← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

......... وقال ﵊: «مررت على موسى ﵊ ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر؛ وهو قائم يصلّي في قبره» . وهذا صحيح «١» في إثبات الحياة لموسى؛ فإنّه وصفه بالصّلاة، وأنّه كان قائما، ومثل هذا لا توصف به الرّوح، وإنّما يوصف به الجسد. وفي تخصيصه بالقبر، فإنّ أحدا لم يقل: أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد، وأرواح الشّهداء والمؤمنين في الجنّة. وفي حديث ابن عبّاس: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكّة والمدينة، فمررنا بواد؛ فقال: «أيّ واد هذا؟» . فقلنا: وادي الأزرق، فقال: «كأنّي أنظر إلى موسى واضعا أصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله تعالى بالتّلبية، مارّا بهذا الوادي» . ثمّ سرنا حتّى أتينا على ثنيّة؛ فقال: «كأنّي أنظر إلى يونس على ناقة حمراء؛ عليه جبّة صوف، مارّا بهذا الوادي ملبّيا!!» . وسئل هنا: كيف ذكر حجّهم وتلبيتهم، وهم أموات، وهم في الآخرى، وليست دار عمل؟!. فأجيب بأن الشّهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجّوا ويصلّوا ويتقرّبوا بما استطاعوا، وأنّهم؛ وإن كانوا في الآخرى؛ فإنّهم في هذه الدّنيا الّتي هي دار العمل، حتّى إذا فنيت وأعقبتها الآخرى الّتي هي دار الجزاء انقطع العمل، هذا لفظ القاضي عياض؛ رحمه الله تعالى. فإذا كان القاضي عياض يقول: إنّهم يحجّون بأجسادهم؛ ويفارقون قبورهم، فكيف يستنكر مفارقة النّبي ﷺ لقبره!! فإنّ النّبي ﷺ إذا كان حاجّا، وإذا كان مصلّيا بجسده في السّماء؛ فليس مدفونا في القبر. قال الإمام الحافظ السّيوطي- رحمه الله تعالى-: فحصل من مجموع هذه النّقول والأحاديث: أنّ النّبي ﷺ حيّ بجسده وروحه،

стр. 2172

......... وأنّه يتصرّف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت، وهو بهيئته الّتي كان عليها قبل وفاته؛ لم يتبدّل منه شيء، وأنّه مغيّب عن الأبصار؛ كما غيّبت الملائكة، مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمّن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته الّتي هو عليها؛ لا مانع من ذلك، ولا داعي إلى التّخصيص برؤية المثال. انتهى كلام السّيوطي في كتاب «تنوير الحلك» ملخّصا. قال المصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني رحمه الله تعالى: وقد رأيت رسالة في حجم كرّاسة منسوبة للشّيخ نور الدّين علي الحلبي؛ سمّاها «تعريف أهل الإسلام والإيمان بأنّ محمّدا ﷺ لا يخلو منه مكان ولا زمان» . فممّا قاله فيها؛ بعد نقل كثير من كلام السّيوطي: قلت: وأمّا كلامنا والّذي نقوله- إن شاء الله تعالى-: إنّ الأمر كما قاله الجلال السّيوطي، وأخصّ من ذلك أنّ الّذي أراه أنّ جسده الشّريف لا يخلو منه زمان؛ ولا مكان، ولا محل، ولا إمكان، ولا عرش؛ ولا لوح، ولا كرسي؛ ولا قلم، ولا بحر؛ ولا بر، ولا سهل؛ ولا وعر، ولا برزخ؛ ولا قبر، كما أشرنا إليه أيضا. وأنّه امتلأ الكون الأعلى به كامتلاء الكون الأسفل به، وكامتلاء قبره به، فتجده مقيما في قبره؛ طائفا حول البيت؛ قائما بين يدي ربه لأداء الخدمة؛ تامّ الانبساط بإقامته في درجة الوسيلة. ألا ترى أنّ الرّائين له يقظة؛ أو مناما في أقصى المغرب يوافقون في ذلك الرّائين له كذلك في تلك السّاعة بعينها في أقصى المشرق!!؟ فمتى كان كذلك مناما كان في عالم الخيال والمثال، ومتى كان يقظة كان بصفتي الجمال والإجلال، وعلى غاية الكمال، كما قال القائل: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وأطال في ذلك بذكر الأدلّة. فراجعه في تلك الرّسالة، فهي بكمالها قد تضمنّها كتاب «جواهر البحار في فضائل النّبيّ المختار» للمصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني

стр. 2173

.. انتهى. وقد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ ﷺ في كتابي «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات» فمن شاء الزّيادة فليرجع إليه. رحمه الله تعالى آمين. (انتهى) . أي: كلام الباجوريّ رحمه الله تعالى ملخّصا. (وقد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ ﷺ يقظة ومناما (في كتابي) : «سعادة الدّارين في الصلاة على سيّد الكونين» ، وفي كتابي ( «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات» ) في موضعين منه: الأوّل: قبيل الفصل الخامس. والثّاني: في الكلام على الصّلاة السّادسة والأربعين؛ في ترجمة الشّيخ أبي المواهب الشّاذليّ رحمه الله تعالى. (فمن شاء الزّيادة) على ما هنا؛ (فليرجع إليه) ، أي: إلى كتاب «أفضل الصّلوات» ، وكذلك «سعادة الدّارين» ؛ فإنّه أتى فيها بما يشفي العليل، ويروي الغليل، واستوعب نقول العلماء في ذلك بما لم يوجد قبله مجموعا في كتاب، فجزاه الله خير الجزاء، ورحمه رحمة الأبرار. آمين.

стр. 2174

[الخاتمة] الخاتمة تشتمل على سبعين حديثا، أكثرها صحاح وحسان من أدعيته ﷺ . (الخاتمة) ، وهي- لغة-: آخر شيء، واصطلاحا-: اسم لألفاظ مخصوصة، دالّة على معان مخصوصة، جعلت آخر كتاب أو باب، (تشتمل) ؛ أي: تحتوي (على سبعين) - بتقديم السّين على الموحّدة- (حديثا) . الحديث- لغة-: ضدّ القديم، واصطلاحا-: ما أضيف إلى النّبيّ ﷺ من قول؛ أو فعل؛ أو تقرير؛ أو وصف خلقيّ. (أكثرها) أحاديث (صحاح) : جمع صحيح؛ ككريم وكرام. والحديث الصّحيح هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط ضبطا تامّا؛ عن العدل الضّابط ضبطا تامّا ... وهكذا إلى منتهاه؛ من غير شذوذ، ولا علّة قادحة. (وحسان) : جمع حسن؛ كجبل وجبال. والحديث الحسن هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط؛ عن العدل الضّابط إلى منتهاه، من غير شذوذ؛ ولا علّة قادحة. فهو على هذا مساو للصّحيح في شروطه، إلّا في الحفظ والضّبط، فإنّ رجال الصّحيح في غاية الحفظ والضّبط؛ وإن كان رجال الحسن يشترط فيهم الحفظ والضّبط، ولكن دون ضبط رجال الصحيح. (من أدعيته ﷺ ، وهذه الخاتمة مشرع الظمان إلى موارد الكرم العذبة، ومفزع الحيران إذا ألمت به الضّائقة وحصرته الكربة، فبالدّعاء يتوسّل إلى الله تعالى في مطالب الدّنيا والآخرة، ويتوصّل إلى النّعم الوافية والخيرات الوافرة، كيف لا؛ وقد أمرنا الرّبّ العظيم بالدّعاء والإنابة!! ووعدنا؛ وهو الوافي الكريم بالقبول

стр. 2175

......... والإجابة!! وترادفت بفضله الأخبار الصّحيحة، وجاءت بشرفه الآثار الصّريحة؛ على ما ستقف على ذلك إن شاء الله تعالى واضحا، وتعوّل عليه مقيما وظاعنا؛ وغاديا ورائحا، فلازمه في سائر أحوالك، وتعاهده في بكرك وآصالك، فستجني منه إن شاء الله تعالى ثمار غرسك، وتجد حلاوة ذلك في قلبك، وأنسه في نفسك. تقبّل الله منّا ومنك؛ وفينا وفيك صالح الدّعوات، وجعلنا وإيّاك ممن اعتمد على كرمه ومنّته في الحركات والسّكنات، ووفّقنا للتّضرّع والسّكون إلى فضله، وعاملنا بما هو من أهله؛ لا ما نحن من أهله. آمين. واعلم- رحمك الله تعالى- أنّه عندنا معاشر أهل السّنّة: أنّ الدّعاء ينفع الأحياء والأموات؛ إن دعوت لهم، ويضرّهم إن دعوت عليهم؛ وإن صدر من كافر- على الرّاجح- لحديث أنس رضي الله تعالى عنه: «دعوة المظلوم مستجابة؛ ولو كافرا» . وأمّا قوله تعالى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٥٠) [غافر] . فمعناه أنّه لا يستجاب لهم في خصوص الدّعاء بتخفيف عذاب جهنّم عنهم يوم القيامة. وروى الحاكم- وصحّحه- أنّه ﷺ قال: «لا يغني حذر من قدر، والدّعاء ينفع ممّا نزل؛ وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل ويتلقّاه الدّعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة» . والدّعاء ينفع في القضاء المبرم والقضاء المعلق. أمّا الثّاني: فلا استحالة في رفع ما علّق رفعه منه على الدّعاء، ولا في نزول ما علّق نزوله منه على الدّعاء. وأمّا الأوّل: فالدّعاء؛ وإن لم يرفعه؛ لكنّ الله تعالى ينزل لطفه بالدّاعي، كما إذا قضى عليه قضاء مبرما؛ بأنّه ينزل عليه صخرة، فإذا دعا الله تعالى حصل له اللّطف؛ بأن تصير الصّخرة متفتّتة كالرّمل وتنزل عليه.

стр. 2176

......... وانقسام القضاء؛ إلى مبرم ومعلّق!! ظاهر بحسب اللّوح المحفوظ. وأمّا بحسب العلم!! فجميع الأشياء مبرمة، لأنّه إن علم الله حصول المعلّق عليه حصل المعلّق؛ ولا بدّ. وإن علم الله عدم حصوله لم يحصل؛ ولا بدّ. لكن لا يترك الشّخص الدّعاء اتّكالا على ذلك، كما لا يترك الأكل اتّكالا على إبرام الله الأمر في الشّبع. واعلم: أنّ للدّعاء شروطا وآدابا؛ فمن شروطه: ١- أكل الحلال، و ٢- أن يدعو؛ وهو موقن بالإجابة، و ٣- ألايكون قلبه غافلا، و ٤- ألايدعو بما فيه إثم؛ أو قطيعة رحم؛ أو إضاعة حقوق المسلمين، و ٥- ألايدعو بمحال؛ ولو عادة، لأنّ الدّعاء به يشبه التّحكّم على القدرة القاضية بدوامها، وذلك إساءة أدب على الله تعالى. ومن آدابه: ١- أن يتخيّر الأوقات الفاضلة؛ كأن يدعو في السّجود، وعند الأذان والإقامة، ومنها: ٢- تقديم الوضوء؛ والصّلاة، و ٣- استقبال القبلة، و ٤- رفع الأيدي إلى جهة السّماء، و ٥- تقديم التّوبة، و ٦- الاعتراف بالذّنب، و ٧- الإخلاص، و ٨- افتتاحه بالحمد، و ٩- الصّلاة على النّبي ﷺ ، و ١٠- ختمه بها، و ١١- جعلها في وسطه أيضا. قال ابن عطاء الله السّكندري: واعلم أنّ للدّعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا. قال: فإن وافق أركانه: قوي، وإن وافق أجنحته: طار في السّماوات، وإن وافق مواقيته: فاز، وإن وافق أسبابه: نجح. فأركانه: ١- حضور القلب، و ٢- الرّقة، و ٣- الاستكانة، و ٤- الخشوع، و ٥- تعلّق القلب بالله، و ٦- قطعه من الأسباب. وأجنحته: الصّدق. ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصّلاة على النّبي ﷺ . انتهى.

стр. 2177

وقد ذكرت في الخطبة أنّها خمسون، وظهرت لي الزّيادة بعد فزدتها، وذكرت أسماء مخرّجيها برمز «الجامع الصّغير» ؛ لأنّ أكثرها موجودة فيه، وفي «كتاب المصابيح» . وقد قسمتها قسمين: واعلم أنّ الإجابة: تتنوّع؛ ١- فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، و ٢- تارة يقع؛ ولكن يتأخّر لحكمة فيه، و ٣- تارة تقع الإجابة بغير المطلوب؛ حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة؛ وفي ذلك الغير أصلح منها. على أنّ الإجابة مقيّدة بالمشيئة، كما يدلّ عليه قوله تعالى، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [٤١/ الأنعام] فهو مقيّد لإطلاق الآيتين الآخريين، وهما قوله تعالى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] وقوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [١٨٦/ البقرة] . فالمعنى: ادعوني أستجب لكم إن شئت، وأجيب دعوة الدّاع إن شئت، والله أعلم. (وقد ذكرت في الخطبة) المتقدّمة في أوّل هذا الكتاب (أنّها خمسون) حديثا، (وظهرت لي الزّيادة بعد) - بالبناء على الضمّ؛ لنيّة معنى المضاف-؛ أي: بعد ذلك، (فزدتها) إلى أن بلغت سبعين حديثا، (وذكرت أسماء مخرّجيها) ؛ أي: رواتها، مرموزا لهم (برمز: «الجامع الصّغير» ) ؛ أي: إشاراته الدّالة على رواة الحديث من أهل الأثر، فإنّ الرّمز: الإشارة بعين أو حاجب أو غيرها، وأصله التّحرّك، ثمّ توسّع فيه المصنّف؛ فاستعمله في الإشارة بالحروف الّتي اصطلح عليها في العزو إلى المخرجين؛ تبعا لغيره. وإنّما اختار رموز «الجامع الصّغير» !! (لأنّ أكثرها) أي: هذه الأحاديث السبعين (موجودة فيه) ؛ أي: في «الجامع الصغير» (و) موجودة (في كتاب «المصابيح» ) للإمام محيي السّنّة البغويّ- رحمه الله تعالى-. (وقد قسمتها قسمين) ؛ أي: رتّبتها على قسمين:

стр. 2178

الأوّل: استعاذات. والثّاني: دعوات. معتبرا أوّل الحديث: إن كان استعاذة.. جعلته في القسم الأوّل، وإن كان دعاء.. جعلته في القسم الثّاني، ... القسم (الأوّل: استعاذات) جمع «استعاذة» ، وهي مصدر «استعاذ» ، بزيادة السّين والتّاء اللّتين هما للطّلب؛ والاستعاذة؛ والتعوّذ، وما تصرّف منها كلّها معناها واحد: وهو الالتجاء والاعتصام. (و) القسم (الثّاني: دعوات) - بفتح الدّال، والعين، المهملتين- جمع دعوة- بفتح أوّله-: مصدر يراد به الدّعاء، وهو هنا السّؤال، يقال: دعوت الله، أي: سألته. وفي «شرح الأسماء الحسنى» للقشيري ما ملخّصه: الدّعاء جاء في القرآن على وجوه: ١- منها العبادة؛ نحو وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [١٠٦/ يونس] . و٢- منها الاستعانة؛ نحو وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ [٢٣/ البقرة] . و٣- منها السّؤال؛ نحو ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] . و٤- منها القول؛ نحو دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ [١٠/ يونس] . و٥- منها النّداء؛ نحو يَوْمَ يَدْعُوكُمْ [٥٢/ الإسراء] . و٦- منها الثّناء؛ نحو قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [١١٠/ الإسراء] . انتهى. (معتبرا) ؛ أي: مراعيا في كونها دعوة؛ أو استعاذة (أوّل الحديث) ، أي: الحرف الأول منه. (إن كان) أوّل الحديث (استعاذة؛ جعلته في القسم الأوّل) ، أي: قسم الاستعاذات؛ ولو كان مشتملا على دعاء بعد الاستعاذة، فإنّ الاعتبار إنّما هو بأوّل الحديث. (وإن كان) أوّل الحديث (دعاء؛ جعلته في القسم الثّاني) أي: قسم الدّعوات.

стр. 2179

وافتتحتها بالدّعوات القرآنيّة؛ لأنّها كلام الله تعالى. وتقدّم أنّه ﷺ كان خلقه القرآن، ... (وافتتحتها) أي: هذه الأدعية؛ أي: ابتدأتها (بالدّعوات القرآنيّة) ؛ أي: الأدعية الّتي في القرآن، (لأنّها كلام الله تعالى) . و «القرآن» : يطلق على كلّ من النّفسي واللّفظي؛ والأكثر إطلاقه على اللّفظي. وأمّا «كلام الله تعالى» فيطلق أيضا على كلّ من اللّفظي والنّفسي؛ والأكثر إطلاقه على النّفسي، بمعنى أنّه صفة قديمة قائمة بذاته تعالى. وإطلاقه على اللّفظي؛ بمعنى أنّه ليس لأحد في تركيبه كسب. وعلى الإطلاق اللّفظي يحمل قول السّيّدة عائشة «ما بين دفّتي المصحف كلام الله تعالى» . وإطلاق «كلام الله» عليهما!! قيل: بالاشتراك، وقيل: حقيقيّ في النّفسي، مجاز في اللّفظي «١» ، وعلى كلّ؛ من أنكر أنّ ما بين دفّتي المصحف كلام الله تعالى فقد كفر. إلّا أنّ يريد أنّه ليس هو الصّفة القائمة بذاته تعالى؛ ومع كون اللّفظ الّذي نقرؤه حادثا لا يجوز أن يقال «القرآن حادث» إلّا في مقام التّعليم، لأنّه يطلق على الصّفة القائمة بذاته تعالى أيضا مجازا- على الرّاجح- «٢» ، فربّما يتوهّم من إطلاق أنّ القرآن حادث أنّ الصّفة القائمة بذاته حادثة، ولذلك ضرب الإمام أحمد ابن حنبل؛ وحبس على أن يقول بخلق القرآن فلم يرض؛ قاله الباجوري، رحمه الله تعالى. (وتقدّم) في الباب الخامس (أنّه ﷺ كان خلقه) - بضمتين- (القرآن) يرضى لرضاه ويغضب لغضبه.

стр. 2180

وهي خارجة عن العدد المذكور. رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧] . رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ... رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قال البيضاوي: أي: خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإنّ كلّ ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه قد تحلّى به ﷺ ؛ وكلّ ما استهجنه ونهى عنه تجنّبه وتخلّى عنه، فكأنّ القرآن بيان خلقه. انتهى. (وهي) ، أي: الدّعوات القرآنية (خارجة) ؛ أي: زائدة (عن العدد المذكور) ؛ أي: غير داخلة في حساب السّبعين حديثا. * قال الله في سورة البقرة (رَبَّنا) ؛ أي: يا ربنا (تَقَبَّلْ مِنَّا) ما عملنا لك، وتقبّل طاعتنا إياك وعبادتنا لك (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لدعائنا (الْعَلِيمُ) بنيّاتنا، وهذا وإن كان واردا في بناء إبراهيم الكعبة؛ لكنّه يطلب الإتيان به بعد كلّ عمل صالح يفعله المسلم. قال الإمام النوويّ في «الأذكار» : يستحبّ لمن دفع زكاة، أو صدقة، أو نذرا، أو كفارة أو نحو ذلك، أن يقول رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) [البقرة] . فقد أخبر الله بذلك عن إبراهيم وإسماعيل صلّى الله عليهما وسلم، وعن امرأة عمران. انتهى. * وقال تعالى في سورة البقرة أيضا (رَبَّنا) يا ربنا (آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) نعمة؛ كالعافية، والزّوجة الحسنة، والدّار الواسعة، وغير ذلك مما يعين على الدّار الآخرة؛ فكلّ أمر في الدّنيا يوافق الطّبع ويعين على الدّار الآخرة فهو من حسنات الدنيا (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) هي الجنّة؛ أي: دخولها بسلام، بحيث يموت على الإسلام، ولا يلحقه حساب ولا عذاب، ويرى وجه الله الكريم. وهذا أحسن ما فسّر به حسنة الدّنيا والآخرة، وهو معنى قوله في الحديث

стр. 2181

وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١] . رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٥٠] . لعائشة: «سلى الله العافية في الدّارين» . (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) بعدم دخولها أصلا، فلا ندخلها ولا نراها. وهو من عطف اللّازم على الملزوم. قال الشّيخ عماد الدّين ابن كثير: الحسنة في الدّنيا تشمل كلّ مطلوب دنيويّ؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بارّ، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيّ، وثناء جميل ... إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم؛ فإنّها كلّها مندرجة في الحسنة في الدّنيا. وأما الحسنة في الآخرة!! فأعلاها دخول الجنّة وتوابعه؛ من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة. وأمّا الوقاية من عذاب النّار!! فهو يقتضي تيسير أسبابه من اجتناب المحارم وترك الشّبهات. انتهى ذكره ابن علان في «شرح الأذكار» . * وقال تعالى في سورة البقرة (رَبَّنا أَفْرِغْ) : اصبب (عَلَيْنا صَبْراً) كصبّ الماء على الأرض الجرز (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) بتقوية قلوبنا على الجهاد، فالمراد ب «تثبيت الأقدام» كمال القوّة، والرّسوخ عند المقارعة، وعدم التّزلزل عند المقاومة، وليس المراد تقرّرها في مكان واحد (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) : أعنّا عليهم. وفيه ترتيب بليغ؛ حيث وقع أوّلا سؤال إفراغ الصّبر على القلوب الّذي هو ملاك الأمر، ثمّ ثبات القدم في مداحض الحرب المسبّب عنه، ثمّ النّصر على العدوّ المترتّب عليهما غالبا.

стр. 2182

سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] . رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ... * وقال تعالى في سورة البقرة (سَمِعْنا) ما أمرنا به سماع قبول، وفيه تعريض بالردّ على من قال: سمعنا وعصينا. (وَأَطَعْنا) ؛ أي: انقدنا للطّاعة؛ ولو بالعزم عليها. نسألك (غُفْرانَكَ) . ومعنى الغفران: ستر الذّنوب؛ كبيرها وصغيرها، جليّها وخفيّها. فالإنسان يطلب المغفرة؛ ولو في حالة الطّاعة؛ بسبب ما يطرأ عليها من العجب وحبّ المحمدة، وغير ذلك من الآفات الّتي تذهبها، فالعارف لا يعتمد على أعماله أبدا، وعلامة ذلك كونه يجدّد التّوبة والاستغفار، ولو كان متلبّسا بأكبر الطّاعات. * (رَبَّنا) ؛ أي: يا ربّنا منك مبدؤنا (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (٢٨٥) : المرجع بالبعث. (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا) : لا تعاقبنا، وهو تعليم من الله لعباده كيفيّة الدّعاء، وهذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطّلب ليعطيهم المطلوب. وجاء بالمفاعلة، وهو فعل واحد؛ وهو الله!! لأنّ المسيء قد أمكن من نفسه وطرق السّبيل إليها بفعله، فكأنّه أعان من يعاقبه بذنبه، ويأخذ به على نفسه؛ فحسنت المفاعلة. (إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) ؛ أي: تركنا الصّواب لا عن عمد؛ كتأخير الصّلاة عن وقتها في حال الغيم؛ جهلا بالوقت، وكقتل الخطأ، فلا تؤاخذنا يا ربّنا بذلك كما آخذت به من قبلنا. قيل: كان بنو إسرائيل إذا نسو شيئا مما أمروا به أو أخطأوا؛ عجّلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شيء ممّا كان حلالا لهم؛ من مطعم، أو مشرب- على حسب ذلك الذّنب- فأمر الله المؤمنين أن يسألوا رفع مؤاخذتهم بالخطأ والنّسيان، وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمّة المحمّدية، كما ورد في الحديث، وهو قوله ﷺ : «رفع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه» .

стр. 2183

ربّنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا ... فالقصد من سؤال هذا الرّفع وطلبه الإقرار والاعتراف بهذه النّعمة، أي: إظهارها والتّحدّث بها على حدّ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [الضحى] . (رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا) معطوف على لا تُؤاخِذْنا، وتوسيط النّداء [ربنا] «١» بين المتعاطفين!! لإظهار مزيد الضّراعة والالتجاء إلى الرّب الكريم، وكذا يقال في قوله وَلا تُحَمِّلْنا؛ فهو معطوف على لا تُؤاخِذْنا إلى آخر ما تقدّم. (إِصْراً) : أمرا يثقل علينا حمله. وفي «أبي السّعود» : الإصر: العناء الثّقيل الّذي يأصر صاحبه؛ أي: يحبسه مكانه، والمراد به: التّكاليف الشّاقة. وفي «السّمين» : الإصر- في الأصل-: الثّقل والشّدّة، ويطلق على العهد والميثاق لثقلهما، كقوله تعالى وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [٨١/ آل عمران] ؛ أي: عهدي وميثاقي وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [١٥٧/ الأعراف] ؛ أي: التّكاليف الشّاقة، ويطلق على كل ما يثقل على النّفس؛ كشماتة الأعداء. (كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) ؛ أي: بني إسرائيل. ومن الإصر الّذي حملوه قتل النّفس في التّوبة، فإنّهم لمّا عبدوا العجل كانت توبتهم قتل طائعهم العاصي منهم، وأما توبتنا؛ فالنّدم. ومن ذلك إخراج ربع المال في الزّكاة ... وأمّا الزّكاة في هذه الأمّة؛ فربع العشر في النّقدين، والعشر؛ أو نصفه في الحبوب. ومن ذلك قرض «٢» موضع النّجاسة من الثّوب والبدن.

стр. 2184

رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] . ومن ذلك أنّ من ارتكب منهم الخطيئة تصبح خطيئته مكتوبة على بابه، وغير ذلك من التّكاليف الشّاقة الّتي رفعها الله عن هذه الأمّة بفضله ورحمته، فله الحمد والمنّة. (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ) : قدرة (لَنا بِهِ) من التّكاليف والبلاء، فلم يكلّفنا بالحجّ من غير استطاعة؛ مثلا، ولا بالصّلاة من قيام، مع كونه مريضا لا يقدر عليه، ولا باستعمال الماء مع عدم القدرة عليه، وقد كان ينزل بمن قبلنا الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع والدّم والصّيحة والخسف والمسخ، وغير ذلك من أنواع البلايا العامة الّتي لا تبقي ولا تذر. (وَاعْفُ عَنَّا) : امح ذنوبنا من الصّحف (وَاغْفِرْ لَنا) ؛ أي: استر ذنوبنا عن أعين المخلوقات، (وَارْحَمْنا) في الرّحمة زيادة عن المغفرة؛ لأنّ الرّحمة الإحسان، وهي تشمل المغفرة الّتي هي غفر الذّنوب، وإيصال النّعم في الدّنيا والآخرة. (أَنْتَ مَوْلانا) : سيدنا، ومتولّي أمورنا، (فَانْصُرْنا) . أتى هنا بالفاء!! إعلاما بالسّببيّة، لأنّ الله تعالى لما كان مولاهم ومالك أمورهم، وهو مدبّرهم، تسبّب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم، كقولك «أنت الجواد فتكرّم علي» و «أنت البطل؛ فاحم حومتك» . (عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) [البقرة] ) ، بإقامة الحجّة والغلبة في قتالهم، فإنّ من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء. والحكمة في زيادة قوله «القوم» ولم يقل «الكافرين» !! لأنّه لا يلزم من النّصرة على أفراد الكفّار النّصرة على الهيئة المجتمعة؛ لأنّ الشّخص قد يكون غالبا على كلّ أحد؛ ولا يكون غالبا على المجموع.

стр. 2185

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨] . رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: ١٦] . رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ ... وفي الحديث: لمّا نزلت هذه الآية؛ فقرأها ﷺ ، قيل له عقب كلّ كلمة: قد فعلت. رواه مسلم، أي: قال الله له عقب كل كلمة من كلمات الدّعوات، وهي سبع، أوّلها: لا تؤاخذنا، وآخرها: فانصرنا على القوم الكافرين، فيكون قوله: «قد فعلت» وقع سبع مرّات، والمراد: قد أجبت دعاءك ومطلوبك. * وقال تعالى في سورة آل عمران (رَبَّنا لا تُزِغْ) : لا تمل (قُلُوبَنا) عن الحقّ (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) ؛ أي: أرشدتنا إليه، أي: بعد وقت هدايتك إيّانا (وَهَبْ لَنا) ؛ أي: أعطنا (مِنْ لَدُنْكَ) : من عندك (رَحْمَةً) ؛ تثبيتا على الحقّ، (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) الّذي تعطي النّوال قبل السّؤال. وفيه دليل على أنّ الهدى والضّلال من الله تعالى، وأنّه متفضّل بما ينعم به على عباده؛ أي: لا يجب عليه شيء. أي: لأنّه وهّاب. * وقال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا) : صدّقنا بك وبرسولك؛ إجابة لدعوتك، (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) ؛ إنجازا لوعدك، (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) بفضلك. وفي ترتيب هذا السّؤال على مجرّد الإيمان دليل على أنّه كاف في استحقاق المغفرة، وفيه ردّ على أهل الاعتزال، لأنّهم يقولون: إنّ استحقاق المغفرة لا يكون بمجرّد الإيمان. * وقال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنا آمَنَّا) : صدّقنا (بِما أَنْزَلْتَ

стр. 2186

وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٥٣] . رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [آل عمران: ١٤٧] . رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ... وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ) ؛ أي: امتثلنا ما أتى به منك إلينا (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) ، لك بالوحدانيّة، ولرسولك بالصّدق؛ أي: أثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به. * وقال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) صغائرنا (وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا) ؛ أي: تجاوزنا الحدّ في ارتكاب الكبائر. (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) عند جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا، وإمدادنا بالمدد الرّوحاني من عندك، (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) بالغلبة؛ وقدّم الدّعاء بالمغفرة على طلب تثبيت الأقدام، وعلى طلب النّصر على الأعداء!! تقريبا له إلى حيّز القبول، فإنّ الدّعاء المقرون بالخضوع الصّادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة. * وقال تعالى في أواخر سورة آل عمران (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا) الإشارة إلى السّماوات والأرض، لما أنّهما باعتبار تعلّق الخلق بهما في معنى المخلوق. والعدول عن الضّمير إلى اسم الإشارة!! للإشارة إلى أنّها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتنى بكمال تمييزها؛ استعظاما لها. (باطِلًا) : عبثا، كأنّه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب عبثا وضائعا؛ من غير حكمة، بل خلقته لحكم عظيمة، من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببا لمعاشه، ودليلا يدلّه على معرفتك، ويحثّه على طاعتك، لينال الحياة الأبديّة، والسّعادة السّرمديّة في جوارك.

стр. 2187

سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١] . رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ... وقوله «باطلا» ، حال من المفعول به، وهو هذا، وهو الأحسن في إعرابه، وهي حال لا يستغنى عنها، إذ لو حذفت للزم نفي الخلق؛ وهو لا يصحّ، كما في قوله تعالى وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) [الدخان] . (سُبْحانَكَ) ؛ تنزيها لك عن الوصف بخلق الباطل؛ (فَقِنا عَذابَ النَّارِ) ؛ تعليم لعباده كيفية الدّعاء، فمن أراد أن يدعو فليقدّم الثّناء على الله أوّلا، ويدلّ عليه قوله سُبْحانَكَ، وبعد ذلك الثّناء يأتي بالدّعاء، ويدلّ عليه قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ. * (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً) ؛ أي: داعيا، وهو على حذف مضاف؛ أي: نداء مناد (يُنادِي) : يدعو النّاس (لِلْإِيمانِ) . قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وأكثر المفسّرين: المنادي هو محمّد ﷺ . ويدلّ على صحّة هذا قوله تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [١٢٥/ النحل] . وقوله وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [٤٦/ الأحزاب] . وقال محمد بن كعب القرظي: المنادي هو القرآن؛ قال: إذ ليس كلّ أحد لقي النّبيّ ﷺ . ووجه هذا القول: أنّ كلّ أحد يسمع القرآن ويفهمه، فإذا وفّقه الله تعالى للإيمان به فقد فاز به، وذلك لأنّ القرآن مشتمل على الرّشد والهدى وأنواع الدّلائل الدّالة على الوحدانيّة؛ فصار كالدّاعي إليها، فعلى القول الأوّل: إسناد النّداء إليه حقيقيّ، وعلى القول الثّاني: إسناد النّداء إليه مجازي، واللّام في لِلْإِيمانِ بمعنى «إلى» ؛ يعني: ينادي إلى الإيمان. (أَنْ) ؛ أي: بأن آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) ؛ أي: صدّقوا بأنّه يجب له كل

стр. 2188

فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: ١٩٣- ١٩٤] . رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ... كمال، ويستحيل عليه كلّ نقص، (فَآمَنَّا) به. (رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) ؛ أي: كبائر ذنوبنا (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا) : صغائر ذنوبنا، (وَتَوَفَّنا) : اقبض أرواحنا (مَعَ) : في جملة (الْأَبْرارِ) : الأنبياء والصّالحين، أي: احشرنا معهم واجعلنا في زمرتهم، (رَبَّنا) حقّق لنا ما ذكر، (وَآتِنا) : أعطنا (ما وَعَدْتَنا) به (عَلى) ألسنة (رُسُلِكَ) من الرّحمة والفضل، أي: ربّنا اجعلنا ممّن يستحقّ ثوابك، وتؤتيهم ما وعدتهم به على ألسنة رسلك، لأنّا لم نتيقّن استحقاقنا لتلك الكرامة، فنسألك أن تجعلنا مستحقّين لها. وتكرير لفظ رَبَّنا مبالغة في التّضرّع، ولما قيل: إنّه الاسم الأعظم. وعن جعفر الصّادق: من حزبه أمر؛ فقال خمس مرّات «ربّنا» ، أنجاه الله ممّا يخاف، وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك!؟ قال: اقرأوا قوله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.... وهي من أوراد الصّالحين تقرأ إلى آخر السّورة عند الاستيقاظ من النّوم، فمن لازم عليها تحقّق بما فيها، وحصل له ثواب من قام اللّيل؛ قاله الصّاوي. (وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) ظرف لقوله وَلا تُخْزِنا؛ أي: لا تفضحنا في ذلك اليوم؛ لأنّ الإنسان ربّما يظن أنّه على عمل ويبدو له في الآخرة ما لم يكن في حسبانه؛ فيفتضح، فلا تكرار فيه مع قوله وَقِنا عَذابَ النَّارِ. (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) مصدر بمعنى الوعد بالبعث والجزاء. * وقال تعالى في سورة الأعراف (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) : أضررناها بمخالفة أمرك

стр. 2189

وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩] . رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [الأعراف: ١٢٦] . رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ... وطاعة عدوّنا وعدوّك، فإن لم تتب علينا نستمرّ عاصين (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا) : تمح ما عملناه عينا وأثرا، (وَتَرْحَمْنا) فتعلي درجاتنا؛ (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) في الأرض. * وقال تعالى في سورة الأعراف أيضا (رَبَّنَا افْتَحْ) : احكم (بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا) : الكفّار؛ (بِالْحَقِّ) : بالعدل الّذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) : الحاكمين. * (رَبَّنا أَفْرِغْ) : اصبب (عَلَيْنا صَبْراً) كاملا تامّا، (وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [الأعراف] ) ؛ أي: اقبضنا على دين الإسلام ثابتين عليه غير مفتونين. وفي الآية فوائد؛ الأولى: أنّ التعبير ب أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أكمل من التّعبير ب «أنزل علينا صبرا» ؛ لأنّ إفراغ الإناء هو صبّ ما فيه بالكليّة، فكان المطلوب من الله تعالى كلّ الصّبر؛ لا بعضه. الثانية: أنّ لفظ صَبْراً مذكور بصيغة التّنكير، وذلك يدلّ على تمام الكمال، أي: صبرا تامّا كاملا. الثّالثة: أنّ ذكر الصّبر من قيل الدّاعي ومن أعماله، ثمّ إنّه مطلوب من الله تعالى؛ وذلك يدلّ على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه. * وقال تعالى في سورة يونس (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ؛ أي: لا تظهرهم علينا فيظنّوا أنّهم على الحقّ فيفتتنوا بنا، لأنّك لو سلّطتهم علينا لوقع في

стр. 2190

وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [يونس: ٨٥- ٨٦] . رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ [هود: ٤٧] . فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ... قلوبهم أن لو كنا على الحقّ لما سلّطهم الله علينا؛ فيصير ذلك شبهة قويّة في إصرارهم على كفرهم؛ فيصير تسلّطهم علينا فتنة لهم. (وَنَجِّنا) : خلصنا (بِرَحْمَتِكَ) ؛ أي: إحسانك وإنعامك، (مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) الجاحدين لآياتك. * وقال تعالى في سورة هود (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) من (أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) بصحّته، هل هو صواب أو لا!! (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) ما فرط منّي، (وَتَرْحَمْنِي) برحمتك الّتي وسعت كلّ شيء (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) أعمالا. * وقال تعالى في سورة يوسف (فاطِرَ) ؛ أي: يا فاطر (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ؛ أي: خالقهما، (أَنْتَ وَلِيِّي) ؛ أي: متولّي مصالحي (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً) ؛ أي: اقبضني إليك مسلما (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) بعامّتهم في الرّتبة والكرامة. * وقال تعالى في سورة إبراهيم (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) : مواظبا عليها بشروطها وأركانها وآدابها، وَاجعل (مِنْ ذُرِّيَّتِي) ، من يقيمها؛ (رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) بإثبات الياء وصلا ووقفا، وحذفها كذلك، قراءتان سبعيتان، أي: استجب دعائي.

стр. 2191

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [إبراهيم: ٤٠- ٤١] . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [نوح: ٢٨] . ورَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء: ٢٤] . رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ... (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ) : أبي وأمي (وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ) : يوجد (الْحِسابُ) . * وقال تعالى (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ) ؛ هذا مأخوذ من [٢٨] سورة نوح، وهو توطئة لقوله: (رَبِّ ارْحَمْهُما كَما) رحماني حين (رَبَّيانِي صَغِيراً) ؛ لأنه مأخوذ من سورة الإسراء. ولفظ الآية في الإسراء* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) انتهى. والمصنف قدّم قوله رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ. المأخوذ من سورة نوح توطئة؛ ليكون عود الضّمير على مذكور؛ وعطف على ذلك آية الإسراء، وهو صنيع حسن. * وقال تعالى في سورة الإسراء (رَبِّ أَدْخِلْنِي) في كلّ مقام تريد إدخالي فيه، حسّيّ ومعنويّ؛ دنيا وأخرى (مُدْخَلَ صِدْقٍ) يستحقّ الدّاخل فيه أن يقال له: أنت صادق في قولك وفعلك، فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها. (وَأَخْرِجْنِي) من كلّ ما تخرجني منه، (مُخْرَجَ صِدْقٍ) والمدخل والمخرج- بالضمّ- مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، فهما كالمجرى

стр. 2192

وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: ٨٠] . رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الكهف: ١٠] . قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه: ٢٥- ٢٦] . والمرسى، ومعنى إضافة «المدخل» و «المخرج» إلى الصدق مدحهما؛ كأنّه سأل الله تعالى إدخالا حسنا، وإخراجا حسنا لا يرى فيهما ما يكره. (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) ؛ أي: عندك، (سُلْطاناً نَصِيراً) : حجّة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالف الحقّ. قال الألوسي: المراد من السّلطان كلّ ما يفيد الغلبة على أعداء الله تعالى، ويفيد ظهور دينه جلّ شأنه، هذا هو الحقّ ووصف السّلطان ب «نصيرا» للمبالغة. انتهى. * وقال تعالى في سورة الكهف (رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ) من عندك (رَحْمَةً) توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو، وفي ذلك مِنْ لَدُنْكَ إيماء إلى أنّ ذلك من باب التّفضّل؛ لا الوجوب، فكأنّهم قالوا ربنا تفضّل علينا برحمة؛ (وَهَيِّئْ) : أصلح أو يسّر (لَنا مِنْ أَمْرِنا) الّذي نحن عليه. (رَشَداً) هداية وتثبيتا على الإيمان، وتوفيقا للأعمال الصّالحة، وانقطاعا عن الاشتغال بالدّنيا، وزهدا فيها. * وقال تعالى في سورة طه (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) ؛ أي: وسّعه للحقّ وتحمّل المشاقّ؛ بأن تجعله بحيث لا أضجر ولا أقلق ممّا يقتضي بحسب البشريّة؛ الضّرّ والقلق من الشّدائد. وفي الرّاغب: إنّ شرح الصّدر بسطه بنور إلهيّ، وسكينة من جهة الله تعالى، وروح منه . (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) : ما أمرتني به، والتّعبير بذلك آكد من: اشرح صدري ويسّر أمري. لأنّه تكرير للمعنى من طريقي الإجمال والتّفصيل؛ لأنّه يقول: اشرح لي ويسر لي، علم أنّ «ثمّ» مشروحا وميسّرا. ثمّ رفع الإبهام بذكر الصّدر والأمر.

стр. 2193

رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤] . أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣] . لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] . * وقال تعالى في سورة طه أيضا (رَبِّ) أيّها المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ؛ (زِدْنِي عِلْماً) ، فإنّه الموصل إلى المطلوب. أخرج التّرمذي وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ؛ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كلّ حال» . وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد؛ عن ابن مسعود أنّه كان يدعو: «اللهمّ؛ زدني إيمانا وفقها ويقينا وعلما» . وما هذا إلّا لزيادة فضل العلم. وفضله أظهر من أن يذكر؛ نسأل الله تعالى أن يرزقنا الزّيادة فيه، ويوفّقنا للعمل بما يقتضيه. آمين. * وقال تعالى في سورة الأنبياء (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) : الشّدّة (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ؛ أي: أنت أعظم رحمة من كلّ من يتّصف بالرّحمة في الجملة، وإلّا فلا راحم في الحقيقة سواه؛ جلّ شأنه وعلاه. ولا يخفى ما في وصفه تعالى بغاية الرّحمة بعد ما ذكر الدّاعي نفسه بما يوجبها؛ مكتفيا بذلك عن التّضرع بالمطلوب من استمطار سحائب الرّحمة على ألطف وجه، وكونه سبحانه «ضارّا» لا ينافي كونه «نافعا» ، بل هو الضّار النّافع، فإضراره ليس لدفع مشقّة، ونفعه ليس لجلب منفعة، بل لا يسأل عمّا يفعل. * وقال تعالى في سورة الأنبياء أيضا (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ) ؛ أي: تنزّهت عن كلّ نقص (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) أنفسهم بتعريضها للهلكة

стр. 2194

رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ [الأنبياء: ٨٩] . رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ... فاعف عنّي؛ كما هي سيرة القادرين، وهو اعتراف بالذّنب، وإظهار للتّوبة. وهذا دعاء عظيم جدّا لاشتماله على التّهليل أوّلا، ثمّ التّسبيح ثانيا، ثمّ الإقرار بالذّنب ثالثا، ولذا ورد في فضل ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والتّرمذي، والنّسائي، والحكيم التّرمذي؛ في «نوادر الأصول» ، والحاكم وصحّحه، وابن جرير، والبيهقي في «الشّعب» ، وجماعة؛ عن سعد بن أبي وقّاص؛ عن النّبي ﷺ ، قال: «دعوة ذي النّون إذ هو في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين؛ لم يدع بها مسلم ربّه في شيء قطّ إلّا استجاب له» . وأخرج ابن أبي حاتم؛ عن الحسن: أنّ ذلك اسم الله تعالى الأعظم. وأخرج ذلك الحاكم؛ عن سعد مرفوعا. وقد شاهدت أثر الدّعاء به- ولله تعالى الحمد- حين أمرني بذلك من أظنّ ولايته من الغرباء المجاورين في حضرة الباز الأشهب، وكان قد أصابني من البلاء ما الله تعالى أعلم به؛ قاله الألوسي في «روح المعاني» . * وقال تعالى في سورة الأنبياء أيضا (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً) : وحيدا بلا ولد يرثني (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) ، أي: وأنت خير حيّ يبقى بعد ميّت، وفيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء؛ وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه . * وقال تعالى في آخر سورة الأنبياء (رَبِّ) أيّها المحسن إليّ؛ (احْكُمْ) : اقض بيني وبين أعدائي (بِالْحَقِّ) : بالعدل، والله يحكم بالحقّ طلب أو لم يطلب، ومعنى الطّلب: ظهور الرّغبة من الطّالب في حكمه الحقّ.

стр. 2195

وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [الأنبياء: ١١٢] . رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: ٢٩] . رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٩٤] . وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ... (وَرَبُّنَا) ؛ أي: المحسن إلينا أجمعين (الرَّحْمنُ) العامّ الرّحمة لنا وللأعداء، ولولا عموم رحمته لأهلكنا جميعا؛ وإن كنّا طائعين، لأنّا لا نقدّره حقّ قدره، وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [٤٥/ فاطر] (الْمُسْتَعانُ) : المطلوب منه العون (عَلى ما تَصِفُونَ) : تقولون أيّها الأعداء من الكذب والباطل. * وقال تعالى في سورة المؤمنين (رَبِّ أَنْزِلْنِي) في كلّ منزل تنزلني به (مُنْزَلًا مُبارَكاً) : يبارك لي فيه، وأعطى الزّيادة في خير الدّارين، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) ؛ لأنّك تكفي نزيلك كل ملمّ، وتعطيه كلّ حاجة. وإنما أشفع الدّعاء بالثّناء عليه المطابق للمسألة؛ توسّلا به إلى الإجابة، فإنّ الثّناء على المحسن يكون مستدعيا لإحسانه، وقد قالوا: الثّناء على الكريم يغني عن سؤاله. * وقال تعالى في سورة المؤمنين (رَبِّ) يا رب (فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، أي: قرينا لهم فيما هم فيه من العذاب، فأهلك بهلاكهم؛ لأن شؤم الظّالم قد يعمّ غيره، كقوله تعالى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٢٥/ الأنفال] . * (رَبِّ) ؛ أيّها المحسن إليّ (أَعُوذُ) : أعتصم (بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ) ؛ أي: وساوسهم المغرية، على خلاف ما أمرت به؛ جمع همزة، والهمز: النّخس والدّفع بيد أو غيرها، ومنه: «مهماز الرّائض» ؛ لحديدة تربط

стр. 2196

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧- ٩٨] . رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١٠٩] . رَبِّ اغْفِرْ ... على مؤخّر رحله ينخس بها الدّابّة لتسرع، أو لتثبت. وإطلاق ذلك على الوسوسة لما بينهما من الشّبه الظّاهر، فإنّ الشّياطين يحثّون النّاس على المعاصي، كما تهمز الرّاضة الدّواب؛ حثّا لها على المشي، وجمع الهمزات!! لتنوّع الوساوس، أو لتعدّد الشّياطين. والمعنى: أتحصّن بك من وساوس الشّياطين. (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) ، في شيء من أموري؛ خصوصا حال الصّلاة والقراءة وحلول الأجل؛ لأنّها أحرى الأحوال، وهم إنّما يحضرون بسوء. وفي التعوّذ من الحضور بعد التعوّذ من همزاتهم مبالغة في التّحذير من ملابستهم، فإنّ بعدهم بركة وخير؛ وإعادة الفعل والنّداء لإظهار كمال الاعتناء بهذه الاستعاذة وعرض نهاية الابتهال في الاستدعاء، ويسنّ التعوّذ من همزات الشّياطين وحضورهم عند إرادة النّوم. فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنّسائي، والتّرمذي وحسّنه؛ عن عمرو بن شعيب؛ عن أبيه؛ عن جدّه؛ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهنّ عند النّوم من الفزع: «باسم الله؛ أعوذ بكلمات الله التّامّة من غضبه وعقابه، وشرّ عباده، ومن همزات الشّياطين، وأن يحضرون» . * وقال تعالى في سورة المؤمنون أيضا (رَبَّنا) يا ربّنا (آمَنَّا) بك وبكتابك وبرسولك وجميع ما جاءتنا به الرّسل، (فَاغْفِرْ لَنا) ذنوبنا (وَارْحَمْنا) : افعل بنا فعل الرّاحم؛ (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) ؛ لأنّك تخلص برحمتك من كل شقاء وهوان. * وقال تعالى في آخر سورة المؤمنين (رَبِّ) ؛ أي: يا رب (اغْفِرْ)

стр. 2197

وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: ١١٨] . رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً [الفرقان: ٦٥- ٦٦] . الذّنوب، (وَارْحَمْ) عبادك المؤمنين. وفي الرّحمة زيادة؛ وهي إيصال الإحسان زيادة على غفران الذّنب، فذكر الرّحمة بعد المغفرة تحلية بعد تخلية، ففي الغفران محو السّيّئات، وفي الرّحمة رفع الدّرجات، وأيضا الغفران قد يكون من غير إحسان، الّذي هو معنى الرّحمة. (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) : أفضل راحم. وطلب كلّ من المغفرة والرّحمة أعمّ من طلب أصل الفعل والمداومة عليه. وفي تخصيص هذا الدّعاء بالذكر ما يدلّ على أهمّيّة ما فيه. وقد علّم النّبي ﷺ أبا بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أن يقول نحوه في صلاته، فقد أخرج البخاريّ، ومسلم، والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وجماعة؛ عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أنّه قال: يا رسول الله؛ علّمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل: اللهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم» . * وقال تعالى في سورة الفرقان (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً) : هلاكا لازما لزوما كلّيّا في حقّ الكفّار، ولزوما بعده إطلاق إلى الجنّة في حقّ عصاة المؤمنين. (إِنَّها) ؛ أي: جهنم (ساءَتْ) في حكم «بئست» ، وفيها ضمير مبهم يفسّره مُسْتَقَرًّا، والمخصوص بالذّمّ محذوف، معناه: ساءت (مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) هي، أي: موضع استقرار وإقامة، وهذا الضّمير هو العائد على اسم «إنّ» فهو الرّابط للجملة.

стр. 2198

رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] . رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: ٨٣- ٨٥] . * وقال تعالى في سورة الفرقان أيضا (رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا) الّلاتي قرنتهنّ بنا (وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) بتوفيقهم للطّاعة وحيازة الفضائل، فإنّ المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سرّ بهم قلبه، وقرّت بهم عينه، لما يرى من مساعدتهم له في الدّين، وتوقّع لحوقهم به في الجنّة، فقرّة العين هو سرورها، والمراد: ما يحصل به السّرور؛ والمعنى: اجعل أزواجنا وذرّيّاتنا صالحين؛ لكي نسرّ بهم. (وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) في الخير، أي: اجعلنا أئمّة يقتدى بنا في أمر الدّين بإفاضة العلم علينا، والتّوفيق للعمل الصّالح؛ ولفظ «إمام» يستوي فيه الجمع وغيره، والمراد هنا: الجمع، ليطابق المفعول الأوّل «اجعل» . واختير لفظ «إمام» على «أئمّة» !! لأنّه أوفق بالفواصل السّابقة واللّاحقة. * وقال تعالى في سورة الشّعراء (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً) : كمالا في العلم والفهم. (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) : وفّقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصّلاح، الّذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره. (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ) - من إضافة الموصوف للصّفة، أي: ثناء حسنا من باب تسمية الشّيء باسم آلته- (فِي الْآخِرِينَ) الّذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة، (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) ، أي: ممن يعطاها بلا تعب ومشقّة، كالإرث الحاصل للإنسان من غير تعب؛ وإضافة الجنّة إلى النّعيم!! من إضافة المحلّ للحالّ فيه؛ و «من» تبعيضيّة، أي: اجعلني بعض الّذين يرثون جنّة النّعيم، أي: اجعلني مندرجا فيهم، ومن جملتهم.

стр. 2199

وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٧- ٨٩] . رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء: ١٦٩] . رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩] . (وَلا تُخْزِنِي) ؛ من الخزي، بمعنى: الهون، أو من الخزاية- بفتح الخاء- بمعنى: الحياء، أي: لا تفضحني بأن تكشف عيوبي بين خلقك. (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) ؛ أي: النّاس، أي: يوم القيامة. قال تعالى في شأنه (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ) يكن (أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من الشّرك والنّفاق؛ وهو قلب المؤمن، فإنّه ينفعه ذلك. * وقال تعالى في سورة الشّعراء (رَبِّ) ؛ أي: يا رب (نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) ؛ أي: من عذاب ما يعملون. * وقال تعالى في سورة النّمل (رَبِّ أَوْزِعْنِي) : ألهمني (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) : أؤدّي شكر نعمتك (الَّتِي أَنْعَمْتَ) بها (عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) أدرج ذكر والديه!! تكثيرا للنّعمة ليزداد في الشّكر عليها، فإنّ النّعمة عليهما نعمة عليه، والنّعمة عليه يرجع نفعها إليهما، لا سيّما الدّينيّة، (وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً) خالصا، وقيّده بقوله (تَرْضاهُ) ؛ أي: تقبله؛ لأنّ العمل الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل، كما قيل: إذا كان المحبّ قليل حظّ ... فما حسناته إلّا ذنوب (وَأَدْخِلْنِي) الجنّة (بِرَحْمَتِكَ) ؛ لا بصالح عملي، إذ لا يدخل الجنّة أحد إلّا برحمته؛ كما جاء في الحديث، (فِي) جملة (عِبادِكَ) ، فهو على حذف مضاف، أو «في» بمعنى «مع» عبادك، (الصَّالِحِينَ) : القائمين

стр. 2200

رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦] . رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] . رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [العنكبوت: ٣٠] . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] . رَبِّ أَوْزِعْنِي ... بحقوق الله تعالى وحقوق العباد؛ والمراد: الكاملون في الصّلاح؛ لأنّ الصّلاح مقول بالتّشكيك، فما من مقام إلّا وفوقه أعلى منه، والكامل يقبل الكمال. * وقال تعالى في سورة القصص: (رَبِّ) ؛ يا رب، (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [١٦] ) زلتي. * وقال تعالى في سورة القصص أيضا (رَبِّ) ؛ أي: يا رب، (إِنِّي لِما) : لأيّ شيء، (أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ) ؛ قليل أو كثير، (فَقِيرٌ) : محتاج؛ فقوله لِما أَنْزَلْتَ متعلّق ب فَقِيرٌ، وهو خبر «إنّ» و «أنزلت» بمعنى: تنزل؛ والمعنى: إنّي فقير ومحتاج لما تنزله إليّ من أيّ شيء كان؛ قليلا أو كثيرا. * وقال تعالى في سورة العنكبوت (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) : العاصين. * وقال تعالى في سورة الصّافات (رَبِّ هَبْ لِي) ولدا (مِنَ الصَّالِحِينَ) ؛ بعض الصالحين ليعينني على الدّعوة والطّاعة، ويؤنسني في الغربة؛ ويرثني. ولفظ الهبة غالب في الولد؛ وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [مريم] !!. * وقال تعالى في سورة الأحقاف (رَبِّ) ؛ يا رب (أَوْزِعْنِي) : ألهمني؛ من أوزعته بكذا؛ أي: جعلته مولعا به؛ راغبا في تحصيله. فالمعنى: رغّبني

стр. 2201

أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥] . رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ... ووفقني (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ) بها (عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) وهي نعمة التّوحيد والهداية، (وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ) ؛ بأن يكون سالما من غوائل عدم القبول؛ كالرّياء والعجب وغيرهما، أي: اجعل عملي على وفق رضاك. (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) ؛ أي: اجعل الصّلاح ساريا في ذرّيّتي؛ راسخا فيهم. ونزّل الإصلاح منزلة اللّازم؛ فعدّي ب «في» ليفيد ما أشرنا إليه من سريان الصّلاح فيهم، وكونهم كالظّرف له؛ لتمكّنه فيهم، وإلّا فكان الظّاهر: «وأصلح لي ذرّيّتي» ، كما في قوله تعالى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ [٩٠/ الأنبياء] . وقيل: عدّي ب «في» لتضمّنه معنى اللّطف؛ أي: الطف بي في ذرّيّتي، والأوّل أحسن. (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) عمّا لا ترضاه، وعن كلّ ما يقدح في الإقبال عليك، (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ؛ أي: الّذين أسلموا بظواهرهم وبواطنهم؛ فانقادوا أتمّ انقياد. * وقال تعالى في سورة الحشر (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا) في الدّين؛ (الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) ؛ كلّ واحد من قائلي هذا القول يقصد بمن سبقه من انتقل قبله من غير فاصل، وينتهي إلى عصر النّبيّ ﷺ فيدخل في إخوانه الّذين سبقوه بالإيمان جميع من تقدّمه من المسلمين، ولا يقصد بالّذين سبقوه خصوص المهاجرين والأنصار لقصوره؛ وإن كان أصل سبب النزول. (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا) : حقدا (لِلَّذِينَ آمَنُوا) ؛ أي: مطلق المؤمنين أيّا كانوا في أدنى درجاته.

стр. 2202

رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠] . رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الممتحنة: ٤- ٥] . رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ... وقيّدوا بالقلب!! لأنّ رذائل النّفس قلّ أن تنفكّ، وأنّها إن كانت مع صحّة القلب. أو شك ألاتؤثر. (رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ) : راحم أشدّ الرّحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير، (رَحِيمٌ) ؛ مكرم غاية الإكرام لمن أردت، ولو لم يكن له بك وصلة، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنّا بين أن تكون لنا وصلة؛ فنكون من أهل الرّأفة، أو لا، فنكون من أهل الرّحمة. * وقال تعالى في سورة الممتحنة (رَبَّنا) ؛ أي: يا ربنا (عَلَيْكَ) ؛ لا على غيرك (تَوَكَّلْنا) : اعتمدنا، (وَإِلَيْكَ) وحدك (أَنَبْنا) : رجعنا بالاعتراف من ذنوبنا، (وَإِلَيْكَ) وحدك (الْمَصِيرُ) : المرجع في الآخرة. (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) ؛ أي: لمّا تظهرهم علينا؛ فيظنّوا أنّهم على الحقّ؛ فيفتتنوا. أي: لا تذهب عقولهم بنا، ومعنى ذهابها: ميلها عن الحقّ وخطؤها. (وَاغْفِرْ لَنا) ؛ أي: استر ما وقع منّا من الذّنوب، (رَبَّنا) يا ربنا؛ (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) : الّذي يغلب كلّ شيء ولا يغلبه شيء. (الْحَكِيمُ) : الّذي يضع الأشياء في أوفق محالّها؛ فلا يستطاع نقضها، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطي من أمّله ما طلب. * وقال تعالى في سورة التّحريم (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا) على الصّراط (نُورَنا) الّذي مننت به علينا؛ حتّى يكون في غاية التّمام، وهذا النّور من صور أعمالهم في

стр. 2203

وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [التحريم: ٨] . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [نوح: ٢٨] . الدّنيا، لأنّ الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء، وتتبع الصّور معانيها، وهو شرع الله الّذي شرعه؛ وهو الصّراط الّذي يضرب بين ظهراني جهنّم، لأنّ الفضائل في الدّنيا متوسّطة بين الرّذائل؛ فكلّ فضيلة يكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط؛ فالفضيلة: هي الصّراط المستقيم؛ والرذيلتان: ما كان من جهنّم على يمينه وشماله؛ فمن كان يمشي في الدّنيا على ما أمر به سواء؛ من غير إفراط ولا تفريط؛ كان نوره تامّا، ومن أمالته الشّهوات طفىء نوره في بعض الأوقات، واختطفته كلاليب، هي صورة الشّهوات، فتميل به في النّار بقدر ميله إليها؛ والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التّوحيد؛ فإذا مشى طفئ، لأنّ إقراره لا حقيقة له. (وَاغْفِرْ لَنا) ذنوبنا (إِنَّكَ) وحدك (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) يمكن دخول المشيئة فيه (قَدِيرٌ) (٨) : بالغ القدرة. * وقال تعالى في سورة نوح (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ) : منزلي، وقيل: مسجدي، والمتبادر: المنزل (مُؤْمِناً) ؛ أي: مصدّقا بالله تعالى وهو حال، (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) [٢٨] من كلّ أمّة إلى يوم القيامة؛ فهو دعاء عامّ في كلّ مؤمن آمن بالله وصدّق الرّسل. وإنّما بدأ بنفسه!! لأنّها أولى بالتّخصيص والتّقديم، ثمّ ثنّى بالمتّصلين به؛ لأنّهم أحقّ بدعائه من غيرهم، ثمّ عمّم جميع المؤمنين والمؤمنات؛ ليكون ذلك أبلغ في الدّعاء.

стр. 2204

١- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بوجهك الكريم واسمك العظيم؛ من الكفر والفقر» (طب؛ عن عبد الرّحمن ابن أبي بك) . ٢- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من العجز ... ١- ( «اللهمّ) - الميم عوض من «يا» ، ولذا لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم؛ لدخولها عليه مع لام التّعريف، كما خصّ بالباء في القسم، وقطع همزته في «يا ألله» ، وقيل: أصل «يا ألله» آمنا بخير، فخفّف بحذف حرف النّداء؛ ذكره القاضي البيضاوي. وقد كثر استعمال كلمة «اللهمّ» في الدّعاء. وجاء عن الحسن البصري: «اللهمّ» مجتمع الدّعاء. وعن النّضر بن شميل: من قال «اللهمّ» ؛ فقد سأل الله بجميع أسمائه-. (إنّي أعوذ) : أعتصم (بوجهك الكريم) قال البيضاوي: وجه الله مجاز عن ذاته ، تقول العرب «أكرم الله وجهك» ، بمعنى: أكرمك؛ والكريم: الشّريف النّافع الّذي لا ينفد عطاؤه. (واسمك العظيم) ؛ أي: الأعظم من كلّ شيء؛ (من الكفر) بجميع أنواعه، (والفقر» ) ؛ أي: فقر المال، أو فقر النّفس. وذا تعليم لأمّته. قيل: وهذا يعارض «لا يسأل بوجه الله إلّا الجنّة» !! وأجيب بأنّ الاستعاذة من الكفر سؤال الجنة. (طب) ؛ أي: أخرجه الطّبراني في كتاب «السّنّة» له؛ (عن عبد الرّحمن بن أبي بكر) الصّدّيق «شقيق عائشة رضي الله تعالى عنهما» ، حضر بدرا مع الكفّار، ثمّ أسلم، وكان من أشجع قريش وأرماهم بسهم، تأخّر إسلامه إلى قبيل الفتح؛ قال الحافظ الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم؛ ٢- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من العجز) - بسكون الجيم-: عدم القدرة على الخير، وقيل: ترك ما يجب فعله؛ والتّسويف به. وقال المناوي: سلب القوّة؛ وتخلّف التّوفيق، إذ صفة العبد العجز، وإنّما يقوى بقوّة يحدثها الله، فكأنّه استعاذ به أن يكله إلى أوصافه، فإنّ كل من رد إليه فقد خذل.

стр. 2205

والكسل، والجبن والبخل والهرم، والقسوة والغافلة والعيلة، والذّلّة والمسكنة، ... (والكسل) : التّثاقل والتّراخي عمّا لا ينبغي التّثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النّفس للخير وقلّة الرّغبة فيه مع إمكانه؛ والعاجز معذور، والكسلان غير معذور. (والجبن) - بضمّ فسكون-: الضّعف عن تعاطي القتال؛ خوفا على المهجة. (والبخل) ؛ وهو- في الشّرع-: منع الواجب، وفي اللّغة-: منع السّائل المحتاج عمّا يفضل عن الحاجة. (والهرم) - كبر السّنّ المؤدّي إلى تساقط القوى، وذهاب العقل، وتخبّط الرّأي- وقال العلقمي: قال شيخنا: هو الردّ إلى أرذل العمر؛ لما فيه اختلال العقل والحواسّ والضّبط والفهم، وتشويه بعض المنظر، والعجز عن كثير من الطّاعات، والتّساهل في بعضها. قال الموفّق البغداديّ: هو اضمحلال طبيعيّ وطريق للفناء ضروريّ، فلا شفاء له. (والقسوة) : غلظ القلب وصلابته، (والغافلة) : غيبة الشّيء المهمّ عن البال، وعدم تذكّره، واستعمل في تاركه إهمالا وإعراضا؛ كما في قوله تعالى وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) [الأنبياء] . (والعيلة) - بالفتح-: الفقر، وهو مصدر «عال؛ يعيل؛ عيلة» : إذا افتقر، من باب باع، فهو عائل والجمع عالة؛ وهي على تقدير فعله، مثل: كافر وكفره، وفي نسخة شرح عليها العزيزي: والقلّة بدل العيلة؛ وهي بكسر القاف: قلّة المال بحيث لا يجد كفافا. (والذّلّة) - بالكسر-: الهوان على النّاس بحيث يستخفّون به؛ وينظرون إليه بعين الاحتقار. (والمسكنة) ؛ أي: قلّة المال مع سوء الحال، وأما قلّة المال مع الصّبر؛ فممدوح.

стр. 2206

وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشّقاق، والنّفاق والسّمعة والرّياء، وأعوذ بك من الصّمم والبكم والجنون والجذام، ... (وأعوذ بك من الفقر) ؛ أي: فقر النّفس، لا ما هو المتبادر من معناه من إطلاقه على الحاجة الضّروريّة، فإنّ ذلك يعمّ كلّ موجود* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) [فاطر] . (والكفر) عنادا؛ أو جحودا؛ أو نفاقا، وأورده عقب الفقر!! لأنّ الفقر قد يفضي إليه. (والفسوق) : الخروج عن الاستقامة والجور، ومنه قيل للعاصي: فاسق. (والشّقاق) ؛ أي: التّخاصم المؤدّي إلى أن يصير كلّ من المتخاصمين في شقّ؛ أي: جهة، كأنّ كلّ فريق يحرص على ما يشقّ الآخر، فيؤدّي إلى عدم الألفة. (والنّفاق) الحقيقي؛ أو المجازي، (والسّمعة) - بضمّ السّين وسكون الميم-: إعلام بالعبادة بعد فعلها ليقال بصلاحه. (والرّياء) - بكسر الرّاء، وتخفيف التّحتيّة، والمد-: فعل العبادة؛ والنّاس يطّلعون ليقولوا بصلاحه. فالسّمعة: أن يعمل لله خفية، ثمّ يتحدّث بها تنويها. والرّياء: أن يظهر العبادة بقصد رؤية النّاس لها ليحمدوه. وقال ابن عبد السّلام: الرّياء أن يعمل لغير الله تعالى. وذكر هذه الخصال!! لكونها أقبح خصال النّاس، فاستعاذته منها إبانة عن قبحها، وزجر النّاس عنها بألطف وجه، وأمر بتجنّبها بالالتجاء إلى الله. (وأعوذ بك من الصّمم) : بطلان السّمع أو ضعفه، (والبكم) - بالتّحريك-: الخرس، أو: أن يولد لا ينطق ولا يسمع، والخرس: أن يخلق بلا نطق. (والجنون) : زوال العقل. (والجذام) : هو علّة يحمرّ منها العضو، ثمّ يسودّ، ثمّ يتقطّع ويتناثر.

стр. 2207

والبرص وسيّء الأسقام» . (ك، هق؛ عن أنس) . ٣- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ... قال المناوي: علّة تسقط الشّعر وتفتّت اللّحم، وتجري الصّديد منه. (والبرص) : هو بياض شديد يبقّع الجلد ويذهب دمويّته. (وسيّء الأسقام» ) : الأمراض الفاحشة الرّديئة المؤدّية إلى فرار الحميم «١» ، وقلّة الأنيس أو فقده؛ كالاستسقاء والسّل والمرض المزمن؛ وهذا من إضافة الصّفة للموصوف، أي: الأسقام السّيّئة. قال التوربشتي: ولم يستعذ من سائر الأسقام!! لأنّ منها ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصّبر خفّت مؤنته؛ كحمّى وصداع ورمد. وإنّما استعاذ من السّقم المزمن؛ فينتهي صاحبه إلى حال يفرّ منه الحميم، ويقلّ دونه المؤانس والمداوي مع ما يورث من الشّين. وهذه الأمراض لا تجوز على الأنبياء، بل يشترط في النّبي سلامته من كل منفّر؛ وإنّما ذكرها تعليما للأمّة كيف تدعو. (ك هق) ؛ أي: أخرجه الحاكم، والبيهقي في «السّنن» في «كتاب الدّعاء» ؛ (عن أنس) ؛ قال: قال رسول الله ﷺ في دعائه: «اللهمّ ... » إلى آخره. قال الحاكم: صحيح. وأقرّه الذّهبي. ٣- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع) : هو ١- ما لم يأذن في تعلّمه شرعا؛ كعلم الفلسفة، أو ٢- ما لا يصحبه عمل، أو ٣- ما لا يهذّب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظّاهرة؛ ويفوز بها إلى الثّواب الآجل، وأنشد: يا من تقاعد عن مكارم خلقه ... ليس التّفاخر بالعلوم الزّاخرة من لم يهذّب علمه أخلاقه ... لم ينتفع بعلومه في الآخرة

стр. 2208

وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، ومن الجوع فإنّه بئس الضّجيع، ومن الخيانة فإنّها بئست البطانة، ... (وقلب لا يخشع) لذكر الله سبحانه، ولا لاستماع كلامه، وهو القلب القاسي الّذي هو أبعد القلوب من حضرة علّام الغيوب. وإنّ أبعد قلوب النّاس ... من ربّنا الرّحيم قلب قاسي (ودعاء لا يسمع) سماع قبول؛ أي: لا يستجاب ولا يعتدّ به، فكأنّه غير مسموع. (ونفس لا تشبع) من جمع المال، أو من كثرة الأكل؛ الجالبة لكثرة الأبخرة؛ الموجبة لكثرة النّوم، المؤدّية إلى فقر الدّنيا والآخرة. ويؤخذ من الحديث جواز السّجع في الأدعية؛ ومحلّه إذا لم يكن بتكلّف واستعمال فكره، وإلّا كره؛ لما فاته في مقام الدّعاء من الخضوع والذّلّة والخشوع. (ومن الجوع) ؛ حقيقته: أنّه الألم الحاصل من خلوّ المعدة من المأكول؛ ولا ينافي ذلك قول أهل الطّريق: إنّ الجوع مطلوب لرياضة النّفس، لأنّ المستجار منه هو الّذي ليس فيه مصلحة شرعيّة، أو يضرّ بالجسد. (فإنّه بئس الضّجيع) : المضاجع لي في فراشي. استعاذ منه، لأنّه يمنع استراحة البدن، ويحلّل المواد المحمودة بلا بدل، ويشوّش الدّماغ، ويورث الوسواس، ويضعف البدن عن القيام بوظائف العبادات؛ لا سيّما قيام التّهجّد. (ومن الخيانة) : مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ، سواء كانت خيانة للغير؛ كالخيانة في الوديعة، أو خيانة للنّفس؛ كأن لا يمتثل المأمورات والمنهيّات، فمن ضيّع شيئا ممّا أمر الله به؛ أو ارتكب شيئا ممّا نهى الله عنه فقد خان نفسه، إذ جلب إليها الذّم في الدّنيا والعقاب في الآخرة. (فإنّها بئست البطانة) - بكسر الباء؛ ضد الظهارة- وهي في الأصل: الثّوب

стр. 2209

ومن الكسل والبخل والجبن، ومن الهرم، وأن أردّ إلى أرذل العمر، ومن فتنة الدّجّال وعذاب القبر، ... الملاصق للجسد، والجهة الّتي لا تلاصقه تسمّى «ظهارة» ، فاستعيرت لكلّ شيء ملازم، يقال: بطانة الرّجل: أهله وعياله؛ والمراد هنا: الصّفة الملازمة للشّخص؛ أي: بئست الخصلة الّتي يحرص عليها الشّخص ويخفيها؛ فشبّهها ببطانة الثّوب الملاصق للجسد الّتي لها ظهارة؛ بجامع الخفاء. (ومن الكسل) : عدم انبعاث النّفس لفعل الخير، (والبخل) : منع السّائل المحتاج عمّا يفضل عن الحاجة. (والجبن) - بضم فسكون-: الخور عن تعاطي الحرب؛ خوفا على المهجة «١» . (ومن الهرم) : الكبر المؤدّي إلى ترك الأعمال الصّالحة والتخبّط في العقل. (وأن أردّ إلى أرذل العمر) أي: العمر الأرذل؛ أي: الرّدي بأن يسلب صفة التّمييز، فيعود كالطّفل. قال الطّيبيّ: المطلوب عند المحققين من العمر التفكّر في آلاء الله تعالى ونعمائه تعالى من خلق الموجودات؛ قياما بواجب الشّكر بالقلب والجوارح؛ والفاقد لذلك كالشّيء الّذي لا ينتفع به، فينبغي أن يستعاذ منه. (ومن فتنة الدّجّال) : محنته، وهي أعظم فتن الدّنيا. والدّجال: فعّال بالتّشديد- وهو من الدّجل؛ بمعنى التّغطية، لأنّه يغطّي الحقّ بباطله، ولهذا سمّي الكذّاب «دجّالا» . (وعذاب القبر) : عقوبته. ومصدره التّعذيب، فهو مضاف للفاعل مجازا، أو هو من إضافة المظروف لظرفه، فهو على تقدير «في» ؛ أي: من عذاب في القبر.

стр. 2210

ومن فتنة المحيا والممات. اللهمّ؛ إنّا نسألك قلوبا أوّاهة مخبتة منيبة في سبيلك. اللهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك ومنجيات أمرك، ... وفيه إثبات عذاب القبر، والإيمان به واجب؛ وأضيف العذاب إلى القبر!! لأنّه الغالب، وإلّا! فكلّ ميّت أراد الله تعذيبه أناله ما أراد به قبر أو لم يقبر، ولو صلب أو غرق في البحر، أو أكلته السّباع، أو حرق حتّى صار رمادا، أو ذرّي في الرّيح. وهو- أي: عذاب القبر- على الرّوح والبدن جميعا باتّفاق أهل السّنّة، وكذا القول في النّعيم؛ قال ابن القيم: ثمّ عذاب القبر قسمان: دائم؛ وهو عذاب الكفّار وبعض العصاة. ومنقطع؛ وهو عذاب من خفّت جرائمهم من العصاة، فإنّه يعذب بحسب جريمته، ثمّ يرفع عنه، وقد يرفع بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك. انتهى. (ومن فتنة المحيا) - بفتح الميم- أي: ما يعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدّنيا والشّهوات والجهالات؛ وأعظمها- والعياذ بالله تعالى- أمر الخاتمة عند الموت. (و) من فتنة (الممات) ؛ أي: الفتنة الواقعة قرب الموت؛ أضيفت إليه لقربها منه، فهي في الحياة، فعطفها من عطف الخاصّ اهتماما بها. (اللهمّ؛ إنّا نسألك) ؛ أي: نطلب منك (قلوبا أوّاهة) : كثيرة الدّعاء والتضرّع؛ ليترتّب عليها إظهار الاحتياج. (مخبتة) : خاشعة مطيعة منقادة، (منيبة) : راجعة إليك بالتّوبة، مقبلة عليك (في سبيلك) ؛ أي: الطّريق إليك. (اللهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك) ؛ أي: أسباب مغفرتك المؤكّدة؛ لأنّ العزم: التّصميم، (ومنجيات أمرك) ؛ أي: ما ينجّي من عقابك ويصون عن عذابك.
следующие страницы →