← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

٢٦٧- «الورع.. سيّد العمل» . ٢٦٨- «الولد.. ثمرة القلب» . ٢٦٩- «الولد.. مبخلة، مجبنة، محزنة» . والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» ، وفي «الجامع الصغير» ، وفي «كشف الخفا» ؛ وقال: رواه العسكري؛ عن أبي بكر الصديق رفعه بلفظ: «الودّ الّذي يتوارث في أهل الإسلام» . ورواه الحاكم في «البرّ والصّلة» ؛ عن عفير بلفظ: «الودّ يتوارث والبغض يتوارث» . وروى البيهقي؛ عن أبي بكر أنّه قال لرجل من العرب كان يصحبه؛ يقال له عفير: يا عفير؛ كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في الودّ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الودّ: «يتوارث والعداوة تتوارث» وهو معنى ما اشتهر على الألسنة «محبّة في الآباء صلة في الأبناء» . والله أعلم. انتهى. ٢٦٧- ( «الورع) بفتح الرّاء الّذي هو ترك الشّبهات احتياطا، وحذرا من الوقوع في الحرام! (سيّد العمل» ) الصّالح، لأنّه الأساس للأعمال، ففي الحديث: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما ليس به بأس حذرا ممّا به بأس» . والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني. ٢٦٨- ( «الولد ثمرة القلب» ) لأنّ الثّمرة تنتجها الشّجرة، والولد ينتجه الأب. والحديث أخرجه أبو يعلى، والبزّار بسند ضعيف؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه بزيادة: «وأنّه مبخلة مجبنة محزنة» . انتهى «كشف الخفا» وذكره في «الجامع» بهذا اللفظ مرموزا له برمز من ذكر. ٢٦٩- ( «الولد مبخلة) بفتح الميم فيه وفيما بعده، أي: يحمل أبويه على البخل ويدعوهما إليه، حتى يبخلا بالمال عن إنفاقه في وجوه القرب؛ لأجله خوف

стр. 1892

......... فقره، (مجبنة) أي: يجبن أباه عن الجهاد خشية ضيعته، فكأنّه أشار إلى التحذير من النّكول عن الجهاد، والنّفقة بسبب الأولاد، بل يكتفى بحسن خلافة الله تعالى فيقدم، ولا يحجم، فمن طلب الولد للهوى عصى مولاه، ودخل في قوله تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [١٤/ التغابن] ، فالكامل لا يطلب الولد إلّا لله فيربّيه على طاعته، ويمتثل فيه أمر ربه رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [٧٤/ الفرقان] (محزنة» ) أي: يحمل أبويه على كثرة الحزن، لكونه إن مرض حزنا، وإن طلب شيئا لا قدرة لهما عليه حزنا، فأكثر ما يفوت أبويه من الفلاح والصّلاح بسببه، فإن شبّ وعقّ؛ فذلك الحزن الدائم، والهمّ السرمدي اللازم. سئل حكيم عن ولده، فقال: ما أصنع بمن إن عاش كدّني وإن مات هدّني. قال الماوردي: أخبر بهذا الحديث أن الحذر على الولد يكسب هذه الأوصاف، ويحدث هذه الأخلاق، وقد كره قوم طلب الولد؛ كراهة لهذه الحالة الّتي لا يقدر على دفعها من نفسه للزومها طبعا، وحدوثها حتما. انتهى مناوي على «الجامع» . والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة» . ورمز له برمز ابن ماجه عن يعلى بن مرة. قال المناوي؛ نقلا عن الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى. وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة مجهلة محزنة» ورمز له برمز الحاكم في «الفضائل» عن الأسود بن خلف، من مسلمة الفتح رضي الله تعالى عنه. قال المناوي: قال الحاكم على شرط مسلم، وأقره الذّهبي. وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى. ورمز له أيضا برمز الطّبراني في «الكبير» عن

стр. 1893

٢٧٠- «الولد.. للفراش، وللعاهر.. الحجر» . خولة بنت حكيم، قال المناوي؛ نقلا عن الذّهبي: إسناده قوي. وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «الولد ثمرة القلب، وإنّه مجبنة مبخلة محزنة» ، ورمز له برمز أبي يعلى، زاد المناوي: وكذا البزار؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. قال المناوي: قال الزين العراقي- وتبعه الهيثمي-: فيه عطية العوفي وهو ضعيف. انتهى، وتقدم في الحديث الذي قبل هذا. ٢٧٠- (الولد) - ذكر وأنثى، مفرد ومتعدد، تابع أو محكوم به- (للفراش) أي: صاحبه؛ زوجا كان أو سيدا، لأنّهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، لكن السّيد لا يلحق به الولد إلّا إذا أقرّ بالوطء «١» بخلاف الزّوج فيلحق به من إمكان الاجتماع بعد العقد؛ وإن أنكر الوطء؛ ومحلّ كونه تابعا للفراش إذا لم ينفه بلعان، وإلّا! انتفى. ومثل الزّوج أو السيّد هنا واطئ بشبهة، وليس لزان في نسبه حظّ، إنّما حظّه منه استحقاق الحدّ كما قال: - (وللعاهر) -: الزّاني، يقال (عهر إلى المرأة) ؛ إذا أتاها ليلا للفجور بها، والعهر- بفتحتين- الزّنا (الحجر» ) أي: حظّه ذلك، يعني: الخيبة والحرمان فيما ادعاه من النّسب، لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش للآخر. انتهى؛ من الزرقاني وشروح «الجامع الصغير» . قال الزرقاني: وأوّل من استلحق في الإسلام ولد الزّنا معاوية؛ استلحق في خلافته زياد بن سميّة أخا، لأنّ أباه كان زنى بها زمن كفره؛ فجاءت به منه. واستلحاقه خلاف إجماع المسلمين. انتهى. ونحوه في المناوي. قال المناوي: وهذا الحديث قد مثل به أصحابنا في الأصول إلى أنّ المقام

стр. 1894

٢٧١- «ويل للشّاكّين في الله» . الوارد على سبب خاصّ يعتبر عمومه، وصورة السبب قطعيّة الدّخول فلا تخصّ منه باجتهاد كما فعله الحنفيّة، فإنّه وارد في ابن زمعة المختصم فيه عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص، فقال المصطفى ﷺ : «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» . والحديث ذكره في «الجامع» وغيره مرموزا له برمز متفق، وأبي داود، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وبرمز الإمام أحمد، ومتفق عليه، والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وبرمز أبي داود؛ عن عثمان بن عفان. وبرمز النّسائي؛ عن ابن مسعود وعبد الله بن الزّبير. وبرمز ابن ماجه؛ عن عمر بن الخطاب، وعن أبي أمامة الباهلي. قال المناوي: وفي الباب عن غير هؤلاء أيضا؛ كما بيّنه الحافظ في «الفتح» ، ونقل عن ابن عبد البر أنّه جاء عن بضعة وعشرين صحابيا، ثم زاد عليه. انتهى. وذكره السّيوطي في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» . ٢٧١- ( «ويل) كلمة تقال لمن وقع في هلكة؛ ولا يترحم عليه، بخلاف «ويح» ؛ كذا في «التنقيح» ، ذكره المناوي. وقال في موضع آخر: «ويل» كلمة عذاب، أو واد في جهنّم، أو صديد أهل النّار. قال ابن جماعة: لم يجئ في القرآن إلّا وعيدا لأهل الجرائم. (للشّاكّين في الله» ) أي؛ في وجوده، أو في انفراده بالألوهية، أو كل وصف يليق به تعالى، كأن شكّ في قدرته أو علمه تعالى. انتهى «عزيزي وحفني» . والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» .

стр. 1895

[ (حرف اللّام ألف) ] (حرف اللّام ألف) ٢٧٢- « (لا إله إلّا الله) .. كنز من كنوز الجنّة» . ٢٧٣- «لا إيمان.. لمن لا أمانة له» . ٢٧٤- «لا تجتمع أمّتي.. على ضلالة» . (حرف اللّام ألف) ٢٧٢- ( «لا إله) مستغن عن كلّ ما سواه، ومفتقر إليه كلّ ما عداه (إلّا الله) بالرفع بدل من محلّ «لا» مع اسمها، وهو الرّفع بالابتداء عند سيبويه، وجملة كلمة التّوحيد مبتدأ قصد لفظها، والخبر ما بعدها. أي؛ هذا اللّفظ الّذي هو كلمة التوحيد (كنز من كنوز الجنّة» ) أي؛ ذخيرة من ذخائرها، أو من محصلات نفائسها، والمعنى أنّ قائلها يحصّل ثوابا نفيسا يدّخر له في الجنّة. والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» . ٢٧٣- ( «لا إيمان) كامل (لمن لا أمانة له» ) فالأمانة لبّ الإيمان، وهي منه بمنزلة القلب من البدن، والأمانة في الجوارح السبعة: العين، والسمع، واللسان، واليد، والرجل، والبطن، والفرج. فمن ضيّع جزآ منها سقم إيمانه، وضعف بقدره. انتهى «مناوي وزرقاني» . وتمام الحديث: «ولا دين لمن لا عهد له» . ذكره في «المواهب» ، و «الجامع الصغير» . وقال: رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى في «مسنديهما» ، والبيهقي في «الشعب» ؛ عن أنس. قال الذّهبي: وسنده قويّ. وصحّحه ابن حبّان. انتهى زرقاني على «المواهب» . ٢٧٤- ( «لا تجتمع أمّتي) أي؛ علماؤهم (على ضلالة» ) لأنّ العامّة تأخذ عنها دينها، وإليها تفزع في النوازل؛ فاقتضت حكمة الله ذلك. والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» وقال: أخرجه ابن أبي عاصم. انتهى.

стр. 1896

......... وهو في الترمذي؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بلفظ: «إنّ الله تعالى لا يجمع أمّتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار» . ورواه عن ابن عمر أيضا الضّياء في «المختارة» بلفظ: «إنّ الله لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة أبدا، وإنّ يد الله مع الجماعة؛ فاتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّه من شذّ شذّ في النّار» . قال ابن حجر رحمه الله تعالى في «تخريج المختصر» : حديث غريب؛ أخرجه أبو نعيم في «الحلية» واللالكائي في «السّنّة» ، ورجاله رجال الصحيح؛ لكنّه معلول، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظا لحكمت بصحّته على شرط الصحيح! لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال؛ فذكرها، وذلك مقتضى الاضطراب، والمضطرب من أقسام الضعيف. انتهى مناوي على «الجامع» . وذكره في «الكشف» بلفظ المصنّف، وقال: رواه الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير» ، وابن أبي خيثمة في «تاريخه» ؛ عن أبي نضرة الغفاري رفعه في حديث: «سألت ربّي ألاتجتمع أمّتي على ضلالة فأعطانيها» . والطّبراني وحده، وابن أبي عاصم في «السنّة» ؛ عن أبي مالك الأشعري رفعه: «إنّ الله تعالى أجاركم من ثلاث خلال: ١- ألايدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا جميعا، و ٢- ألايظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، و ٣- أن لا يجتمعوا على ضلالة» . ورواه أبو نعيم والحاكم، وأعلّه اللالكائي في «السّنّة» وابن منده. ومن طريقه الضّياء؛ عن ابن عمر رفعه: «إنّ الله لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة أبدا، وإنّ يد الله مع الجماعة، فاتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّ من شذّ شذّ في النّار» . وكذا هو عند التّرمذي، لكن بلفظ «أمّتي» .

стр. 1897

٢٧٥- «لا تختلفوا.. فتختلف قلوبكم» . ٢٧٦- «لا تسبّوا الدّنيا.. فإنّها مطيّة المؤمن» . ورواه عبد بن حميد، وابن ماجه؛ عن أنس رفعه: «إنّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسّواد الأعظم» . ورواه الحاكم؛ عن ابن عباس رفعه بلفظ: «لا يجمع الله هذه الأمّة على ضلالة، ويد الله مع الجماعة» . والجملة الثانية عند التّرمذي وابن أبي عاصم؛ عن ابن مسعود موقوفا في حديث: «عليكم بالجماعة، فإنّ الله لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة» زاد غيره: «وإيّاكم والتّلوّن في دين الله» . وبالجملة فالحديث مشهور المتن، وله أسانيد كثيرة، وشواهد عديدة في المرفوع وغيره؛ فمن الأول: «أنتم شهداء الله في الأرض» . ومن الثّاني قول ابن مسعود: اذا سئل أحدكم فلينظر في كتاب الله، فإن لم يجده! ففي سنّة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجده فيها! فلينظر فيما اجتمع عليه المسلمون، وإلّا! فليجتهد. انتهى كلام «الكشف» . ٢٧٥- ( «لا تختلفوا) أي: لا يتقدم بعضكم على بعض في الصّلاة (فتختلف) بالنّصب جواب النّهي (قلوبكم» ) أي: هواها وإرادتها، لأنّ تقدّم البعض على البعض مظنّة للكبر المفسد للقلوب، وسبب لتأثّرها النّاشئ عن الحنق والضّغائن، وفيه أنّ القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء؛ لأنه رئيسها. انتهى شروح «الجامع» . والحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم والنّسائي؛ عن أبي مسعود: عقبة بن عمرو البدري الأنصاري مرفوعا. وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذي؛ عن عبد الله بن مسعود الهذلي مرفوعا. وأخرجه أبو داود والنّسائي والإمام أحمد؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه مرفوعا. ٢٧٦- ( «لا تسبّوا الدّنيا فإنّها مطيّة المؤمن» ) توصله إلى الآخرة لكونه يتزوّد

стр. 1898

٢٧٧- «لا تصحب.. إلّا مؤمنا، ولا يأكل طعامك.. إلّا تقيّ» . فيها أعمالا صالحة. ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» ؛ أي: عن ابن مسعود ﵁. ٢٧٧- ( «لا تصحب إلّا مؤمنا) وكامل الإيمان أولى، لأنّ الطّباع سرّاقة؛ ومن ثمّ قيل: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشرّ؛ كالرّيح إذا مرّت على نتن حملت نتنا، وإذا مرّت على الطّيب حملت طيبا. وقال الشّافعيّ: ليس أحد إلّا له محبّ ومبغض؛ فإذن لا بدّ من ذلك فليكن المرجع إلى أهل طاعة الله. ولذلك قيل: ولا يصحب الإنسان إلّا نظيره ... وإن لم يكونوا من قبيل ولا بلد وصحبة من لا يخاف الله لا تؤمن غائلتها لتغيّره بتغيّر الأعراض، قال تعالى وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) [الكهف] ، والطّبع يسرق من الطّبع من حيث لا يدري. ومعهم قد تفسد الأخلاق ... والطّبع من عادته سرّاق (ولا يأكل طعامك إلّا تقيّ» ) لأنّ المطاعمة توجب الألفة، وتؤدّي إلى الخلطة، بل هي أوثق عرى المداخلة، ومخالطة غير التقي تخلّ بالدّين؛ وتوقع في الشّبه والمحظورات، فكأنّه ينهى عن مخالطة الفجّار، إذ لا يخلو عن فساد، إما بمتابعة في فعل، أو مساومة في إغضاء عن منكر، فإن سلم من ذلك ولا يكاد!! فلا تخطئه فتنة الغير به، وليس المراد حرمان غير التّقي من الإحسان، لأنّ المصطفى ﷺ أطعم المشركين وأعطى المؤلفة للمئين، بل يطعمه ولا يخالطه. والحاصل: أنّ مقصود الحديث- كما أشار إليه الطّيبي- النّهي عن كسب الحرام وتعاطي ما ينفر منه المتّقي، فالمعنى: لا تصاحب إلّا مطيعا، ولا تخالل إلّا تقيّا. انتهى مناوي على «الجامع» . والحديث أخرجه الإمام أحمد والتّرمذي وأبو داود وابن حبّان والحاكم؛ عن أبي سعيد الخدري، وأسانيده صحيحة.

стр. 1899

٢٧٨- «لا خير.. في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له» . ٢٧٨- ( «لا خير في صحبة من لا يرى لك) أي: من الحقّ (مثل ما ترى له» ) بأن يكون عنده من الرغبة والمودّة والنّفع مثل ما عندك له، كما قال الشاعر: إذا كان لا يدنيك إلّا شفاعة ... فلا خير في ودّ يكون بشافع فمن لم يكن يرى لك مثل ما ترى له؛ فلا خير في صحبته. قال المناوي: كجاهل قدّمه المال وبذل الرّشوة في فضائل دينيّة لحاكم ظالم منعها أهلها وأعطاه مكافأة لرشوته، فتصدّر وترأس وتنكّب حتى أن يرى لأحد مثل ما يرى له، وتشبّه بالظّلمة في تبسّطهم وملابسهم ومراكبهم. قال بعضهم: وكأنّه يشير إلى تجنّب صحبة المتكبّرين المتعاظمين في دين أو دنيا، سواء كان فوقه أو دونه، لأنّه إن كان فوقه لم يعرف له حقّ متابعته وخدمته، بل يراه حقّا عليه، وأنّه شرف بصحبته، فإن صحبته في طلب الدّين قطعك بكثرة اشتغاله عن الله، وإن صحبته للدّنيا منّ عليك برزق الله. وإن كان دونك لم يعرف لك حرمة، بل يرى له حقّا بصحبته لك، فإن صحبته في الدّين كدّره عليك بسوء معاشرته، أو للدّنيا لم تأمن من أذيّته وخيانته. انتهى كلام المناوي. والحديث ذكره في «كشف الخفا» ، وقال: رواه الدّيلمي؛ عن أنس ﵁، ورواه العسكري؛ عن أنس رفعه بلفظ: «المرء على دين خليله؛ ولا خير في صحبة من لّا يرى لك من الخير- أو: من الحقّ- مثل الّذي ترى له» . ورواه ابن عدي في «كامله» بسند ضعيف. وروى اللّيث عن مجاهد أنّه قال: كانوا يقولون «لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق، مثل ما ترى له» . ولأبي نعيم؛ عن سهل بن سعد رفعه: «لا تصحبنّ أحدا لا يرى لك من الفضل كما ترى له» . انتهى ملخّصا. وذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز ابن عدي.

стр. 1900

٢٧٩- «لا ضرر.. ولا ضرار» . ٢٨٠- «لا طاعة لمخلوق.. في معصية الخالق» . ٢٧٩- ( «لا ضرر) أي: لا يضر الرّجل أخاه فينقصه شيئا من حقّه (ولا ضرار» ) : فعال بكسر أوّله؛ أي لا يجازي من ضرّه بإدخال الضّرر عليه؛ بل يعفو. فالضّرر فعل واحد، والضّرار فعل اثنين. أو: الضّرر ابتداء الفعل، والضّرار الجزاء عليه، والأوّل إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، والثّاني إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة؛ أي: كل منهما يقصد ضرر صاحبه. وفيه تحريم سائر أنواع الضّرر إلّا بدليل، لأنّ النّكرة في سياق النّفي تعمّ. وفيه حذف أصله؛ لا لحوق أو إلحاق، أو: لا فعل ضرر أو ضرار بأحد في ديننا. أي: لا يجوز شرعا إلّا لموجب خاصّ. انتهى «مناوي» . والحديث ذكره في «كشف الخفا» وغيره؛ وقال: رواه مالك والشّافعي. عن يحيى المازنيّ مرسلا، والإمام أحمد وعبد الرّزّاق وابن ماجه والطّبراني؛ عن ابن عباس، وفي سنده جابر الجعفي. وأخرجه ابن أبي شيبة والدّارقطني عنه. وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وجابر وعائشة وغيرهم. انتهى. وفي المناوي: الحديث حسّنه النووي في «الأربعين» ، ورواه مالك مرسلا، وله طرق يقوّي بعضها بعضا. وقال العلائيّ: للحديث شواهد؛ ينتهي مجموعها إلى درجة الصحّة أو الحسن المحتجّ به. انتهى. ٢٨٠- ( «لا طاعة لمخلوق) من المخلوقين كائنا من كان؛ أبا أو أمّا، أو زوجا أو سيدا (في معصية الخالق» ) بل كلّ حقّ- وإن عظم- ساقط إذا جاء حقّ الله، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا ينبغي ولا يستقيم ذلك.

стр. 1901

٢٨١- «لا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب.. كحسن الخلق» . وتخصيص ذكر المخلوق والخالق!! يشعر بعلّيّة هذا الحكم «١» . قال الزّمخشري: قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم: ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [٥٩/ النساء] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحقّ بقوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [٥٩/ النساء] . قال ابن الأثير: يريد طاعة ولاة الأمر إذا أمروا بما فيه إثم كقتل ونحوه. وقيل: معنى الحديث: أنّ الطّاعة لا تسلم لصاحبها، ولا تخلص إذا كانت مشوبة بمعصية. والأوّل أشبه بمعنى الحديث. انتهى «مناوي» . والحديث ذكره في «كشف الخفا» وغيره؛ وقال: رواه الإمام أحمد، والحاكم؛ عن عمران بن حصين. ورواه أبو داود والنّسائي؛ عن علي بلفظ: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنّما الطّاعة في المعروف» . ورواه أحمد؛ عن أنس بلفظ: «لا طاعة لمن لم يطع الله» . انتهى. قال المناوي في حديث عمران: قال الهيثميّ رجال أحمد رجال الصّحيح، ورواه البغوي عن النّواس، وابن حبّان؛ عن علي بلفظ: «لا طاعة لبشر في معصية الله» . وله شواهد في «الصّحيحين» . انتهى. ٢٨١- ( «لا عقل كالتّدبير) قال الطّيبي: أراد بالتّدبير العقل المطبوع. وقال القيصري: هو خاطر الرّوح العقلي، وهو خاطر التّدبير لأمر المملكة الإنسانيّة، فالنّظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات، ومنه تؤخذ الفهوم والعلوم الربّانيّة، وهذا الشّخص هو الملك، وإليه ترجع أمور المملكة؛ فيختار ما أمره الشّرع أن يختار ويترك ما أمره الشّرع أن يتركه، ويستحسن ما أمره الشّرع أن يستحسنه، ويستقبح ما أمره الشّرع أن يستقبحه، وصفة خاطر هذا الملك

стр. 1902

٢٨٢- «لا فقر.. أشدّ من الجهل، ولا مال.. أعزّ من العقل، ولا وحشة.. أشدّ من العجب» . التثبّت والنّظر في جميع ما يرد عليه من الخواطر، فينفّذ منها ما يجب تنفيذه، ويردّ ما يجب ردّه. وخواطر هذا الجوهر الشّريف؛ وإن كثرت ترجع إلى ثلاثة أنواع: ١- الأمر بالتنزّه عن دنيّ الأخلاق والأعمال والأحوال ظاهرا وباطنا. و ٢- الأمر بالاتصاف بمحاسن الأخلاق والأعمال والأحوال وأعاليها كذلك. و ٣- الأمر بإعطاء جميع أهل مملكته حقوقهم وتنفيذ الأحكام الشّرعية فيهم. (ولا ورع كالكفّ) أي: كفّ اليد عن تناول ما يضطرب القلب في تحليله وتحريمه. (ولا حسب) أي؛ ولا مجد ولا شرف (كحسن الخلق» ) بالضم، إذ به صلاح الدّنيا والآخرة. والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز ابن ماجه، أي؛ وكذا ابن حبّان، والبيهقي في «الشعب» ؛ كلّهم عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله تعالى عنه، وإسناده ضعيف؛ كما في شروح «الجامع» . ٢٨٢- ( «لا فقر أشدّ من الجهل) بالعلم الشّرعي، لأنّ العلم ميراث الأنبياء، فمن حرمه فهو الفقير على الحقيقة. (ولا مال أعزّ من العقل) لأنّ العقل دليل المؤمن، إذ هو عقال لطبعه أن يجري بعجلته وجهله لتقدّم العقل بين يدي كلّ أمر من فعل وترك؛ مسترشدا به في عاقبته، استضاءة بنوره، فمن أعطي العقل فقد حصل على خير كبير. ولله درّ من قال: ... «١»

стр. 1903

٢٨٣- «لا يجني على المرء.. إلّا يده» . ٢٨٤- «لا يحلّ لمسلم.. أن يروّع مسلما» . (ولا وحشة أشدّ من العجب» ) الّذي هو استعظام العمل غافلا عن منّة الله تعالى فيه. والحديث ذكره في «كشف الخفا» بلفظ: «لا فقر أشدّ من الجهل، ولا مال أكثر من العقل، ولا وحشة أوحش من العجب، ولا ورع كالكفّ عن محارم الله، ولا حسب كحسن الخلق ولا عبادة كالتّفكّر» ، وقال: رواه ابن ماجه، والطّبراني عن أبي ذرّ. وفي الباب عن عليّ بن أبي طالب. انتهى. قال المناوي: أخرج في «الشّعب» عن علي كرّم الله وجهه: «التّوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشدّ من العجب» قالوا: وذا من جوامع الكلم. انتهى. ٢٨٣- ( «لا يجني على المرء) أي: الرّجل، والمراد الإنسان فيشمل المرأة، أي لا يوصل إليه مكروها (إلّا يده» ) لأنّه يذنب فيعاقب من الله؛ أو الحاكم، فكأنّه المعاقب لنفسه لتسبّبه في إيصال العقاب لها. وخصّ اليد!! لمباشرتها غالبا الجنايات. انتهى «زرقاني» . والحديث ذكره في «المواهب» ؛ وقال: رواه الشيخان؛ أي: البخاري ومسلم في حديث، ولأحمد وابن ماجه؛ من حديث عمرو بن الأحوص: إنّه شهد حجّة الوداع، وفيه: «لا يجني جان إلّا على نفسه» وقد أراد ﷺ بهذا أنّه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره؛ إن قتل أو جرح أو زنى، وإنّما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي الّتي أدّته لذلك فهو إبطال لأمر الجاهليّة، كانوا يقودون بالجناية من يجدونه؛ من الجاني وأقاربه، الأقرب فالأقرب، وعليه الآن أهل الجفا من سكان البوادي والجفاء. انتهى. ٢٨٤- ( «لا يحلّ لمسلم أن يروّع) - بالتّشديد أي: يفزّع- (مسلما» ) وإن كان هازلا؛ كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى، أو أخذ متاعه فيفزع لفقده، لما في

стр. 1904

٢٨٥- «لا يزال الرّجال بخير.. ما لم يطيعوا النّساء» . ٢٨٦- «لا يشكر الله.. من لا يشكر النّاس» . ذلك من إدخال الأذى والضّرر عليه، و «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» . والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد وأبي داود؛ من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجال من الصّحابة: أنّهم كانوا يسيرون مع النّبي ﷺ ، فقام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه؛ ففزّعه ... فذكره رسول الله ﷺ . قال الزين العراقي بعد ما عزاه لأحمد والطّبرانيّ: حديث حسن. وذكره في «كشف الخفا» ؛ وقال: رواه الطّبراني وابن منيع؛ عن النّعمان بن بشير. وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. انتهى. ٢٨٥- ( «لا يزال الرّجال بخير ما لم يطيعوا) أي: مدة عدم إطاعتهم (النّساء» ) ، فإذا أطاعوهنّ قلّ خيرهم، وذلك من أشراط السّاعة. والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني. ٢٨٦- ( «لا يشكر الله من لا يشكر النّاس» ) أي: من كان طبعه وعادته كفران نعمة النّاس وترك الشّكر لمعروفهم كان عادته كفران نعم الله وترك الشّكر له. قال الحافظ ابن حجر كابن العربي: فيه أربع روايات رفع «الله» و «النّاس» ، ونصبهما، ورفع أحدهما ونصب الآخر. وعلى رفعهما؛ معناه: من لا يشكره النّاس لا يشكره الله. وعلى نصبهما معناه: من لا يشكر النّاس بالثّناء بما أولوه لا يشكر الله؛ فإنّه أمر بذلك عبيده، أو من لا يشكر النّاس كمن لا يشكر الله، ومن شكرهم كمن شكره.

стр. 1905

٢٨٧- «لا يغني حذر.. من قدر» . وعلى رفع أحدهما ونصب الآخر معناه: لا يكون لله شاكرا إلا من كان شاكرا للنّاس، وشكر الله ثناؤه على المحسن، وإجراؤه النّعم عليه بغير زوال. قال الزّين العراقي: والمعروف المشهور في الرّواية نصبهما، ويشهد له حديث عبد الله بن أحمد: «من لا يشكر النّاس لا يشكر الله» . انتهى «مناوي» . والحديث ذكره في «الكشف» وقال: رواه الإمام أحمد بسند رجاله ثقات؛ عن الأشعث بن قيس رفعه. وأبو داود والتّرمذي؛ عن أبي هريرة مرفوعا، وصححه التّرمذي؛ عن أبي هريرة. انتهى. وذكره في «الجامع» بلفظ: «من لم يشكر النّاس لم يشكر الله» . ورمز له برمز الإمام أحمد والتّرمذي والضّياء في «المختارة» ؛ عن أبي سعيد الخدري. قال المناوي: قال التّرمذي: حسن. وقال الهيثميّ: سند أحمد حسن. ولأبي داود وابن حبّان ونحوه؛ من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح. انتهى. وذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «التّحدّث بنعمة الله شكر وتركه كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر النّاس لا يشكر الله، والجماعة بركة والفرقة عذاب» ورمز له برمز البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما. قال المناوي: فيه أبو عبد الرحمن الشّامي أورده الذّهبي في الضّعفاء، وقال الأزدي: كذّاب. ورواه عنه أحمد بسند رجاله ثقات، كما بيّنه الهيثمي، فكان ينبغي للمؤلف- يعني السّيوطي- عزوه له. انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى. ٢٨٧- ( «لا يغني حذر من قدر» ) وإنّما يستعمل العبد الحذر!! لأنّه من جملة الأسباب المأمور بمباشرتها؛ فهو يحترز حسب الاستطاعة؛ معتقدا أنّه لا يدفع القضاء المبرم. والحديث ذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه الإمام أحمد، والحاكم

стр. 1906

٢٨٨- «لا يلدغ المؤمن.. من جحر مرّتين» . وصحّحه؛ عن عائشة مرفوعا. وأخرجه الدّيلمي؛ عن عائشة ومعاذ بلفظ: «لا ينفع حذر من قدر، والدّعاء ينفع ممّا نزل» . انتهى. وذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم، في «كتاب الدّعاء» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قال المناوي: وتمامه عند الحاكم «والدّعاء ينفع ممّا نزل وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل فيتلقّاه الدّعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» . انتهى. ثم قال المناوي: قال الحاكم: صحيح، وتعقّبه الذّهبي في «التلخيص» بأنّ زكريا بن منصور أحد رجاله مجمع على ضعفه. انتهى. وفي «الميزان» : ضعّفه ابن معين ووهّاه أبو زرعة. وقال البخاري: منكر الحديث، وساق له هذا الخبر، وقال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ. انتهى كلام المناوي. ٢٨٨- ( «لا يلدغ) - بالمثنّاة التحتيّة المضمومة واللام الساكنة وبالدّال المهملة المفتوحة والغين المعجمة- (المؤمن من جحر) - بضم الجيم فحاء مهملة- (مرّتين» ) . قال الشّهاب الخفاجي: أريد بها التكرار؛ كقوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [٣- ٤/ الملك] لكنّه اقتصر على الأقل، لأنّه أنسب بالجزم. انتهى. قال المناوي: روي ١- برفع الغين المعجمة نفي؛ معناه المؤمن المتيقّظ الحازم لا يؤتى من قبل الغافلة فيخدع مرة بعد أخرى، و ٢- بكسر الغين نهي؛ أي؛ ليكن فطنا كيّسا لئلا يقع في مكروه بعد وقوعه فيه مرة قبلها. وذا من جوامع كلمه ﷺ الّتي لم يسبق إليها.

стр. 1907

٢٨٩- «لا يكون الرّجل من المتّقين.. حتّى يدع ما لا بأس فيه، حذرا ممّا به بأس» . أراد به تنبيه المؤمن على عدم عوده لمحلّ حصول مضرّة سبقت له فيه، وكما أن هذا مطلوب في أمر الدّنيا؛ فكذا في أمور الآخرة، فالمؤمن إذا أذنب ينبغي أن يتألّم قلبه كاللّديغ، ويضطرب ولا يعود. انتهى. وسبب الحديث أنّ أبا عزة الجمحي «١» أسر ببدر فمنّ عليه رسول الله ﷺ على أن لا يهجوه، ولا يحرّض عليه؛ فغدر، ثم أسر بأحد، فقال: يا رسول الله؛ غلبت أقلني. فقال: «لا أدعك تمسح عارضيك بمكّة تقول (خدعت محمّدا مرّتين) ! وإنّ المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين» . ثم أمر بضرب عنقه، فصار الحديث مثلا. ولم يسمع ذلك قبل المصطفى ﷺ . نعم ذكر الشّهاب الخفاجي: أنّ من حكم اليونان وأمثالهم قولهم: لا يرمى العاقل بحجر مرتين. فانظر الفرق بين كلام النّبوّة وغيرها!!. وفي «العزيزي» : قيل: المراد بالمؤمن في هذا الحديث الكامل الّذي أوقفته معرفته على غوامض الأمور، حتى صار يحذر مما سيقع، وأمّا المؤمن المغفّل! فقد يلدغ مرارا من جحر. وفيه أدب شريف أدّب به النّبيّ ﷺ أمّته، ونبّههم كيف يحذرون ممّا يخافون سوء عاقبته. انتهى. والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والشّيخين: البخاري ومسلم، وأبي داود، وابن ماجه كلّهم؛ عن أبي هريرة، وبرمز الإمام أحمد وابن ماجه كلاهما؛ عن ابن عمر بن الخطاب ﵄. ٢٨٩- ( «لا يكون الرّجل من المتّقين) - أي: لا يبلغ العبد حقيقة التّقوى- (حتّى يدع ما لا بأس فيه حذرا ممّا به بأس» ) أي: يترك فضول الحلال؛ حذرا من

стр. 1908

٢٩٠- «لا يؤمن أحدكم.. حتّى يحبّ ... الوقوع في الحرام، ويسمّى هذا ورع المتّقين. وهذه الدرجة الثانية من درجات الورع. قال عمر: كنّا ندع تسعة أعشار الحلال خوف الوقوع في الحرام. وكان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حبّة، ويعطي ما عليه بزيادة حبّة. ولذلك أخذ عمر بن عبد العزيز بأنفه «١» من ريح المسك الذي لبيت المال، وقال: هل ينتفع إلّا بريحه!! ومن ذلك ترك النّظر إلى تجمّل أهل الدنيا، فإنّه يحرّك داعية الرّغبة فيها. انتهى «عزيزي» . والحديث ذكره في «الجامع» بلفظ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس» ورمز له برمز التّرمذي وابن ماجه والحاكم كلهم؛ عن عطية بن عروة السّعدي رضي الله تعالى عنه، وقال التّرمذي: حسن غريب. انتهى بزيادة من المناوي. ٢٩٠- ( «لا يؤمن أحدكم) إيمانا كاملا؛ فالمراد بنفيه هنا نفي بلوغ حقيقته ونهايته، كخبر «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن» ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان. ولا يرد استلزامه أنّ فاعل ذلك يكمل إيمانه؛ وإن ترك بقيّة الأركان!! لأنّ هذا ورد مورد المبالغة، ويستفاد من قوله ﷺ لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم. وصرّح في رواية ابن حبّان بالمراد، ولفظ «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان» إذ معنى الحقيقة الكمال ضرورة إن من لم يتّصف بهذه الصّفة لا يكون كافرا. (حتّى يحبّ) - بالنّصب، لأنّ «حتّى» جارّة و «أن» بعدها مضمرة،

стр. 1909

لأخيه ما يحبّ لنفسه» . ولا يجوز الرّفع فتكون «حتّى» عاطفة!! لفساد المعنى، إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبّة. ذكره الكرماني- (لأخيه) - المسلم كما زاده في رواية الإسماعيلي ولعلّه غالبي، فالمسلم ينبغي حبّه للكافر الإسلام، وما يترتب عليه من خير وأجر- (ما يحبّ لنفسه» ) من الخير؛ كما في رواية النّسائي وابن منده والإسماعيلي والقضاعي، والمراد أن يحبّ لأخيه من الخير نظير ما حصل له من جهة لا يزاحمه فيها. وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه؛ إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلّين محال، قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشّر، ولم يذكره! لأنّ حبّ الشّيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك النصّ عليه اكتفاء. انتهى. وذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة، ومقصود الحديث انتظام أحوال المعاش والمعاد، والجري على قانون السّداد وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [١٠٣/ آل عمران] وعماد ذلك كلّه وأساسه السّلامة من الأدواء القلبيّة، فالحاسد يكره أن يفوقه أحد، أو يساويه في شيء، والإيمان يقتضي المشاركة في كل خير؛ من غير أن ينقص على أحد من نصيب أحد شيء. نعم؛ ومن كمال الإيمان تمنّي مثل فضائله الآخروية الّتي فاقه فيها غيره. وقوله وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [٣٢/ النساء] نهي عن الحسد المذموم، فإذا فاقه أحد في فضل ديني اجتهد في لحاقه، وحزن على تقصيره، لا حسدا؛ بل منافسة في الخير، وغبطة. انتهى «مناوي وزرقاني» . قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي: جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» ، وحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» ، وحديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، وقوله للذي اختصر له في الوصية «لا تغضب» . انتهى عزيزي ك «شرح مسلم» .

стр. 1910

٢٩١- «لا يؤمن أحدكم.. حتّى يكون هواه ... والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ، قال الزّرقاني: أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم، والتّرمذي والنّسائي وابن ماجه؛ عن أنس ﵁. لكن لفظ رواية مسلم: «حتّى يحبّ لأخيه- أو قال- جاره» . ورواية البخاري وغيره: «لأخيه» بلا شك. انتهى. ونحوه في «الجامع الصغير» مع المناوي رحمهم الله تعالى. ٢٩١- ( «لا يؤمن أحدكم) إيمانا كاملا (حتّى يكون هواه) ، بالقصر: ما يهواه أي: تحبّه نفسه وتميل إليه، وجمعه أهواء، والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق أنّه الميل إلى خلاف الحقّ، وهذا هو الغالب، ومنه وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [٢٦/ ص] ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) [النازعات] . ومنه قول ابن دريد: وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا وقول هشام بن عبد الملك: إذا لم تكن تعصي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال وقول آخر: إنّ الهوان من الهوى قصر اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقول آخر: نون الهوان من الهوى مسروقة ... وصريع كلّ هوى صريع هوان وقد يطلق الهوى بمعنى مطلق الميل والمحبّة؛ فيشمل الميل للحقّ وغيره، ويطلب بمعنى محبّة الحقّ خاصّة، والانقياد إليه، ومنه ما في هذا الحديث، ومنه قول عائشة ﵂ لما نزل قوله تعالى تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ

стр. 1911

لما جئت به» .) تَشاءُ [٥١/ الأحزاب] قالت للنبيّ ﷺ : ما أرى ربك إلّا يسارع في هواك، وقول عمر ﵁ في قصة المشاورة في أسارى بدر- «فهوي رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر ولم يهو ما قلت» ؛ فتبيّن أنّ للهوى ثلاث إطلاقات: ١- الميل إلى خلاف الحقّ، وهو الغالب. و٢- مطلق الميل الشّامل للحقّ وغيره. و ٣- الميل إلى الحقّ خاصّة. وهذا كلّه في المقصور؛ أمّا الممدود [الهواء] فهو الجرم الّذي بين السماء والأرض، وكلّ متجوّف، وجمعه أهوية. (تبعا لما جئت به» ) من هذه الشّريعة المطهّرة الكاملة، بأن يميل قلبه وطبعه إليه؛ كميله لمحبوباته الدنيويّة الّتي جبل على الميل إليها من غير مجاهدة وتصبّر، بل يهواها كما يهوى المحبوبات المشتهيات، إذ من أحبّ شيئا أتبعه هواه، ومال عن غيره إليه، ومن ثمّ آثر التعبير بذلك، على نحو «حتّى يأتمر بكلّ ما جئت به» لأنّ المأمور بالشيء قد يفعله اضطرارا. انتهى؛ من شرح ابن حجر الهيتمي على «الأربعين النووية» . وقال الإمام النّووي رحمه الله تعالى: يعني أنّ الشّخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنّة، ويخالف هواه، ويتّبع ما جاء به النّبي ﷺ ، وهذا نظير قوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٣٦/ الأحزاب] فليس لأحد مع الله ورسوله ﷺ أمر ولا هوى. وعن إبراهيم بن محمد الكوفيّ قال: رأيت الشّافعي بمكة يفتي النّاس ورأيت إسحاق بن راهواه وأحمد ابن حنبل حاضرين، فقال أحمد لإسحاق: تعال حتّى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فقال له إسحاق: لم تر عيناي مثله!! قال: نعم. فجاء به فوقفه على الشّافعي. فذكر القصة إلى أن قال: ثمّ تقدّم إسحاق إلى مجلس الشّافعي فسأله عن كراء

стр. 1912

......... بيوت مكة. فقال الشّافعي: هذا عندنا جائز، قال رسول الله ﷺ : «فهل ترك لنا عقيل من دار!!» . فقال إسحاق: أخبرنا يزيد بن هارون؛ عن هشام؛ عن الحسن أنّه لم يكن يرى ذلك!، وعطاء وطاووس لم يكونا يريان ذلك!! فقال له الشّافعي: أنت الّذي تزعم أهل خراسان أنّك فقيههم؟!. قال إسحاق: كذلك يزعمون؟! قال الشّافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بفرك أذنيه. أنا أقول: «قال رسول الله ﷺ ؛ وأنت تقول: قال عطاء وطاووس والحسن وإبراهيم؛ هؤلاء لا يرون ذلك» ؟! وهل لأحد مع رسول الله ﷺ حجّة؟. ثمّ قال الشّافعي: قال الله تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [٥٩/ الحشر] أفتنسب الدّيار إلى مالكين؛ أو غير مالكين؟. قال إسحاق: إلى مالكين!. قال الشافعي: فقول الله تعالى أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله ﷺ : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ؛ وقد اشترى عمر بن الخطاب ﵁ دار الحجلتين!؟ وذكر الشّافعي جماعات من أصحاب رسول الله ﷺ . فقال له إسحاق: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٥٢] !! فقال له الشّافعي: فالمراد به المسجد خاصّة؛ وهو الّذي حول الكعبة، ولو كان كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد في دور مكّة ضالّة، ولا تحبس فيها البدن، ولا تلقى الأرواث، ولكن هذا في المسجد خاصّة!. فسكت إسحاق ولم يتكلّم. فسكت الشّافعي عنه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ونفعنا بعلومهم آمين. والحديث ذكره النّووي في «الأربعين» ؛ وقال: حديث صحيح روّيناه في كتاب «الحجّة» بإسناد صحيح.

стр. 1913

......... قال ابن حجر: كتاب «الحجّة في اتباع المحجّة» في عقيدة أهل السنّة لتضمّنه ذكر أصول الدّين على قواعد أهل الحديث، وهو كتاب جيد نافع وقدره ك «التنبيه» مرة ونصفا تقريبا، ومؤلفه هو العلامة أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني الحافظ؛ كذا قاله بعضهم! وخالفه غيره؛ فقال: إنّه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشّافعي، الفقيه الزاهد نزيل دمشق. انتهى. قال بعضهم: ورواه محيي السّنّة في «المصابيح» و «شرح السنة» . انتهى. قال ابن حجر: وهو على وجازته واختصاره يجمع ما في هذه «الأربعين» وغيرها؛ من دواوين السّنّة، وبيانه أنّه ﷺ إنّما جاء بالحقّ وصدّق المرسلين، وهذا الحقّ إن فسّر بالدّين شمل الإيمان والإسلام والنّصح لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامّتهم، والاستقامة، وهذه أمور جامعة لا يبقى بعدها إلّا تفاصيلها، أو بالتّقوى فهي مشتملة على ما ذكرناه أيضا، فإذا كان كذلك؛ كان هوى الإنسان تبعا لما جاء به النّبيّ ﷺ من الدّين والتّقوى. وعلم من الحديث أنّ من كان هواه تابعا لجميع ما جاء به النّبيّ ﷺ كان مؤمنا كاملا، وضدّه؛ وهو من أعرض عن جميع ما جاء به النّبيّ ﷺ ومنه الإيمان- فهو الكافر؛ وأما من اتبع البعض؛ فإن كان ما اتّبعه أصل الدّين؛ وهو الإيمان، وترك ما سواه؛ فهو الفاسق، وعكسه المنافق، واستمداد الحديث من قوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [٦٥/ النساء] ... الآية، إذ فيها غاية التعظيم لحقّه ﷺ والتأدّب معه، ووجوب محبّته واتّباعه فيما يأمر به من غير توقّف؛ ولا تلعثم، ومن ثمّ لم يكتف بالتّحكيم، بل عقّبه بقوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ولم يكتف بهذا أيضا، بل زاد التأكيد بقوله وَيُسَلِّمُوا [٦٥/ النساء] ، ولم يكتف به أيضا، بل زاد فيه فأتى بالمصدر الرافع لاحتمال التجوّز؛ فقال تَسْلِيماً (٦٥) [النساء] ، وبهذا التسليم تكون النّفس مطمئنّة لحكمه، منشرحة به، لا توقف عندها فيه بوجه. انتهى.

стр. 1914

٢٩٢- «لا يؤمن عبد.. حتّى يكون قلبه ولسانه سواء» . ٢٩٢- ( «لا يؤمن عبد حتّى يكون قلبه ولسانه سواء» ) في كون ما يظهر على لسانه هو ما يكنّه قلبه، من حسن معاملة الخلق والخالق. والحديث ذكره في «كشف الخفاء» ، وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أنس. وفي الباب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. انتهى. وذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

стр. 1915

[ (حرف الياء) ] (حرف الياء) ٢٩٣- «يا ابن آدم؛ ارض من الدّنيا.. بالقوت؛ فإنّ القوت لمن يموت كثير» . ٢٩٤- «يا أبا بكر؛ ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» . قاله له في الغار. (حرف الياء) ٢٩٣- ( «يا ابن آدم) المراد ب «ابن آدم» الجنس (ارض من الدّنيا بالقوت) ؛ أي: بما يسدّ الرّمق بغير زيادة على ذلك، قيل: سمّي قوتا! لحصول القوة منه؛ ذلك لأن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم، والكفاف حالة متوسّطة بين الفقر والغنى، وخير الأمور أوساطها، ولذلك سأله المصطفى ﷺ بقوله: «اللهمّ اجعل رزق آل محمّد قوتا» . ومعلوم أنّه لا يسأل [الله] إلّا أفضل الأحوال. (فإنّ القوت لمن يموت كثير» ) هذا مبالغة في التقلّل من الدّنيا، وإلّا! فإن الإنسان لا يستغني عن القوت، إذ هو البلغة، وبه قوام البنية. وأقطاب القوت: الكنّ، والكسوة، والشّبع، والرّيّ؛ فمن توفّرت له فهو مكفيّ، كما جاء ذلك في حديث رواه التّرمذي في «الزّهد» ، والحاكم في «الرّقاق» كلاهما؛ عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: «ليس لابن آدم حقّ فيما سوى هذه الخصال، بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز، والماء» قال التّرمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذّهبيّ. والله أعلم. ٢٩٤- ( «يا أبا بكر) - الصّدّيق- (ما ظنّك باثنين) - يعني: نفسه وأبا بكر- (الله ثالثهما) بالنّصرة والإعانة. وفي رواية: «اسكت؛ يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما» . وهذا (قاله) النّبيّ ﷺ (له) ؛ أي: لأبي بكر الصّدّيق وهما ماكثان (في الغار) المعهود؛ وهو غار ثور جبل من جبال مكّة بأسفلها؛ على مسير

стр. 1916

٢٩٥- «يا أبا ذرّ؛ جدّد السّفينة، فإنّ البحر عميق» . ٢٩٦- «يا أنس؛ أطب كسبك.. تستجب دعوتك» . ساعتين تقريبا، وذلك في خروجهما متوجّهين إلى المدينة للهجرة، ولمّا بعثت قريش الطّلب في آثارهما؛ وكانا مختفيين في الغار المذكور، ووصلت قريش إلى باب الغار؛ قال سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه للنبيّ ﷺ : لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا! فقال المصطفى ﷺ : «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» ! والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما؛ عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؛ وفيه منقبة ظاهرة لسيّدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه. ٢٩٥- ( «يا أبا ذرّ؛ جدّد السّفينة) - أي: أكثر من الأعمال الصّالحة ما دمت في هذه الحياة الدّنيا- (فإنّ البحر عميق» ) يعني: يوم القيامة الّتي تستقلّ فيه الأعمال الصّالحة لما اشتمل عليه من الهول؛ فشبّه الأعمال الصّالحة الكثيرة في تعاضدها؛ إذ يتسبب عنها تخليص صاحبها من الأهوال؛ بالسّفينة الجديدة في قوّتها وتحمّلها ما يطرأ عليها من مصادمات وأخطار المتسبّب ذلك في نجاة ركابها. وشبّه يوم القيامة وما اشتمل عليه من أهوال يشيب فيها الوليد؛ بحيث لا ينجيه من ذلك إلّا كثرة الأعمال الصّالحة؛ شبّهه بالبحر العميق المحاط بالأخطار، بحيث لا ينجيه منه إلّا السّفينة السليمة الآلات، القوية في المعدات، أمّا غيرها! فيخشى عليه الوقوع في الهلاك. وهذا من أبدع الكلام وأحسن الاستعارة. وهذا الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» . ٢٩٦- ( «يا أنس؛ أطب كسبك) - أي: مطعمك، وكسوتك، وتوابعهما، وأهمّها المطعم بأن يكون ذلك من حلال، سليما من الشّبهة، فإذا فعلت ذلك (تستجب دعوتك» ) أي: دعاؤك إن دعوت الله تعالى في أمر من الأمور، وحاجة من الحاجات.

стр. 1917

٢٩٧- «يا حرملة؛ ائت المعروف واجتنب المنكر» . وهذا كقوله لسعد: «أطب طعمتك تجب دعوتك» . أمّا من كان مطعمه من حرام، وملبسه من حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له!!. والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» . ٢٩٧- ( «يا حرملة) - بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الميم- ابن عبد الله بن إياس- وربّما نسب إلى جدّه فظنّ أنّه غيره- وهو التميمي العنبري الصحابي، كان من أهل الصّفّة، ونزل البصرة، قال: قلت يا رسول الله؛ ما تأمرني به أعمل!! فقال: (ائت المعروف) أي: افعله. والمعروف: ما عرفه الشّرع، وهو الواجب والمندوب، (واجتنب المنكر» ) ؛ أي: لا تقربه، والمنكر: ما أنكره الشّرع، وهو المكروه والحرام. والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّيالسي. وذكره في «الجامع» بلفظ: «ائت المعروف، واجتنب المنكر، وانظر ما يعجب أذنك أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فأته. وانظر الّذي تكره أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فاجتنبه» . ورمز له برمز البخاري في «الأدب المفرد» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، وابن سعد، والبغوي في «معجمه» ، والباوردي في «معرفة الصحابة» ؛ كلّهم عن حرملة المذكور وليس له غيره. قال المناوي: يعني لا يعرف له رواية غير هذا الحديث. ثمّ قال المناوي: وكلام الحافظ ابن حجر مصرّح بحسن الحديث، فإنّه قال: حديثه- يعني حرملة- في «الأدب المفرد» للبخاري، «ومسند الطيالسي» وغيرهما بإسناد حسن. انتهى.

стр. 1918

٢٩٨- «يا حبّذا كلّ ناطق عالم، وكلّ مستمع واع» . ٢٩٩- «يا حذيفة؛ عليك بكتاب الله» . ٣٠٠- «يا عبادة؛ اسمع وأطع في عسرك ويسرك» . ٢٩٨- (يا) للتنبيه؛ أو للنّداء، والمنادى محذوف أي: يا قوم (حبّذا) : كلمة مدح ركبت من كلمتين «حبّ» فعل ماض، و «ذا» اسم إشارة، وأصله حبّب بضمّ الحاء- وهو مسند إلى اسم الإشارة إلّا أنهما جريا بعد التّركيب مجرى الأمثال الّتي لا تتغيّر؛ أي حبّ هذا الأمر المذكور في قوله (كلّ ناطق عالم) ؛ أي: متكلّم عن علم بما يتكلّم، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك العمل بما يعلمه وبما يقوله، (وكلّ مستمع واع) ؛ أي: حافظ لما يسمعه من العلم، فإنّ هذا هو الّذي يزداد علما كلما طلعت عليه شمس يوم. والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» . ٢٩٩- ( «يا حذيفة) بن اليمان (عليك) اسم فعل بمعنى «الزم» ، وقوله (بكتاب الله» ) ! بباء الجر، واستشكاله بتعديته بنفسه في نحو عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المائدة/ ١٠٥] !! دفعه الرضيّ بأن أسماء الأفعال؛ وإن كان حكمها في التعدّي واللّزوم حكم الأفعال التي هي بمعناها؛ لكن كثيرا ما تزاد الباء في مفعولها؛ نحو «عليك به» لضعفها في العمل. انتهى «مناوي» . أي: الزم تلاوة كتاب الله تعالى القرآن، وتدبّره، واتّخذه إماما وقائدا، آمن بمتشابهه، واعتبر بأمثاله، واعمل بأحكامه. والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد. ٣٠٠- ( «يا عبادة؛ اسمع وأطع) أميرك في كلّ ما يأمر به؛ وإن شقّ ما لم يكن إثما، وجمع بينهما تأكيدا!! للاهتمام بالمقام؛ أي: اسمع وأطع على كل حال (في عسرك) ؛ أي: ضيقك وشدّتك، (ويسرك» ) - بضمّ أوّله وسكون

стр. 1919

٣٠١- «يا عقبة؛ صل من قطعك، وأعط من حرمك» . ٣٠٢- «يا عليّ؛ لا ترج إلّا ربّك، ولا تخف إلّا ذنبك» . ٣٠٣- «يا عمرو؛ نعمّا بالمال الصّالح للرّجل الصّالح» . السّين المهملة-: نقيض العسر، يعني: في حال فقرك وغناك. والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد. ٣٠١- ( «يا عقبة؛ صل من قطعك) من ذوي قرابتك وغيرهم، (وأعط من حرمك» ) عطاءه أو مودّته، أو معروفه. والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد. ٣٠٢- ( «يا عليّ؛ لا ترج) في قضاء حاجتك (إلّا ربّك) ؛ لا غيره من المخلوقين، (ولا تخف) أحدا (إلّا ذنبك» ) يعني؛ إذا وقعت في الذّنب فخف أن يصيبك من الله شيء؛ عقابا لذنبك الّذي ارتكبته. والحديث ذكره المناوي في «الكنوز» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس» . ٣٠٣- ( «يا عمرو) بن العاص (؛ نعمّا بالمال) قال في «النّهاية» : أصله «نعم ما» ؛ فأدغم وشدّد، و «ما» غير موصوفة ولا موصولة، كأنّه قال: نعم شيئا المال (الصّالح) . والباء زائدة مثل زيادتها في وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) [الأحزاب] انتهى. (للرّجل الصّالح) الّذي يقيم به أوده، ويستعين به على آخرته. والحديث ذكره في «مجمع الزوائد» عن عمرو بن العاص قال: بعث إلى رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثمّ ائتني» ، - قال: فأتيته وهو يتوضّأ فصعّد فيّ البصر ثمّ طأطأ؛ فقال: «إنّي أريد أن أبعثك على جيش فيسلّمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة» ، فقلت: - يا رسول الله

стр. 1920

٣٠٤- «يا عمّ رسول الله؛ أكثر من الدّعاء بالعافية» ، قاله للعبّاس. ٣٠٥- «يا فاطمة؛ كوني له أمّة.. يكن لك عبدا» . ما أسلمت من أجل المال، ولكنّي أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ . فقال: «يا عمرو نعمّا بالمال الصّالح للمرء الصّالح» رواه أحمد، وقال: كذا في النّسخة «نعمّا» بنصب النّون وكسر العين، وقال أبو عبيدة: بكسر النّون والعين. ورواه الطّبراني في «الأوسط» و «الكبير» وقال فيه: ولكن أسلمت رغبة في الإسلام وأكون مع رسول الله ﷺ . فقال: «نعم ونعمّا بالمال الصّالح للمرء الصّالح» . انتهى كلام «مجمع الزوائد» . ٣٠٤- (يا عمّ رسول الله؛ أكثر من الدّعاء بالعافية» ) أي: السّلامة من الشّدائد والبلايا والمكاره الدّنيوية والآخرويّة، أي: أكثر من الدّعاء بدوامها واستمرارها عليك، لأنّها جامعة لأنواع خير الدّارين من الصّحة في الدّنيا؛ والسّلامة في العقبى، ومن كملت له العافية علّق قلبه بملاحظة مولاه، وعوفي من التّعلّق بسواه. قال الدّيلمي: وهذا (قاله للعبّاس) عمّه حين قال: يا رسول الله؛ علمني شيئا أسأله الله. فذكره. والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن ابن عباس. ورواه عنه الطّبراني باللّفظ المزبور، وفيه راو ضعّفه جمع، وبقيّة رجاله ثقات. وذكره المناوي في «الكنوز» باللفظ المزبور. ٣٠٥- ( «يا فاطمة؛ كوني له) - أي: زوجها عليّ- (أمة) - أي: مطيعة كالأمة المطيعة لسيّدها- (يكن لك) - أي: بعلك- (عبدا» ) موافقا منقادا، كالعبد الموافق لسيّده في أغراضه.

стр. 1921

٣٠٦- «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه.. وينسى الجذع في عينه» . ٣٠٧- «يسّروا ... ٣٠٦- ( «يبصر أحدكم القذى) - جمع: قذاة، وهي ما يقع في العين والماء والشّراب من نحو تراب وتبن ووسخ- (في عين أخيه) - في الإسلام- (وينسى الجذع) - واحد: جذوع النّخل- (في عينه» ) أي: في عين نفسه، كأنّ الإنسان لنقصه وحبّ نفسه يتوفّر على تدقيق النّظر في عيب أخيه فيدركه مع خفائه، فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به. وهذا مثل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب النّاس ويعيّرهم به، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة، وذلك من أقبح القبائح وأفضح الفضائح، فرحم الله من حفظ قلبه ولسانه ولزم شأنه، وكفّ عن عرض أخيه، وأعرض عمّا لا يعنيه، فمن حفظ هذه الوصيّة دامت سلامته وقلّت ندامته، فتسليم الأحوال لأهلها أسلم، والله أعلى وأعلم. ولله درّ القائل: أرى كلّ إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الّذي هو فيه فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه ... ويبصر عيبا كائنا بأخيه والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال المناوي في «شرحه» : ورواه القضاعي، وهو حديث حسن. انتهى. وذكره في «كشف الخفا» وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أبي هريرة، وابن أبي الدّنيا في «المداراة» ؛ عن بكر بن عبد الله المزني قال: «إذا رأيتم الرّجل موكّلا بذنوب النّاس، ناسيا لذنبه، فاعلموا أنّه قد مكر به» . وروى الدّيلمي؛ عن أنس: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس» . انتهى. ٣٠٧- ( «يسّروا) - بفتح فتشديد-؛ أي: خذوا بما فيه التّيسير على النّاس

стр. 1922

ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا» . بذكر ما يؤلّفهم لقبول الموعظة في جميع الأيّام، لئلا يثقل عليهم فينفروا، وذلك لأن التّيسير في التعليم يورّث قبول الطاعة، ويرغّب في العبادة، ويسهل به العلم والعمل. (ولا تعسّروا) ؛ لا تشدّدوا، أردفه بنفي التعسير مع أنّ الأمر بشيء نهي عن ضده تصريحا بما لزم ضمنا للتأكيد. ذكره الكرماني. وأولى منه قول جمع (عقّبه به إيذانا بأن مراده نفي التّعسير رأسا، ولو اقتصر على «يسّروا» لصدق على كل من يسّر مرّة وعسّر كثيرا) ، كذا قرره أئمة هذا الشّأن، ومنهم النّووي وغيره. (وبشّروا) بفضل الله، وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، وشمول عفوه ومغفرته؛ من التّبشير، وهو إدخال السّرور، والبشارة: الإخبار بخبر سار. وقوله «بشّروا» بعد قوله «يسّروا» فيه جناس خطيّ «١» ، ولم يكتف به، بل أردفه بقوله: (ولا تنفّروا» ) لما مرّ وهو من التّنفير؛ أي: لا تذكروا شيئا تنهزمون منه، ولا تصدّروا بما فيه الشّدّة. وقابل «٢» به «بشّروا» مع أنّ ضد البشارة النّذارة!! لأن القصد من النفارة التّنفير، فصرّح بالمقصود منها. وهذا الحديث- كما قاله الكرماني وغيره- من جوامع الكلم لاشتماله على الدّنيا والآخرة، لأن الدّنيا دار العمل؛ والآخرة دار الجزاء، فأمر المصطفى ﷺ فيما يتعلق بالدّنيا بالتسهيل، وفيما يتعلّق بالآخرة بالوعد الجميل والإخبار بالسّرور؛ تحقيقا لكونه رحمة للعالمين في الدّارين.

стр. 1923

٣٠٨- «اليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع» . وفيه الأمر بالتّيسير بسعة الرّحمة والنّهي عن التّنفير بذكر التّخويف؛ أي: من غير ضمّه إلى التّبشير، وتأليف من قرب عهده بالإسلام، وترك التّشديد عليه والأخذ بالرّفق، وتحسين الظّنّ بالله لكن لا يجعل وعظه كلّه رجاء، بل يشوبه بالخوف. انتهى مناوي على «الجامع» . والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنّسائي؛ كلهم عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال المناوي. ورواه البخاري وغيره؛ عن أبي موسى الأشعري، وذكر أنّه قال ذلك له ولمعاذ لمّا بعثهما إلى اليمن، وزاد- بعد ما ذكر هنا-: «وتطاوعا ولا تختلفا» . قال أبو البقاء: وإنّما قال «يسّروا» بالجمع مع أنّ المخاطب اثنان!! لأن الاثنين جمع في الحقيقة، إذ الجمع ضمّ إلى شيء إلى شيء. أو يقال: إن الاثنين أميران، والأمير إذا قال شيئا توقع قبول الأمر إلى الجمع، أو أراد أمرهما وأمر من يوليانه. انتهى. ٣٠٨- ( «اليمين الفاجرة) - أي: الكاذبة- (تدع) - أي: تترك- (الدّيار بلاقع» ) بفتح الباء واللّام، وكسر القاف؛ جمع: بلقع؛ وهي الأرض القفراء الّتي لا شيء فيها. يريد أن الحالف كاذبا يفتقر، ويذهب ما في بيته من الرّزق. وقيل: هو أن يفرّق الله شمله، ويغيّر عليه ما أولاه من نعمه. والحديث ذكره في «المواهب» ، وقال: رواه الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أبي هريرة مرفوعا، وذكره في «الجامع» بلفظ: «ليس شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرّحم، وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرّحم، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع» ورمز له برمز البيهقي في «سننه» ؛ عن أبي هريرة

стр. 1924

٣٠٩- «اليوم.. الرّهان، وغدا.. السّباق، والغاية.. الجنّة، والهالك.. من دخل النّار» . رضي الله تعالى عنه، وإسناده حسن؛ كما في «العزيزي» . ٣٠٩- ( «اليوم) - أي: الدّنيا- (الرّهان) - بكسر الرّاء- قال المجد: المخاطرة والمسابقة على الخيل. انتهى. استعير للمسابقة على الأعمال في الدنيا، كما قال تعالى سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [٢١/ الحديد] قال البيضاوي: سابقوا؛ سارعوا مسارعة المتسابقين في المضمار. (وغدا) - أي: يوم القيامة- (السّباق) - بالكسر- مصدر سابق مسابقة وسباقا بمعنى السّبق- بفتحتين-: ما يجعل من المال رهنا على المسابقة، استعير للأعمال التي يلقاها العاملون يوم القيامة. (والغاية) التي يقع عليها الرّهان (الجنّة) ، فيه حذف دلّ عليه المذكور؛ أي: والنّار. فالفائز من دخل الجنّة، (والهالك من دخل النّار» ) . والمعنى: الفائز من عمل الأعمال الصّالحة، وفعل المأمورات، واجتنب المنهيّات؛ فدخل الجنّة، فرفعت له فيها الدّرجات، والهالك من فعل المعاصي، فال إلى استحقاق دخول النّار. وحاصل معنى الحديث: أنّ الدّنيا بتمامها للنّاس كيوم يتسابق فيه المتسابقون على خيلهم إلى غاية معلومة لهم، وقد جعلوا مالا يأخذه السّابق غدا، فمن عمل الصّالحات فاز بذلك الجعل؛ الذي هو الجنّة، بمقتضى الوعد الصادق. ومن عمل السّيئات حرم الجعل واستحقّ النّار، بمقتضى الوعيد ما لم يعف عنه؛ إن كان مسلما. هذا ما ظهر لي، ولم أر أحدا شرحه. وبقيّة الحديث: «أنا الأوّل، وأبو بكر الثّاني، وعمر الثّالث، والنّاس بعد على السّبق الأوّل فالأوّل» . رواه الطّبرانيّ، وابن عديّ، والخطيب؛ عن ابن عبّاس بتمامه مرفوعا، وفيه أصرم بن حوشب: منكر الحديث. انتهى «زرقاني» .

стр. 1925

٣١٠- «يا أيّها النّاس؛ ألا تستحيون؟! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون» . ٣١١- «يا أيّها النّاس؛ أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا والنّاس نيام.. تدخلوا الجنّة بسلام» . ٣١٠- ( «يا أيّها النّاس) ، قال ابن مالك في «شرح الكافية» : إذا قلت «أيّها الرّجل» ف «أيّها» و «الرّجل» كاسم واحد، و «أيّ» مدعوّ، و «الرّجل» : نعت له ملازم، لأنّ «أيّ» مبهم لا يستعمل بغير صلة؛ إلّا في الجزاء والاستفهام. و «ها» حرف تنبيه، فإذا قلت «يا أيّها الرّجل» لم يصحّ في «الرّجل» إلّا الرّفع، لأنّه المنادى حقيقة، و «أيّ» يتوصّل به إليه، وإن قصد به مؤنّث زيدت التّاء، نحو يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) [الفجر] . انتهى «مناوي» . (ألا تستحيون) من الله تعالى!! (تجمعون ما لا تأكلون) أي: ما يزيد على كفايتكم، (وتبنون ما لا تسكنون» ) ؛ بل عن قريب منه راحلون!!. أو المراد ما يزيد على قدر حاجتكم. ٣١١- ( «يا أيّها النّاس؛ أفشوا السّلام) - بقطع الهمزة-، أي: انشروه وأعلنوه بين من تعرفونه، ومن لا تعرفونه من المسلمين الّذين يندب ﵈. (وأطعموا الطّعام) للبرّ والفاجر، أي: تصدّقوا بما فضل عن حاجة من تلزمكم نفقته. فالمراد: بذل الطّعام والمال ونحوه؛ لا خصوص إطعام الطّعام. (وصلوا) بكسر الصّاد؛ أمر من الصّلة (الأرحام) أي: أحسنوا إلى أقاربكم بالقول والفعل. (وصلّوا) باللّيل (والنّاس نيام) ، جملة حاليّة، أي: تهجّدوا حال نوم غالب النّاس، والأولى من اللّيل السّدس الرّابع والخامس، فإذا فعلتم ما ذكر؛ (تدخلوا الجنّة بسلام» ) ، أي: مع سلامة من الآفات الآخرويّة. والمراد: أنّ فعل المذكورات من الأسباب الموصلة إلى الجنّة.

стр. 1926

٣١٢- «يا معاذ» ، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك. قال: «يا معاذ» ، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ» ، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، (ثلاثا) ، قال: «ما من عبد يشهد ألاإله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله صدقا من قلبه.. إلّا حرّمه الله على النّار» ... والحديث أخرجه التّرمذيّ؛ عن عبد الله بن سلام الإسرائيليّ الصّحابيّ الجليل رضي الله تعالى عنه؛ وقال: حديث صحيح. ٣١٢- ( «يا معاذ» ) أي: ابن جبل (قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك) ، اللّبّ بفتح اللّام-: معناه هنا الإجابة، والسّعد: المساعدة، كأنّه قال: لبّا لك وإسعادا لك، ولكنّهما ثنّيا على معنى التّأكيد والتّكثير، أي: إجابة بعد إجابة، وإسعادا بعد إسعاد. وقيل في أصل «لبّيك» واشتقاقها غير ذلك. انتهى «فتح الباري» . (قال: «يا معاذ» . قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك. قال: «يا معاذ» قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا) أي: النّداء والإجابة قيلا ثلاثا. (قال) أي: النّبيّ ﷺ : ( «ما من عبد يشهد ألاإله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله صدقا من قلبه) - متعلّق ب «صدقا» ، أي: يشهد بلفظه، ويصدّق بقلبه- (إلّا حرّمه الله على النّار» ) . فإن قلت: إنّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشّهادتين النار، لما فيه من التّعميم والتّأكيد، وهو مصادم للأدلّة القطعيّة الدّالّة على دخول طائفة من عصاة الموحّدين النار، ثمّ يخرجون بالشّفاعة؟ أجيب: بأنّ هذا مقيّد ١- بمن قالها تائبا ثمّ مات على ذلك. أو أنّ المراد بالتّحريم هنا: تحريم الخلود؛ لا أصل الدخول. أو أنّه خرج مخرج الغالب؛ إذ الغالب أنّ الموحّد يعمل الطّاعة، ويجتنب المعصية، أو ٢- من قال ذلك مؤدّيا حقّه وفرضه.

стр. 1927

قال: يا رسول الله؛ أفلا أخبر بها النّاس فيستبشروا؟ قال: «إذا يتّكلوا» . فأخبر بها معاذ- عند موته- تأثّما. رواه الشّيخان: البخاريّ ومسلم. قوله: (تأثّما) أي: خوفا من الإثم في كتم هذا العلم. أو المراد: تحريم النّار على اللّسان النّاطق بالشّهادتين، كتحريم مواضع السّجود. (قال) - أي معاذ- (: يا رسول الله؛ أفلا) - بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتّقدير: أقلت ذلك فلا- (أخبر بها النّاس فيستبشروا؟!) نصب بحذف النّون لوقوع الفاء بعد النّفي؛ أو الاستفهام، أو العرض، وهي تنصب في كلّ ذلك، والتّقدير: فأن يستبشروا. (قال) ﷺ : ( «إذا) - أي: إن أخبرتهم- (يتّكلوا» ) . بتشديد المثنّاة الفوقيّة، وكسر الكاف، أي: يعتمدوا على الشّهادة المجرّدة، وهو جواب وجزاء ونصب. (فأخبر بها معاذ- عند موته-) - أي: موت معاذ (تأثّما) - بفتح المثنّاة الفوقية؛ وفتح الهمزة؛ وتشديد المثلّثة المضمومة؛ أي: تجنّبا عن الإثم- (رواه الشّيخان: البخاريّ) في «كتاب العلم؛ باب: من خصّ بالعلم قوما دون قوم» . (ومسلم) واللّفظ له في «كتاب الإيمان؛ باب: الدّليل على أنّ من مات على التّوحيد دخل الجنّة قطعا» ؛ كلاهما عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ نبيّ الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرّحل قال: «يا معاذ ... » فذكره. (قوله: «تأثّما» ) ؛ بالتّشديد. (أي: خوفا من) الوقوع في (الإثم في) أي: بسبب- (كتم هذا العلم) الّذي أمر الله بتبليغه، حيث قال وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [١٨٧/ آل عمران] ، وليس فيه مخالفة لرسول الله ﷺ لأنّ نهيه مقيّد بالاتّكال، إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلما زال القيد، وصاروا حريصين على العبادة لم يبق نهي، أو أنّ النّهي لم يكن للتّحريم، بل للتّنزيه، وإلّا! لما كان يخبر به أصلا. قال في «الفتح» : وهذا أوجه، لكون معاذ أخّر ذلك إلى وقت موته. والله أعلم.

стр. 1928

[الباب الثّامن في طبّه ﷺ وسنّه، ووفاته، ورؤيته في المنام] الباب الثّامن في طبّه ﷺ وسنّه، ووفاته، ورؤيته في المنام وفيه ثلاثة فصول (الباب الثّامن) من الكتاب وهو آخر الأبواب- (في) بيان الأحاديث الواردة في (طبّه) ؛ بكسر الطّاء: اسم مصدر، من طبّه طبا- بالفتح-: إذا داواه. والمراد: بيان ما يتداوى به ﷺ من الأمراض البدنية. (و) في بيان الأحاديث الواردة في (سنّه) ؛ أي: مقدار عمره الشّريف، (ووفاته) ؛ أي: تمام أجله، (ورؤيته) . الرّؤية التي بالتّاء تشمل: رؤية البصر في اليقظة، ورؤية القلب، ولهذا احتاج المصنّف إلى تقييدها بقوله: (في المنام) أمّا الّتي بالألف! فهي خاصّة برؤية القلب في المنام. وقد تستعمل في رؤية البصر أيضا. ومذهب أهل السّنّة أنّ حقيقة الرّؤيا اعتقادات يخلقها الله في قلب النّائم، كما يخلقها في قلب اليقظان يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة. (وفيه) - أي: هذا الباب- (ثلاثة فصول) ، سيأتي بيانها.

стр. 1929

[الفصل الأوّل في طبّه ﷺ ] الفصل الأوّل في طبّه ﷺ كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى.. نفث على نفسه بالمعوّذات، ومسح عنه بيده. (الفصل الأوّل) من الباب الثّامن (في) ذكر شيء من الأحاديث الواردة في (طبّه ﷺ ، الّذي تطبّب به، والّذي وصفه لغيره. قال ابن القيّم: كان من هديه ﷺ فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه. انتهى. وكان ﷺ تارة يرقي بالطّبّ الرّوحانيّ، وتارة بالجسمانيّ؛ كالأجزاء، وتارة بهما. انتهى «حفني» . (كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى) ، أي: مرض (نفث) - بالمثلّثة-، أي: أخرج الرّيح من فمه مع شيء من ريقه (على نفسه بالمعوّذات) - بالواو المشدّدة- أي: المعوّذتين وسورة الإخلاص، ففيه تغليب. أو المراد: الكلمات المعوّذات بالله من الشّيطان والأمراض؛ أي: قرأها ونفث الرّيح على نفسه. (ومسح عنه بيده) ؛ أي: المحلّ الّذي تصل إليه يده؛ وإن زاد على محلّ الوجع. قال الطّيبيّ: الضّمير في عنه راجع إلى ذلك النّفث، والجارّ والمجرور حال، أي: نفث على بعض جسده، ثمّ مسح بيده متجاوزا عن ذلك النّفث إلى جميع أعضائه.

стр. 1930

قوله: (المعوّذات) يعني: المعوّذتين، والإخلاص. وفائدة النّفث: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء الّذي ماسّه الذّكر، كما يتبرّك بغسالة ما يكتب من الذّكر، وفيه تفاؤل بزوال الألم وانفصاله؛ كانفصال ذلك الرّيق. وخصّ المعوّذات! لما فيها من الاستعاذة من كلّ مكروه؛ جملة وتفصيلا، ففي الإخلاص كمال التّوحيد الاعتقاديّ، وفي الاستعاذة من شرّ ما خلق ما يعمّ الأشباح والأرواح. انتهى «مناوي» . وبقيّة الحديث- كما في «البخاريّ» ؛ في آخر المغازي-: فلمّا اشتكى وجعه الّذي توفّي فيه؛ طفقت أنفث على نفسه بالمعوّذات الّتي كان ينفث، وأمسح بيد النّبيّ ﷺ عنه» . وفي رواية في «الصّحيحين» : وأمسح بيده رجاء بركتها. والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز متّفق عليه- يعني رواه البخاريّ ومسلم- وبرمز أبي داود، وابن ماجه، زاد المناوي: والنّسائي؛ كلّهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها. فائدة: قال القاضي: شهدت المباحث الطّبيّة على أنّ الرّيق له دخل في النّفع وتبديل المزاج، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصليّ؛ ودفع نكاية المغيّرات، ولهذا ذكروا في تدبير المسافر أنّه يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد غير الماء الّذي تعوّد شربه ووافق مزاجه؛ جعل شيئا منه في سقايته، ويشرب الماء من رأسه ليحفظ عن مضرّة الماء الغريب، ويأمن تغيّر مزاجه بسبب استنشاق الهواء المغاير للهواء المعتاد. ثمّ إن الرّقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها. انتهى «مناوي» . و (قوله: المعوّذات) - بالواو المشدّدة المكسورة- (يعني: المعوّذتين) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) [الفلق] ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) [الناس] ، (والإخلاص)
следующие страницы →