٣١٢- «يا معاذ» ، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك. قال:
«يا معاذ» ، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ» ، قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، (ثلاثا) ، قال: «ما من عبد يشهد ألاإله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله صدقا من قلبه.. إلّا حرّمه الله على النّار» ...
والحديث أخرجه التّرمذيّ؛ عن عبد الله بن سلام الإسرائيليّ الصّحابيّ الجليل رضي الله تعالى عنه؛ وقال: حديث صحيح.
٣١٢- ( «يا معاذ» ) أي: ابن جبل (قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك) ، اللّبّ بفتح اللّام-: معناه هنا الإجابة، والسّعد: المساعدة، كأنّه قال: لبّا لك وإسعادا لك، ولكنّهما ثنّيا على معنى التّأكيد والتّكثير، أي: إجابة بعد إجابة، وإسعادا بعد إسعاد. وقيل في أصل «لبّيك» واشتقاقها غير ذلك. انتهى «فتح الباري» .
(قال: «يا معاذ» . قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك. قال: «يا معاذ» قال: لبّيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا) أي: النّداء والإجابة قيلا ثلاثا. (قال) أي: النّبيّ ﷺ : ( «ما من عبد يشهد ألاإله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله صدقا من قلبه) - متعلّق ب «صدقا» ، أي: يشهد بلفظه، ويصدّق بقلبه- (إلّا حرّمه الله على النّار» ) .
فإن قلت: إنّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشّهادتين النار، لما فيه من التّعميم والتّأكيد، وهو مصادم للأدلّة القطعيّة الدّالّة على دخول طائفة من عصاة الموحّدين النار، ثمّ يخرجون بالشّفاعة؟
أجيب: بأنّ هذا مقيّد ١- بمن قالها تائبا ثمّ مات على ذلك. أو أنّ المراد بالتّحريم هنا: تحريم الخلود؛ لا أصل الدخول. أو أنّه خرج مخرج الغالب؛ إذ الغالب أنّ الموحّد يعمل الطّاعة، ويجتنب المعصية، أو ٢- من قال ذلك مؤدّيا حقّه وفرضه.
стр. 1927
قال: يا رسول الله؛ أفلا أخبر بها النّاس فيستبشروا؟ قال: «إذا يتّكلوا» . فأخبر بها معاذ- عند موته- تأثّما. رواه الشّيخان:
البخاريّ ومسلم.
قوله: (تأثّما) أي: خوفا من الإثم في كتم هذا العلم.
أو المراد: تحريم النّار على اللّسان النّاطق بالشّهادتين، كتحريم مواضع السّجود.
(قال) - أي معاذ- (: يا رسول الله؛ أفلا) - بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتّقدير: أقلت ذلك فلا- (أخبر بها النّاس فيستبشروا؟!) نصب بحذف النّون لوقوع الفاء بعد النّفي؛ أو الاستفهام، أو العرض، وهي تنصب في كلّ ذلك، والتّقدير: فأن يستبشروا.
(قال) ﷺ : ( «إذا) - أي: إن أخبرتهم- (يتّكلوا» ) . بتشديد المثنّاة الفوقيّة، وكسر الكاف، أي: يعتمدوا على الشّهادة المجرّدة، وهو جواب وجزاء ونصب.
(فأخبر بها معاذ- عند موته-) - أي: موت معاذ (تأثّما) - بفتح المثنّاة الفوقية؛ وفتح الهمزة؛ وتشديد المثلّثة المضمومة؛ أي: تجنّبا عن الإثم- (رواه الشّيخان: البخاريّ) في «كتاب العلم؛ باب: من خصّ بالعلم قوما دون قوم» .
(ومسلم) واللّفظ له في «كتاب الإيمان؛ باب: الدّليل على أنّ من مات على التّوحيد دخل الجنّة قطعا» ؛ كلاهما عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ نبيّ الله ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرّحل قال: «يا معاذ ... » فذكره.
(قوله: «تأثّما» ) ؛ بالتّشديد. (أي: خوفا من) الوقوع في (الإثم في) أي: بسبب- (كتم هذا العلم) الّذي أمر الله بتبليغه، حيث قال وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [١٨٧/ آل عمران] ، وليس فيه مخالفة لرسول الله ﷺ لأنّ نهيه مقيّد بالاتّكال، إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلما زال القيد، وصاروا حريصين على العبادة لم يبق نهي، أو أنّ النّهي لم يكن للتّحريم، بل للتّنزيه، وإلّا! لما كان يخبر به أصلا. قال في «الفتح» : وهذا أوجه، لكون معاذ أخّر ذلك إلى وقت موته. والله أعلم.
стр. 1928
[الباب الثّامن في طبّه ﷺ وسنّه، ووفاته، ورؤيته في المنام]
الباب الثّامن في طبّه ﷺ وسنّه، ووفاته، ورؤيته في المنام وفيه ثلاثة فصول
(الباب الثّامن) من الكتاب وهو آخر الأبواب- (في) بيان الأحاديث الواردة في (طبّه) ؛
بكسر الطّاء: اسم مصدر، من طبّه طبا- بالفتح-: إذا داواه.
والمراد: بيان ما يتداوى به ﷺ من الأمراض البدنية.
(و) في بيان الأحاديث الواردة في (سنّه) ؛ أي: مقدار عمره الشّريف، (ووفاته) ؛ أي: تمام أجله، (ورؤيته) . الرّؤية التي بالتّاء تشمل: رؤية البصر في اليقظة، ورؤية القلب، ولهذا احتاج المصنّف إلى تقييدها بقوله: (في المنام) أمّا الّتي بالألف! فهي خاصّة برؤية القلب في المنام. وقد تستعمل في رؤية البصر أيضا.
ومذهب أهل السّنّة أنّ حقيقة الرّؤيا اعتقادات يخلقها الله في قلب النّائم، كما يخلقها في قلب اليقظان يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة.
(وفيه) - أي: هذا الباب- (ثلاثة فصول) ، سيأتي بيانها.
стр. 1929
[الفصل الأوّل في طبّه ﷺ ]
الفصل الأوّل في طبّه ﷺ كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى.. نفث على نفسه بالمعوّذات، ومسح عنه بيده.
(الفصل الأوّل) من الباب الثّامن (في) ذكر شيء من الأحاديث الواردة في (طبّه ﷺ ، الّذي تطبّب به، والّذي وصفه لغيره.
قال ابن القيّم: كان من هديه ﷺ فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه. انتهى.
وكان ﷺ تارة يرقي بالطّبّ الرّوحانيّ، وتارة بالجسمانيّ؛ كالأجزاء، وتارة بهما. انتهى «حفني» .
(كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى) ، أي: مرض (نفث) - بالمثلّثة-، أي:
أخرج الرّيح من فمه مع شيء من ريقه (على نفسه بالمعوّذات) - بالواو المشدّدة- أي: المعوّذتين وسورة الإخلاص، ففيه تغليب.
أو المراد: الكلمات المعوّذات بالله من الشّيطان والأمراض؛ أي: قرأها ونفث الرّيح على نفسه.
(ومسح عنه بيده) ؛ أي: المحلّ الّذي تصل إليه يده؛ وإن زاد على محلّ الوجع.
قال الطّيبيّ: الضّمير في عنه راجع إلى ذلك النّفث، والجارّ والمجرور حال، أي: نفث على بعض جسده، ثمّ مسح بيده متجاوزا عن ذلك النّفث إلى جميع أعضائه.
стр. 1930
قوله: (المعوّذات) يعني: المعوّذتين، والإخلاص.
وفائدة النّفث: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء الّذي ماسّه الذّكر، كما يتبرّك بغسالة ما يكتب من الذّكر، وفيه تفاؤل بزوال الألم وانفصاله؛ كانفصال ذلك الرّيق.
وخصّ المعوّذات! لما فيها من الاستعاذة من كلّ مكروه؛ جملة وتفصيلا، ففي الإخلاص كمال التّوحيد الاعتقاديّ، وفي الاستعاذة من شرّ ما خلق ما يعمّ الأشباح والأرواح. انتهى «مناوي» .
وبقيّة الحديث- كما في «البخاريّ» ؛ في آخر المغازي-: فلمّا اشتكى وجعه الّذي توفّي فيه؛ طفقت أنفث على نفسه بالمعوّذات الّتي كان ينفث، وأمسح بيد النّبيّ ﷺ عنه» .
وفي رواية في «الصّحيحين» : وأمسح بيده رجاء بركتها.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز متّفق عليه- يعني رواه البخاريّ ومسلم- وبرمز أبي داود، وابن ماجه، زاد المناوي: والنّسائي؛ كلّهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
فائدة: قال القاضي: شهدت المباحث الطّبيّة على أنّ الرّيق له دخل في النّفع وتبديل المزاج، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصليّ؛ ودفع نكاية المغيّرات، ولهذا ذكروا في تدبير المسافر أنّه يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد غير الماء الّذي تعوّد شربه ووافق مزاجه؛ جعل شيئا منه في سقايته، ويشرب الماء من رأسه ليحفظ عن مضرّة الماء الغريب، ويأمن تغيّر مزاجه بسبب استنشاق الهواء المغاير للهواء المعتاد.
ثمّ إن الرّقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.
انتهى «مناوي» .
و (قوله: المعوّذات) - بالواو المشدّدة المكسورة- (يعني: المعوّذتين) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) [الفلق] ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) [الناس] ، (والإخلاص)
стр. 1931
وكان ﷺ إذا اشتكى.. رقاه جبريل؛ قال:
باسم الله يبريك، من كلّ داء يشفيك، ومن شرّ حاسد إذا حسد، وشرّ كلّ ذي عين.
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص] ، فهو من باب التغليب. والله أعلم.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» ؛ عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- أنّها قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا اشتكى) - أي: مرض- (رقاه جبريل، قال:
باسم الله) - أي: ببركة اسمه- (يبريك) ، أو أنّ لفظ «باسم» مقحم. أي: الله يبريك. من قبيل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) [الأعلى] ، ولفظ «اسم» : عبارة عن الكلمة الدّالّة على المسمّى، والمسمّى هو مدلولها، لكنّه قد يتوسّع فيوضع الاسم موضع المسمّى مسامحة. ذكره القرطبي. انتهى «مناوي» وغيره.
(من كلّ داء) جارّ ومجرور متعلّق بقوله (يشفيك.
ومن شرّ حاسد) أي: متمنّ زوال النّعمة، (إذا حسد) .
وخصّه بعد التّعميم! لخفاء شرّه.
(وشرّ كلّ ذي عين) ؛ من عطف الخاصّ على العامّ، لأن كلّ عائن حاسد، ولا عكس. فلمّا كان الحاسد أعمّ؛ كان تقديم الاستعاذة منه أهمّ. وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعيون؛ تصيبه تارة وتخطئه أخرى، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثّرت فيه ولا بدّ، وإن صادفته حذرا شاكي السّلاح؛ لا منفذ فيه للسّهام خابت، فهي بمنزلة الرّمي الحسّيّ، لكن هذا من النّفوس والأرواح، وذلك من الأجسام والأشباح.
ولهذا قال ابن القيّم: استعاذ من الحاسد! لأنّ روحه مؤذية للمحسود؛ مؤثّرة فيه أثرا بيّنا لا ينكره إلّا من هو خارج عن حقيقة الإنسانيّة. وهو أصل الإصابة بالعين؛ فإنّ النّفس الخبيثة الحاسدة تتكيّف بكيفيّة خبيثة، تقابل المحسود؛ فتؤثّر فيه بتلك الخاصّيّة.
والتّأثير كما يكون بالاتّصال قد يكون بالمقابلة؛ وبالرّؤية، وبتوجّه الرّوح؛
стр. 1932
وكان ﷺ إذا اشتكى.. اقتمح كفّا من شونيز، وشرب عليه ماء وعسلا.
وبالأدعية؛ والرّقى؛ والتعوّذات، وبالوهم؛ والتّخييل؛ وغير ذلك.
وفيه ندب الرّقية بأسماء الله، وبالعوذ الصّحيحة من كلّ مرض وقع أو يتوقّع، وأنّه لا ينافي التّوكّل ولا ينقصه. وإلّا! لكان المصطفى ﷺ أحقّ النّاس بتحاشيه، فإنّ الله لم يزل يرقّي نبيّه في المقامات الشّريفة والدّرجات الرّفيعة إلى أن قبضه، وقد رقي في أمراضه حتّى مرض موته!! فقد رقته عائشة في مرض موته، ومسحته بيدها ويده وأقرّ ذلك. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه أيضا مسلم والتّرمذيّ وابن ماجه؛ عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا محمّد أشتكيت؟ قال:
«نعم» . قال: «باسم الله أرقيك من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كلّ نفس وعين حاسد، باسم الله أرقيك والله يشفيك» .
(و) في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الخطيب؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه- قال المناوي: ورواه عنه أيضا باللّفظ المزبور الطّبرانيّ في «الأوسط» ، وفي العزيزي أنّه حديث حسن لغيره-:
(كان) رسول الله ﷺ إذا اشتكى اقتمح) أي: استفّ. وفي رواية:
«تقمّح» - بتقديم الميم فيها على الحاء المهملة- وأمّا ما في بعض النّسخ من أنه اقتحم أو تقحّم! فتحريف.
(كفّا) - أي: ملء كفّ- (من شونيز) بضمّ الشّين المعجمة: هو الحبّة السّوداء. (وشرب عليه) - أي: على أثر استفافه- (ماء وعسلا) : أي: ممزوجا بعسل، لأنّ لذلك سرّا بديعا في حفظ الصّحة لا يهتدي إليه إلّا خاصّة الأطباء.
ومنافع العسل لا تحصى، حتى قال «ابن القيّم» : ما خلق لنا شيء في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبا منه، ولم يكن معوّل الأطبّاء إلّا عليه. وأكثر كتبهم
стр. 1933
ومعنى (اقتمح) أي: استفّ. و (الشّونيز) : الحبّة السّوداء.
وكان ﷺ يشرب العسل بالماء على الرّيق.
وكان ﷺ إذا أصابه رمد، أو أحدا من أصحابه.. دعا بهؤلاء الكلمات: ...
لا يذكرون فيها السّكّر البتّة. انتهى «مناوي» .
(ومعنى اقتمح) - بالقاف فالمثنّاة الفوقيّة، فميم بعدها حاء مهملة- (أي:
استفّ) أي: أخذ الدواء غير ملتوت. وكلّ دواء يؤخذ غير معجون؛ فهو سفوف، - بفتح السّين-.
(و) معنى (الشّونيز) - بالشّين المعجمة المضمومة- هو (الحبّة السّوداء) المعروفة. وبعض النّاس يسمّيها قحطة.
(و) في «زاد المعاد» : (كان) النّبيّ ﷺ يشرب العسل) ؛ أي: عسل النّحل، إذ هو المراد لغة وطبّا (بالماء) أي: الممزوج بالماء البارد (على الرّيق) .
قال ابن القيّم: وفي هذا من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلّا أفاضل الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخّنها باعتدال، ويفتح سددها «١» .
والماء البارد رطب يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته الأصليّة، ويردّ عليه بدل ما تحلّل منها، ويرقّق الغذاء، وينفذه في العروق. أي: فجمعه مع العسل غاية في التّعديل، وإنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصّفراء!! لحدّته وحدّة الصّفراء.
فربّما هيّجها فدفع ضرره لصاحبها بالخلّ. انتهى. مع زيادة من الزّرقاني.
(و) أخرج ابن السّنيّ في «الطّبّ النّبويّ» ، والحاكم في «الطّبّ» بسند فيه ضعفاء- كما قال الذّهبيّ-؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أصابه رمد) - بفتح الرّاء والميم: وجع عين- (أو) أصاب (أحدا من أصحابه؛ دعا بهؤلاء الكلمات) ؛ أي: لنفسه؛ أو لغيره. لكن يأتي
стр. 1934
«اللهمّ؛ متّعني ببصري، واجعله الوارث منّي، وأرني في العدوّ ثأري، وانصرني على من ظلمني» . قال في «لسان العرب» :
(وفي الحديث في دعاء النّبيّ ﷺ أنّه قال:
«اللهمّ؛ أمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث منّي» .
قال ابن شميل: ...
بعبارة غير هذا تناسب بأن يقول: «اللهمّ متّعه.. الخ» . ويحتمل أنّ المراد:
وأمر من أصابه الرّمد أن يدعو بها؛ وهي:
( «اللهمّ؛ متّعني ببصري، واجعله الوارث منّي) كناية عن بقائه إلى الموت.
وإلّا! فالوارث يبقى بعد الموت، والبصر لا يبقى بعد الموت.
(وأرني في العدوّ ثأري) ؛ أي: مثل ما فعل بي وأعظم منه؛ لينقمع عنّي.
(وانصرني على من ظلمني» ) أي: مع بقاء بصري.
وهذا من طبّه الرّوحانيّ، فإنّ علاجه ﷺ للأمراض كان ثلاثة أنواع: بالأدوية الطّبّيّة، وبالأدوية الإلهيّة، وبالمركّب منهما، فكان يأمر بما يليق به ويناسبه.
انتهى شروح «الجامع الصغير» .
(قال) - أي: ابن منظور- (في) كتابه: ( «لسان العرب» ) في مادة «ورث» :
(وفي الحديث) الّذي في «جامع التّرمذيّ» وغيره؛ (في دعاء النّبيّ ﷺ أنّه قال: «اللهمّ؛ متّعني) - هكذا هو في رواية، وفي سائر الرّوايات: أمتعني- (بسمعي وبصري، واجعلهما) - بالتّثنية- (الوارث منّي» .
قال) الإمام أبو الحسن النّضر (ابن شميل) - بضمّ الشّين المعجمة مصغّرا- ابن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عميرة بن عروة المازنيّ البصريّ، الإمام في العربيّة واللّغة، وهو من تابعي التّابعين.
سكن «مرو» ، اتّفقوا على توثيقه؛ وفضيلته.
стр. 1935
أي أبقهما معي صحيحين سليمين حتّى أموت. وقيل: أراد بقاءهما وقوّتهما عند الكبر وانحلال القوى النّفسانيّة، فيكون السّمع والبصر وارثي سائر القوى، والباقيين بعدها. ثمّ قال: وفي رواية:
«واجعله الوارث منّي» ، فردّ الهاء إلى الإمتاع، فلذلك وحّده) اهـ
وكان رسول الله ﷺ إذا حمّ.. دعا بقربة من ماء، فأفرغها على قرنه، ...
روى له البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» ، وهو أوّل من أظهر السّنّة بمرو وخراسان، وهو من فصحاء النّاس؛ وعلمائهم بالأدب؛ وأيّام النّاس.
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائة، وتوفي سنة أربع ومائتين. وقيل: ثلاث ومائتين- رحمه الله تعالى-.
(أي: أبقهما معي صحيحين سليمين حتّى أموت) ؛ أي: فالمراد دوامهما مدّة الحياة. (وقيل: أراد بقاءهما وقوّتهما عند الكبر) - التّقدم في السنّ- (وانحلال القوى النّفسانيّة) - أي: ضعفها- (فيكون السّمع والبصر وارثي سائر القوى، والباقيين بعدها) . وقال غيره: أراد بالسّمع وعي ما يسمع والعمل به، وبالبصر الاعتبار بما يرى؛ ونور القلب الّذي يخرج به من الحيرة والظّلمة إلى الهدى.
(ثمّ قال) في «اللّسان» : (وفي رواية: «واجعله) - بإفراد الضّمير- (الوارث منّي» فردّ الهاء) في «اجعله» (إلى الإمتاع) ، المفهوم من أمتع (فلذلك وحّده) - بتشديد الحاء المهملة- فعلى رواية الإفراد معناه: أبقه معي حتى أموت. والله أعلم (انتهى) أي: كلام «لسان العرب» .
(و) أخرج الطّبرانيّ في «الكبير» ، والحاكم في «الطّبّ» ، والبزّار- بسند فيه راو ضعيف- كلّهم؛ عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله) ﷺ (إذا حمّ) - أي أخذته الحمّى: التي هي حرارة بين الجلد واللّحم- (دعا بقربة من ماء فأفرغها على قرنه) - بفتح القاف، أي: رأسه-
стр. 1936
فاغتسل. و (القرن) : الرّأس. وكان ﷺ لا يصيبه قرحة ولا شوكة.. إلّا وضع عليها الحنّاء.
وفي «الصّحيحين» : عن أبي حازم: ...
(فاغتسل) بها (والقرن) المذكور في الحديث؛ المراد به: (الرّأس) .
قال الحفني- تبعا للمناوي-: ومحلّ طلب ذلك إذا كان بقطر حارّ وفي زمن حارّ، ولم تحدث فيه الحمّى ورما، وإلّا! ضرّه الماء. انتهى.
(و) أخرج التّرمذيّ وابن ماجه في «سننه» - وهذا لفظه-: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة؛ قال: حدّثنا زيد بن الحباب؛ قال: حدّثنا فايد- مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع-؛ قال: حدّثني مولاي عبيد الله؛ قال: حدّثتني جدّتي سلمى أمّ رافع؛ مولاة رسول الله ﷺ «١» قالت:
(كان) رسول الله ﷺ لا يصيبه قرحة) - بفتح القاف، أو ضمّها-: خراج في البدن، (ولا شوكة) : هي حمرة تعلو الوجه، بلفظ واحدة الشّوك (إلّا وضع عليها الحنّاء) ، لأنّها قابضة يابسة تبرد، فهي في غاية المناسبة للقروح والجروح، وهذا من الطّبّ النّبويّ.
(وفي «الصّحيحين» ) : البخاريّ في: «الطّهارة والجهاد والمغازي والطّبّ» ، ومسلم في «المغازي» ، والتّرمذيّ في «الطّبّ» ، وابن ماجه في «الطّبّ» كلّهم؛
(عن أبي حازم) سلمة بن دينار المدنيّ الأعرج، التّابعيّ الزّاهد الفقيه، المشهور بالمحاسن، مخزوميّ «مولى الأسود بن سفيان المخزوميّ» ، وقيل: مولى لبني ليث. سمع سهل بن سعد الساعدي، وأكثر الرّواية عنه في «الصّحيحين» وغيرهما، وسمع خلقا من التّابعين؛ منهم سعيد بن المسيّب؛ وعطاء بن أبي رباح؛ وعطاء بن يسار؛ وأبو سلمة بن عبد الرّحمن؛ وأمّ الدّرداء الصّغرى.
стр. 1937
أنّه سمع سهل بن سعد يسأل عمّا دووي به جرح رسول الله ﷺ يوم أحد؟ ...
وروى عنه خلائق لا يحصون؛ منهم ابناه: عبد العزيز؛ وعبد الجبار.
والزّهريّ- وهو أكبر من أبي حازم-، ومنهم مالك بن أنس، وابن إسحاق، وسفيان الثّوري؛ وابنا عيينة: سفيان ومحمّد.
وأجمعوا على توثيقه وجلالته، وروى له البخاريّ ومسلم.
قيل لابن أبي حازم: سمع أبوك أبا هريرة؟! قال: من حدّثك أن أبي سمع أحدا من الصّحابة غير سهل بن سعد؛ فقد كذب.
وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة رحمه الله تعالى.
واعلم أنّ في هذه المرتبة اثنين يكنّيان أبا حازم؛ أحدهما هذا المشهور بالرّواية عن سهل، والثاني: أبو حازم سلمان- مولى عزّة الأشجعيّة- المشهور بالرّواية عن أبي هريرة ﵁. قاله النّوويّ في «التّهذيب» . (إنّه) - أي: أبا حازم- (سمع) أبا العبّاس- أو أبا يحيى- (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ السّاعديّ المدنيّ.
كان اسمه حزنا فسمّاه النّبيّ ﷺ سهلا.
شهد قضاء رسول الله ﷺ في المتلاعنين.
قال الزّهري: سمع من النّبي ﷺ ، وكان له يوم وفاة النّبيّ ﷺ خمس عشرة سنة، وتوفّي بالمدينة المنوّرة سنة: ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا؛ اتّفقا منها على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاريّ بأحد عشر.
روى عنه الزّهريّ وأبو حازم وغيرهما رضي الله تعالى عنه.
(يسأل) - بضمّ أوّله مبنيّا للمفعول- (عمّا دووي) بضمّ الدّال المهملة وسكون الواو الأولى، وكسر الثّانية، بعدها تحتيّة، مبنيا للمفعول؛ قاله القسطلّاني.
(به جرح رسول الله ﷺ الّذي جرحه (يوم أحد؟
стр. 1938
فقال: جرح وجهه، وكسرت رباعيته، وهشّمت البيضة على رأسه، وكانت فاطمة بنت النّبيّ ﷺ تغسل الدّم، وكان عليّ ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يسكب عليها بالمجنّ، فلّما رأت فاطمة الدّم لا يزيد إلّا كثرة.. أخذت قطعة [من] حصير فأحرقتها، حتّى إذا صارت رمادا ألصقتها بالجرح، فاستمسك الدّم.
فقال) - أي سهل- (: جرح وجهه) الشّريف، جرحه عبد الله بن قمئة- أقمأه الله- وقد سلّط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطّعه قطعه قطعة؛ استجابة لدعوة نبيّ الله ﷺ ، كما أخرجه الطّبرانيّ.
ولمّا جرح النّبيّ ﷺ يوم أحد أخذ شيئا فجعل ينشّف به الدّم؛ وقال: «لو وقع منه شيء على الأرض؛ لنزل عليهم العذاب من السّماء» (وكسرت رباعيته) - بفتح الراء وتخفيف الموحّدة-: السّنّ الّذي بين الثّنيّتين والنّاب. والمكسورة هي اليمنى السّفلى، كسرها عتبة بن أبي وقّاص أخو سعد. ومن ثمّ لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم!! أي: مكسور الثّنايا، يعرف ذلك في عقبه، وهذا من شؤم الآباء على الأبناء، ولكنّ حاطب بن أبي بلتعة ضرب عتبة بالسّيف؛ فطرح رأسه- كما في «مستدرك الحاكم» -.
(وهشّمت) - أي كسرت- (البيضة) - بفتح الموحدة؛ والضّاد المعجمة؛ بينهما تحتيّة ساكنة: الخوذة، وهي: قلنسوة من حديد- (على رأسه) يوم أحد (وكانت فاطمة) الزّهراء (بنت النّبيّ ﷺ تغسل الدّم) عن وجهه الشّريف؛ ليجمد ببرد الماء. (وكان عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يسكب عليها) الماء (بالمجنّ) - بكسر الميم؛ وفتح الجيم؛ وتشديد النون: بالتّرس- على الجرح (فلمّا رأت فاطمة) ﵂ (الدّم لا يزيد إلّا كثرة؛ أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، حتّى إذا صارت رمادا؛ ألصقتها بالجرح؛ فاستمسك الدّم) - أي:
стр. 1939
وكان رسول الله ﷺ يحتجم على هامته، وبين كتفيه، ويقول: «من أهراق من هذه الدّماء.. فلا يضرّه أن لا يتداوى بشيء لشيء» .
وكان ﷺ يحتجم في رأسه، ويسمّيها: أمّ مغيث.
انقطع- لأن الرّماد من شأنه القبض؛ لما فيه من التّجفيف.
وفيه امتحان الأنبياء لتعظيم أجرهم ويتأسّى بهم من نالته شدّة فلا يجد في نفسه غضاضة. انتهى «قسطلّاني» .
(و) أخرج أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن؛ عن أبي كبشة الأنماريّ عمر بن سعد- أو سعد بن عمر- رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ يحتجم على هامته) - أي: رأسه- (وبين كتفيه، ويقول: «من أهراق) - بالتّحريك؛ أي: أراق- (من هذه الدّماء) - أي: بإخبار من يعرف بأنّ إراقة الدّم نافعة لذلك الشّخص- (فلا يضرّه ألايتداوى بشيء) من الأدوية (لشيء» ) من الأمراض، يعني أنّ الحجامة تغني عن كثير من الأدوية.
(و) أخرج الخطيب؛ في ترجمة محمود الواسطي- بسند فيه راو مضعّف- عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) النّبيّ ﷺ يحتجم في رأسه) - وفي رواية عند الطبراني: في مقدّم رأسه- (ويسمّيها) - أي: الحجامة- (أمّ مغيث) بصيغة اسم الفاعل، وفي رواية: ويسمّيها المغيثة، وفي أخرى: المنقذة، وفي أخرى: النّافعة.
قال ابن جرير: وكان يأمر من شكا إليه وجعا في رأسه بالحجامة وسط رأسه، ثمّ أخرج بسنده؛ عن ابن أبي رافع؛ عن جدّته سلمى قالت: ما سمعت أحدا قطّ يشكو إلى رسول الله ﷺ من وجع رأسه إلا قال: «احتجم» . انتهى مناوي على «الجامع» .
стр. 1940
وكان ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل، وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين.
(و) أخرج التّرمذيّ؛ في «الجامع» و «الشمائل» ، والحاكم في «الطّبّ» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والطّبرانيّ في «الكبير» ، والحاكم في «الطّبّ» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال التّرمذيّ:
حسن غريب. وقال الحاكم: على شرطهما، وأقرّه الذّهبي في موضع، لكنّه قال في آخر: لا صحّة له. وفي العزيزي أنّه حديث حسن.
(كان) رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين) ؛ عرقين في محل الحجامة من العنق، (والكاهل) - بكسر الهاء-؛ وهو مقدّم أعلى الظّهر مما يلي العنق، وهو الثّلث الأعلى، وفيه ستّ فقرات، وقيل: ما بين الكتفين.
(وكان يحتجم لسبع عشرة) تمضي من الشّهر، لأنّ القمر حينئذ في النّقصان، بخلاف الحجامة لثلاث عشرة مثلا، فإنّ الحجامة والقمر في الزّيادة مذمومة؛ قاله الحفني.
(و) يحتجم ل (تسع عشرة) من الشّهر، (وإحدى وعشرين) منه، وعلى ذلك درج أصحابه، فكانوا يستحبّون الحجامة لوتر من الشهر، لأفضليّة الوتر عندهم، ومحبّتهم له لحبّ الله له.
ثم إنّ ما ذكر من احتجامه في الأخدعين والكاهل لا ينافيه ما قبله من احتجامه في رأسه وهامته، لأنّ القصد بالاحتجام طلب النّفع، ودفع الضّر. وأماكن الحاجة من البدن مختلفة باختلاف العلل؛ كما بيّنه ابن جرير. انتهى «مناوي» وغيره.
وأفضل أوقات الحجامة: يوم الاثنين إذا وافق سبع عشرة؛ أو تسع عشرة؛ أو إحدى وعشرين، كما دلّت عليه الأحاديث، ومنها ما رواه أبو داود؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «من احتجم لسبع عشرة؛ أو تسع عشرة؛ وإحدى وعشرين، كان شفاء من كلّ داء» . انتهى.
стр. 1941
و (الأخدعان) : عرقان في جانبي العنق.
وكان ﷺ يكتحل كلّ ليلة، ويحتجم كلّ شهر، ويشرب الدّواء كلّ سنة.
وفي «الصّحيحين» : عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ احتجم وأعطى الحجّام أجره.
(والأخدعان) بخاء معجمة؛ ودال وعين مهملتين. قال في «النّهاية» : هما (عرقان في جانبي العنق) . وفي «القاموس» : الأخدع: عرق في المحجمتين، وهو شعبة من الوريد، وهما أخدعان؛ كما في «الصّحاح» . وهما عرقان خفيان في موضع الحجامة من العنق. قال الجوهري وربّما وقعت الشّرطة على أحدهما، فينزف صاحبه. أي: لأنّه شعبة من الوريد. انتهى بزيادة من الشرح.
(و) أخرج ابن عدي- بسند قال فيه: إنّه منكر، وقال الحافظ العراقي: فيه سيف بن محمّد! كذّبه أحمد وابن معين-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
(كان ﷺ يكتحل كلّ ليلة) بالإثمد، ويقول: «إنّه يجلو البصر، وينبت الشّعر» . وخصّ اللّيل! لأنّ الكحل عند النّوم يلتقي عليه الجفنان، ويسكّن حرارة العين، وليتمكّن الكحل من السّراية في تجاويف العين وطبقاتها، ويظهر تأثيره المقصود من الانتفاع.
(ويحتجم كلّ شهر) مرّة (ويشرب الدّواء كلّ سنة) مرّة، فإن عرض له ما يوجب شربه أثناء السّنة شربه أيضا، فشربه كلّ سنة مرّة كان لغير علّة، بخلاف ما يعرض في أثنائها، ولم أقف على تعيين الشّهر الّذي كان يشربه فيه في حديث ولا أثر؛ قاله المناوي.
(وفي «الصّحيحين» : البخاريّ في «البيوع والإجارة والطّب» ومسلم في «البيوع» . وكذا رواه أبو داود في «البيوع» ، والتّرمذيّ في «الشّمائل» كلّهم؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ احتجم وأعطى الحجّام أجره) ولو كان حراما لم يعطه.
стр. 1942
وفي «الصّحيحين» أيضا: عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة؛ فأمر له بصاعين من طعام، وكلّم مواليه، ...
قال النّوويّ في «شرح مسلم» : اختلف العلماء في كسب الحجّام؟.
فقال الأكثرون من السّلف والخلف: لا يحرم كسب الحجّام، ولا يحرم أكله؛ لا على الحرّ ولا على العبد. وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدّثين-: يحرم على الحرّ دون العبد! وحجّتهم أحاديث النّهي عن كسب الحجّام، وكونه خبيثا، ومن شرّ الكسب- كما جاء ذلك في «صحيح مسلم» وغيره-.
واحتجّ الجمهور بحديث ابن عبّاس المذكور، وحملوا أحاديث النّهي على التنزيه، والارتفاع عن دنيء الكسب؛ والحثّ على مكارم الأخلاق؛ ومعالي الأمور. ولو كان حراما لم يفرّق بين الحرّ والعبد. فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحلّ. انتهى بتصرف قليل.
(وفي «الصّحيحين» أيضا) : البخاري في «البيوع والإجارة والطّبّ» ومسلم في «البيوع» ، وكذا رواه أبو داود والتّرمذيّ في «الشّمائل» و «الجامع» في «البيوع» كلّهم؛ (عن أنس) - أي: ابن مالك- (رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة) - بفتح الطّاء المهملة، وسكون التحتية، وبعد الموحّدة تاء- اسمه: نافع على الصّحيح، وحكاية ابن عبد البرّ أنّه دينار!! وهّموه فيها، بأنّ دينارا الحجّام تابعيّ، روى عن أبي طيبة، وحديثه عند ابن منده، لا أنّه أبو طيبة نفسه. وعند البغويّ بإسناد ضعيف. أنّ اسمه ميسرة. وقال العسكريّ:
الصّحيح أنّه لا يعرف اسمه. انتهى «قسطلّاني» .
(فأمر له بصاعين من طعام) - أي: تمر، وفي رواية: بصاع؛ أو مدّ؛ أو مدّين-.
(وكلّم) ﷺ (مواليه) - هم بنو حارثة على الصّحيح، ومولاه منهم:
محيّصة بن مسعود. وإنّما جمع الموالي مجازا، كما يقال: بنو فلان قتلوا رجلا،
стр. 1943
فخفّفوا عنه من ضريبته، وقال: «خير ما تداويتم به.. الحجامة» .
وروى ابن ماجه في «سننه» : أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا صدّع ...
ويكون الفاعل منهم واحدا. وحديث جابر أنّه مولى بني بياضة وهم! فإنّ مولى بني بياضة آخر؛ يقال له: أبو هند- أن يخفّفوا عنه من خراجه.
(فخفّفوا عنه من ضريبته) التي كانت عليه لمواليه، وهي الخراج المضروب عليه. وكان خراجه ثلاثة آصع من تمر، فوضعوا عنه صاعا، بشفاعته ﷺ ؛ كما في «الشّمائل» .
قال النّوويّ في «شرح مسلم» وحقيقة المخارجة: أن يقول السّيد لعبده:
تكتسب وتعطيني من الكسب كلّ يوم درهما مثلا، والباقي لك، أو في كلّ أسبوع كذا وكذا. ويشترط رضاهما.
(وقال) ﷺ يخاطب أهل الحجاز، ومن بلادهم حارّة، أو عامّا: ( «خير ما تداويتم به) من هيجان الدّم (الحجامة» ) لأنّ دماء أهل الحجاز؛ ومن في معناهم رقيقة تميل إلى ظاهر أجسادهم، لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن، فالحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، وقد تغني عن كثير من الأدوية.
قال في «زاد المعاد» : الحجامة في الأزمان الحارّة؛ والأمكنة الحارّة؛ والأبدان الحارّة التي دم أصحابها في غاية النّضج أنفع، والفصد بالعكس. ولذا كانت الحجامة أنفع للصّبيان؛ ولمن لا يقوى على الفصد. انتهى «قسطلّاني» .
(وروى ابن ماجه في «سننه» ؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا صدّع) - بتشديد الدّال- مبنيّ للمفعول. قال المجد: صدّع بالضمّ تصديعا، ويجوز في الشّعر صدع ك:
عني، فهو مصدوع، فقصر التخفيف على الشّعر. انتهى «زرقاني» .
стр. 1944
غلّف رأسه بالحنّاء، ويقول: «إنّه نافع بإذن الله تعالى من الصّداع» .
وذكر أبو داود في «سننه» : أنّ النّبيّ ﷺ استعط.
(غلّف) - بفتح الغين المعجمة، واللّام مخفّفة ومثقّلة؛ أي: ضمّخ- (رأسه بالحنّاء) - بالكسر والمد- (ويقول: «إنّه نافع بإذن الله تعالى من الصّداع» )
قال في «المواهب» : وفي صحّته نظر، وهو علاج خاصّ بما إذا كان الصّداع من حرارة ملتهبة، ولم يكن عن مادّة يجب استفراغها!! وإذا كان كذلك- أي:
حارا- لم ينشأ عن مادّة نفع فيه الحنّاء نفعا ظاهرا. قالوا: وإذا دقّ وضمّدت به الجبهة مع الخل سكّن الصّداع!. وهذا لا يختصّ بوجع الرّأس، بل يعمّ جميع الأعضاء. أي: وجعها كلها. أمّا إذا كان ناشئا عن مادّة؟ فلا ينجع فيه إلّا استفراغ هذه المادّة، وإذا كان من برد، لم ينفع فيه الحنّاء، بل يزيده لبردها. انتهى مع زيادة من الزرقاني.
(وذكر أبو داود في «سننه» ) في «كتاب الطّبّ» ، وكذا في «الصحيحين» في «الطّبّ» كلّهم؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
(أنّ النّبيّ ﷺ استعط) ، أي: استعمل السّعوط- بفتح السّين المهملة- بأن استلقى على ظهره، وجعل بين كتفيه ما يرفعهما؛ لينحدر رأسه الشّريف، وقطّر في أنفه ما تداوى به ليصل إلى دماغه؛ ليخرج ما فيه من الدّاء بالعطاس. قاله القسطلّاني.
ولفظ «الصحيحين» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما عن النّبي ﷺ أنّه احتجم وأعطى الحجّام أجره، واستعط. انتهى.
стр. 1945
[استطراد:]
استطراد: قد خطر لي أن أذكر هنا جملة أحاديث من طبّه ﷺ الّذي وصفه لغيره؛ لتتمّ بذلك الفائدة. وجلّها من «الهدي النّبويّ» للعلّامة ابن القيّم:
روى مسلم في «صحيحه» : ...
(استطراد) هو- لغة-: مصدر استطرد الفارس من قرنه في الحرب؛ بأن يفرّ من بين يديه يوهمه الانهزام، ثمّ يعطف عليه على غرّة منه؛ مكيدة له.
واصطلاحا: الانتقال من معنى إلى معنى آخر متّصل به، ولم يقصد بذكر الأوّل التّوصّل إلى الثاني. قاله الشّهاب الخفاجي رحمه الله تعالى.
وقال الباجوري: الاستطراد: ذكر الشّيء في غير محلّه لمناسبة، أي كما هنا، فإنّ المقام لذكر طبّ النّبي ﷺ الّذي استعمله بنفسه، لكن المصنّف ذكر طبّ غيره، وذكر ما جاء في مطلق التّداوي لمناسبة ذكر الطّبّ، ولكون ذلك من طبّه ﷺ أيضا.
(قد خطر لي) قال في «المصباح» : الخاطر ما يخطر في القلب من تدبير أمر، يقال: خطر ببالي، وعلى بالي؛ خطرا وخطورا. انتهى.
وفي «شرح القاموس» : ومن المجاز: خطر فلان بباله وعليه يخطر بالكسر- ويخطر- بالضّمّ- خطورا؛ إذا ذكره بعد نسيان. انتهى.
(أن أذكر هنا) - في هذا الفصل- (جملة أحاديث من طبّه ﷺ الّذي وصفه لغيره) من أصحابه (لتتمّ بذلك الفائدة) للمطالع.
(وجلّها) ؛ أي: معظم هذه الأحاديث مأخوذ (من الهدي النّبويّ) المسمّى «زاد المعاد في هدي خير العباد» (للعلّامة) الحافظ محمد بن أبي بكر (ابن القيّم) الحنبلّي رحمه الله تعالى. آمين. وتقدمت ترجمته في أوّل الكتاب.
(روى مسلم في «صحيحه» ) ؛ في «كتاب الطّبّ» ، وكذا الإمام أحمد ابن حنبل
стр. 1946
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لكلّ داء.. دواء، فإذا أصيب دواء الدّاء.. برأ بإذن الله » . وفي «الصّحيحين» : عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنزل الله من داء.. إلّا أنزل له شفاء» .
كلاهما؛ (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري، الصّحابي ابن الصّحابيّ (رضي الله تعالى عنهما؛ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لكلّ داء) - بفتح الدّال ممدود، وقد يقصر- (دواء) - بفتح الدّال أي: شيء مخلوق مقدّر له- (فإذا أصيب دواء الدّاء) - بالبناء للمفعول-. والأصل: فإذا أصاب المريض دواء الدّاء المناسب له؛ سواء أصابه بتجربة، أو إخبار عارف، واستعمله على القدر الّذي ينبغي؛ في الوقت الّذي ينبغي- (برأ بإذن الله » ) لأنّ الشّيء يداوى بضدّه غالبا، لكن قد يدقّ حقيقة المرض، وحقيقة طبع الدّواء، فيقلّ الفقه بالمتضادّين، ومن ثمّ أخطأ الأطبّاء، فمن كان مانعا- بخطأ أو غيره- تخلّف البرء، فإن تمت المضادّة حصل البرء لا محالة، فصحّت الكلية واندفع التّدافع. انتهى «زرقاني» .
وقال القسطلّاني في «المواهب» معلّقا على هذا الحديث؛ ما نصّه: فالشّفاء متوقّف على إصابة الدّاء الدواء بإذن الله تعالى، وكذلك أنّ الدّواء قد يحصل معه مجاوزة الحدّ في الكيفيّة، أو الكمّيّة، فلا ينجع، بل ربّما أحدث داء آخر. وفي رواية عليّ- عند الحميدي في كتابه المسمّى ب «طبّ أهل البيت» -: «ما من داء إلّا وله دواء» ، فإذا كان كذلك بعث الله ملكا؛ ومعه ستر فيجعله بين الدّاء والدّواء، فكلّما شرب المريض من الدّواء لم يقع على الدّاء، فإذا أراد الله برأه أمر الملك فرفع السّتر، ثمّ يشرب المريض الدّواء فينفعه الله تعالى به. انتهى.
(وفي «الصّحيحين» ) من حديث عطاء بن أبي رباح؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنزل الله من داء) - أي: مرضا- (إلّا أنزل له شفاء» ) - أي: دواء- وجمعه: أشفية، وجمع الجمع: آشاف.
стр. 1947
ولي «مسند الإمام أحمد» : عن أسامة بن شريك ...
وشفاه يشفيه: أبرأه وطلب له الشّفاء كأشفاه؛ قاله القسطلّاني: وهو صريح في أنّ الشّفاء اسم للدّواء.
وقال بعضهم: أي أنزل له دواء يكون سببا للشّفاء، فإذا استعمله المريض، وصادف المرض حصل له الشّفاء؛ سواء كان الدّاء قلبيّا أو بدنيّا. انتهى.
قال الكرماني: أي ما أصاب الله أحدا بداء إلّا قدّر له دواء. أو المراد بإنزالهما الملائكة الموكّلين بمباشرة مخلوقات الأرض من الدّواء والدّاء. انتهى.
قال القسطلّاني: فعلى الأوّل المراد بالإنزال التّقدير، وعلى الثّاني المراد إنزال علم ذلك على لسان الملك للنّبيّ مثلا، أو إلهام لغيره. انتهى.
وقيام عامّة الأدوية والأدواء بواسطة إنزال الغيث الّذي تتولّد به الأغذية والأدوية وغيرهما، وهذا من تمام لطف الرّبّ بخلقه، كما ابتلاهم بالأدواء أعانهم عليها بالأدوية، وكما ابتلاهم بالذّنوب أعانهم عليها بالتّوبة؛ والحسنات الماحية. انتهى «زرقاني» .
قال في «المواهب» : وهذا الحديث أخرجه- أيضا- النّسائي وصحّحه ابن حبّان والحاكم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ ﷺ بلفظ: «إنّ الله لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء!! فتداووا» . وعند أحمد من حديث أنس مرفوعا: «إنّ الله حيث خلق الدّاء خلق الدّواء، فتداووا» . انتهى.
(وفي «مسند الإمام أحمد» ) ابن حنبل، وأخرجه أصحاب «السّنن الأربعة» ، والبخاري في «الأدب المفرد» ، وصحّحه التّرمذيّ وابن خزيمة والحاكم؛
(عن أسامة بن شريك) الثّعلبي- بمثلّثة ومهملة- الذبيانيّ، صحابيّ له ثمانية أحاديث، روى عنه زياد بن علاقة؛ وعلي بن الأقمر. انتهى «خلاصة» .
وقال «الزرقاني» : تفرّد بالرّواية عنه زياد بن علاقة- على الصّحيح-.
стр. 1948
رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند النّبيّ ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله؛ أنتداوى؟ قال: «نعم؛ يا عباد الله، تداووا، فإنّ الله لم يضع داء.. إلّا وضع له شفاء، غير داء واحد» ، قالوا: وما هو؟ قال: «الهرم» .
وفي لفظ: ...
(رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند النّبيّ ﷺ وجاءت الأعراب) : سكّان البادية (فقالوا: يا رسول الله؛ أنتداوى؟ قال: «نعم، يا عباد الله، تداووا) وصفهم بالعبودية إيذانا بأنّ التّداوي لا يخرجهم عن التّوكل الّذي هو من شرطها، أي: تداووا؛ ولا تعتمدوا في الشّفاء على التّداوي؛ بل كونوا عباد الله؛ متوكّلين عليه- (فإنّ الله لم يضع داء إلّا وضع له شفاء) وهو سبحانه لو شاء لم يخلق داء، وإذ خلقه لو شاء لم يخلق له دواء، وإذ خلقه لو شاء لم يأذن في استعماله! لكنّه أذن، فمن تداوى فعليه أن يعتقد حقّا، ويوقن يقينا، بأنّ الدّواء لا يحدث شفاء، ولا يولده، كما أنّ الدّاء لا يحدث سقما ولا يولّده، لكن الباري سبحانه يخلق الموجودات واحدا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته (غير داء واحد!!» ) قال أبو البقاء: لا يجوز في غير هنا إلا النّصب على الاستثناء من داء؛ قاله الزّرقاني على «المواهب» .
(قالوا: وما هو؟ قال: «الهرم» ) - بفتحتين، أي: الكبر-.
(وفي لفظ) «إلّا السّام» ، وهو- بمهملة مخفّفا- الموت. يعني: إلّا داء الموت. أي: المرض الذي قدّر على صاحبه الموت فيه.
واستثناء الهرم في الرّواية الأولى!! إمّا لأنّه جعله شبيها بداء الموت، وداء الموت لا دواء له؛ فكذا الهرم، لمشابهته له في نقص الصّحة، أو لقربه من الموت؛ وإفضائه إليه. لأن الموت يعقبه كما يعقب الدّاء.
ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا.
والمعنى: لكنّ الهرم لا دواء له؛ فلا ينجع فيه التّداوي. انتهى «زرقاني» .
стр. 1949
«إنّ الله تعالى لم ينزل داء.. إلّا أنزل له شفاء؛ علمه من علمه، وجهله من جهله» .
وفي «المسند» و «السّنن» : عن أبي خزامة قال: قلت:
يا رسول الله؛ أرأيت رقى نسترقيها، ودواء ...
وأخرج النّسائيّ وابن ماجه وابن حبّان و «الحاكم» وصحّحاه؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رفعه:
( «إنّ الله تعالى لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء) - قال بعضهم: الدّاء علّة تحصل بغلبة بعض الأخلاط، والشّفاء رجوعها إلى الاعتدال. وذلك بالتّداوي، وقد يحصل بمحض لطف الله بلا سبب-
(علمه من علمه) بإلهام الله تعالى له واطّلاعه عليه
(وجهله من جهله» ) بإخفاء الله تعالى عنه إياه. فإذا شاء الله الشفاء يسّر ذلك الدّواء، ونبّه مستعمله بواسطة؛ أو دونها، فيستعمله على وجهه وفي وقته؛ فيبرأ. وإذا أراد إهلاكه أذهله عن دوائه، وحجبه بمانع فهلك، وكلّ ذلك بمشيئته وحكمه، كما سبق في علمه. ولقد أحسن القائل:
والنّاس يلحون الطّبيب وإنّما ... غلط الطّبيب إصابة المقدور
وفي الحديث إشارة إلى أنّ بعض الأدوية لا يعلمها كلّ أحد، لقوله: «جهله من جهله» . انتهى زرقاني مع «المواهب» .
(و) أخرج الإمام أحمد (في «المسند» و) التّرمذيّ وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في ( «السّنن» ) كلّهم؛ (عن أبي خزامة) عن أبيه رضي الله تعالى عنه (قال:
قلت: يا رسول الله؛ أرأيت) - أي: أخبرني عن هذه الأشياء- (رقى) بضم الرّاء، وفتح القاف: جمع رقية اسم للمرّة من التعويذ- ( [نسترقيها] ودواء
стр. 1950
نتداوى به، وتقاة نتّقيها.. هل تردّ من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر الله» .
وذكر البخاريّ في «صحيحه» : عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إنّ الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم.
نتداوى به، وتقاة) - وزنه فعلة، ويجمع على تقى كرطبة ورطب، وأصله وقية، لأنه من الوقاية، فأبدلت الوّاو تاء، والياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها- أي:
ما نتّقي به ما يرد علينا من الأمور الّتي لا نريد وقوعها بنا.
وفي رواية «المسند» وابن ماجه: بالجمع: تقى (نتّقيها، هل تردّ من قدر الله شيئا؟
قال) أي: النّبيّ ﷺ : ( «هي من قدر الله» ) يعني: أنّ الله تعالى قدّر الأسباب والمسبّبات، وربط المسبّبات بالأسباب، فحصول المسبّبات عند حصول الأسباب من جملة القدر.
(وذكر) الإمام (البخاريّ في «صحيحه» ) تعليقا (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) وبيّن الحافظ ابن حجر أنّه جاء من طرق صحيحة إليه.
(إنّ الله تعالى لم يجعل شفاءكم) من الأمراض القلبيّة والنفسيّة، أو الشّفاء الكامل المأمون الغائلة (فيما حرّم) - بالبناء للفاعل، ويجوز للمفعول- (عليكم) فلا يجوز التّداوي بالحرام؛ لأنّه لم يحرّمه إلا لخبثه عناية بعباده؛ وحمية لهم؛ وصيانة عن التّلطّخ بدنسه، وما حرم عليهم شيئا إلّا عوّضهم خيرا منه!! فعدولهم عمّا عوّضه لهم إلى ما منعهم منه يوجب حرمان نفعه.
ومن تأمّل ذلك هان عليه ترك المحرّم المردي، واعتاض عنه النّافع المجدي.
والمحرّم؛ وإن فرض أنّه أثّر في إزالة المرض لكنّه يعقبه بخبثه سقما قلبيا أعظم منه، فالمتداوي به ساع في إزالة سقم البدن بسقم القلب.
стр. 1951
.........
وبه علم أنّه لا تدافع بين الحديث وآية «إنّ في الخمر منافع» «١» . انتهى زرقاني على «المواهب» .
ويحرم التّداوي بالخمر- أي: شربها لأجل التّداوي بها- وكذا يحرم شربها للعطشان، وأمّا إذا غصّ بلقمة؛ ولم يجد ما يسيغها إلّا خمرا؟؟ فيلزمه الإساغة بها، لأنّ حصول الشّفاء بها حينئذ محقّق، بخلاف التّداوي.
أمّا التّداوي بالخمر على ظاهر الجسم؛ بقصد المداواة عند الحاجة!! فذلك جائز. قال «النّوويّ» في «فتاويه» : مسألة: إنسان به مرض؛ وصف له من يجوز اعتماده من الأطبّاء المسلمين أن يتضمّد بالتّرياق الفاروق، ويبقى عليه أيّاما، وقال: لا تحصل المداواة إلّا بذلك، وهذا التّرياق فيه خمر ولحم الحيّات!! هل يجوز له ذلك؟ ويصلّي على حسب حاله؟؟
الجواب: يجوز، وتلزمه إعادة الصّلاة. انتهى.
وعلم من ذلك أنّ خطر التّداوي بالمحرّمات؛ إنّما هو في الحالات العاديّة لدى وجود وتيسّر الدّواء المباح النّاجع، أمّا عند الاضطرار! فالحكم كما قال الله وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [١١٩/ الأنعام] .
ويكون استعمال ذلك المحرّم- في حال الاضطرار- مع وجود ضرر فيه، لدفع ضرر أشدّ- عملا بقاعدة: تعارض المفسدتين فيرتكب أخفّها ضررا.
هذا؛ وفي عصرنا الحاضر يسعى الأطبّاء دوما لدى علاجهم المريض إلى اختيار العلاج الملائم للعلّة، وحالة أجهزة الجسم المعلول، ويختارون من الأدوية المفيدة- في تلك العلّة- أكثرها فائدة وأقلّها أعراضا جانبيّة وضررا، وإذا كان الدّواء مفيدا وخاليا من الأعراض الجانبيّة؛ فإنه يحوز رضى الأطبّاء أكثر، ويقع اختيارهم عليه أوّلا لدى توفّره.
стр. 1952
وفي «السّنن» : عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدّواء الخبيث.
ولا شكّ أنّ الله لم يحرّم شيئا على هذه الأمّة؛ إلا وفيه ضرر جسمي أو خلقيّ؛ نفسيّ أو روحيّ، فلا يليق بالمسلم طبيبا كان؛ أو مريضا أن يقرب تلك المحرّمات لفوائد صحيّة فيها؛ مع أنّ لها أضرارا جانبيّة.
فإذا ساقت الضّرورة إلى استعمال المحرّم لفقدان العلاج الحلال الملائم؛ وكان ما يتوخّى في المحرّم من فائدة علاجية يفوق ما يسبّب من أعراض جانبيّة غير مرغوب فيها؛ فعلى المريض والطّبيب أن يستشعر أنّ التّداوي بذلك المحرّم إنّما هو للضّرورة، ولارتكاب أهون الأمرين ضررا.
وعلى الطّبيب: أن يستشعر خشية الله تعالى، وأن يسعى لتعديل الآثار الجانبيّة الضّارّة بما يلائم من دواء؛ أو غذاء؛ أو إرشادات صحيّة.
وعلى المريض أن يحسّن نيّته في استعمال المحرّم عند الاضطرار؛ فلا يقصد لذّة، أو هوى؟؟. وعليه أن يأخذ بوسائل تعديل آثاره الضّارة على النّفس والقلب بما يلائم من الدّعاء؛ والالتجاء إلى الله العليّ القدير، وعدم التّجافي في استعمالها إلى إثم ولا بغي ولا عدوان على حدود الله باتّخاذ حادثة الضّرورة سلّما إلى المعصية، والله على ما نقول وكيل.
(و) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذيّ وابن ماجه (في «السّنن» ) والحاكم- وقال: على شرطهما، وأقره الذّهبيّ. وفي «المهذّب» : إسناده صحيح- كلّهم؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
نهى رسول الله ﷺ عن الدّواء الخبيث) - يعني: السّم أو النّجس أو الخمر ولحم غير المأكول، وروثه، وبوله، فلا تدافع بينه وبين حديث العرنيّين وقيل:
أراد الخبيث المذاق لمشقّته على الطّباع، والأدوية؛ وإن كانت كلّها كريهة لكنّ بعضها أقلّ كراهة. انتهى.
стр. 1953
وفي «صحيح مسلم» : عن طارق بن سويد الجعفيّ رضي الله تعالى عنه: أنّه سأل رسول الله ﷺ عن الخمر؟
فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنّما أصنعها للدّواء، فقال:
«إنّ ذاك ليس بدواء؛ ولكنّه داء» .
قال الشّوكانيّ: ظاهره تحريم التّداوي بكلّ خبيث، والتّفسير بالسّمّ مدرج؛ لا حجّة فيه. ولا ريب أنّ الحرام والنّجس خبيثان.
قال «الماورديّ» وغيره: السّموم على أربعة أضرب:
منها: ما يقتل كثيره وقليله؛ فأكله حرام للتّداوي ولغيره، لقوله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [١٩٥/ البقرة] .
ومنها ما يقتل كثيره؛ دون قليله، فأكل كثيره الّذي يقتل حرام للتّداوي وغيره، والقليل منه إن كان ينفع في التّداوي جاز أكله تداويا.
ومنها ما يقتل في الأغلب، وقد يجوز ألايقتل، فحكمه كما قبله.
ومنها ما لا يقتل في الأغلب، وقد يجوز أن يقتل، فذكر الشّافعي في موضع إباحة أكله، وفي موضع تحريم أكله! فجعله بعض أصحابه على حالين؛ فحيث أبيح أكله فهو إذا كان للتّداوي. وحيث حرم أكله: فهو إذا كان غير منتفع به في التّداوي. انتهى. من «بلوغ الأماني شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل الشّيباني» رحمه الله تعالى.
(وفي) «مسند الإمام أحمد» و ( «صحيح مسلم» ) في «الأشربة» ، وأبي داود، وابن ماجه كلّهم؛ (عن) وائل الحضرميّ؛ عن (طارق بن سويد الجعفيّ) ؛ أو الحضرميّ (رضي الله تعالى عنه أنّه سأل رسول الله ﷺ عن) صنع (الخمر؟ فنهاه؛ أو كره أن يصنعها.
فقال) - أي: طارق- (: إنّما أصنعها للدّواء) ؛ ظنّا منه أنّ ذلك جائز.
(فقال) - أي: النبيّ ﷺ له (: «إنّ ذاك ليس بدواء) - كما تظنّ- (ولكنّه داء» )
стр. 1954
وفي «السّنن» : أنّه ﷺ سئل عن الخمر تجعل في الدّواء؟ فقال: «إنّها داء، وليست بالدّواء» .
ويذكر عنه ﷺ أنّه قال: «من تداوى بالخمر..
فلا شفاه الله تعالى» .
وذكّر الضمير! باعتبار كون الخمر شرابا.
قال الإمام النّووي في «شرح مسلم» : هذا دليل لتحريم اتّخاذ الخمر وتخليلها.
وفيه التّصريح بأنّها ليست بدواء، فيحرم التّداوي بها؛ لأنّها ليست بدواء، فكأنّه يتناولها بلا سبب، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا: أنه يحرم التّداوي بها.
وكذا يحرم شربها للعطش، وأمّا إذا غصّ بلقمة؛ ولم يجد ما يسيغها به إلّا خمرا؟
فيلزمه الإساغة بها، لأن حصول الشّفاء بها حينئذ مقطوع به، بخلاف التّداوي.
والله أعلم. انتهى.
وفي قوله (حصول الشّفاء مقطوع به) نظر.
(و) أخرج التّرمذيّ وأبو داود (في «السّنن» أنّه ﷺ سئل عن الخمر تجعل في الدّواء) - أي: مع شيء آخر، ويحتمل أن يراد أنّها تستعمل دواء- (فقال) ؛ أي: النّبيّ ﷺ (: «إنّها داء، وليست بالدّواء» ) .
وروى الطبرانيّ في «الكبير» ؛ وأبو يعلى عن أمّ سلمة. قالت: نبذت نبذا في كوز، فدخل رسول الله ﷺ وهو يغلي، فقال: «ما هذا» ؟! قلت: اشتكت ابنة لي فنقعت لها هذه؟. فقال ﷺ : «إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» .
(ويذكر عنه ﷺ أنّه قال: «من تداوى بالخمر فلا شفاه الله تعالى» ) ؛ ذكره ابن القيّم. وقال عقبه: المعالجة بالمحرّمات قبيحة عقلا وشرعا؛ أمّا الشّرع؛ فما ذكرناه من هذه الأحاديث وغيرها، وأما العقل؛ فهو أنّ الله سبحانه إنّما حرّمه
стр. 1955
.........
لخبثه، فإنّه لم يحرّم على هذه الأمّة طيّبا؛ عقوبة لها، كما حرّمه على بني إسرائيل بقوله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [١٦٠/ النساء] .
وإنّما حرّم على هذه الأمّة ما حرّم! لخبثه، وتحريمه له حمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشّفاء من الأسقام والعلل، فإنّه؛ وإن أثّر في إزالتها لكنّه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوّة الخبث الذي فيه، فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.
وأيضا؛ فإنّ تحريمه يقتضي تجنّبه؛ والبعد عنه بكلّ طريق، وفي اتّخاذه دواء حضّ على التّرغيب فيه، وملابسته. وهذا ضدّ مقصود الشّارع.
وأيضا؛ فإنّه داء، كما نصّ عليه صاحب الشّريعة، فلا يجوز أن يتّخذ دواء.
وأيضا؛ فإنه يكسب الطّبيعة والرّوح صفة الخبث، لأنّ الطّبيعة تنفعل عن كيفية الدّواء انفعالا بيّنا، فإذا كانت كيفيّته خبيثة؛ اكتسبت الطّبيعة منه خبثا، فكيف إذا كان خبيثا في ذاته؟! ولهذا حرّم الله سبحانه على عباده الأغذية؛ والأشربة؛ والملابس الخبيثة لما تكتسب النّفس من هيئة الخبث وصفته.
وأيضا؛ فإنّ في إباحة التّداوي به- ولا سيّما إذا كانت النّفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشّهوة؛ واللّذة. لا سيّما إذا عرفت النّفوس أنّه نافع لها، مزيل لأسقامها، جالب لشفائها؛ فهذا أحبّ شيء إليها، والشّارع سدّ الذّريعة إلى تناوله بكلّ ممكن. ولا ريب أنّ بين سدّ الذّريعة إلى تناوله وفتح الذّريعة إلى تناوله تناقضا وتعارضا.
وأيضا؛ فإنّ في هذا الدّواء المحرّم من الأدواء ما يزيد على ما يظنّ به من الشفاء.
ولنفرض الكلام في أمّ الخبائث الّتي ما جعل الله لنا فيها شفاء قطّ؛ فإنّها شديدة المضرّة بالدّماغ؛ الّذي هو مركز العقل عند الأطبّاء وكثير من الفقهاء والمتكلمين!!
стр. 1956
وروى البخاريّ: ...
قال بقراط في أثناء كلامه في «الأمراض الحادّة» :
ضرر الخمر بالرأس شديد، لأنّه يسرع الارتفاع إليه، ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن، وهو كذلك يضرّ بالذّهن.
وقال صاحب «الكامل» : إنّ خاصّيّة الشّراب الإضرار بالدّماغ والعصب. وأمّا غيره من الأدوية المحرّمة! فنوعان:
أحدهما: تعافه النّفس، ولا تنبعث لمساعدته الطّبيعة على دفع المرض به؛ كالسّموم، ولحوم الأفاعي، وغيرها من المستقذرات، فيبقي كلّا على الطّبيعة مثقلا لها، فيصير حينئذ داء لا دواء.
والثّاني: ما لا تعافه النّفس؛ كالشّراب الّذي تستعمله الحوامل مثلا، فهذا ضرره أكثر من نفعه، والعقل يقضي بتحريم ذلك، فالعقل والفطرة مطابق للشّرع في ذلك.
وههنا سرّ لطيف في كون المحرّمات لا يستشفى بها، فإنّ شرط الشّفاء بالدّواء تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشّفاء، فإنّ النّافع هو المبارك. وأنفع الأشياء أبركها. والمبارك من النّاس أينما كان هو الّذي ينتفع به حيث حلّ.
ومعلوم أنّ اعتقاد المسلم تحريم هذه العين ممّا يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها؛ وبين حسن ظنّه بها؛ وتلقّي طبعه لها بالقبول، بل كلّما كان العبد أعظم إيمانا؛ كان أكره لها، وأسوأ اعتقادا فيها، وطبعه أكره شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال؛ كانت داء له لا دواء، إلّا أن يزول اعتقاد الخبث فيها، وسوء الظّنّ والكراهة لها بالمحبّة، وهذا ينافي الإيمان، فلا يتناولها المؤمن قطّ إلا على وجه داء. والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى.
(وروى البخاريّ) ، ومسلم، وابن ماجه في «الطّبّ» كلّهم؛
стр. 1957
عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه كان رسول الله ﷺ إذا أتى مريضا، أو أتي به.. قال: «أذهب الباس ربّ النّاس، اشف وأنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» .
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّه كان رسول الله ﷺ إذا أتى مريضا) عائدا له (أو) قال: (أتي) بالبناء للمفعول (به) إليه (قال) في دعائه له: ( «أذهب) بفتح الهمزة بعدها ذال معجمة- (الباس) - بغير همز للمؤاخاة، أي: المناسبة لما بعده. وأصله الهمز، أي: الضرر والمرض-
(ربّ النّاس) وغيرهم، بحذف حرف النّداء، (اشف) بحذف المفعول (وأنت) - وفي رواية بحذف الواو- (الشّافي) .
أخذ منه جواز تسميته تعالى بما ليس في القرآن؛ بشرط ألايوهم نقصا، وأن يكون له أصل في القرآن، وهذا منه، فإن فيه وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) [الشعراء] .
(لا شفاء) - بالمدّ؛ مبنيّ على الفتح، والخبر محذوف، تقديره: حاصل لنا أوله- (إلّا شفاؤك) بالرّفع؛ بدل من محلّ «لا شفاء» .
(شفاء) - مصدر منصوب بقوله: اشف- (لا يغادر) - بغين معجمة، أي:
لا يترك- (سقما» ) بضمّ فسكون، وبفتحتين، والتّنوين للتّقليل.
وفائدة التّقييد بذلك: أنّه قد يحصل الشّفاء من ذلك المرض؛ فيخلفه مرض آخر!!. فكان دعاء له بالشّفاء المطلق، لا بمطلق الشّفاء.
واستشكل الدّعاء بالشّفاء؛ مع ما في المرض من كفّارة وثواب، كما تظافرت الأحاديث بذلك!!
والجواب عن ذلك: أنّ الدّعاء عبادة، ولا ينافي الثّواب والكفّارة، لأنهما يحصلان بأوّل المرض، وبالصّبر عليه. والدّاعي بين حسنيين: إمّا أن يحصل له مقصوده، أو يعوّض عنه بجلب نفع؛ أو دفع ضرر. وكلّ ذلك من فضل الله . انتهى «عزيزي» .
стр. 1958
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهله الوعك.. أمر بالحساء فصنع، ثمّ أمرهم فحسوا. وكان يقول: «إنّه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السّقيم، كما تسرو إحداكنّ الوسخ بالماء عن وجهها» .
وقوله: (الوعك) : هو الحمّى، أو ألمها.
(و) أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «الطّبّ» ؛ وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه والحاكم في «الأطعمة» وقال: صحيح، وأقرّه الذّهبيّ كلّهم؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهله) ؛ أي: أحدا من أهل بيته (الوعك) ؛ أي: حرارة الحمّى، ومثلها بقيّة الأمراض، فما ذكر نافع لجميع الأمراض (أمر بالحساء) - بالفتح والمدّ: طبيخ يتّخذ من دقيق وماء ودهن- (فصنع) بالبناء للمفعول (ثمّ أمرهم فحسوا) ؛ أي:
شربوا وتناولوه.
(وكان يقول: «إنّه ليرتو) - بفتح المثنّاة التحتيّة وراء ساكنة، فمثنّاة فوقيّة- أي: يشدّ ويقوّي (فؤاد الحزين) - قلبه- (ويسرو) - بسين مهملة وراء- (عن فؤاد السّقيم) - أي: يكشف عن فؤاده الألم، ويزيله- (كما تسرو إحداكنّ الوسخ بالماء عن وجهها» ) أي: تكشفه وتزيله.
قال «ابن القيّم» : هذا ماء الشّعير المغليّ، وهو أكثر غذاء من سويقه، نافع للسّعال، قامع لحدّة الفضول، مدرّ للبول جدّا، قامع للظّمأ، مطف للحرارة.
وصفته أن يرضّ ويوضع عليه من الماء العذب خمسة أمثاله، ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى خمساه. انتهى. «مناوي وعزيزي» .
(وقوله: الوعك) - بفتحتين- (هو الحمّى، أو ألمها) ؛ كما قاله المناوي وغيره.
стр. 1959
و (الحساء) - بالفتح والمدّ-: طبيخ يتّخذ من دقيق وماء ودهن.
و (يرتو) : يشدّ ويقوّي. و (يسرو) : يكشف الألم ويزيله.
وفي «السّنن» عنها [رضي الله تعالى عنها] أيضا: «عليكم بالبغيض النّافع: التّلبين» .
(والحساء بالفتح) - للحاء والسّين المهملتين- (والمدّ) لا بالقصر (: طبيخ يتّخذ من دقيق) ؛ أي: دقيق الشّعير (وماء، ودهن) .
قال الحفني: وهو أن يضع قدرا من الشّعير بلا طحن، ويزن قدره من الماء خمس مرّات، ويوقد عليه بنار لطيفة حتّى يذهب ثلاثة أخماس الماء، فإنه يسكّن العطش والحرارة، وينفع من كلّ داء؛ لأنّ الشّعير بارد.
وفيه كيفيّة أخرى وهي: أن يطحنه؛ ويأخذ دقيقه، ويضيف له شيئا من دهن اللّوز؛ أو الورد؛ أو نحوهما وشيئا من الماء؛ ويطبخه. انتهى.
(ويرتو) - بفتح المثنّاة التحتيّة، وراء ساكنة فمثناة فوقيّة- أي: (يشدّ ويقوّي) ؛ بتشديد الواو من التّقوية (ويسرو) بفتح أوله؛ فسين مهملة ساكنة، فراء بوزن: يعرو.
قال المناوي: معناه (يكشف) عن فؤاده (الألم ويزيله) . انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد في «المسند» في الطّبّ وابن ماجه (في «السّنن» ) في «الطّبّ» أيضا، والحاكم وصحّحه؛ وأقرّه الذّهبيّ، كلّهم؛ (عنها) - أي:
عائشة- (أيضا) رضي الله تعالى عنها قالت:
قال رسول الله ﷺ : ( «عليكم بالبغيض) - أي: المبغوض بالطّبع- (النّافع) من حيث الواقع، أي: كلوه أو لازموا استعماله، قالوا: وما البغيض النّافع يا رسول الله؟ قال: (التّلبين» ) .
وفي ابن ماجه التّلبينة يعني: الحسو، وهو دقيق يعجن بالماء إلى أن يصير
стр. 1960
قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا اشتكى أحد من أهله.. لم تزل البرمة على النّار حتّى ينتهي أحد طرفيه- يعني: يبرأ- أو يموت.
وعنها أيضا: كان رسول الله ﷺ إذا قيل له: إنّ فلانا وجع.. لا يطعم الطّعام، قال: «عليكم بالتّلبينة، فأحسوه إيّاها» ، ويقول: «والّذي نفسي بيده؛ إنّها ...
كاللّبن، ويشرب، لا سيّما دقيق الشّعير، فإنّه بارد.
وهذا من الطّبّ النّبويّ الّذي لا شكّ فيه، وإنّما يكون التّخلف من سوء حال المستعمل. انتهى «حفني» .
(قالت) ؛ أي: عائشة (: وكان رسول الله ﷺ إذا اشتكى) ؛ أي: مرض (أحد من أهله لم تزل البرمة) - بضمّ الموحّدة، وسكون الرّاء: إناء- (على النّار حتّى ينتهي أحد طرفيه. يعني:) أنّهم كانوا يحرصون على هذا الطعام دائما لخفّته على المريض مع تغذيته، وعدم الإضرار به إلى أن (يبرأ) من مرضه، (أو يموت) إذا انقضى أجله.
(و) أخرج الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم وصحّحه، وأقرّه الذّهبي، كلّهم؛ (عنها) ؛ أي: عائشة رضي الله تعالى عنها (أيضا) قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا قيل له: إنّ فلانا وجع) - بكسر الجيم، أي-: مريض (لا يطعم الطّعام؟ قال: «عليكم بالتّلبينة) - بفتح فسكون-: حساء يعمل من دقيق، أو نخالة، فيصير كاللّبن بياضا ورقّة، وقد يجعل فيه عسل. وسمّيت بذلك!! تشبيها باللّبن لبياضها ورقّتها (فأحسوه) ؛ أي: أشربوه وأطعموه (إيّاها» ) لأنّها غذاء فيه لطافة، سهل التّناول للمريض، فإذا استعمله اندفعت عنه الحرارة الجوعيّة، وحصلت له القوّة الغذائيّة بغير مشقّة. انتهى «مناوي» .
(ويقول) ؛ أي: النّبيّ ﷺ (: «والّذي نفسي بيده؛ إنّها) ؛ أي: التّلبينة
стр. 1961
تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكنّ وجهها من الوسخ» .
و (التّلبين والتّلبينة) : الحساء الرّقيق الّذي هو في قوام اللّبن.
قال الهرويّ: سمّيت تلبينة؛ لشبهها باللّبن لبياضها ورقّتها، وهذا هو الغذاء النّافع للعليل، وهو الرّقيق النّضيج، لا الغليظ النّيء،
(تغسل بطن أحدكم) من الدّاء (كما تغسل إحداكنّ) - كذا في «زاد المعاد» - (وجهها) - وفي «المسند» : «كما يغسل أحدكم وجهه بالماء» - (من الوسخ» )
تحقيق لوجه الشّبه: قال الموفّق البغداديّ: إذا شئت [معرفة] منافع التلبينة؛ فاعرف منافع ماء الشّعير، سيّما إذا كان نخالة، فإنّه يجلو وينفذ بسرعة، ويغذّي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارا كان أجلى وأقوى نفوذا. انتهى «مناوي» .
(والتّلبين والتّلبينة) - بهاء- قال ابن القيّم: هو (الحساء) بالفتح والمدّ (الرّقيق) - بالرّاء- (الّذي) يعمل من دقيق أو نخالة، و (هو في قوام اللّبن) ، وربّما جعل فيها عسل.
(قال) الإمام اللّغويّ أحمد بن محمّد بن عبد الرّحمن الباشاني: أبو عبيد (الهرويّ) نسبة إلى «هراة» المتوفّى في رجب سنة: إحدى وأربعمائة هجرية، قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطّابي. وكان اعتماده وشيخه الّذي يفتخر به أبا منصور محمد بن أحمد الأزهري صاحب كتاب «التّهذيب» في اللّغة، وله من المؤلّفات كتاب «الغريبين» أي: «غريب القرآن» ، و «غريب الحديث» ، وهو السّابق إلى الجمع بينهما- فيما علمنا-، وله كتاب «ولاة هراة» رحمه الله تعالى.
قال في كتاب «الغريبين» : (سمّيت تلبينة لشبهها باللّبن؛ لبياضها ورقّتها) ، وهي تسمية بالمرّة من التّلبين؛ مصدر لبّن القوم: إذا سقاهم اللّبن.
(وهذا) التّلبين (هو الغذاء) بكسر الغين المعجمة؛ مثل كتاب: ما يغتذى به من الطّعام والشّراب (النّافع للعليل) ؛ أي: المريض، (وهو الرّقيق) - بالرّاء- (النّضيج) لأنّه ينفذ بسرعة، ويغذّي غذاء لطيفا، (لا الغليظ النّيء) مهموز وزان
стр. 1962
وإذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة.. فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها حساء يتّخذ من دقيق الشّعير.
وفي «الصّحيحين» : عن عائشة رضي الله تعالى عنها ...
«حمل» : كلّ شيء شأنه أن يعالج بطبخ أو شيّ ولم ينضج.
(وإذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة) ؛ أي: امتيازها على غيرها في التّغذية؛ (فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها) ؛ أي: التّلبينة (حساء) - بالحاء والسّين المهملتين- (يتّخذ) ؛ أي: يصنع (من دقيق الشّعير) بنخالته، والفرق بينها وبين ماء الشّعير: أنّه يطبخ صحاحا، والتّلبينة تطبخ منه مطحونا، وهي أنفع منه؛ لخروج خاصيّة الشّعير بالطّحن.
وللعادات تأثير في الانتفاع بالأدوية والأغذية، ومن أمثلتهم: داووا الأجساد بما تعتاد. وكانت عادة القوم أن يتّخذوا ماء الشّعير منه مطحونا؛ لا صحاحا وهو أكثر تغذية؛ وأقوى فعلا؛ وأعظم جلاء.
وإنّما اتّخذه أهل المدن صحاحا!! ليكون أرقّ وألطف. فلا يثقل على طبيعة المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها وثقل ماء الشّعير المطحون عليها.
والمقصود: أنّ ماء الشّعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا، ويجلو جلاء ظاهرا، ويغذّي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزيّة أكثر. انتهى «زاد المعاد» .
(و) أخرج البخاريّ ومسلم (في «الصّحيحين» ) : كتاب «الأطعمة والطّبّ» ؛
(عن) أمّ المؤمنين (عائشة) الصّدّيقة بنت الصّدّيق؛ زوج النّبيّ ﷺ (رضي الله تعالى عنها) أنّها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النّساء. ثمّ تفرّقن إلّا أهلها وخاصّتها أمرت ببرمة من تلبينة؛ فطبخت، ثم صنع
стр. 1963
قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «التّلبينة:
مجمّة لفؤاد المريض؛ تذهب ببعض الحزن» .
وروى التّرمذيّ وابن ماجه: عن عقبة بن عامر الجهنيّ ...
ثريد؛ فصبّت التّلبينة عليها، ثمّ (قالت:) كلن منها فإنّي (سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«التّلبينة) - بفتح المثنّاة الفوقيّة، وسكون اللّام، وكسر الموحّدة، بعدها تحتانيّة، ثم نون ثمّ هاء- (مجمّة) - بفتح الميمين، والجيم، والميم الثّانية مشدّدة، وتكسر الجيم، وبضمّ الميم وكسر الجيم؛ اسم فاعل، والأوّل أشهر، أي: مريحة- (لفؤاد المريض) - أي: تريح قلبه، وتسكّنه؛ وتقوّيه، وتزيل عنه الهمّ، وتنشّطه بإخمادها للحمّى؛ من الإجمام وهو الرّاحة، فلا حاجة لما تكلّفه بعض الأعاجم من تأويل الفؤاد، برأس المعدة. فتدبّر!!
(تذهب) - بفتح الفوقيّة، والهاء- (ببعض الحزن) - بضمّ الحاء المهملة وسكون الزّاي- فإنّ فؤاد المريض يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته؛ لقلّة الغذاء، وهذا الطّعام يرطّبها، ويقوّيها. ولذا كانت عائشة تفعله لأهل الميت؛ لتسكين حزنهم.
(وروى) الإمام أحمد و (التّرمذيّ وابن ماجه) في «الطّبّ» ، وقال التّرمذيّ: حسن غريب. وقال في «الأذكار» : فيه بكر بن يونس بن بكير، وهو ضعيف. وفي «الزوائد» : إسناده حسن، لأنّ بكر بن يونس مختلف فيه. وباقي رجال الإسناد ثقات. انتهى.
وكذا رواه الحاكم كلّهم؛ (عن) أبي حمّاد (عقبة بن عامر) بن عبس بن عمرو (الجهنيّ) نسبة لجهينة الصّحابيّ الجليل. كان من أحسن النّاس صوتا بالقرآن.
وشهد فتوح الشّام، وكان هو البريد إلى عمر بن الخطّاب ﵁ يبشّره
стр. 1964
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام والشّراب؛ فإنّ الله يطعمهم ويسقيهم» .
وكان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهل بيته..
بفتح دمشق. ووصل المدينة في سبعة أيّام، ورجع منها إلى الشّام في يومين ونصف، بدعائه عند قبر رسول الله ﷺ وتشفعّه به؛ في تقريب طريقه.
وسكن دمشق وكانت له دار في ناحية قنطرة «سنان» من «باب توما» وسكن مصر ووليها لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين.
وتوفّي بها سنة ثمان وخمسين هجرية.
روي له عن النّبي ﷺ خمسة وخمسون حديثا. اتّفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بتسعة.
روى عنه جابر بن عبد الله؛ وابن عبّاس؛ وغيرهما من الصّحابة وخلائق من التّابعين (رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكرهوا مرضاكم على) تناول (الطّعام والشّراب) إذا عافوه للمرض الذّي قام بهم.
قال الموفّق: ما أكثر فوائد هذه الكلمة النّبوية للأطّبّاء!! لأنّ المريض إذا عاف الطّعام أو الشّراب؛ فذلك لاشتغال طبيعته بمجاهدة مادّة المرض، أو سقوط شهوته لموت الحارّ الغريزيّ. وكيفما كان فإعطاء الغذاء في هذه الحالة غير لائق. انتهى شروح «الجامع الصّغير» . ولفظ: الشّراب ليس في رواية التّرمذيّ.
(فإنّ الله يطعمهم ويسقيهم» ) . قال «المناوي» : أي يحفظ قواهم، ويمدّهم بما يقع موقع الطّعام والشّراب في حفظ الرّوح، وتقويم البدن.
وقال العلقمي: أي: يشبعهم ويرويهم؛ من غير تناول طعام وشراب. انتهى.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهل بيته) - وفي رواية لمسلم: «من
стр. 1965
نفث عليه بالمعوّذات.
وفي «الصّحيحين» : عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم، ...
أهله» - (نفث) ؛ أي: نفخ (عليه) نفخا لطيفا، بلا ريق (بالمعوّذات) - بكسر الواو- وإنما خصّ المعوّذات!! لأنّهنّ جامعات للاستعاذة من كلّ مكروه جملة وتفصيلا، ففيها الاستعاذة من شرّ ما خلق؛ فيدخل فيه كلّ شيء، ومن شرّ النّفّاثات في العقد؛ وهنّ السّواحر، ومن شرّ حاسد إذا حسد، ومن شرّ الوسواس الخنّاس.
وفائدة التّفل: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء المباشر لريقه.
قال النّووي فيه استحباب النّفث في الرّقية، وعليه الجمهور من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم، وكان مالك ينفث إذا رقى نفسه، وكان يكره الرّقية بالحديد؛ والملح؛ والّذي يعقد؛ والّذي يكتب «خاتم سليمان» ؛ والعقد عنده أشدّ كراهة، لما في ذلك من مشابهة السّحر.
وفيه ندب الرّقية بنحو القرآن، وكرهه البعض بغسالة ما يكتب منه، أو من الأسماء. انتهى شروح «الجامع الصّغير» .
(و) أخرج البخاريّ ومسلم (في «الصّحيحين» ) من رواية نافع؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم» ) كذا في «المواهب» وتعقّبه الزرقاني: بأنّه لم يجده في واحد من «الصحيحين» بهذا اللّفظ!!
وإنّما الّذي في البخاريّ في «الطّبّ» ؛ من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء» . وفيه في «صفة جهنّم؛ من بدء الخلق» من رواية عبيد الله؛ عن نافع؛ عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فابردوها بالماء» بدل قوله «فأطفئوها» .