← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

٢٢- «اللهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم، [وأعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم] . اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيّك، وأعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك ونبيّك. اللهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة وما قرّب إليها من ... وكان عبد الله بن جعفر كريما، جوادا، حليما، وكان يسمّى «بحر الجود» ، قيل: لم يكن في الإسلام أسخى منه. وأخبار أحواله في السخاء والجود والحلم مشهورة لا تحصى. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثا؛ اتّفق البخاريّ ومسلم منها على حديثين، روى عنه بنوه الثلاثة: إسماعيل، وإسحاق، ومعاوية. وروى عنه القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، والشّعبيّ وغيرهم، وتوفي رسول الله ﷺ وعمره عشر سنين، وكانت وفاة عبد الله بن جعفر بالمدينة سنة: ثمانين من الهجرة؛ وهو ابن ثمانين سنة. هذا هو الصحيح وقول الجمهور رضي الله تعالى عنه؛ ذكره النوويّ ﵀. آمين. ٢٢- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه) ؛ بالجر على أنّه تأكيد للخير، و «من» للبيان؛ أي: أسألك مسؤولا هو الخير كلّه (عاجله وآجله، ما علمت منه؛ وما لم أعلم) منه. [وأعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله وآجله؛ ما علمت منه وما لم أعلم] . (اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيّك، وأعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك ونبيّك) - يعني نفسه-. (اللهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة وما قرّب) - بتشديد الراء- أي: قربني (إليها من

стр. 2242

قول أو عمل، وأعوذ بك من النّار وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا» . (هـ؛ عن عائشة) . ٢٣- «اللهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر الطّيّب، المبارك الأحبّ إليك، الّذي إذا دعيت به.. أجبت، وإذا سئلت به.. أعطيت، قول أو عمل) بيان للموصول أي: سواء كان بالجوارح؛ أو بالقلب ف «أو» للتنويع. (وأعوذ بك من النّار؛ وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا» ) بأن ترضّيني به وتصبّرني عليه. وهذا من جوامع الكلم وأحبّ الدعاء إلى الله، وأعجله إجابة، والقصد به طلب دوام شهود القلب: أنّ كلّ واقع فهو خير. وينشأ عن ذلك الرّضا، ومن جعل الرضا غنيمته في كلّ كائن من أوقاته- وافق النفس؛ أو خالفها- لم يزل غانما بما هو فيه راض بما أوقع الله له، وأقام من حكمته. (هـ) ؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «عليك يا عائشة؛ بالجوامع الكوامل ... قولي: اللهمّ» ... إلى آخره. ورواه عنها أيضا البخاريّ في «الأدب» ، والإمام أحمد في «مسنده» ، وابن حبّان، والحاكم وصحّحه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. ٢٣- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر) المنزّه عن كلّ نقص، (الطيّب) النفيس، (المبارك) الزائد خيره، العميم فضله، (الأحبّ إليك) من سائر الأسماء لقربه من الإجابة. وإن كانت أسماؤه تعالى كلّها طاهرة طيّبة محبوبة. وهذا الحديث ترجم له بعض المحدّثين ب «باب: اسم الله الأعظم» (الّذي إذا دعيت به أجبت) الداعي إلى ما سأله، (وإذا سئلت به أعطيت) السائل سؤله،

стр. 2243

وإذا استرحمت به.. رحمت، وإذا استفرجت به.. فرّجت» . (هـ؛ عن عائشة) . ٢٤- «اللهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول وخيرا ممّا نقول، اللهمّ؛ لك صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي، وإليك مابي، ولك ربّ تراثي. (وإذا استرحمت به) ؛ أي: طلب أحد منك أن ترحمه وأقسم عليك به (رحمت) ؛ أي: رحمته، (وإذا استفرجت به) ؛ أي: طلب منك الفرج (فرّجت) عمّن استفرج به، ولم تردّه خائبا. وهذا خرج جوابا لسائل سأله أن يعلّمه دعاء جامعا يدعو به. (هـ) ؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها، وبوّب عليه (باب اسم الله الأعظم) . ٢٤- ( «اللهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول) - بالنّون- أي: كالذي نحمدك به من المحامد، (وخيرا ممّا نقول) - بالنّون- أي: ممّا حمدت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وذلك لأنّه تعالى متّصف بصفات كمال لا يحيط بها ما نحمده به. (اللهمّ لك) ؛ لا لغيرك (صلاتي ونسكي) - بضمتين-: عبادتي، فهو عطف عام، أو المراد ذبائحي في الحج والعمرة، فهو عطف مغاير. (ومحياي) ؛ أي: حياتي، أي: لك لا لغيرك الأعمال الواقعة في حياتي. (ومماتي) : موتي، أو المراد: لك، أي: منك إحيائي وإماتتي، أي: بقدرتك، أي: هما طوع إرادتك وقدرتك. والجمهور على فتح ياء «محياي» ؛ وسكون ياء «مماتي» ، ويجوز الفتح والسكون فيهما. (وإليك مابي) ؛ أي: منقلبي ومرجعي، (ولك ربّ تراثي) بمثنّاة ومثلاثة،

стр. 2244

اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصّدر، وشتات الأمر. اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجيء به الرّياح، وأعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح» . (ت، هب؛ عن عليّ) . أي: إرثي: وهو ما يخلفه الإنسان لورثته، أي: إرثي ومالي كلّه لك، إذ ليس لأحد معك ملك. وفي شروح «الجامع الصغير» : أي: مورثي لك لا لغيرك، لأنّه ﷺ كبقيّة الأنبياء لا يورث، فهو صدقة لله تعالى. وفي الخبر: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة» . وقد تقدّم الكلام عليه. (اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر) . استعاذ منه!! لأنّه أوّل منزل من منازل الآخرة، فسأل الله تعالى ألايتلقّاه في أوّل قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربّه. (ووسوسة الصّدر) ؛ أي: حديث النفس بما لا ينبغي، وأضافها للصدر!! لأن الوسوسة في القلوب التي في الصدور. (وشتات) - بفتح الشين المعجمة- (الأمر) ، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدّين؛ بالاشتغال بأمور الدّنيا، لأنّ ذلك يتعب القلب. (اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجيء به الرّياح، وأعوذ بك من شرّ ما تجيء به الرّيح» ) سأل الله خير المجموعة!! لأنّها للرّحمة، وتعوّذ به من شرّ المفردة!! لأنّها للعذاب، على ما جاء به الأسلوب في كلام علّام الغيوب؛ وهذا أغلبيّ، والمستعاذ منه؟! قيل: العذاب. وقيل: إنّ ذلك كناية عن سوء القضاء والقدر. (ت، هب) ؛ أي: أخرجه التّرمذي، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ (عن عليّ) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه قال: كان أكثر ما دعا به

стр. 2245

٢٥- «اللهمّ.. إنّي أسألك الثّبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرّشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك لسانا صادقا، وقلبا سليما، وأعوذ بك من شرّ ما تعلم، ... رسول الله ﷺ عشيّة عرفة في الموقف: «اللهمّ..» إلى آخره. قال الترمذي: غريب، وليس إسناده بالقويّ. وأخرجه ابن خزيمة؛ وقال: خرّجته؛ وإن لم يكن ثابتا من جهة النقل!! لأنّه من الأمر المباح. ٢٥- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك الثّبات في الأمر) ؛ أي: الدوام على الدين والاستقامة، بدليل خبر: أنّ المصطفى ﷺ كان كثيرا ما يقول «ثبّت قلبي على دينك» . أراد الثبات عند الاحتضار؛ أو السؤال، بدليل خبر: أنّه كان يقول إذا دفن الميّت قال: «سلوا له التّثبيت، فإنّه الآن يسأل» . ولا مانع من إرادة الكلّ، ولهذا قال الوليّ: الثبات: التمكّن في الموضع الذي شأنه الاستزلال. (وأسألك عزيمة الرّشد) ؛ أي: حسن التصرف في أمر الدين والإقامة عليه. (وأسألك شكر نعمتك) ؛ أي: التّوفيق لشكر إنعامك، (وحسن عبادتك) : إيقاعها على الوجه الحسن المرضيّ شرعا، وذلك باستيفاء شروطها وأركانها ومستحبّاتها. (وأسألك لسانا صادقا) ؛ أي: محفوظا من الكذب؛ لأنّ تعوّد اللسان للكذب سبب في الهلاك. (وقلبا سليما) ؛ أي: خاليا من الحقد والحسد والكبر، ومن العقائد الفاسدة، والميل إلى اللّذّات والشّهوات العاجلة، ويتبع ذلك الأعمال الصالحة؛ إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها في الجوارح، كما أنّ صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاح والتركيب، ومرضه عبارة عن زوال أحدها. (وأعوذ بك من شرّ ما تعلم) ؛ أي: ما تعلمه أنت؛ ولا أعلمه أنا.

стр. 2246

وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك ممّا تعلم، إنّك أنت علّام الغيوب» . (ت، ن؛ عن شدّاد ابن أوس) . ٢٦- «اللهمّ؛ لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهمّ؛ إنّي أعوذ بعزّتك لا إله إلّا أنت أن ... (وأسألك من خير ما تعلم) وهذا سؤال جامع للاستعاذة من كلّ شرّ، وطلب كلّ خير. وختم هذا الدعاء- الذي هو من جوامع الكلم- بالاستغفار الذي عليه المعوّل والمدار فقال: (وأستغفرك ممّا تعلم) ؛ أي: أطلب منك أن تغفر لي ما علمته منّي من تقصير؛ وإن لم أحط به علما. (إنّك أنت علّام الغيوب» ) ؛ أي: الأشياء الخفيّة، أي: عالم بواطن الأمور كما تعلم ظواهرها. (ت، ن) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ، والنسائي؛ (عن شدّاد بن أوس) رضي الله تعالى عنه، ورواه عنه أيضا الحاكم وصحّحه، وقال الحافظ العراقيّ: قلت: بل هو منقطع، وهو ضعيف. ٢٦- ( «اللهمّ؛ لك أسلمت) ؛ أي: لك؛ لا لغيرك انقدت. (وبك آمنت) ؛ أي: بك لا بغيرك صدّقت. قال النوويّ: فيه إشارة إلى الفرق بين الإسلام والإيمان. (وعليك توكّلت) ؛ أي: عليك لا على غيرك اعتمدت في تفويض أموري. (وإليك أنبت) ؛ أي: رجعت وأقبلت بهمّتي. (وبك خاصمت) ؛ أي: بك أحتجّ وأدفع من يريد مخاصمتي. (اللهمّ؛ إنّي أعوذ بعزّتك) ؛ أي: بقوّة سلطانك، (لا إله إلّا أنت أن

стр. 2247

تضلّني، أنت الحيّ القيّوم الّذي لا يموت، والجنّ والإنس يموتون» . (م؛ عن ابن عبّاس) . ٢٧- «اللهمّ؛ عافني في بدني. اللهمّ؛ عافني في سمعي. اللهمّ؛ عافني في بصري. اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر. تضلّني) ؛ أي: أعتصم بك من أن تهلكني بعدم التوفيق للرشاد، (أنت الحيّ القيّوم) ؛ أي: الدائم القائم بتدبير الخلق، (الّذي لا يموت) ؛ بلفظ الغائب للأكثر وفي بعض الروايات [تموت] بلفظ الخطاب؛ أي: الحيّ الحياة الحقيقيّة التي لا يجامعها الموت بحال. (والجنّ والإنس يموتون» ) عند انقضاء آجالهم. (م) ؛ أي: أخرجه مسلم؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما. قال المناوي: وقضيّة كلام المصنّف: أنّ هذا من مفردات مسلم عن صاحبه!! وليس كذلك، فقد رواه البخاريّ في «التوحيد» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. انتهى. ٢٧- ( «اللهمّ؛ عافني في بدني) من الأسقام والآلام. (اللهمّ؛ عافني في سمعي) ؛ أي: القوّة المودعة في الجارحة. (اللهمّ؛ عافني في بصري) . خصّهما بالذكر بعد ذكر البدن!! لأنّ العين هي التي تنظر آيات الله المنبثة في الآفاق، والسمع يعي الآيات المنزلة، فهما جامعان لدرك الآيات؛ العقلية والنقلية. وإليه سرّ قوله في حديث آخر: «اللهمّ متّعنا بأسماعنا وأبصارنا» . (اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر) ذكره بعد الكفر!! «إشارة» إلى أنّه قد يترتّب عليه.

стр. 2248

اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلّا أنت» . (د، ك؛ عن أبي بكرة) . ٢٨- «اللهمّ؛ اجعلني من الّذين إذا أحسنوا.. استبشروا، ... (اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلّا أنت» ) فلا يستعاذ من جميع المخاوف والشدائد إلّا بك أنت. والقصد باستعاذته من الكفر- مع استحالته من المعصوم- أن يقتدى به في أصل الدعاء. (د، ك) ؛ أي: أخرجه أبو داود، والحاكم؛ (عن أبي بكرة) : نفيع بن الحارث بن كلدة- بكاف ولام مفتوحتين- الثقفيّ البصريّ. وأمّه سميّة أمة للحارث بن كلدة، وهي أيضا أمّ زياد بن أبيه. وإنّما كنّي «أبا بكرة» ! لأنّه تدلّى من حصن الطائف إلى النبيّ ﷺ ، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلّا هكذا. ثمّ بعد رسول الله ﷺ انتقل إلى البصرة، وكان من أعيان البصرة، ومن الفضلاء الصالحين، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفي. وكان أولاده أشرافا بالبصرة في كثرة العلم والمال والولايات. وتوفي بالبصرة سنة: إحدى وخمسين، أو: اثنتين وخمسين هجرية؛ رضي الله تعالى عنه. ورواه عنه أيضا النسائي في «عمل اليوم والليلة» وقال- أعني النسائي-: فيه جعفر بن ميمون: ليس بقوي. ٢٨- ( «اللهمّ؛ اجعلني من الّذين إذا أحسنوا استبشروا) ؛ أي: إذا أتوا بعمل حسن قرنوه بالإخلاص؛ فيترتب عليه الجزاء، فيستحقون عليه الجنّة؛ فيستبشرون بها، كما قال تعالى وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) [فصلت] . فهو كناية تلويحيّة؛ قاله المناوي.

стр. 2249

وإذا أساؤوا.. استغفروا» . (هـ، هب؛ عن عائشة) . ٢٩- «اللهمّ؛ ارزقني حبّك، وحبّ من ينفعني حبّه عندك. اللهمّ؛ ما رزقتني ممّا أحبّ ... (وإذا أساؤا) ؛ أي: فعلوا سيّئة (استغفروا) ؛ أي: طلبوا من الله تعالى مغفرة ما فرط منهم. ومن ثمّ قال بعضهم: خير الذنوب ذنب أعقب توبة. وشرّ الطاعات طاعة أورثت عجبا. معصية أورثت افتقارا ... خير من الطّاعة واستكبارا والمصطفى ﷺ معصوم عن الإساءة! وإنّما هذا تعليم للأمّة؛ أرشدهم إلى أن يأتي الواحد منهم بهذا الدعاء الذي هو عبارة عن ألايبتليه بالاستدراج ويرى عمله حسنا فيهلك. أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [٨/ فاطر] . وقوله «من الذين» أبلغ من أن يقول: «اجعلني أستبشر إذا أحسنت، وأستغفر إذا أسأت» . كما تقول «فلان من العلماء» ، فيكون أبلغ من قولك «فلان عالم» ؛ لأنّك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم ومعرفة مساهمته لهم في العلم؛ ذكره الزّمخشريّ. (هـ، هب) ؛ أي: أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ في «شعب الإيمان» ؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وفيه عليّ بن زيد بن جدعان!! مختلف فيه. ٢٩- ( «اللهمّ؛ ارزقني حبّك) بأن لا أشتغل بشيء غير طاعتك ومراقبتك. ولما كانت محبّة المقرّبين وسيلة إلى حبّ الله تعالى، وأن محبّتهم لا تنافي محبّة الله تعالى أشار إلى طلب التعلّق بذلك بقوله: (وحبّ من ينفعني حبّه عندك) ؛ كالملائكة، والأنبياء، والأصفياء؛ لأنّه لا سعادة للقلب ولا لذّة ولا نعيم؛ إلّا بأن يكون الله أحبّ إليه ممّا سواه. (اللهمّ؛ ما رزقتني ممّا أحبّ) من المال والسمع والبصر، والقوى الجسمانيّة

стр. 2250

فاجعله قوّة لي فيما تحبّ، وما زويت عنّي ممّا أحبّ.. فاجعله فراغا لي فيما تحبّ» . (ت؛ عن عبد الله بن يزيد الخطميّ [رضي الله تعالى عنه] ) . ٣٠- «اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي، ووسّع لي في داري، ... والروحانيّة؛ (فاجعله قوّة لي) ؛ أي: وفّقني لأصرفه (فيما تحبّ) من الطاعات. (وما زويت) ؛ أي: صرفت ونحّيت (عنّي ممّا أحبّ) من المال ونحوه؛ (فاجعله فراغا لي فيما تحبّ) ؛ أي: اجعله سببا لتفرّغي لطاعتك، ولا تشغل به قلبي فيشغلني عن عبادتك. وذلك لأنّ الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوي عنه الدنيا كان ذلك الفراغ؛ عونا له على الاشتغال بطاعة الله تعالى. وقد حرّر الله أسرار نبيّنا؛ كالأنبياء من رقّ الأغيار، وصانهم بوجود عنايته من الركون إلى الآثار، لا يحبّون إلا إيّاه، ولا يشتغلون بسواه؛ قاله المناوي. (ت) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «كتاب الدعاء» ؛ (عن عبد الله بن يزيد) بمثنّاتين تحتيّتين: من الزيادة (الخطمي) - بفتح المعجمة وسكون المهملة: نسبة إلى بني خطمة: قبيلة معروفة، صحابيّ صغير، شهد الحديبية ابن سبع عشرة، وولي الكوفة لابن الزبير. قال الترمذيّ: حديث حسن غريب، قال ابن القطّان: ولم يصحّحه!! لأنّ رواته ثقات إلّا سفيان بن وكيع؛ فمتّهم بالكذب، وترك الرازباني حديثه بعد ما كتبناه، وقيل لأبي زرعة: أكان يكذب؟ قال: نعم. انتهى «مناوي» . ٣٠- ( «اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي) ، هذا من باب التشريع والتعليم للأمّة. (ووسّع لي في داري) ؛ أي: محلّ سكني في الدنيا، لأنّ ضيق مرافق الدار يضيّق الصدر، ويجلب الهمّ، ويشغل البال. والمراد التوسعة بما يقتضيه الحال؛ لا توسعة كثيرة مؤدّية للترفّة والتبسّط في

стр. 2251

وبارك لي في رزقي» . (ت؛ عن أبي هريرة) . ٣١- «اللهمّ؛ إنّي أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، الدنيا، بل إنّما يسأل حصول قدر الكفاية؛ لا زيادة ولا نقص، وكذا يقال فيما بعده وهو قوله (وبارك لي في رزقي» ) ؛ أي: اجعله مباركا محفوفا بالخير، وفقني للرضا بالمقسوم منه، وعدم الالتفات لغيره. وهذا كان يقوله بعد الوضوء عقب دعاء الوضوء. (ت) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. قال المناوي: ورمز السيوطيّ في «الجامع» لصحّته، ورواه الإمام أحمد، والطبرانيّ عن رجل من الصحابة، وزاد: فسئل رسول الله ﷺ عنهنّ، فقال: «وهل تركت من شيء؟!» . ورواه النسائيّ، وابن السّنّيّ في كتابيهما: «عمل اليوم والليلة» ؛ عن أبي موسى قال: «أتيت رسول الله ﷺ بوضوء؛ فتوضّأ، فسمعته يدعو يقول ... فذكره. وترجم عليه ابن السّنّيّ ب «باب: ما يقوله بين ظهراني وضوئه» ، وترجم عليه النسائيّ ب «باب: ما يقول بعد فراغ وضوئه» . قال في «الأذكار» : إسناده صحيح. انتهى. ٣١- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك) ؛ أي: أطلب منك (رحمة من عندك) ؛ أي: ابتداء من غير سبب. وقال القاضي: نكّر الرحمة تعظيما لها؛ دلالة على أنّ المطلوب رحمة عظيمة لا يكتنه كنهها، ووصفها بقوله: «من عندك» مزيدا لذلك التعظيم، لأنّ ما يكون من عنده لا يحيط به وصفه، لقوله تعالى وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥) [الكهف] . (تهدي) : ترشد (بها قلبي) إليك، وتقرّبه لديك. وخصّه!! لأنّه محلّ العقل؛ فباستقامته تستقيم سائر الأعضاء.

стр. 2252

وتجمع بها أمري، وتلمّ بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكّي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وتردّ بها ألفتي، (وتجمع بها أمري) ؛ أي: تضمّه بحيث لا أحتاج إلى أحد غيرك. (وتلمّ بها شعثي) ؛ أي: تجمع بها ما تفرّق من أمري، فهو معنى ما قبله، لكنه غير معيب، لكون الدعاء مقام خضوع وتذلّل؛ فينبغي فيه الإطناب. (وتصلح بها غائبي) ؛ أي: باطني بكمال الإيمان والأخلاق الحسان. (وترفع بها شاهدي) ؛ أي: ظاهري بالأعمال الصالحة. فالمراد تعميم الباطن وإصلاح الظاهر. وفيه حسن مقابلة بين الغائب والمشاهد. (وتزكّي بها عملي) ؛ أي: تزيده: وتنمّيه، وتطهّره من أدناس الرياء والسمعة. (وتلهمني بها رشدي) ؛ أي: تهديناي بها إلى ما يرضيك ويقرّبني إليك زلفى. والإلهام: أن يلقي الله في النفس أمرا يبعثه على فعل أو ترك، وهو نوع من الوحي، يختصّ الله به من يشاء من عباده. قال الراغب: رشد الله تعالى للعبد: تسديده ونصرته يكون بما يخوّله من الفهم الثاقب، والسمع الواعي، والقلب المراعي، وتقييض المعلّم الناصح، والرفيق الموافق، وإمداده ١- من المال بما لا يقعد به عن مغزاة قلبه، ولا يشتغل عنه كثرته. و٢- من العشيرة والعزّ بما يصونه عن سفاهة السّفهاء وعن الغضّ منه. و٣- من جهة الأغنياء أن يخوّله من كبر الهمة وقوّة العزيمة؛ ما يحفظه من التسبّب بالأسباب الدّنيئة، والتأخّر عن بلوغ كلّ منزلة سنيّة. (وتردّ بها ألفتي) - بضم الهمزة وكسرها-: مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مألوفي، أي: تردّ عليّ كل ما فارقني من مألوفاتي التي فيها رضاك، لا سيّما

стр. 2253

وتعصمني بها من كلّ سوء. اللهمّ؛ أعطني إيمانا ويقينا ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدّنيا والآخرة. اللهمّ؛ إنّي أسألك الفوز في القضاء، ونزل الشّهداء، وعيش السّعداء، والنّصر على الأعداء. الأعمال الصالحة؛ إذا حصل لي عنها فتور أسألك أن تردّها عليّ. (وتعصمني) ؛ أي: تمنعني وتحفظني (بها من كلّ سوء) ؛ بأن تصرفني عنه وتصرفه عنّي. وطلب ذلك ﷺ مع أنّه ثابت له بالنصّ!! إظهارا للعبودية الدالّة على افتقار العبد للطلب من مولاه. (اللهمّ؛ أعطني إيمانا ويقينا ليس بعده كفر) ؛ أي: جحد لدينك، فإنّ القلب إذا تمكّن منه نور اليقين انزاحت عنه ظلمات الشكوك، واضمحلّت منه غيوم الريب. (ورحمة) ؛ أي: عظيمة جدّا بحيث (أنال بها شرف كرامتك) ؛ أي: إكرامك لي (في الدّنيا) ؛ بأن أقوم بحقوقك وحقوق العباد. (والآخرة) ؛ بأن أنال النعيم الدائم. والمراد علوّ القدر في الدارين، ورفع الدرجات فيهما. (اللهمّ؛ إنّي أسألك الفوز) باللّطف (في القضاء، ونزل) - بضم النون والزاي- (الشّهداء) ؛ أي: منزلتهم في الجنة، أو درجتهم في القرب منك؛ لأنّه محل المنعم عليهم. وهو وإن كان أعظمهم منزلة وأعلى منهم مرتبة؛ لكنه ذكر للتشريع لأمّته. (وعيش) ؛ أي: حياة (السّعداء) في الآخرة، (والنّصر على الأعداء) في الدين؛ بالظفر بهم وقمعهم ليزول ظلمهم عن العباد. قال المناوي: النصر من الله معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدّي إلى صلاحهم؛ عاجلا وآجلا، وذلك يكون؛ تارة ١- من خارج بمن يقيضه الله

стр. 2254

اللهمّ؛ إنّي أنزل بك حاجتي، فإن قصّر رأيي، وضعف عملي.. افتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصّدور؛ كما تجير بين البحور.. أن تجيرني من عذاب السّعير، ومن دعوة الثّبور، ومن فتنة القبور. فيعينه، وتارة ٢- من داخل بأن يقوّي قلب الأنبياء؛ أو الأولياء، أو يلقي الرّعب في قلوب الأعداء، وعليه قوله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) [غافر] . انتهى. (اللهمّ؛ إنّي أنزل بك) ؛ أي: بساحة فضلك، أي: أسألك قضاء (حاجتي) ؛ أي: جميع ما أحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة، لأنّه مفرد مضاف فيعمّ. (فإن قصّر) - بتشديد الصاد- (رأيي) ؛ أي: عجز عن إدراك ما هو الأنجح الأصلح، أو [قصر] بتخفيف الصّاد المضمومة. ضبط بالضّبطين، ولعلّهما روايتان. والمراد بالرأي: ما ثلج في الصدر مما يريده الإنسان. (وضعف عملي) ، أي: عبادتي عن بلوغ مراتب الكمال (افتقرت) ؛ أي: احتجت في بلوغ ذلك (إلى رحمتك) ؛ أي: إلى شمولي برحمتك التي وسعت كلّ شيء. (فأسألك) ؛ أي: فبسبب ضعفي وافتقاري أطلب منك (يا قاضي الأمور) ؛ أي: حاكمها ومحكمها. وفيه جواز إطلاق «القاضي» على الله تعالى. (ويا شافي) ؛ أي: مداوي (الصّدور) يعني: القلوب التي في الصدور من أمراضها التي إن توالت عليها أهلكتها هلاك الأبد. (كما تجير) ؛ أي: تفصل وتحجز (بين البحور) ، وتمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر مع الاتصال (أن تجيرني) : تمنعني (من عذاب السّعير) ؛ بأن تحجزه عنّي وتمنعه منّي. (ومن دعوة الثّبور) ، أي: النداء بالهلاك، (ومن فتنة القبور) فتنة سؤال منكر ونكير؛ بأن ترزقني الثبات عند السؤال.

стр. 2255

اللهمّ؛ ما قصر عنه رأيي، ولم تبلغه نيّتي، ولم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدا من خلقك، أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك.. فإنّي أرغب إليك فيه، وأسألكه برحمتك يا ربّ العالمين. اللهمّ؛ يا ذا الحبل الشّديد، والأمر الرّشيد.. أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنّة يوم الخلود، مع المقرّبين الشّهود، ... (اللهمّ؛ ما قصر عنه رأيي) ؛ أي: اجتهادي في تدبيري، (ولم تبلغه نيّتي؛ ولم تبلغه مسألتي) إيّاك، (من) كلّ (خير وعدته أحدا من خلقك) أن يفعله مع أحد من مخلوقاتك؛ من إنس وجنّ وملك، (أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك) من غير سابقة وعد له بخصوصه. فلا يعدّ مع ما قبله تكرارا. (فإنّي أرغب إليك فيه) ؛ أي: أطلبه منك بجدّ واجتهاد، وأجتهد في حصوله منك لي، (وأسألكه برحمتك) التي لا نهاية لسعتها؛ (يا ربّ العالمين) : الخلق كلهم. وذكره تتميما لكمال الاستعطاف والابتهال. (اللهمّ؛ يا ذا الحبل) - بموحدة- (الشّديد) ، والمراد القرآن أو الدّين. ووصفه بالشدّة!! لأنها من صفات الحبال. والشدّة في الدين: الثبات والاستقامة. (والأمر الرّشيد) السديد الموافق لغاية الصواب. (أسألك الأمن) من الفزع والأهوال (يوم الوعيد) ، أي: يوم التهديد وهو يوم القيامة. (والجنّة) ؛ أي: وأسألك الفوز بها (يوم الخلود) ؛ أي يوم: إدخال عبادك دار الخلود، أي: خلود أهل الجنة في الجنة، وخلود أهل النار في النار، وذلك بعد فصل القضاء وانقضاء الأمر. (مع المقرّبين) إلى الحضرات القدسيّة (الشّهود) ؛ أي: الناظرين إلى

стр. 2256

والرّكّع السّجود، الموفين بالعهود، إنّك رحيم ودود، وإنّك تفعل ما تريد. اللهمّ؛ اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالّين ولا مضلّين، سلما لأوليائك وعدوّا لأعدائك، نحبّ بحبّك من أحبّك، ونعادي بعداوتك من خالفك. ربّهم، المشاهدين لكمال جماله، (والرّكّع السّجود) ، أي: المكثرين للصلاة ذات الركوع والسجود في الدنيا (الموفين) - بالتخفيف- (بالعهود) بما عاهدوا الله عليه، (إنّك رحيم) موصوف بكمال الإحسان بدقائق النعم، (ودود) شديد الحبّ لمن والاك. (وإنّك تفعل ما تريد) فتعطي من تشاء سؤله؛ وإن عظم، لا مانع لما أعطيت. (اللهمّ؛ اجعلنا هادين) : دالّين الخلق على ما يوصلهم إلى الحقّ، (مهتدين) : واصلين إلى إصابة الصواب؛ قولا وعملا. ومعلوم أنّ الشخص لا يتّصف بكونه هاديا إلّا بعد اتّصافه بكونه مهتديا، ولم يوجد هنا ترتيب!! فحينئذ المعنى: اجعلنا هادين بسبب كوننا مهتدين. (غير ضالّين) عن الحقّ، وهو لازم لما قبله. (ولا مضلّين) أحدا من الخلق، (سلما) - بكسر السين المهملة فسكون اللام- أي: صلحا (لأوليائك) الذين هم حزبك المفلحون، (وعدوّا) - لفظ رواية البيهقي: «حربا» بدل «عدوّا» - (لأعدائك) ؛ ممّن اتّخذ لك شريكا؛ أو ندّا، أو فعل معك ما لا يليق بكمالك. (نحبّ بحبّك) ؛ أي: بسبب حبّنا لك (من أحبّك) حبّا خالصا، ف «من» مفعول «نحب» (ونعادي بعداوتك) - أي: بسبب عداوتك- (من خالفك) ؛

стр. 2257

اللهمّ؛ هذا الدّعاء وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التّكلان. اللهمّ.. اجعل لي نورا في قلبي، ونورا في قبري، ونورا بين يديّ، ونورا من خلفي، ونورا عن يميني، ونورا عن شمالي، ونورا من فوقي، ونورا من تحتي، ونورا في سمعي، ونورا في بصري، ونورا في شعري، ونورا في بشري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في عظامي. أي: خالف أمرك، وهو مفعول «نعادي» ، وهذا ناظر إلى أنّ من كمال الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله. (اللهمّ؛ هذا الدّعاء) ، أي: ما أمكننا من الدعاء قد أتينا به. (وعليك الإجابة) ؛ فضلا منك لا وجوبا، (وهذا الجهد) - بالضم-: الوسع والطاقة، (وعليك التّكلان) - بضم المثنّاة الفوقيّة- أي: الاعتماد. (اللهمّ؛ اجعل لي نورا في قلبي) ؛ أي: نورا عظيما، فالتنوين للتعظيم. وقدّم القلب!! لأنّه مقرّ التفكّر في آلاء الله ومصنوعاته، والنور: ما يتبيّن به الشيء. (ونورا في قبري) أستضيء به في ظلمة اللّحد، (ونورا بين يديّ) ؛ أي: يسعى أمامي، (ونورا من خلفي) ؛ أي: من ورائي، (ونورا عن يميني، ونورا عن شمالي، ونورا من فوقي، ونورا من تحتي) يعني: اجعل النّور يحفّني من الجهات الستّ. (ونورا في سمعي، ونورا في بصري) ، لأنّ السمع محلّ السماع لآياتك، والبصر محلّ النظر إلى مصنوعاتك، فبزيادة ذلك تزداد المعارف. (ونورا في شعري، ونورا في بشري) ؛ أي: ظاهر جلدي. (ونورا في لحمي) الظاهر والباطن، (ونورا في دمي، ونورا في عظامي)

стр. 2258

اللهمّ؛ أعظم لي نورا، وأعطني نورا، واجعل لي نورا. يضيء على المذكورات كلّها، لأنّ إبليس يأتي الإنسان من هذه الأعضاء فيوسوس، فدعا بإثبات النور فيها ليدفع ظلمته. وفي المناوي: معنى طلب النور للأعضاء: أن تتحلّى بأنوار المعرفة والطاعة، وتعرى عن ظلم الجهالة والمعاصي، وأن يكون جميع ما يتصدّى له سببا لمزيد علمه وظهور أمره، وأن يحيط به يوم القيامة؛ فيسعى خلال النّور، كما قال تعالى في حق المؤمنين نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [٨/ التحريم] . انتهى. وقال القرطبيّ: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله ﷺ يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كلّ عضو من أعضائه نورا يستضيء به يوم القيامة في تلك الظّلم، هو ومن تبعه، أو من شاء الله منهم. قال: والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [٢٢/ الزمر] ، وقوله تعالى وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [١٢٢/ الأنعام] . ثم قال: والتحقيق في معناه: أنّ النور مظهر لما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات. وقال النوويّ: قال العلماء: طلب النور في أعضائه وجسمه وتصرّفاته وتقلّباته وحالاته، وجملته في جهاته الستّ حتى لا يزيغ شيء منها عنه. انتهى «عزيزي» . (اللهمّ؛ أعظم لي نورا، وأعطني نورا، واجعل لي نورا) - عطف عامّ على خاصّ-، أي: اجعل لي نورا شاملا للأنوار السابقة وغيرها. وهذا دعاء بدوام ذلك، لأنّه حاصل له، وهو تعليم لأمّته. وفي رواية: بدل «اجعل لي نورا» : «اجعلني نورا» . قال في «الحكم العطائيّة» : النور جند القلب، كما أنّ الظّلمة جند النفس، فإذا أراد الله أن ينصر عبدا أمدّه بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار.

стр. 2259

سبحان الّذي تعطّف بالعزّ وقال به، سبحان الّذي لبس المجد وتكرّم به، سبحان الّذي لا ينبغي التّسبيح إلّا له، سبحان ذي الفضل والنّعم، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام» . النّور جند القلب أمّا الظّلمه ... فهي جند النّفس ذات التّهمه إذا أراد الله نصر عبده ... يوما أمدّ قلبه بجنده وبتّ قطعا عنه جند النّفس ... وإن يرد خذلانه بالعكس (سبحان الّذي تعطّف بالعزّ) ، أي: تردّى به، بمعنى أنّه اتّصف بأنّه يغلب كلّ شيء؛ ولا يغالبه شيء، لأنّ العزّة الغلبة على كليّة الظاهر والباطن. (وقال به) ؛ أي: غلب به كلّ عزيز، وملك عليه أمره من القيل: وهو الملك الذي ينفذ قوله فيما يريد. انتهى؛ ذكره الزمخشريّ. وفي «الروض الأنف» : قد صرّفوا من القيل فعلا؛ فقالوا: قال علينا فلان، أي: ملك، والقيال: الإمارة، ومنه قول النّبي ﷺ في تسبيحه الذي رواه عنه الترمذيّ: «سبحان الّذي لبس العزّ وقال به» ؛ أي: ملك به وقهر. هكذا فسّره الهروي في «الغريبين» . انتهى بنصّه. وبه يعرف أنّ تفسير صاحب «النهاية» ومن على قدمه: قال به: ب «أحبّه واختصّ به» غير جيّد؛ قاله المناوي. (سبحان الّذي لبس المجد) ؛ أي: ارتدى بالعظمة والكبرياء. (وتكرّم به) ؛ أي: تفضّل وأنعم به على عباده. (سبحان الّذي لا ينبغي التّسبيح إلّا له) ؛ أي: لا ينبغي التنزيه المطلق إلّا لجلاله المقدّس. (سبحان ذي الفضل والنّعم) - جمع نعمة- وهي: كلّ ملائم تحمد عاقبته. والمراد: الإنعام. (سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام» ) ؛ أي: الذي

стр. 2260

(ت، طب، هق؛ عن ابن عبّاس) . ٣٢- «اللهمّ؛ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تنزع منّي صالح ما أعطيتني» ... يجلّه الموحّدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم، والذي يقال له: ما أجلّك وأكرمك. (ت، طب، هق) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «كتاب الصلاة» ، والطبرانيّ في «الكبير» ، والبيهقيّ في «سننه» في «كتاب الدعوات» ؛ كلّهم من حديث داود بن عليّ بن عبد الله بن عباس؛ عن أبيه (عن) جدّه عبد الله (ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما، لكن بزيادة ونقص: قال: بعثني العبّاس إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته ممسيا وهو في بيت خالتي ميمونة، فقام فصلّى من اللّيل، فلمّا صلّى الرّكعتين قبل الفجر قال: اللهمّ إنّي أسألك ... » إلى آخره. وداود هذا عمّ المنصور، ولي المدينة والكوفة للسّفّاح. حدّث عنه الكبار؛ كالثوريّ، والأوزاعيّ، ووثّقه ابن حبّان وغيره، وقال ابن معين: أرجو أنّه لا يكذب، إنّما يحدث بحديث واحد، وكذا روى عثمان بن سعيد عنه. وقد أورده ابن عديّ في «الكامل» ، وساق له بضعة عشر حديثا، ثمّ قال: وعندي لا بأس بروايته عن أبيه عن جدّه؛ احتجّ به مسلم، وخرّج له الأربعة. انتهى؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى. وقال العزيزي: في أسانيدها مقال، لكنّها تعاضدت. انتهى. ٣٢- ( «اللهمّ؛ لا تكلني) ، أي: لا تصرف أمري (إلى نفسي) ، أي: لا تسلمني إليها وتتركني هملا (طرفة عين) ، أي: مقدار تحرّك جفن العين، وهو كناية عن قلّة الزمن. (ولا تنزع منّي صالح ما أعطيتني» ) من الإيمان والتوفيق، لأنّ ذلك إذا نزع خلفه ضدّه.

стр. 2261

(البزّار؛ عن ابن عمر) . ٣٣- «اللهمّ؛ اجعلني شكورا، واجعلني صبورا، واجعلني في عيني صغيرا، وفي أعين النّاس كبيرا» . (البزّار؛ عن بريدة [رضي الله تعالى عنه] ) . وقد علم ﷺ أنّ ذلك لا يكون، ولكنّه أراد أن يحرّك همم أمّته إلى الدعاء بذلك. قال الحليمي: وهذا تعليم منه لأمّته؛ أنّه ينبغي كونهم مشفقين من أن يسلبوا الإيمان أو التوفيق للعمل، فإنّ من سلب التوفيق لم يملك نفسه، ولم يأمن أن يضيّع الطاعات ويتّبع الشهوات، فينبغي لكلّ مؤمن أن يكون هذا الخوف من همّه. انتهى. (البزّار) ؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده» ؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ الهيثميّ: فيه إبراهيم بن يزيد الحوذي، وهو متروك. ذكره المناوي. وقال العزيزيّ: هو ضعيف لضعف إبراهيم بن يزيد. ٣٣- ( «اللهمّ؛ اجعلني شكورا) ؛ أي: كثير الشكر، بأن أصرف جميع ما أنعمت به عليّ إلى ما خلقتني لأجله، (واجعلني صبورا) : كثير الصبر، بحيث إذا ظلمت لا أنتقم، وكذا إذا ضيّقت عليّ في الرزق أو بمرض لا يكون عندي ضجر لعلمي بأنّ الكلّ منك. (واجعلني) أرى نفسي (في عيني صغيرا) : حقيرا، بحيث أعتقد احتقار نفسي، وأرى غيري خيرا مني في الصلاح والعلم. (واجعلني في أعين النّاس كبيرا» ) : معظّما مهابا ليمتثل أمري، واستوهب ذلك لما ينشأ عنه من العدل والامتثال بشرط التواضع. (البزّار) ؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده» ؛ (عن بريدة) - بضم الموحدة وفتح الراء- ابن الحصيب- بضمّ المهملة وفتح المهملة الثانية، ثم تحتّية ثم موحّدة آخره-. قال الهيثمي: فيه عقبة بن عبد الله الأصمّ، وهو ضعيف، لكن حسّن البزّار حديثه؛ قاله المناوي.

стр. 2262

٣٤- «اللهمّ؛ احفظني بالإسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا، ولا تشمت بي عدوّا، ولا حاسدا. اللهمّ؛ إنّي أسألك من كلّ خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كلّ شرّ خزائنه بيدك» . (ك؛ عن ابن مسعود) . ٣٤- ( «اللهمّ؛ احفظني بالإسلام قائما) : حال كوني قائما، وكذا يقال فيما بعده (واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإسلام راقدا) ، يعني في جميع الحالات. (ولا تشمت) - بالتخفيف- (بي عدوّا؛ ولا حاسدا) ؛ أي: لا تنزل بي بليّة يفرح بها عدوّي وحاسدي. (اللهمّ؛ إنّي أسألك من كلّ خير خزائنه) ؛ مبتدأ، وخبره قوله (بيدك، وأعوذ بك من كلّ شرّ خزائنه) جمع خزانة- بكسر الخاء؛ ككتابة-: مكان الخزن، أي: الموضع الذي يخزن فيه الشيء، ولا تفتح الخاء من «خزانة» . ومن اللطائف قولهم: لا تكسر القصعة ولا تفتح الخزانة. (بيدك» ) . وفي رواية: «بيديك» في الموضعين، واليد: مجاز عن القدرة المتصرّفة، وتثنيتها باعتبار التصرّف في العالمين؛ عالم الشهادة المسمّى ب «عالم الملك» ، وعالم الغيب المسمّى ب «عالم الملكوت» . (ك) ؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك» ؛ (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يدعو؛ فيقول: اللهمّ ... » الخ. وزاد البيهقيّ في «الدعوات» ؛ من طريق هاشم بن عبد الله بن الزبير: أنّ عمر بن الخطّاب أصابته مصيبة، فأتى رسول الله ﷺ ؛ فشكا إليه، وسأله أن يأمر له بوسق تمر، فقال: «إن شئت أمرت لك، وإن شئت علّمتك كلمات خيرا لك منه» !! فقال: علّمنيهنّ ومر لي بوسق تمر، فإنّي ذو حاجة إليه، قال: «أفعل» ، وقال: «قل: اللهمّ احفظني ... » الخ.

стр. 2263

٣٥- «اللهمّ؛ انفعني بما علّمتني، وعلّمتني ما ينفعني، وزدني علما. الحمد لله على كلّ حال، ... ٣٥- ( «اللهمّ؛ انفعني بما علّمتني) بالعمل بمقتضاه خالصا لوجهك. (وعلّمني ما ينفعني) لأرتقي منه إلى عمل زائد على ذلك. (وزدني علما) مضافا إلى ما علّمتنيه، وهذا إشارة إلى طلب المزيد في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى مخدع الوصال، وبه ظهر أنّ العلم وسيلة للعمل، وهما متلازمان، ومن ثمّ قالوا: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلّا من العلم «١» . (الحمد لله على كلّ حال) من أحوال السّرّاء والضّرّاء، وكم يترتّب على الضّرّاء من عواقب حميدة ومواهب كريمة، يستحقّ الحمد عليها. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [٢١٦/ البقرة] . قال في «الحكم العطائية» : من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره؛ فذاك لقصور نظره. قال في نظمها: من ظنّ أنّ لطفه عن قدره ... ينفكّ فهو قاصر في نظره وقال الغزاليّ: لا شدّة إلّا وفي جنبها نعم لله، فليلزم الحمد والشكر على تلك النعم المقترنة بها. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما ابتليت ببليّة إلّا كان لله عليّ فيها أربع نعم: ١- إذ لم تكن في ديني، و ٢- إذ لم أحرم الرضا، و ٣- إذ لم تكن أعظم، و ٤- إذ رجوت الثواب عليها. وقال إمام الحرمين: شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها؛ لأنّها نعم

стр. 2264

وأعوذ بالله من حال أهل النّار» . (ت، هـ، [ك] ؛ عن أبي هريرة) . ٣٦- «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» . (ت؛ عن أنس) . بالحقيقة، بدليل أنّها تعرّض العبد لمنافع عظيمة، ومثوبات جزيلة، وأغراض كريمة؛ تتلاشى في جنبها شدائد الدنيا. نحمده على شمول النّعم ... حتّى لقد أبطنها في الألم (وأعوذ بالله من حال أهل النّار» ) في النار وغيرها: وهذا يلزم منه الاستعاذة من دخولها؛ لأنّ من دخلها لا بدّ أن يتّصف بوصف من أوصاف أهلها من العذاب. (ت، هـ، [ك] ) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «الدعوات» ، وابن ماجه في «السّنّة والدعاء» ، والحاكم في (الأدعية) ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وقال الترمذي: غريب، وفي سنده موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن الزهري. وموسى المذكور: ضعّفه النسائيّ وغيره، ومحمد بن ثابت: لم يروه عنه غير موسى. وقال الذهبي: مجهول. ٣٦- ( «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» . ت) أخرجه الترمذيّ؛ (عن أنس) رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ : أنّه كان إذا كربه أمر قال: يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» . قال ابن القيّم: في تأثير هذا الدعاء في دفع الهمّ والغمّ مناسبة بديعة، فإنّ صفة الحياة متضمّنة لجميع صفات الكمال؛ مستلزمة لها، وصفة القيّوميّة متضمّنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا قيل: إنّ اسمه الأعظم هو: الحي القيوم. والحياة التامّة تضادّ جميع الآلام والأسقام، ولهذا: لمّا كملت حياة أهل الجنّة

стр. 2265

٣٧- «اللهمّ؛ افتح مسامع قلبي لذكرك، وارزقني طاعتك، وطاعة رسولك، وعملا بكتابك» . (طس؛ عن عليّ [رضي الله تعالى عنه] ) . لم يلحقهم همّ ولا غمّ ولا حزن، ولا شيء من الآفات. فالتوسّل بصفة الحياة والقيوميّة له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال، فاستبان أنّ لاسم الحيّ القيّوم تأثيرا خاصّا في كشف الكرب وإجابة الربّ. انتهى. ٣٧- ( «اللهمّ؛ افتح مسامع قلبي) ؛ أي: آذان قلبي. جمع مسمع؛ كمنبر: الأذن- كما في «الصحاح» - (لذكرك) ؛ أي: أزل عن قلبي الحجب المانعة من لذّة الذكر، فإنّه عقاب كبير، لأنّ كلّ قلب لم يدرك لذّة الذكر؛ فهو كالميت. كان رجل في بني إسرائيل؛ أقبل على الله ثم أعرض عنه، فقال: يا رب؛ كم أعصيك ولا تعاقبني! فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لفلان: كم عاقبتك ولم تشعر!! ألم أسلبك حلاوة ذكري ولذّة مناجاتي؟!. (وارزقني طاعتك) ؛ أي: كمال لزوم أوامرك، (وطاعة رسولك) النبيّ الأميّ، الذي أوجبت علينا طاعته، وألزمتنا متابعته. (وعملا بكتابك» ) : القرآن، أي: العمل بما فيه من الأحكام، فإنّ من وفّق لفهم أسراره وصرف إليه عنايته اكتفى به عن غيره، ودلّه على كل خير، وحذّره من كلّ شرّ، وهو الكفيل بذلك على أتمّ الوجوه، وفيه أسباب الخير والشرّ مفصّلة مبيّنة، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [٣٨/ الأنعام] . (طس) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ من حديث الحارث الأعور؛ (عن عليّ) أمير المؤمنين. قال الحارث: دخلت على عليّ بعد العشاء، فقال: ما جاء بك السّاعة؟! قلت: إنّي أحبّك، قال: آلله؟ آلله؟ قلت: نعم؛ والله، فقال: ألا أعلّمك دعاء علّمنيه رسول الله ﷺ !؟ قل: «اللهمّ افتح ... » إلى آخر، قال الحافظ الهيثمي: الحارث ضعيف. انتهى.

стр. 2266

٣٨- «اللهمّ؛ اجعلني أخشاك حتّى كأنّي أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك، وخر لي في قضائك، وبارك لي في قدرك، حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت؛ ولا تأخير ما عجّلت. ٣٨- ( «اللهمّ؛ اجعلني أخشاك حتّى كأنّي أراك، وأسعدني بتقواك) ؛ فإنّها سبب كلّ خير، وسعادة في الدارين. وقد أثنى الله في التنزيل على المتقين بقوله وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) [آل عمران] . ووعدهم بالحفظ والحراسة من الأعداء بقوله وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [١٢٠/ آل عمران] . وبالنصر والتأييد بقوله إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) [النحل] . وقوله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) [التوبة] . ولا سعادة أعظم من هذه المعيّة. (ولا تشقني بمعصيتك) ، فإنّ المعاصي بريد الكفر، لأنّه كلّما فعل الشخص معصية أسودّ جزء من قلبه، وانطفأ بعض نور إيمانه؛ فربّما غلب عليه وطفىء جميعه. (وخر لي) ؛ أي: اختر لي (في قضائك) ؛ أي: مقضيّك، أي: اختر لي خير الأمرين من مقضيّك، فإنّك لا تفعل بي إلّا ما هو الأوفق والأصلح لي. (وبارك لي في قدرك) ؛ بأن ترضّيني به (حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت؛ ولا تأخير ما عجّلت) ، لأنّ الخير كلّه في الرضا والتسليم. قال العارف بالله سيدي أبو الحسن الشاذليّ رحمه الله تعالى: تردّدت؛ هل ألزم القفار للطاعة والأذكار، أو أرجع إلى الديار لصحبة الأخيار؟!! فوصف لي شيخ برأس جبل، فوصلت لغاره ليلا؛ فبتّ ببابه، فسمعته يقول: اللهمّ؛ إنّ قوما سألوك أن تسخّر لهم خلقك ففعلت، فرضوا، وأنا أسألك اعوجاج الخلق عنّي، حتّى لا يكون لي ملجأ إلّا أنت.

стр. 2267

واجعل غناي في نفسي، وأمتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث منّي، ... فقلت: يا نفس؛ انظري من أيّ بحر يغترف هذا الشيخ!! فأصبحت، فدخلت عليه، فأرهبت من هيبته، فقلت: كيف حالكم؟ فقال: إنّي أشكو إلى الله من برد الرضا والتسليم؛ كما تشكو من حرّ التدبير والاختيار!! فقلت: أمّا شكواي من حرّهما؛ فذقته، وأما شكواك من بردهما؛ فلماذا؟! قال: أخاف أن تشغلني حلاوتهما عن الله تعالى. قلت: سمعتك اللّيلة تقول ... كذا؟! فتبسّم وقال: عوض ما تقول «سخّر لي خلقك» ، قل: «كن لي» ؛ تره إذا كان لك لا يفوتك شيء؛ فما هذه الجناية!؟! فحصل للشيخ أبي الحسن من هذا المجلس معارف وأنوار عظيمة. (واجعل غناي في نفسي) ، لأنّ غنى النفس هو الغنى بالحقيقة، وهو المحمود النافع، بخلاف غنى المال؛ فإنّ النفس المنهمكة لا تغتني، بل كلّما حدث لها شيء من المال حدث لها طبع آخر، فإذا طلبت مائة دينار مثلا وحصّلتها توجّهت إلى جهات مصارف أخرى، كبنيان بيت وشراء أرقاء فتطلب ألف دينار، فإذا حصلتها، توجهت إلى مصارف أخرى وهكذا ... ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب. (وأمتعني بسمعي وبصري) : الجارحتين المعروفتين، بأن تديم سلامتهما من الصمم والعمى، (واجعلهما الوارث منّي) ؛ أي: اجعلهما آخر ما يسلب منه الانتفاع من البدن. وفي «الأذكار» للإمام النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: معنى «اجعلهما الوارث مني» ؛ أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت. وقيل: المراد بقاؤهما وقوّتهما عند الكبر وضعف الأعضاء وباقي الحواس، أي: اجعلهما

стр. 2268

وانصرني على من ظلمني، وأرني فيه ثأري، وأقرّ بذلك عيني» . (طس؛ عن أبي هريرة) . ٣٩- «اللهمّ؛ اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك» . (ت؛ عن عليّ) . وارثي قوّة باقي الأعضاء، والباقيين بعدها. وروي: «واجعله الوارث منّي» ، فردّ الهاء إلى الإمتاع؛ فوحّده. انتهى. (وانصرني على من ظلمني) : تعدّى وبغى عليّ، (وأرني فيه ثأري، وأقرّ بذلك عيني» ) ؛ أي: فرحتي بالظفر عليه. (طس) ؛ أي: أخرجه الطبراني في «الأوسط» ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يكثر أن يدعو بهذا الدّعاء. قال الحافظ الهيثمي: وفيه إبراهيم بن خيثم بن عراك: وهو متروك. انتهى «مناوي» . وفي العزيزي: أنّه حديث ضعيف. ٣٩- ( «اللهمّ؛ اكفني) - بهمزة وصل وكسر الفاء-: من كفى كفاية، وكفاك الشيء يكفيك، (بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك» ) . (ت) ؛ أي: أخرجه الترمذيّ؛ (عن عليّ) أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: أنّ مكاتبا جاءه فقال: إنّي عجزت عن كتابتي فأعنّي!! قال: ألا أعلّمك كلمات علّمنيهنّ رسول الله ﷺ ؛ لو كان عليك مثل جبل دينا أدّاه عنك، قل: اللهمّ ... » الخ. ورواه الحاكم في «المستدرك» ؛ عن عليّ أيضا، وقال الترمذيّ: حديث حسن غريب. قال في «شرح الأذكار» : وفي رواية: «يقول بعد صلاة الجمعة سبعين مرّة: اللهمّ اكفني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمّن سواك» . انتهى.

стр. 2269

٤٠- «اللهمّ؛ اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سنّي وانقطاع عمري» . (ك؛ عن عائشة) . ٤١- «اللهمّ؛ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي حتّى أعلم أنّه لا يصيا بني إلّا ما كتبت لي، وأرضني من المعيشة بما قسمت لي» . ٤٠- ( «اللهمّ؛ اجعل أوسع رزقك) ؛ أي: أحد قسمي الرزق: وهو ما يحصل به غذاء الأبدان؛ دون ما يحصل به غذاء الأرواح، لأنّ الرزق نوعان: ١- ظاهر للأبدان كالقوت، وهو المراد هنا. و٢- باطن للقلوب والنفوس؛ كالمعارف. ويرجّح الأوّل قوله (عليّ عند كبر سنّي وانقطاع عمري» ) . أي: إشرافه على الانقطاع والرحيل من هذه الدار، فإنّ الإنسان عند الشيخوخة قليل القوّة، ضعيف الكدّ؛ عاجز عن السعي، فإن أوسع الله عليه رزقه حين ذلك كان عونا له على العبادة. (ك) ؛ أي: أخرجه الحاكم؛ عن سعدويه؛ عن عيسى بن ميمون؛ عن القاسم بن محمد؛ (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر هذا الدّعاء: اللهمّ ... » . إلى آخره. قال الحاكم: حسن غريب. وردّه الذهبي؛ بأن عيسى متّهم بالوضع، ومن ثمّ حكم ابن الجوزي بوضعه. نعم؛ رواه الطبرانيّ بسند، قال فيه الحافظ الهيثميّ: إنّه حسن، وبه تزول التّهمة. انتهى. ذكره المناوي. ٤١- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي) ، أي: يلابسه ويخالطه، فإنّ الإيمان إذا تعلّق بظاهر القلب أحبّ الدنيا والآخرة، وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها؛ ذكره حجّة الإسلام. (حتّى أعلم) : أجزم وأتيقن (أنّه لا يصيا بني إلّا ما كتبت لي) ، أي: قدّرته عليّ في العلم القديم الأزلي، (وأرضني من المعيشة بما قسمت لي» ) ، أي:

стр. 2270

(البزّار؛ عن ابن عمر [رضي الله تعالى عنهما] ) . ٤٢- «اللهمّ؛ إنّي أسألك عيشة نقيّة، وميتة سويّة، ومردّا غير مخزيّ ولا فاضح» . (طب، ك، البزّار، عن ابن عمر) . وأعطني الرّضا بما قسمت لي من الرزق؛ فلا أسخطه ولا أستقلّه. قال الشاذليّ: من أجلّ مواهب الله الرّضا بمواقع القضاء، والصبر عند نزول البلاء، والتوكّل على الله عند الشدائد، والرجوع إلى الله عند النوائب، فمن خرجت له هذه الأربع من خزائن الأعمال على بساط المجاهدة، فقد صحّت ولايته لله ورسوله والمؤمنين. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) [المائدة] . (البزّار) ؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده» ؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب. قال الحافظ الهيثميّ: وفيه أبو مهدي: سعيد بن سنان؛ وهو ضعيف الحديث. ٤٢- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك عيشة) - بكسر العين المهملة- أي: حياة (نقيّة) ، أي: طاهرة مرضيّة، (وميتة) - بكسر الميم وسكون التحتيّة- أي: هيئة موت (سويّة) - بفتح فكسر فتشديد- أي: مستوية؛ أي: معتدلة؛ بأن لا ينالني مشقّة شديدة، (ومردّا) ؛ أي: مرجعا إلى الآخرة (غير مخزيّ) - بضم الميم وبالزاي وإثبات الياء المشدّدة- أي: غير مذلّ ولا موقع في بلاء، (ولا فاضح» ) ؛ أي: كاشف للمساوىء والعيوب. (طب، ك، البزّار) ؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير» ، والحاكم في «المستدرك» ، والبزّار في «مسنده» - واللّفظ له-؛ من حديث خلّاد بن يزيد الجعفي؛ عن شريك؛ عن الأعمش؛ عن مجاهد؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: كان النّبيّ ﷺ يدعو به. قال الحاكم: على شرط مسلم، وتعقّبه الذهبيّ؛ فقال: خلّاد ثقة، لكن شريك ليس بحجّة. انتهى. قال الحافظ الهيثمي: إسناد الطبرانيّ جيّد. انتهى

стр. 2271

٤٣- «اللهمّ؛ أصلح لي ديني الّذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي الّتي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي الّتي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير، واجعل الموت راحة لي من كلّ شرّ» . (م؛ عن أبي هريرة) . ٤٤- «اللهمّ؛ إنّي أسألك الهدى ... «مناوي» . قال: وهذا الدعاء قطعة من دعائه يومي العيد، كما رواه الطبراني؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. انتهى. ٤٣- ( «اللهمّ؛ أصلح لي ديني الّذي هو عصمة أمري) - مفرد مضاف فيعمّ-؛ أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإنّ من فسد دينه فسدت جميع أموره، وخاب وخسر في الدنيا والآخرة. (وأصلح لي دنياي الّتي فيها معاشي) ؛ أي: أصلحها بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه، وكونه حلالا معينا على الطاعة. (وأصلح لي آخرتي) ؛ بأن توفّقني للأعمال الصالحة التي تنفعني في الآخرة (الّتي فيها معادي) ؛ أي: ما أعود إليه يوم القيامة. وقد جمع في هذه الثلاث صلاح الدنيا والدين والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها. (واجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير) ؛ أي: اجعل عمري مصروفا فيما تحبّ وترضى، وجنّبني عمّا تكره، (واجعل الموت راحة لي من كلّ شرّ» ) أي: اجعل موتي سبب خلاصي من مشقّة الدنيا والتخلّص من غمومها وهمومها. قال الطّيبيّ: وهذا الدعاء من جوامع الكلم. (م) ؛ أي: أخرجه مسلم في «الدعوات» ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، ولم يخرّجه البخاريّ. ٤٤- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك الهدى) ؛ أي: الهداية إلى الصراط المستقيم؛

стр. 2272

والتّقى، والعفاف والغنى» . (م، ت، هـ؛ عن ابن مسعود) . ٤٥- «اللهمّ؛ اجعل حبّك أحبّ الأشياء إليّ، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عنّي حاجات الدّنيا بالشّوق إلى لقائك، صراط الذين أنعمت عليهم. (والتّقى) : الخوف من الله، والحذر من مخالفته. قال الطّيبي: أطلق الهدى والتّقى!! ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق، وكلّما يجب أن يتّقى منه من شرك ومعصية وخلق ديني. انتهى. (والعفاف) : الصيانة عن مطامع الدنيا، (والغنى) ؛ أي: غنى النفس والاستغناء عن الناس وعمّا في أيديهم. (م، ت، هـ) ؛ أي: أخرجه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه.. كلّهم في «الدعوات» ؛ (عن ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه، ولم يخرّجه البخاريّ. ٤٥- ( «اللهمّ؛ اجعل حبّك) ؛ أي: حبّي إيّاك (أحبّ الأشياء إليّ) ، وذلك يستلزم الترقّي في مدارج معرفة الحق، ومطالعة كمال جماله، فكلّما ازدادت المعرفة تضاعفت الأحبّيّة. (واجعل خشيتك) ؛ أي: خوفي منك المقترن بكمال التعظيم (أخوف الأشياء عندي) ؛ بأن تكشف لي من صفات الجلال ما يستلزم كمال الخوف منك؛ مع حصول الرجاء والطمع في رحمتك. (واقطع عنّي حاجات الدّنيا) ؛ أي: امنعها وادفعها (بالشّوق إلى لقائك) ؛ أي: بسبب حصول الشوق إلى النظر إلى وجهك الكريم الذي هو أرفع درجات النعيم، وغاية الأماني لكل قلب سليم. ومن منح الشوق انقطعت عنه حاجات الدنيا والآخرة، وأولادهم بالله أشدّهم له شوقا. وقد كان المصطفى ﷺ طويل الفكر، دائم الأحزان، فهل كان كذلك إلّا من

стр. 2273

وإذا أقررت أعين أهل الدّنيا من دنياهم.. فأقرر عيني من عبادتك» . (حل؛ عن الهيثم بن مالك الطّائيّ [﵀] ) . شدّة شوقه إلى منزله!؟ وأقربهم قربا، وأعلمهم به أشدّهم حرقة في القلوب شوقا. قال حجّة الإسلام: لو خلق فيك الشوق إلى لقائه، والشهوة إلى معرفة جلاله؛ لعلمت أنّها أصدق وأقوى من شهوة الأكل والشّرب، وكذلك كلّ شيء، بل وآثرت جنّة المعرفة ورياضتها على الجنّة التي فيها قضاء الشهوات المحسوسة، وهذه الشهوة خلقت للعارفين؛ ولم تخلق لك، كما خلق لك شهوة الجاه؛ ولم تخلق للصبيان؛ وإنما لهم شهوة اللعب! وأنت تعجب من عكوفهم عليه وخلوّهم عن لذّة العلم والرياسة!! والعارف يعجب منك ومن عكوفك على لذّة العلم والرياسة، فإنّ الدنيا بحذافيرها عنده لهو ولعب، فلمّا خلق للكمّل معرفة الشوق كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم، ويتفاوتون في ذلك، ولذلك سأل المصطفى ﷺ المزيد من ذلك، ولا نسبة لتلك اللّذة إلى لذّة الشهوات الحسيّة!! ولذلك كان العارف إبراهيم بن أدهم يقول: لو علم الملوك ما نحن فيه من النعيم لقاتلونا عليه بالسيوف. انتهى «مناوي» . (وإذا أقررت أعين أهل الدّنيا من دنياهم) ؛ أي: فرّحتهم بما آتيتهم منها، (فأقرر عيني من عبادتك» ) ؛ أي: فرّحني بها، وذلك لأنّ المستبشر إذا بكى من كثرة السرور يخرج من عينه ماء بارد، كما قال: طفح السّرور عليّ حتّى أنّه ... من فرط ما قد سرّني أبكاني والباكي جزعا يخرج من عينيه ماء سخن. (حل) ؛ أي: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ؛ (عن الهيثم بن مالك الطّائيّ) ؛ ذكره في «الإصابة» في القسم الرابع، وقال: هو تابعيّ من أهل الشام، أرسل حديثا فظنّه بعضهم صحابيا، وذكره البخاريّ، وابن أبي حاتم في التابعين. والله أعلم. انتهى ملخصا.

стр. 2274

٤٦- «اللهمّ؛ إنّي أسألك الصّحّة، والعفّة، والأمانة، وحسن الخلق، والرّضا بالقدر» . (طب؛ عن ابن عمرو [رضي الله تعالى عنهما] ) . ٤٧- «اللهمّ؛ إنّي أسألك التّوفيق لمحابّك ... ٤٦- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك الصّحّة) ؛ أي: العافية من الأمراض والعاهات. (والعفّة) عن المحرّمات والمكروهات وما يخلّ بكمال المروءة؛ قاله المناوي. (والأمانة) ؛ أي: حفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده. (وحسن الخلق) - بضم اللّام-؛ أي: مع الخلق، بالصبر على أذاهم، وكفّ الأذى عنهم، والتلطّف بهم، (والرّضا بالقدر» ) ؛ أي: بما قدّرته عليّ في الأزل. وهذا تعليم لأمّته، وتمرين للنفس على الرضا بالقضاء، وذلك لأمرين: الأول: أن يتفرّغ العبد للعبادة، لأنّه إذا لم يرض بالقضاء يكون مهموما مشغول القلب أبدا؛ بأنه لم كان كذا!!، ولماذا لا يكون كذا!!، فإذا اشتغل القلب بشيء من هذه الهموم كيف يتفرّغ للعبادة؟! إذ ليس له إلّا قلب واحد؛ وقد امتلأ من الهموم، وما كان وما يكون، فأيّ محل فيه لذكر العبادة وفكر الآخرة؟! ولقد صدق شقيق في قوله «حسرة الأمور الماضية؛ وتدبير الآتية ذهبت ببركة الساعات» . الثاني: خطر ما في السخط من مقت الله وغضبه؛ مع أنّه لا فائدة لذلك، إذ القضاء نافذ؛ ولا بدّ منه، رضي العبد؛ أم سخط. انتهى «مناوي» . (طب) ؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير» ، وأخرجه البزّار أيضا، كلاهما؛ (عن ابن عمرو) بن العاصي. قال الحافظ الهيثمي: فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وهو ضعيف الحديث، وبقيّة رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح. قاله المناوي. ٤٧- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك التّوفيق) الذي هو خلق قدرة الطاعة (لمحابّك)

стр. 2275

من الأعمال، وصدق التّوكّل عليك، وحسن الظّنّ بك» . (حل؛ عن الأوزاعيّ والحكيم؛ عن أبي هريرة) . - بالتشديد- أي: ما تحبّه وترضاه (من الأعمال) الصالحة، ولأترقّى في الأفضل فالأفضل منها. (وصدق التّوكّل عليك، وحسن الظّنّ بك» ) ؛ أي: يقينا جازما يكون سببا لحسن الظنّ بك، لقوله: «أنا عند ظنّ عبدي بي» . وانظر إلى هذه الثلاث المسؤولة كيف يشبه بعضها بعضا؟! فكأنّه نظام واحد!. ١- سأله التوفيق لمحابّه!! ومحابّه في الغيب لا تدرى، فربّما كان محابّه في شيء هو في الظاهر دون غيره؛ فإذا استقبل النفس به واحتاج إلى إيثاره على ما هو في الظاهر أعلى، تردّد في النفس سؤاله. ٢- وسأله صدق التوكل!! والتوكّل: هو التفويض إليه؛ واتّخاذه وكيلا في سائر أموره، فسأله صدق ذلك، وصدقه: أنّه إذا استقبلك أمر هو عندك أدون فوفّقك لهذا الأدون، وهو مختاره: ألاتتردّد فيه وتمرّ به مسرعا. ٣- ثم قال: أسألك حسن الظنّ بك، فإنّ النفس إذا دخلت في الأدون دخل سوء الظنّ من قبلها، تقول: لعلّي مخذول فيها!! فسأله حسن الظن حتى لا تأخذه الحيرة من ربّه فيخاف الخذلان. (حل) ؛ أي: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ؛ عن محمّد بن نصر الحارثي؛ من حديث حسين الجعفي؛ عن يحيى بن عمر؛ (عن الأوزاعيّ) : عبد الرحمن بن عمرو، تابعيّ، ثقة جليل؛ فهو مرسل. ثم قال أبو نعيم: لم يروه عن الأوزاعيّ- فيما أعلم- إلّا محمّد بن نصر الحارثي، ولا عنه إلّا يحيى، تفرّد به الحسين. (الحكيم) ؛ أي: وأخرجه الحكيم التّرمذيّ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه قال- أعني الحكيم-: وهذا باب غامض يخفى على الصادقين، وإنّما ينكشف للصّدّيقين. انتهى. وفيه عمر بن عمرو: فيه كلام. انتهى. ذكره المناوي.

стр. 2276

٤٨- «اللهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان، وإيمانا في حسن خلق، ونجاحا يتبعه فلاح، ورحمة منك وعافية، ومغفرة منك ورضوانا» . (طس، ك؛ عن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه] ) . ٤٩- «اللهمّ؛ الطف بي في تيسير كلّ عسير، فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير، ... ٤٨- ( «اللهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان) «في» بمعنى «مع» ؛ على حدّ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ [٣٨/ الأعراف] ؛ أي: صحّة في بدني مع تمكّن التصديق من قلبي. (وإيمانا في حسن خلق) - بالضم-؛ أي: وأسألك إيمانا يصحبه حسن خلق، ف «في» بمعنى «مع» . (ونجاحا) ؛ أي: حصولا للمطلوب (يتبعه فلاح) ؛ أي: فوز ببغية الدنيا والآخرة، (ورحمة) ؛ أي: وأسألك رحمة (منك وعافية) ؛ أي: سلامة من البلايا والمصائب، (ومغفرة منك) ؛ أي: سترا للعيوب، (ورضوانا) - بكسر الراء وضمّها-: اسم مبالغة في معنى الرضا، أي: وأسألك رضوانا منك لأفوز بخير الدارين. (طس، ك) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» ، والحاكم في «المستدرك» كلاهما؛ (عن أبي هريرة) قال: أوصى رسول الله ﷺ سلمان الخير؛ فقال: «إنّ رسول الله ﷺ يريد أن يمنحك كلمات تسألهنّ الرّحمن؛ ترغب إليه فيهنّ، وتدعو بهنّ في اللّيل والنّهار، قل: اللهمّ ... » إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: رجاله ثقات. انتهى. ٤٩- ( «اللهمّ؛ الطف) : ارفق (بي في تيسير كلّ عسير) ؛ أي: تسهيل كلّ صعب شديد، (فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير) ؛ أي: لا يعسر عليك شيء، لأنّك خالق الكلّ، ومقدّر الجميع.

стр. 2277

وأسألك اليسر والمعافاة في الدّنيا والآخرة» . (طس؛ عن أبي هريرة) . ٥٠- «اللهمّ؛ اعف عنّي، فإنّك عفوّ كريم» . (طس؛ عن أبي سعيد) . ٥١- «اللهمّ؛ إنّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، في قبضتك، ناصيتي بيدك، ... (وأسألك اليسر) ؛ أي: سهولة الأمور وحسن انقيادها، (والمعافاة في الدّنيا والآخرة) ؛ بأن تصرف أذى الناس عنّي، وتصرف أذاي عنهم. (طس) ؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه قال: لمّا وجّه رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة شيّعه، وزوّده هذه الكلمات. قال الحافظ الهيثميّ: فيه من لم أعرفهم. انتهى. وأورده في «الميزان» في ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن، وقال: إسناده مظلم. ٥٠- ( «اللهمّ؛ اعف عنّي) ؛ أي: امح ذنوبي، (فإنّك عفوّ كريم» ) ؛ أي: فإنّك كثير الفضل والكرم، تحبّ الإفضال والإنعام. (طس) ؛ أي: أخرجه الطبراني في «الأوسط» ؛ (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: علّمني دعاء أصيب به خيرا. فقال: «ادن» ، فدنا حتّى كادت ركبته تمسّ ركبته؛ فقال: «اللهمّ ... » إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: فيه يحيى بن ميمون التمّار: وهو متروك؛ قاله المناوي. وفي العزيزيّ: هو حديث ضعيف. ٥١- ( «اللهمّ؛ إنّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك) ؛ أي: ابن جاريتك ومملوكتك، (في قبضتك، ناصيتي بيدك) . الناصية: مقدّم الرأس، وهي- هنا

стр. 2278

ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم نور صدري، وربيع قلبي، ... كناية- عن كمال قدرته، وإشارة إلى أنّ إحاطته على وفق إرادته. (ماض) : نافذ (فيّ) - بتشديد الياء-؛ أي: في حقّي (حكمك) ، إذ لا مانع لما قضيت. وقال القاري في «الحرز» : المعنى: سابق في شأني حكمك الأزليّ الذي لا يبدّل ولا يحوّل. (عدل فيّ) - بتشديد الياء- (قضاؤك) ؛ أي: ما قضيت به عليّ، فهو عدل لا جور فيه؛ ولا ظلم. (أسألك بكلّ اسم هو لك) ؛ أي: ثابت لك (سمّيت به نفسك) ، هو أعمّ من قوله (أو أنزلته في كتابك) ؛ أي: القرآن وسائر كتبك المنزلة. (أو علّمته أحدا من خلقك) ؛ من الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقرّبين، والأولياء والعارفين. (أو استأثرت به) ؛ أي: اخترته واصطفيته (في علم الغيب) الذي لا يعلمه إلّا أنت، و (عندك) : عنديّة مكان. قال الشوكانيّ: وفيه دليل أنّ لله تعالى أسماء غير التسعة والتسعين الاسم. (أن تجعل القرآن العظيم) - كذا عند بعض الرواة بزيادة: «العظيم» . و «أن» ومدخولها: ثاني مفعول «أسأل» ، والمفعول الثاني ل «جعل» هو قوله: (نور صدري) ؛ أي: تشرق في قلبي نوره فأميّز الحقّ من غيره. (وربيع قلبي) ؛ أي: متنزّهه، ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأزهاره وأشجاره وثماره المشبّه بها أنواع العلوم والمعارف، وإضاءة الحكم والأحكام واللطائف.

стр. 2279

وجلاء حزني، وذهاب همّي» . (ابن السّنّيّ؛ ... (وجلاء حزني) - بكسر الجيم والمدّ- أي: إزالة حزني وكشفه، من: جلوت السيف جلاء- بالكسر-، أي: صقلته، ويقال: جلوت همّي عني؛ أي: أذهبته. ووقع في بعض نسخ «الحصن» - بفتح الجيم-. قال في «الحرز» : فهو جلاء القوم عن الموضع، ومنه وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [٣/ الحشر] . والمعنى: اجعله سبب تفرقة حزني، وجمعيّة خاطري. انتهى. (وذهاب همّي» ) ؛ أي: الهمّ الذي لا ينفعني ويفرّقني لا يجمعني. رواه (ابن السّنّيّ) - بضم السين المهملة وتشديد النون بعدها ياء النّسبة-: وهو الإمام الجليل الحافظ: أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن بديح- بصيغة التصغير-- البديحيّ- بالموحدة؛ فالدال المهملة فالمثنّاة التحتيّة فالحاء المهملة- منسوب إلى جدّه «بديح» القرشيّ، الهاشميّ «مولاهم» ، الدينوري، المعروف ب «ابن السّنّيّ» . وبديح جدّه: مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. يكنى «أبا بكر» ، أحد الحفّاظ المشهورين، الثقات المأمونين، ولي قضاء القضاة بالرّي، ثمّ انفصل وتركه، ونفذ حكمه إلى العراق والحجاز ومصر. وفي شيوخه كثرة، منهم: أبو يعلى الموصلي البغوي، وأبو الحسين بن جوصا، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عرفة الكراني، وجماعة. روى عنه: القاضي أحمد بن عبيد الله بن شاذان، وأبو نصر أحمد بن الحسين بن الكسار، الدينوريان، وجماعة غيرهما. توفي سنة- ٣٦٤-: أربع وستين وثلثمائة، ومات عن بضع وثمانين سنة. رحمه الله تعالى. آمين.

стр. 2280

عن أبي موسى الأشعريّ) . (عن أبي موسى الأشعريّ) : عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابه همّ أو حزن؛ فليدع بهذه الكلمات ... » الخ. وقال في آخره: فقال رجل من القوم: يا رسول الله؛ إنّ المغبون لمن غبن هؤلاء الكلمات!؟ فقال: «أجل؛ فقولوهنّ وعلّموهنّ، فإنّه من قالهنّ التماس ما فيهنّ أذهب الله تعالى حزنه، وأطال فرحه» . قال في «مجمع الزوائد» : وأخرجه الطبرانيّ؛ عن أبي موسى أيضا، وفيه من لم أعرفه. انتهى. وأخرجه الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم، وأبو يعلى، والبزّار، والطبرانيّ، وابن أبي شيبة: كلّهم؛ عن ابن مسعود، وصحّحه ابن حبّان، والحاكم. وقال الحافظ ابن حجر: حديث ابن مسعود أثبت سندا وأشهر رجالا، وهو حديث حسن، وقد صحّحه بعض الأئمة. وقال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد» : ورجال أحمد؛ وأبي يعلى رجال الصحيح، غير أبي سلمة الجهني! وقد وثّقه ابن حبّان. انتهى. لكن قال الذهبيّ: إنّ أبا سلمة الجهني ما روى عنه إلّا فضيل بن مرزوق، ولا يعرف اسمه ولا حاله!!. قال الحافظ ابن حجر: لكنّه لم ينفرد به، وذكره مع ذلك ابن حبّان في الثقات. انتهى. وفي رواية ابن مسعود ﵁: عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أصاب عبدا همّ ولا حزن؛ فقال: اللهمّ ... الخ إلّا أذهب الله حزنه وهمّه، وأبدل مكانه فرحا» . قال في «المواهب» : وإنّما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة!! لاشتماله على الاعتراف بعبوديّة الداعي وعبوديّة آبائه وأمّهاته، وأنّ ناصيته بيده يصرّفها كيف يشاء!! وإثبات القدر، وأن أحكام الربّ تعالى نافذة في عبده؛ ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها، والله عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده.
следующие страницы →