والإلهام.
وقال حجّة الإسلام: يتعيّن أن يكون أكثر الاهتمام بعلم الباطن، ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، وصدق الرّجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة، فإنّ المجاهدة تقضي إلى المشاهدة، فجاهد تشاهد دقائق علم القلوب، وتنفجر منها ينابيع الحكمة من القلب.
стр. 1864
.........
أما الكتب في التعليم فلا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والحدّ، إنّما تنفتح بالمجاهدة، قال: وكم من متعلم طال تعلّمه، ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على المهمّ في التّعلّم، ومتوفّر على العمل، ومراقبة القلب؛ فتح الله [له] «١» من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب. انتهى.
هذا؛ وقد سئل الشيخ عز الدين عن معنى قوله ﷺ «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم» : وما العلم الّذي إذا عمل به ورث؟، وما العلم الموروث؟، وما صفة التّوريث؛ أهو العلم أو غيره؟! فبعض النّاس قال: إنّما هذا مخصوص بالعالم- يعني: أنّه إذا عمل بعلمه ورّث ما لم يعلم، بأن يوفّق ويسدّد إذا نظر في الوقائع-، فهل يصحّ هذا الكلام أم لا.
أجاب: معنى الحديث أنّ من عمل بما يعلمه، من واجبات الشّرع ومندوباته، واجتناب مكروهاته ومحرماته؛ أورثه الله من العلم الإلهي ما لم يعلمه من ذلك، كقوله تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[٦٩/ العنكبوت] . هذا هو الظّاهر من الحديث المتبادر إلى الفهم، ولا يجوز حمله على أهل النّظر في علوم الشّرع، لأنّ ذلك تخصيص للحديث بغير دليل، وإذا حمل على ظاهره وعمومه دخل فيه الفقهاء وغيرهم. انتهى.
وقال الإمام مالك: علم الباطن لا يعرفه إلّا من عرف علم الظّاهر، فمن علم الظّاهر وعمل به فتح الله عليه علم الباطن، ولا يكون ذلك إلّا مع فتح قلبه وتنويره.
وقال: ليس العلم بكثرة الرّواية، وإنّما العلم نور يقذفه الله في القلب. يشير إلى علم الباطن.
قال يحيى بن معاذ: التقى ابن أبي الحواري وأحمد بن حنبل، فقال أحمد:
حدّثنا بحكاية سمعتها من أستاذك الدّاراني. فقال: يا أحمد؛ قل: سبحان الله وطوّلها بلا عجب. قال: سبحان الله وطوّلها بلا عجب.
стр. 1865
٢٣٨- «من غشّنا.. فليس منّا» .
قال: سمعته يقول: إذا اعتقدت النّفس على ترك الآثام جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة؛ من غير أن يؤدي إليها عالم علما.
فقام أحمد وقعد «ثلاثا» ؛ وقال: ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجب من هذه. ثمّ ذكر حديث «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم» .
قال التّونسيّ: اجتمع العارف علي وفا والإمام البلقيني، فتكلّم عليّ معه بعلوم بهرت عقله. فقال البلقيني: من أين لك هذا؛ يا علي! قال: من قوله تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [٢٨٢/ البقرة] فأسكت. انتهى. من شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» ؛ مرموزا له برمز الطّبراني، وذكره في «الكشف» ، وقال: رواه أبو نعيم؛ عن أنس ﵁.
٢٣٨- ( «من غشّنا) - أي: لم ينصحنا وزيّن لنا غير المصلحة- (فليس منّا» ) أي: ليس على طريقتنا ومنهاجنا، لأن طريقتنا الزّهد في الدّنيا، والرّغبة عنها، وعدم الرّغبة والطّمع الباعثين على الغشّ.
قال الطّيبي: لم يرد نفيه عن الإسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين.
أي: ليس هو على سنّتنا وطريقتنا من مناصحة الإخوان، كما يقول الإنسان لصاحبه (أنا منك) يريد الموافقة والمتابعة، قال تعالى عن إبراهيم ﵇ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [٣٦/ إبراهيم] .
وهذا قاله ﷺ لمّا مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها؛ فابتلّت أصابعه.
فقال: «ما هذا» ! قال: أصابته السماء. قال: «أفلا جعلته فوق الطّعام ليراه النّاس» ! فذكر الحديث.
رواه مسلم في «صحيحه» ؛ من حديث أبي هريرة بزيادة: «ومن حمل علينا السّلاح فليس منّا» . وفي رواية له أيضا: «من غشّ فليس منّي» .
стр. 1866
٢٣٩- «من فارق الجماعة شبرا.. فقد خلع ربقة الإسلام» .
وأخرجه العسكري بلفظ التّرجمة، وزاد «قيل يا رسول الله؛ ما معنى ليس منّا!! - قال- ليس مثلنا» . وعند أبي نعيم والطّبراني في «الكبير» و «الصغير» برجال ثقات؛ عن ابن مسعود رفعه: «من غشّنا فليس منّا، والمكر والخداع في النّار» ؛ أي: صاحبهما يستحقّ دخول النّار إن لم يعف الله عنه، لأن الداعي إلى ذلك الحرص والشّحّ والرغبة في الدّنيا، وذلك يجرّ إلى النّار. وأخذ الذّهبي أنّ الثلاثة من الكبائر، فعدّها منها. وللدّارقطني بسند ضعيف؛ عن أنس: «من غشّ أمّتي فعليه لعنة الله» انتهى زرقاني على «المواهب» .
٢٣٩- ( «من فارق) بقلبه ولسانه واعتقاده، أو ببدنه ولسانه (الجماعة) المعهودين؛ وهم جماعة المسلمين.
قال العامريّ في «شرح الشهاب» : لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين لما اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام، ومكارم الأخلاق، وترقّي السّابقين منهم إلى درجة الإحسان؛ وإن قلّ عددهم، حتّى لو اجتمع التّقوى والإحسان في واحد كان هو الجماعة. انتهى.
(شبرا) أي: قدر شبر. كنى به عن ترك السّنّة والتمسّك بالبدعة؛ ولو بأدنى نوع من أنواع التّرك، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة؛
(فقد خلع ربقة الإسلام» ) من عنقه، أي: أهمل حدود الله وأوامره ونواهيه، وتركها بالكليّة. قال في «النّهاية» : مفارقة الجماعة ترك السّنّة واتّباع البدعة، والرّبقة- في الأصل-: عروة تجعل في عنق البهيمة أو يدها، تمسكها. فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشدّ به المسلم نفسه من عرى الإسلام؛ أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه. انتهى.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد، وأبو داود والحاكم؛ عن أبي ذرّ.
стр. 1867
٢٤٠- «من كثّر سواد قوم.. فهو منهم» .
وأخرجه الإمام أحمد؛ عن رجل من أصحاب النّبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «وأنا آمركم بخمس إلى أن قال: «فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه» الحديث، ورجاله ثقات رجال الصّحيح، خلا عليّ بن إسحاق السّلمي وهو ثقة. ورواه الطّبراني باختصار؛ إلّا أنّه قال «من فارق الجماعة قيد قوس، لم تقبل منه صلاة ولا صيام، وأولئك هم وقود النّار» .
ورواه الطّبراني؛ عن معاذ بن جبل قال:
قال رسول الله ﷺ : «ألا إنّ الجنّة لا تحلّ لعاص- إلى أن قال- ومن خرج من الجماعة قيد شبر متعمّدا؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ... الحديث. وفي سنده عمرو بن واقد وهو متروك.
وأخرجه الطّبراني؛ عن أبي الدّرداء قال: قام فينا رسول الله- إلى أن قال:
«ومن خرج من الطّاعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ... الحديث، وفي سنده عمرو بن رويبه. وهو متروك.
وأخرجه البزّار والطّبراني في «الأوسط» ؛ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «من فارق الجماعة قياس- أو قيد- شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ... الحديث. وفي سنده خليد بن دعلج، وهو ضعيف؛ ذكره في «مجمع الزوائد» .
٢٤٠- ( «من كثّر سواد قوم) ؛ بأن عاشرهم وناصرهم وسكن معهم (فهو منهم» ) وإن لم يكن من قبيلتهم أو بلدهم؛ يعني: أنّ له حكمهم من صلاح وغيره، وفيه تلميح إلى مجانبة أعداء الله ومباعدتهم، والتحرّز عن مخالطتهم، وعن التشبّه بهم إذ صدور ذلك من المسلم دالّ على ضعف إيمانه، لأنّ المشابهة والمشاكلة في الأمور الظّاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، والمشاركة في الهدي الظّاهر توجب مناسبة وائتلاف؛ وإن بعد المكان والزّمان، وهذا أمر محسوس،
стр. 1868
٢٤١- «من كنت مولاه.. فعليّ مولاه» .
فمرافقتهم ومساكنتهم- ولو قليلا- سبب ومظنة لاكتساب أخلاقهم وأفعالهم المذمومة، بل هي سبب لمشابهتهم في نفس الاعتقادات، فيصير مساكن الكافر مثله.
وأيضا المشاركة في الظّاهر تورث نوع مودّة ومحبّة وموالاة في الباطن، كما أنّ المحبّة في الباطن تورّث المشابهة، وهذا مما يشهد به الحس، فإن الرّجلين إذا كانا من بلد؛ واجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودّة والائتلاف أمر عظيم بموجب الطبع، وإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورّث المحبّة والموالاة؛ فكيف المشابهة في الأمور الدينية!! انتهى «مناوي» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» ؛ وقال: رواه أبو يعلى، وعلي بن معبد في «كتاب الطاعة» أنّ رجلا دعا ابن مسعود إلى وليمة، فلما جاء ليدخل سمع لهوا؛ فلم يدخل، فقيل له!! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كثّر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل» . وهكذا عند الدّيلمي بهذه الزيادة.
ولابن المبارك في «الزّهد» ؛ عن أبي ذرّ نحوه موقوفا، وشاهده حديث:
«من تشبّه بقوم فهو منهم» وتقدّم. انتهى. وذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى.
٢٤١- ( «من كنت مولاه) أي: وليّه وناصره (فعليّ مولاه» ) .
قال الشّافعي: أراد بذلك ولاء الإسلام، لقوله تعالى ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) [محمد] انتهى «عزيزي» .
وخصّ سيدنا عليّا لمزيد علمه، ودقائق مستنبطاته وفهمه، وحسن سيرته، وصفاء سريرته، وكرم شيمته، ورسوخ قدمه.
قيل: سببه أنّ أسامة قال لعلي: لست مولاي، إنّما مولاي رسول الله ﷺ !.
стр. 1869
٢٤٢- «من لا يرحم.. لا يرحم» .
فقال النّبي ﷺ : «من كنت مولاه فعليّ مولاه» .
قال ابن حجر: حديث كثير الطّرق جدا استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد؛ منها صحاح، ومنها حسان، وفي بعضها: قال ذلك يوم غدير خمّ.
وزاد البزّار في رواية: «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» .
ولا حجّة في ذلك على تفضيله على الشّيخين؛ كما هو مقرّر في محلّه من فن الأصول. انتهى مناوي على «الجامع» .
وذكره «في كشف الخفا» وقال: رواه الطّبراني، وأحمد، والضياء في «المختارة» ؛ عن زيد بن أرقم وعليّ وثلاثين من الصّحابة بلفظ: «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» . فالحديث متواتر؛ أو مشهور. انتهى.
وذكره في «الجامع الصغير» ، وفي «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» للجلال السّيوطي رحمه الله تعالى.
٢٤٢- ( «من لا يرحم) بالبناء للفاعل ( «لا يرحم» ) بالبناء للمفعول، أي:
من لا يكون من أهل الرّحمة لا يرحمه الله، أو من لا يرحم النّاس بالإحسان لا يثاب من قبل الله هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [٦٠/ الرحمن] .
قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المعنى: من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه؛ لا يرحمه الله في الآخرة. انتهى.
وهو بالرّفع فيها [يرحم؛ يرحم] «١» على الخبر، وبالجزم [يرحم، يرحم] «١» على أنّ «من» موصولة أو شرطيّة، ورفع الأول وجزم الثاني [يرحم، يرحم] «١» وعكسه [يرحم، يرحم] «١» .
стр. 1870
٢٤٣- «من لم يكن ذئبا.. أكلته الذّئاب» .
٢٤٤- «من مزح.. استخفّ به» .
قال ابن بطّال: وفيه الحضّ على استعمال الرّحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر والبهائم، ويدخل في الرّحمة التّعاهد بالإطعام والسّقي، والتّخفيف من الحمل، وترك التعدي بالضرب، انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه الشيخان وغيرهما؛ عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وغيرهما: البخاري في «كتاب الأدب؛ باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته» ، وفي «باب رحمة النّاس والبهائم» واللّفظ له، ومسلم في كتاب الفضائل؛ باب رحمته ﷺ الصّبيان وتواضعه وفضل ذلك ... الخ
وهو حديث متواتر ذكره السّيوطي في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» عن عدّة من الصّحابة رضوان الله عليهم.
وسببه أنّ النّبي ﷺ قبّل الحسين، فقال الأقرع بن حابس: لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا! فنظر إليه ... فذكر الحديث. انتهى.
وبمعناه حديث الرحمة المسلسل بالأولية، وهو قوله ﵊: «الرّاحمون يرحمهم الرّحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء» .
وقد ذكرت من أخرجه في رسالتي «إعانة رب البرية على تراجم رجال الحديث المسلسل بالأولية» مع ذكر إسنادي المسلسل به؛ فليراجع ذلك من شاء فيها. والله أعلم.
٢٤٣- ( «من لم يكن ذئبا أكلته الذّئاب» ) ؛ أخرجه الطّبراني في «الأوسط» ؛ عن أنس رفعه بلفظ: «يأتي على النّاس زمان هم ذئاب، فمن لم يكن ذئبا أكلته الذّئاب» .
قال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» : وفيه من لم أعرفهم. انتهى.
٢٤٤- ( «من مزح استخفّ به» ) أي: هان على النّاس، ونظروا إليه بعين
стр. 1871
٢٤٥- «من نوقش الحساب ...
الاحتقار والهوان فاحفظ لسانك منه، فإنّه يسقط المهابة، ويريق ماء الوجه، ويستجرّ الوحشة، ويؤذي القلوب، وهو مبدأ اللّجاج والغضب والتّضارب، ومغرس الحقد في القلوب، فإن مازحك غيرك! فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره، وكن من الّذين إذا مرّوا باللّغو مروا كراما. انتهى.
وقال في الأذكار: المزاح المنهيّ عنه ما فيه إفراط ومداومة، فإنّه يورّث الضّحك والقسوة ويشغل عن الذّكر والفكر في مهمات الدّين؛ فيورّث الحقد، ويسقط المهابة والوقار، وما سلم من ذلك هو المباح الّذي كان المصطفى ﷺ يفعله، فإنّه إنّما كان يفعله نادرا لمصلحة، كموانسة وتطييب نفس المخاطب، وهذا لا منع منه قطعا، بل هو مستحبّ. انتهى.
والحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز ابن عساكر، وذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلمي، في «مسند الفردوس» ؛ عن أنس ﵁؛ لكن بلفظ: «الصّمت سيّد الأخلاق، ومن مزح استخفّ به» .
قال المناوي: وتمامه «ومن حمل الأمر على القضاء استراح» . انتهى.
وفي كتاب «كشف الخفا» للعجلوني: الصّواب أنّه من قول عمر، وأنّ الأحنف قال: قال لي عمر: يا أحنف؛ من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استخفّ به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه.
ورواه ابن عساكر وقال: غريب الإسناد والمتن عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «من كثر ضحكه استخفّ بحقّه، ومن كثرت دعابته ذهبت جلالته، ومن كثر مزاحه ذهب وقاره، ومن شرب الماء على الرّيق ذهب بنصف قوّته، ومن كثر كلامه كثرت خطاياه، ومن كثرت خطاياه فالنّار أولى به» . انتهى.
٢٤٥- ( «من نوقش) بضم النّون وكسر القاف (الحساب) - بالنّصب؛ بنزع
стр. 1872
عذّب» .
الخافض، أي: من ضويق في حسابه بحيث سئل عن كل شيء؛ فاستقصي في حسابه حتّى لم يترك منه شيء من الكبائر ولا من الصّغائر إلّا وأوخذ به (عذّب» ) بضمّ أوّله وكسر الذّال المعجمة- أي: تكون تلك المضايقة عذابا، لما فيها من التّوبيخ، أو إنها سبب يفضي إلى العذاب، لأنّ التّقصير غالب على العباد، فمن استقصي عليه ولم يسامح هلك وعذب؛ أي: ومن لم يناقش الحساب لا يعذب، بل يحاسب حسابا يسيرا، أو لا يحاسب أصلا.
قال الحكيم التّرمذي: يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف فيمحّص في البرزخ؛ فيخرج وقد اقتصّ منه. انتهى مناوي وحفني على «الجامع» .
والحديث أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والتّرمذي؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وتمامه: قالت عائشة: فقلت أليس يقول الله فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) [الانشقاق] ؛ أي: سهلا هيّنا بأن يجازى على الحسنات الّتي صدرت منه في حياته، ويتجاوز عن سيئاته!؟ قال: «ذلك- بكسر الكاف- العرض» - بفتح العين المهملة وسكون الرّاء- أي: عرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منّة الله تعالى عليه في سترها عليه عن النّاس في الدّنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، فله الحمد على منّته على عباده المؤمنين وإتحافهم بسعادتهم في الدّارين.
وللإمام أحمد من وجه آخر؛ عن عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته «اللهمّ حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت: يا رسول الله؛ ما الحساب اليسير؟! قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنّ من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» انتهى.
فعائشة ﵂ فهمت أنّ الحديث معارض للآية!! لأنّ «من» من صيغ العموم، فظنّت أنّ كلّ من حوسب معذّب؛ مع أنّ ظاهر قوله تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) [الانشقاق] دالّ على أنّ الحساب لا يستلزم العذاب فأزال ﷺ الإشكال
стр. 1873
٢٤٦- «منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا» .
عنها بقوله «ذلك العرض» ، فاقتنعت، مع أنّها ﵂ لو تأمّلت في قوله «من نوقش الحساب» لعلمت أنّ هذا الحديث لا يعارض قوله تعالى فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) [الانشقاق] ، لأن الآية خاصّة بمن أوتي كتابه بيمينه دون غيره، فلذلك وصف تعالى حسابه بكونه حسابا يسيرا، والحساب غير المناقشة، بل هو العرض الّذي تقدّم معناه، ولذلك أجابها النّبي ﷺ بقوله «ذلك العرض» ، هذا ما تبادر للذّهن.
قال شيخ مشايخنا في «زاد المسلم في ما اتفق عليه البخاري ومسلم» قال:
وبنحوه ساق الأبّي كيفيّة جوابه ﷺ لها على مقتضى القواعد المنطقيّة حيث قال في شرح هذا الحديث: فهمت ﵂ أنّ الحديث معارض للآية، لأنّ الحديث في قوّة موجبة كلية؛ أي: كلّ من نوقش الحساب عذّب، والآية في قوة سالبة جزئية، أي: تعطي أنّ من يحاسب ليس بمعذّب.
وحاصل جوابه: أنّه لم يتّحد الموضوع، لأنّه في الكلّيّة من نوقش. وفي الجزئيّة من حوسب، والمناقشة غير المحاسبة. انتهى.
٢٤٦- ( «منهومان) تثنية منهوم، وهو: شديد الشّهوة المنكبّ على الشّيء طلبا لحيازته (لا يشبعان) ، لعدم انتهاء حرصهما وهما: (طالب علم، وطالب دنيا) . فمن كان شديد الشّهوة لجمع المال أو طلب العلم لا يشبع من ذلك، إذ ليس للعلم غاية ينتهي إليها، ولا للمال غاية ينتهي إليها فلهذا لا يشبعان.
قال بعضهم: ما استكثر أحد من شيء إلّا ملّه وثقل عليه إلّا العلم والمال، فإنّه كلما زاد اشتهى له، ولكنهما لا يستويان، أمّا صاحب الدّنيا فيتمادى في الطّغيان، وأمّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرّحمن. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه الطّبراني في «الكبير» والقضاعي؛ عن ابن مسعود رفعه.
стр. 1874
٢٤٧- «المؤمن.. مرآة المؤمن» .
وهو عند البيهقي في «المدخل» ؛ عن ابن مسعود أنّه قال: «منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا؛ ولا يستويان، أمّا صاحب الدّنيا فيتمادى في الطّغيان، وأمّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرّحمن» ثم قرأ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) [العلق] ، وقوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] وقال: إنّه موقوف ومنقطع، ثمّ ساقه عن أنس مرفوعا بلفظ: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدّنيا لا يشبع منها» .
قال: وروي عن كعب الأحبار من قوله، ورواه البزّار، من حديث ليث بن أبي سليم عن طاووس- أو مجاهد- عن ابن عباس مرفوعا بلفظ التّرجمة. وقال:
لا نعلمه يروى من وجه أحسن من هذا.
ورواه العسكري عنه بلفظ: «منهومان لا يقضي واحد منهما نهمته: منهوم في طلب العلم، ومنهوم في طلب الدّنيا» .
وأخرجه العسكريّ أيضا عن أبي سعيد رفعه: «لن يشبع المؤمن من خير سمعه حتّى يكون منتهاه الجنّة» . ورواه أيضا عن الحسن قال:
بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال: «أيّها النّاس؛ إنّهما منهومان، فمنهوم في العلم لا يشبع، ومنهوم في المال لا يشبع» .
وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وهي؛ وإن كانت مفرداتها ضعيفة؛ فبمجموعها يتقوّى الحديث. انتهى كلام «كشف الخفا» ، ونحوه في «المقاصد الحسنة» للحافظ السخاوي.
٢٤٧- ( «المؤمن مرآة) بهمزة ممدودة (المؤمن» ) ؛ أي: يرى فيه عيوبه كما يراها في المرآة، ثمّ يميطها عنه بوجه حسن، فإذا أبصرت عيبا في أخيك؛ فأخبره به، وانصحه بما يقتضي إذهابه عنه بلطف أو عنف؛ إن اقتضى الحال ذلك.
انتهى حفني.
стр. 1875
٢٤٨- «المؤمن.. من أمنه النّاس على أنفسهم وأموالهم» .
٢٤٩- «المؤمن.. يسير المؤنة» .
ولبعضهم في معنى الحديث:
صديقي مرآة أميط بها الأذى ... وعضب حسام إن منعت حقوقي
وإن ضاق أمري أو ألمّت ملمّة ... لجأت إليه دون كلّ شقيق
والحديث أخرجه الطّبراني في «الأوسط» والضّياء والقضاعي والبزّار؛ عن أنس ﵁.
وأخرجه أبو داود والبخاري في «الأدب المفرد» ؛ عن أبي هريرة رفعه، والعسكري من طرق؛ عن أبي هريرة، ولفظه في بعضها: «إنّ أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى شيئا فليمطه» .
وأخرجه ابن المبارك؛ عن الحسن من قوله، وقال في «اللآلئ» أخرجه أبو داود في «سننه» ؛ عن أبي هريرة أنّ النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عنه ضيعته ويحوطه من ورائه» . وفي إسناده كثير بن زيد مختلف في عدالته. انتهى «كشف الخفا» ، ومناوي على «الجامع» . قال المناوي نقلا عن العراقي: إنّ حديث أبي هريرة إسناده حسن. انتهى.
٢٤٨- ( «المؤمن من أمنه النّاس على أنفسهم وأموالهم» ) أي: حقه أن يكون متّصفا بذلك، وقال العلقمي: هو محمول على المؤمن الكامل. انتهى «عزيزي» .
وتمام الحديث: «والمهاجر من هجر الخطايا والذّنوب» . أخرجه ابن ماجه؛ عن فضالة بن عبيد. قال المناوي: ورواه عنه أيضا التّرمذيّ وحسّنه، وقال في «الكشف» : رواه الدّيلميّ عن أنس ﵁. انتهى.
٢٤٩- ( «المؤمن يسير المؤنة» ) أي: قليل الكلفة على إخوانه، والحديث
стр. 1876
٢٥٠- «المؤمنون كرجل واحد» .
ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ كلاهما عن أبي هريرة ﵁. قال العزيزي: وإسناده ضعيف.
وقال في «كشف الخفا» : موضوع؛ كما قاله الصغاني، لكن معناه صحيح.
انتهى.
٢٥٠- ( «المؤمنون كرجل واحد) ؛ إن اشتكى رأسه اشتكى كلّه، وإن اشتكى عينه اشتكى كلّه» . هذا تمام الحديث كما في «الجامع» .
قال المناوي: أفاد تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثّهم على التّراحم والتّعاضد في غير إثم ولا مكروه ونصرتهم، والذبّ عنهم وإفشاء السّلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم وغير ذلك.
وفيه مراعاة حقّ الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكلّ ما تعلّق بهم بسبب، حتّى الهرة والدّجاجة؛ ذكره الزمخشري.
قال ابن عربي: ومع هذا التمثيل فأنزل كلّ أحد منزلته، كما تعامل كلّ عضو منك بما يليق به وما خلق له؛ فتغض بصرك عن أمر لا يعطيه السمع، وتفتح سمعك لشيء لا يعطيه البصر، وتصرف يدك في أمر لا يكون لرجلك، وكذا جميع قواك، فنزّل كلّ عضو منك فيما خلق له، وإذا ساويت بين المسلمين فأعط العالم حقّه من التّعظيم والإصغاء لما يأتي به، والجاهل حقّه من تذكيره وتنبيهه على طلب العلم والسّعادة، والغافل حقّه بأن توقظه من نوم غفلته بالتذكّر لما غفل عنه، ممّا هو عالم له غير مستعمل لعلمه فيه، والسّلطان حقّه من السّمع والطّاعة فيما يباح، والصّغير حقّه من الرّفق به؛ والرّحمة؛ والشّفقة، والكبير حقّه من الشّرف؛ والتّوقير.
انتهى.
والحديث ذكره في «الجامع» بالزيادة التي ذكرناها، مرموزا له برمز الإمام أحمد، ومسلم؛ عن النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما.
стр. 1877
٢٥١- «من كان آخر كلامه (لا إله إلّا الله) .. دخل الجنّة» .
٢٥١- ( «من كان آخر) قال أبو البقاء: بالرفع اسم «كان» ، وكلمة التّوحيد في موضع نصب خبر «كان» ويجوز عكسه. انتهى (كلامه) في الدنيا (لا إله إلّا الله) بأن لم يتكلّم بعدها بشيء (دخل الجنّة» ) أي: مع السابقين. انتهى «حفني» .
وقال ابن رسلان: معنى ذلك أنّه لا بدّ له من دخول الجنّة، فإن كان عاصيا غير تائب؛ فهو في أوّل أمره في خطر المشيئة: يحتمل أن يغفر الله له، ويحتمل أن يعاقبه، ويدخل الجنّة بعد العقاب، ويحتمل أن يكون من وفّق لأن يكون آخر كلامه لا إله إلّا الله؛ يكون ذلك علامة على أنّ الله تعالى يعفو عنه، فلا يكون في خطر المشيئة؛ تشريفا له على غيره ممّن لم يوفق أن يكون آخر كلامه ذلك. فنسأل الله أن يجعلنا في الخاتمة من أهل لا إله إلّا الله حالا ومقالا، وظاهرا وباطنا، حتى نودّع الدّنيا غير ملتفتين إليها، بل متبرّمين منها ومحبّين للقاء الله تعالى. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، وأبي داود في الجنائز، والحاكم فيه؛ كلّهم عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. وقال الحاكم: صحيح. وأعلّه ابن القطّان! ولكن انتصر له التّاج السبكي؛ وقال:
حديث صحيح. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
стр. 1878
[ (حرف النّون) ]
(حرف النّون) ٢٥٢- «النّاس بزمانهم.. أشبه منهم بابائهم» .
٢٥٣- «النّاس.. كأسنان المشط» .
٢٥٤- «النّاس.. معادن في الخير والشّرّ» .
(حرف النّون) ٢٥٢- ( «النّاس بزمانهم أشبه منهم بابائهم» ) من قول عمر بن الخطاب ﵁؛ كما قاله الحافظ الصريفيني، وقال محمد بن أيّوب: ارتحلت إلى يحيى الغسّاني من أجله، وقيل: إنّه من قول علي بن أبي طالب!! قال ملّا علي قاري: وهو الأشهر الأظهر. انتهى «كشف الخفا» .
٢٥٣- ( «النّاس) - أي: المسلمون في تساوي إجراء الأحكام عليهم- (كأسنان المشط» ) - بضم الميم وتكسر، وقد تفتح، وشينه مثلاثة- وقيل: في تساوي الأخلاق والطّباع وتقاربها، ويؤيّده ما جاء في رواية أخرى: «النّاس سواسية كأسنان المشط؛ لا فضل لعربيّ على عجميّ، ولا فضل لعجميّ على عربيّ، وإنّما الفضل بالتّقوى» . انتهى؛ ملّا علي قاري رحمه الله تعالى.
وفي معناه ما نسب للإمام علي كرّم الله وجهه:
النّاس في عالم التّمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأمّ حوّاء
جسم كجسم وأعضاء مشاكلة ... وأعظم خلقت فيها وأعضاء
وقدر كلّ امرىء ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
والحديث ذكره في «الشّفاء» . قال في «شرحه» : أخرجه ابن لال في «مكارم الأخلاق» ؛ عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه.
٢٥٤- ( «النّاس معادن في الخير والشّرّ» ) معدن كلّ شيء: أصله، أي:
أصول بيوتهم تعقب أمثالها، ويسري كريم أعراقها إلى فروعها، يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم
стр. 1879
٢٥٥- «نحن.. أهل بيت لا يقاس بنا أحد» .
٢٥٦- «نحن.. بنو عبد المطّلب سادات أهل الجنّة» .
بذلك: أنّ بني آدم يختلفون باختلاف أصلهم، فمن كان أصله شريفا أعقب مثله، وسرى طيب عرقه لفرعه، ومن كان دون ذلك؛ كان عقبه مثله، ومن كان خبيثا كان فرعه خبيثا، فهم يختلفون بحسب الطّباع؛ كالمعادن، وهم من الأرض كما إنّ المعادن منها؛ وفيها الطّيب والخبيث، فإنّ منها ما يستعدّ للذّهب الإبريز، ومنها ما يستعد للفضّة، ومنها ما يستعد لغير ذلك، ومنها ما يحصل منه بكدّ وتعب كثير شيء يسير، ومنها ما هو بعكس ذلك، ومنها ما لا يحصل منه شيء أصلا؛ فكذلك بنو آدم، منهم من لا يعي ولا يفقه، ومنهم من يحصل له علم قليل بسعي طويل، ومنهم من أمره عكس ذلك، ومنهم من يفاض عليه من حيث لا يحتسب؛ كما هو معلوم في كثير من الأولياء والصّالحين والعلماء العاملين. انتهى شرح ملّا علي قاري على «الشفا» .
والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي، وابن منيع، والحارث، والبيهقي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وتمامه: «خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» ؛ قاله في «كشف الخفا» .
وفي «الشهاب الخفاجي» ؛ على «الشفاء» : رواه الشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وتمامه: «النّاس معادن كمعادن الذّهب والفضّة؛ خيارهم في الجّاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، أو «الأرواح جنود مجنّدة؛ ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» . انتهى.
٢٥٥- ( «نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد» ) ؛ ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
٢٥٦- ( «نحن بنو عبد المطّلب سادات أهل الجنّة» ) أي: كبراؤهم وأشرافهم، والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي
стр. 1880
٢٥٧- «النّدم.. توبة» .
في «الفردوس» . وذكره ابن ماجه؛ في «كتاب الفتن» من حديث أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نحن ولد عبد المطّلب سادة أهل الجنّة: أنا وحمزة، وعليّ وجعفر، والحسن والحسين والمهديّ» . ورواه الحاكم أيضا.
٢٥٧- ( «النّدم توبة» ) أي: الحزن على ما فعله؛ أو كراهته له بعد فعله، من حيث كونه تاركا فيه لإجلال الله، ومخالفا أمره ونهيه.
أمّا إذا كان النّدم لافتضاح، أو مرض أو عقاب ... ونحو ذلك!! فليس توبة، بل قد يكون معصية، لأنّه لولا مراقبة النّاس لم يكن عنده حرج من فعل المعصية.
ثمّ المعنى: أنّ النّدم معظم أركان التّوبة لأنّه شيء يتعلّق بالقلب؛ والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح.
وليس المراد أن النّدم وحده كاف فيها، فهو نحو «الحجّ عرفة» .
قال الغزالي رحمه الله تعالى: إنّما نص على أنّ النّدم توبة؛ ولم يذكر جميع شروطها ومقدماتها!! لأنّ النّدم غير مقدور للعبد، لأنّه قد يندم على أمر وهو يريد ألايكون، والتّوبة مقدورة له مأمور بها، فعلم أنّ في هذا الحديث معنى لا يفهم من ظاهره، وهو أنّ النّدم لتعظيم حقوق الله تعالى، وخوف عقابه ممّا يبعث على التّوبة النّصوح، فإذا ذكر مقدّماتها الثّلاث؛ وهي ١- ذكر غاية قبح الذّنب، و ٢- ذكر شدّة عقوبة الله تعالى؛ وأليم غضبه، و ٣- ذكر ضعف العبد وقلة حيلته يندم، ويحمله النّدم على ترك اختيار الذّنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال والتضرّع، ويجزم بعدم العود، وبذلك تتم شروط التّوبة الأربعة. فلمّا كان النّدم من أسباب التّوبة سمّاه باسمها. انتهى زرقاني على «المواهب» ، ومناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي؛ عن
стр. 1881
٢٥٨- «النّساء.. حبائل الشّيطان» .
٢٥٩- «نعم الصّهر.. القبر» .
أنس ﵁. وأخرجه أبو داود الطيالسي؛ عن ابن مسعود- ورجاله ثقات- بل قال الحافظ في «الفتح» : سنده حسن. قال السّخاوي: يعني لشواهده، وإلّا! فأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود. انتهى.
وأخرجه الطّبراني في «الكبير» ، وأبو نعيم في «الحلية» ؛ عن أبي سعيد الأنصاري بزيادة: «والتّائب من الذّنب كمن لا ذنب له» وسنده ضعيف. انتهى «زرقاني» .
وذكره في «الجامع الصغير» مع الزيادة مرموزا له برمز من ذكرهم الزرقاني.
وذكره أيضا بلفظ الترجمة مرموزا برمز بنحو ما تقدّم، وزيادة رمز الإمام أحمد، والبخاري في «التاريخ» ؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
٢٥٨- ( «النّساء حبائل الشّيطان» ) أي: مصائده، جمع حبالة- بالكسر-:
ما يصاد به من أي شيء كان، والمراد أنّ النّساء آلات الشّيطان يتوصّل بهنّ إلى إغواء الفسقة، فإنهم إذا رأوا النّساء مالت قلوبهم إليهنّ لا سيما المتبرجات، فالنّساء له كالشّبكة التي تصاد بها الوحوش النّافرة، فأرشد ﷺ لكمال شفقته على أمته إلى الحذر من النّظر إليهنّ، والقرب منهنّ، وكفّ الخاطر عن الالتفات إليهنّ باطنا ما أمكن. انتهى «زرقاني» .
والحديث ذكره في «المواهب» مع الشرح بلفظ: «الشّباب شعبة من الجنون، والنّساء حبائل الشّيطان» . وقال: رواه الدّيلمي بتمامه في مسند «الفردوس» ، وكذا القضاعي؛ كلاهما عن عقبة بن عامر الجهني، ورواه الدّيلمي أيضا؛ عن عبد الله بن عامر، وأبو نعيم؛ عن عبد الرحمن بن عابس، وابن لال؛ عن ابن مسعود، والخرائطي والتيمي؛ عن زيد بن خالد وهو حديث حسن. ونحوه في «الجامع» والمناوي.
٢٥٩- ( «نعم الصّهر) للولي في موليّته (القبر» ) ، لأنّ المرأة عورة،
стр. 1882
٢٦٠- «نيّة المؤمن.. خير من عمله» .
ولضعفها بالأنوثة وعدم استقلالها، وكثرة مؤونتها وأثقالها، وقد تجرّ العار، وتجلب الغدر إلى الدار.
أخرج ابن أبي الدّنيا؛ عن قتادة: أنّ الحبر ابن عباس ماتت له بنت، فأتاه الناس يعزّونه، فقال: عورة سترت، ومؤونة كفيت، وأجر ساقه الله تعالى.
فاجتهد المهاجرون أن يزيدوا فيها حرفا فما قدروا.
وفي «الفردوس» عن الحبر: نعم الكفء القبر للجارية. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
ولله درّ من قال:
لكلّ أبي بنت على كلّ حالة ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصّهر
فزوج يراعيها وخدن يصونها ... وقبر يواريها وخيرهم القبر
وروى الطّبراني؛ عن ابن عباس مرفوعا: «للمرأة ستران: القبر والزّوج» .
قيل: فأيّهما أفضل؟ قال: «القبر» وهو ضعيف جدا.
وللدّيلمي؛ عن علي رفعه: «للنّساء عشر عورات، فإذا تزوجّت المرأة ستر الزّوج عورة، فإذا ماتت ستر القبر عشر عورات. انتهى «كشف الخفا» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
وفي «الكشف» : قال بعض العلماء: لم أظفر به بعد التفتيش، وإنّما ذكر صاحب «الفردوس» ممّا لم يسنده ابنه: «نعم الكفء القبر للجارية» وبيّض له في «المسند» .
ورواه ابن السّمعاني؛ عن ابن عباس من قوله بلفظ «نعم الأختان القبور» انتهى.
٢٦٠- ( «نيّة المؤمن خير من عمله» ) لأنّ تخليد الله العبد في الجنّة ليس بعمله، وإنّما هو لنيّته، لأنّه لو كان بعمله كان خلوده فيها بقدر مدّة عمله؛ أو
стр. 1883
.........
أضعافه، لكنّه جازاه بنيّته، لأنّه كان ناويا أن يطيع الله أبدا، فلمّا اخترمته المنيّة جوزي بنيّته.
وكذا الكافر لأنّه لو جوزي بعمله لم يستحقّ التّخليد في النّار إلا بقدر مدة كفره، لكن جازاه بنيّته لأنّه نوى الإقامة على كفره أبدا؛ فجوزي بنيّته. ذكره بعضهم.
ولأن النيّة بانفرادها توصل إلى ما لا يوصله العمل بانفراده، ولأنها هي الّتي تقلب العمل الصّالح فاسدا؛ والفاسد صالحا مثابا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، ويعاقب عليها أضعاف ما يعاقب عليه، فكانت أبلغ وأنفع.
ومن النّاس من تكون نيّته وهمّته أجلّ من الدّنيا وما عليها، وآخر نيّته وهمّته من أحسن نيّة وهمّة، فالنيّة تبلغ بصاحبها في الخير والشّرّ ما لا يبلغه عمله، فأين نيّة من طلب العلم وعلّمه ليصلّي الله عليه وملائكته، وتستغفر له دوابّ البرّ، وحيتان البحر، إلى نيّة من طلبه لمأكل، أو وظيفة كتدريس!!
وسبحان الله كم بين من يريد بعلمه وجه الله، والنّظر إليه، وسماع كلامه، وتسليمه عليه في جنّة عدن؛ وبين من يطلب حظّا خسيسا، كتدريس أو غيره من العرض الفاني!! انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه العسكري في «الأمثال» ، والبيهقي؛ عن أنس مرفوعا، قال الحافظ ابن دحية: لا يصحّ، والبيهقيّ: إسناده ضعيف.
وله شواهد؛ منها ما أخرجه الطّبراني؛ عن سهل بن سعد السّاعدي مرفوعا:
«نيّة المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيّته، وكلّ عمل يعمل على نيّته، فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور» .
وللعسكري بسند ضعيف؛ عن النّوّاس بن سمعان بلفظ: «نيّة المؤمن خير من عمله، ونيّة الفاجر شرّ من عمله» .
стр. 1884
.........
وروى الدّيلمي؛ عن أبي موسى الجملة الأولى وزاد: «وإنّ الله ليعطي العبد على نيّته ما لا يعطيه على عمله» وذلك لأن النيّة لا رياء فيها.
قال في «المقاصد» : وهي؛ وإن كانت ضعيفة!! فبمجموعها يتقوّى الحديث، وقد أفردت فيه وفي معناه جزآ. انتهى.
وقال في «اللآلي» : حديث «نيّة المؤمن خير من عمله» أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن أنس، وفي إسناده يوسف بن عطية ضعيف؛ كما قاله ابن دحية: وقال النّسائي: متروك الحديث.
وروي من طريق النّواس بن سمعان بسند ضعيف. انتهى ملخصا.
стр. 1885
[ (حرف الهاء) ]
(حرف الهاء) ٢٦١- «الهديّة.. تعور عين الحكيم» .
٢٦٢- «هما.. جنّتك ونارك» يعني: الوالدين.
٢٦٣- «الهمّ.. نصف الهرم» .
(حرف الهاء) ٢٦١- ( «الهديّة تعور عين الحكيم» ) أي: تصيّره أعور لا يبصر إلّا بعين الرّضا فقط، وتعمي عين السّخط، ولهذا كان دعاء السّلف: اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة؛ يرعاه بها قلبي.
فيصير ذلك كأنّه أعور، أو هو كناية عن كون قبولها يعود عليه بالذّم والعيب؛ أي: إذا كان حاكما. قال ابن الأثير: يقولون للردي من كلّ شيء من الأخلاق والأمور «أعور» . ومنه قول أبي طالب لأبي لهب- لمّا اعترض على النّبيّ ﷺ في إظهار الدّعوة- يا أعور ما أنت وهذا؟ ولم يكن أبو لهب أعور! انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلمي في مسند «الفردوس» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده عبد الوهاب بن مجاهد. قال الذّهبي: قال النّسائي وغيره: متروك. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
٢٦٢- ( «هما جنّتك ونارك» يعني الوالدين) - قاله لرجل- قال: يا رسول الله: ما حق الوالدين على ولدهما!؟ فذكره. رواه ابن ماجه عن أبي أمامة رفعه.
انتهى «كشف الخفا» .
٢٦٣- ( «الهمّ نصف الهرم» ) لأنّ الهرم ضعف ليس وراءه قوّة، أي: مع اليأس من القوة، والهمّ يورّث الضّعف والأسقام، فهو نصفه باعتبار أنهما شيئان:
стр. 1886
.........
الضّعف واليأس من القوّة، والهمّ يورّث أحدهما. انتهى «حفني» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ «التّدبير نصف العيش، والتّودّد نصف العقل، والهمّ نصف الهرم، وقلّة العيال أحد اليسارين» .
وقال: أخرجه القضاعي؛ عن علي، والدّيلمي في «الفردوس» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنهما.
قال في «العزيزي» : وإسناده حسن. وذكره في «كنوز الحقائق» بلفظ الترجمة؛ مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
стр. 1887
[ (حرف الواو) ]
(حرف الواو) ٢٦٤- «وجدت النّاس.. اخبر تقله» ؛ يعني: جرّب تكره.
(حرف الواو) ٢٦٤- ( «وجدت النّاس؛ أخبر) - بضمّ الهمزة والموحّدة وسكون الخاء المعجمة، بينهما أمر بمعنى الخبر (تقله» ) بضمّ اللّام، ويجوز الكسر والفتح لغة، والقلى: البغض، أي: وجدت أكثرهم كذلك، أي: علمتهم مقولا فيهم هذا القول. أي: ما فيهم أحد إلّا وهو مسخوط الفعل عند الاختبار؛ كما قال المصنّف:
(يعني: جرّب تكره) أي: جرّب النّاس فإنك إذا جرّبتهم قليتهم، أي:
بغضتهم وتركتهم وما زكّيتهم لما يظهر لك من بواطن أسرارهم، وندرة إنصافهم، وفي العيان ما يغني عن البرهان.
وفي هذا اللّفظ من البلاغة ما هو غنيّ عن البيان، وقد قيل: اللّفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد.
قال الغزالي: واحذر- خصوصا- مخالطة متفقّهة هذا الزّمان، لا سيّما المشتغلين بالخلاف والجدل، فإنّهم يتربّصون بك- لحسدهم- ريب المنون، ويقطعون عليك بالظّنون، ويتغامزون وراءك بالعيون، يحصون عليك عثراتك؛ في عشرتهم وفي عشيرتهم، ويجبهونك بها في عصبتهم ومناظرتهم، لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون لك عورة، يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل والكثير، ويحرّضون عليك الإخوان بالتّهمة والبهتان، إن رضوا فظاهرهم الملق، وإن سخطوا فباطنهم الحنق، ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب، هذا ما قضت به المشاهدة في أكثرهم؛ إلا من رحم الله، فصحبتهم خسران، ومعاشرتهم خذلان، هذا حكم من يظهر لك الصداقة، فكيف بمن يجاهرك بالعداوة!!. إلى هنا كلام حجّة الإسلام الغزالي- رحمه الله تعالى-.
стр. 1888
٢٦٥- «الوحدة.. خير من جليس السّوء» .
فإذا كان هذا في زمانه، فما بالك بهذا الزّمان!!
ومن نظم أبي الحسين الطائي:
نظرت وما كلّ امرىء ينظر الهدى ... إذا اشتبهت أعلامه ومذاهبه
فأيقنت أنّ الخير والشّرّ فتنة ... وخيرهما ما كان خيرا عواقبه
أرى الخير كلّ الخير أن يهجر الفتى ... أخاه وأن ينأى عن الشّرّ جانبه
يعيش بخير كلّ من عاش واحدا ... ويخشى عليه الشّرّ ممّن يصاحبه
والحديث أخرجه ابن عدي؛ عن أبي الدّرداء، وفي سنده ضعيف.
وقال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ، وقال السخاوي: طرقه كلّها ضعيفة، لكن شاهده في الصحيحين «النّاس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» . انتهى «مناوي» ، و «كشف الخفا» .
٢٦٥- ( «الوحدة خير من جليس السّوء» ) لما في الوحدة من السّلامة، وهي رأس المال، وقد قيل: لا يعدل بالسّلامة شيء، وجليس السّوء يبدي سوءه، والنّفس أمّارة بالسّوء، فإن ملت إليه شاركك، وإن كففت عنه نفسك شغلك، ولهذا كان مالك بن دينار كثيرا ما يجالس الكلاب على المزابل؛ ويقول: هم خير من قرناء السّوء.
وفيه حثّ على إيثار الوحدة إذا تعذّرت صحبة الصّالحين، وحجّة لمن فضّل العزلة. وأما الجلساء الصّالحون فقليل مّا هم.
وقد ترجم البخاري على ذلك «باب: العزلة راحة من خلّاط السّوء» .
قال ابن حجر: هذا أثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر؛ لكنّه منقطع.
وأخرج ابن المبارك عن عمر: خذوا حظّكم من العزلة.
стр. 1889
.........
وما أحسن قول الجنيد «مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطاء» !!.
وقال الغزالي: عليك بالتفرّد عن الخلق، لأنّهم يشغلونك عن العبادة.
ووجد مع داود الطائي كلب، فقيل: ما هذا الذي تصحبه؟ قال: هذا خير من جليس السوء!.
واعلم أنّ خواصّ الخواصّ يرون أنّ كلّ مشتغل بغير الله تعالى؛ ولو مباحا صحبته من قبيل أهل الشّرّ وملحقة به، وإن أهل الجدّ والتشمير ممّن لم يبلغ مرتبة أولئك يرى أنّ صحبة أهل البطالة؛ بل صحبة من لم يشاركهم في التّشمير كصحبة أهل الشّرّ.
وقال بعضهم: صحبة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «اللآلي» عن صدقة بن أبي عمران بلفظ: «قال:
رأيت أبا ذرّ فوجدته في المسجد محتبيا بكساء أسود وحده. فقلت:
يا أبا ذرّ؛ ما هذه الوحدة!.
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوحدة خير من جليس السّوء، والجليس الصّالح خير من الوحدة» . وعزاه فيها لأبي الشّيخ؛ عن أبي ذرّ باللّفظ المذكور، وزاد فيه: «وإملاء الخير خير من السّكوت، والسّكوت خير من إملاء الشّرّ» .
قال في «كشف الخفا» : وبهذا اللفظ الأخير ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الحاكم في «المناقب» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن أبي ذرّ ﵁.
قال المناوي في شرح «الجامع» : قال الذّهبي: لا يصحّ. ولا صحّحه الحاكم!! وقال ابن حجر: سنده حسن، لكن المحفوظ أنّه موقوف على أبي ذرّ.
انتهى.
стр. 1890
٢٦٦- «الودّ والعداوة.. يتوارثان» .
ورواه أيضا أبو الشّيخ والدّيلمي وابن عساكر في «تاريخه» . انتهى كلام المناوي.
وثبت في «صحيح البخاري» وغيره: «لو يعلم النّاس ما في الوحدة ما أعلم؛ ما سار راكب بليل وحده» . وترجم البخاريّ بقوله: «العزلة راحة من خلاط السّوء» وذكر حديث أبي سعيد رفعه: «ورجل في شعب من الشّعاب يعبد ربّه ويدع النّاس من شرّه» . وفي لفظ: «يأتي على النّاس زمان خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر؛ يفرّ بدينه من الفتن» .
وما أحسن ما قيل:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فدام الأنس لي ونما السّرور
وأدّبني الزّمان فلا أبالي ... هجرت؛ فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل ما دمت يوما ... أسار الجيش أم قدم الأمير
٢٦٦- ( «الودّ) أي: المودّة يعني: المحبّة (والعداوة يتوارثان» ) أي:
يرثهما الفروع عن الأصول، جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وهو خير الوارثين، وهذا شيء كالمحسوس.
وإطلاق الإرث على غير المال ونحوه من التركة؛ الّتي يخلفها المورّث مجاز.
وفيه تنبيه ١- على محبّة المتّقين لنفسك، ليرثه عنك وارثك؛ فينتفع بودّهم في الدّنيا من مواصلتهم والتّعلم منهم، وفي الآخرى، و ٢- على بغض الفجرة، لأنّ أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله؛ فينتفع به عاجلا في البعد منهم وآجلا، فيرثه ولدك؛ فينتفع به كما انتفعت.
وفيه تحذير عن بغض أهل الصلاح، فإنّه يضرّ في الدّارين، ويرثه الأعقاب فيضرّهم، وقد عدّوا من أنواع التالف والتودّد تالف صديق الصّديق والتودّد إليه، واستأنسوا له بهذا الحديث. انتهى مناوي على «الجامع» .
стр. 1891
٢٦٧- «الورع.. سيّد العمل» .
٢٦٨- «الولد.. ثمرة القلب» .
٢٦٩- «الولد.. مبخلة، مجبنة، محزنة» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» ، وفي «الجامع الصغير» ، وفي «كشف الخفا» ؛ وقال: رواه العسكري؛ عن أبي بكر الصديق رفعه بلفظ: «الودّ الّذي يتوارث في أهل الإسلام» . ورواه الحاكم في «البرّ والصّلة» ؛ عن عفير بلفظ:
«الودّ يتوارث والبغض يتوارث» .
وروى البيهقي؛ عن أبي بكر أنّه قال لرجل من العرب كان يصحبه؛ يقال له عفير: يا عفير؛ كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في الودّ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الودّ: «يتوارث والعداوة تتوارث» وهو معنى ما اشتهر على الألسنة «محبّة في الآباء صلة في الأبناء» . والله أعلم. انتهى.
٢٦٧- ( «الورع) بفتح الرّاء الّذي هو ترك الشّبهات احتياطا، وحذرا من الوقوع في الحرام! (سيّد العمل» ) الصّالح، لأنّه الأساس للأعمال، ففي الحديث: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما ليس به بأس حذرا ممّا به بأس» . والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.
٢٦٨- ( «الولد ثمرة القلب» ) لأنّ الثّمرة تنتجها الشّجرة، والولد ينتجه الأب.
والحديث أخرجه أبو يعلى، والبزّار بسند ضعيف؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه بزيادة: «وأنّه مبخلة مجبنة محزنة» . انتهى «كشف الخفا» وذكره في «الجامع» بهذا اللفظ مرموزا له برمز من ذكر.
٢٦٩- ( «الولد مبخلة) بفتح الميم فيه وفيما بعده، أي: يحمل أبويه على البخل ويدعوهما إليه، حتى يبخلا بالمال عن إنفاقه في وجوه القرب؛ لأجله خوف
стр. 1892
.........
فقره، (مجبنة) أي: يجبن أباه عن الجهاد خشية ضيعته، فكأنّه أشار إلى التحذير من النّكول عن الجهاد، والنّفقة بسبب الأولاد، بل يكتفى بحسن خلافة الله تعالى فيقدم، ولا يحجم، فمن طلب الولد للهوى عصى مولاه، ودخل في قوله تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [١٤/ التغابن] ، فالكامل لا يطلب الولد إلّا لله فيربّيه على طاعته، ويمتثل فيه أمر ربه رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [٧٤/ الفرقان] (محزنة» ) أي: يحمل أبويه على كثرة الحزن، لكونه إن مرض حزنا، وإن طلب شيئا لا قدرة لهما عليه حزنا، فأكثر ما يفوت أبويه من الفلاح والصّلاح بسببه، فإن شبّ وعقّ؛ فذلك الحزن الدائم، والهمّ السرمدي اللازم.
سئل حكيم عن ولده، فقال: ما أصنع بمن إن عاش كدّني وإن مات هدّني.
قال الماوردي: أخبر بهذا الحديث أن الحذر على الولد يكسب هذه الأوصاف، ويحدث هذه الأخلاق، وقد كره قوم طلب الولد؛ كراهة لهذه الحالة الّتي لا يقدر على دفعها من نفسه للزومها طبعا، وحدوثها حتما. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة» . ورمز له برمز ابن ماجه عن يعلى بن مرة.
قال المناوي؛ نقلا عن الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى.
وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة مجهلة محزنة» ورمز له برمز الحاكم في «الفضائل» عن الأسود بن خلف، من مسلمة الفتح رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: قال الحاكم على شرط مسلم، وأقره الذّهبي. وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى. ورمز له أيضا برمز الطّبراني في «الكبير» عن
стр. 1893
٢٧٠- «الولد.. للفراش، وللعاهر.. الحجر» .
خولة بنت حكيم، قال المناوي؛ نقلا عن الذّهبي: إسناده قوي.
وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «الولد ثمرة القلب، وإنّه مجبنة مبخلة محزنة» ، ورمز له برمز أبي يعلى، زاد المناوي: وكذا البزار؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: قال الزين العراقي- وتبعه الهيثمي-: فيه عطية العوفي وهو ضعيف. انتهى، وتقدم في الحديث الذي قبل هذا.
٢٧٠- (الولد) - ذكر وأنثى، مفرد ومتعدد، تابع أو محكوم به- (للفراش) أي: صاحبه؛ زوجا كان أو سيدا، لأنّهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، لكن السّيد لا يلحق به الولد إلّا إذا أقرّ بالوطء «١» بخلاف الزّوج فيلحق به من إمكان الاجتماع بعد العقد؛ وإن أنكر الوطء؛ ومحلّ كونه تابعا للفراش إذا لم ينفه بلعان، وإلّا! انتفى. ومثل الزّوج أو السيّد هنا واطئ بشبهة، وليس لزان في نسبه حظّ، إنّما حظّه منه استحقاق الحدّ كما قال: - (وللعاهر) -: الزّاني، يقال (عهر إلى المرأة) ؛ إذا أتاها ليلا للفجور بها، والعهر- بفتحتين- الزّنا (الحجر» ) أي: حظّه ذلك، يعني: الخيبة والحرمان فيما ادعاه من النّسب، لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش للآخر. انتهى؛ من الزرقاني وشروح «الجامع الصغير» .
قال الزرقاني: وأوّل من استلحق في الإسلام ولد الزّنا معاوية؛ استلحق في خلافته زياد بن سميّة أخا، لأنّ أباه كان زنى بها زمن كفره؛ فجاءت به منه.
واستلحاقه خلاف إجماع المسلمين. انتهى. ونحوه في المناوي.
قال المناوي: وهذا الحديث قد مثل به أصحابنا في الأصول إلى أنّ المقام
стр. 1894
٢٧١- «ويل للشّاكّين في الله» .
الوارد على سبب خاصّ يعتبر عمومه، وصورة السبب قطعيّة الدّخول فلا تخصّ منه باجتهاد كما فعله الحنفيّة، فإنّه وارد في ابن زمعة المختصم فيه عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص، فقال المصطفى ﷺ : «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» .
والحديث ذكره في «الجامع» وغيره مرموزا له برمز متفق، وأبي داود، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وبرمز الإمام أحمد، ومتفق عليه، والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وبرمز أبي داود؛ عن عثمان بن عفان. وبرمز النّسائي؛ عن ابن مسعود وعبد الله بن الزّبير. وبرمز ابن ماجه؛ عن عمر بن الخطاب، وعن أبي أمامة الباهلي.
قال المناوي: وفي الباب عن غير هؤلاء أيضا؛ كما بيّنه الحافظ في «الفتح» ، ونقل عن ابن عبد البر أنّه جاء عن بضعة وعشرين صحابيا، ثم زاد عليه. انتهى.
وذكره السّيوطي في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» .
٢٧١- ( «ويل) كلمة تقال لمن وقع في هلكة؛ ولا يترحم عليه، بخلاف «ويح» ؛ كذا في «التنقيح» ، ذكره المناوي. وقال في موضع آخر: «ويل» كلمة عذاب، أو واد في جهنّم، أو صديد أهل النّار.
قال ابن جماعة: لم يجئ في القرآن إلّا وعيدا لأهل الجرائم.
(للشّاكّين في الله» ) أي؛ في وجوده، أو في انفراده بالألوهية، أو كل وصف يليق به تعالى، كأن شكّ في قدرته أو علمه تعالى. انتهى «عزيزي وحفني» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .
стр. 1895
[ (حرف اللّام ألف) ]
(حرف اللّام ألف) ٢٧٢- « (لا إله إلّا الله) .. كنز من كنوز الجنّة» .
٢٧٣- «لا إيمان.. لمن لا أمانة له» .
٢٧٤- «لا تجتمع أمّتي.. على ضلالة» .
(حرف اللّام ألف) ٢٧٢- ( «لا إله) مستغن عن كلّ ما سواه، ومفتقر إليه كلّ ما عداه (إلّا الله) بالرفع بدل من محلّ «لا» مع اسمها، وهو الرّفع بالابتداء عند سيبويه، وجملة كلمة التّوحيد مبتدأ قصد لفظها، والخبر ما بعدها. أي؛ هذا اللّفظ الّذي هو كلمة التوحيد (كنز من كنوز الجنّة» ) أي؛ ذخيرة من ذخائرها، أو من محصلات نفائسها، والمعنى أنّ قائلها يحصّل ثوابا نفيسا يدّخر له في الجنّة.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» .
٢٧٣- ( «لا إيمان) كامل (لمن لا أمانة له» ) فالأمانة لبّ الإيمان، وهي منه بمنزلة القلب من البدن، والأمانة في الجوارح السبعة: العين، والسمع، واللسان، واليد، والرجل، والبطن، والفرج. فمن ضيّع جزآ منها سقم إيمانه، وضعف بقدره. انتهى «مناوي وزرقاني» .
وتمام الحديث: «ولا دين لمن لا عهد له» . ذكره في «المواهب» ، و «الجامع الصغير» . وقال: رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى في «مسنديهما» ، والبيهقي في «الشعب» ؛ عن أنس. قال الذّهبي: وسنده قويّ. وصحّحه ابن حبّان. انتهى زرقاني على «المواهب» .
٢٧٤- ( «لا تجتمع أمّتي) أي؛ علماؤهم (على ضلالة» ) لأنّ العامّة تأخذ عنها دينها، وإليها تفزع في النوازل؛ فاقتضت حكمة الله ذلك.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» وقال: أخرجه ابن أبي عاصم. انتهى.