وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشّقاق، والنّفاق والسّمعة والرّياء، وأعوذ بك من الصّمم والبكم والجنون والجذام، ...
(وأعوذ بك من الفقر) ؛ أي: فقر النّفس، لا ما هو المتبادر من معناه من إطلاقه على الحاجة الضّروريّة، فإنّ ذلك يعمّ كلّ موجود* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) [فاطر] .
(والكفر) عنادا؛ أو جحودا؛ أو نفاقا، وأورده عقب الفقر!! لأنّ الفقر قد يفضي إليه.
(والفسوق) : الخروج عن الاستقامة والجور، ومنه قيل للعاصي: فاسق.
(والشّقاق) ؛ أي: التّخاصم المؤدّي إلى أن يصير كلّ من المتخاصمين في شقّ؛ أي: جهة، كأنّ كلّ فريق يحرص على ما يشقّ الآخر، فيؤدّي إلى عدم الألفة.
(والنّفاق) الحقيقي؛ أو المجازي، (والسّمعة) - بضمّ السّين وسكون الميم-: إعلام بالعبادة بعد فعلها ليقال بصلاحه.
(والرّياء) - بكسر الرّاء، وتخفيف التّحتيّة، والمد-: فعل العبادة؛ والنّاس يطّلعون ليقولوا بصلاحه. فالسّمعة: أن يعمل لله خفية، ثمّ يتحدّث بها تنويها.
والرّياء: أن يظهر العبادة بقصد رؤية النّاس لها ليحمدوه.
وقال ابن عبد السّلام: الرّياء أن يعمل لغير الله تعالى.
وذكر هذه الخصال!! لكونها أقبح خصال النّاس، فاستعاذته منها إبانة عن قبحها، وزجر النّاس عنها بألطف وجه، وأمر بتجنّبها بالالتجاء إلى الله.
(وأعوذ بك من الصّمم) : بطلان السّمع أو ضعفه، (والبكم) - بالتّحريك-:
الخرس، أو: أن يولد لا ينطق ولا يسمع، والخرس: أن يخلق بلا نطق.
(والجنون) : زوال العقل.
(والجذام) : هو علّة يحمرّ منها العضو، ثمّ يسودّ، ثمّ يتقطّع ويتناثر.
стр. 2207
والبرص وسيّء الأسقام» . (ك، هق؛ عن أنس) .
٣- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ...
قال المناوي: علّة تسقط الشّعر وتفتّت اللّحم، وتجري الصّديد منه.
(والبرص) : هو بياض شديد يبقّع الجلد ويذهب دمويّته.
(وسيّء الأسقام» ) : الأمراض الفاحشة الرّديئة المؤدّية إلى فرار الحميم «١» ، وقلّة الأنيس أو فقده؛ كالاستسقاء والسّل والمرض المزمن؛ وهذا من إضافة الصّفة للموصوف، أي: الأسقام السّيّئة.
قال التوربشتي: ولم يستعذ من سائر الأسقام!! لأنّ منها ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصّبر خفّت مؤنته؛ كحمّى وصداع ورمد.
وإنّما استعاذ من السّقم المزمن؛ فينتهي صاحبه إلى حال يفرّ منه الحميم، ويقلّ دونه المؤانس والمداوي مع ما يورث من الشّين.
وهذه الأمراض لا تجوز على الأنبياء، بل يشترط في النّبي سلامته من كل منفّر؛ وإنّما ذكرها تعليما للأمّة كيف تدعو.
(ك هق) ؛ أي: أخرجه الحاكم، والبيهقي في «السّنن» في «كتاب الدّعاء» ؛ (عن أنس) ؛ قال: قال رسول الله ﷺ في دعائه: «اللهمّ ... » إلى آخره. قال الحاكم: صحيح. وأقرّه الذّهبي.
٣- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع) : هو ١- ما لم يأذن في تعلّمه شرعا؛ كعلم الفلسفة، أو ٢- ما لا يصحبه عمل، أو ٣- ما لا يهذّب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظّاهرة؛ ويفوز بها إلى الثّواب الآجل، وأنشد:
يا من تقاعد عن مكارم خلقه ... ليس التّفاخر بالعلوم الزّاخرة
من لم يهذّب علمه أخلاقه ... لم ينتفع بعلومه في الآخرة
стр. 2208
وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، ومن الجوع فإنّه بئس الضّجيع، ومن الخيانة فإنّها بئست البطانة، ...
(وقلب لا يخشع) لذكر الله سبحانه، ولا لاستماع كلامه، وهو القلب القاسي الّذي هو أبعد القلوب من حضرة علّام الغيوب.
وإنّ أبعد قلوب النّاس ... من ربّنا الرّحيم قلب قاسي
(ودعاء لا يسمع) سماع قبول؛ أي: لا يستجاب ولا يعتدّ به، فكأنّه غير مسموع.
(ونفس لا تشبع) من جمع المال، أو من كثرة الأكل؛ الجالبة لكثرة الأبخرة؛ الموجبة لكثرة النّوم، المؤدّية إلى فقر الدّنيا والآخرة.
ويؤخذ من الحديث جواز السّجع في الأدعية؛ ومحلّه إذا لم يكن بتكلّف واستعمال فكره، وإلّا كره؛ لما فاته في مقام الدّعاء من الخضوع والذّلّة والخشوع.
(ومن الجوع) ؛ حقيقته: أنّه الألم الحاصل من خلوّ المعدة من المأكول؛ ولا ينافي ذلك قول أهل الطّريق: إنّ الجوع مطلوب لرياضة النّفس، لأنّ المستجار منه هو الّذي ليس فيه مصلحة شرعيّة، أو يضرّ بالجسد.
(فإنّه بئس الضّجيع) : المضاجع لي في فراشي. استعاذ منه، لأنّه يمنع استراحة البدن، ويحلّل المواد المحمودة بلا بدل، ويشوّش الدّماغ، ويورث الوسواس، ويضعف البدن عن القيام بوظائف العبادات؛ لا سيّما قيام التّهجّد.
(ومن الخيانة) : مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ، سواء كانت خيانة للغير؛ كالخيانة في الوديعة، أو خيانة للنّفس؛ كأن لا يمتثل المأمورات والمنهيّات، فمن ضيّع شيئا ممّا أمر الله به؛ أو ارتكب شيئا ممّا نهى الله عنه فقد خان نفسه، إذ جلب إليها الذّم في الدّنيا والعقاب في الآخرة.
(فإنّها بئست البطانة) - بكسر الباء؛ ضد الظهارة- وهي في الأصل: الثّوب
стр. 2209
ومن الكسل والبخل والجبن، ومن الهرم، وأن أردّ إلى أرذل العمر، ومن فتنة الدّجّال وعذاب القبر، ...
الملاصق للجسد، والجهة الّتي لا تلاصقه تسمّى «ظهارة» ، فاستعيرت لكلّ شيء ملازم، يقال: بطانة الرّجل: أهله وعياله؛ والمراد هنا: الصّفة الملازمة للشّخص؛ أي: بئست الخصلة الّتي يحرص عليها الشّخص ويخفيها؛ فشبّهها ببطانة الثّوب الملاصق للجسد الّتي لها ظهارة؛ بجامع الخفاء.
(ومن الكسل) : عدم انبعاث النّفس لفعل الخير، (والبخل) : منع السّائل المحتاج عمّا يفضل عن الحاجة. (والجبن) - بضم فسكون-: الخور عن تعاطي الحرب؛ خوفا على المهجة «١» .
(ومن الهرم) : الكبر المؤدّي إلى ترك الأعمال الصّالحة والتخبّط في العقل.
(وأن أردّ إلى أرذل العمر) أي: العمر الأرذل؛ أي: الرّدي بأن يسلب صفة التّمييز، فيعود كالطّفل.
قال الطّيبيّ: المطلوب عند المحققين من العمر التفكّر في آلاء الله تعالى ونعمائه تعالى من خلق الموجودات؛ قياما بواجب الشّكر بالقلب والجوارح؛ والفاقد لذلك كالشّيء الّذي لا ينتفع به، فينبغي أن يستعاذ منه.
(ومن فتنة الدّجّال) : محنته، وهي أعظم فتن الدّنيا. والدّجال: فعّال بالتّشديد- وهو من الدّجل؛ بمعنى التّغطية، لأنّه يغطّي الحقّ بباطله، ولهذا سمّي الكذّاب «دجّالا» .
(وعذاب القبر) : عقوبته. ومصدره التّعذيب، فهو مضاف للفاعل مجازا، أو هو من إضافة المظروف لظرفه، فهو على تقدير «في» ؛ أي: من عذاب في القبر.
стр. 2210
ومن فتنة المحيا والممات.
اللهمّ؛ إنّا نسألك قلوبا أوّاهة مخبتة منيبة في سبيلك.
اللهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك ومنجيات أمرك، ...
وفيه إثبات عذاب القبر، والإيمان به واجب؛ وأضيف العذاب إلى القبر!! لأنّه الغالب، وإلّا! فكلّ ميّت أراد الله تعذيبه أناله ما أراد به قبر أو لم يقبر، ولو صلب أو غرق في البحر، أو أكلته السّباع، أو حرق حتّى صار رمادا، أو ذرّي في الرّيح.
وهو- أي: عذاب القبر- على الرّوح والبدن جميعا باتّفاق أهل السّنّة، وكذا القول في النّعيم؛ قال ابن القيم:
ثمّ عذاب القبر قسمان: دائم؛ وهو عذاب الكفّار وبعض العصاة. ومنقطع؛ وهو عذاب من خفّت جرائمهم من العصاة، فإنّه يعذب بحسب جريمته، ثمّ يرفع عنه، وقد يرفع بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك. انتهى.
(ومن فتنة المحيا) - بفتح الميم- أي: ما يعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدّنيا والشّهوات والجهالات؛ وأعظمها- والعياذ بالله تعالى- أمر الخاتمة عند الموت.
(و) من فتنة (الممات) ؛ أي: الفتنة الواقعة قرب الموت؛ أضيفت إليه لقربها منه، فهي في الحياة، فعطفها من عطف الخاصّ اهتماما بها.
(اللهمّ؛ إنّا نسألك) ؛ أي: نطلب منك (قلوبا أوّاهة) : كثيرة الدّعاء والتضرّع؛ ليترتّب عليها إظهار الاحتياج.
(مخبتة) : خاشعة مطيعة منقادة، (منيبة) : راجعة إليك بالتّوبة، مقبلة عليك (في سبيلك) ؛ أي: الطّريق إليك.
(اللهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك) ؛ أي: أسباب مغفرتك المؤكّدة؛ لأنّ العزم: التّصميم، (ومنجيات أمرك) ؛ أي: ما ينجّي من عقابك ويصون عن عذابك.
стр. 2211
والسّلامة من كلّ إثم، والغنيمة من كلّ برّ، والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» . (ك؛ عن ابن مسعود) .
٤- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ...
(والسّلامة من كلّ إثم) معصية، (والغنيمة من كلّ برّ) - بكسر الموحّدة-:
خير وطاعة، (والفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار» ) : عذابها، وهذا ذكره للتّشريع والتّعليم.
وفيه دليل على ندب الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرء أنّه يتمسّك فيه بالحقّ، لأنّها قد تفضي إلى وقوع ما لا يحترز من وقوعه.
قال ابن بطّال: وفيه ردّ للحديث الشّائع: «لا تستعيذوا بالله من الفتن، فإنّ فيها حصاد المنافقين» ؛ أي: هلاكهم.
قال ابن حجر: قد سئل عنه قديما ابن وهب فقال: إنّه باطل؛ وقال الحفني على «الجامع» : إنّه حديث موضوع لا أصل له.
(ك) ؛ أي: أخرجه الحاكم في «الدّعاء» ؛ (عن) عبد الله (بن مسعود) رضي الله تعالى عنه، وقال: صحيح الإسناد؛ قال الحافظ العراقي: وليس كما قال، إلّا أنّه ورد في أحاديث جيدة الإسناد، ذكره المناوي رحمه الله تعالى.
٤- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم) - بفتح الميم، وإسكان الهمزة، وفتح المثلّثة-: الإثم كبيرا أو صغيرا.
(والمغرم) - بفتح الميم وإسكان الغين وفتح الراء-: كلّ ما فيه خسارة دين؛ أو دنيا. وفي حديث صحيح: قال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله!! قال: «الرّجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف» . أي: وهذا من الخسارة في الدّين.
стр. 2212
ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النّار وعذاب النّار، ومن شرّ فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر، ومن فتنة المسيح الدّجّال.
وخسارة الدّنيا كالخسارة في التّجارة والقرض مع عدم القدرة على الوفاء؛ واستعاذته ﷺ تعليم لأمّته وإظهار للعبوديّة والافتقار.
(ومن فتنة القبر) التّحير في جواب منكر ونكير (وعذاب القبر) - عطف عام على خاص- فعذابه قد ينشأ عن الفتنة بأن يتحيّر فيعذّب لذلك، وقد يكون لغير الفتنة؛ كأن يجيب بالحقّ ولا يتحيّر، ثمّ يعذب على تفريطه في بعض المأمورات أو المنهيّات كإهمال التّنزّه عن البول ونحو ذلك. فتنبّه.
(ومن فتنة النّار) هي سؤال الخزنة على جهة التّوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) [الملك] (وعذاب النّار) ؛ أي:
إحراقها بعد فتنتها.
(ومن شرّ فتنة الغنى) ؛ أي: البطر والطّغيان والتّفاخر به، وصرف المال في المعاصي.
(وأعوذ بك من فتنة الفقر) : حسد الأغنياء، والطّمع في مالهم، والتّذلّل لهم بما يدنّس العرض ويثلم الدّين، وعدم الرّضا بالمقسوم.
وذكر لفظ «شرّ» في الفقرة الأولى؛ دون الثّانية هو ما وقع في هذه الرّواية، وجاء في رواية إثباتها فيهما، وفي رواية أخرى حذفها فيهما.
(ومن فتنة المسيح) - بفتح الميم، وخفّة السّين، وبحاء مهملة-.
سمّي به!! لكون إحدى عينيه ممسوحة، أو لمسح الخير منه؛ فعيل بمعنى مفعول، أو لمسحه الأرض، أو قطعها في أمد قليل؛ فهو بمعنى فاعل، أي:
مصيبة أو اختبار المسيح.
(الدّجّال) ؛ وذكر الدّجال بعد المسيح!! لئلّا يتوهّم المسيح سيدنا عيسى ﵊، وإنّما استعاذ منه؛ مع كونه لا يدركه!! نشرا لخبره بين أمّته جيلا
стр. 2213
اللهمّ؛ اغسل عنّي خطاياي بالماء والثّلج والبرد، ونقّ قلبي من الخطايا كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس، وباعد بيني وبين خطاياي؛ ...
بعد جيل؛ لئلّا يلتبس كفره على مدركه.
(اللهمّ؛ اغسل) : أزل (عنّي خطاياي) ؛ أي: ذنوبي، لو فرض أن لي ذنوبا، أو ذكره للتّشريع.
(بالماء والثّلج والبرد) - بفتحتين-: حب الغمام، وجمع بينهما!! مبالغة في التّطهير، أي: طهّرني منها بأنواع مغفرتك.
وخصّها!! لأنّها لبردها أسرع لإطفاء حرّ عذاب النّار الّتي هي غاية الحرّ، وجعل الخطايا بمنزلة جهنّم؛ لكونها سببها، فعبّر عن إطفاء حرّها بذلك، وبالغ باستعمال المبرّدات؛ مترقّيا عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثمّ إلى أبرد منه وهو البرد، بدليل جموده، ومصيره جليدا، والثّلج يذوب؛ قاله المناوي.
وفي «حواشي الحفني» : شبّه الخطايا بالدّنس الحسّي الّذي يتباعد عنه، والغسل تخييل، والماء والثلج والبرد ترشيح باق على معناه، أو مستعار لعمل البرّ المطهر من الدّنس؛ بجامع إزالة ما يكره.
فالمراد من الغسل المذكور المغفرة، وقال ابن دقيق العيد: عبّر بذلك عن غاية المحو، فإنّ الثّوب الّذي يتكرّر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النّقاء. انتهى.
(ونقّ) - بفتح النّون وشدّ القاف- (قلبي) الّذي هو ملك الأعضاء، واستقامتها باستقامته. (من الخطايا) تأكيد للسّابق، ومجاز عن إزالة الذّنوب ومحو أثرها، (كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس) - بفتح الدّال والنّون- أي: الوسخ، ولما كان الدّنس في الثّوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التّشبيه به.
(وباعد) ؛ أي: أبعد. وعبّر بالمفاعلة مبالغة (بيني وبين خطاياي) كرّر (بين) هنا دون ما بعده؛ لأنّ العطف على الضّمير المجرور يعاد فيه الخافض.
стр. 2214
كما باعدت بين المشرق والمغرب» (ق، ت، ن، هـ.
عن عائشة) .
٥- اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من التّردّي والهدم، والغرق ...
(كما باعدت) ؛ أي: كتبعيدك (بين المشرق) : موضع الشّروق، وهو مطلع الأنوار، (والمغرب» ) أي: محل الأفول.
وهذا مجاز؛ لأنّ حقيقة المباعدة، إنّما هي في الزّمان والمكان، أي: امح ما حصل من ذنوبي، وحل بيني وبين ما يخاف من وقوعها حتّى لا يبقى لها اقتراب مني بالكلّيّة، ف «ما» مصدريّة، والكاف للتّشبيه.
وموقع التّشبيه أنّ التقاء المشرق والمغرب محال، فشبّه بعد الذّنب عنه ببعد ما بينهما، والثّلاثة إشارة لما يقع في الأزمنة الثّلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتّنقية للحال، والغسل للماضي؛ والنّبي معصوم، وإنّما قصد تعليم الأمّة وإظهار العبوديّة.
(ق) ؛ أي: متّفق عليه، أي: رواه البخاري ومسلم في «الدعوات» .
(ت) ؛ أي: ورواه التّرمذي بتقديم وتأخير.
(ن، هـ) ؛ أي: ورواه النّسائي وابن ماجه مختصرا: كلّهم؛
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، وخرّجه الحاكم بزيادة:
٥- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من التردّي) ؛ أي: السّقوط من مكان عال كشاهق جبل، أو السّقوط في بئر. والتّردّي: تفعّل، من الرّدى، وهو الهلاك.
(والهدم) - بسكون الدّال؛ أي: سقوط البناء، ووقوعه على الإنسان، وروي بالفتح، وهو: اسم لما انهدم منه، (والغرق) . قال المناوي: - بكسر الرّاء؛ كفرح-: الموت بالغرق، وقيل: بفتح الرّاء، قال العلقمي:
بفتح الرّاء مصدر، وهو الّذي غلبه الماء وقوي عليه فأشرف على
стр. 2215
والحرق، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا» . (ن، ك؛ عن أبي اليسر) .
الهلاك؛ ولم يغرق، فإذا غرق فهو غريق.
(والحرق) - بفتح الحاء والرّاء-: الالتهاب بالنّار، وإنّما استعاذ من الهلاك بهذه الأسباب؛ مع ما فيه من نيل الشّهادة!! لأنّها مجهدة مقلقة، لا يكاد الإنسان يصبر عليها، ويثبت عندها، فربّما استزلّه الشّيطان فحمله على ما يخلّ بدينه.
(وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان) التخبّط: الصّرع، والمراد هنا: غلبة الشّيطان، قال القاضي: تخبّط الشّيطان: مجاز عن إضلاله وتسويله. انتهى.
وقال المناوي: أي: يصرعني ويلعب بي ويفسد عليّ ديني.
(عند الموت) ، بنزغاته الّتي تزلّ بها الأقدام، وتصرع العقول والأحلام، وقد يستولي على المرء عند فراق الدّنيا فيضلّه، أو يمنعه التّوبة، أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة قبله، أو يؤيّسه من الرّحمة، أو يكرّه له الرّحمة فيختم له بسوء والعياذ بالله-! وهذا تعليم للأمّة، فإنّ شيطانه أسلم، ولا تسلّط له؛ ولا لغيره عليه بحال من الأحوال، بل سائر الأنبياء على هذا المنوال.
(وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا) عن الحقّ، أو عن قتال الكفّار حيث حرم الفرار، وهذا وما أشبهه تعليم للأمّة، وإلّا! فرسول الله ﷺ آمن من ذلك كله، ولا يجوز له الفرار مطلقا.
(وأعوذ بك أن أموت لديغا» ) فعيل: بمعنى مفعول، واللّدغ- بدال مهملة، وغين معجمة- يستعمل في ذوات السّمّ؛ كحيّة وعقرب، وبعين مهملة وذال معجمة- يستعمل في الإحراق بنار كالكيّ، والأول هو المراد هنا.
(ن، ك) ؛ أي: أخرجه النّسائي، والحاكم، وكذا أخرجه أبو داود في «الصّلاة» كلّهم؛ (عن أبي اليسر) - بفتح المثنّاة التّحتيّة والسّين المهملة المفتوحة
стр. 2216
٦- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك وجميع سخطك» . (م، د، ت؛ عن ابن عمر) .
وراء آخره-، واسمه: كعب بن عمرو الأنصاري السّلمي- بفتحتين- مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدرا، وله فيها آثار كثيرة.
وهو الّذي أسر العبّاس يوم بدر، وكان قصيرا دحداحا؛ عظيم البطن.
ومات بالمدينة المنوّرة سنة خمس وخمسين رضي الله تعالى عنه.
٦- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك) ؛ أي: ذهابها، مفرد في معنى الجمع، يعمّ النّعم الظّاهرة والباطنة؛ والنّعمة: كلّ ملائم تحمد عاقبته، ومن ثمّ قالوا: لا نعمة لله على كافر، بل ملاذّه استدراج.
والاستعاذة من زوال النّعم تتضمّن الحفظ عن الوقوع في المعاصي؛ لأنّها تزيلها، ألا تسمع قوله:
إذا كنت في نعمة فارعها ... فإنّ المعاصي تزيل النّعم
وحافظ عليها بشكر الإله ... فإنّ الإله سريع النّقم
(وتحوّل عافيتك) ؛ أي: تبدّلها.
قال العلقمي: فإن قلت: ما الفرق بين الزّوال والتّحول؟! قلت: الزّوال يقال في كلّ شيء كان ثابتا في شيء ثمّ فارقه. والتّحوّل: تغيّر الشّيء وانفصاله عن غيره، فكأنّه سأل دوام العافية، وهي السّلامة من الآلام والآثام.
(وفجاءة) - بالضّمّ والمدّ، و [فجأة] بالفتح والقصر-: بغتة (نقمتك) بكسر فسكون- أي: غضبك، (وجميع سخطك» ) - بالتحريك- أي: سائر الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها، وهو تعميم بعد تخصيص.
(م، د، ت) ؛ أي: أخرجه مسلم، وأبو داود، والتّرمذي: كلّهم؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما.
стр. 2217
٧- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء» . (ت، طب؛ ك؛ عن عمّ زياد بن علاقة [رضي الله تعالى عنه] ) .
٨- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ سمعي، ومن شرّ بصري، ومن شرّ لساني، ...
٧- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق) ؛ كحقد وبخل، وحسد وعجب، ولؤم وكبر ونحوها.
(والأعمال) ؛ أي: منكرات الأعمال، وهي الكبائر؛ كقتل وزنا، وشرب مسكر وسرقة، ونحوها؛ وهو من إضافة الصّفة للموصوف، أي: الأعمال المنكرات والأخلاق المنكرات؛ وذكر ذلك مع عصمته تعليما لأمّته،
(و) منكرات (الأهواء) ؛ وهي الزّيغ والانهماك في الشّهوات، جمع هوى، مقصور هوى النّفس، وهو ميلها إلى المستلذّات والمستحسنات عندها، لأنّه يشغل عن الطّاعة، ويؤدّي إلى الأشر والبطر؛ قاله المناوي.
(والأدواء» ) - جمع داء- كجذام، وبرص، وسلّ، واستسقاء، وذات جنب، ونحوها، فهذه كلّها بوائق الدّهر.
(ت، طب، ك) ؛ أي: أخرجه التّرمذي، والطّبراني في «الكبير» ، والحاكم، كلّهم؛ (عن عمّ زياد بن علاقة) - بكسر العين المهملة- هو: قطبة بن مالك، قال التّرمذي: حسن غريب.
٨- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ سمعي) ؛ أن أسمع به ما لا يحلّ سماعه، (ومن شرّ بصري) ؛ أن أنظر به إلى محرّم، (ومن شرّ لساني) ؛ أي: نطقي، فإنّ أكثر الخطايا منه، وهو الّذي يورد المرء في المهالك.
وخصّ هذه الجوارح!! لما أنّها مناط الشّهوة ومثار اللّذة.
قال ابن رسلان: فيه الاستعاذة من شرور هذه الجوارح الّتي هي مأمور
стр. 2218
ومن شرّ قلبي، ومن شرّ منيّي» . (د، ك؛ عن شكل [رضي الله تعالى عنه] ) .
٩- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من يوم السّوء، ...
بحفظها، كما قال وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) [المؤمنون] . فالسّمع أمانة، والبصر أمانة، واللّسان أمانة، وهو مسئول عنها، قال تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) [الإسراء] فمن لم يحفظها، ويتعدّى فيها الحدود؛ عصى الله تعالى، وخان الأمانة، وظلم نفسه، فكلّ جارحة ذات شهوة لا يستطيع دفع شرّها؛ إلّا بالالتجاء إلى الله تعالى، لكثرة شرّها وآفاتها، وللّسان آفات كثيرة، غالبها الكذب، والغيبة، والمماراة، والمدح، والمزاح.
(ومن شرّ قلبي) ؛ يعني: نفسي؛ والنّفس مجمع الشّهوات والمفاسد بحبّ الدّنيا والرّهبة من الخلق، وخوف فوت الرّزق، والأمراض القلبيّة؛ من نحو حسد وحقد، وطلب رفعة، وغير ذلك، ولا يستطيع الآدميّ دفع شرّها إلّا بالإعانة والالتجاء إلى الله .
(ومن شرّ منيّي» ) ؛ أي: شهوتي المحرّكة لمنيّي، أي: من شرّ شدّة الغلمة، وسطوة الشّبق إلى الجماع الّذي إذا أفرط ربّما أوقع في الزّنا أو مقدّماته؛ لا محالة، فهو حقيق بالاستعاذة من شرّه.
وخصّ هذه الأشياء بالاستعاذة؛ لأنّها أصل كلّ شرّ، قاعدته ومنبعه. كما تقرّر؛ قاله المناوي.
(د، ك) ؛ أي: أخرجه أبو داود، والحاكم، وكذا أخرجه التّرمذي: كلّهم؛
(عن شكل) - بشين معجمة، وكاف، مفتوحتين- ابن حميد العبسي، له صحبة، ولم يرو عنه إلّا ابنه؛ قال البغوي: ولا أعلم له غير هذا الحديث!. قال شكل: قلت يا رسول الله؛ علّمني تعوّذا أتعوّذ به، فأخذ بكفّي ... فذكره، قال التّرمذي: حسن غريب.
٩- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من يوم السّوء) ؛ أي: اليوم الّذي يقع فيه منّي
стр. 2219
ومن ليلة السّوء، ومن ساعة السّوء، ومن صاحب السّوء، ومن جار السّوء في دار المقامة» . (طب؛ عن عقبة بن عامر [رضي الله تعالى عنه] ) .
١٠- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ برضاك من سخطك، ...
سوء وفحش، أو الذي يحصل لي فيه ضرر في بدني أو مالي، أو الّذي يحصل فيه غفلة بعد المعرفة، ولا مانع من إرادة الكلّ.
(ومن ليلة السّوء، ومن ساعة السّوء) كذلك، (ومن صاحب السّوء) ؛ أي: أصحاب السّوء؛ لأنّه مفرد مضاف بأن لا يرى منهم إلّا الأذى، وصاحب:
فاعل، وجمعه: صحابة- بفتح الصاد- ولم ينقل جمع فاعل على «فعالة» إلّا هذا، أي: فهو من الجموع الشّاذّة، أو هو اسم جمع.
(ومن جار السّوء) الّذي إذا رأى خيرا كتمه وإذا رأى شرّا أذاعه؛ (في دار المقامة» ) ، فإنّ الضّرر فيها يدوم بخلاف السّفر. زاد في رواية: «فإنّ جار البادية يتحوّل» . والمقامة- بالضّمّ-: الإقامة، كما في «الصّحاح» ؛ قال: وقد تكون بمعنى القيام، لأنّك إذا جعلته من: قام يقوم؛ فمفتوح، أو من: أقام يقيم؛ فمضموم.
وقوله تعالى لا مُقامَ لَكُمْ «١» ؛ أي: لا موضع لكم، وقرئ لا مُقامَ لَكُمْ- بالضمّ-، أي: لا إقامة لكم. انتهى؛ ذكره المناوي.
(طب) أي: أخرجه الطّبراني في «الكبير» ؛ (عن عقبة بن عامر) ؛ قال الحافظ نور الدّين الهيثمي: رجاله ثقات، وأعاده في موضع آخر؛ وقال: رجاله رجال الصّحيح؛ غير بشر بن ثابت، وهو ثقة.
١٠- (اللهمّ، إنّي أعوذ برضاك من سخطك) ؛ أي: بما يرضيك عمّا يسخطك، فقد خرج العبد هنا عن حظّ نفسه بإقامة حرمة محبوبه، فهذا لله، ثمّ الّذي لنفسه من هذا الباب قوله:
стр. 2220
وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ...
(وبمعافاتك من عقوبتك) استعاذ بمعافاته بعد استعاذته برضاه!! لأنّه يحتمل أن يرضى عنه من جهة حقوقه ويعاقبه على حقوق غيره.
(وأعوذ بك منك) ؛ أي: برحمتك من عقوبتك، فإنّ ما يستعاذ منه صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه، فهو الّذي سبّب الأسباب التي يستعاذ منها خلقا وكونا، وهو الّذي يعيذ منها ويدفع شرّها خلقا وكونا، فمنه السّبب والمسبّب، وهو الّذي حرّك الأنفس والأبدان، وأعطاها قوى التّأثير، وهو الّذي أوجدها وأعدّها وأمدّها، وهو الّذي يمسكها إذا شاء، ويحول بينها وبين قواها وتأثيرها، فتأمل ما تحت قوله «أعوذ بك منك» من محضر التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره، وتكميل التوكّل عليه، وإفراده بالاستعانة وغيره!!.
(لا أحصي ثناء عليك) في مقابلة نعمة واحدة من نعمك، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [١٨/ النحل] . والغرض منه الاعتراف بتقصيره عن أداء ما أوجب عليه من حقّ الثّناء عليه تعالى.
(أنت كما أثنيت على نفسك» ) بقولك فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) [الجاثية] . وغير ذلك مما حمدت به نفسك، وهذا اعتراف بالعجز عن التّفصيل، وأنّه غير مقدور؛ فوكّله إليه سبحانه، وكما أنّه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثّناء عليه، إذ الثّناء تابع للمثنى عليه، فكلّ ثناء أثني عليه به؛ وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر الله أعظم، وسلطانه أعزّ، وصفاته أجلّ؛ ذكره القاضي.
والمعنى: إن أردت أن أثني عليك في مقابلة نعمة لم أطق، فحينئذ أنت موصوف بالثّناء الّذي مثل ثنائك على نفسك.
قال العلماء: ولو حلف «أن يثني عليه تعالى أجلّ الثّناء» برّ بقوله:
«سبحانك؛ لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ؛ لأنّ أحسن الثّناء
стр. 2221
(م، ٤؛ عن عائشة) .
١١- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك ...
وأجلّه ثناء الله تعالى على نفسه.
وأمّا مجامع الحمد وأجلّه فهو قوله: الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فلو حلف «ليحمدن الله بمجامع الحمد أو: بأجلّ التّحاميد» !! فطريقه:
أن يقول ذلك. يقال: إنّ جبريل ﵇ قاله لآدم ﵊، وقال: قد علّمتك «مجامع الحمد» .
ومعنى قوله: يوافي نعمه؛ أي: يلاقيها فتحصل معه، ويكافئ مزيده؛ أي:
يساويه فيقوم بشكر ما زاد من النّعم.
وقد تقدّم الكلام على ذلك في شرح خطبة المصنّف.
(م، ٤) ؛ أي: أخرجه مسلم، والأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها قالت:
فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته؛ فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو بالمسجد. وهما منصوبتان، وهو يقول ذلك.
١١- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك) ، استعاذته ﷺ من هذه الأمور الّتي عصم منها إنّما هو ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به الأمّة، وليبين لهم صفة الدّعاء؛ والمهم منه.
و «أعوذ» : لفظه لفظ الخبر؛ ومعناه الدّعاء. قالوا: وفي ذلك تحقيق الطّلب؛ كما قيل في «غفر الله» بلفظ الماضي، والباء للإلصاق المعنويّ للتخصيص، كأنّه خصّ الرّبّ بالاستعاذة، وقد جاء في الكتاب والسّنّة «أعوذ بالله» ، ولم يسمع: بالله أعوذ؛ لأنّ تقديم المعمول تفنّن وانبساط، والاستعاذة حال خوف وقبض، بخلاف «الحمد لله» ، و «لله الحمد» ؛ لأنّه حال شكر، وتذكير إحسان ونعم.
стр. 2222
من شرّ ما عملت؛ ومن شرّ ما لم أعمل» . (م، د، ن، هـ؛ عن عائشة) .
١٢- «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الفقر والقلّة والذّلّة، وأعوذ بك من أن أظلم، أو أظلم» . (د، ن، هـ، ك؛ ...
(من شرّ ما عملت) ؛ أي: من شرّ ما اكتسبته ممّا يقتضي عقوبة في الدنيا؛ أو نقصا في الآخرة.
(ومن شرّ ما لم أعمل» ) ؛ أي: بأن تحفظني منه في المستقبل؛ وهذا تعليم للأمّة؛ أو المراد: شرّ عمل غيري، فإنّ عمل الشّر من شخص ينزل وبالا عليه وعلى غيره، فأعوذ بك من شرّ عموم وباله بالنّاس، قال تعالى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٥٢/ الأنفال] . أو المراد: ما ينسب إليّ افتراء؛ ولم أعمله.
وتقديم الميم على اللّام فيهما هو ما في «مسلم» وغيره، وعكسه الواقع لحجة الإسلام في «الإحياء» متعقّب بالردّ، نعم؛ جاء في خبر مرسل.
(م، د، ن، هـ) أي: أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه:
كلهم؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، ولم يخرّجه البخاري!!.
١٢- ( «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الفقر والقلّة) - بكسر القاف- أي: قلّة المال التي يخشى منها، وقلّة الصبر على الإقلال، وتسلّط الشيطان عليه بوسوسته؛ بذكر تنعّم الأغنياء وما هم فيه، (والذّلّة، وأعوذ بك من أن أظلم) - بفتح الهمزة وكسر اللام مبنيّا للفاعل- أي: أظلم أحدا من المسلمين والمعاهدين. ويدخل فيه ظلم نفسه بمعصية الله تعالى. (أو أظلم) - بضم الهمزة وفتح اللام؛ بالبناء للمفعول- أي: يظلمني أحد. وفي الحديث: ندب الاستعاذة من الظّلم والظّلمة، وأراد بهذه الأدعية تعليم أمته.
(د، ن، هـ، ك) ؛ أي: أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
стр. 2223
عن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه] ) .
١٣- «اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. أنا شهيد أنّك أنت الرّبّ وحدك لا شريك لك. اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. أنا شهيد أنّ محمّد ﷺ عبدك ورسولك.
اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. أنا شهيد أنّ العباد كلّهم إخوة.
اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء.. اجعلني مخلصا لك وأهلي في كلّ ساعة في الدّنيا والآخرة، ...
والحاكم؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، وسكت عليه أبو داود، ولم يعترضه المنذري!!.
١٣- ( «اللهمّ؛ ربّنا) يا ربنا (وربّ كلّ شيء أنا شهيد) ؛ أي: شاهد على (أنّك أنت الرّب) ؛ أي: الإله الخالق المتفرّد بالإيجاد والإمداد (وحدك) ؛ أي: منفردا في ذاتك (لا شريك لك) في صفاتك وأفعالك.
(اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء، أنا شهيد) على (أنّ محمّدا ﷺ عبدك ورسولك) إلى كافّة الخلق.
(اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء، أنا شهيد) على (أنّ العباد) ؛ أي: المؤمنين منهم (كلّهم إخوة) ؛ أي: متّصفون بصفة واحدة؛ وهي الإيمان، قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [١٠/ الحجرات] .
(اللهمّ؛ ربّنا وربّ كلّ شيء، اجعلني مخلصا لك) ؛ أي: متّصفا بصفة الإخلاص في أعمالي وعباداتي، بأن أقصد بها التقرّب إليك؛ لا رياء ولا سمعة.
(وأهلي) : أتباعي، معطوف على ضمير المتكلم في «اجعلني» ، أي:
اجعلني وإيّاهم مخلصين (في كلّ ساعة في) أمور (الدّنيا والآخرة) ، بحيث لا توجد ساعة- سواء كانت تلك الساعة في أمر الدنيا أو العقبى- إلا أن تكون في
стр. 2224
يا ذا الجلال والإكرام» . (ن، حب؛ عن أبي أمامة [رضي الله تعالى عنه] ) .
١٤- «اللهمّ؛ أنت ربّي لا إله إلّا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ...
صرف طاعة مقرونة بالإخلاص (يا ذا الجلال والإكرام» ) معنى الجلال- كما دلّ عليه كلام القشيري-: استحقاق أوصاف العلوّ، وهي الأوصاف الثّبوتية والسلبية، وعليه: فالإكرام المقابل له إكرام العباد بالإنعام عليهم، وعلى هذا جرى الغزالي في «المقصد الأسنى» ، وفسّر بغير ذلك.
(ن، حب) ؛ أي: أخرجه النسائي، وابن حبّان؛ (عن أبي أمامة) الباهليّ: صديّ بن عجلان، وأخرجه أبو داود؛ عن زيد بن أرقم، وفي إسناده داود الطفاوي!! قال يحيى بن معين: ليس بشيء.
١٤- ( «اللهمّ؛ أنت ربّي) ؛ أي: وربّ كلّ شيء، فقد ربّيت الوجود وأهله بالإيجاد ثم بالإمداد، فوجب عليّ وعلى سائر العباد العود إلى ساحتك العليّة بلسان الاعتذار، والقيام في حال الذلّ والانكسار.
(لا إله إلّا أنت) ؛ أي: فلا يطلب من غيرك شيء؛ لأنه مقهور لا ينفع نفسه؛ ولا يدفع الضّرّ عنها، وما أحسن قول العارف الكبير أبي الحسن الشاذلي قدس سره: أيست من نفع نفسي لنفسي؛ فكيف لا آيس من نفع غيري لنفسي!! ورجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي!!.
(خلقتني) شرح لبيان التربية المدلول عليها بقوله: «أنت ربي» (وأنا عبدك) ؛ أي؛ مخلوقك ومملوكك- جملة حالية-، وكذا جملة (وأنا على عهدك ووعدك) ؛ قيل: عهدك، أي: ما عاهدتني بالإيمان المأخوذ يوم «ألست بربّكم» ، أي: أنا مقيم على ما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيّتك. وقيل:
عهدك، أي: على ما عاهدتني، أي: أمرتني به في كتابك وبلسان نبيك من القيام بالتكاليف.
стр. 2225
ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي؛ ...
(ووعدك) ؛ أي: مستنجز وعدك في المثوبة والأجر في العقبى على هذه العهود، وأنا موقن بما وعدت به من البعث والنشور؛ وأحوال القيامة، فالمصدر مضاف لفاعله. وقيل: ما عاهدتك عليه في الأزل من الإقرار بالوحدانية المأخوذ يوم «ألست بربّكم» ، ووعدك، أي: ما وعدتك به من الوفاء بذلك، فالمصدر مضاف للمفعول. وسئل الإمام جلال الدين السيوطي عن ذلك؛ فقال: العهد:
ما أخذ عليهم وهم في عالم الذر يوم «ألست بربكم» ، والوعد: ما جاء على لسان النبي ﷺ : «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة» . انتهى ذكره في «الحاوي» . قيل: ولا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر، وغير ذلك مما لا يخطر ببال.
(ما استطعت) ؛ أي: مدّة دوام استطاعتي، ومعناه: الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقّه تعالى.
(أعوذ بك من شرّ ما صنعت) «ما» : فيه مصدرية؛ أو موصولة، أي: أعوذ بك من صنعي، أو مما لم أستطع على كفّ نفسي عنه، من الأعمال التي تؤدّي بصاحبها إلى الهلاك الأبديّ، والعذاب السرمديّ.
(أبوء) - بهمزة مفتوحة فموحدة مضمومة، وبعد الواو همزة- أي: أقرّ وأعترف (لك بنعمتك) التي أنعمت بها (عليّ، وأبوء بذنبي) معناه الإقرار بالذّنب والاعتراف به أيضا، لكن فيه معنى ليس في الأول؛ لأن العرب تقول «باء فلان بذنبه» ؛ إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه. ولذا عبّر في الرواية الصحيحة التي هي رواية البخاري بقوله: «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي» ، بإثبات «لك» مع النّعمة، وبحذفها في ذنبي، وهو أدب حسن.
قال الشيخ ابن حجر في «شرح المشكاة» : وأبوء بذنبي؛ أي: الذنب العظيم الموجب للقطيعة لولا واسع عفوك وهامع فضلك. انتهى.
стр. 2226
فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت» . (خ؛ عن شدّاد بن أوس) .
وتعقّبه في «المرقاة» بأنه ذهول وغفلة منه، أنّ هذا لفظ النبوّة وهو معصوم عن الزّلة. انتهى. ولك أن تقول: ليس في هذا إثبات وقوع الذنب منه ﷺ حتى ينافي العصمة؛ إنما المقصود أنه لكمال فضله وخضوعه لربّه يرى ذلك، وكلّما كمل الإنسان زاد اتهامه لنفسه.
ومثاله في الشاهد: أن البريء من الذنب المقرّب مثلا، إذا قال للملك «أنا مسيء في حقّك» ... ونحو ذلك، عدّ منه تواضعا وسببا لترقّيه عند ذلك الملك، وليس فيه إثبات للذنب، والله أعلم.
وقال الطّيبيّ: اعترف أولا بأنه تعالى أنعم عليه، ولم يقيّده!! ليشمل كلّ الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء شكرها، وعدّ [ذلك] ذنبا!! مبالغة في التقصير وهضم النفس. انتهى؛ ذكره في «شرح الأذكار» .
(فاغفر لي) ذنوبي، (فإنّه) ؛ أي: الشأن (لا يغفر الذّنوب) ؛ أي:
جميعها (إلّا أنت» ) وفائدة الإقرار بالذنب: أنّ الاعتراف يمحو الاقتراف، كما قيل:
فإنّ اعتراف المرء يمحو اقترافه ... كما أنّ إنكار الذّنوب ذنوب
(خ) ؛ أي: أخرجه البخاري في «صحيحه» ؛ (عن شدّاد بن أوس) بن ثابت الأنصاريّ الخزرجيّ «ابن أخي حسان بن ثابت» .
كنيته أبو يعلى، قيل: هو يدري!! وغلط قائله. إنما البدري أبوه رضي الله تعالى عنهما. قال عبادة بن الصّامت وأبو الدّرداء: كان شدّاد من أولي العلم والحكمة.
سكن بيت المقدس وأعقب بها، وتوفي سنة ثمان وخمسين، أو: إحدى وأربعين، أو: أربع وستين، وعمره خمس وسبعون سنة، ودفن بها، وقبره بظاهر باب الرّحمة باق إلى الآن.
стр. 2227
١٥- «اللهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي ...
روي له خمسون حديثا؛ انفرد مسلم منها بواحد، وهو حديث: «إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء ... » .
وانفرد البخاريّ بهذا الحديث، الذي هو حديث سيّد الاستغفار، أي: سيّد ألفاظه، أي: أفضل أنواع الذكر التي تطلب بها المغفرة، هذا الذكر الجامع لمعاني التوبة كلّها.
قال ابن أبي جمرة: جمع الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ، ما يحقّ له أن يسمّى «سيّد الاستغفار» ، ففيه الإقرار لله وحده بالألوهية، ولنفسه بالعبوديّة، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرّجاء بما وعده به، والاستعاذة من شرّ ما جنى على نفسه، وإضافة النعم إلى موجدها، وإضافة الذّنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنّه لا يقدر على ذلك إلّا هو. وكلّ ذلك إشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة؛ لأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان عون من الله. انتهى.
والحديث أخرجه عن شدّاد أيضا الإمام أحمد، والنّسائي في «السّنن» ؛ و «عمل اليوم والليلة» .
وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنّسائي، وابن ماجه، وابن السّنّي، والطبراني في كتاب «الدعاء» ، والبزّار؛ كلّهم من حديث بريدة بن الحصيب، رضي الله تعالى عنه.
١٥- ( «اللهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي) بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص حظّي. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير محلّه، وهو على مراتب؛ أعلاها الشرك.
والنّفس تذكّر وتؤنّث. واختلف هل النفس هي الروح أم لا؟!
قال ابن الملقّن: الظاهر أنّ المراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح.
стр. 2228
ظلما كثيرا ولا يغفر الذّنوب إلّا أنت ...
أي: ظلمتها بوضع المعاصي موضع الطاعات، وجزم به البرماويّ؛ قاله في «شرح الأذكار» .
(ظلما كثيرا) قال النووي: هكذا ضبطناه «ظلما كثيرا» - بالثاء المثلاثة- في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم «كبيرا» - بالباء الموحدة- وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقال: ظلما كثيرا كبيرا. انتهى.
وأكّد بالمصدر؛ ووصفه!! تحقيقا لدفع المجاز.
وفي الحديث دليل على تكذيب مقالة من زعم أنه لا يستحقّ اسم الإيمان إلا من كان لا خطيئة له ولا جرم، وزعموا أنّ أهل الإجرام غير مؤمنين، وأنّ سائر الذّنوب كبائر، وذلك أنّ الصّدّيق أفضل الصّدّيقين من أهل الإيمان؛ وقد أمره الشارع أن يقول «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» !.
وفيه دليل على أنّ الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربّه في كلّ أحواله، وإن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى غاية، إذ كان الصّدّيق مع موضعه في الدين؛ لم يسلم مما يحتاج إلى استغفار ربّه منه. انتهى «شرح الأذكار» .
(ولا يغفر) : من الغفر؛ وهو الستر (الذّنوب) : جمع ذنب؛ وهو: الجرم مثل فلس وفلوس، يقال أذنب يذنب، والذّنب: اسم مصدر، والإذناب:
مصدر؛ لكنه لا يستعمل، والمعنى أنه سأل أن يجعل بينه وبين الذنب ساترا.
(إلّا أنت) فيه إقرار بالوحدانيّة له تعالى، واستجلاب المغفرة، وهذا كقوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [١٣٥/ آل عمران] .
وفي الآية الحثّ على الاستغفار، قيل: كلّ شيء أثنى الله على فاعله؛ فهو أمر به، وكلّ شيء ذمّ فاعله؛ فهو نهي عنه. انتهى «شرح الأذكار» .
стр. 2229
فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم» .
(فاغفر لي) قال بعضهم: هو أرجح في الاستغفار من قوله أستغفرك؛ لأنه إذا قال ذلك؛ ولم يكن متّصفا به كان كاذبا. وضعّف بأنّ السين فيه للطلب، فكأنه قال: أطلب مغفرتك، وليس المراد الإخبار، بل الإنشاء للطلب، فكأنه قال:
اغفر لي؛ لا سيما وقد ورد في الشرع صيغة «استغفر» أمرا وفعلا، فيتلقى ما جاء عن الشارع بالقبول. انتهى «شرح الأذكار» .
(مغفرة من عندك) معناه: هب لي المغفرة تفضّلا؛ وإن لم أكن أهلا له بعملي، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي أنت.
قال الطّيبيّ: ودلّ التنكير في قوله «مغفرة» على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرى كنهه، ووصفه بكونه «من عنده» سبحانه!! لأن الذي يكون من عنده لا يحيط به وصف، وتبعه الكرمانيّ.
وحاصله: أن طلب مغفرة خاصّة في غاية الجلالة والعظمة ترفعه إلى أعلى ما يليق به من مقامات القرب، ومن حضرة الحقّ، ولذا عقّبه بطلب الرحمة العامة الشاملة لكل ما يلائم النفس، حيث قال:
(وارحمني) ؛ أي: رحمة من عندك، وحذف!! اكتفاء بوصف قرينه به (إنّك أنت الغفور الرّحيم» ) بكسر همزة «إنّ» على الاستئناف البياني المشعر بتعليل ما قبله، ويجوز الفتح. و «أنت» لتأكيد الكاف، ويجوز أن يكون للفصل، والاسمان وصفان للمبالغة، وذكرا!! ختما للكلام على جهة المقابلة لما تقدّم، فالغفور لقوله «اغفر لي» والرحيم لقوله: «ارحمني» .
قال ابن حجر في «شرح المشكاة» : يؤخذ منه أنّ من أدب الدعاء أن يختم بما يناسبه من أسمائه تعالى؛ لما فيه من التفاؤل بحصول المطلوب، والتّوسّل بما يوجب تعجيل إجابته وحصول طلبته. انتهى.
стр. 2230
(ق، حم، ٤؛ عن أبي بكر الصّدّيق) .
١٦- «اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي كلّه، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه» ...
وفي «الحرز» : هذا الدّعاء من الجوامع، لأنّ فيه الاعتراف بغاية التّقصير، وطلب غاية الإنعام. فالمغفرة: ستر الذّنوب ومحوها، والرّحمة: إيصال الخيرات، ففي الأوّل طلب الزّحزحة عن النّار، وفي الثّاني طلب إدخال الجنّة، وهذا هو الفوز العظيم.
(ق، حم، ٤) يعني أنّ الحديث متّفق عليه، أي: رواه البخاريّ، ومسلم، ورواه الإمام أحمد، والأربعة أصحاب «السنن» : أبو داود، والتّرمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه: كلهم؛
(عن أبي بكر الصّدّيق) عبد الله بن عثمان «أبي قحافة» بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي، القرشيّ التّيميّ؛
الصدّيق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ وصهره «١» ، ورفيقه في الغار، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، رضي الله تعالى عنه.
يقول الفقير: لكنّي لم أجد الحديث في «أبي داود» !!. والله أعلم.
١٦- ( «اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي كلّه) توكيد للإحاطة والشمول، أتى به!! لدفع توهّم أنّ المراد به ذنب مخصوص، ولبيان أنّ العموم المفاد من إضافته مراد.
(دقّه) - بكسر الدال المهملة- أي: صغيره، وقدّم!! سلوكا للتّرقي في السؤال، الدالّ على التدريج في ترجّي الإجابة، أو إشارة إلى أنّ الكبائر إنّما تنشأ غالبا عن الصغائر، أو الإصرار عليها وعدم المبالاة بها؛ فهي وسيلة، والوسيلة من حقّها التقدّم.
(وجلّه) - بكسر الجيم- أي: كبيره، (وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه» )
стр. 2231
(م، د؛ عن أبي هريرة) .
١٧- «اللهمّ؛ إنّي أسألك العفّة والعافية في دنياي وديني، وأهلي ومالي.
(م، د) أي: أخرجه مسلم، وأبو داود في «باب ما يقال في الركوع والسجود» ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه:
١٧- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك العفّة) - بالكسر-: العفاف عن كلّ حرام ومكروه، ولذّة وشهوة. (والعافية) ؛ أي: السلامة من الآفات الدينيّة، والنقائص الحسيّة والمعنويّة، والحادثات الدنيويّة، أي: عدم الابتلاء بها والصبر بقضائها.
ولجمع العافية ذلك، كان الدعاء بها أجمع الأدعية، وكأنّه السبب في قوله ﷺ للعبّاس لما سأله أن يعلّمه دعاء: «يا عمّ؛ سل الله العافية في الدّنيا والآخرة» .
وفي «بهجة المجالس» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها «قلت:
يا رسول الله؛ ما العافية؟ قال: «العافية في الدّنيا: القوت، وصحّة الجسم، وستر العورة، والتّوفيق للطّاعة، وأمّا في الآخرة: فالمغفرة، والنّجاة من النّار، والفوز بالجنّة» .
قال الإمام النّوويّ في «شرح مسلم» : العافية من الألفاظ العامّة المتناولة لدفع جميع المكروهات؛ في البدن والباطن، في الدنيا والآخرة. انتهى.
ولذا استعملها في قوله: (في دنياي) ، إذ هو متعلّق بها وحدها، وما بعده معطوف عليه؛ فيكون كذلك. والعافية في الدنيا: سلامته من النّكبات المكدّرة، والمعيشة المنغّصة.
(و) في (ديني) بدوام التّرقّي في كمالات الدّين، والسّلامة من نقص يهوي بالعبد إلى دركاته. (وأهلي ومالي) بأن لا يرى فيهما ما يسيء.
стр. 2232
اللهمّ؛ استر عورتي وأمّن روعتي، واحفظني من بين يديّ ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي؛ وأعوذ بك أن أغتال من تحتي» ...
ولا يخفى أنّ الأنبياء دعوا الله بالعافية، ولا شكّ أنّ دعوتهم مجابة!! ومع هذا أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الأمثال.. فالأمثل،
فيتعيّن أن تقيّد الأسقام بسيّئها؛ كالبرص، والجنون، والجذام مما تنفر عنه طباع العوامّ. ولذا ورد التعوّذ من سيّىء الأسقام،
وكذا يقيّد في الأمور الدينيّة أو الدنيويّة بالشاغلة عن الأحوال الآخرويّة.
وفي «لطائف المنن» لابن عطاء الله السّكندري: أنّ بعض الناس دخل على الشّيخ أبي العبّاس المرسي وهو مريض؛ فقال له: عافاك الله، فسكت عنه، ثمّ قال ذلك ثانيا وثالثا، فقال له: يا هذا، وأنا سألت الله العافية قبلك، وما أنا فيه هو العافية، لأنّ العافية على ما يعلم الله. انتهى «شرح الأذكار» .
(اللهمّ؛ استر عورتي) : عيوبي وخللي وتقصيري.
قال الشيخ أبو الغيث بن جميل: عورة كلّ مخلوق شهوة نفسه، وخير الملابس عندنا: ما ستر العورة، ولا يسترها سوى الموت عن كلّ مباح ومحظور بحكم الضرورة، والله بكل شيء عليم خبير، وخير ملابس التقوى: ما يستر العورة، وشر ملابس التقوى: ما أشهر العورة. انتهى.
والمعنى: استر عورتي التي يسؤني كشفها، (وأمّن) - بتشديد الميم- (روعتي) - بفتح الراء- أي: فزعتي التي تخيفني؛ أي: ارفع عنّي كلّ خوف يقلقني ويزعجني.
(واحفظني) أي: ادفع عنّي البلاء من جهاتي الستّ التي تضمّنها قوله: (من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال) - بضم الهمزة مبنيّا للمفعول- أي: أوخذ غيلة (من تحتي» ) أي: أدهى
стр. 2233
(البزّار؛ عن ابن عبّاس) .
من تحتي بالخسف أو غيره.
واستوعب الجهات الستّ بحذافيرها لأنّ ما يلحق الإنسان من نحو نكبة وفتنة إنّما يصله من أحدها، وبالغ في جهة السفل لرداءة آفتها.
(البزّار) في «مسنده» (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما. قال الحافظ الهيثمي: فيه يونس بن حبّان، وهو ضعيف. انتهى.
قال المناوي: وظاهر صنيع المصنّف «١» أنّه لا يوجد في أحد دواوين السنّة، وإلّا! لما عدل عنه، وهو تقصير أو قصور، فقد خرّجه أبو داود، وابن ماجه وكذا الحاكم وصححه من حديث ابن عمر قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي؛ وحين يصبح» . انتهى. فاقتصار المصنّف «١» على البزّار خلاف اللائق. انتهى كلام المناوي.
ومثله يقال في حقّ المصنّف «٢» التابع ل «الجامع الصغير» . وقد ذكره النوويّ في «الأذكار» بمخالفة يسيرة في اللّفظ، وقال: رواه أبو داود، والنّسائي، وابن ماجه؛ عن ابن عمر ﵄. قال شارحه ابن علّان: ورواه الحاكم أيضا في «المستدرك» ؛ وقال: صحيح الإسناد، وابن حبان في «صحيحه» .
وقال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه: حديث حسن غريب لا نعرفه إلّا من حديث عبادة بن مسلم، ولا عنه؛ إلّا بهذا السند!!، أي: جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم: أنّه كان جالسا عند ابن عمر؛ فقال: سمعت النّبيّ ﷺ ... الخ.
قال: وأخرجه أحمد، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن عبادة المذكور.
قال: ووجدت له شاهدا من حديث ابن عباس؛ أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» ، وفي سنده راو ضعيف. انتهى.
стр. 2234
١٨- «اللهمّ؛ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمّد ﷺ .. نعوذ بك من النّار» . (طب، ك؛ عن والد أبي المليح [﵀] ) .
وقد ذكره أيضا الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» ؛ عن ابن عمر مع زيادة ومخالفة يسيرة؛ وقال: أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصحّحه الحاكم. انتهى.
١٨- ( «اللهمّ؛ ربّ) أي: يا ربّ (جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمّد ﷺ ؛ نعوذ) ؛ أي: نعتصم (بك من النّار» ) ؛ أي: من عذابها.
وخصّ الأملاك الثلاثة!! لأنّها أشرف الملائكة، وأنّها الموكّلة بالحياة، وعليها مدار نظام هذا الوجود؛ فجبريل موكّل بالوحي؛ الذي هو حياة القلوب، وميكائيل بالقطر والنبات؛ الذي هو حياة الأرض والحيوان، وإسرافيل بالنّفخ في الصور؛ الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى الأشباح، فالتوسّل إليه سبحانه بربوبيّة هذه الأرواح الموكّلة بالحياة له تأثير كبير في حصول المطلوب.
وجبريل أفضل الملائكة مطلقا- على المعتمد-. وقيل: إسرافيل أفضل منه.
والمعتمد: أنّه بعده، ثمّ بعد إسرافيل ميكائيل، ثمّ ملك الموت.
(طب، ك) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ، والحاكم في (المناقب) ، وكذا ابن السّنّيّ في «عمل اليوم والليلة» ؛
(عن والد أبي المليح) - بفتح الميم مكبرا- واسم أبي المليح:
عامر بن أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيشر، الهذليّ، البصريّ.
وهو تابعيّ من أوساط التابعين، مات سنة: ثمان وتسعين، وقيل: ثمان ومائة، وقيل بعد ذلك، خرّج عنه أصحاب «السنن الأربعة» ، ووالده صحابيّ تفرّد عنه ولده.
وروى له أصحاب «السنن الأربعة» ؛ قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ركعتي الفجر؛ فسمعته يقول: «اللهمّ ... » إلى آخره ثلاثا، أي: فيتأكّد قول ذلك بعد
стр. 2235
١٩- «اللهمّ؛ إنّك لست بإله استحدثناه، ولا بربّ ابتدعناه، ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك؛ تباركت وتعاليت» . (طب؛ عن صهيب [رضي الله تعالى عنه] ) .
٢٠- «اللهمّ؛ إنّك تسمع كلامي، وترى مكاني، ...
سنّة الصبح وقبل الفرض، وإن كان يطلب قول ذلك في أيّ وقت كان، لكنّ ذاك آكد. قال الحفني: قال الحافظ الهيثميّ: وفيه من لم أعرفه. انتهى. ذكره المناوي.
١٩- ( «اللهمّ؛ إنّك لست بإله استحدثناه) أي: طلبنا حدوثه، أي: تجدّده بعد أن لم يكن، (ولا بربّ ابتدعناه) أي: اخترعناه على غير مثال سبق، فهو أخصّ مما قبله؛ لأن الحدوث: التجدد؛ سواء كان على مثال سابق أو لا.
(ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه ونذرك) أي: نتركك، (ولا أعانك على خلقنا) : إيجادنا من العدم (أحد) غيرك (فنشركه فيك) أي: في عبادتك والالتجاء إليك، فإنّك المنفرد بالخلق والإيجاد والتقدير.
ولما نزّهه ﷺ عن صفات النّقص تعالى ناسب أن يذكر صفات الكمال؛ فقال:
(تباركت) أي: تقدّست (وتعاليت» ) : تنزّهت. قال المناوي: وكان نبيّ الله داود يدعو به.
(طب) أي: أخرجه الطّبرانيّ في «الكبير» ؛ (عن صهيب) - بالتصغير-.
قال الحافظ الهيثمي: وفيه عمرو بن الحصين العقيلي؛ وهو متروك. وفي العزيزي: إنه حديث ضعيف. انتهى.
٢٠- ( «اللهمّ؛ إنّك تسمع) بغير جارحة (كلامي) أي: لا يعزب عنك مسموع؛ وإن خفي، (وترى مكاني) إن كنت في ملاء أو خلاء.
стр. 2236
وتعلم سرّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، وأنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقرّ المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذّليل، وأدعوك دعاء الخائف الضّرير؛ ...
(وتعلم سرّي) : ما أخفي (وعلانيتي) : ما أظهر؛ (لا يخفى عليك شيء من أمري) . تأكيد لما قبله لدفع توهّم المجاز والتخصيص.
قال الحرّاني: الإخفاء: تغييب الشيء، وألايجعل عليه علم يهتدى إليه من جهته، والغرض من ذلك الإجابة والقبول.
(وأنا البائس) الذي اشتدّت ضرورته، (الفقير) أي: المحتاج إليك في سائر أحواله وجميع أموره؛ فهو أعمّ من البائس. (المستغيث) : المستعين المستنصر بك، فاكشف كربتي وأزل شدّتي: يقال: أغاثه الله إذا أعانه، واستغاث به فأغاثه، وأغاثهم الله كشف شدّتهم.
(المستجير) - بالجيم-: الطالب منك الأمان من عذابك، (الوجل) :
الخائف، (المشفق) : الكثير الخوف، فهو أخصّ من الوجل، (المقرّ المعترف بذنبه) عطف تفسير.
(أسألك مسألة المسكين) - بكسر الميم وفتحها لغة قليلة- أي: الخاضع الضعيف. سمّي مسكينا!! لسكونه إلى الناس.
(وأبتهل إليك ابتهال المذنب) أي: أتضرّع إليك تضرّع من أخجلته مقارفة الذنوب. (الذّليل) : المستهان به، (وأدعوك دعاء الخائف الضّرير) المضطر.
بيّن بهذا أنّ العبد؛ وإن علت منزلته فهو دائم الاضطرار، لأن الاضطرار تعطيه حقيقة العبد؛ إذ هو ممكن؛ وكل ممكن مضطر إلى ممدّ يمدّه.
وكما أنّ الحقّ هو الغنيّ أيضا، فالعبد مضطر إليه أبدا، ولا يزايله هذا
стр. 2237
من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذلّ لك جسمه، ورغم لك أنفه.
الاضطرار، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى لو دخل الجنّة فهو محتاج إليه فيها، غير أنّه غمس اضطراره في المنّة التي أفرغت عليه ملابسها، وهذا هو حكم الحقائق: ألايختلف حكمها؛ لا في الغيب ولا في الشهادة، ولا في الدنيا ولا في الآخرة.
ومن اتّسعت أنواره لم يتوقّف اضطراره.
وقد عيّب الله قوما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار، فلمّا زالت زال اضطرارهم. ولمّا لم تقبل عقول العامة إلى ما تعطيه حقيقة وجودهم؛ سلّط الله عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار؛ ليعرفوا قهر ربوبيّته، وعظمة إلهيّته.
(من خضعت) أصل الخضوع التطامن والميل، والمراد هنا: الذّلّة؛ أي:
من ذلّت (لك) أي: لأجلك، أي: لأجل الخوف منك. (رقبته) ؛ أي:
ذاته، وكذا الكلام في ذلك فيما يأتي للتعليل على تقدير الخوف منك.
(وفاضت) : سالت (لك) أي: لأجل الخوف منك (عبرته) - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة-: البكاء؛ أي: سالت من شدّة بكائه لأجل الخوف منك دموعه. وفي «القاموس» : العبرة- بالفتح-: الدمعة قبل أن تفيض، وتردّد البكاء في الصدر.
(وذلّ) أي: انقاد (لك) أي: لأجلك، أي: لأجل الخوف منك (جسمه) أي: جميع أركانه الظاهرة والباطنة.
(ورغم لك أنفه) ؛ أي: التصق أنفه بالرغام؛ أي: التراب، والمراد لازم ذلك؛ وهو الخضوع، ورغم- بفتح الغين- قال في «المختار» : ورغم فلان- من باب قطع- رغما- بالحركات الثلاث في راء المصدر- إذا لم يقدر على الانتصاف.
انتهى.
стр. 2238
اللهمّ؛ لا تجعلني بدعائك شقيّا، وكن بي رؤوفا رحيما؛ يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين» . (طب؛ عن ابن عبّاس) .
٢١- «اللهمّ؛ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس، يا أرحم الرّاحمين. إلى من تكلني؟ إلى عدوّ يتجهّمني؟!
( «اللهمّ؛ لا تجعلني بدعائك شقيّا) ؛ أي: خائبا متعبا نفسه بسبب عدم الإجابة، (وكن بي رؤوفا رحيما) ؛ أي: عطوفا شفوقا.
(يا خير المسؤولين) في معنى التعليل لما قبله، ومثله قوله: (ويا خير المعطين» ) ؛ أي: يا خير من طلب منه، ويا خير من أعطى.
(طب) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما قال: كان فيما دعا به رسول الله ﷺ في حجّة الوداع عشيّة عرفة:
«اللهمّ» ... إلى آخر ما ذكر.
قال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ. وقال الحافظ العراقيّ: سنده ضعيف، وبيّنه تلميذه الحافظ الهيثميّ؛ فقال: فيه يحيى بن صالح الآملي، قال العقيلي: له مناكير. وبقيّة رجاله رجال الصحيح. انتهى «مناوي» .
٢١- ( «اللهمّ؛ إليك أشكو ضعف قوّتي) قدّم «إليك» !! ليفيد الاختصاص، أي: أشكو إليك؛ لا إلى غيرك، فإنّ الشكوى إلى الغير لا تجدي، والشكوى إليه تعالى لا تنافي الصبر.
(وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس) ؛ أي: احتقارهم إيّاي واستهانتهم بي، (يا أرحم الرّاحمين) ؛ يا موصوفا بكمال الإحسان؛
(إلى من تكلني) : تفوّض أمري؟! (إلى عدوّ) من كفّار قريش أو غيرهم (يتجهّمني) - بالتحتيّة والفوقيّة، المفتوحتين، فالجيم فالهاء المفتوحتين،
стр. 2239
أم إلى قريب ملّكته أمري؟!
إن لم تكن ساخطا عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الّذي أضاءت له السّماوات والأرض، وأشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة.. أن تحلّ عليّ غضبك، أو تنزل عليّ سخطك، ...
وتشديد الهاء- أي: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.
(أم إلى قريب ملّكته أمري!!) أي: جعلته متسلّطا على إيذائي؛ ولا أستطيع دفعه. (إن لم تكن ساخطا عليّ) - في رواية: «إن لم يكن بك سخط عليّ» - (فلا أبالي) بما يصنع بي أعدائي وأقاربي من الإيذاء؛ طلبا لمرضاتك.
(غير أنّ عافيتك) : التي هي السلامة من البلايا والمحن والمصائب (أوسع لي) . فيه: أنّ الدّعاء بالعافية مطلوب محبوب، وقد تقدّم!.
(أعوذ بنور وجهك) ؛ أي: ذاتك (الكريم) ؛ أي: الشّريف (الّذي أضاءت له السّماوات والأرض) !! جمع السموات وأفرد الأرض؛ لأنّها طبقات متفاصلة بالذات؛ مختلفة بالحقيقة.
(وأشرقت له الظّلمات) . قال المناوي: ببناء «أشرقت» للمفعول من أشرقت بالضوء تشرق: إذا امتلأت به واغتصّت، وأشرقها الله، كما تقول: ملأ الأرض عدلا وطبّقها عدلا؛ ذكره كلّه الزّمخشريّ.
قال في «الحكم العطائيّة» : الكون كلّه ظلمة، وإنّما أناره ظهور الحقّ فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده؛ فيه، أو قبله، أو عنده، أو بعده؛ فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار.
(وصلح) - بفتح اللّام وتضمّ- أي: استقام وانتظم (عليه أمر الدّنيا والآخرة، أن تحلّ عليّ غضبك) ؛ أي: تنزله بي أو توجبه عليّ، (أو تنزل عليّ سخطك) ؛ أي: غضبك، فهو من عطف المرادف.
стр. 2240
ولك العتبى حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك» . (طب؛ عن عبد الله بن جعفر) .
(ولك العتبى) - بضم المهملة آخره ألف مقصورة- أي: أسترضيك (حتّى ترضى) ، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني.
(ولا حول ولا قوّة إلّا بك» ) ؛ أي: لا تحوّل عن فعل المعاصي، ولا قوّة على فعل الطاعات إلّا بتوفيقك.
واستعاذ بهذا بعد الاستعاذة بذاته تعالى!! إشارة إلى أنّه لا يوجد في الكون حركة ولا سكون؛ في خير أو شر؛ إلّا بأمر الله ومشيئته. إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) [يس] .
وهذا يسمّى «دعاء الطائف» ، وذلك لأنّ المصطفى ﷺ لمّا مات عمّه أبو طالب اشتدّ أذى قومه له؛ فخرج إلى الطائف، رجاء أن يؤوه وينصروه، فاذوه أشدّ من قومه، ورماه سفهاؤهم بالحجارة حتى دميت قدماه، وزيد مولاه يقيه بنفسه، حتى انصرف راجعا إلى مكة محزونا؛ فدعا بهذا، فعند ذلك أرسل إليه ربّه ملك الجبال، فسأله أن يطبق على قومه الأخشبين، فقال: «بل أستأني؛ لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده» .
(طب) ؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير» ؛ (عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب، أبي جعفر القرشيّ الهاشميّ؛
الصحابيّ ابن الصحابيّ ابن الصحابيّة، والجواد بن الجواد.
أمّه أسماء بنت عميس الخثعميّة، وكان أبوه جعفر هاجر بأمّه إلى أرض الحبشة؛ فولدت عبد الله هناك، وهو أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة باتّفاق العلماء. وقدم مع أبيه من الحبشة مهاجرين إلى المدينة، وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق، وأخو يحيى بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، أمّهم أسماء بنت عميس، تزوّجها جعفر، ثم أبو بكر، ثم عليّ.
стр. 2241
٢٢- «اللهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم، [وأعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم] .
اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيّك، وأعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك ونبيّك.
اللهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة وما قرّب إليها من ...
وكان عبد الله بن جعفر كريما، جوادا، حليما، وكان يسمّى «بحر الجود» ، قيل: لم يكن في الإسلام أسخى منه. وأخبار أحواله في السخاء والجود والحلم مشهورة لا تحصى.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثا؛ اتّفق البخاريّ ومسلم منها على حديثين، روى عنه بنوه الثلاثة: إسماعيل، وإسحاق، ومعاوية.
وروى عنه القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، والشّعبيّ وغيرهم، وتوفي رسول الله ﷺ وعمره عشر سنين، وكانت وفاة عبد الله بن جعفر بالمدينة سنة:
ثمانين من الهجرة؛ وهو ابن ثمانين سنة. هذا هو الصحيح وقول الجمهور رضي الله تعالى عنه؛ ذكره النوويّ ﵀. آمين.
٢٢- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه) ؛ بالجر على أنّه تأكيد للخير، و «من» للبيان؛ أي: أسألك مسؤولا هو الخير كلّه (عاجله وآجله، ما علمت منه؛ وما لم أعلم) منه. [وأعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم] .
(اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيّك، وأعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك ونبيّك) - يعني نفسه-.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة وما قرّب) - بتشديد الراء- أي: قربني (إليها من
стр. 2242
قول أو عمل، وأعوذ بك من النّار وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا» . (هـ؛ عن عائشة) .
٢٣- «اللهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر الطّيّب، المبارك الأحبّ إليك، الّذي إذا دعيت به.. أجبت، وإذا سئلت به.. أعطيت، قول أو عمل) بيان للموصول أي: سواء كان بالجوارح؛ أو بالقلب ف «أو» للتنويع.
(وأعوذ بك من النّار؛ وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا» ) بأن ترضّيني به وتصبّرني عليه. وهذا من جوامع الكلم وأحبّ الدعاء إلى الله، وأعجله إجابة، والقصد به طلب دوام شهود القلب: أنّ كلّ واقع فهو خير. وينشأ عن ذلك الرّضا، ومن جعل الرضا غنيمته في كلّ كائن من أوقاته- وافق النفس؛ أو خالفها- لم يزل غانما بما هو فيه راض بما أوقع الله له، وأقام من حكمته.
(هـ) ؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «عليك يا عائشة؛ بالجوامع الكوامل ... قولي: اللهمّ» ... إلى آخره.
ورواه عنها أيضا البخاريّ في «الأدب» ، والإمام أحمد في «مسنده» ، وابن حبّان، والحاكم وصحّحه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
٢٣- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر) المنزّه عن كلّ نقص، (الطيّب) النفيس، (المبارك) الزائد خيره، العميم فضله، (الأحبّ إليك) من سائر الأسماء لقربه من الإجابة. وإن كانت أسماؤه تعالى كلّها طاهرة طيّبة محبوبة.
وهذا الحديث ترجم له بعض المحدّثين ب «باب: اسم الله الأعظم» (الّذي إذا دعيت به أجبت) الداعي إلى ما سأله، (وإذا سئلت به أعطيت) السائل سؤله،
стр. 2243
وإذا استرحمت به.. رحمت، وإذا استفرجت به.. فرّجت» .
(هـ؛ عن عائشة) .
٢٤- «اللهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول وخيرا ممّا نقول، اللهمّ؛ لك صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي، وإليك مابي، ولك ربّ تراثي.
(وإذا استرحمت به) ؛ أي: طلب أحد منك أن ترحمه وأقسم عليك به (رحمت) ؛ أي: رحمته، (وإذا استفرجت به) ؛ أي: طلب منك الفرج (فرّجت) عمّن استفرج به، ولم تردّه خائبا. وهذا خرج جوابا لسائل سأله أن يعلّمه دعاء جامعا يدعو به.
(هـ) ؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، وبوّب عليه (باب اسم الله الأعظم) .
٢٤- ( «اللهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول) - بالنّون- أي: كالذي نحمدك به من المحامد، (وخيرا ممّا نقول) - بالنّون- أي: ممّا حمدت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وذلك لأنّه تعالى متّصف بصفات كمال لا يحيط بها ما نحمده به.
(اللهمّ لك) ؛ لا لغيرك (صلاتي ونسكي) - بضمتين-: عبادتي، فهو عطف عام، أو المراد ذبائحي في الحج والعمرة، فهو عطف مغاير.
(ومحياي) ؛ أي: حياتي، أي: لك لا لغيرك الأعمال الواقعة في حياتي.
(ومماتي) : موتي، أو المراد: لك، أي: منك إحيائي وإماتتي، أي:
بقدرتك، أي: هما طوع إرادتك وقدرتك. والجمهور على فتح ياء «محياي» ؛ وسكون ياء «مماتي» ، ويجوز الفتح والسكون فيهما.
(وإليك مابي) ؛ أي: منقلبي ومرجعي، (ولك ربّ تراثي) بمثنّاة ومثلاثة،
стр. 2244
اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصّدر، وشتات الأمر.
اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجيء به الرّياح، وأعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح» . (ت، هب؛ عن عليّ) .
أي: إرثي: وهو ما يخلفه الإنسان لورثته، أي: إرثي ومالي كلّه لك، إذ ليس لأحد معك ملك.
وفي شروح «الجامع الصغير» : أي: مورثي لك لا لغيرك، لأنّه ﷺ كبقيّة الأنبياء لا يورث، فهو صدقة لله تعالى. وفي الخبر: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة» . وقد تقدّم الكلام عليه.
(اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر) . استعاذ منه!! لأنّه أوّل منزل من منازل الآخرة، فسأل الله تعالى ألايتلقّاه في أوّل قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربّه.
(ووسوسة الصّدر) ؛ أي: حديث النفس بما لا ينبغي، وأضافها للصدر!! لأن الوسوسة في القلوب التي في الصدور. (وشتات) - بفتح الشين المعجمة- (الأمر) ، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدّين؛ بالاشتغال بأمور الدّنيا، لأنّ ذلك يتعب القلب.
(اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجيء به الرّياح، وأعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح» ) سأل الله خير المجموعة!! لأنّها للرّحمة، وتعوّذ به من شرّ المفردة!! لأنّها للعذاب، على ما جاء به الأسلوب في كلام علّام الغيوب؛ وهذا أغلبيّ، والمستعاذ منه؟! قيل: العذاب. وقيل: إنّ ذلك كناية عن سوء القضاء والقدر.
(ت، هب) ؛ أي: أخرجه التّرمذي، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛
(عن عليّ) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال: كان أكثر ما دعا به
стр. 2245
٢٥- «اللهمّ.. إنّي أسألك الثّبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرّشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك لسانا صادقا، وقلبا سليما، وأعوذ بك من شرّ ما تعلم، ...
رسول الله ﷺ عشيّة عرفة في الموقف: «اللهمّ..» إلى آخره. قال الترمذي:
غريب، وليس إسناده بالقويّ. وأخرجه ابن خزيمة؛ وقال: خرّجته؛ وإن لم يكن ثابتا من جهة النقل!! لأنّه من الأمر المباح.
٢٥- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك الثّبات في الأمر) ؛ أي: الدوام على الدين والاستقامة، بدليل خبر: أنّ المصطفى ﷺ كان كثيرا ما يقول «ثبّت قلبي على دينك» .
أراد الثبات عند الاحتضار؛ أو السؤال، بدليل خبر: أنّه كان يقول إذا دفن الميّت قال: «سلوا له التّثبيت، فإنّه الآن يسأل» . ولا مانع من إرادة الكلّ، ولهذا قال الوليّ: الثبات: التمكّن في الموضع الذي شأنه الاستزلال.
(وأسألك عزيمة الرّشد) ؛ أي: حسن التصرف في أمر الدين والإقامة عليه.
(وأسألك شكر نعمتك) ؛ أي: التّوفيق لشكر إنعامك، (وحسن عبادتك) :
إيقاعها على الوجه الحسن المرضيّ شرعا، وذلك باستيفاء شروطها وأركانها ومستحبّاتها.
(وأسألك لسانا صادقا) ؛ أي: محفوظا من الكذب؛ لأنّ تعوّد اللسان للكذب سبب في الهلاك. (وقلبا سليما) ؛ أي: خاليا من الحقد والحسد والكبر، ومن العقائد الفاسدة، والميل إلى اللّذّات والشّهوات العاجلة، ويتبع ذلك الأعمال الصالحة؛ إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها في الجوارح، كما أنّ صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاح والتركيب، ومرضه عبارة عن زوال أحدها.
(وأعوذ بك من شرّ ما تعلم) ؛ أي: ما تعلمه أنت؛ ولا أعلمه أنا.