وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه، وإذا ضحك.. يتلألأ في الجدر.
وقالت أمّ معبد ...
وهذا الحديث احتجّ به إمامنا لحلّ لبس الأحمر؛ ولو قانيا- أي- شديد الحمرة، غير أنه قد يخصّ بلبسه أهل الفسق؛ فحينئذ يحرم لبسه، لأنه تشبّه بهم، ومن تشبّه بقوم فهو منهم؛ كما في «الذحيرة» .
وأخطأ من كره لبسه مطلقا. منع لبسه ابن القيّم في «الهدي النبوي» ، وأجاز لبسه القاضي محمد بن علي الشوكاني في «نيل الأوطار» رحمهم الله تعالى. آمين.
(و) في «الشفاء» وشرحه للشيخ ملّا علي قاري الحنفي رحمه الله تعالى:
(قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ والمساواة منفيّة أيضا بالمشاهدة العرفية- (كأنّ الشّمس تجري في وجهه) ؛ أي:
يتوهّج كتوهّج الشمس لحسنه وصفائه وبهاء ضيائه، (وإذا ضحك يتلالأ) بهمزتين؛ أي: تلمع ثناياه كاللآلي (في الجدر) - بضمتين-: جمع الجدار؛ وهو حائط الدار، وأما الجدر- بفتح فسكون- فهو الحاجز الذي يحبس الماء، كما في حديث: «اسق يا زبير حتّى يبلغ الجدر» ، وليس مفردا بمعنى الجدار كما توهّم. أي: أن نور وجهه الشريف يشرق إشراقا يصل إلى الجدران المقابلة له، كما يكون ذلك من الشمس والقمر. وقيل: إنّه من نور يخرج من بين ثناياه وفمه؛ إذا افترّ وتبسّم. ففي رواية عن أبي هريرة ﵁: يكاد يتلألأ في الجدر.
فتفاوته بحسب الأوقات، وبحسب خفّة ضحكه وشدّته. أو ما هنا محمول على المبالغة على تقدير «تكاد» . انتهى الشهاب الخفاجي؛ على «الشفاء» .
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي.
(وقالت أمّ معبد) - بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح الموحدة ومهملة-
стр. 247
في بعض ما وصفته به رضي الله تعالى عنها: أجمل النّاس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب.
الخزاعيّة: التي كانت نازلة بخباء في طريق المدينة المنورة، وقد نزل عليها النبي ﷺ في هجرته لمّا خرج من غار ثور (في بعض ما) أي: كلام (وصفته به) في حديثها الطويل، الذي رواه البغوي، وابن شاهين، وابن السّكن، والطبرانيّ، وابن منده، والبيهقيّ وغيرهم؛ من طريق حرام بن هشام بن حبيش؛ عن أبيه؛ عن جدّه: حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن حرام الخزاعي؛ ويقال له حبيش الأشعري؛ وهو لقب والده خالد، وحبيش: أخو أمّ معبد؛ واسمها:
عاتكة بنت خالد، لها صحبة (رضي الله تعالى عنها) ، ولأخيها حبيش صحبة أيضا ﵁. وأورده ابن السّكن؛ من حديث أم معبد نفسها. فقال حرام بن هشام بن حبيش بن خالد: سمعت أبي يحدّث عن أمّ معبد- وهي عمّته- ... فساق القصّة. وقصّتها معه مشهورة مرويّة من طرق عديدة تعضدها وتصحّحها، وكان زوجها أبو معبد غائبا وهو صحابيّ قديم الوفاة رضي الله تعالى عنه، فلما أتاها أخبرته به، فاستوصفها إيّاه؛ فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه محلة، ولم تزر به صعلة، وسيم، قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره عطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، أقرن، إن صمت؛ فعليه الوقار، وإن تكلّم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب ... إلى آخر ما قالته في نعته من كلام بليغ؛ مشروح في السّير. فقوله: «في بعض ما وصفته به» ؛ أي في بعض كلام وصفته به. وأقحم لفظ «بعض» ! إشارة إلى أنّه كلام طويل مشتمل على وصفه وغيره؛ من قصّة الشاة وغيرها، واقتصر هنا على قوله: (أجمل النّاس) ؛ أي أتمّهم جمالا وحسنا صوريا (من بعيد، وأحلاه) ؛ أي: أحلى الناس.
وأفرد لأنّه اسم جنس فروعي لفظه دون معناه. وكذا قوله (وأحسنه) .
وفي بعض النسخ: «وأحلاهم وأحسنهم» (من قريب) ، أي: تبين حلاوة ملاحته، وطراوة فصاحته.
стр. 248
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان؛ وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي ...
(و) روى البيهقيّ في «الدلائل» ، والترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن جابر بن سمرة) بن جنادة بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سواء- بالمدّ وضمّ السين- ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان- بالعين المهملة- ابن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان السّوائي، وهو وأبوه صحابيّان (رضي الله تعالى عنهما) .
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستّة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثا، روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم عبد الملك بن عمير، وعامر بن سعد، والشعبيّ؛ توفي سنة:
ست وستين. روينا في «صحيح مسلم» ؛ عن جابر بن سمرة قال: والله؛ لقد صليت مع رسول الله ﷺ أكثر من ألفي صلاة. انتهى.
(قال) ؛ أي: جابر: (رأيت رسول الله ﷺ في ليلة) - بالتنوين- (إضحيان) - بكسر الهمزة وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء المهملة وتخفيف التحتية، وفي آخره نون منونة- أي: ليلة مقمرة من أوّلها إلى آخرها.
قال في «الفائق» : يقال «ليلة إضحيان» ، و «إضحيانة» ، و «ضحيا» ، وهي المقمرة من أوّلها إلى آخرها. قال: وإفعلان في كلامهم قليل جدّا. انتهى.
والقياس: إضحانة، وكأنه لتأويل الليلة بالليل!!.
(وعليه حلّة حمراء) ؛ أي: والحال أن عليه حلّة حمراء، فالجملة حاليّة، والقصد بها بيان ما أوجب التأمّل وإمعان النظر فيه من ظهور مزيد حسنه ﷺ حينئذ، (فجعلت) ؛ أي: فصرت (أنظر إليه) ؛ أي: إلى وجهه تارة (و) أنظر (إلى القمر) تارة أخرى، (فلهو عندي) ؛ أي: فو الله لوجهه عليه الصلاة والسلام
стр. 249
أحسن من القمر. ومعنى (إضحيان) : مقمرة.
وسأل رجل البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السّيف؟ قال: لا، بل مثل القمر.
عندي (أحسن من القمر) ؛ فهو جواب قسم مقدّر، والتقييد بالعندية!! لافتخاره باعتقاده هذه القضية؛ لا لتخصيصه، فإنّ ذلك عند كلّ أحد رآه كذلك.
وإنّما كان ﷺ أحسن!! لأن ضوءه يغلب على ضوء القمر، بل وعلى ضوء الشمس، ففي رواية لابن المبارك وابن الجوزي: لم يكن له ظلّ، ولم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوؤه على ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلّا غلب ضوؤه على ضوء السراج.
(ومعنى) قوله (إضحيان) - بكسر الهمزة وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء المهملة وتخفيف التحتية وفي آخره نون منونة-: (مقمرة) من أوّلها إلى آخرها؛ كما قاله الزمخشري.
(و) روى البخاريّ في «صحيحه» ، والترمذي في «الشمائل» - واللفظ له- عن أبي إسحاق السبيعي قال: (سأل رجل البراء بن عازب) هو وأبوه صحابيان (رضي الله تعالى عنهما) - وتقدّمت ترجمته قريبا-:
(أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السّيف؟!) أي: في الاستنارة والاستطالة، فالسؤال عنهما معا. (قال: لا) أي: ليس مثل السيف في الاستنارة والاستطالة، (بل مثل القمر) المستدير الذي هو أنور من السيف، لكنه لم يكن مستديرا جدّا بل كان بين الاستدارة والاستطالة، وكونه ﷺ أحسن من القمر لا ينافي صحّة تشبيهه به في ذلك، لأن جهات الحسن لا تنحصر، على أن التشبيه بالقمر، أو بالشمس؛ أو بهما إنما هو على سبيل التقريب والتمثيل، وإلّا! فلا شيء يعادل شيئا من أوصافه ﷺ ، إذ هي أعلى وأجلّ من كلّ مخلوق، وكما أنّ وجهه أبهى من الشمس والقمر؛ فنور قلبه أعظم ضياء منهما، فلو كشف الحقّ عن مشارق أنوار قلبه لانطوى نور الشمس والقمر في مشرقات أنوارها، وأين نور القمرين من نوره!! فالشمس يطرأ عليها الكسوف والغروب، وأنوار قلوب الأنبياء لا كسوف لها
стр. 250
وكان لونه ﷺ أزهر، ولم يكن بالأسمر، ولا بالشّديد البياض.
ولا غروب. ونور الشمس تشهد به الآثار، ونور القلب يشهد به المؤثّر، لكن لا بدّ للشمس من سحاب؛ وللحسناء من نقاب!!.
إن شمس النّهار تغرب باللّي ... ل وشمس القلوب ليست تغيب
(وكان لونه ﷺ أزهر) ؛ أي: أبيض بياضا نيّرا مشرقا، لأنه مشرّب بحمرة وقد وصفه جمهور أصحابه بالبياض؛ منهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعلي بن أبي طالب، وأبو جحيفة: ووهب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس، وهند بن أبي هالة، والحسن بن علي، وأبو الطّفيل عامر بن واثلة، ومحرّش الكعبي «١» ، وعبد الله بن مسعود، والبراء بن عازب، وعائشة، وأبو هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأنس في رواية جميع أصحابه عنه ما عدا حميدا؛ فقال: أسمر. قال الحافظ العراقي: انفرد بها حميد عن أنس، ورواه غيره من الرواة عنه؛ فقال: أزهر اللون. فهؤلاء ستّة عشر صحابيا وصفوه بالبياض. وقد مرّت رواية بعضهم، وستأتي رواية بعضهم. وما فسّرنا به الأزهر، من كونه أبيض ... الخ هو ما قاله الأكثر. لكن قال السّهيلي: الزّهرة- في اللغة-: إشراق في اللون بياضا؛ أو غيره.
(ولم يكن بالأسمر) الشديد السّمرة؛ وهو المعبّر عنه بالآدم، وإنّما يخالط بياضه الحمرة، لكنّها حمرة بصفاء. فيصدق عليه أنّه أزهر.
(ولا بالشّديد البياض) ، وهو المعبّر عنه ب «الأمهق» ؛ رواه البخاريّ والترمذيّ؛ من حديث أنس بلفظ: «أزهر اللون ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم» ..
الحديث، ورواه الترمذي في «الشمائل» عن هند بن أبي هالة «أزهر اللون واسع الجبين» ... الحديث. وقد تقدّم.
стр. 251
ونعته عمّه أبو طالب فقال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ...
(ونعته عمّه) شقيق أبيه (أبو طالب) - واسمه: عبد مناف بن عبد المطلب؛ والد عليّ ﵁ وإخوته: الحارث، وجعفر، وعقيل- (فقال) في قصيدة لاميّة طويلة أكثر من ثمانين بيتا؛ ذكرها ابن إسحاق بطولها.
(وأبيض) - بفتح الضاد، مجرور ب «ربّ» مقدّرة؛ كما صدر به الحافظ كالكرماني والسيوطي، وجزم به في «المغني» . أو منصوب، قال الحافظ ابن حجر: بإضمار «أعني» أو «أخصّ» . قال: والراجح أنّه بالنصب عطفا على «سيّدا» المنصوب في البيت قبله وهو:
وما ترك قوم لا أبا لك سيّدا ... يحوط الذّمار غير ذرب مواكل
انتهى.
وبه قطع الدّماميني في «مصابيحه» ، وردّ به على ابن هشام، واستظهره في «شرح المغني» ، وقال: هو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، أو هو مرفوع خبر مبتدأ محذوف؛ قاله الكرماني، وأفاده القسطلّاني عن ضبط الشرف اليونيني في نسخته من البخاري؛ أي: هو أبيض؛ ذكره الزرقاني في «شرح المواهب» ، في الجزء الأول، واقتصر في موضع آخر من الجزء الرابع على النصب؛ مصدّرا به والرفع، وردّ الجر. والله أعلم.
وفي رواية بدل «وأبيض» و «أبلج» من البلج- بفتحتين- وهو: نقاء ما بين الحاجبين.
(يستسقى) - بالبناء للمفعول- (الغمام) : السحاب (بوجهه) أي: يطلب السقي من الغمام بوجهه، والمراد ذاته، أي: يتوسّل إلى الله به. وهذا قاله عن مشاهدة لذلك، لما رأى في وجهه من مخايل ذلك؛ وإن لم يشاهده كما أبداه بعضهم احتمالا، وجزم به آخر فإنّه عجب.
стр. 252
.. ثمال اليتامى عصمة للأرامل وكان ﷺ أزهر اللّون، كأنّ عرقه اللّؤلؤ، إذا مشى.. تكفّأ. وكان رسول الله ﷺ ...
(ثمال اليتامى) - بكسر المثلثة وخفّة الميم- هو: العماد والملجأ، والمطعم والمغيث، والمعين والكافي. (عصمة للأرامل) ؛ أي: يمنعهم مما يضرّهم؛ جمع أرملة؛ وهي الفقير التي لا زوج لها. قال الدماميني: هو بنصب «ثمال» ؛ و «عصمة» ويجوز رفعهما على أنهما خبرا محذوف. زاد القسطلّاني: وبجرّهما على أن «أبيض» مجرور. انتهى؛ ذكره الزرقاني على «المواهب» رحمه الله تعالى.
(و) روى مسلم في «صحيحه» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ أزهر اللّون) ؛ أي: نيّره وحسنه. وفي «الصحاح» كغيره:
الأبيض المشرق، وبه أو ب «الأبيض المنير» فسّره عامّة المحدّثين؛ حملا على الأكمل، أو لقرينة. ولعل من فسّره بالأبيض الممزوج بحمرة نظر إلى المراد بقرينة الواقع. قال محقق: والأشهر في لونه أنّ البياض غالب عليه؛ لا سيما فيما تحت الثياب، لكن لم يكن كالجصّ، بل نيّر ممزوج بحمرة غير صافية، بل مع نور كدر؛ كما في «المغرب» . ولهذا جاء في رواية «أسمر» ، وبه يحصل التوفيق بين الروايات؛ ذكره المناوي في «كبيره» . وقال العزيزي: قال العلقمي: هو الأبيض المستنير المشرق، وهو أحسن الألوان، أي: ليس بالشديد البياض.
(كأنّ) - بالتشديد- (عرقه) - بالتحريك-: ما يترشّح من جلد الإنسان (اللّؤلؤ) في الصفاء والبياض، (إذا مشى تكفّأ) - بالهمز، ودونه- قال الأزهري: معناه أنّه يميل إلى سننه وقصد مشيه. وقال في «الدر» : تكفّأ؛ أي:
تمايل إلى قدّام- بالتشديد- كالسفينة في جريها، وقال المناوي: أي: يسرع كأنّه يميل تارة إلى يمينه وأخرى إلى شماله انتهى «عزيزي» .
(و) في «الإحياء» - وعزاه في شرحه؛ إلى «دلائل النبوة» للبيهقي-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، ورواه أبو نعيم عنها قالت: (كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم
стр. 253
أحسن النّاس وجها وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبّهه بالقمر ليلة البدر.
وكانوا يقولون: هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصّدّيق ...
أحسن النّاس وجها وأنورهم) . روى البخاريّ ومسلم؛ من حديث البراء: كان أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ... الحديث، وللترمذيّ وابن ماجه؛ من حديث أنس: كان أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس. (لم يصفه واصف إلّا شبّهه بالقمر) . وإنما اختير على الشمس!! لأنه يتمكّن من النظر إليه ويؤنس من شاهده من غير أذى يتولّد عنه، بخلاف الشمس؛ لأنها تغشي البصر، وقال:
(ليلة البدر!!) لأنّ القمر فيها في نهاية إضاءته وكماله. رواه البيهقي في «الدلائل» ؛ من حديث أبي إسحاق الهمداني عن امرأة من همدان سمّاها؛ قالت:
حججت مع رسول الله ﷺ مرّات فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن، عليه بردان أحمران ... الحديث. وفيه قال: قال أبو إسحاق: فقلت لها: شبّهيه فقالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله. انتهى. وقولها:
«مرّات» !! قال الزرقاني. كذا هنا!! فلعلها قبل الهجرة، إذ لم يحجّ بعد الهجرة سوى حجة الوداع. وقوله «١» : «فرأيته على بعير له» ؛ أي: في حجة الإسلام؛ كما في الزرقاني على «المواهب» .
(و) في «الإحياء» - وهو معزوّ إلى «دلائل النبوة» أيضا؛ من تتمة الحديث السابق-: (كانوا يقولون: هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصّدّيق) .
واسمه: عبد الله بن أبي قحافة: عثمان بن عامر بن عمير بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرّة بن كعب.
وأمّ أبي بكر؛ أمّ الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
стр. 254
أسلم أبو [أبي] «١» بكر وأمّه وصحبا رسول الله ﷺ . قال العلماء: لا يعرف أربعة متناسلون؛ بعضهم من بعض صحبوا رسول الله ﷺ إلّا آل أبي بكر الصديق؛ وهم عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة؛ فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون. وأيضا أبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله تعالى عنهم.
ولقب أبي بكر «عتيق» ! لعتقه من النار، وقيل: لحسن وجهه وجماله.
وروى الترمذي بإسناده؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قال: «أبو بكر عتيق الله من النّار» فمن يومئذ سمّي «عتيقا» .
وأجمعت الأمة على تسميته «صدّيقا» . قال علي بن أبي طالب ﵁: إنّ الله تعالى هو الذي سمّى أبا بكر على لسان رسول الله ﷺ صدّيقا، وسبب تسميته أنّه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ولازم الصدق، فلم يقع منه هناة؛ ولا وقفة في حال من الأحوال.
وكانت له في الإسلام مواقف رفيعة؛ منها: قصته صبيحة الإسراء، وثباته وجوابه للكفّار في ذلك، وهجرته مع رسول الله ﷺ ، وترك عياله وأطفاله؛ وملازمته في الغار وسائر الطريق، ثمّ كلامه يوم بدر، ويوم الحديبية حين اشتبه الأمر على غيره في تأخّر دخول مكّة، ثم بكاؤه حين قال رسول الله ﷺ «إنّ عبدا خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عند الله» ، ثم ثباته في وفاة رسول الله، وخطبته الناس وتسكينهم، ثم قيامه في قصة البيعة لمصلحة المسلمين، ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك، ثم قيامه في قتال أهل الردّة؛ ومناظرته للصحابة حتّى حجّهم بالدلائل، وشرح الله صدورهم لما شرح الله صدره من الحق؛ وهو قتال أهل الردة، ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام لفتوحه وإمدادهم بالإمداد، ثم ختم ذلك بمهمّ من أحسن مناقبه وأجلّ فضائله؛ وهو استخلافه على
стр. 255
رضي الله تعالى عنه حيث يقول:
أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الغمام
وكان ﷺ أبيض كأنّما صيغ من فضّة، ...
المسلمين عمر بن الخطاب ﵁، وتفرّسه فيه ووصيته له، واستيداعه الله الأمّة، فخلفه الله فيهم أحسن الخلافة، وظهر لعمر- الذي هو حسنة من حسناته؛ وواحدة من فعلاته- تمهيد الإسلام وإعزاز الدين، وتصديق وعد الله تعالى بأن يظهره على الدين كلّه، وكم للصديق من مواقف وآثار!! ومن يحصي مناقبه ويحيط بفضائله غير الله !!.
وكانت ولادته بعد الفيل بثلاث سنين تقريبا بمكّة المكرّمة، وتوفي بالمدينة المنورة سنة: ثلاث عشرة من الهجرة، وعمره: ثلاث وستون سنة كرسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ومدّة خلافته: سنتان وثلاثة أشهر ونصف شهر.
روي له عن النبي ﷺ مائة حديث واثنان وأربعون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاريّ بأحد عشر، ومسلم بحديث.
وسبب قلّة روايته مع تقدّم صحبته وإسلامه وملازمته للنبي ﷺ !! أنّه تقدّمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها.
(رضي الله تعالى عنه) وأرضاه (حيث يقول:
أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الغمام)
وقوله (زايله الغمام) أي: فارقه، فالبدر أضوأ ما يكون إذ ذاك.
(و) روى الترمذي في «الشمائل» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ أبيض كأنّما صيغ) ؛ من الصوغ- بالغين المعجمة:
بمعنى صنع الحلي والإيجاد- أي: سبك وصنع (من فضّة) باعتبار ما كان يعلو بياضه ﷺ من النور والإضاءة، وفيه إيماء إلى تماسك أجزائه وتناسب أعضائه، ونورانيّة وجهه وسائر بدنه. وفي رواية لأحمد: فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة
стр. 256
رجل الشّعر.
وكان ﷺ أبيض مليحا مقصّدا.
فضة. وسيأتي. وعلم من ذلك أن المراد أنّه كان نيّر البياض (رجل) - بكسر الجيم وتسكن- (الشّعر) ؛ أي: لم يكن قططا؛ ولا سبطا. قال القرطبي: كأنّ شعره من أصل الخلقة مسرّحا. انتهى.
(و) روى مسلم، والترمذي في «الشمائل» - واللفظ ل «الشمائل» - عن سعيد الجريري؛ قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت النبي ﷺ وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري. قلت: صفه لي. قال:
(كان ﷺ أبيض) ؛ أي: بياضا مشرّبا بحمرة؛ لا خالصا كالبهق، لأنه لا جمال فيه (مليحا) ؛ أي: حسنا جميلا، لأنّه كان أزهر اللون، وهذا غاية الملاحة، فلم يقارب جماله أحد. وما أعطي يوسف!! إنّما هو جزء مما أعطي رسول الله ﷺ . (مقصّدا) - بتشديد الصاد المفتوحة؛ على أنه اسم مفعول من باب التفعيل- أي: متوسّطا. يقال رجل مقصّدا؛ أي: متوسط، كما يقال رجل قصد؛ أي: وسط، قال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) [٩/ النحل] أي: وسطه.
والمراد أنه ﷺ متوسّط بين الطول والقصر، وبين الجسامة والنحافة، بل جميع صفاته على غاية من الأمر الوسط، فكان في لونه وهيكله؛ وشعره وشرعه مائلا عن طرفي الإفراط والتفريط. وأمته وسط بين الأمم. وكان في قواه كذلك؛ فكان معتدل القوى، واعتدالها: أن لا يخرج إلى حدّ الإفراط والتفريط، ألا ترى أن اعتدال قوى العقل يعبّر عنه بالفطنة والكياسة!! فإن مالت عن الاعتدال إلى طرف الإفراط سمّي: مكرا وخداعا، أو إلى التفريط سمي: بلها وحمقا. وكذا اعتدال قوّة الغضب، فإنه يعبّر عنه بالشجاعة، فإن مالت إلى طرف الإفراط سمي:
تهوّرا، أو التفريط سمي: جبنا. وكذا اعتدال قوّة الشهوة يعبّر عنه بالعفة، فإن مالت إلى الإفراط سمي: شرها؛ أو التفريط سمي: خمودا. فالطرفان في سائر الأخلاق مذمومان، والاعتدال هو الوسط محمود. فحفظ ﷺ في ذلك كلّه من
стр. 257
ومعنى (المقصّد) : المتوسّط بين الطّول والقصر.
وكان رسول الله ﷺ أبيض مشربا بياضه بحمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار.
وكان ﷺ أبيض مشربا بحمرة، ضخم الهامة، محذوري الإفراط والتفريط. انتهى «مناوي، وباجوري» .
وقد روى هذا الحديث أبو داود بلفظ: كان أبيض مليحا، إذا مشى كأنما يهوي في صبوب. ورواه مسلم أيضا بلفظ: كان أبيض مليح الوجه.
(ومعنى المقصّد) - بالتشديد-: (المتوسّط بين الطّول والقصر) يعني: ليس بجسيم ولا نحيف، ولا طويل ولا قصير، كأنّه نحي به القصد من الأمور. قال البيضاوي:
المقصّد: المقتصد. يريد به المتوسّط بين الطويل والقصير؛ والناحل والجسيم.
(و) روى البيهقيّ في «الدلائل» ؛ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ أبيض مشربا) - بالتخفيف والتشديد- (بياضه بحمرة) ، أي: يخالط بياضه حمرة؛ كأنه سقي بها.
(وكان أسود الحدقة) - بفتحات- أي: شديد سواد العين، (أهدب) بالدال المهملة- (الأشفار) جمع شفر- بالضم ويفتح-: حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر؛ أي: طويل شعر الأجفان كثيرا.
(و) روى البيهقي في «الدلائل» ؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرّم وجهه في الجنة؛ قال: (كان) رسول الله ﷺ أبيض مشربا بحمرة) بالتخفيف من الإشراب، و [مشرّبا] بالتشديد من التشريب- يقال: بياض مشرب بحمرة- بالتخفيف- فإذا شدّد كان للتكثير والمبالغة، فهو هنا للمبالغة في البياض، لأن الإشراب خلط لون بلون؛ كأنّ أحد اللونين سقى الآخر.
(ضخم الهامة) - بالتخفيف- أي: عظيم الرأس، لأن الهامة هي الرأس، وعظمه ممدوح محبوب، لأنه أعون على الإدراكات ونيل الكمالات.
стр. 258
أغرّ أبلج، أهدب الأشفار. ومعنى (الأغرّ) : الصّبيح.
و (الأبلج) : الحسن المشرق المضيء.
وكان رسول الله ﷺ أحسن عباد الله عنقا، لا ينسب إلى الطّول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشّمس والرّياح فكأنّه إبريق فضّة مشرّب ذهبا، يتلألأ في بياض الفضّة وفي حمرة الذّهب.
وكان ﷺ من أحسن عباد الله شفتين ...
(أغرّ) ؛ أي: صبيحا، (أبلج) أي: مشرقا مضيئا. وقيل: الأبلج: خالي الشعر بين الحاجبين، فليس بأقرن الحاجبين، لأن العرب تمدح بعدم القرن.
(أهدب الأشفار) ؛ أي: أنّ لأشفاره هدبا؛ أي: شعرا أطول من غيره، أخذا من أفعل التفضيل، وحذف العاطف فيه وفيما قبله!! ليكون أدعى إلى الإصغاء إليه، وأبعث للقلوب على تفهّم خطابه. فإنّ اللفظ إذا كان فيه نوع غرابة وعدم ألفة أصغى السمع إلى تدبّره والفكر فيه، فجاءت المعاني مسرودة على نمط التعديد؛ إشعارا بأن كلّا منها مستقلّ بنفسه؛ قائم برأسه، صالح لانفراده بالغرض.
(ومعنى الأغرّ: الصّبيح. و) معنى (الأبلج: الحسن المشرق المضيء.)
وقيل: الأبلج: نقيّ ما بين الحاجبين من الشعر- كما تقدّم-.
(و) في «الإحياء» - وعزاه في «شرحه» إلى البيهقي في «دلائل النبوة» -؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ أحسن عباد الله عنقا؛ لا ينسب إلى الطّول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشّمس والرّياح؛ فكأنّه إبريق فضّة مشرّب ذهبا، يتلألأ في بياض الفضّة وفي حمرة الذّهب) ، وما غيّبت الثياب من عنقه وما تحته! فكأنّه القمر ليلة البدر. هذا تمام الكلام، والحديث طويل جدا، ساقه في «شرح الإحياء» بطوله. وهو مشتمل على نفائس من أوصافه ﷺ .
(و) في «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ من أحسن عباد الله شفتين،
стр. 259
وألطفهم ختم فم. وكان ﷺ عريض الصّدر لا يعدو لحم بعض بدنه بعضا؛ كالمرآة في استوائها، وكالقمر في بياضه.
وكان له ﷺ ثلاث عكن يغطّي الإزار منها واحدة.
وعن أمّ هانىء ...
وألطفهم ختم فم) . رواه البيهقي في «دلائل النبوة» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو من جملة الحديث الطويل الذي تقدّمت الإشارة إليه.
(و) في «الإحياء» أيضا: (كان) رسول الله ﷺ عريض الصّدر، لا يعدو لحم بعض بدنه بعضا؛ كالمرآة في استوائها، وكالقمر في بياضه) .
قال في «شرحه» : رواه البيهقي؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ: وكان عريض الصدر ممسوحه كأنّه المرآة في سموتها واستوائها، لا يعدو بعض لحمه بعضا، على بياض القمر ليلة البدر. وهو من جملة الحديث الطويل الذي تقدمت منه جمل. وفي سنده نظر.
(و) في «الإحياء» أيضا: (كان له ﷺ ثلاث عكن) - العكن: جمع عكنة بالضم؛ طيّة من طيات البطن- (يغطّي الإزار منها واحدة) ، وتظهر اثنتان.
قال في «شرحه» : رواه البيهقيّ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، إلّا أنّه قال: يغطي الإزار منها اثنتين وتظهر منها واحدة. ومنهم من قال: واحدة وتظهر اثنتان. ثم قال: تلك العكن أبيض من القباطي المطواة، وألين مسّا.
(وعن أمّ هانىء) - بهمزة في آخره-، لا خلاف بين أهل اللغة والأسماء، وكلّهم مصرّحون به.
واسم أم هانىء: فاختة بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب لأبويه رضي الله تعالى عنها، وهذا هو المشهور في اسمها. وقيل: اسمها هند، قاله
стр. 260
رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثنيّة بعضها على بعض.
وعن محرّش الكعبيّ رضي الله تعالى عنه قال: اعتمر النّبيّ ﷺ من الجعرانة ...
الإمامان الشافعي وأحمد ابن حنبل وغيرهما. وقيل: فاطمة؛ حكاه ابن الأثير.
أسلمت عام الفتح، وكانت تحت هبيرة بن عمرو؛ فولدت له عمرا وهانئا ويوسف وجعدة. وهرب زوجها إلى نجران ففرّق الإسلام بينهما؛ فعاشت أيّما، وماتت بعد سنة أربعين من الهجرة؛ بعد قتل أخيها عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما.
روت عن النبي ﷺ ستة وأربعين حديثا (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثنيّة بعضها على بعض) .
(و) أخرج الإمام أحمد ابن حنبل (عن محرّش) - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الراء الثقيلة ومعجمة- ضبطه ابن ماكولا؛ تبعا لهشام بن يوسف ويحيى بن معين. ويقال: بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، وصوّبه ابن السكن؛ تبعا لابن المديني كما في «الإصابة» ، وزاد في «التبصير» : وقال ابن سعد مخرّش- بالخاء المعجمة-. وقال بعضهم: مهملة. وقال الزمخشري: الصواب بالخاء المعجمة. انتهى. وفي «الجامع» لابن الأثير: ويقال: محرش؛ بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الراء مخففة وشين معجمة.
قال في «الإصابة» : وهو ابن سويد بن عبد الله بن مرّة الخزاعي (الكعبيّ) عداده في أهل مكة. وقيل: إنه ابن عبد الله. انتهى (رضي الله تعالى عنه.
قال: اعتمر النّبيّ ﷺ من الجعرانة) - بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء- وهو الأشهر وصوّبه النووي في «تهذيبه» ، ونقله عن الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ وأئمة اللغة، ومحقّقي المحدّثين، و [الجعرّانة] بكسر المهملة وتشديد الراء، وعليه عامّة المحدّثين، لكن عدّه الخطّابي من تصحيفهم.
وقال صاحب «المطالع» : كلا اللّغتين صواب:
стр. 261
ليلا فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة.
وفي «المواهب» : عن مقاتل بن حيّان: ...
موضع مشهور بين الطائف ومكّة؛ وهو إليها أقرب، إذ بينهما ثمانية عشر ميلا؛ على ما قاله الرافعي والباجي المالكي وتبعهما الإسنوي. واثنا عشر؛ على ما قاله الفاكهي والأسدي وغيرهما. ورجّحه الفاسي بعد تحريره، فبينها وبين الحرم من جهتها نحو ثلاث أميال.
سمّيت «جعرانة» !! باسم امرأة من تميم، وقيل: من قريش. وهي المشار إليها بقوله تعالى (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها) [٩٢/ النحل] وبها ماء شديد العذوبة.
قال الفاكهي: يقال إنه ﷺ حفر موضعه بيده الشريفة المباركة فانبجس فشرب منه، وسقى الناس. أو غرز رمحه فنبع. قال الواقدي كمجاهد: وإحرامه ﷺ بها من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى (ليلا) . قال الواقدي:
وكانت ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقين من ذي القعدة. انتهى.
(فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة) ، فاعتمر وأصبح بها كبائت. هذا بقية الحديث. وأخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي بإسناد حسن. قال الترمذي:
ولا يعرف له غيره. انتهى «زرقاني» .
(وفي «المواهب) اللدنية بالمنح المحمّدية» للعلامة القسطلّاني؛ (عن مقاتل بن حيّان) - بمهملة فتحتية مشددة- النّبطي- بفتح النون والموحدة- المفسّر أبي بسطام البلخي الخزار- بمعجمة وزايين- كما ضبطه الزرقاني على «المواهب» .
وهو مولى بكر بن وائل. وهو من تابعي التابعين، صدوق فاضل. روى عن سالم بن عبد الله، وعكرمة «مولى ابن عباس» وعطاء بن أبي رباح، وأبي بردة بن أبي موسى، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والحسن البصري، وأبي الصديق الناجي، وشهر بن حوشب، وعبد الله بن بريدة، والضحّاك بن مزاحم وغيرهم.
وروى عنه علقمة بن مرثد، وعتّاب بن محمد، وأبو جعفر الرازي،
стр. 262
قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: «اسمع وأطع، يا ابن الطّاهرة البكر البتول، إنّي خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ فتوكّل، فسّر لأهل سوران إنّي أنا الله الحيّ القيّوم الّذي لا أزول، صدّقوا النّبيّ الأمّيّ صاحب الجمل والمدرعة، والعمامة والنّعلين والهراوة، ...
وعبد الله بن المبارك، وخلائق غيرهم. واتفقوا على توثيقه والثناء عليه.
وروى له مسلم وأصحاب «السنن» ، وأخطأ الأزدي في زعمه «أنّ وكيعا كذّبه» ، وإنّما كذّب مقاتل بن سليمان!!. مات قبل الخمسين ومائة هجرية بأرض الهند.
(قال: أوحى الله تعالى إلى) المسيح (عيسى) ابن مريم- على نبينا و (عليه) الصلاة (والسّلام) -: جدّ في أمري ولا تهزل و (اسمع وأطع؛ يا ابن الطّاهرة البكر البتول) : المنقطعة عن الرجال؛ (إنّي خلقتك من غير فحل فجعلتك آية) : علامة دالّة على قدرتي (للعالمين) الإنس والجن والملائكة حيث خلقتك من غير فحل، (فإيّاي فاعبد) لا غيري، (وعليّ فتوكّل) ؛ لا على غيري، (فسّر لأهل سوران) - بالسريانية-: بلّغ من بين يديك (إنّي أنا الله الحيّ) الدائم البقاء، (القيّوم) : المبالغ في القيام بتدبير خلقه، (الّذي لا أزول، صدّقوا النّبيّ الأمّيّ) العربيّ (صاحب الجمل والمدرعة) - بكسر الميم- أي: القتال والملاحم؛ كما في «السّامي في الأسماء» ؛ وإن كانت في الأصل كالدّرّاعة ثوب، ولا يكون إلّا من صوف؛ كما في «القاموس» ؛ كذا في الزرقاني.
وقال المصنّف النبهاني في كتاب «الأسمى» : صاحب المدرعة هي نوع من الثياب، ولا تكون إلّا من الصوف، وهي علامة التواضع ولبس الصالحين.
انتهى.
(والعمامة والنّعلين والهراوة) - بكسر الهاء ثم راء فألف فواو فتاء تأنيث-:
стр. 263
الجعد الرّأس، الصّلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدّين، الكثّ اللّحية، عرقه في وجهه كاللّؤلؤ، ...
العصا مطلقا، أو الضخمة.
(الجعد الرّأس) - بفتح الجيم وسكون العين- أي: جعودة متوسّطة، فلا يخالف قول أنس في «الصحيحين» والترمذي «ليس بالجعد القطط، ولا بالسّبط» القطط، بفتحتين: الشديد الجعودة كالسودان، والسّبط- بفتح فكسر أو سكون-:
المنبسط المسترسل الذي لا تكسّر فيه، فهو متوسّط بين الجعودة والسبوطة.
(الصّلت) : الواضح (الجبين، المقرون الحاجبين) .
وفي «شرح الإحياء» : المفروق الحاجبين. وهو الموافق لرواية ابن أبي هالة، وزيادة جملة وهي «الأنجل العينين» .
(الأهدب الأشفار، الأدعج العينين) - بمهملة وجيم- أي: الشديد سواد الحدقة مع سعتها، فلا يشكل بأنه «أشكل» ، لأن الشّكلة في البياض؛ لا في السواد.
(الأقنى الأنف) - بقاف فنون- مخففا من القنى. وفسّر في «النهاية» بالسائل الأنف المرتفع وسطه مع احد يدابه وارتفاع أعلاه.
(الواضح الخدّين) أي: ليس فيهما نتوء؛ ولا ارتفاع، فهو كقول هند:
«سهل الخدين» .
(الكثّ اللّحية) - بفتح الكاف ومثلثة-: غير دقيقها ولا طويلها وفيها كثافة؛ كما في «النهاية» . وفي «التنقيح» : كثير شعرها غير مسبلة. واللّحية- بكسر اللام وفتحها؛ وهو لغة الحجاز-: الشعر النابت على الذقن خاصّة.
(عرقه) - بالتحريك-: ما يرشح من جلده (في وجهه كاللّؤلؤ) في الصفاء والبياض، وفي «شرح الإحياء» : كأنه اللؤلؤ. وللبيهقي؛ عن عائشة رضي الله
стр. 264
وريح المسك ينفح منه، كأنّ عنقه إبريق فضّة» .
قوله: (صلت الجبين) : واضحه.
و (أدعج العينين) : شديد سواد العين.
و (أقنى الأنف) : طويله مع دقّة أرنبته، في وسطه بعض ارتفاع.
قال ابن الأثير: ...
تعالى عنها: كان يخصف نعله وكنت أغزل؛ فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولّد نورا.
(وريح المسك ينفح) - بفتح الفاء- أي: يهبّ (منه) ويظهر رائحته، (كأنّ عنقه) - بضم المهملة والنون وتسكن- (إبريق فضّة) ؛ صفاء وطولا متوسطا لا مفرطا. قال في «شرح الإحياء» : رواه البيهقي في «دلائل النبوة» .
(قوله: صلت الجبين) معناه: (واضحه) . وقوله (أدعج العينين) معناه:
(شديد سواد العين) من الدّعج- بفتحتين- أي: مع اتساعها؛ كما في «الصحاح» وغيره. وفي «النهاية» : الدّعج: السّواد في العين وغيرها. وقيل: شدّة بياض البياض وسواد السواد.
(و) قوله (أقنى الأنف) معناه: (طويله مع دقّة أرنبته) ؛ أي: طرفه، (في وسطه بعض ارتفاع) وهو المعبّر عنه بالاحديداب.
هذا؛ وما وصفه به ابن أبي هالة في الحديث المتقدّم في قوله: «سوابغ من غير قرن» مخالف لما هنا في حديث مقاتل بن حيان من قوله: «المقرون الحاجبين» ، ومخالف لما في حديث أم معبد فإنّها قالت: «أحور أكحل، أزجّ أقرن» أي: مقرون الحاجبين!!.
(قال) العلّامة الحافظ مجد الدين (ابن الأثير) أبو السعادات مبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري.
ولد بجزيرة ابن عمر سنة: - ٥٤٤- أربع وأربعين وخمسمائة ونشأ بها، ثم
стр. 265
والصّحيح في صفة حواجبه ﷺ أنّها سوابغ من غير قرن.
انتقل إلى الموصل، وأنشأ رباطا بقرية قرب الموصل تسمى «قصر حرب» . وكان أشهر العلماء ذكرا، وأكثر النبلاء قدرا.
وله المصنفات البديعة منها «جامع الأصول» و «النهاية في غريب الحديث» ، و «الإنصاف في الجمع بين «الكشف» و «الكشاف» » ، و «المصفّى المختار في الأدعية والأذكار» ، و «البديع شرح «الفصول» في النحو» ، و «الشافي» شرح «مسند الشافعي» ، وكتاب لطيف في صنعة الكتابة.
توفي في ذي القعدة سنة: - ٦٠٦- ست وستمائة هجرية رحمه الله تعالى.
قال في «النهاية» : (والصّحيح في صفة حواجبه ﷺ أنّها سوابغ من غير قرن) ؛ كما وصفه به ابن أبي هالة. وقال غير ابن الأثير: إنه المشهور، وأن قول الحسن: «سألت خالي هند بن أبي هالة؛ وكان وصّافا» ردّ لما جاء بخلافه.
وجمع على تقدير الصحّة؛ بأنه بحسب ما يبدو للناظرين من بعد، أو بلا تأمّل.
وأما القريب المتأمّل فيرى بين حاجبه فاصلا مستبينا، فهو أبلج في الواقع؛ أقرن بحسب الظاهر للناظر من بعد، أو بلا تأمّل؛ كما في وصف أنفه: يحسبه من لم يتأمّله أشمّ؛ ولم يكن أشمّ. وبأن بينها شعرا خفيفا جدا يظهر إذا وقع عليه الغبار في نحو سفر وحديثها سفري وبأن القرن حدث له بعد، وكان أوّلا بلا قرن، واستبعد.
قال الأنطاكي وغيره: والقرن معدود من معايب الحواجب، والعرب تكرهه، وأهل القيافة تذمّه، ويستحبّون البلج خلاف ما عليه العجم. وإذا دقّقت النظر علمت أنّ نظر العرب أدقّ، وطبعهم أرقّ. انتهى زرقاني على «المواهب» .
قلت: هذا بحسب ما في «المواهب» . والذي في «شرح الإحياء» ؛ في حديث مقاتل بن حيان: «المفروق الحاجبين» ، وعليه؛ فهو يوافق كلام الوصّاف هند بن أبي هالة؛ فلتراجع نسخة «دلائل النبوة» للبيهقي التي هي الأصل. والله أعلم.
(و) روى ابن السّنّيّ في «عمل اليوم والليلة» - كما في المناوي؛ على «الجامع الصغير» - قال: ورواه عنه أيضا الطّبراني في «الأوسط» - قال الحافظ
стр. 266
وكان رسول الله ﷺ إذا نظر وجهه في المرآة..
قال: «الحمد لله الّذي سوّى خلقي فعدّله، وكرّم صورة وجهي فحسّنها، وجعلني من المسلمين» .
وكان ﷺ إذا نظر في المرآة.. قال: «الحمد لله الّذي حسّن خلقي وخلقي، وزان منّي ما شان من غيري» .
العراقي: وسنده ضعيف. ورواه عنه البيهقي في «الشّعب» ، وفيه هاشم بن عيسى الحمصي؛ أورده الذهبي في «الضعفاء» ، وقال: لا يعرف- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا نظر وجهه) ؛ أي: صورة وجهه (في المرآة) المعروفة- بالمدّ- (قال: «الحمد لله الّذي سوّى خلقي) - بفتح فسكون- أي: صورة خلقي (فعدّله) - بالتشديد والتخفيف- أي: بسبب كونه كرّم صورته، (وكرّم صورة وجهي فحسّنها) ؛ فيسنّ النظر في المرآة وقول ذلك؛ ولو كانت صورة وجهه ليست حسنة. لأنّ المراد الحسن النسبي بالنسبة لغيره، (وجعلني من المسلمين) ليقوم بواجب شكر ربّه تقدّس.
(و) أخرج أبو يعلى، والطبراني في «الكبير» - بسند فيه متروك؛ كما قال المناوي- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا نظر في المرآة؛ قال: «الحمد لله الّذي حسّن) - بالتشديد: فعّل- (خلقي) بسكون اللام- (وخلقي) - بضمّها- (وزان منّي ما شان) - أي: قبح- (من غيري) . قال الطيبي: فيه معنى قوله «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» فجعل النقص شينا؛ كما قال المتنبي:
ولم أر في عيوب النّاس عيبا ... كنقص القادرين على التّمام
وعلى نحو هذا الحمد حمد داود وسليمان (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) (١٥) [النمل] انتهى.
ولعل النبي ﷺ كان يقول هذا مرّة؛ وهذا أخرى. فيندب النظر في المرآة والحمد على حسن الخلق والخلقة، لأنهما نعمتان يجب الشكر عليهما. ويقول:
стр. 267
وكان ﷺ يقول: «أنا أشبه النّاس بآدم ﷺ ، وكان أبي إبراهيم ﷺ أشبه النّاس بي خلقا وخلقا» .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: ...
الحمد لله الذي حسن خلقي؛ وإن كان سيّىء الخلق، لأن المراد بالنسبة لمن هو أسوأ منه خلقا. وقد كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة. فقيل له، فقال: انظر فما كان في وجهي زين؛ فهو في وجه غيري شين أحمد الله عليه. انتهى «مناوي وحفني» .
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ يقول: أنا أشبه النّاس بآدم ﷺ ، وكان أبي إبراهيم) خليل الرحمن ﷺ أشبه النّاس بي خلقا) - بفتح الخاء وإسكان اللام- (وخلقا) . بضمتين.
قال في «شرح الإحياء» : رواه البيهقي في «دلائل النبوة» من جملة حديث طويل، ثم ساق الحديث بطوله بسنده إلى «دلائل النبوة» رحمه الله تعالى.
(و) روى مسلم في «صحيحه» ، والترمذي في «الشمائل» ؛ (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام- بالراء- ابن عمرو بن سواد بن سلمة- بكسر اللام- ابن سعد بن علي بن أسد بن ساردة- بالسين المهملة- ابن تزيد- بالتاء المثناة فوق- ابن جشم ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي السّلمي- بفتح السين واللام- المدني، الصحابي ابن الصحابي (رضي الله تعالى عنهما) يكنى: أبا عبد الله، وقيل:
أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا محمد.
كان من كبار الصحابة وفضلائهم. غزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة.
وهو أحد المكثرين في الرواية عن رسول الله ﷺ ، روى عنه ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على ستين حديثا، وانفرد البخاريّ بستة وعشرين. وانفرد مسلم بمائة وستة وعشرين.
وروى عن أبي بكر وعمر وعليّ وأبي عبيدة ومعاذ وخالد بن الوليد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 268
أنّ رسول الله ﷺ قال: «عرض عليّ الأنبياء، ...
وروى عنه جماعات من أئمة التابعين؛ منهم سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، ومحمد الباقر، وعطاء، وسالم بن أبي الجعد، وعمرو بن دينار، ومجاهد، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزبير، والشعبي، وخلائق.
واستشهد أبوه يوم أحد؛ فأحياه الله وكلّمه، وقال: يا عبد الله ما تريد؟
فقال: أن أرجع إلى الدنيا مرّة أخرى فأستشهد مرّة أخرى.
والمعنى: أريد زيادة رضاك؛ وهي الشهادة بعد الشهادة، وهذه المرتبة أعلى مقاما من حال أبي يزيد حين قيل له: ما تريد؟ فقال: أريد أن لا أريد. وقال بعض السادة من أهل السعادة: هذه أيضا إرادة. نعم من قال:
«أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد»
مستحسن جدّا، للحديث القدسي: «تريد وأريد، ولا يكون إلّا ما أريد» .
وكانت وفاة جابر بالمدينة المنورة سنة: ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل: ثمان وستين، وهو ابن أربع وتسعين سنة.
وكان ذهب بصره في آخر عمره؛ وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة المنورة. وحيث أطلق «جابر» في كتب الحديث؛ فهو جابر بن عبد الله. وإذا أريد جابر بن سمرة! قيّد. رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(أنّ رسول الله ﷺ قال: «عرض) - بصيغة المجهول- (عليّ) - بتشديد الياء- (الأنبياء) في النوم بأن مثّلت له صورهم على ما كانت عليه حال حياتهم، أو في اليقظة ليلة المعراج، لأنه رآهم ليلته بصورهم الحقيقية التي كانوا عليها حال الحياة، واجتمع بهم حقيقة في السموات، وفي بيت المقدس.
ويقرّب الأوّل رواية البخاري: «أراني اللّيلة عند الكعبة في المنام؛ فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من الرّجال تضرب لمّته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعا يديه على منكبي رجلين؛ وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟
стр. 269
فإذا موسى ﵇ ضرب من الرّجال كأنّه من رجال شنوءة.
قالوا: المسيح ابن مريم» .
ويؤيّد الثاني رواية البخاري أيضا: «ليلة أسري بي رأيت موسى ... »
الحديث. وفي ذلك إيماء إلى أفضليته ﷺ حيث لم يقل (عرضت عليهم) ، فإنّهم كالجنود له، والعسكر تعرض على السلطان؛ دون العكس. ولهذا قال بعض العارفين: إنّه ﷺ بمنزلة القلب في الجيش، والأنبياء مقدّمته، والأولياء ساقته، والملائكة يمنة ويسرة متظاهرين متعاونين، كما قال تعالى (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) (٤) [التحريم] . والشياطين قطّاع الطريق في الدين، والمراد بالأنبياء المعنى الأعمّ الشامل للرسل. (فإذا) - للمفاجأة- (موسى) على نبينا و (عليه) الصلاة و (السّلام) ، وهو عطف على محذوف؛ أي: فرأيت موسى؛ فإذا موسى ... الخ. وموسى معرّب موشى- بشين معجمة- سمّته به آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لمّا وجد بالتابوت بين ماء وشجر لمناسبته لحاله، فإنّ «مو» في لغة القبط: الماء، و «شى» في تلك اللغة: الشجر، فعرّب إلى موسى.
(ضرب) - بفتح فسكون- (من الرّجال) ؛ صفة ضرب؛ أي: نوع كائن من بين الرجال؛ وهو الخفيف اللحم المستدقّ، بحيث يكون جسما بين جسمين، لا ناحل ولا مطهّم. (كأنّه) - أي موسى- (من رجال شنوءة) التي هي قبيلة من اليمن؛ أو من قحطان، وهي على وزن فعولة: تهمز وتسهّل. قال ابن السّكّيت:
ربما قالوا شنوة كنبوة. ورجال هذه القبيلة متوسّطون بين الخفّة والسّمن.
والشّنوءة- في الأصل-: التباعد؛ كما في كلام «الصحاح» .
ومن ثمّ قيل لقّبوا به!! لطهارة نسبهم وجميل حسبهم، والمتبادر أنّ التشبيه بهم في خفّة اللحم، فيكون تأكيدا لما قبله، وبيانا له. وقيل: المراد تشبيه صورته بصورتهم؛ لا تأكيد خفّة اللحم، إذا التأسيس خير من التأكيد.
وقال بعضهم: الأولى أن يكون التشبيه باعتبار أصل معنى شنوءة؛ فلا يكون
стр. 270
ورأيت عيسى ابن مريم [﵇] ، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود.
تأكيدا لما قبله؛ ولا بيانا له، بل هو خبر مستقلّ بالفائدة. وإنما لم يشبهه ﷺ بفرد معيّن؛ كسيدنا إبراهيم وعيسى!! لعدم تشخّص فرد معيّن في خاطره حال حكايته ذلك لأصحابه. والله أعلم.
(ورأيت) - بصيغة المتكلّم أي: أبصرت- (عيسى ابن مريم) بنت عمران الصدّيقة بنصّ القرآن (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) [٧٥/ المائدة] قيل: من ذرية سليمان بينها وبينه أربعة وعشرون أبا، ورفع عيسى ﵇ وسنّها ثلاث وخمسون سنة، وبقيت بعده خمس سنين.
(فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة) - بمهملات- (ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه الثقفي؛ لا الهذلي كما وهم. وهو أبو مسعود؛ أو أبو يعفور. وأمه قرشية؛ وهو الذي أرسلته قريش إلى المصطفى ﷺ يوم الحديبية فعقد معه الصلح؛ وهو كافر، ثمّ أسلم سنة تسع- بتقديم المثناة على السين المهملة- من الهجرة بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف، واستأذن النبيّ ﷺ في الرجوع لأهله؛ فرجع ودعا قومه إلى الإسلام فرماه واحد منهم بسهم؛ وهو يؤذّن للصلاة؛ فمات، فقال رسول الله ﷺ لما بلغه ذلك: «مثل عروة مثل صاحب ياسين؛ دعا قومه إلى الله فقتلوه» انتهى. وهو أحد الرجلين اللذين قالوا فيهما (لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (٣١) [الزخرف]
وحلية عروة لم تضبط! ولعلّه اكتفى بعلم المخاطبين؛ فلم يحصل لنا المعرفة بحلية عيسى ﵇، لكن في رواية لمسلم: «فإذا هو ربعة أحمر كأنّه خرج من ديماس» أي: حمّام. وفي رواية أخرى: «فرأيت رجلا آدم كأحسن ما أنت راء» فجمع بين الحديثين بأنّه كان له حمرة وأدمة لم يكن شيء منها في الغاية، فوصفه تارة بالحمرة؛ وتارة بالأدمة، وجمع أيضا بغير ذلك.
ولا يخفى أنّ «أقرب» مبتدأ؛ خبره عروة بن مسعود. و «من» موصولة وعائدها محذوف؛ أي: أقرب الذي رأيته، وبه متعلّق ب «شبها» المنصوب على
стр. 271
ورأيت إبراهيم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم؛ يعني نفسه.
ورأيت جبريل ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية» .
أنّه تمييز للنسبة، وصلة «القرب» محذوفة أي: إليه أو منه.
(ورأيت إبراهيم) الخليل على نبينا و (عليه) الصلاة و (السّلام) قال الماوردي في «الحاوي» : معناه بالسريانية «أب رحيم» ، وفيه خمس لغات بل أكثر: إبراهيم، وإبراهام؛ وهما أشهر لغاته، وبهما قرىء في السّبع، وإبراهم بضم الهاء، وكسرها، وفتحها-.
(فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم) . ولذلك ورد: «أنا أشبه ولد إبراهيم به» . (يعني نفسه) ؛ أي: يقصد النبيّ ﷺ بقوله «صاحبكم» نفسه الشريفة. وهذا من كلام جابر رضي الله تعالى عنه.
(ورأيت جبريل) - كفعليل. وفيه ثلاثة عشر وجها؛ بسط بعضهم الكلام عليها. وهو سرياني؛ معناه: عبد الرحمن، أو عبد العزيز. و «إيل» : اسم الله عند الجمهور. وقيل غير ذلك.
ثم قوله «رأيت جبريل» معطوف على قوله «عرض عليّ الأنبياء» عطف قصّته على قصّته، فليس داخلا في عرض الأنبياء حتى نحتاج إلى جعله منهم تغليبا.
غاية الأمر: أنّه ذكره في سياق الأنبياء مع كونه غير نبي!! لكثرة مخالطته لهم وتبليغ الوحي إليهم، نظير ما قيل في قوله تعالى (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ) [٣٠- ٣١/ الحجر] انتهى «باجوري ومناوي رحمهما الله تعالى» .
﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية) - بكسر الدال المهملة وسكون الحاء المهملة وبالتحتانية المفتوحة؛ على ما قاله أكثر أصحاب الحديث وأهل اللغة. وقال ابن ماكولا في «الإكمال» : بفتح الدال-.
وهو ابن خليفة بن فضالة بن فروة الكلبي الصحابي قديما المشهور، بل هو من كبار الصحابة.
стр. 272
ومعنى (ضرب) : نوع.
و (شنوءة) : قبيلة من اليمن رجالها متوسّطون.
وكان رسول الله ﷺ واسع الظّهر، ...
شهد مع رسول الله ﷺ مشاهده كلّها بعد بدر، وبايع تحت الشجرة.
وفي «الصحيحين» : كان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورته غالبا، لأنه كان بارعا في الجمال؛ بحيث تضرب به الأمثال. وكان إذا دخل بلدا برز لرؤيته العواتق من خدورهن.
نزل الشام وسكن المزّة، وبقي إلى أيام معاوية ﵁. روى عن النبي ﷺ ثلاثة أحاديث. وحديثه في «الصحيحين» . وكانت وفاته في سنة:
خمس وأربعين تقريبا.
قال جمع من العلماء: وحكمة إتيان جبريل في صورته أنّ القرآن عربيّ نزل بلسان عربي مبين، وعادة العرب قبل الإسلام لا يرسلون إلى ملك رسولا؛ إلّا مثل دحية في الجمال والفصاحة، والمصطفى ﷺ أعظم من الملوك؛ فكان يأتيه في صورته جريا على عادتهم.
ودحية هو رسول نبي الله ﷺ إلى قيصر، فلقيه بحمص، ثم عاد إليه رضي الله تعالى عنه.
(ومعنى ضرب) - بفتح المعجمة وسكون الراء وآخره باء موحدة-: (نوع) ؛ كما في «حاشية الباجوري» . (وشنوءة) - بفتح الشين المعجمة وضمّ النون؛ ثم واو ساكنة ثم همزة مفتوحة بعدها تاء؛ على زنة: فعولة-: (قبيلة) معروفة (من اليمن) - ومنه أزد شنوءة- (رجالها متوسّطون) بين الخفّة والسّمن، سمّيت به لشناءة بينهم، أو لتشنّئهم: أي: بعدهم إمّا من الناس، أو من الأدناس، ويرجّحه قول «الصحاح» : الشنوءة على وزن فعولة: التعزّز وهو التباعد، ومن ثمّ قيل:
لقّبوا به لطهارة نسبهم وجميل حسبهم. انتهى «مناوي» .
(و) في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ واسع الظّهر) ، وبه فسّر «بعيد
стр. 273
ما بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو ممّا يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء ...
ما بين المنكبين» ؛ أي: عريض أعلى الظهر- كما تقدّم-، وقد روي «بعيد ما بين المنكبين» في عدّة أحاديث.
روى الشيخان: البخاريّ، ومسلم؛ من حديث البراء رضي الله تعالى عنه:
كان مربوعا بعيد ما بين المنكبين ... الحديث. وروى البيهقي، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كان بعيد ما بين المنكبين» ، وفي لفظ لمسلم:
«له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين» .
(ما بين كتفيه خاتم النّبوّة) - بفتح التاء وكسرها-، والمراد به هنا الأثر الحاصل له بين كتفيه لمشابهته للخاتم الذي يختم به؛ وهو الطابع. وإضافته للنبوة للدّلالة عليها. (وهو ممّا يلي منكبه الأيمن) ، فالبينيّة المذكورة تقريبية. هذا قول، والصحيح أنّه كان عند أعلى كتفه الأيسر؛ قاله السّهيلي.
وقد وقع التصريح به عند مسلم، قال: حدّثنا حامد بن عمر البكراوي، وأبو كامل الجحدري؛ قالا: حدّثنا حمّاد بن زيد؛ عن عاصم الأحول؛ عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما. وساق الحديث. وفيه: ثمّ درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوّة بين كتفيه عند نفض كتفه اليسرى ... الحديث.
والسّر في جعله على الجانب الأيسر: أنّ القلب في تلك الجهة، فجعل الخاتم في المحلّ المحاذي للقلب. وهل ١- ولد به، أو ٢- وضع حين ولد، أو ٣- عند شقّ صدره، أو ٤- حين نبّىء!؟ أقوال. قال الحافظ ابن حجر: أثبتها الثالث.
وبه جزم القاضي عياض.
(فيه شامة سوداء) ، والشامة: علامة تخالف لون البدن التي هي فيه، جمعه شام وشامات؛ قاله في «القاموس» . وقال الجوهري: الشام جمع شامة؛ وهي
стр. 274
تضرب إلى الصّفرة، حولها شعرات متواليات كأنّها من عرف فرس.
وكان خاتمه ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة.
الخال؛ وهي من الياء «١» .
(تضرب إلى الصّفرة، حولها شعرات متواليات كأنّها من عرف) - بضم العين وإسكان الراء- (فرس) ؛ وهو الشعر النابت في محدّب رقبتها. هكذا رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» ، إلّا أنّه قال: متركّبات، بدل: متواليات؛ قاله في «شرح الإحياء» . وسيأتي عن الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ردّ هذه الرواية في صفة خاتم النبوة.
(وكان خاتمه ﷺ ؛ أي: خاتم النبوة الذي بين كتفيه (غدّة) - بضم الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة- وهي؛ كما في «المصباح» : لحم يحدث بين الجلد واللحم، يتحرّك بالتحريم. (حمراء) ؛ أي: مائلة للحمرة، لئلا ينافي ما ورد في رواية مسلم: أنّه كان على لون جسده ﷺ ؛ قاله في «جمع الوسائل» .
وفي الباجوري: قوله حمراء ... وفي رواية: أنّها سوداء، وفي رواية: أنّها خضراء، وفي رواية: كلون جسده، ولا تدافع بين هذه الروايات، لأنّه كان يتفاوت باختلاف الأوقات؛ فكانت كلون جسده تارة، وكانت حمراء تارة ...
وهكذا بحسب الأوقات.
(مثل بيضة الحمامة) . رواه الترمذي في «الشمائل» ؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما بلفظ: «رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة» انتهى.
وفي تحديد خاتم النبوّة أقوال كثيرة؛ منها:
جمع عليه خيلان؛ كأنها الثآليل السود عند نفض كتفه. رواه مسلم؛ من
стр. 275
.........
حديث عبد الله بن سرجس.
وقيل: مثل زر الحجلة. رواه البخاري؛ من حديث السائب بن يزيد، وزاد:
وينمّ مسكا. ورواه مسلم بلا زيادة.
وقيل: كبيضة الحمام. رواه مسلم؛ من حديث جابر بن سمرة.
وقيل: مثل السلعة. رواه البيهقي؛ من حديث معاوية بن قرّة عن أبيه.
وقيل: شعر مجتمع. رواه الحاكم في «المستدرك» .
وقيل: مثل التفاحة. رواه الترمذي في «الشمائل» ، والبيهقي في «الدلائل» ؛ من حديث إياد بن لقيط.
وقيل: مثل بعرة البعير. رواه أيضا؛ من حديث أبي رمثة؛ عن أبيه.
وقيل: مثل السلعة. رواه أيضا؛ من حديثه؛ عن أبيه.
وقيل: لحمة ناتئة. رواه أيضا؛ من حديث أبي سعيد.
وقيل: بضعة ناشزة. رواه الترمذي في «الشمائل» .
وقيل: كالبندقة. رواه ابن عساكر في «التاريخ» . زاد الحاكم في «تاريخ نيسابور» : مكتوب فيه باللحم «محمد رسول الله» .
وقيل: كالمحجمة الضخمة. رواه البيهقي؛ من حديث التنوخي رسول هرقل.
وللسهيلي في «الروض» : كأثر المحجم النابضة على اللحم.
وقيل: شامة خضراء محتفرة في اللحم. رواه ابن أبي خيثمة في «التاريخ» .
وقيل: ثلاث شعرات مجتمعات؛ نقله القاضي.
وقيل: كبيضة حمام مكتوب بباطنها «الله وحده لا شريك له» ، وبظاهرها «توجّه حيث كنت فإنّك منصور» رواه الحكيم الترمذي؛ في «نوادر الأصول» .
وقيل: كان نورا يتلألأ. رواه ابن عائذ.
قال بعض العلماء: وليست هذه الروايات مختلفة حقيقة، بل كلّ شبّه بما سنح
стр. 276
وعن بريدة بن الحصيب ...
له. وتلك الألفاظ كلّها مؤدّاها واحد، وهو: قطعة لحم. ومن قال: شعر، فلأن الشعر حوله متراكب عليه. كما في الرواية الأخرى. وقال القرطبي: الأحاديث الثابتة تدلّ على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلّل جعل كبيضة الحمامة، وإذا كثّر جعل كجمع اليد. وقال القاضي: رواية «جمع الكفّ» تخالف «بيض الحمام» ، و «زر الحجلة» فتتأوّل على وفق الروايات الكثيرة، أي: كهيئة الجمع؛ لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : وأمّا ما ورد أنها كانت كأثر محجم، أو كشامة خضراء؛ أو سوداء، أو مكتوب عليها: «محمد رسول الله» ، أو «سر فأنت منصور» ، أو تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها عرف فرس بمنكبه الأيمن، إلى غير ذلك!! فلم يثبت منه شيء. وتصحيح ابن حبان ذلك وهم.
قال الحافظ الهيثمي: من روى أنه كان على خاتم النبوة كتابة: «محمد رسول الله» !! فقد اشتبه عليه خاتم النبوة بخاتم اليد، إذ الكتابة المذكورة إنما كانت على خاتم اليد؛ دون خاتم النبوة. انتهى ملخصا «من شرح الإحياء» ، والمناوي، والباجوري.
(و) روى الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن بريدة) - مصغّر- (ابن الحصيب) بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة؛ مصغرا- ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل. ويقال:
أبو الحصيب. كان من أكابر الصحابة، أسلم قبل بدر؛ ولم يشهدها، وشهد خيبر وفتح مكة. واستعمله النبي ﷺ على صدقات قومه، وسكن المدينة. وانتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو؛ فمات بها سنة: اثنتين- أو ثلاث- وستين هجرية، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بخراسان.
روي له عن النبي ﷺ مائة وسبعة وستون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم على
стр. 277
رضي الله تعالى عنه قال: جاء سلمان الفارسيّ ...
حديث منها، وانفرد البخاريّ بحديثين، وانفرد مسلم بأحد عشر حديثا.
وروى عنه ابناه عبد الله وسليمان (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
جاء سلمان الفارسيّ) الصحابي الكبير، أحد الذين اشتاقت لهم الجنة- نسبة لفارس- إما لكونه منها، أو من «أصفهان» ؛ والعرب يسمّون ما تحت ملوك العجم كلّه «فارس» ، و «أصبهان» كان منها. ولم يعلم اسم أبي سلمان، وسئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا انتسبوا لقيس أو تميم
ويقال: سلمان الحبر- بالمهملة فالموحدة، وقيل: بالمعجمة والتحتية [الخير]- وهو صحابيّ كبير؛
قيل: عاش مائتين وخمسين سنة، وقيل: ثلثمائة وخمسين سنة، والأوّل أصحّ، ومات سنة: ستّ وثلاثين. روي له ستّون حديثا. وكان قوي الجسم، صحيح الرأي، عالما بالشرائع وغيرها، وأدرك حواري عيسى، وقرأ الكتابين، وأصله مجوسيّ. وهو الذي دلّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب حتى اختلف عليه المهاجرون والأنصار؛ كلاهما يقول: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ : «سلمان منّا أهل البيت» .
وكان عطاؤه خمسة آلاف؛ يفرّقه ويأكل من كسب يده يعمل الخوص، وله مزيد اجتهاد في الزهد، فإنه مع طول عمره المستلزم لزيادة الحرص لم يزدد إلّا زهدا.
وسئل علي كرّم الله وجهه عنه؛ فقال: علم العلم الأوّل والعلم الآخر، وهو بحر لا ينزف، وهو منّا أهل البيت.
قيل: هرب من أخيه؛ وكان مجوسيا فلحق براهب، ثم بجماعة من الرهبان
стр. 278
رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، ...
في القدس الشريف؛ وكان في صحبتهم إلى وفاة آخرهم، فدلّه الحبر إلى الحجاز، وأخبره بظهور النبي ﷺ . فقصد الحجاز مع جمع من الأعراب، فباعوه في وادي القرى من يهودي، ثم اشتراه منه يهوديّ آخر من قريظة؛ فقدم به المدينة، فأقام بها حتى قدمها رسول الله ﷺ ، وكان الراهب قد وصف له بالعلامات الدالّة على النبوة، فجاء ﵁ إلى رسول الله ﷺ ؛ أي: في السّنة الأولى من الهجرة (حين) - ظرف ل «جاء» - (قدم) - بكسر الدال- أي: فجاء حين أوقات قدوم رسول الله ﷺ (المدينة) المنوّرة (بمائدة) - الباء للتعدية؛ أو للمصاحبة- أي:
ومعه مائدة. والمشهور عند أرباب اللغة: أنّ المائدة خوان عليه طعام، فإذا لم يكن عليه طعام فلا يسمى «مائدة» ، بل يقال له «خوان» .
فالمائدة من الأشياء التي تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها،
كالبستان؛ فإنه لا يقال له «حديقة» إلّا إذا كان عليه حائط.
وكالقدح؛ فإنّه لا يقال له «كأس» إلّا إذا كان فيه شراب.
وكالدلو؛ فإنه لا يقال له «سجل» إلّا إذا كان فيه ماء.
وكالمجلس؛ فإنه لا يقال له «ناد» إلّا وفيه أهله.
وكالمرأة؛ فإنّه لا يقال لها «ظعينة» إلّا ما دامت راكبة الهودج.
وكالقدح؛ فإنه لا يقال له «سهم» إلّا إذا كان فيه نصل وريش.
وكالشجاع؛ فإنّه لا يقال له «كميّ» إلّا إذا كان شاكي السلاح.
وكالخيط؛ فإنه لا يقال له «سمط» إلّا إذا كان فيه نظم. وهكذا ...
وحينئذ فقوله (عليها رطب) لتعيين ما عليها من الطعام؛ بناء على القول بأن الرّطب طعام. وعلى القول بأنه من الفواكه؛ وليس بطعام!! تكون المائدة هنا
стр. 279
فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ ؛ فقال:
«يا سلمان.. ما هذا؟» .
مستعارة للظرف، وإنما سمّيت «مائدة» لأنها تميد بما عليها؛ أي: تتحرّك. وقيل:
لأنها تميد من حولها مما عليها، أي: تعطيهم. فهي على الأول من ماد؛ إذا تحرك، وعلى الثاني من ماد؛ إذا أعطى. وربما قيل فيها: ميدة؛ كقول الراجز:
وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للجيران والإخوان
(فوضعت) - بالبناء للمفعول- أي: المائدة (بين يدي رسول الله ﷺ قال العراقي في «شرح تقريب المسانيد» : اعلم أنّ ظاهر هذه الرواية أنّ ما أحضره سلمان كان رطبا فقط. وروى أحمد، والطبراني بإسناد جيد؛ من حديث سلمان نفسه أنه قال: فاحتطبت حطبا فبعته، فصنعت طعاما؛ فأتيت به النبي ﷺ .
وروى الطبراني أيضا بإسناد جيّد: فاشتريت لحم جزور بدرهم؛ ثم طبخته، فجعلت قصعة ثريد فاحتملتها على عاتقي، ثم أتيت بها ووضعتها بين يديه. فلعل المائدة كان فيها طعام ورطب!!.
وأما ما رواه الطبراني؛ من حديث سلمان أيضا: أنّها تمر، فضعيف.
ولا مانع من الجمع بين الثلاثة لو صحّت الرواية، فتكون المائدة مشتملة على الرطب، وعلى الثريد، وعلى اللحم.
وخصّ الرطب؛ لكونه المعظم. والله أعلم.
(فقال: «يا سلمان) - ناداه بقوله «يا سلمان» جبرا لخاطره. ولعله ﷺ علم اسمه بنور النبوة، أو بإخبار من حضر، أو أنّه لقيه قبل ذلك وعرف اسمه (ما هذا؟» ) الذي وضعته بين يديّ، يعني: أي نوع من الأنواع التي نوّع الشرع الأشياء عليها وقسمها إليها: أهو صدقة، أم هدية؟! فليس السؤال عن حقيقة المائدة ومفهومها؛ كما هو المتبادر من التعبير ب «ما» ، لأنها يسأل بها عن الحقيقة، إذ ليس الغرض من بيان حقائق الأشياء في هذا المقام إلّا ما يدور عليه الاعتبار الشرعي، والشيء بدونه كأنّه لا حقيقة له.
стр. 280
فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: «ارفعها؛ فإنّا لا نأكل الصّدقة» . قال: فرفعها. فجاء الغد بمثله فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ . فقال: «ما هذا يا سلمان؟» .
فقال: هديّة لك.
(فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك) عبّر هنا ب «على» ؛ وباللام فيما يأتي!! لأنّ المقصود من الصدقة معنى الترحّم، ومن الهدية معنى الإكرام، وشرّك هنا بينه ﷺ وبين أصحابه، واقتصر فيما يأتي عليه ﷺ !! إشارة إلى أن الأصحاب يشاركونه في المقصود من الصدقة، وأنّه مختصّ بالمقصود من الهدية.
(فقال: «ارفعها) - أي: المائدة، أو الصدقة من بين يديّ، أو: عني.
لرواية أحمد، والطبراني وغيرهما من طرق عديدة؛ أنّه ﷺ قال لأصحابه:
«كلوا» . وأمسك يده فلم يأكل. قال العراقي: فيه تحريم صدقة التطوّع على النبي ﷺ وهو الصحيح المشهور- (فإنّا لا نأكل الصّدقة» ) . الظاهر اللائق بالمقام أنّه أراد نفسه فقط، وأتى بالنون الدالّة على التعظيم اللائق بمقامه الشريف!! تحدثا بالنعمة. أي: أن الصدقة لا تليق بجنابه ﷺ لما فيها من معنى التراحم.
(قال) ؛ أي: بريدة بن الحصيب الراوي للحديث: (فرفعها) - أي- سلمان من عنده ﷺ إلى أصحابه؛ لا مطلقا- كما تقدّم- أو فرفعها بعد فراغهم من أكلها.
(فجاء) - أي- سلمان (الغد) - بنصب «الغد» - (بمثله) ؛ أي: فجاء سلمان في الغد بمثل ما جاء به أولا. أو المراد «من الغد» وقت آخر؛ وإن لم يكن هو اليوم الذي بعد اليوم الأول.
(فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال «ما هذا يا سلمان؟» ) أي: أهو صدقة أم هدية!؟ كما تقدّم، وخاطبه باسمه ثانيا تلطّفا على مقتضى رسمه.
(فقال: هديّة لك) . تقدّم حكمة تعبيره هنا باللام وحكمة الاقتصار عليه ﷺ .
стр. 281
فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبسطوا» ...
(فقال رسول الله ﷺ لأصحابه) - أي: بطريق الانبساط؛ دفها لوهمهم أنّ هذه مختصّة له؛ فليس لهم أن يأكلوا منها، وإشارة إالى حسن الأدب مع الخدم والأصحاب؛ إظهارا لما أعطيه من الخلق العظيم والكرم العميم- (: «أبسطوا» ) بهمزة مضمومة فموحّدة فمهملة-: أمر من البسط- بالموحدة والمهملتين-؛ من حدّ «نصر» . وفي رواية: «انشطوا» - بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الشين المعجمة-: أمر من النشاط. وفي أخرى: «انشقّوا» بالقاف المشددة. ومعنى هذه الرواية: انفرجوا ليتّسع المجلس. ومعنى الرواية التي قبلها: ميلوا للأكل معي، وكلّ ما مال الشخص لفعله وآثره؛ فقد نشط له. وأما الرواية الأولى فيحتمل أن معناها: انشروا الطعام ليصله كلّ منكم؛ فيكون من «بسطه» بمعنى «نشره» ، ويحتمل أن معناها: مدّوا أيديكم للطعام. فيكون من بسط يده؛ أي: مدّها.
ويحتمل أن معناها: سرّوا سلمان بأكل طعامه، فيكون من بسط فلان فلانا: سرّه.
ويحتمل أن معناها: وسّعوا المجلس ليدخل بينكم سلمان. فيكون من «بسط الله الرزق لفلان» : وسّعه. وعلى كلّ من هذه الروايات والاحتمالات؛ فقد أكل النبي ﷺ مع أصحابه من هذه الهدية.
ويؤخذ من ذلك أنه يستحبّ للمهدى له يعطي الحاضرين مما أهدي له، وهذا المعنى مؤيّد لحديث: «من أهدي له هديّة؛ فجلساؤه شركاؤه فيها» ؛ وإن كان ضعيفا. والمراد بالجلساء؛ كما قال الترمذي في «نوادر الأصول» : الذين يداومون مجلسه، لا كلّ من كان جالسا إذ ذاك.
وحكي أن بعض الأولياء أهدي له هدية من الدراهم والدنانير، فقال له بعض جلسائه: يا مولانا؛ الهدية مشتركة. فقال: نحن لا نحبّ الاشتراك. فتغيّر ذلك القائل لظنّه أنّ الشيخ يريد أن يختصّ بالهدية. فقال الشيخ: خذها لك وحدك، فأخذها فعجز عن حملها، فأمر الشيخ بعض تلامذته فأعانوه.
وحكي أنّه أهدي لأبي يوسف هدية من الدراهم والدنانير؛ فقال له بعض
стр. 282
ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله ﷺ ؛ فآمن به.
وكان لليهود، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما ...
جلسائه: يا مولانا؛ الهدية مشتركة. فقال: «أل» في «الهدية» للعهد، والمعهود هديّة الطعام. فانظر الفرق بين مسلك الأولياء ومسلك الفقهاء!!.
(ثمّ نظر إلى الخاتم) - بالفتح ويكسر- (على ظهر رسول الله ﷺ أتى ب «ثم» لتراخي زمان النظر عن هذا المجلس، لما في كتب السّير: أنّ سلمان لبث بعد ذلك ينتظر رؤية الآية الثالثة التي أخبره عنها آخر مشايخه أنّه سيظهر حبيب عن قريب؛ ومن علاماته القاطعة على أنّه هو النبي الموعود الذي ختم به النبوة: أنّه لا يأكل الصدقة؛ ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة. فلما شاهد سلمان العلامتين المتقدمتين انتظر الآية الثالثة، إلى أن مات واحد من نقباء الأنصار؛ فشيّع رسول الله ﷺ جنازته؛ وذهب معها إلى بقيع الغرقد، وجلس مع أصحابه في ذلك المكان ينتظر دفنه، فجاء سلمان واستدار خلفه لينظر إلى خاتم النبوة، فلما رأى رسول الله ﷺ استدباره عرف أنّه يريد أن يستثبت شيئا وصف له، فألقى الرداء عن ظهره؛ فنظر سلمان إلى الخاتم (فآمن به) ؛ بلا تراخ ولا مهلة، لتمام العلامات وتكامل الآيات، فالفاء متفرّع على مجموع ما سبق من الآيات الثلاث. أي: فلما تمّت الآيات وكملت العلامات آمن به.
(و) الحال أنّه (كان) رقيقا (لليهود) ؛ أي: يهود بني قريظة، ولعلّه كان مشتركا بين جمع منهم، أو كان لواحد منهم. (فاشتراه رسول الله ﷺ - يعني:
كان سببا في كتابة سيّده اليهودي له لأمره بذلك، أو لإعانته على وفاء ما لو كوتب عليه، فتجوّز ب «الشراء» عن إعانته في الأداء- (بكذا وكذا درهما) ، أي: بعدد يشتمل على العطف، ولم يبيّنه في هذا الحديث. وفي بعض الروايات أنّه: أربعون أوقية. قيل: من فضة، وقيل: من ذهب. والأوقية: كانت إذ ذاك أربعين درهما، وقد بقي عليه ذلك حتّى أتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب، فقال: «ما فعل الفارسيّ المكاتب» فدعي له. فقال: «خذها فأدّها ممّا
стр. 283
على أن يغرس لهم نخلا فيعمل سلمان فيه حتّى يطعم، فغرس رسول الله ﷺ النّخيل ...
عليك» . قال سلمان: فأين تقع هذه مما عليّ!؟ قال ﷺ : «خذها؛ فإنّ الله سيؤدّي عنك بها» . قال سلمان: فأخذتها؛ فوزنت لهم منها أربعين أوقية؛ فأوفيتهم حقّهم. فعتق سلمان رضي الله تعالى عنه. وقصّته مشهورة.
(على أن يغرس) - بفتح الياء وكسر الراء- (لهم) ؛ أي: لمن يملك سلمان (نخلا) ، وفي رواية «نخيلا» وهو والنخل بمعنى واحد، والواحدة النخلة.
و «على» بمعنى «مع» ؛ أي: مع أن يغرس. ويؤيده: ما في رواية «وعلى» بالواو العاطفة؛ أي: فكاتبوه على شيئين: الأواقي المذكورة، وغرس النخل مع العمل فيه حتّى يطلع. ولم يبين في هذا الحديث عدد النخل!! وفي بعض الروايات أنّه كان ثلثمائة. فقال ﷺ : «أعينوا أخاكم» ، فأعانوه فبعضهم بثلاثين وديّة «١» ، وبعضهم بخمس عشرة، وبعضهم بما عنده حتى جمعوا ثلثمائة وديّة.
(فيعمل) - بالنصب معطوف على «يغرس» - (سلمان) - ليفيد أنّ عمله من جملة عوض الكتابة- (فيه) ، وفي بعض نسخ «الشمائل» : فيها. وكلّ صحيح، لأنّ النخل والنخيل يذكّران ويؤنّثان؛ كما في كتب اللغة.
(حتّى يطعم) - بالمثناة التحتية، أو الفوقية- وعلى كلّ فهو بالبناء للفاعل؛ أو المفعول، ففيه أربعة أوجه، لكن أنكر الحافظ ابن حجر بناءه للمجهول. وقال:
ليس في روايتنا وأصول مشايخنا!!. والمعنى على بنائه للفاعل؛ حتّى يثمر، وعلى بنائه للمفعول حتّى تؤكل ثمرته.
(فغرس رسول الله ﷺ النّخيل) جميعها بيديه الكريمتين، لأنّه ﷺ خرج مع سلمان؛ فصار سلمان يقرّب له ﷺ الوديّ، فيضعه بين يديه.
قال سلمان: فو الذي نفسي بيده؛ ما مات منها وديّة، فأدّيت النخل؛ وبقي
стр. 284
إلّا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النّخل من عامها، ولم تحمل النّخلة، فقال رسول الله ﷺ : «ما شأن هذه النّخلة؟» . فقال عمر: يا رسول الله؛ أنا غرستها، فنزعها رسول الله ﷺ ، فغرسها، فحملت من عامها.
عليّ المال حتّى أتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة ... إلى آخر ما تقدّم.
(إلّا نخلة) - بالنصب على الاستثناء- (واحدة) للتأكيد (غرسها عمر) بن الخطّاب، وفي بعض الشروح أنّ حكاية غرس عمر رضي الله تعالى عنه نخلة وعدم حملها من عامها غير منقولة إلّا في حديث الترمذي، وليس فيما سواه من أخبار سلمان رضي الله تعالى عنه.
(فحملت) - أي: أثمرت- (النّخل من عامها) الذي غرست فيه- على خلاف المعتاد- استعجالا لتخليص سلمان من الرقّ ليزداد رغبة في الإسلام.
(ولم تحمل النّخلة) ؛ وفي رواية: ولم تحمل نخلة عمر، أي: لم تثمر من عامها وعدم حملها واقع على سنن ما هو المتعارف؛ إفادة لكمال امتياز رتبة النبي ﷺ عن رتبة غيره، ومقدّمة لمعجزتين من معجزاته، لأن غرس النخل له ميقات معلوم؛ (فقال رسول الله ﷺ : «ما شأن هذه النّخلة؟» ) أي: ما حالها وما بالها. لم تحمل؛ مع أنّ صواحباتها قد حملت جميعا!.
(فقال عمر) رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله؛ أنا غرستها) ، ولم تغرسها أنت؛ فلم تثمر كصواحباتها، ليظهر كمال تميّزك على غيرك. وكأنّ عمر رضي الله تعالى عنه ما عرف أنّه ﷺ أراد بالغرس إظهار المعجزة؛ بل مجرّد المعاونة.
(فنزعها رسول الله ﷺ ، فغرسها) ثانيا بيديه في غير الوقت المعلوم لغرس النخل.
(فحملت من عامها) ؛ أي: من عام غرسها، وفي رواية «من عامه» ؛ أي:
الغرس. والحكمة من ذلك: أن يظهر المعجزة بإطعام الكلّ سوى ما لم يغرسه كل الظهور، ويتسبّب لظهوره معجزة أخرى؛ وهي غرس نخلة عمر ثانيا وإطعامها في عامها، ففيه معجزتان غير ما سبق: الغرس في غير أوان الغرس، والإثمار من عامه. والله أعلم.
стр. 285
[الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ واكتحاله]
الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ واكتحاله كان رسول الله ﷺ يرى باللّيل في الظّلمة كما يرى بالنّهار في الضّوء.
(الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ وهو: النور الذي تدرك به الجارحة المبصرات؛ كما في «المصباح» .
وهو بمعنى قول المتكلّمين: قوّة مودعة في العين، وهو صريح في أنّه شيء مخلوق في العين زائد عليها.
(و) في صفة (اكتحاله) ؛ أي: استعماله الكحل، وما يتعلّق بذلك.
أمّا بصره الشّريف! ففي «المواهب» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله ﷺ يرى باللّيل في الظّلمة) ؛ احترازا عمّا إذا كان مع القمر (كما يرى بالنّهار في الضّوء) متعلّق بالنهار، للاحتراز عما إذا كان في بيت مظلم؛ أو في يوم غيم، فلا يقال لا حاجة إليه بعد ذكر النهار. والمعنى أنّ رؤيته في النهار الصافي والليل متساوية، لأنّ الله تعالى لما رزقه الاطلاع بالباطن والاحاطة بإدراك مدركات القلوب؛ جعل له مثل ذلك في مدركات العيون، ومن ثمّ كان يرى المحسوس من وراء ظهره كما يراه من أمامه؛ كما يأتي.
قال القاضي عياض: وإنّما حدثت هذه الآية له بعد ليلة الإسراء، كما أن موسى كان يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور.
انتهى؛ نقله عنه الزرقاني على «المواهب» .
ولا يرد عليه حديث (أنّه ﷺ قام ليلة فوطىء على زينب بنت أمّ سلمة بقدمه