← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبسطوا» ... (فقال رسول الله ﷺ لأصحابه) - أي: بطريق الانبساط؛ دفها لوهمهم أنّ هذه مختصّة له؛ فليس لهم أن يأكلوا منها، وإشارة إالى حسن الأدب مع الخدم والأصحاب؛ إظهارا لما أعطيه من الخلق العظيم والكرم العميم- (: «أبسطوا» ) بهمزة مضمومة فموحّدة فمهملة-: أمر من البسط- بالموحدة والمهملتين-؛ من حدّ «نصر» . وفي رواية: «انشطوا» - بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الشين المعجمة-: أمر من النشاط. وفي أخرى: «انشقّوا» بالقاف المشددة. ومعنى هذه الرواية: انفرجوا ليتّسع المجلس. ومعنى الرواية التي قبلها: ميلوا للأكل معي، وكلّ ما مال الشخص لفعله وآثره؛ فقد نشط له. وأما الرواية الأولى فيحتمل أن معناها: انشروا الطعام ليصله كلّ منكم؛ فيكون من «بسطه» بمعنى «نشره» ، ويحتمل أن معناها: مدّوا أيديكم للطعام. فيكون من بسط يده؛ أي: مدّها. ويحتمل أن معناها: سرّوا سلمان بأكل طعامه، فيكون من بسط فلان فلانا: سرّه. ويحتمل أن معناها: وسّعوا المجلس ليدخل بينكم سلمان. فيكون من «بسط الله الرزق لفلان» : وسّعه. وعلى كلّ من هذه الروايات والاحتمالات؛ فقد أكل النبي ﷺ مع أصحابه من هذه الهدية. ويؤخذ من ذلك أنه يستحبّ للمهدى له يعطي الحاضرين مما أهدي له، وهذا المعنى مؤيّد لحديث: «من أهدي له هديّة؛ فجلساؤه شركاؤه فيها» ؛ وإن كان ضعيفا. والمراد بالجلساء؛ كما قال الترمذي في «نوادر الأصول» : الذين يداومون مجلسه، لا كلّ من كان جالسا إذ ذاك. وحكي أن بعض الأولياء أهدي له هدية من الدراهم والدنانير، فقال له بعض جلسائه: يا مولانا؛ الهدية مشتركة. فقال: نحن لا نحبّ الاشتراك. فتغيّر ذلك القائل لظنّه أنّ الشيخ يريد أن يختصّ بالهدية. فقال الشيخ: خذها لك وحدك، فأخذها فعجز عن حملها، فأمر الشيخ بعض تلامذته فأعانوه. وحكي أنّه أهدي لأبي يوسف هدية من الدراهم والدنانير؛ فقال له بعض

стр. 282

ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله ﷺ ؛ فآمن به. وكان لليهود، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما ... جلسائه: يا مولانا؛ الهدية مشتركة. فقال: «أل» في «الهدية» للعهد، والمعهود هديّة الطعام. فانظر الفرق بين مسلك الأولياء ومسلك الفقهاء!!. (ثمّ نظر إلى الخاتم) - بالفتح ويكسر- (على ظهر رسول الله ﷺ أتى ب «ثم» لتراخي زمان النظر عن هذا المجلس، لما في كتب السّير: أنّ سلمان لبث بعد ذلك ينتظر رؤية الآية الثالثة التي أخبره عنها آخر مشايخه أنّه سيظهر حبيب عن قريب؛ ومن علاماته القاطعة على أنّه هو النبي الموعود الذي ختم به النبوة: أنّه لا يأكل الصدقة؛ ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة. فلما شاهد سلمان العلامتين المتقدمتين انتظر الآية الثالثة، إلى أن مات واحد من نقباء الأنصار؛ فشيّع رسول الله ﷺ جنازته؛ وذهب معها إلى بقيع الغرقد، وجلس مع أصحابه في ذلك المكان ينتظر دفنه، فجاء سلمان واستدار خلفه لينظر إلى خاتم النبوة، فلما رأى رسول الله ﷺ استدباره عرف أنّه يريد أن يستثبت شيئا وصف له، فألقى الرداء عن ظهره؛ فنظر سلمان إلى الخاتم (فآمن به) ؛ بلا تراخ ولا مهلة، لتمام العلامات وتكامل الآيات، فالفاء متفرّع على مجموع ما سبق من الآيات الثلاث. أي: فلما تمّت الآيات وكملت العلامات آمن به. (و) الحال أنّه (كان) رقيقا (لليهود) ؛ أي: يهود بني قريظة، ولعلّه كان مشتركا بين جمع منهم، أو كان لواحد منهم. (فاشتراه رسول الله ﷺ - يعني: كان سببا في كتابة سيّده اليهودي له لأمره بذلك، أو لإعانته على وفاء ما لو كوتب عليه، فتجوّز ب «الشراء» عن إعانته في الأداء- (بكذا وكذا درهما) ، أي: بعدد يشتمل على العطف، ولم يبيّنه في هذا الحديث. وفي بعض الروايات أنّه: أربعون أوقية. قيل: من فضة، وقيل: من ذهب. والأوقية: كانت إذ ذاك أربعين درهما، وقد بقي عليه ذلك حتّى أتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب، فقال: «ما فعل الفارسيّ المكاتب» فدعي له. فقال: «خذها فأدّها ممّا

стр. 283

على أن يغرس لهم نخلا فيعمل سلمان فيه حتّى يطعم، فغرس رسول الله ﷺ النّخيل ... عليك» . قال سلمان: فأين تقع هذه مما عليّ!؟ قال ﷺ : «خذها؛ فإنّ الله سيؤدّي عنك بها» . قال سلمان: فأخذتها؛ فوزنت لهم منها أربعين أوقية؛ فأوفيتهم حقّهم. فعتق سلمان رضي الله تعالى عنه. وقصّته مشهورة. (على أن يغرس) - بفتح الياء وكسر الراء- (لهم) ؛ أي: لمن يملك سلمان (نخلا) ، وفي رواية «نخيلا» وهو والنخل بمعنى واحد، والواحدة النخلة. و «على» بمعنى «مع» ؛ أي: مع أن يغرس. ويؤيده: ما في رواية «وعلى» بالواو العاطفة؛ أي: فكاتبوه على شيئين: الأواقي المذكورة، وغرس النخل مع العمل فيه حتّى يطلع. ولم يبين في هذا الحديث عدد النخل!! وفي بعض الروايات أنّه كان ثلثمائة. فقال ﷺ : «أعينوا أخاكم» ، فأعانوه فبعضهم بثلاثين وديّة «١» ، وبعضهم بخمس عشرة، وبعضهم بما عنده حتى جمعوا ثلثمائة وديّة. (فيعمل) - بالنصب معطوف على «يغرس» - (سلمان) - ليفيد أنّ عمله من جملة عوض الكتابة- (فيه) ، وفي بعض نسخ «الشمائل» : فيها. وكلّ صحيح، لأنّ النخل والنخيل يذكّران ويؤنّثان؛ كما في كتب اللغة. (حتّى يطعم) - بالمثناة التحتية، أو الفوقية- وعلى كلّ فهو بالبناء للفاعل؛ أو المفعول، ففيه أربعة أوجه، لكن أنكر الحافظ ابن حجر بناءه للمجهول. وقال: ليس في روايتنا وأصول مشايخنا!!. والمعنى على بنائه للفاعل؛ حتّى يثمر، وعلى بنائه للمفعول حتّى تؤكل ثمرته. (فغرس رسول الله ﷺ النّخيل) جميعها بيديه الكريمتين، لأنّه ﷺ خرج مع سلمان؛ فصار سلمان يقرّب له ﷺ الوديّ، فيضعه بين يديه. قال سلمان: فو الذي نفسي بيده؛ ما مات منها وديّة، فأدّيت النخل؛ وبقي

стр. 284

إلّا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النّخل من عامها، ولم تحمل النّخلة، فقال رسول الله ﷺ : «ما شأن هذه النّخلة؟» . فقال عمر: يا رسول الله؛ أنا غرستها، فنزعها رسول الله ﷺ ، فغرسها، فحملت من عامها. عليّ المال حتّى أتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة ... إلى آخر ما تقدّم. (إلّا نخلة) - بالنصب على الاستثناء- (واحدة) للتأكيد (غرسها عمر) بن الخطّاب، وفي بعض الشروح أنّ حكاية غرس عمر رضي الله تعالى عنه نخلة وعدم حملها من عامها غير منقولة إلّا في حديث الترمذي، وليس فيما سواه من أخبار سلمان رضي الله تعالى عنه. (فحملت) - أي: أثمرت- (النّخل من عامها) الذي غرست فيه- على خلاف المعتاد- استعجالا لتخليص سلمان من الرقّ ليزداد رغبة في الإسلام. (ولم تحمل النّخلة) ؛ وفي رواية: ولم تحمل نخلة عمر، أي: لم تثمر من عامها وعدم حملها واقع على سنن ما هو المتعارف؛ إفادة لكمال امتياز رتبة النبي ﷺ عن رتبة غيره، ومقدّمة لمعجزتين من معجزاته، لأن غرس النخل له ميقات معلوم؛ (فقال رسول الله ﷺ : «ما شأن هذه النّخلة؟» ) أي: ما حالها وما بالها. لم تحمل؛ مع أنّ صواحباتها قد حملت جميعا!. (فقال عمر) رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله؛ أنا غرستها) ، ولم تغرسها أنت؛ فلم تثمر كصواحباتها، ليظهر كمال تميّزك على غيرك. وكأنّ عمر رضي الله تعالى عنه ما عرف أنّه ﷺ أراد بالغرس إظهار المعجزة؛ بل مجرّد المعاونة. (فنزعها رسول الله ﷺ ، فغرسها) ثانيا بيديه في غير الوقت المعلوم لغرس النخل. (فحملت من عامها) ؛ أي: من عام غرسها، وفي رواية «من عامه» ؛ أي: الغرس. والحكمة من ذلك: أن يظهر المعجزة بإطعام الكلّ سوى ما لم يغرسه كل الظهور، ويتسبّب لظهوره معجزة أخرى؛ وهي غرس نخلة عمر ثانيا وإطعامها في عامها، ففيه معجزتان غير ما سبق: الغرس في غير أوان الغرس، والإثمار من عامه. والله أعلم.

стр. 285

[الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ واكتحاله] الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ واكتحاله كان رسول الله ﷺ يرى باللّيل في الظّلمة كما يرى بالنّهار في الضّوء. (الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ وهو: النور الذي تدرك به الجارحة المبصرات؛ كما في «المصباح» . وهو بمعنى قول المتكلّمين: قوّة مودعة في العين، وهو صريح في أنّه شيء مخلوق في العين زائد عليها. (و) في صفة (اكتحاله) ؛ أي: استعماله الكحل، وما يتعلّق بذلك. أمّا بصره الشّريف! ففي «المواهب» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله ﷺ يرى باللّيل في الظّلمة) ؛ احترازا عمّا إذا كان مع القمر (كما يرى بالنّهار في الضّوء) متعلّق بالنهار، للاحتراز عما إذا كان في بيت مظلم؛ أو في يوم غيم، فلا يقال لا حاجة إليه بعد ذكر النهار. والمعنى أنّ رؤيته في النهار الصافي والليل متساوية، لأنّ الله تعالى لما رزقه الاطلاع بالباطن والاحاطة بإدراك مدركات القلوب؛ جعل له مثل ذلك في مدركات العيون، ومن ثمّ كان يرى المحسوس من وراء ظهره كما يراه من أمامه؛ كما يأتي. قال القاضي عياض: وإنّما حدثت هذه الآية له بعد ليلة الإسراء، كما أن موسى كان يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور. انتهى؛ نقله عنه الزرقاني على «المواهب» . ولا يرد عليه حديث (أنّه ﷺ قام ليلة فوطىء على زينب بنت أمّ سلمة بقدمه

стр. 286

وكان ﷺ يرى من خلفه من الصّفوف كما يرى من بين يديه. وهي نائمة؛ فبكت، فقال: «أميطوا عنّا زيانبكم» !! لأنه حجب عن ذلك حينئذ، ليعلّم أنّه لا ينام أحد ببيت ذي الأهل؛ كذا قاله الزرقاني. وقال الشهاب الخفاجي في «شرح الشفاء» : لأنّ زينب رضي الله تعالى عنها كانت بنتا صغيرة مغطّاة بإزار ونحوه في جانب البيت، ومثلها قد لا يرى بالنهار أيضا. انتهى. وهذا الحديث الذي أورده المصنّف ذكره في «المواهب اللدنّيّة» ؛ وقال: رواه البخاري، وتبعه المصنّف في «الأنوار المحمدية» ، وتعقّبه الزّرقاني في «شرح المواهب» بأنه لم يجده في البخاري، وإنما عزاه السيوطي وغيره للبيهقي في «الدلائل» ؛ وقال: إنّه حسن. قال شارحه: ولعله لاعتضاده!! وإلّا!! فقد قال السهيلي: ليس بقويّ. وضعّفه ابن دحية؛ أي: نقل تضعيفه في كتاب «الآيات البينات» ؛ عن ابن بشكوال، لأن في سنده ضعفا؛ فكيف يكون في البخاري!!. ورواه البيهقي؛ عن عائشة بلفظ: كان رسول الله ﷺ يرى في الظلمة كما يرى في الضوء. وبهذا اللفظ رواه ابن عديّ وبقيّ بن مخلد، وضعّفه ابن الجوزي والذّهبيّ، لكنه يعتضد بشواهده، فهو حسن؛ كما قال السيوطي. انتهى كلام الزرقاني، ونحوه في الشهاب الخفاجي على «الشفاء» . (و) في «المواهب» و «شفاء» القاضي عياض؛ عن مجاهد بن جبر- فيما رواه عنه الحميدي «شيخ البخاري» ، والبيهقيّ، وابن المنذر مرسلا؛ في تفسير قوله تعالى (الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (٢١٩) [الشعراء]- قال: (كان) رسول الله ﷺ يرى من) - بفتح الميم: موصول- أي: الذي (خلفه من الصّفوف كما يرى من) - بفتح الميم- أي: الذي (بين يديه) . قال الشهاب الخفاجي والقسطلّاني في «المواهب» : وهذا الحديث رواه مالك والبخاريّ ومسلم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، لكن بلفظ: قال ﷺ : «هل ترون قبلتي ههنا!!، فو الله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا خشوعكم، وإنّي لأراكم من وراء ظهري» .

стр. 287

......... وعند مسلم؛ من رواية أنس بن مالك أنه ﷺ ؛ قال: «أيّها النّاس؛ إنّي إمامكم، فلا تسبقوني بالرّكوع ولا بالسّجود، فإنّي أراكم من أمامي ومن خلفي» . وفي البخاريّ؛ عن أنس: صلّى بنا النبي ﷺ صلاة ثمّ رقى المنبر؛ فقال في الصلاة وفي الركوع: «إنّي لأراكم من ورائي كما أراكم من أمامي» . وفي مسلم: «إنّي لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يديّ» . وفي أخرى لمسلم: «إنّي لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يديّ» . وفي بعض الروايات لعبد الرزاق، والحاكم: «إنّي لأنظر من ورائي كما أنظر من بين يديّ» ، ورواه أيضا مالك وأحمد وغيرهما وفي لفظه اختلاف. انتهى كلامهما. قال في «المواهب» : وهذه الرؤية المذكورة في حديث ابن عبّاس وعائشة وأبي هريرة وأنس ومجاهد رؤية إدراك، أي: إبصار حقيقيّ خاصّ به ﷺ انخرقت له فيه العادة، ولذا أخرجه البخاري في «علامات النبوّة» . والرؤية من حيث هي؛ لا بقيد وصف المصطفى بها؛ لا تتوقّف على وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحقّ، ولا تتوقّف على وجود شعاع؛ ولا على مقابلة، وهذا بالنسبة إلى القديم العالي. أما المخلوق! فتتوقّف صفة الرؤية في حقّه على الحاسّة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان ما ذكر من إبصاره من وراء ظهره خرق عادة في حقّه ﵊، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها. قال الحرالّي- بفتح الحاء المهملة والراء وشد اللام-: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالّة على ما في حقيقة أمره في الاطلاع الباطن؛ لسعة علمه ومعرفته، لمّا عرّفهم بربّه- بأن بلّغهم بأنه إله واحد في ذاته وصفاته، مستحقّ لأن يعبد.. وغير ذلك مما يليق به، ولم يعرّفهم بنفسه، وما اشتملت عليه ذاته من الكمالات- أطلعه على ما بين يديه مما تقدّم من أمر الله، وعلى ما وراء الوقت مما تأخّر من أمر الله؛

стр. 288

وكان ﷺ يرى في الثّريّا أحد عشر نجما. من كلّ ما يكون إلى يوم القيامة، فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب؛ جعل الله تعالى له ﷺ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه؛ كما قال ﷺ . انتهى كلام الحرالي. وحاصله- كما قاله بعضهم-: أنّه من قبيل الكشف عن المرئيات؛ فهو من الخوارق. انتهى كلام «المواهب» ؛ مع شيء من «شرح الزرقاني» . (و) في «المواهب اللدنية» ؛ نقلا عن القاضي عياض: (كان) وفي «الشفاء» بلفظ: وقد حكي عنه ﷺ أنّه كان (يرى في الثّريّا أحد عشر نجما) ليلا؛ أو ليلا ونهارا؛ لما مرّ: أن رؤيته فيهما سواء، وعند السّهيلي: اثني عشر، وجزم القرطبيّ بالأول، ونظمه في أرجوزته؛ فقال: وهو الّذي يرى النّجوم الخافيه ... مبيّنات في السّماء العاليه أحد عشر نجما في الثّريّا ... لناظر سواه ما تهيّا وقال السيوطي في «مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا» : هذا لم يوجد في شيء من كتب الحديث!! ونحوه قول الخيضري في خصائصه: ما ذكره القرطبيّ والسّهيلي: لم أقف له على سند ولا أصل يرجع إليه، والناس يذكرون أنها لا تزيد على تسعة أنجم فيما يرون. انتهى، وهذا عجيب مع قول التلمساني: جاء في حديث ثابت عن العبّاس، ذكره ابن أبي خيثمة. انتهى. والثريا- مصغّر ثروة؛ وهي الكثرة- وهي: منزل من منازل القمر فيه نجوم مجتمعة جعلت علامة، فقول بعض الشراح «أنها كوكب» وهم منه؛ قال في «مباهج الفكر» : وهي ستة أنجم صغار طمس، ويظنّها من لا معرفة له سبعة، وهي مجتمعة بينها نجوم صغار؛ كالرشاش، وحكي أن الثريّا اثنا عشر نجما لم يحقّق الناس منها غير ستة؛ أو سبعة، ولم ير جميعها غير النبي ﷺ لقوّة جعلها الله تعالى في بصره. والنجم علم لها بالغلبة، كالكوكب للزّهرة. انتهى شرح «الشفاء»

стр. 289

وكان ﷺ لا يقعد في بيت مظلم حتّى يضاء له بالسّراج. وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الخضرة والماء الجاري. للخفاجي؛ وشرح «المواهب» . (و) روى ابن سعد في «طبقاته» ، والبزار- بسند فيه جابر الجعفي؛ عن أبي محمد- قال في «الميزان» : قال ابن حبان: وجابر قد تبرّأنا من عهدته، وأبو محمد: لا يجوز الاحتجاج به-؛ كما في المناوي؛ على «الجامع» -؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ لا يقعد في بيت مظلم حتّى يضاء له بالسّراج) أي: يوقد له السراج، ولكنه كان يطفيه عند النوم، وفي خبر رواه الطبراني؛ عن جابر ﵁: أنه كان يكره السّراج عند الصبح. انتهى. (و) روى ابن السنّي، وأبو نعيم في «الطب النبوي» بسند ضعيف؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ يعجبه النّظر إلى الخضرة) - أي: الشجر والزرع الأخضر بقرينة قوله- (والماء الجاري) ؛ أي: كان يحبّ مجرّد النظر إليهما ويلتذّ به؛ فليس إعجابه بهما ليأكل الخضرة، أو يشرب الماء، أو ينال فيهما حظّا سوى نفس الرؤية. قال الغزالي: ففيه أنّ المحبّة قد تكون لذات الشيء؛ لا لأجل قضاء شهوة منه، وقضاء الشهوة لذّة أخرى، والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار، والأطيار المليحة والألوان الحسنة، حتّى أنّ الإنسان ليفرج عنه الهمّ والغمّ بالنظر إليها؛ لا لطلب حظّ وراء النظر. انتهى «مناوي» . (و) روى الطبرانيّ في «الكبير» ، وابن السّنّي، وأبو نعيم: كلاهما في كتاب «الطب النبوي» ؛ عن أبي كبشة الأنماري رضي الله تعالى عنه. وابن السني في «الطب النبوي» ، وابن حبان، وأبو نعيم؛ كلّهم عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

стр. 290

وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الأترجّ. وكان يعجبه النّظر إلى الحمام الأحمر. وأمّا اكتحال رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ إذا اكتحل.. جعل في عين اثنتين ... وأبو نعيم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وهو حديث ضعيف. قالوا: (كان) رسول الله ﷺ يعجبه النّظر إلى الأترجّ) المعروف؛ بضمّ الهمزة وسكون الفوقية وضمّ الراء وشدّ الجيم، - وفي رواية: «الأترنج» بزيادة نون بعد الراء وتخفيف الجيم: لغتان، قال السيوطي: وهو مذكور في التنزيل ممدوح في الحديث؛ منوّه به فيه بالتفضيل، بارد رطب، في الأولى يصلح غذاء ودواء ومشموما ومأكولا، يبرّد عن الكبد حرارته، ويزيد في شهوة الطعام، ويقمع المرّة الصفراء، ويسكّن العطش، وينفع للقوة، ويقطع القيء والإسهال المزمنين. فائدة: في كتاب «المنن» أن الشيخ محمد الحنفي المشهور كان الجنّ يحضرون مجلسه؛ ثم انقطعوا، فسألهم؛ فقالوا: كان عندكم أترجّ. ونحن لا ندخل بيتا فيه أترج. انتهى. (وكان يعجبه النّظر إلى الحمام الأحمر) ذكر ابن قانع في «معجمه» عن بعضهم: أن الحمام الأحمر المراد به في هذا الحديث: التفّاح، وتبعه ابن الأثير؛ فقال: قال أبو موسى: قال هلال بن العلاء: هو التفاح، قال: وهذا التفسير لم أره لغيره؛ قاله المناوي في «كبيره على الجامع الصغير» . وقال الحفني على «الجامع» : الحمام المراد به التفاح، فيكون من باب الاستعارة، ولم يقل أحد من الشرّاح التي بأيدينا أن المراد به الطير المعروف. انتهى كلام الحفني. (وأمّا اكتحال رسول الله ﷺ - أي: استعماله للكحل- (فقد) روى أبو يعلى، والطبراني في «الكبير» بإسناد ضعيف؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا اكتحل جعل في عين) - بالتنوين- (اثنتين) ؛

стр. 291

وواحدة بينهما؛ أي: جعل في كلّ عين مرودين، وواحد يقسم بينهما، فالمجموع وتر، وهو خمسة مراود. وكان ﷺ إذا اكتحل.. اكتحل وترا، وإذا استجمر.. استجمر وترا. وكان له ﷺ مكحلة ... أي: في كلّ عين مرودين (وواحدة بينهما) . قال المناوي: أي: في هذه؛ أو في هذه ليحصل الإيتار المطلوب، انتهى. وقال الشيخ: (أي: جعل في كلّ عين مرودين، وواحد يقسم بينهما) ؛ أي: يكتحل ببعضه في اليمنى وبعضه في اليسرى، (فالمجموع وتر؛ وهو خمسة مراود) ؛ انتهى «عزيزي» . قال المناوي في «كبيره» : وأكمل من ذلك ما ورد عنه أيضا في عدّة أحاديث أصحّ منها: أنّه يكتحل في كلّ عين ثلاثا- كما سيأتي- لكن السنة تحصل بكلّ. انتهى. (و) روى الإمام أحمد في «مسنده» ، والطبرانيّ؛ عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا اكتحل؛ اكتحل وترا) ؛ أي: ثلاثا متوالية في العين اليمنى، وثلاثا متوالية في الشمال، هذا هو الأفضل، وإن كان أصل السّنّة يحصل بكيفيّات أخر في الوتر. (وإذا استجمر) ؛ أي: تبخّر بنحو عود (استجمر وترا) ؛ أي: تبخّر ثلاث مرات، وسمّي التبخّر «استجمارا» !! لأن نحو العود يوضع على الجمر، وما قيل: «إنّ المراد استعمل الحجر في الاستنجاء» !! بعيد عن السياق؛ وإن كان صحيحا؛ قاله الحفني كالمناوي والعزيزي. (و) روى الترمذيّ، وابن ماجه؛ كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (كان له ﷺ مكحلة) - بضمّ أوّله وثالثه، وقياسها الكسر لأنّها اسم آلة، فهي من النوادر التي جاءت بالضمّ- والمراد منها: ما فيه الكحل؛ وهي معروفة، والمكحل كمفتح، والمكحال كمفتاح هو: الميل.

стр. 292

يكتحل منها كلّ ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه. (يكتحل منها) بالإثمد (كلّ ليلة) - بالنصب- أي: في كلّ ليلة قبل أن ينام، وإنّما كان ليلا!! لأنّه أبقى للعين وأمكن في السراية إلى طبقاتها، لأنّه يلتقي عليه الجفنان. (ثلاثة) متوالية (في هذه) ؛ أي: اليمنى، (وثلاثة) كذلك (في هذه) ؛ أي: اليسرى. وحكمة التثليث: توسّطه بين الإقلال والإكثار. ويسنّ فيه التيامن، لأنّه ﷺ كان يحبّ التيمّن في شأنه كلّه؛ قال الزين العراقي: وهل تحصل سنّيّة التيمّن باكتحاله مرّة في اليمنى ومرّة في اليسرى؛ ثم يفعل ذلك ثانيا وثالثا، أو لا يحصل إلّا بتقديم المرّات الثلاث في الأولى؟! الظاهر الثاني؛ قياسا على العضوين المتماثلين في الوضوء كاليدين، ويحتمل حصولها بذلك قياسا على المضمضة والاستنشاق في بعض صوره المعروفة في الجمع والتفريق. وما ذكر في هذه الرواية من «أنه ﷺ كان يكتحل كلّ ليلة ثلاثا» !! يخاف: ١- ما رواه الطبراني في «الكبير» ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنها: «كان رسول الله ﷺ إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة مراود، وفي الأخرى مرودين؛ يجعل ذلك وترا» ، و ٢- ما رواه ابن عديّ في «الكامل» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه: «أن النبي ﷺ كان يكتحل في اليمنى ثنتين، وفي اليسرى ثنتين؛ وواحدة بينهما» !! ومن ثمّ قيل- في خبر «من اكتحل فليوتر» المرويّ في أبي داود-: فيه قولان: أحدهما؛ كون الإيتار في كلّ واحدة من العينين. الثاني: كونه في مجموعهما، قال الحافظ ابن حجر: والأرجح الأوّل؛ قال ابن سيرين: وأنا أحبّ أن يكون في هذه ثلاثا؛ وفي هذه ثلاثا، وواحدة بينهما ليحصل الإيتار في كلّ منهما، وفي مجموعهما، وبهذا صارت الأقوال في الإيتار ثلاثة. وقد ذكر بعضهم أنه ﷺ كان يفتتح في الاكتحال باليمنى، ويختم بها تفضيلا لها، وظاهره أنه كان يكتحل في اليمنى ثنتين وفي اليسرى كذلك، ثم يأتي بالثالثة

стр. 293

وكان ﷺ لا يفارقه في الحضر، ولا في السّفر خمس: المرآة، والمكحلة، والمشط، ... في اليمنى ليختم بها ويفضّلها على اليسرى بواحدة. ويمكن الجمع بين هذه الروايات باختلاف الأوقات ففعل كلا في وقت. ثم اعلم أنّ الاكتحال عندنا- معاشر الشافعية- سنّة، للأحاديث الواردة فيه. قال ابن العربي: الكحل يشتمل على منفعتين: إحداهما: الزينة، فإذا استعمل بنيّتها فهو مستثنى من التصنّع المنهيّ عنه الذي يلبّس الصنعة بالخلقة؛ كالوصل والوشم والتفلّج والتنمّص؛ رحمة من الله لخلقه، ورخصة منه لعباده. والثانية: التطبّب، فإذا استعمل بنيّته؛ فهو يقوّي البصر وينبت الشعر الذي يجمع النور للإدراك، ويصدّ الأشعة الغالبة له. ثم إن كحل الزينة لا حدّ له شرعا، وإنما هو بقدر الحاجة في بدوّه وخفائه. وأما كحل المنفعة! فقد وقّته صاحب الشرع كلّ ليلة كما تقرّر. وفائدته: أنّ الكحل عند النوم يلتقي عليه الجفنان، ويسكّن حرارة العين، ويتمكّن الكحل من السراية في تجاويف العين، ويظهر تأثيره في المقصود من الانتفاع. انتهى ملخصا من «الباجوري، والمناوي» . (و) روى العقيلي في «الضعفاء» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وابن طاهر في كتاب «صفوة التصوف» ؛ من حديث أبي سعيد، والخرائطيّ؛ من حديث أم سعد الأنصارية، وطرقه كلّها ضعيفة- كما قاله المناوي في «كبيره» - قالوا: (كان) رسول الله ﷺ لا يفارقه في الحضر؛ ولا في السّفر خمس) - من الآلات-: (المرآة) - بكسر الميم والمدّ-، (والمكحلة) - بالميم والحاء المضمومتين: وعاء الكحل-، (والمشط) - الذي يمتشط؛ أي: يسرّح به، وهو

стр. 294

والسّواك، والمدرى. و (المدرى) : شيء يعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المشط وأطول منه، يسرّح به الشّعر المتلبّد، ويستعمله من لا مشط له. وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد، ... بضم الميم عند الأكثر، وتميم تكسرها؛ قال في «المصباح» : وهو القياس. قيل: وكان من عاج- (والسّواك، والمدرى) - بكسر الميم وبالدال المهملة بدون همزة- قال في «النهاية» : شيء يعمل من حديد؛ أو خشب على شكل سنّ من أسنان المشط، وأطول منه يسرّح به الشعر المتلبّد، ويستعمله من لا مشط له. انتهى. وفي ضمنه إشعار بأنه كان يتعهّد نفسه بالترجيل وغيره مما ذلك آلة له، وذلك من سننه المؤكّدة، لكنه لا يفعل ذلك كلّ يوم، بل نهى عنه، ولا يلزم من كون المشط لا يفارقه أن يمتشط كلّ يوم؛ فكان يستصحبه معه في السفر ليمتشط به عند الحاجة؛ ذكره الوليّ العراقي. انتهى من المناوي في «كبيره» . قال المصنّف: (والمدرى) - بكسر الميم-: (شيء يعمل من حديد أو خشب) ؛ وهو الغالب (على شكل سنّ من أسنان المشط) - بضم الميم- (وأطول منه) - يقارب طول آلة الخرز- (يسرّح به الشّعر المتلبّد) بعضه فوق بعض، (ويستعمله من لّا مشط له) لتفكيك الشعر المجتمع المتماسك. (و) روى الإمام أحمد؛ عن أبي النعمان الأنصاري رضي الله تعالى عنه بسند حسن، والترمذي في «الشمائل» ؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد) - بكسر همزته وميمه بينهما مثلثة ساكنة-: حجر الكحل المعدني المعروف؛ يجيء من المشرق، أي: دوموا على استعماله.

стр. 295

فإنّه يجلو البصر، وينبت الشّعر» . وفي رواية الإمام أحمد: «اكتحلوا بالإثمد المروّح» - أي: المطيّب- (فإنّه يجلو البصر) ؛ أي: يقوّيه ويحسّن العين، ويدفع الموادّ الرديئة المنحدرة إليها من الرأس، لا سيما إذا أضيف إليه قليل مسك. (وينبت الشّعر» ) - بفتح العين- هنا لأجل الازدواج، ولأنّه الرواية، أي: يقوي طبقات شعر العينين التي هي الأهداب- جمع هدب-، وإنبات شعرها مرمّة للعين، لأن الأشعار ستر للناظر، ولولاها لم يقو الناظر على النظر، فإنّما يعمل ناظر العين من تحت الشعر، فالكحل ينبته وهو مرمّته، وهذا من أدلّة الشافعية على سنّ الاكتحال. واعتراض العصام عليهم ب «أنه؛ إنّما أمر به لمصلحة البدن، بدليل تعقيب الأمر بقوله: فإنّه ... إلى آخره، والأمر بشيء ينفع البدن لا يثبت سنّيّته» !! ليس في محلّه، لأنّ المتبادر من الخبر أنّ الأمر بمطلق الاكتحال شرعيّ، وبخصوص الإثمد من بين سائر الأكحال إرشاديّ يتفاوت بتفاوت الأشخاص، ومن ثمّ قالوا: الاكتحال مندوب، وبخصوص الإثمد أولى. وهذا على التنزّل، وإلّا!! فقد ثبت في عدّة أخبار أنّه كان يكتحل بالإثمد، فروى البيهقيّ؛ من حديث أبي رافع أنّ النبي ﷺ كان يكتحل بالإثمد. وفي سنده مقال. ولأبي الشيخ في كتاب «أخلاق النبي ﷺ » بسند ضعيف؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ إثمد يكتحل به عند منامه؛ في كلّ عين ثلاثا. انتهى. والأصل في أفعاله ﷺ أنّها للقربة والتشريع ما لم يدلّ دليل على خلافه. قال المحقق أبو زرعة: مذهب الشافعي أن الفعل المجرّد يدلّ على الندب، بل قال جمع من أصحابه: يدلّ على الوجوب. انتهى. قال ابن محمود شارح «سنن أبي داود» : وتحصل سنيّة الاكتحال بتولّيه بنفسه، وبفعل غيره بأمره. وينشأ عنه جواز الوكالة في العبادة. انتهى.

стр. 296

قال الباجوريّ: المخاطب بذلك الأصحّاء، أمّا العين المريضة فقد يضرّها الإثمد؛ وهو: حجر الكحل المعدنيّ المعروف، ومعدنه بالمشرق، وهو أسود يضرب إلى حمرة. وأقول: القياس الحصول؛ ولو بلا أمر، حيث قارنت نيّته فعل غيره، كما لو وضّأه غيره بغير إذنه وأولى. انتهى «مناوي وباجوري» . (قال) العلّامة شيخ الإسلام إبراهيم (الباجوريّ) رحمه الله تعالى في «حاشيته على شرح الشمائل الترمذية» ؛ تبعا للمناوي عند قوله: «اكتحلوا بالإثمد» : (المخاطب بذلك الأصحّاء) ؛ أي: أصحاب العيون الصحيحة، أي: السليمة من الرّمد ونحوه. (أمّا العين المريضة! فقد) يكون غير الإثمد خيرا لها، بل ربما (يضرّها الإثمد) . ثم رأيت العسقلاني قال: خيريّته باعتبار حفظه صحّة العين؛ لا في أمراضها، إذ الاكتحال به لا يوافق الرّمد. (وهو) أي: الإثمد- بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة وكسر الميم بعدها دال مهملة-: (حجر الكحل المعدنيّ المعروف) ، قال في «المصباح» ك «التهذيب» : ويقال إنّه معرّب. (ومعدنه بالمشرق، وهو أسود يضرب إلى حمرة) . وقال الحفني؛ على «الجامع الصغير» : الإثمد هو الحجر الأسود من أيّ مكان كان، وقيل: خصوص الحجر الذي يجيء من «أصبهان» ، وتسمية غيره له بالإثمد!! لشبهه به في السواد، لكن المشهور الأوّل، وهو الذي يجيء من المشرق، وإنّما ينفع البصر إذا كان سليما، أو مريضا؛ وأخبر الطبيب العارف بنفعه لذلك المرض، فينبغي له إذا ضعف بصره أن يسأل الطبيب عمّا ينفعه، ولا يضع شيئا بلا سؤال. انتهى كلامه. وفي «شرح القاموس» : الإثمد- بالكسر- حجر الكحل، وهو أسود إلى حمرة، ومعدنه بأصبهان، وهو أجوده، وبالمغرب وهو أصلب. وقال السّيرافي:

стр. 297

وقال بعد قوله (يجلو البصر) : وهذا إذا اكتحل به من اعتاده، فإن اكتحل به من لم يعتده.. رمدت عينه. الإثمد شبيه بحجر الكحل. انتهى كلام «شرح القاموس» . (وقال) ؛ أي: الباجوري (بعد قوله «يجلو البصر) وينبت الشّعر» ؛ أي: يقوّي البصر، ويقوي طبقات شعر العينين التي هي الأهداب. (وهذا إذا اكتحل به من اعتاده، فإن اكتحل به من لّم يعتده! رمدت عينه) ؛ أي: أصابها الرمد.

стр. 298

[الفصل الثّالث في صفة شعره ﷺ ، وشيبه، وخضابه، وما يتعلق بذلك] الفصل الثّالث في صفة شعره ﷺ ، وشيبه، وخضابه، (الفصل الثّالث) ؛ من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة شعره ﷺ ؛ أي: مقداره طولا وكثرة وغير ذلك، والشّعر- بسكون العين وفتحها-: الواحدة منه شعرة-؛ بسكون العين، وقد تفتح. واعلم أنّ الشعر حيث جاء بدون تاء؛ فهو بفتح العين وتسكّن، وإذا جاء بالتاء فهو بسكونها وتفتح؛ قاله في «جمع الوسائل» . وقال ابن العربي: والشّعر في الرأس زينة، وتركه سنّة، وحلقه بدعة؛ قال بعض شرّاح «المصابيح» : لم يحلق النبي ﷺ رأسه في سنيّ الهجرة إلّا في عام الحديبية، وعمرة القضاء، وحجّة الوداع، فليعتبر الطول والقصر منه بالمسافات الواقعة منه في تلك الأزمنة، وأقصرها ما كان بعد حجة الوداع، فإنّه توفّي بعدها بنحو ثلاثة أشهر، ولم يقصّر شعره إلّا مرة واحدة؛ كما في «الصحيحين» ، انتهى «مناوي وباجوري» . (و) في بيان ما ورد في (شيبه) ﷺ من الأخبار. والشّيب: ابيضاض الشعر المسودّ؛ كما في «المصباح» ، ويؤخذ من «القاموس» : أنه يطلق على بياض الشعر وعلى الشعر الأبيض. (و) في بيان ما ورد في (خضابه) ﷺ من الأخبار، والخضاب؛ كالخضب مصدر بمعنى: تلوين الشعر بالحناء ونحوه، وهو عندنا- معاشر الشافعية- بغير السواد سنّة، وبالسواد حرام. يدلّ لنا:

стр. 299

وما يتعلّق بذلك كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر حسنه، ليس.. ١- ما في «الصحيحين» : لمّا جيء بأبي قحافة يوم الفتح للنبي ﷺ ؛ ولحيته ورأسه كالثّغامة بياضا؛ فقال: «غيّروا هذا بشيء واجتنبوا السّواد» . و٢- ما في «الصحيحين» أيضا؛ عن ابن عمر أنّه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة. زاد ابن سعد وغيره؛ عن ابن عمر أنه قال: فأنا أحبّ أن أصبغ بها. و٣- ما رواه أحمد، وابن ماجه؛ عن ابن وهب قال: دخلنا على أمّ سلمة فأخرجت إلينا من شعر النبي ﷺ ، فإذا هو مخضوب بالحنّاء والكتم. وعن أبي جعفر قال: شمط «١» عارضا رسول الله ﷺ فخضب بحنّاء وكتم. وعن عبد الرحمن الثمالي قال: كان رسول ﷺ يغيّر لحيته بماء السّدر، ويأمر بتغيير الشعر؛ مخالفة للأعاجم. وفي حديث أبي ذر: «إنّ أحسن ما غيّرتم به الشّيب الحنّاء والكتم» أخرجه الأربعة. وعن أنس رضي الله تعالى عنه: دخل رجل على النبي ﷺ وهو أبيض الرأس واللحية، فقال: «ألست مؤمنا» ؟! قال: بلى!. قال: «فاختضب» . لكن قيل: إنه حديث منكر. ولا يعارض ذلك ما ورد: أنّه ﷺ لم يغيّر شيبه، لتأويله جمعا بين الأخبار- بأنه ﷺ صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى، وهذا التأويل كالمتعيّن؛ كما قاله ابن حجر، انتهى؛ من الباجوري رحمه الله تعالى. (وما يتعلّق بذلك) من الترجيل والادّهان والتقنّع ونحوها!! قال العلّامة حجّة الإسلام الغزاليّ في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ رجل) بسكون الجيم وكسرها- (الشّعر) - بفتح العين- أي: مسترسله (حسنه؛ ليس

стр. 300

بالسّبط ولا الجعد القطط، وكان إذا مشطه بالمشط.. يأتي كأنّه حبك الرّمل، وربّما جعله غدائر أربعا؛ يخرج كلّ أذن من بين غديرتين، ... بالسّبط) - بسكون الباء وكسرها-، (ولا الجعد القطط) - بفتحتين كجسد؛ على الأشهر، ويجوز كسر الطاء المهملة الأولى، - أي: شعره ﷺ ليس بنهاية في الجعودة؛ وهو: تكسّره الشديد؛ كشعر الحبش والزنوج، ولا بنهاية في السبوطة؛ وهو عدم تكسّره أصلا كشعر الهنود والجاوة، بل كان وسطا بينهما، و «خير الأمور أوساطها» . قال الزّمخشري: الغالب على العرب جعودة الشعر، وعلى العجم سبوطته. وقد أحسن الله تعالى برسوله الشمائل، وجمع فيه ما تفرّق في الطوائف من الفضائل. رواه البخاريّ، ومسلم، والبيهقي في «الدلائل» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه. (وكان إذا مشطه بالمشط) - بضم الميم- أي: سرّحه به (يأتي كأنّه حبك) بضم الحاء المهملة والباء الموحدة- وهي: طرائق (الرّمل) . وهذا يؤيّد من فسّر الرّجل بالمتكسّر قليلا، ولا ينافي ذلك ما تقدّم من الروايات، لأنّ الرّجولة أمر نسبيّ، فحيث أثبتت أريد بها الوسط بين السبوطة والجعودة، وحيث نفيت أريد بها السّبوطة؛ انتهى «شرح الإحياء» مع زيادة. (وربّما جعله غدائر أربعا؛ يخرج كلّ أذن من بين غديرتين) . قال العراقيّ: روى أبو داود، والترمذي وحسّنه، وابن ماجه؛ من حديث أمّ هانىء: قدم مكّة؛ وله أربع غدائر. انتهى. قلت: ورواه البيهقي في «الدلائل» ؛ من طريق سفيان؛ عن ابن أبي نجيح؛ عن مجاهد قال: قالت أم هانىء: قدم رسول الله ﷺ مكّة قدمة؛ وله أربع غدائر.

стр. 301

وربّما جعل شعره على أذنيه؛ فتبدو سوالفه تتلألأ. ومعنى (الغدائر) : الذّوائب، واحدتها غديرة. و (الحبك) - جمع حباك- ككتاب، وهي: الطّريقة في الرّمل ونحوه. وكان شعر رسول الله ﷺ دون الجمّة، وفوق الوفرة. تعني: ضفائر، والغديرة والضفيرة: هي الذؤابة. ولفظ الترمذي في «الشمائل» . قدم مكة قدمة؛ وشعره إلى أنصاف أذنيه، وله أربع غدائر. والظاهر أنها عنت قدومه مكّة عام الفتح، لأنه حينئذ اغتسل وصلّى الضحى في بيتها، وقدماته إلى مكة أربع متّفق عليها: ١- في عمرة القضاء، و ٢- الفتح، و ٣- لما رجع من حنين؛ دخلها حين اعتماره من الجعرانة، و ٤- في حجّة الوداع. (وربّما جعل شعره على أذنيه فتبدو سوالفه) ؛ جمع سالفة؛ وهي: صفحة العنق (تتلألأ) ؛ أي: تضيء وتتنوّر من وبيص الطّيب. (ومعنى الغدائر) - بفتح الغين المعجمة والدال المهملة-: (الذّوائب) ؛ جمع ذؤابة؛ وهي الخصلة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملويّة فعقيصة، والغدائر: (واحدتها غديرة) ، وكلّ من الغديرة والضفيرة بمعنى الذؤابة، ويقال: الغديرة: هي الذؤابة، والضفيرة: هي العقيصة. (والحبك) - بضمتين- (جمع) : حبيكة؛ كطريقة وطرق، أو جمع (حباك ككتاب) وكتب، ومثال ومثل؛ (وهي: الطّريقة في الرّمل ونحوه) ، ومنه قوله تعالى (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ) (٧) [الذاريات] أي: صاحبة الطرق في الخلقة كالطرق في الرمل. (و) روى أبو داود في «سننه» ، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان شعر رسول الله ﷺ دون الجمّة) - بضم الجيم وتشديد الميم- (وفوق الوفرة) - بفتح الواو وسكون الفاء- ورواه الترمذي في «جامعه» و «شمائله» بلفظ: فوق الجمّة ودون الوفرة.

стр. 302

......... قال الحافظ العراقي في «شرح الترمذي» : ورواية أبي داود وابن ماجه هي الموافقة لكلام أهل اللغة، إلا أن تؤوّل رواية الترمذي. وذلك أنّه قد يراد بقوله «دون» النسبة إلى القلّة والكثرة، وقد يراد به النسبة إلى محلّ وصول الشعر، ورواية الترمذي محمولة على هذا التأويل: أي: أنّ شعره كان فوق الجمّة، أي: أرفع في المحلّ، فعلى هذا يكون شعره لمّة؛ وهو بين الوفرة والجمّة. وتكون رواية أبي داود وابن ماجه معناها: كان شعره فوق الوفرة؛ أي: أكبر من الوفرة، ودون الجمّة؛ أي في الكثرة، وعلى هذا فلا تعارض بين الروايتين، فروى كلّ راو ما فهمه من الفوق والدون. قال تلميذه الحافظ ابن حجر: وهو جمع جيّد؛ لولا أنّ مخرج الحديث متّحد!! وأجاب القسطلّاني: بأن إحدى الروايتين نقل بالمعنى، ولا يضرّه اتّحاد المخرج، لاحتمال أنّه وقع ممن دونه. انتهى. ونحوه قول بعضهم: مآل الروايتين على هذا التقدير متّحد معنى، والتفاوت بينهما إنما هو في العبارة، ولا يقدح فيه اتّحاد المخرج؛ وهو عائشة، لأن من دونها أدّى معنى إحدى العبارتين. هذا؛ وقد يستعمل أحد اللفظين المتقاربين مكان الآخر كما سبق في «أفلج الثنيتين» ، حيث قالوا: الفلج يستعمل مكان الفرق؛ فكذا يقال بمثله هنا. انتهى. قال الحافظ العراقيّ: ورد في شعره ﷺ ثلاثة أوصاف: جمّة، ووفرة، ولمّة، فالوفرة: ما بلغ شحمة الأذن، واللّمة: ما نزل عن شحمة الأذن، والجمة: ما نزل عن ذلك إلى المنكبين؛ هذا قول جمهور أهل اللغة، وهو الذي ذكره صاحب «المحكم» و «النهاية» و «المشارق» وغيرهم. واختلف فيه كلام الجوهري؛ فذكره على الصواب في مادة «لمم» ، فقال: واللّمة- بالكسر-: الشعر المتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جمّة، وخالف في ذلك في مادة «وفر» فقال: والوفرة إلى شحمة الأذن ثم الجمّة، ثم

стр. 303

وكان شعره ﷺ يضرب إلى منكبيه، وكثيرا ما يكون إلى شحمة أذنيه. وكان رسول الله ﷺ حسن الجسم، ... اللّمة التي ألمّت بالمنكبين، وما قاله في «باب الميم» هو الصواب الموافق لقول غيره من أهل اللغة، انتهى «زرقاني» . (و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني: (كان شعره ﷺ يضرب إلى منكبيه) - مثنى منكب كمجلس؛ وهو: مجتمع رأس العضد والكتف، أي: يصل إليهما. كنّى بالضرب عن الوصول. روى الشيخان؛ من حديث أنس: كان شعره يضرب منكبيه، وللبخاري أيضا: كان يضرب رأس النبي ﷺ منكبيه. (وكثيرا ما يكون إلى شحمة أذنيه) ؛ وهي: ما لان في أسفلها؛ وهي معلّق القرط. روى الشيخان؛ من حديث البراء: يبلغ شعره شحمة أذنيه. وروى البيهقيّ في «الدلائل» ؛ عن أنس: كان شعر رسول الله ﷺ إلى شحمة أذنيه. وروى مسلم؛ عن أنس: كان شعره إلى أنصاف أذنيه. ولفظ الترمذي في «الشمائل» : عظيم الجمّة إلى شحمة أذنيه؛ أي: تكاثفها ينتهي إلى شحمة أذنيه. وفي «الصحيحين» ؛ عن أنس: أنّه كان بين أذنيه وعاتقه. وفي أخرى عند الترمذي وغيره: فوق الجمّة؛ ودون الوفرة. وفي رواية: إن انفرقت عقيقته فرق، وإلّا! فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه. إذا هو وفره. وفي أخرى: كان إلى أذنيه. وفي أخرى: إلى كتفيه. والجمع بين هذه الروايات: أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمتها، وما خلفها هو الذي يضرب منكبيه. أو بأنّ ذلك لاختلاف الأوقات، فكان إذا ترك تقصيرها بلغ المنكب، وإذا قصّرها كانت إلى الأذن؛ أو شحمتها؛ أو نصفها، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك. انتهى «شرح الإحياء» . (و) قال النووي في «التهذيب» : (كان رسول الله ﷺ حسن الجسم) ؛ أي: معتدل الخلق متناسب الأعضاء. رواه الترمذي في «الشمائل» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، والبيهقي في «الدلائل» ؛ عن رجل من الصحابة- وقد تقدّم-.

стр. 304

بعيد ما بين المنكبين، له شعر إلى منكبيه، وفي وقت إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى نصف أذنيه. وكان ﷺ يسدل شعره، ... (بعيد ما بين المنكبين) - روي بالتكبير والتصغير-، و «ما» موصولة؛ أو موصوفة؛ لا زائدة- كما زعمه بعضهم- والمنكبان؛ تثنية منكب: وهو مجمع العضد والكتف، والمراد بكونه «بعيد ما بين المنكبين» : أنّه عريض أعلى الظهر. ويلزمه أنّه عريض الصدر، وقد تقدّم أنّه رواه الترمذي في «الشمائل» ؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما. (له شعر إلى منكبيه، وفي وقت إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى نصف أذنيه) . انتهى كلام «التهذيب» ، وهو يشير إلى الجمع بين الروايات في صفة شعره ﷺ ، وقد تقدّم قريبا أنّ ذلك لاختلاف الأوقات. والله أعلم. (و) روى البخاريّ في «صحيحه» ، والترمذي في «الشمائل» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ يسدل) - بفتح أوله وسكون السين المهملة وكسر الدال المهملة، ويجوز ضمّ الدال؛ قاله الحافظ وغيره، وبالضمّ ضبطه الدمياطي في «حاشية الصحيح» ، والمنذري في «حاشية السنن» . فاستفدنا أنّ الرواية بالوجهين؛ قاله الزرقاني- (شعره) ؛ أي: يترك شعر ناصيته على جبهته، لما في رواية للشيخين: سدل النبي ﷺ ناصيته. ولذلك قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: المراد إرساله على الجبين واتخاذه كالقصّة، أي: بضم القاف، وإلّا! فالسدل لغة لا يخصّ الناصية، بل هو إرخاء الشعر حول الرأس من غير أن يقسمه نصفين، يقال: سدلت الثوب سدلا: أرخيته وأرسلته من غير ضمّ جانبيه، فإن ضممتهما؛ فهو قريب من التلفيف، قالوا: ولا يقال فيه: أسدلته- بالألف-.

стр. 305

وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، (وكان المشركون) ؛ أي: كفّار مكّة (يفرقون) - بضم الراء وكسرها، روي مخفّفا وهو الأشهر، ومشددا من باب التفعيل- (رءوسهم) ؛ أي: شعر رءوسهم، والفرق- بفتح فسكون-: قسم الشعر نصفين؛ وإرسال نصف من جانب اليمين على الصدر، وإرسال نصف من جانب اليسار على الصدر، وهو ضدّ السّدل الذي هو: مطلق الإرسال من سائر الجوانب. (وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم) ؛ أي: شعرها؛ وفي رواية: أشعارهم، (وكان يحبّ موافقة أهل الكتاب) اليهود حين كان عبدة الأوثان كثيرين، (فيما لم يؤمر فيه بشيء) ؛ أي: فيما لم يؤمر فيه وحي، أو فيما لم يطلب منه على جهة الوجوب، أو الندب، أو فيما لم يؤمر فيه بالمخالفة لهم، يعني فيما لم يخالف شرعه؛ إيجابا أو ندبا، فقصر الأمر هنا على حقيقته؛ وهو الوجوب تقصير، وإنما أحبّ موافقتهم! لتمسّكهم في زمانه ببقايا شرائع الرسل، والمشركون وثنيون؛ لا مستند لهم إلّا ما وجدوا عليه آباءهم. قال الحافظ ابن حجر: فكانت موافقتهم أحبّ إليه من موافقة عبّاد الأوثان، فلما أسلم غالبهم أحبّ حينئذ مخالفة أهل الكتاب. انتهى. وقال النووي وغيره: أو كان لاستئلافهم كما تألّفهم باستقبال قبلتهم، وتوقّف فيه بأن المشركين أولى بالتأليف، وردّ بأنه قد حرص أوّلا على تألّفهم؛ ولم يأل جهدا في ذلك، وكلما زاد زادوا نفورا، فأحبّ تأليف أهل الكتاب ليجعلهم عونا على قتال الآبين من عبدة الأوثان. وقال القرطبي: حبّه لموافقتهم كان أوّلا في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم؛ ليتألّفهم حتى يصغوا إلى ما جاء به، فلما لم ينفع فيهم ذلك وغلبت عليهم الشّقوة أمر بمخالفتهم في أمور كثيرة، لقوله: «إنّ اليهود والنّصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم» . انتهى «زرقاني» .

стр. 306

ثمّ فرق رسول الله ﷺ رأسه. (ثمّ فرق) - بفتح الفاء والراء مخففا ومشددا- (رسول الله ﷺ رأسه) ؛ أي: ألقى شعره إلى جانبي رأسه، فلم يترك منه شيئا على جبهته. وحكمة عدوله عن موافقة أهل الكتاب: أن الفرق أنظف وأبعد عن الإسراف في غسله، وعن مشابهة النساء. قال العلماء: والفرق سنّة، لأنه الذي رجع إليه ﷺ ، والصحيح جواز السّدل والفرق معا، لكن الفرق أفضل فقط، لأنه الذي رجع إليه ﷺ ، فكأنّه ظهر الشرع به؛ لكن لا وجوبا، لأن من الصّحب من سدل بعد ذلك، فلو كان الفرق واجبا ما سدلوا بعد، ولهذا قال في «المطامح» : الحديث يدلّ على جواز الأمرين، والأمر فيه واسع. وقال القاضي عياض: نسخ السّدل فلا يجوز فعله، ولا اتخاذ الناصية والجمّة، قال: ويحتمل أن المراد جواز الفرق؛ لا وجوبه، ويحتمل أن الفرق كان اجتهادا في مخالفة أهل الكتاب؛ لا بوحي، فيكون الفرق مستحبا. انتهى. والقول بالنسخ ردّه ابن حجر، وقال القرطبي: أمّا توهّم النسخ!! فلا يلتفت إليه أصلا، لإمكان الجمع، لكن العسقلاني قال: جزم الحازمي أن السدل نسخ بالفرق، واستدلّ برواية معمر؛ عن الزهري، عن عبد الله بلفظ: ثم أمر بالفرق، وكان الفرق آخر الأمرين؛ أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» ، وهو ظاهر. والله أعلم. قال ابن حجر: والذي يتّجه أنّ محل جواز السدل حيث لم يقصد به التشبّه بالنساء، وإلّا!! حرم من غير نزاع. انتهى. هذا؛ والحديث الذي ساقه المصنّف رواه الترمذي في «الشمائل» - كما تقدّم-. وفي «صحيح البخاري» في الصفة النبوية وفي «اللباس» نحوه، وفي «صحيح مسلم» نحوه، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .

стр. 307

ومعنى (سدل الشّعر) : إرساله. وكان رسول الله ﷺ حسن السّبلة. ومعنى (السّبلة) : مقدّم اللّحية، وما انحدر منها على الصّدر. وكان رسول الله ﷺ كثّ اللّحية، ... قال المصنف: (ومعنى سدل الشّعر) - فيما قاله العلماء-: (إرساله) على الجبين واتّخاذه كالقصة- أي: بضمّ القاف بعدها مهملة- انتهى، وهو المراد هنا. وقيل: سدل الشعر: أن يرسله ولا يضمّ جوانبه. وقيل: السّدل: أن يرسل الشخص شعره من ورائه؛ ولا يجعله فرقتين. انتهى «جمع الوسائل» . (و) روى الطبراني في «الكبير» ؛ عن العدّاء- بفتح العين المهملة وتشديد الدال المهملة والمد- ابن خالد بن هودة العامري، أسلم يوم حنين هو وأبوه جميعا رضي الله تعالى عنهما؛ قال: (كان رسول الله ﷺ حسن السبلة) - بالتحريك-: ما أسبل من مقدّم اللحية؛ ذكره الزمخشري. قال المصنف- تبعا للعزيزي-: (ومعنى السّبلة) - بالتحريك-: (مقدّم اللّحية، وما انحدر منها على الصّدر) ؛ وهو الشّعرات التي تحت اللّحي الأسفل؛ أو الشارب، وقال الحفني: ما أسبل من مقدّم اللحية الذي تحت العنفقة وفوقه العارضان، انتهى. (و) قال الغزالي في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ كثّ اللّحية) ؛ أي: كثير شعر اللحية ملتفّها. رواه البيهقي؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. ورواه من طريق محمد بن علي بن أبي طالب؛ عن أبيه، ورواه من طريق نافع بن جبير؛ عنه: كان ضخم الهامة عظيم اللّحية، وفي لفظ: ضخم الرأس واللحية، ومن حديث أبي هريرة: كان أسود اللحية حسن الشعر، ومن طريق أبي ضمضم؛ عن رجل من الصحابة لم يسمّ: كان رجلا مربوعا حسن السبلة؛ قال: كانت اللحية تدعى في أول الإسلام سبلة، ورواه الطبراني في «الكبير»

стр. 308

وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه. وسماه العدّاء بن خالد. انتهى شرح «الإحياء» . وقد سبقت رواية العدّاء آنفا. (وكان يعفي لحيته) ؛ أي: يوفّرها، وسيأتي أنّه كان يأخذ من عرضها وطولها. (ويأخذ من شاربه) ؛ أي: يقصّه، في أيّ وقت احتاج إليه من غير تقييد بيوم، كما أفاده الحديث الذي رواه الترمذي وحسّنه؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان النبي ﷺ يقصّ شاربه، وحديث التقييد بالجمعة ضعيف. وكان ﷺ يأمر بإعفاء اللحية وقصّ الشارب. روى البيهقي في «السنن» ، وابن عدي؛ من حديث عمرو بن شعيب؛ عن أبيه؛ عن جدّه: «أحفوا الشّوارب وأعفوا اللّحى» . ورواه أيضا الطحاوي؛ من حديث أنس بزيادة: ولا تشبّهوا باليهود» . وروى الترمذي- وقال: حسن صحيح-، والنسائي، والإمام أحمد؛ من حديث زيد بن أرقم قال: قال النبي ﷺ : «من لم يأخذ من شاربه فليس منّا» ؛ أي: ليس على طريقتنا الإسلامية، لندب ذلك مؤكّدا؛ فتاركه متهاون بالسنة، هذا مذهب الجمهور.. وأخذ جمع بظاهره فأوجبوا قصّه. وروى الإمام أحمد؛ عن رجل من الصحابة رفعه: «من لم يحلق عانته ويقلّم أظفاره ويجزّ شاربه فليس منّا» وحسّنه بعض الحفاظ لشواهده. وفي «الصحيحين» ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حديث: «خالفوا المشركين، وفّروا اللّحى وأحفوا الشّوارب» . ومعنى «وفّروا» - بتشديد الفاء-: اتركوها وافرة لتكثر وتغزر، ولا تتعرّضوا لها. وأحفوا قال النووي: بقطع الهمزة ووصلها؛ من أحفاه وحفاه: استأصله، وقال الزركشي: بألف قطع رباعي؛ أشهر وأكثر، وهو المبالغة في استقصائه، ومنه «أحفى في المسألة» إذا أكثر، وقال القاضي عياض: من «الإحفاء» ، وأصله الاستقصاء في أخذ الشارب، وفي معناه رواية: «أنهكوا الشّوارب» والمراد: بالغوا في قصّ ما طال منها حتّى تبين الشّفة بيانا ظاهرا استحبابا. وقيل: وجوبا.

стр. 309

......... وقد اختلف في قصّ الشارب وحلقه أيّهما أفضل!؟ فقال القاضي عياض: ذهب كثير من السلف إلى استيعاب الشارب، وحلقه لظاهر قوله ﷺ : «أحفوا وأنهكوا» وهو قول الكوفيين. وذهب كثير منهم إلى منع الحلق، ومنهم الإمام مالك، قال: ويحفي الشارب ويعفي اللحى، وليس إحفاء الشارب حلقه؛ أي: بل أخذ ما طال عن الشفة بقصّ ونحوه، بحيث لا يؤذي الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ. قال القرطبي: وأرى تأديب من حلق شاربه؛ لما فيه من التشبّه بالمجوس. وعن أشهب؛ عن مالك: أنّ حلقه بدعة لذلك. قال: وأرى أن يوجع ضربا من فعله. وقال النووي: المختار في قصّ الشارب أنّه يقصّه حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفّه من أصله. وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا، وكان المزنيّ والربيع يحفيان شاربهما، قال: وما أظنّهم أخذوا ذلك إلّا عنه. وأما أبو حنيفة وأصحابه! فمذهبهم في شعر الرأس والشارب: أنّ الإحفاء الذي هو الإزالة بالكلية- أفضل من التقصير. وأما أحمد!! فقال الأثرم: رأيته يحفي شاربه شديدا، ونصّ على أنّه أولى من القصّ. قال في «فتح الباري» : وذهب ابن جرير إلى التخيير، فإنّه لمّا حكى قول مالك وقول الكوفيين؛ ونقل عن أهل اللغة أنّ الإحفاء هو الاستئصال؛ قال: دلّت السنة على الأمرين، ولا تعارض، فالقصّ يدلّ على أخذ البعض، والإحفاء يدلّ على أخذ الكلّ، فكلاهما ثابت؛ فيخير فيما شاء. قال الحافظ ابن حجر: فيؤخذ من قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث. فأما الاقتصار على القصّ! ففي حديث المغيرة: ضفت النبي ﷺ وكان شاربي وفير فقصّه على سواك. رواه أبو داود والبيهقي بلفظ: فوضع السّواك تحت الشارب

стр. 310

......... وقصّ عليه. وأخرج البزار؛ عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أبصر رجلا وشاربه طويل؛ فقال: «ائتوني بمقصّ وسواك» ، فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه. وأخرج البيهقي والطبراني؛ عن شرحبيل بن مسلم الخولاني: رأيت خمسة من الصحابة يقصّون شواربهم: أبو أمامة الباهلي، والمقدام بن معديكرب، وعتبة بن عون السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، وعبد الله بن بسر. وأما الإحفاء! فأخرج الطبرانيّ، والبيهقيّ؛ عن عبد الله بن أبي رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق. وأخرج الطبراني؛ عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة: أنّهم كانوا يحلقون شواربهم. واختلف في كيفية قصّ الشارب: هل يقص طرفاه أيضا؛ وهما المسمّيان ب «السّبالين» ، أم يترك السبالان كما يفعله كثير من الناس!؟ قال الغزالي في «الإحياء» : لا بأس بترك سباليه؛ وهما طرفا الشارب، فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وغيره، لأن ذلك لا يستر الفم، ولا تبقى فيه زهومة الطعام، إذ لا يصل إليه. انتهى. وروى أبو داود؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه: كنا نحفي السّبال إلّا في حجة وعمرة، وكره بعضهم إبقاءه؛ لما فيه من التشبّه بالأعاجم، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: إياكم وزيّ الأعاجم!! وقال الإمام مالك: أميتوا سنّة العجم، وأحيوا سنّة العرب. وفيه تشبّه بالمجوس وأهل الكتاب، والقول بالكراهة أولى بالصواب، لما رواه ابن حبان في «صحيحه» ، والطبراني، والبيهقي؛ من حديث ميمون: «إنّهم يوفّرون سبالهم ويحلقون لحاهم؛ فخالفوهم» . فكان ابن عمر يجزّ سباله كما تجزّ الشاة أو البعير. انتهى.

стр. 311

وكان ﷺ يأخذ من لحيته الشّريفة، من عرضها وطولها. وأما فعل عمر رضي الله تعالى عنه إن صحّ!! فلعله لم يبلغه النهي. انتهى من «المواهب اللدنية» مع شيء من «شرح الزرقاني» رحمهم الله تعالى. آمين. (و) روى الترمذيّ- وقال: حديث غريب- من طريق عمرو بن شعيب؛ عن أبيه؛ عن جدّه رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ يأخذ من لحيته الشّريفة؛ من عرضها وطولها) بالسويّة؛ كما في رواية، أي: يأخذ الشّعر الزائد في الطول لتقرب من التدوير من جميع الجوانب، لأنّ الاعتدال محبوب، والطول المفرط قد يشوّه الخلق، ويطلق ألسنة المغتابين، ففعل ذلك مندوب ما لم ينته إلى تقصيص اللحية وجعلها طاقات؛ فإنه مكروه، وكان بعض السلف يقبض على لحيته فيأخذ ما تحت القبضة، وقال النّخعي: عجبت لعاقل كيف لا يأخذ من لحيته؛ فيجعلها بين لحيتين، فإنّ التوسّط في كلّ شيء حسن، ولذا قيل: كلما طالت اللحية تشمّر العقل، ففعل ذلك إذا لم يقصد الزينة والتحسين لنحو النساء سنّة، كما عليه جمع؛ منهم القاضي عياض وغيره، واختار النووي تركها بحالها مطلقا.. ثم لا ينافي فعله ﷺ قوله: «أعفوا اللّحى» . لأنّه في الأخذ منها لغير حاجة؛ أو لنحو تزين، وهذا فيما احتيج إليه لتشعّث؛ أو إفراط طول يتأذّى به، وقال الطيبي: المنهيّ عنه قصّها كالأعاجم، أو وصلها كذنب الحمار، وقال الحافظ ابن حجر: المنهيّ عنه الاستئصال أو ما قاربه، بخلاف الأخذ المذكور، انتهى. لطيفة: قال الحسن بن المثنّى: إذا رأيت رجلا له لحية طويلة، ولم يتخذ لحية بين لحيتين؛ كان في عقله شيء. وجلس المأمون مع أصحابه مشرفا على دجلة، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط؛ إلا ونقص من عقله بقدر ما طال منها، وما رأيت عاقلا قطّ طويل اللحية!. فقال بعض الجلساء: ولا يردّ على أمير المؤمنين؛ إنه قد يكون في طولها عقل، فأقبل رجل كبير اللحية حسن الهيئة فاخر الثياب، فقال المأمون: ما تقولون فيه!! فقال بعضهم: يجب كونه قاضيا، فأمر بإحضاره، فوقف فسلّم فأجاد، فأجلسه المأمون واستنطقه فأحسن، فقال

стр. 312

وكان ﷺ يكثر تسريح لحيته. وكان ﷺ لا يفارقه سواكه ولا مشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرّح لحيته. وكان ﷺ إذا اهتمّ.. أكثر من مسّ لحيته. المأمون: ما اسمك؟ فقال: أبو حمدويه والكنية علوية. فضحك المأمون وغمز جلساءه، ثم قال: ما صنعتك؟ قال: فقيه أجيد المسائل. قال: ما تقول فيمن اشترى شاة فلما تسلّمها؛ خرج من استها بعرة؛ ففقأت عين رجل، فعلى من الدية!؟ قال: على البائع دون المشتري، لأنه لما باعها لم يشترط أنّ في استها منجنيقا، فضحك المأمون حتّى استلقى على قفاه وأنشد: ما أحد طالت له لحية ... فزادت اللّحية في هيئته إلّا وما ينقص من عقله ... أكثر ممّا زاد في لحيته (و) قال المناوي في «كنوز الحقائق» : (كان) رسول الله ﷺ يكثر تسريح لحيته) أي: تمشيطها وإرسال شعرها وحلّها بمشطها؛ رواه الترمذي في «جامعه» و «شمائله» ، والبغوي في «شرح السنة» كلّهم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته، ويكثر القناع حتى كأنّ ثوبه ثوب زيّات، وسيأتي. (و) أخرج الطبراني في «الأوسط» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان) رسول الله ﷺ لا يفارقه سواكه ولا مشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرّح) بتشديد الراء- (لحيته) - أي: مشطها-. (و) أخرج ابن السنّي، وأبو نعيم كلاهما في كتاب «الطب النبوي» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها ترفعه، وأبو نعيم في «الطب» أيضا؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بسند حسن: (كان) رسول الله ﷺ إذا اهتمّ أكثر من مسّ لحيته) ، فيعرف بذلك كونه

стр. 313

وكان ﷺ إذا اغتمّ.. أخذ لحيته بيده ينظر فيها. وكان ﷺ إذا توضّأ.. خلّل لحيته بالماء. مهموما، قال بعضهم: ويجوز كون مسّه لها تسليما لله تعالى بنفسه، وتفويضا لأمره إليه، فكأنه موجه نفسه إلى مولاه. انتهى «مناوي» . (و) أخرج الشيرازي في «الألقاب» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو حديث حسن لغيره-: (كان) رسول الله ﷺ إذا اغتمّ) - بغين معجمة ومثناة فوقية- أي: حزن، قال في «المصباح» : غمّه الشيء غمّا؛ من باب (قتل) : غطاه، ومنه قيل للحزن غمّ، لأنه يغطي السرور. انتهى. (أخذ لحيته) ؛ أي: تناولها (بيده ينظر فيها) كأنّه يتفكّر، أو يسلّي بذلك حزنه. (و) في «الجامع الصغير» : (كان) رسول الله ﷺ إذا توضّأ خلّل لحيته بالماء) أي: أدخل الماء في خلالها بأصابعه الشريفة، فيندب تخليل اللّحية الكثّة، فإن لحيته الشريفة كانت كثّة، ومثلها كلّ شعر لا يجب غسل باطنه. قال ابن القيّم: ولم يكن يواظب على التخليل. ورمز في «الجامع الصغير» لمن أخرجه برمز أحمد والحاكم وصحّحه؛ عن عائشة، والترمذي والحاكم؛ عن عثمان بن عفان- وقال الترمذي: حسن صحيح عنه-، والترمذي والحاكم؛ عن عمار بن ياسر، والحاكم؛ عن بلال المؤذّن، وابن ماجه والحاكم؛ عن أنس بن مالك، والطبراني في «الكبير» ؛ عن أبي أمامة الباهلي، وعن أبي الدرداء، وعن أم سلمة، والطبراني في «الأوسط» ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال الحافظ الهيثمي: بعض هذه الطرق رجاله موثقون، وفي البعض مقال. انتهى. وأشار المصنف- يعني السيوطي- باستيعاب مخرّجيه إلى ردّ قول أحمد وأبي زرعة «لا يثبت في تخليل اللحية حديث» ؛ قاله المناوي على «الجامع الصغير» .

стр. 314

وكان ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته، ويكثر اتّخاذ القناع. (و) أخرج الترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ، والبغوي في «شرح السنة» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: (كان) رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه) - بفتح الدال المهملة وسكون الهاء-: استعمال الدّهن- بالضم-، والدهن: ما يدهن به من زيت وغيره، وجمعه دهان- بالكسر-، وإكثاره ذلك إنما كان في وقت دون وقت، وفي زمن دون آخر، بدليل نهيه عن الادّهان إلّا غبّا في عدّة أحاديث. قال ابن القيم: الدهن يسدّ مسام البدن، ويمنع ما تخلّل منه، والدهن في البلاد الحارة كالحجاز من آكد أسباب حفظ الصحة، وإصلاح البدن، وهو كالضروري لهم. (وتسريح لحيته) بالماء، أو بماء الورد ونحوه، وهو عطف على دهن رأسه؛ كما هو ظاهر، لا على رأسه؛ كما وهم. والمراد تمشيطها وإرسال شعرها وحلّها بمشطها، ولا ينافيه ما في «أبي داود» من النهي عن التسريح كلّ يوم، لأنّه لا يلزم من الإكثار التسريح كل يوم، بل الإكثار قد يصدق على الشيء الذي يفعل بحسب الحاجة؛ ذكره الوليّ العراقي، ولم يرد أنّه كان يقول عند تسريحها شيئا؛ ذكره السيوطي. (ويكثر اتّخاذ القناع) . قال السيوطي رحمه الله تعالى يعني: يتطيلس؛ نقله المناوي. وقال الحفني والعزيزي؛ كالمناوي في «كبيره» : والمراد باتخاذ القناع هنا: تغطية الرأس وأكثر الوجه، وذلك لما علاه من الحياء، ولذا كان يتقنّع عند الجماع، لأنه يستحيا منه عادة؛ وإن كان جائزا. وقال المناوي في «كبيره» : وسبب إكثاره للتقنّع: أنّه كان قد علاه من الحياء من ربّه ما لم يحصل لبشر قبله؛ ولا بعده، وما ازداد عبد بالله علما إلا ازداد حياء من الله تعالى، فحياء كلّ عبد على قدر علمه بربّه، فألجأه ذلك إلى ستر منبع الحياء

стр. 315

و (القناع) : خرقة توضع على الرّأس حين استعمال الدّهن لتقي العمامة والثّياب. ومحلّه؛ وهو العين والوجه؛ وهما من الرأس، والحياء من عمل الروح، وسلطان الروح في الرأس، ثم هو ينشر في جميع البدن، فأهل اليقين قد أبصروا بقلوبهم أنّ الله يراهم؛ فصارت جميع الأمور لهم معاينة، فهم يعبدون ربّهم كأنّهم يرونه، وكلما شاهدوا عظمته ومنّته ازدادوا حياء، فأطرقوا رءوسهم وجلا، وقنّعوها خجلا. وأنت بعد أن سمعت هذا التقرير انكشف لك أنّ من زعم «أن المراد هنا بالقناع: خرقة تلقى على الرأس لتقي العمامة من نحو دهن» لم يدر حول الحمى، بل في البحر فوه؛ وهو في غاية الظمأ!! انتهى. وقال الحفني على «الجامع الصغير» : القناع عند أهل الله يسمّى الخلوة الصغرى، لأنّه يمنع من كثرة الاشتغال بالخلق والنظر إليهم. انتهى. وقال الباجوري «على الشمائل» : صحّ عن ابن مسعود- وله حكم المرفوع-: «التّقنّع من أخلاق الأنبياء» ، وفي خبر: «لا يتقنّع إلّا من استكمل الحكمة في قوله وفعله» ويؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون للعلماء شعار يختصّ بهم، ليعرفوا فيسألوا ويمتثل أمرهم ونهيهم، وهذا أصل في لبس الطيلسان ونحوه، وله فوائد جليلة كالاستحياء من الله والخوف منه، إذ تغطية الرأس شأن الخائف الذي لا ناصر له؛ ولا معين، وكجمعه للتفكّر، لأنه يغطي أكثر وجهه، فيحضر قلبه مع ربّه، ويمتلىء بشهوده وذكره، وتصان جوارحه عن المخالفات، ونفسه عن الشهوات، ولذلك قال بعض الصوفية: الطيلسان الخلوة الصغرى. انتهى كلام الباجوري رحمه الله تعالى. وبما قرّرناه تعلم ما في قول المصنف (والقناع) - بكسر القاف وخفة النون وفي آخره مهملة؛ كرجال-: (خرقة توضع على الرّأس حين) - أي: بعد- (استعمال الدّهن) - بالضم- (لتقي العمامة والثّياب) من أثر الدهن واتساخها به، شبّهت

стр. 316

وكان رسول الله ﷺ إذا ادّهن.. صبّ في راحته اليسرى، فبدأ بحاجبيه، ثمّ عينيه، ثمّ رأسه. وكان ﷺ يحبّ التّيامن ... بقناع المرأة. وفي «الصّحاح» : هو أوسع من المقنعة. انتهى. (و) أخرج الشيرازي في «الألقاب» - وهو حديث حسن لغيره-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا ادّهن) - بالتشديد على «افتعل» : تطلّى بالدّهن، أي: إذا أراد أن يدّهن- (صبّ) الدّهن (في راحته) ؛ أي: بطن كفّه (اليسرى) ، ثم أخذ الدهن باليمنى ودهن، (فبدأ بحاجبيه) فدهنهما أوّلا، (ثمّ عينيه ثمّ رأسه) ؛ أي: ثم عنفقته؛ ثم عارضيه، ثم بقيّة لحيته. انتهى «حفني» . قال العزيزي: وفي رواية: كان إذا دهن لحيته بدأ بالعنفقة، وقال المناوي: وفي رواية الطبراني؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان إذا دهن لحيته بدأ بالعنفقة. (و) أخرج السبعة: أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في «جامعه» ، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» ببعض اختلاف في اللفظ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ يحبّ) - وفي رواية لمسلم و «الشمائل» : ليحبّ- (التّيامن) - ولفظ رواية مسلم: التّيمّن، أي: الابتداء في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن، وكلّ ما كان من باب التكريم؛ لأنّ اليمين مشتقة من اليمن؛ وهو البركة؛ وهو ﷺ كان يحبّ الفأل الحسن، وأصحاب اليمين أهل الجنة، فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها محمود ممدوح بيانا وشرعا؛ دنيا وآخرة، والشمال على النقيض، وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بنسبتهم إليها، كما دمّ أهل النار بنسبتهم إلى الشمال؛ فقال (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ

стр. 317

في طهوره إذا تطهّر، وفي ترجّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كلّه. الْيَمِينِ) (٩١) [الواقعة] وعكس في أصحاب الشمال!! زاد البخاري في روايته: ما استطاع، فنبّه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع. (في طهوره) - بضمّ أوّله؛ أو فتحه: روايتان مسموعتان، ورواية الضمّ لا تحتاج إلى تقدير، لأن الطّهور- بالضم- هو الفعل، ورواية الفتح تحتاج إلى تقدير مضاف: أي في استعماله، لأن الطّهور- بالفتح-: ما يتطهّر به (إذا تطهّر) ؛ أي: وقت اشتغاله بالطهارة، وهي أعمّ من الوضوء والغسل. وإنّما قال: إذا تطهّر!! ليدلّ على تكرّر المحبّة بتكرر الطهارة، كما في قوله تعالى (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) [٦/ المائدة] . وقوله (وفي ترجّله) - بضم الجيم المشددة- أي: تمشيط شعر رأسه ولحيته، وفي معناه الادّهان (إذا ترجّل) ؛ أي: وقت إيجاد هذا الفعل، أي: ويحبّ التيامن في ترجّله وقت اشتغاله بالترجّل، فإذا أراد أن يدهن أو يمشط أحبّ أن يبدأ بالجهة اليمنى من الرأس أو اللحية. (وفي انتعاله) ؛ أي: لبس نعله (إذا انتعل) ؛ أي: وقت إرادة لبس النعل، وفيه احتراز من حال الاختلاع، فإنه يبتدىء باليسار، أي: ويحبّ التّيامن في انتعاله وقت اشتغاله بالانتعال، فإذا أراد لبس النعل أحبّ أن يبدأ بالرجل اليمنى. (و) يحبّ التيامن (في شأنه) - أي: في حاله- (كلّه) يعني: في جميع حالاته، وهذا عطف عامّ على خاصّ، لكن ليس على عمومه، بل مخصوص بما كان من باب التكريم، وأما ما كان من باب الإهانة!! فيستحبّ فيه التياسر. ولذلك قال النووي: قاعدة الشرع المستمرّة استحباب البداءة باليمين في كلّ ما كان من باب التكريم والتشريف؛ كلبس الثوب والسراويل والخفّ والانتعال، ودخول المسجد والسواك، وتقليم الأظفار وقصّ الشارب، وترجيل الشعر ونتف الإبط، وحلق الرأس والاكتحال، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة،

стр. 318

وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى. والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وندب الصلاة عن يمين الإمام؛ وفي ميمنة المسجد، وغير ذلك مما هو في معناه يستحبّ التيامن فيه. فأما ما كان بضدّه مثل: دخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخفّ، وأخذ النعلين ... وما أشبه ذلك!! فيستحبّ التياسر فيه. انتهى؛ نقله جسّوس مع زيادة من غيره. ومما لا يخفى أن التّيامن في فعل بين أجزائه تقدّم وتأخّر، فلا تيامن في نحو غسل الوجه ومسح الأذنين لغير الأقطع، والله أعلم. (و) أخرج أبو داود في «سننه» ، وغيره بالإسناد الصحيح- كما قاله النووي في «الأذكار» - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، (وكانت يده اليسرى لخلائه) ؛ أي: للاستنجاء، ويمكن أن يؤخذ من الخبر تقديم الرجل اليسرى؛ أو بدلها عند دخول؛ أو وصول الخلاء أو محلّ قضاء الحاجة من الفضاء، بأن يراد باليسرى ما يشمل اليد والرجل؛ من استعمال المشترك في معنييه، أو من عموم المجاز. وقوله (وما كان من أذى) ؛ أي: من النوع الذي يعدّ بالنسبة لسائر الناس أذى، من المخاط والبصاق والدم ونحوه؛ فلإستقذار جنسه من باقي الناس جعل له ﷺ اليسرى، وأما بالنسبة إلى الحاصل منه ﷺ ؛ فلا أذى، ولذا كانوا يدلكون به وجوههم ويسارعون إليه، وقد شرب ابن الزّبير دم حجامته، ومصّ مالك بن سنان دمه ﷺ يوم أحد، وشربت أمّ أيمن بوله، وهذا دليل على فقد الأذى منه، إذ يحرم على الإنسان تناول كلّ مؤذ للبدن، ومنه الريق بعد انفصاله من معدنه؛ لا فيه، فلا منع منه من حليلة «١» .

стр. 319

وإذا نام واضطجع.. اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة. وكان ﷺ يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه، وشماله لما سوى ذلك. وعن عائشة ... وعدلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن قولها (من مستقذر) إلى ما عبّرت به!! لما في لفظ الاستقذار من البعد عن أن ينسب إليه ﷺ ، فليس من مستقذر أصلا. قال العلماء: من استقذر شيئا مما أضيف إليه ﷺ من الأحوال والأفعال؛ فهو كافر. انتهى شرح «الأذكار النووية» . (و) قال الإمام النووي في كتابه «تهذيب الأسماء واللغات» : و (إذا نام) ﷺ (واضطجع اضطجع على جنبه الأيمن) - تشريفا لجانب اليمين حال كونه- (مستقبل القبلة.) في اضطجاعه. (و) أخرج الإمام أحمد؛ عن حفصة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ يجعل يمينه) - أي: يده اليمنى- (لأكله وشربه ووضوئه) يحتمل أن يكون المراد: وأخذ ماء وضوئه. زاد في رواية: وصلاته، (وثيابه) يعني: للبس ثيابه؛ أو تناولها (وأخذه وعطائه) مما لا دناءة فيه. (و) كان يجعل (شماله لما سوى ذلك) مما ليس من باب التكريم. ورواه الإمام أحمد أيضا؛ عن حفصة أمّ المؤمنين أيضا بلفظ: كانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك. ورواه عنها أيضا البيهقيّ، قال ابن محمود شارح «سنن أبي داود» وهو حسن؛ لا صحيح، انتهى (مناوي) . (و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين بنت أبي بكر الصدّيقة بنت الصّديق رضي الله تعالى عنهما.

стр. 320

رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أرجّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض. أمّها أمّ رومان- بضم الراء وسكون الواو على المشهور-، وهي أم عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر، أسلمت قبل الهجرة، وماتت في حياة النبي ﷺ بعد قصة الإفك، ونزل النبي ﷺ في قبرها رضي الله تعالى عنها. وكنية عائشة «أم عبد الله» كنّاها النبي ﷺ بابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر إنسانا ممّن أسلم، وتزوّجها النبي ﷺ قبل الهجرة بسنتين؛ وهي بنت ستّ سنين، وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة بعد منصرفه من بدر؛ في شوال سنة: اثنتين؛ وهي بنت تسع سنين. وهي من أكثر الصحابة رواية، روي لها عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث؛ اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاريّ بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بثمانية وستين. روى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين، وفضائلها ومناقبها مشهورة معروفة. وتوفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة: سبع وخمسين، وصلّى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا؛ فدفنت من ليلتها بعد الوتر، واجتمع على جنازتها أهل المدينة وأهل العوالي، وقالوا: لم نر ليلة أكثر ناسا منها (رضي الله تعالى عنها) ، وعن والديها وجميع أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم وجمعنا بهم في مستقرّ رحمته. آمين. (قالت: كنت أرجّل) - بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الجيم المكسورة؛ أي: أسرّح وأحسّن- (رأس رسول الله) - أي: شعر رأسه- ﷺ - فهو من قبيل إطلاق اسم المحل وإرادة الحال، أو على تقدير مضاف، ويؤخذ من هذا ندب تسريح شعر الرأس، وقيس به اللحية، وبه صرّح في خبر ضعيف- (وأنا حائض) جملة حالية، ولا يقال «حائضة» إلّا في شذوذ؛ لأنّ علامة التأنيث يؤتى بها للفرق
следующие страницы →