وكان رسول الله ﷺ إذا ادّهن.. صبّ في راحته اليسرى، فبدأ بحاجبيه، ثمّ عينيه، ثمّ رأسه.
وكان ﷺ يحبّ التّيامن ...
بقناع المرأة. وفي «الصّحاح» : هو أوسع من المقنعة. انتهى.
(و) أخرج الشيرازي في «الألقاب» - وهو حديث حسن لغيره-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا ادّهن) - بالتشديد على «افتعل» : تطلّى بالدّهن، أي: إذا أراد أن يدّهن- (صبّ) الدّهن (في راحته) ؛ أي: بطن كفّه (اليسرى) ، ثم أخذ الدهن باليمنى ودهن، (فبدأ بحاجبيه) فدهنهما أوّلا، (ثمّ عينيه ثمّ رأسه) ؛ أي: ثم عنفقته؛ ثم عارضيه، ثم بقيّة لحيته. انتهى «حفني» .
قال العزيزي: وفي رواية: كان إذا دهن لحيته بدأ بالعنفقة، وقال المناوي:
وفي رواية الطبراني؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان إذا دهن لحيته بدأ بالعنفقة.
(و) أخرج السبعة: أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في «جامعه» ، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» ببعض اختلاف في اللفظ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله ﷺ يحبّ) - وفي رواية لمسلم و «الشمائل» : ليحبّ- (التّيامن) - ولفظ رواية مسلم: التّيمّن، أي: الابتداء في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن، وكلّ ما كان من باب التكريم؛ لأنّ اليمين مشتقة من اليمن؛ وهو البركة؛ وهو ﷺ كان يحبّ الفأل الحسن، وأصحاب اليمين أهل الجنة، فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها محمود ممدوح بيانا وشرعا؛ دنيا وآخرة، والشمال على النقيض، وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بنسبتهم إليها، كما دمّ أهل النار بنسبتهم إلى الشمال؛ فقال (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ
стр. 317
في طهوره إذا تطهّر، وفي ترجّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كلّه.
الْيَمِينِ) (٩١) [الواقعة] وعكس في أصحاب الشمال!! زاد البخاري في روايته:
ما استطاع، فنبّه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع.
(في طهوره) - بضمّ أوّله؛ أو فتحه: روايتان مسموعتان، ورواية الضمّ لا تحتاج إلى تقدير، لأن الطّهور- بالضم- هو الفعل، ورواية الفتح تحتاج إلى تقدير مضاف: أي في استعماله، لأن الطّهور- بالفتح-: ما يتطهّر به (إذا تطهّر) ؛ أي: وقت اشتغاله بالطهارة، وهي أعمّ من الوضوء والغسل.
وإنّما قال: إذا تطهّر!! ليدلّ على تكرّر المحبّة بتكرر الطهارة، كما في قوله تعالى (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) [٦/ المائدة] .
وقوله (وفي ترجّله) - بضم الجيم المشددة- أي: تمشيط شعر رأسه ولحيته، وفي معناه الادّهان (إذا ترجّل) ؛ أي: وقت إيجاد هذا الفعل، أي: ويحبّ التيامن في ترجّله وقت اشتغاله بالترجّل، فإذا أراد أن يدهن أو يمشط أحبّ أن يبدأ بالجهة اليمنى من الرأس أو اللحية.
(وفي انتعاله) ؛ أي: لبس نعله (إذا انتعل) ؛ أي: وقت إرادة لبس النعل، وفيه احتراز من حال الاختلاع، فإنه يبتدىء باليسار، أي: ويحبّ التّيامن في انتعاله وقت اشتغاله بالانتعال، فإذا أراد لبس النعل أحبّ أن يبدأ بالرجل اليمنى.
(و) يحبّ التيامن (في شأنه) - أي: في حاله- (كلّه) يعني: في جميع حالاته، وهذا عطف عامّ على خاصّ، لكن ليس على عمومه، بل مخصوص بما كان من باب التكريم، وأما ما كان من باب الإهانة!! فيستحبّ فيه التياسر.
ولذلك قال النووي: قاعدة الشرع المستمرّة استحباب البداءة باليمين في كلّ ما كان من باب التكريم والتشريف؛ كلبس الثوب والسراويل والخفّ والانتعال، ودخول المسجد والسواك، وتقليم الأظفار وقصّ الشارب، وترجيل الشعر ونتف الإبط، وحلق الرأس والاكتحال، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة،
стр. 318
وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى.
والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وندب الصلاة عن يمين الإمام؛ وفي ميمنة المسجد، وغير ذلك مما هو في معناه يستحبّ التيامن فيه.
فأما ما كان بضدّه مثل: دخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخفّ، وأخذ النعلين ... وما أشبه ذلك!! فيستحبّ التياسر فيه. انتهى؛ نقله جسّوس مع زيادة من غيره.
ومما لا يخفى أن التّيامن في فعل بين أجزائه تقدّم وتأخّر، فلا تيامن في نحو غسل الوجه ومسح الأذنين لغير الأقطع، والله أعلم.
(و) أخرج أبو داود في «سننه» ، وغيره بالإسناد الصحيح- كما قاله النووي في «الأذكار» - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، (وكانت يده اليسرى لخلائه) ؛ أي: للاستنجاء، ويمكن أن يؤخذ من الخبر تقديم الرجل اليسرى؛ أو بدلها عند دخول؛ أو وصول الخلاء أو محلّ قضاء الحاجة من الفضاء، بأن يراد باليسرى ما يشمل اليد والرجل؛ من استعمال المشترك في معنييه، أو من عموم المجاز.
وقوله (وما كان من أذى) ؛ أي: من النوع الذي يعدّ بالنسبة لسائر الناس أذى، من المخاط والبصاق والدم ونحوه؛ فلإستقذار جنسه من باقي الناس جعل له ﷺ اليسرى، وأما بالنسبة إلى الحاصل منه ﷺ ؛ فلا أذى، ولذا كانوا يدلكون به وجوههم ويسارعون إليه، وقد شرب ابن الزّبير دم حجامته، ومصّ مالك بن سنان دمه ﷺ يوم أحد، وشربت أمّ أيمن بوله، وهذا دليل على فقد الأذى منه، إذ يحرم على الإنسان تناول كلّ مؤذ للبدن، ومنه الريق بعد انفصاله من معدنه؛ لا فيه، فلا منع منه من حليلة «١» .
стр. 319
وإذا نام واضطجع.. اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
وكان ﷺ يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه، وشماله لما سوى ذلك.
وعن عائشة ...
وعدلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن قولها (من مستقذر) إلى ما عبّرت به!! لما في لفظ الاستقذار من البعد عن أن ينسب إليه ﷺ ، فليس من مستقذر أصلا.
قال العلماء: من استقذر شيئا مما أضيف إليه ﷺ من الأحوال والأفعال؛ فهو كافر. انتهى شرح «الأذكار النووية» .
(و) قال الإمام النووي في كتابه «تهذيب الأسماء واللغات» : و (إذا نام) ﷺ (واضطجع اضطجع على جنبه الأيمن) - تشريفا لجانب اليمين حال كونه- (مستقبل القبلة.) في اضطجاعه.
(و) أخرج الإمام أحمد؛ عن حفصة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله ﷺ يجعل يمينه) - أي: يده اليمنى- (لأكله وشربه ووضوئه) يحتمل أن يكون المراد: وأخذ ماء وضوئه. زاد في رواية: وصلاته، (وثيابه) يعني: للبس ثيابه؛ أو تناولها (وأخذه وعطائه) مما لا دناءة فيه.
(و) كان يجعل (شماله لما سوى ذلك) مما ليس من باب التكريم.
ورواه الإمام أحمد أيضا؛ عن حفصة أمّ المؤمنين أيضا بلفظ: كانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك. ورواه عنها أيضا البيهقيّ، قال ابن محمود شارح «سنن أبي داود» وهو حسن؛ لا صحيح، انتهى (مناوي) .
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين بنت أبي بكر الصدّيقة بنت الصّديق رضي الله تعالى عنهما.
стр. 320
رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أرجّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض.
أمّها أمّ رومان- بضم الراء وسكون الواو على المشهور-، وهي أم عائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر، أسلمت قبل الهجرة، وماتت في حياة النبي ﷺ بعد قصة الإفك، ونزل النبي ﷺ في قبرها رضي الله تعالى عنها. وكنية عائشة «أم عبد الله» كنّاها النبي ﷺ بابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وأسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر إنسانا ممّن أسلم، وتزوّجها النبي ﷺ قبل الهجرة بسنتين؛ وهي بنت ستّ سنين، وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة بعد منصرفه من بدر؛ في شوال سنة: اثنتين؛ وهي بنت تسع سنين.
وهي من أكثر الصحابة رواية، روي لها عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث؛ اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاريّ بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بثمانية وستين.
روى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين، وفضائلها ومناقبها مشهورة معروفة.
وتوفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة: سبع وخمسين، وصلّى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا؛ فدفنت من ليلتها بعد الوتر، واجتمع على جنازتها أهل المدينة وأهل العوالي، وقالوا: لم نر ليلة أكثر ناسا منها (رضي الله تعالى عنها) ، وعن والديها وجميع أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم وجمعنا بهم في مستقرّ رحمته. آمين.
(قالت: كنت أرجّل) - بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الجيم المكسورة؛ أي: أسرّح وأحسّن- (رأس رسول الله) - أي: شعر رأسه- ﷺ - فهو من قبيل إطلاق اسم المحل وإرادة الحال، أو على تقدير مضاف، ويؤخذ من هذا ندب تسريح شعر الرأس، وقيس به اللحية، وبه صرّح في خبر ضعيف- (وأنا حائض) جملة حالية، ولا يقال «حائضة» إلّا في شذوذ؛ لأنّ علامة التأنيث يؤتى بها للفرق
стр. 321
وكان رسول الله ﷺ يترجّل غبّا؛ أي: حينا بعد حين. وكان شيبه ﷺ في الرّأس واللّحية شيئا قليلا، نحو سبع عشرة شعرة.
بين المذكّر والمؤنّث عند خوف اللّبس، وهو مأمون هنا لاختصاص الحيض بالأنثى؛ فلا حاجة إلى علامة التأنيث الفارقة، قال الناظم:
وما من الألفاظ بالأنثى يخصّ ... عن تاء استغنى لأنّ اللّفظ نصّ
وفيه دليل على طهارة يدها وسائر بدنها؛ ما لم يصبه دم من بدنها؛ وهو إجماع، وفيه دليل على عدم كراهة مخالطتها، وحلّ استخدام الزوجة برضاها في الترجيل ونحوه، وأنه ليس فيه نقص؛ ولا هتك حرمة؛ ولا إضرار بها، وأنه ينبغي للزوجة تولّي خدمة زوجها بنفسها، والله أعلم.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (كان رسول الله ﷺ يترجّل) - أي يتمشّط- (غبّا) ؛ بغين معجمة مكسورة وموحدة مشددة؛ أصله: ورود الإبل الماء يوما وتركه يوما، ثم استعمل في فعل الشيء حينا وتركه حينا، كما قال (أي: حينا بعد حين) . والمراد: أنه كانت عادته ﷺ أنه لا يبالغ في الترجّل، بل يفعله يوما ويتركه يوما، ولا يواظب عليه، لأن مواظبته تشعر بشدّة الإمعان في الزينة والترفّه؛ وذلك شأن النساء، ولهذا قال ابن العربي: موالاته تصنّع، وتركه تدنّس، وإغبابه سنة. انتهى.
(و) قال العارف الشعراني في «كشف الغمة» : (كان شيبه ﷺ في الرّأس واللّحية) - أراد بها ما قابل الرأس؛ فيشمل العنفقة والصّدغين- (شيئا قليلا؛ نحو سبع عشرة شعرة) . رواه البيهقي في «الدلائل» ؛ من طريق حماد بن سلمة؛ عن ثابت؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قيل له: هل كان شاب رسول الله ﷺ ، فقال: ما شانه الله تعالى بالشيب، ما كان في رأسه إلا سبع عشرة- أو ثمان عشرة- شعرة، هكذا هو في نسخة «الدلائل» ، وفي لفظ له عند البيهقي: ما كان في رأسه ولحيته إلا سبع عشرة؛ أو ثمان عشرة شعرة.
стр. 322
وقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله؛ قد شبت؟! قال:
«شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت» ؛ ...
وعن أنس أيضا: ما عدّت في رأس رسول الله ﷺ ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء. رواه الترمذي وغيره.
وروى البخاري من طريق الليث؛ عن أنس: توفي رسول الله ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. ورواه البخاري ومسلم؛ عن أنس من طريق مالك عن ربيعة. وروى الترمذي في «الشمائل» من حديث ابن عمر: إنما كان شيبه ﷺ نحوا من عشرين شعرة بيضاء.
ويجمع بين هذه الأخبار بأنه اختلف فيها لاختلاف الأوقات، وبأن رواية الأربع عشرة إخبار عن العدّ، ورواية السبع عشرة إخبار عن الواقع، فهو لم يعدّ إلا أربع عشرة، وأما في الواقع فكان سبع عشرة؛ أو ثمان عشرة.
ونفي الشيب في رواية أنس؛ المراد به نفي كثرته لا أصله!!.
وسبب قلّة شيبه: أن النساء يكرهنه غالبا، ومن كره من النبي ﷺ شيئا كفر، وإنما كان الشيب شينا مع أنه نور ووقار؛ لأن فيه إزالة بهجة الشباب ورونقه، وإلحاقه بالشيوخ الذين يكون الشيب فيهم عيبا عند النساء.
(و) أخرج الترمذي في «الشّمائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
(قال أبو بكر) - الصدّيق- ﵁: يا رسول الله، قد شبت) - أي: قد ظهر فيك أثر الشيب والضعف، مع أن مزاجك اعتدلت فيه الطبائع، واعتدالها يستلزم عدم الشيب- (قال: «شيّبتني هود) - بالصرف، أي: سورة هود، وبترك الصرف على أنه علم على السورة، وهما روايتان، ولا ينافي ذلك حديث أنس أنه لم يبلغ الشيب، لأن مقصوده نفي احتياجه إلى الخضاب الذي سئل عنه، إذ الروايات الصحيحة صريحة في أن ظهور الشيب في رأسه ولحيته لم يبلغ مبلغا يحكم عليه بالشيب- (والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت» )
стр. 323
لاشتمال هذه السّور على بيان أحوال القيامة ممّا يوجب خوفه على أمّته ﷺ .
زاد الطبراني: و «الحاقة» ، وزاد ابن مردويه: و «هل أتاك حديث الغاشية» ، وزاد ابن سعد: و «القارعة» ، و «سأل سائل» ، وفي رواية: و «اقتربت الساعة» .
وإسناد الشيب إلى السور المذكورة من قبيل الإسناد إلى السبب؛ فيكون مجازا عقليا، على حدّ قولهم: أنبت الربيع البقل، لأن المؤثّر حقيقة هو الله تعالى، وإنما كانت سببا في الشيب!! (لاشتمال هذه السّور على بيان أحوال) - السعداء والأشقياء، وأحوال- (القيامة) وما تتعسّر؛ بل تتعذّر غايته على غير النفوس القدسية، وهو الأمر بالاستقامة كما أمر، الذي لا يمكن لأمثالنا وغير ذلك (ممّا يوجب) - استيلاء الخوف؛ لا سيما- (خوفه على أمّته ﷺ . لعظيم رأفته بهم ورحمته، ودوام التفكّر فيما يصلحهم، وتتابع الغمّ فيما ينوبهم أو يصدر عنهم، واشتغال قلبه وبدنه وإعمال خاطره فيما فعل بالأمم الماضين، كما في بعض الروايات: «شيّبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبلي» ، وذلك كلّه يستلزم ضعف الحرارة الغريزية، وضعفها يسرع الشيب ويظهره قبل أوانه. قال المتنبي:
والهمّ يخترق الجسيم مخافة ... ويشيب ناصية الصّبيّ ويخرم
لكن لما كان ﷺ عنده من شرح الصدر وتزاحم أنوار اليقين على قلبه ما يسلّيه؛ لم يستول ذلك إلّا على قدر يسير من شعره الشريف؛ ليكون فيه مظهر الجلال والجمال ويستبين أنّ جماله غالب على جلاله، وإنّما قدّمت هود على بقية السور؛ لأنه أمر فيها بالثبات في موقف الاستقامة التي هي من أعلى المراتب، ولا يستطيع الترقّي إلى ذروة سنامها إلّا من شرّفه الله بخلع السلامة.
وقد أورد: أن ما اشتملت عليه هود من الأمر بالاستقامة مذكور في سورة الشورى، فلم أسند الشيب إليها دونها؟!
وأجيب: بأنه أول ما سمعه في هود، وبأن المأمور في سورة الشورى نبينا
стр. 324
.........
فقط، وفي سورة هود نبينا ومن تبعه من أمة الإجابة، فلما علم أنّهم لم يخرجوا من عهدة القيام بهذا الأمر الخطير كما يجب؛ اهتم بحالهم وملاحظة عاقبة أمرهم، فصار معتكفا في زوايا الهموم والغموم، ولا ريب أن تدبير تلك العظائم يظهر الغمّ والهمّ، ويظهر في صفحات وجنات الإنسان الضعف والسقم. انتهى «مناوي» .
يقول العبد الضعيف عبد الله بن سعيد اللحجي مقيّد هذا التعليق اللطيف: إني وقفت على مؤلّف خاصّ يسمى «فيض الجود على حديث: شيّبتني هود» منسوب للشيخ العلّامة المحقّق عزّ الدين بن علي بن عبد العزيز المكي الزمزمي الشافعي المولود سنة: - ٩٠٠- تسعمائة- بتقديم المثناة على السين المهملة-، والمتوفّى سنة: - ٩٦٣- ثلاث وستين وتسعمائة، أطال فيه ذيول الكلام، وذكر أن هذا الحديث أخرجه على اختلاف ألفاظه وطرقه خاتمة الحفّاظ شيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلاني في اختصاره كتاب «تخريج أحاديث الكشاف» للإمام أبي محمد الزيلعي، وأخرجه أيضا تلميذه الحافظ السخاوي في كتابه «المقاصد الحسنة» ؛ وأورده أتمّ من ابن حجر رحمهم الله تعالى. آمين.
وحاصل ما استقرّ عليه رأي الزمزمي في هذه الرسالة: أنه ردّ القول بأن المراد من هود آية (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) [١١٢/ هود] قال: ويحتاج بعد أن رددنا القول بأن المراد من سورة هود آية (فَاسْتَقِمْ)
[١١٢/ هود] أن نبيّن المراد من الحديث!! قال:
وقد قدّمنا عن ابن عطية أنه إشارة إلى ما فيها مما حلّ بالأمم إلى آخره. قال: وهذا التأويل حسن في ذاته، لكنه لا يتأتّى في جميع السور الواردة من الطرق الصحيحة.
قال: ولم أر لغير ابن عطية من المفسّرين كلاما في ذلك!! قال:
فالصواب أن يحمل على أمر يوجد في جميع تلك السور، ولعله- والله أعلم- ذكر القيامة وأحوالها، فإنه موجود في جميع السور المذكورة في الروايات. أو يقال: المراد به ما هو أعمّ من ذلك مما يقتضي الخوف والفزع؛ مما هو موجود في جميع السور أو بعضها؛ كالأمر بالاستقامة.
стр. 325
وسئل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: ...
قال الزمزمي: ولما دخلت مدينة زبيد بعد تأليف هذا الجزء بسنين؛ وذلك عام ٩٥٨- تسعمائة وثمان وخمسين، أفادني عالم تلك البلاد خاتمة المحقّقين؛ الفقيه:
عبد الرحمن بن زياد- أدام الله النفع بعلومه-: أن الإمام الغزالي- رحمه الله تعالى- ذكر في «الإحياء» أن المشيّب له ﷺ ما في سورة هود من ذكر الإبعاد، وأوقفني على الكتاب المذكور، فأحببت أن ألحق ههنا ما رأيته فيه بلفظه المسطور:
قال الغزالي- رحمه الله تعالى- فيما ترجم له بقوله:
القول في علامة محبّة العبد لله تعالى ما صورته: ولخصوص المحبّين مخاوف في مقام المحبّة ليست لغيرهم، وبعض مخاوفهم أشدّ من بعض، فأوّلها خوف الإعراض، وأشدّ منه خوف الحجاب، وأشدّ منه خوف الإبعاد، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيّب سيّد المحبّين؛ إذ سمع قوله تعالى (أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) (٦٨) [هود] ، (أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) (٩٥) [هود] . وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعّم به، فحديث البعد في حق المبعدين شيّب سماعه أهل القرب و [هم] في القرب. انتهى بحروفه.
وهو داخل فيما قرّرناه ثانيا، والحصر فيه غير مضرّ، لكن لا دليل على الحصر فيه، اللهم إلا أن يكون بإطلاع من الله لحجّة الإسلام عليه وتنبيه، وحسب الحجّة هذه الحجّة «١» ! والله أعلم. انتهى كلام الزمزمي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال:
حدثنا أبي؛ عن شريك؛ عن عثمان بن موهب قال:
(سئل أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر الأزدي الدوسي (رضي الله تعالى عنه: هل خضب رسول الله ﷺ ؟) - أي: هل لوّن شعره بحنّاء أو نحوه- (قال:
стр. 326
نعم.
وعن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبا.
وفي «الصّحيحين» من طرق ...
نعم) - أي: قال أبو هريرة: نعم- يعني-: خضب رسول الله ﷺ لأن «نعم» لتقرير ما قبلها من نفي أو إثبات، وما هنا من الثاني.
ويوافق هذا الحديث ما في «الصحيحين» عن ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ :
يصبغ بالصفرة. وهو عند ابن سعد وغيره أيضا؛ عن ابن عمر بلفظ: رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة، فأنا أحب أن أصبغ بها، وغيرها من الأحاديث الدالّة على الخضاب، وقد تقدّمت الإشارة إلى الجمع بينها وبين الأخبار الواردة؛ بأنه ﷺ لم يغيّر شيبه: بأنه ﷺ خضب في وقت وترك الخضاب في معظم الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى، وسيأتي كلام النووي في ذلك.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ (عن) أبي محمد (عبد الله بن محمّد بن عقيل) ك «دليل» بمهملتين بينهما مثناة- ابن أبي طالب الهاشمي المدني، وأمّ عبد الله زينب بنت علي، وعبد الله هذا قال فيه أبو حاتم وعدّة: ليّن الحديث، وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به، لكن كان أحمد وابن راهويه يحتجّان به، روى عن ابن عمر وجابر وعدّة، وعنه معمر وغيره، مات سنة: - ١٤٥- خمس وأربعين ومائة من الهجرة، خرّج له البخاري في «التاريخ» ، وأبو داود وابن ماجه (قال:
رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبا) يمكن كون الخضب من أنس، فلا ينافي رواية أنس الأخرى أنه لم يبلغ شعره الخضاب!! على أن رواية أنس هذه قد حكم جمع بشذوذها.
(و) بيّنوه، فلا يقاوم ما (في «الصّحيحين» ) عنه (من طرق) صحيحة
стр. 327
كثيرة: أنّ النّبيّ ﷺ لم يخضب، ولم يبلغ شيبه أوان الخضاب، وإنّما خضب من كان عنده شيء من شعره بعد وفاته ﷺ ليكون أبقى له.
وفي «الصّحيحين» أيضا و «سنن أبي داوود» : عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ...
(كثيرة أنّ النّبيّ ﷺ لم يخضب، ولم يبلغ شيبه أوان الخضاب) .
(و) قد جاء أنه (إنّما خضب من كان عنده شيء من شعره بعد وفاته ﷺ ؛ ليكون أبقى له) كما رواه مالك والدارقطني عن أبي هريرة، وعلى تقدير صحّة رواية أنس هذه؛ فقد جمع بأن الشعر لما تغيّر بكثرة الطيب سمّاه مخضوبا، وبأنه أراد بالنفي أكثر أحواله، وبالإثبات- إن صح عنه- أقلّها.
(وفي «الصّحيحين» أيضا) ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصّفرة. (و) في ( «سنن) الإمام الحافظ (أبي داود» ) سليمان بن الأشعث السجستاني، روى عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبي بكر وعثمان «ابني أبي شيبة» ، وأحمد بن صالح، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وقتيبة بن سعيد؛ وخلائق. وروى عنه الترمذي، والنسائي، وأبو عوانة: يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني، وابن الأعرابي، وابن داسة التمّار واللؤلؤي؛ وهما اللذان يرويان عنه كتاب «السنن» .
واتفق العلماء على الثناء على أبي داود ووصفه بالحفظ التام، والعلم الوافر، والإتقان والورع والدين، والفهم الثاقب في الحديث وغيره، وكانت ولادته سنة:
٢٠٢- مائتين واثنتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة: - ٢٧٥- خمس وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى.
(عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما) ؛ القرشي العدوي المدني، الصحابي الزاهد، أمّه وأمّ أخته حفصة: زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحي.
стр. 328
أنّ رسول الله ﷺ كان يصفّر لحيته بالورس والزّعفران.
وعن قتادة ...
أسلم مع أبيه قبل بلوغه، وهاجر قبل أبيه، وأجمعوا على أنه لم يشهد بدرا لصغره، وقيل: شهد أحدا؛ وقيل: لم يشهدها، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وشهد غزوة مؤتة، واليرموك، وفتح مصر وإفريقية، وكان شديد الاتّباع لآثار رسول الله ﷺ .
روي له عن النبي ﷺ : ألف حديث وستمائة حديث. وثلاثون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على: مائة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، وانفرد مسلم بأحد وثلاثين، روى عنه أولاده الأربعة: سالم وحمزة وعبد الرحمن وبلال؛ وخلائق لا يحصون من كبار التابعين وغيرهم.
ومناقبه كثيرة مشهورة، بل قلّ نظيره في المتابعة لرسول الله ﷺ في كل شيء من الأقوال والأفعال، وفي الزهادة في الدنيا ومقاصدها والتطلّع إلى الرئاسة وغيرها، وكان ابن عمر كثير الصدقة، فربما تصدّق في المجلس الواحد بثلاثين ألفا.
وكان ابن عمر يسرد الصوم، وهو أحد الصحابة الساردين للصوم، منهم:
عمر، وابنه، وأبو طلحة، وحمزة بن عمرو، وعائشة.
وهو أحد السبعة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة، وأعتق ألف رقبة، وحجّ ستين حجّة، واعتمر ألف عمرة، وحمل على ألف فرس في سبيل الله، وأفتى في الإسلام ستين سنة، وتوفي بمكّة سنة: ثلاث وسبعين؛ وعمره ستّ وثمانون سنة، ودفن ب «ذي طوى» مقبرة المهاجرين، ومناقبه وأحواله كثيرة مشهورة رضي الله تعالى عنه.
(أنّ رسول الله ﷺ كان يصفّر لحيته بالورس) - وهو: نبت أصفر يزرع باليمن ويصبغ به- (والزّعفران) معروف.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» قال: حدثنا محمد بن بشّار، قال:
حدثنا أبو داود، قال: حدّثنا همام؛ (عن) أبي الخطّاب (قتادة) - كسعادة- ابن
стр. 329
قال: قلت لأنس بن مالك: هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنّما كان شيئا في صدغيه، ...
دعامة- بكسر الدال المهملة- ابن قتادة ابن عزيز- بفتح العين وبالزاي المكررة- ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سدوس السدوسي البصري التابعي.
ولد أعمى، وسمع أنس بن مالك وابن المسيّب وغيرهم من التابعين.
روى عنه جماعة من التابعين؛ منهم: سليمان التيمي، وحميد الطويل، والأعمش، وأيوب، وخلائق من تابعي التابعين؛ منهم: مطر الورّاق وجرير بن حازم وشعبة والأوزاعي وغيرهم،
وأجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه وإتقانه وفضله، وكان أحفظ أهل البصرة؛ لا يسمع شيئا إلا حفظه. توفي سنة: - ١١٧- سبع عشرة ومائة، وقيل: ثمان عشرة ومائة؛ وهو ابن ست وخمسين، وقيل: خمس وخمسين رحمه الله تعالى.
(قال: قلت لأنس بن مالك: هل خضب رسول الله ﷺ ؟) - أي: هل غيّر بياض رأسه ولحيته ولوّنه بالحنّاء ونحوه؛ لأن الخضب كالخضاب بمعنى: تلوين الشعر بحمرة- (قال: لم يبلغ ذلك) . أي: قال أنس: لم يبلغ النبيّ ﷺ حدّ الخضاب الذي في ضمن «هل خضب» ، فالضمير في «يبلغ» راجع للنبي ﷺ كما قاله بعض الشّرّاح- وهو الظاهر، وجعله بعضهم راجعا للشعر المفهوم من السياق.
وأتى باسم الإشارة [ذلك] الذي للبعيد!! ليشير إلى بعد وقت الخضاب.
(إنّما كان) - أي: شيبه المفهوم من السياق- (شيئا) أي: قليلا، أي:
بياضا يسيرا، وفي بعض النسخ «شيبا» بدل «شيئا» (في صدغيه) - بضم الصاد وإسكان الدال المهملتين، وقد يقال بالسين؛ تثنية: صدغ؛ بالضم- وهو ما بين لحاظ العين إلى أصل الأذن، ويسمى الشعر الذي تدلّى على هذا الموضع «صدغا» أيضا، ذكره في «المصباح» .
стр. 330
ولكن أبو بكر رضي الله تعالى عنه خضب بالحنّاء والكتم.
و (الكتم) : ...
قال القسطلّاني: وهو المراد هنا، وما ذكر في هذه الرواية «من أنّ البياض لم يكن إلا في صدغيه» ؛ مغاير لما في البخاري من «أنّ البياض كان في عنفقته؛ وهي ما بين الذّقن والشّفة» !! ولعل الحصر في هذه الرواية إضافي، فلا ينافي ما في البخاري.
وأما قول الحافظ ابن حجر: ووجه الجمع: ما في مسلم؛ عن أنس: كان في لحيته شعرات بيض، لم ير من الشيب إلا قليل، ولو شئت أن أعدّ شمطات كنّ في رأسه لفعلت، ولم يخضب؛ إنما كان البياض في عنفقته وفي الصّدغين وفي الرأس؛ نبذ متفرقة. انتهى.
فلم يظهر منه وجه الجمع كما قاله القسطلّاني في «شرح الشمائل» .
وقوله: «لم يخضب» قاله بحسب علمه، لما مرّ عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، (ولكن أبو بكر) الصدّيق (رضي الله تعالى عنه خضب) وجه الاستدراك: مناسبته له ﷺ وقربه منه سنّا (بالحنّاء) - بكسر المهملة وتشديد النون والمدّ ك «قثّاء» معروف- (والكتم) بفتحتين، والتاء المثناة مخففة-: نبت فيه حمرة، يخلط بالوسمة ويختضب به لأجل السواد، والوسمة كما في «المصباح» -: نبت يختضب بورقه.
ويشبه؛ كما في «النهاية» أن يكون معنى الحديث: أنه خضب بكل منهما منفردا عن الآخر، لأن الخضاب بهما معا يجعل الشعر أسود، وقد صحّ النهي عن السواد، فالمراد أنه خضب بالحنّاء تارة، وبالكتم تارة أخرى.
لكن قال القسطلاني: الكتم الصرف يوجب سوادا مائلا إلى الحمرة، والحنّاء الصرف يوجب الحمرة، فاستعمالهما معا يوجب بين السواد والحمرة. انتهى.
وعليه فلا مانع من الخضاب بهما معا، قال المصنف: (والكتم) - بفتح الكاف وفتح المثناة فوق مخففة، وأبو عبيدة معمر بن المثنى يشدّد التاء،
стр. 331
نبت فيه حمرة.
وقال النّوويّ: المختار أنّه صبغه في وقت، وتركه في معظم..
والمشهور التخفيف-: (نبت فيه حمرة) يخلط مع الوسمة للخضاب، وفي بعض كتب اللغة: هو ورق يشبه ورق الآس، يصبغ به، وفي كتب الطب: الكتم من نبات الجبال؛ ورقه كورق الآس؛ يخضب به مدقوقا، وله ثمر كقدر الفلفل، ويسودّ إذا نضج، ويعتصر منه دهن يستصبح به في البوادي، وقيل غير ذلك.
وقد اختلف العلماء؛ هل خضب ﵊ أم لا؟ ومثار الخلاف اختلاف الرواية في ذلك، فأثبته ابن عمر وأبو هريرة وأبو رمثة؛ قال: «أتيت النبيّ ﷺ وعليه بردان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيبه أحمر مخضوب بالحنّاء» . رواه الحاكم وأصحاب «السنن» ، وأنكره أنس كما تقدّم عنه.
وقال القاضي عياض: منعه الأكثرون لحديث أنس، وهو مذهب مالك؛ فوافق أنسا على الإنكار، وتأوّل حديث ابن عمر بحمله على الثياب؛ لا الشعر، وأحاديث غيره إن صحّت على أنّ تلوّنه من الطيب؛ لا من الصبغ، لما في البخاري وغيره. قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره ﷺ ؛ فإذا هو أحمر، فسألت فقيل:
احمرّ من الطيب.
قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف المسؤول المجيب بذلك!! إلا أنّ الحاكم روى أنّ عمر بن عبد العزيز قال لأنس: هل خضب النبي ﷺ فإني رأيت شعرا من شعره قد لوّن؟ فقال: إنما هذا الذي لوّن من الطيب الذي كان يطيّب به شعره فهو الذي غيّر لونه، فيحتمل أن يكون ربيعة سأل أنسا عن ذلك فأجابه، ووقع في «رجال مالك» للدارقطني و «الغرائب» له عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
لما مات رسول الله ﷺ خضب من كان عنده شيء من شعره ليكون أبقى له- كما مر- فإن ثبت هذا! استقام إنكار أنس، ويقبل ما أثبته سواه من التأويل. انتهى.
(وقال) الإمام محيي الدين (النّوويّ) رحمه الله تعالى: (المختار أنّه صبغه) أي: الشعر- حقيقة، لأن التأويل خلاف الأصل (في وقت وتركه في معظم
стр. 332
الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى، وهو صادق.
الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى؛ وهو صادق.) قال: وهذا التأويل كالمتعيّن؛ لحديث ابن عمر في «الصحيحين» - أي المتقدم قريبا-: أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة، قال: ولا يمكن تركه لصحته، ولا تأويل له. انتهى كلام النووي.
قال الزرقاني: وفيه نظر؛ إذ هو في نفسه محتمل للثياب والشعر، ثم قد ورد ما يعيّن الأول؛ وهو ما في «سنن أبي داود» ؛ عن ابن عمر نفسه: كان يصبغ ﷺ بالورس والزعفران حتى عمامته، ولذا رجّحه عياض. انتهى كلام الزرقاني.
قال المناوي في «شرح الشمائل» بعد ذكر كلام النووي: وللمخالف أن يقول: تركه في معظم الأوقات وفعله على الندور؛ فيه شعور بأنه إنما فعله أحيانا بيانا للجواز؛ فقصاراه الإباحة، فدلالته على السّنّيّة من أين!؟ انتهى.
أما الإمام العلّامة الحافظ عبد الرحمن بن علي الدّيبع اليمني الزبيدي رحمه الله تعالى، فقد وافق القاضي عياضا على الإنكار، ولمّا بلغه عن بعض فضلاء عصره أن النبي ﷺ كان يخضب لحيته أنكر ذلك عليه، وكتب هذه الأبيات:
والله ما وقّر المختار من مضر ... من ادّعى أنّه للشّيب قد خضبا
لم يبلغ الخضب فيما قاله أنس ... وهو الخبير به من دون من صحبا
إذ كان خادمه دهرا يلازمه ... ليلا وصبحا مقيما عنده حقبا
قالوا له: احمرّ منه الشّعر؟ قال: نعم ... من كثرة الطّيب تلك الحمرة اكتسبا
ما شاب شيبا إلى فعل الخضاب دعا ... بل كان يدخل تحت الحصر لو حسبا
إذا تدهّن وارى الدّهن ذاك فلم ... يرى له أثرا من رام أو طلبا
ومن يقل «قد أرتني أمّ سلمة مخ ... ضوبا من الشّعر» أي من طيبه انخضبا
إذ لم يقل إنّها قالت له خضب ال ... نّبيّ هذا مقالي الحقّ قد وجبا
ومن روى صبغه بالصّفرة اعتبروا ... ما قال في ثوبه أو نعله أدبا
لا في الشّعور وقس ما قيل فيه على ... ما قيل إنّ رسول الله قد كتبا
стр. 333
وكان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشّعر مخالفة للأعاجم. وكان ﷺ يتنوّر في كلّ شهر، ويقلّم أظفاره في كلّ خمسة عشر يوما.
وكان ﷺ إذا اطّلى ...
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» ؛ عن عتبة بن عبد قال: (كان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشّعر) ؛ أي: بتغيير لونه الأبيض بالخضاب بغير سواد؛ كحنّاء، أما تغييره بالسواد! فحرام لغير الجهاد، ثم علّل الأمر بتغيير الشعر بقوله:
(مخالفة للأعاجم) ، فإنّهم لا يصبغون شعورهم، وهذا علّة للتغيير، والأعاجم؛ جمع: أعجم، أو أعجمي: وهم خلاف العرب.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» - وهو حديث ضعيف-؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ قال (كان) رسول الله ﷺ يتنوّر) - أي: يستعمل النّورة لإزالة الشعر- (في كلّ شهر) مرّة. قال السيوطيّ: والتّنوّر مباح؛ لا مندوب، لعدم ثبوت الأمر به، وفعله؛ وإن حمل على الندب لكن هذا من العاديات! فهو لبيان الجواز، ويحتمل ندبه لما فيه من الامتثال، والكلام إذا لم يقصد الاتباع، وإلّا! كان سنّة. انتهى «نقله العزيزي عن المناوي» .
(ويقلّم أظفاره) - يعني: يزيلها بقلم؛ أو غيره فيما يظهر- (في كلّ خمسة عشر يوما) مرّة. قال الغزالي: قيل: إنّ النورة في كلّ شهر مرّة تطفىء الحرارة، وتنقي اللون، وتزيد في الجماع، وورد أنّه كان يقلّمها يوم الجمعة، وفي رواية:
كلّ يوم جمعة، ولعلّه كان يفعل ذلك تارة كلّ أسبوع، وتارة كل أسبوعين!! بحسب الحاجة. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج ابن سعد؛ عن إبراهيم، وعن حبيب بن أبي ثابت مرسلا؛ وسنده صحيح: (كان) رسول الله ﷺ إذا اطّلى) أصله: اتطلى- قلبت التاء طاء وأدغمت- يقال: طليته بالنّورة أو غيرها: لطّخته، واطّليت- بترك المفعول- إذا
стр. 334
بالنّورة.. ولي عانته وفرجه بيده.
وكان ﷺ إذا اطّلى.. بدأ بعورته فطلاها بالنّورة، وسائر جسده أهله.
فعل ذلك بنفسه (بالنّورة) المعروفة؛ وهي: زرنيخ وجصّ (ولي عانته) وهي:
اسم للشعر النابت فوق ذكر الرجل وفرج المرأة؛ وهو قول ابن الأعرابي وابن السّكّيت، وقال الأزهري وجماعة: هي منبت الشعر على الفرجين؛ لا الشعر نفسه! واسمه الإسب- بكسر الهمزة وسكون المهملة-. انتهى زرقاني على «المواهب» .
(وفرجه بيده) الشريفة، ولا يمكّن أحدا من أهله من مباشرتها لشدّة حيائه، وفي رواية بدل «عانته» : «مغابنه» - بغين معجمة- جمع مغبن؛ من: غبن الثوب إذا أثناه، وهي: بواطن الأفخاذ وطيّات الجلد. قال ابن حجر: وهذا الحديث يقابله حديث أنس رضي الله تعالى عنه: كان لا يتنوّر، وكان إذا كثر شعره حلقه. وسنده ضعيف جدا. انتهى.
قال المناوي: وهذا الحديث- أي: المرويّ في المتن- رواه ابن ماجه والبيهقي- إلّا «فرجه» - عن أمّ سلمة. قال في «الفتح» : ورجاله ثقات، لكن أعلّ بالإرسال، وأنكر أحمد صحّته، وروى الخرائطيّ؛ عن أمّ سلمة: أن النبي ﷺ كان ينوّره الرجل فإذا بلغ مراقه تولّى هو ذلك. انتهى.
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن أم سلمة بإسناد جيد، ورواه عنها البيهقي أيضا- قال في «المواهب» : ورجاله ثقات، لكن أعلّ بالإرسال قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا اطّلى) بالنورة (بدأ بعورته) - أي: ما بين سرّته وركبته- (فطلاها بالنّورة) المعروفة بيد نفسه، (و) طلى (سائر) - أي: باقي- (جسده) من كل ما فيه شعر يحتاج لإزالته (أهله) بالرفع فاعل «طلى» ، أي: بعض أهله؛ أي زوجاته.
وإنما لم يمكّن بعض الزوجات من طلاء عورته؛ مع أنه يجوز للزوجة نظر عورة زوجها بإذنه لشدّة حيائه ﷺ .
стр. 335
.........
فاستعمال النورة مباح؛ لا مكروه، وتوقف السيوطي في كونها سنة، قال:
لاحتياجه إلى ثبوت الأمر بها؛ كحلق العانة ونتف الإبط.
وفعله وإن كان دليلا على السنة؛ فقد يقال: هذا من الأمور العادية التي لا يدلّ فعله لها على سنة. وقد يقال: فعله لبيان الجواز ككلّ مباح. وقد يقال: إنها سنة، ومحلّه كلّه ما لم يقصد اتّباع النبي ﷺ في فعله، وإلا! فهو مأجور، آت بالسنة. انتهى.
قال: وأما خبر «كان لا يتنوّر» !! فضعيف لا يقاوم هذا الحديث القوي إسنادا، على أنّ هذا الحديث مثبت وذاك ناف، والقاعدة عند التعارض تقديم المثبت.
قال ابن القيّم: لم يدخل نبينا ﷺ حماما قطّ. ويردّه ما رواه الخرائطيّ؛ عن أحمد بن إسحاق الورّاق عن سليمان بن ناشرة؛ عن محمد بن زياد الألهاني قال:
كان ثوبان مولى المصطفى ﷺ جارا لي، وكان يدخل الحمام، فقلت: فأنت صاحب رسول الله ﷺ تدخل الحمام!!. فقال: كان رسول الله ﷺ يدخل الحمام، وكان يتنوّر.
وأخرجه أيضا يعقوب بن سفيان في «تاريخه» ؛ عن سليمان بن سلمة الحمصي؛ عن بقية؛ عن سليمان بن ناشرة به.
وأخرجه ابن عساكر في «تاريخه» من طريقه.
قال ابن القيم: وقد ورد في النّورة عدّة أحاديث هذا أمثلها، يعني حديث أمّ سلمة الذي في المتن، قال: وأما خبر «كان لا يتنوّر، وكان إذا كثر شعره حلقه» !! فجزم بضعفه غير واحد. انتهى من «المناوي الكبير» .
وما قرّره من دخوله ﷺ الحمام مخالف لما صرّح به ابن حجر وغيره أن العرب لم تعرف الحمام ببلادها إلّا بعد موته ﷺ . فليحرر.
стр. 336
وكان ﷺ يقلّم أظفاره ويقصّ شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى الصّلاة.
(و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ من حديث إبراهيم بن قدامة الجمحي عن الأغرّ، وكذا البزّار عنه؛ كلاهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال (كان) رسول الله ﷺ يقلّم أظفاره ويقصّ شاربه يوم الجمعة) . قال الحفني:
أي اتفق أنه وقع ذلك يوم الجمعة، لا أنه يطلب تأخيره إلى يوم الجمعة أو الخميس، بل المدار على الحاجة إلى ذلك، ولم يثبت في تخصيص يوم بالقص شيء. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: المعتمد أنه يسنّ كيفما احتاج إليه، ولم يثبت في استحباب قصّ الظفر يوم الخميس حديث، ولا في كيفيته، ولا في تعيين يوم له، وما عزي لعلي من النظم باطل. انتهى: وهذا النظم المعزوّ لعليّ:
ابدأ بيمناك وبالخنصر ... في قصّ أظفارك واستبصر
وكذا ما عزي لشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر من النظم باطل أيضا؛ كما قاله الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى، وهو قوله:
في قصّ ظفرك يوم السّبت آكلة ...
قال الحفني في حاشية «الجامع الصغير» : لكن صحّ عندنا- كما في الفقه- أنه يطلب البدء بسبابة اليمين. انتهى. قال في «المواهب» : والمراد مما يأخذه من الأظفار: إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر، وإنما استحبّ!! لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حدّ يمنع من وصول الماء فيما يجب غسله في الطهارة، ولا يصح الوضوء حينئذ. انتهى ملخصا مع الشرح.
(قبل أن يروح إلى الصلاة) قال المناوي: يعارضه خبر البيهقي؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: «المؤمن يوم الجمعة كهيئة المحرم؛ لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى تنقضي الصلاة» . وخبره؛ عن ابن عمر:
стр. 337
وكان ﷺ يأمر بدفن الشّعر والأظفار.
وكان ﷺ يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان:
الشّعر، والظّفر، والدّم، والحيضة، والسّنّ، والعلقة، والمشيمة.
«المسلم يوم الجمعة محرم فإذا صلّى فقد حلّ» والجواب بأنّ هذين ضعيفان، وهذا الجواب لا ينجع؛ إذ خبرنا ضعيف أيضا، وروى الديلمي في «مسند الفردوس» بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من أراد أن يأمن الفقر وشكاية العين والبرص والجنون؛ فليقلّم أظفاره يوم الخميس بعد العصر، وليبدأ بخنصر يده اليمنى» . انتهى
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» عن وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه؛ قال: (كان) رسول الله ﷺ يأمر بدفن الشّعر) - المبان بنحو قصّ أو حلق أو نتف من نحو رأس أو لحية- (والأظفار) المبانة بقصّ أو قطع أو غيرهما، لأن الآدمي محترم؛ فكذا أجزاؤه، فأمر بدفنها لئلا تتفرّق أجزاؤه، وقد يقع في النار أو غيرها من الأقذار، لكن ذلك الأمر على سبيل الندب؛ لا الوجوب!
(و) أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» بدون سند؛ عن عائشة ﵂ قالت: (كان) رسول الله ﷺ يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان:
الشّعر، والظّفر، والدّم) - قال الحكيم الترمذي: روي أن رسول الله ﷺ احتجم، وقال لعبد الله بن الزبير: أخفه حيث لا يراك أحد، فلما برز شربه ورجع، فقال:
«ما صنعت» ؟ فقال: جعلته في أخفى مكان عن الناس. فقال: «شربته!؟» قال: نعم، قال له: «ويل للنّاس منك، وويل لك من النّاس» ، انتهى. أي:
للشدة التي حصلت له باختلاط دمه بدم رسول الله ﷺ ، فيقاتل الناس ويقاتلونه، وإن كان شرب دمه جائزا مطلوبا للتبرّك، إلّا أنه يحصل منه الشدة المترتّب عليها ما ذكر. انتهى. «حفني ومناوي» .
(والحيضة) - بكسر الحاء المهملة: خرقة الحيض- (والسّن، والعلقة، والمشيمة) وهي ما يكون فيه المولود حين نزوله من بطن أمه، وإنما يأمر بدفن هذه
стр. 338
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلّاق يحلقه، وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل.
السبعة!! لأنها من أجزاء الآدمي فتحترم كما تحترم جملته لما تقدّم.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» ؛ (عن أنس) بن مالك الصحابي الجليل خادم رسول الله ﷺ عشر سنين- تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه قال:
رأيت رسول الله ﷺ في حجة الوداع (والحلّاق) معمر بن عبد الله- كما ذكره البخاري- وقيل: خراش بن أمية- بمعجمتين-، والصحيح الأول، فإنّ خراشا كان الحلّاق بالحديبية (يحلقه) - بكسر اللام- (وأطاف به أصحابه) - دار ما حوله- (فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل) تيمّنا وتبرّكا، وفي «الصحيحين» عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه ﷺ لمّا حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره.
قال القسطلّاني: ولم يرو أنه ﷺ حلق رأسه الشريف في غير نسك حج؛ أو عمرة فيما علمته، وبه جزم ابن القيّم؛ فقال: لم يحلق رأسه إلّا أربع مرات، قال العراقي في «نظم السيرة» :
يحلق رأسه لأجل النّسك ... وربّما قصّره في نسك
وقد رووا لا توضع النّواصي ... إلّا لأجل النّسك المحّاص
فتبقية الشعر في الرأس سنّة، ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن لم يستطع التبقية يباح له إزالته. انتهى.
стр. 339
[الفصل الرّابع في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطّبيعيّة]
الفصل الرّابع في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطّبيعيّة روى مسلم ...
(الفصل الرابع) من الباب الثاني (في) - بيان ما ورد في (صفة عرقه) بفتح العين والراء- أي: رشح بدنه ﷺ ؛ لونا وريحا وكثرة، (و) في صفة (رائحته الطّبيعيّة) من غير أن يمسّ طيبا.
(روى) الإمام الحافظ الحجّة؛ أبو الحسين (مسلم) بن الحجّاج بن مسلم القشيري؛- من بني قشير؛ قبيلة من العرب معروفة. النيسابوريّ.
إمام أهل الحديث، سمع قتيبة بن سعيد، والقعنبيّ، وأحمد ابن حنبل، وخلائق من الأئمة، وروى عنه أبو عيسى الترمذي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد وهو رواية «صحيح مسلم» -، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وخلائق.
وأجمعوا على جلالته وإمامته وعلوّ مرتبته وحذقه في هذه الصنعة، وتقدّمه فيها، وتضلّعه منها.
ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه وحذقه وقعوده في علوم الحديث واضطلاعه منها وتفنّنه فيها كتابه «الصحيح» ، الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة ولا نقصان، ومع هذا ف «صحيح البخاري» أصحّ وأكثر فوائد، هذا هو مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح المختار.
стр. 340
عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه قال: كان رسول الله ﷺ كثير العرق. وكان عرقه ﷺ في وجهه كاللّؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر.
وكانت وفاته عشية الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة:
٢٦١- إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة رضي الله تعالى عنه ورحمه رحمة الأبرار. آمين.
(عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه؛ أنّه قال:
كان رسول الله ﷺ كثير العرق) ؛ وهو قطعة من حديث سيأتي.
(و) أخرج أبو نعيم وغيره؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان عرقه ﷺ في وجهه كاللّؤلؤ) في الصفاء والبياض، واللؤلؤ- بهمز أوله وآخره، وبتركهما، وبهمز الأول دون الثاني وعكسه-.
وفي مسلم؛ عن أنس: كان ﷺ أزهر اللون كأنّ عرقه اللؤلؤ ... الحديث.
وروى البيهقيّ؛ من حديث عائشة: كان يخصف نعله؛ وكنت أغزل، فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتلألأ نورا.
وروى البيهقي؛ من حديث علي: كان عرقه اللؤلؤ.
(وأطيب من المسك الأذفر) - بذال معجمة- أي: شديد الرائحة ويقع على الكريه، ويفرّق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به، وأمّا بدال مهملة!! فخاصّ بالنتن.
روى البيهقيّ؛ من حديث علي: ولريح عرقه أطيب من المسك الأذفر، وفي سنده رجل مجهول، والمراد بيان رائحته الذاتية؛ لا المكتسبة، لأنه لو أريد المكتسبة لم يكن فيه كمال مدح، بل لا تصحّ إرادتها وحدها، ومع كونه كان كذلك؛ وإن لم يمسّ طيبا؛ كان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات؛ مبالغة في طيب ريحه، لملاقاة الملائكة ومجالسته المسلمين، وللاقتداء به في التطيّب فإنّه سنّة أكيدة.
стр. 341
وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. ثقل لذلك، وتحدّر جبينه عرقا كأنّه جمان، وإن كان في البرد.
وكان ﷺ يأتي أمّ سليم فيقيل عندها، ...
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» بإسناد صحيح؛ عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (كان) رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي ثقل لذلك) النزول (وتحدّر) - بفتح الحاء وتشديد الدال المهملتين-؛ أي: سال (جبينه عرقا) بالتحريك؛ تمييز- (كأنّه جمان) - بضم الجيم وتخفيف الميم-، أي: لؤلؤ، لثقل الوحي عليه (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (٥) [المزمل] ؛ (وإن كان) نزوله (في البرد) ؛ أي: الزمن البارد، لشدّة ما يلقى عليه من القرآن، ولضعف القوّة البشرية عن تحمّل مثل ذلك الوارد العظيم، وللوجل من خوف تقصير فيما أمر به من قول أو فعل، ولشدّة ما يأخذ به نفسه من جمعه في قلبه وحفظه، فيعتريه لذلك حال كحال المحموم، وحاصله: أنّ الشدّة إما لثقله، أو لإتقان حفظه، أو لابتلاء صبره، أو للخوف من التقصير؛ قاله المناوي في «كبيره» .
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» ؛ من طريق أبي قلابة؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ يأتي أمّ سليم) - بالتصغير- بنت ملحان- بكسر الميم- ابن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية النجّاريّة، يقال اسمها سهلة، أو رميلة، أو رميثة، أو مليكة، أو أنيقة، وهي: الغميصا- بضم الغين المعجمة-، أو الرميصاء- بالراء-، اشتهرت بكنيتها؛ وهي أمّ أنس بن مالك «خادم رسول الله ﷺ » ، وكانت تحت أبي طلحة، وهي من الصحابيّات الفاضلات، وكانت وفاتها في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، ولفظ الحديث؛ كما في «مسلم» : حدثنا عفّان بن مسلم؛ قال: حدّثنا وهيب؛ قال:
حدّثنا أيوب؛ عن أبي قلابة؛ عن أنس؛ عن أم سليم: أن النبي ﷺ كان يأتيها (فيقيل عندها.) - قال في «النهاية» : القيلولة: الاستراحة نصف النهار؛ وإن لم يكن معها نوم، يقال: قال يقيل قيلولة؛ فهو قائل. انتهى.
стр. 342
فتبسط له نطعا فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب، فقال النّبيّ ﷺ : «يا أمّ سليم؛ ما هذا؟» . قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب.
وفي رواية قالت: يا رسول الله؛ نرجو بركته لصبياننا. قال:
«أصبت» .
وكان كفّه ﷺ ألين من الحرير، (فتبسط له نطعا) - بفتح النون وكسرها مع فتح الطاء وسكونها- أربع لغات، وهو: بساط من أديم معروف؛ (فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب) والقوارير.. الحديث.
وفي رواية؛ عن ثابت؛ عن أنس بن مالك قال: دخل علينا النبيّ ﷺ فقال عندنا، فعرق، وجاءت أمّي بقارورة؛ فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي ﷺ ؛ (فقال النّبيّ ﷺ : «يا أمّ سليم؛ ما هذا) الّذي تصنعين» !! (قالت) : هذا (عرقك) . خبر موطّىء لقوله (نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب) . قال الأبّي: وكانت رائحة العرق أخصّ من رائحة البدن كما يوجد في ضدّ طيب الرائحة، فإنّ ذا الرّائحة الكريهة هي منه في حالة العرق أكره منها في حالة عدم العرق.
(وفي رواية) لمسلم؛ من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة؛ عن أنس: (قالت: يا رسول الله؛ نرجو بركته لصبياننا. قال: «أصبت» ) - بكسر التاء- خطاب لأمّ سليم.
وهذه الأحاديث ترجم لها الإمام النووي في «شرح مسلم» : باب طيب عرقه ﷺ والتبرّك به، قال النووي: وفيه الدخول على المحارم، وجواز النوم على الأدم؛ وهي الأنطاع والجلود. انتهى.
(و) قال الشعراني في «كشف الغمة» : (كان كفّه ﷺ ألين من الحرير،
стр. 343
وكانت رائحته كرائحة كفّ العطّار، مسّها ﷺ بطيب أم لم يمسّها، وكان يصافح الرّجل فيظلّ يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحها على رأسه.
وكانت رائحته كرائحة كفّ العطّار، مسّها ﷺ بطيب؛ أم لم يمسّها) ؛ أي:
الكف، وفيه قلب، إذ الظاهر «مسّ بها طيبا؛ أم لا» ، وهو إشارة إلى أن طيبه ذاتيّ.
روى مسلم في «صحيحه» ؛ عن أنس ﵁: ما شممت شيئا قطّ؛ مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول الله ﷺ ، ولا مسست شيئا قطّ؛ حريرا ولا ديباجا ألين مسّا من رسول الله ﷺ . انتهى.
(وكان يصافح) ؛ أي: يمسّ النبي ﷺ بصفحة يده (الرّجل) - وفي رواية:
يصافحه المصافح؛ وهو: من يريد مصافحته- (فيظلّ) - بفتح الظاء المعجمة- (يومه) - منصوب على الظرفية- (يجد ريحها) الطّيبة طيبا خلقيا، خصّه الله به معجزة وتكرمة، فالإضافة عهدية.
وعند الطبراني؛ من حديث وائل بن حجر: كنت أصافح رسول الله ﷺ أو يمسّ جلدي جلده فأتعرّفه بعد في يدي؛ وإنّه لأطيب من ريح المسك. وهذا صادق ببقائه أكثر من يوم لم يقيد التعرف بزمن.
(ويضع يده على رأس الصّبيّ) ؛ أيّ صبي كان لا معيّن، (فيعرف من بين الصّبيان بريحها على رأسه) لشدّة فوحه برائحتها الحاصلة بمسّه، والفاء للسببية؛ أي: يعرف أنّ النبي ﷺ مسّه فيميّز من بينهم، وفي رواية «لريحها» - باللام التعليلية- ومعناهما واحد، وفي رواية «من ريحها» ، ويحتمل أنّ ذلك في يومه، وأنّه يستمرّ مدّة طويلة.
وهذا الحديث رواه أبو نعيم، والبيهقي بإسناد ضعيف؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها بمخالفة في آخره، ولفظ عائشة رضي الله تعالى عنها: ويضعها على رأس الصبي؛ فيعرف من بين الصبيان أنّه مسح على رأسه. انتهى.
стр. 344
وقال أنس: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ .
وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ مسح خدّه، ...
وأورده ابن دحية في «المستوفى» بلفظ: وكان ﷺ إذا صافح أحدا فيظلّ يومه يجد ريحها. والباقي كما في «المتن» .
(وقال أنس) - كما في البخاري في صفة النبي ﷺ : (ما مسست) - قال الحافظ وغيره: بمهملتين الأولى مكسورة، ويجوز فتحها والثانية ساكنة- (ديباجا) - بكسر المهملة وحكي فتحها، وقال أبو عبيد: الفتح مولّد؛ أي ليس بعربي. قال في «النهاية» : الديباج- بكسر الدال-: الثياب المتخذة من الإبريسم «فارسي معرّب» وقد تفتح داله، ويجمع على ديابيج- بالياء التحية-، ودبابيج بالباء الموحدة- وفي «المصباح» : الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم. انتهى.
(ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ ، أي: بل كفّه الشريفة كانت الين من كلّ شيء، ولا ينافيه ما مرّ أنّه شثن الكف؛ لأنّ معناه- كما تقدم- أنّه غليظها، فمع كونه غليظ الكفّ كان ناعمها، وتمام الحديث: ولا شممت ريحا قطّ، أو عرقا قطّ أطيب من ريح أو عرق النبي ﷺ . هذا بقيّة الحديث عند البخاري، وأخرجه مسلم بنحوه كما تقدّم.
(و) روى مسلم في «صحيحه» ؛ (عن جابر بن سمرة) الصحابي ابن الصحابي (رضي الله تعالى عنهما) قال:
صلّيت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان؛ فجعل يمسح خدّي أحدهم واحدا واحدا، قال: وأمّا أنا فمسح خدّي. فذكره المصنف بمعناه حيث قال:
(أنّ رسول الله ﷺ مسح خدّه) تأنيسا وشفقة وتبريكا.
стр. 345
قال: فوجدت ليده بردا وريحا؛ كأنّما أخرجها من جؤنة عطّار.
وكان ﷺ يعرف منه ريح الطّيب إذا أقبل.
وكان ﷺ لا يسلك طريقا فيتبعه ...
(قال) جابر: (فوجدت) - أي أحسست- (ليده) أي: كفّه وما قاربها (بردا) حقيقيا، لرواية «أبرد من الثلج» لا لعارض مسّ ماء، وهذا ممدوح عند العرب لا سيما في الزمن الحارّ، ولا بعد في أنه خاصّ به مع كمال حرارته الغريزية، وقيل: هو عبارة عن لين كفّه ورطوبته، والأقرب أنّه بمعنى الراحة واللّذة والطيب.
قال في «النهاية» : كلّ محبوب عندهم بارد، و «برد الظل طيب العيش» ، و «الغنيمة الباردة: الهنية» .
(و) وجدت لها (ريحا؛ كأنّما أخرجها) - أي: اليد؛ لأنها مؤنثة- (من جؤنة) - بضم الجيم وسكون الهمزة، ويقال بواو ساكنة تليها نون وهاء تأنيث-:
شبه صندوق صغير مغشى بجلد وزند مستدير، يضع العطار فيها عطره، وهو: كلّ ما طابت رائحته، أي: كأنّ ريح يده ريح ما أخرج من جؤنة (عطّار) مضمّخا بالعطر، والجملة صفة «ريحا» ، أو مستأنفة، وقال يزيد بن الأسود: ناولني رسول الله ﷺ يده فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك. رواه البيهقي.
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ عن إبراهيم مرسلا- وهو حديث حسن-: (كان) رسول الله ﷺ يعرف منه ريح الطّيب إذا أقبل) ، لأنّه كان رائحة الطيب صفته؛ وإن لم يمسّ طيبا، فكلما مرّ على محلّ عبق طيبا؛ فكان الشخص إذا شمّ ذلك الطيب عرف أنّه ﷺ مرّ من ذلك المحل؛ وإن لم ير ذاته الشريفة- كما سيأتي-.
(و) أخرج البخاري في «تاريخه» ، والبيهقي، والدارمي، وأبو نعيم بألفاظ متقاربة؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ لا يسلك طريقا فيتبعه) - بالرفع؛ أي: يأتي بعد ذهابه منه، لا يمشي تابعا له،
стр. 346
أحد.. إلّا عرف أنّه قد سلكه من طيب عرفه.
وذكر إسحاق بن راهويه: ...
وهو بالتخفيف والتشديد، ويجوز نصبه، أي: يمشي بعده بزمان قليل، فالفاء للتعقيب- (أحد) فاعل «يتبع» على حال من الأحوال (إلّا) على حال (عرف أنّه) ﷺ (قد سلكه) ؛ أي: دخل الطريق ومرّ فيه (من طيب عرفه) - بالفاء-:
ريحة الطيب، والضمير للنبي ﷺ ، فيفيد طيب ريح بدنه؛ وإن لم يعرق، وذلك لأن القلب الطّاهر الحيّ يشمّ منه رائحة الطيب، كما أن القلب الخبيث الميت يشمّ منه رائحة النتن، لأن نتن القلب والروح يتّصل بباطن البدن أكثر من ظاهره، والعرق يفيض من الباطن، والنفس الطيّبة يقوى طيبها ويفوح عرف عرقها حتّى يبدو على الجسد، والخبيثة بضدّها؛ كذا قال بعضهم؛ نقله الزرقاني رحمه الله تعالى.
ولله درّ من قال:
ولو أنّ ركبا يمّموك لقادهم ... نسيمك حتّى يستدلّ به الرّكب
وروى أبو يعلى، والبزار بإسناد صحيح؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب؛ وقالوا: مرّ رسول الله ﷺ من هذا الطريق.
وما أحسن قول من قال في هذا المعنى:
يروح على غير الطّريق الّتي غدا ... عليها فلا ينهى علاه نهاته
تنفّسه في الوقت أنفاس عصره ... فمن طيبه طابت له طرقاته
تروح له الأرواح حيث تنسّمت ... له سحرا من حبّه نسماته
قوله «تنفّسه» مبتدأ، وقوله «أنفاس عصره» - بالصاد- خبر على حذف مضاف؛ أي: أهل عصره، وذلك لأن النّفس الواحد منه في وقت يعمّ أهل الأرض جميعا. انتهى.
قال في «الشفا» : (وذكر إسحاق بن راهويه) : أبو يعقوب المروزي، الإمام
стр. 347
أنّ تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ .
الزاهد الثقة المجتهد، أمير المؤمنين في الحديث- كما قاله ابن حنبل رحمه الله تعالى- وهو الذي أحيا السّنة بالمشرق. ما سمع شيئا إلّا حفظه، وما حفظ شيئا فنسيه، قال: كأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألف حديث أسردها. وهو عالم خراسان، طاف البلاد لجمع الحديث، أخذ عنه الإمام أحمد ابن حنبل، والبخاري، ومسلم وغيرهم، استوطن نيسابور وتوفي بها سنة:
٢٣٨- ثمان وثلاثين ومائتين، وولادته سنة: - ١٦١- إحدى وستين ومائة، و «راهويه» لقب أبيه إبراهيم بن مخلد التميمي الحنظلي، لقب به!! لأنّه ولد بطريق مكة و «راه» بالفارسية: معناه الطريق، و «هو» بالهاء والواو المفتوحتين والمثناة التحتية الساكنة والهاء المكسورة في المشهور، ويقال [راهويه] بضم الهاء وسكون الواو وتحتانية مفتوحة ك «نفطويه» ، وهو أحبّ عند المحدثين، آخره «هاء» .
(أنّ تلك) الرائحة التي كانت تشمّ منه وتبقى في الطريق (كانت رائحته) الذاتيّة المدركة منه ﷺ (بلا طيب) يمسّه ويتطيّب منه من خارج، ومع هذا كان يستعمل الطيب في أكثر أوقاته مبالغة في طيب ريحه؛ لملاقاة الملائكة وأخذ الوحي ومجالسة المسلمين؛ قاله النووي. ولأنه حبّب إليه كما قال: «حبّب إليّ من دنياكم: النّساء، والطّيب» كما سيأتي.
وروى ابن مردويه؛ عن أنس ﵁: كان ﷺ منذ أسري به ريحه ريح عروس؛ وأطيب من ريح عروس. ولا دلالة فيه على أنّ مبدأ طيب ريح جسده من ليلة الإسراء؛ كما زعم من زعم!! إذ ريح عروس أخصّ من مطلق رائحة طيبه، فلا ينافي أنّه طيّب الرائحة من حين ولد؛ كما رواه أبو نعيم والخطيب: أنّ أمّه آمنة لما ولدته، قالت: ثمّ نظرت إليه؛ فإذا هو كالقمر ليلة البدر، ريحه يسطع كالمسك الأذفر ﷺ .
وقد تقدّم ما يدلّ على ما قاله إسحاق من الأحاديث. فما قيل «أنّه لم يظهر من
стр. 348
وعن أمّ عاصم امرأة عتبة بن فرقد السّلميّ قالت: كنّا عند عتبة أربع نسوة، فما منّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطّيب؛ لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطّيب إلّا أن يمسّ دهنا يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحا منّا، وكان إذا خرج إلى النّاس.. قالوا:
ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنّا لنجتهد في الطّيب، ولأنت أطيب ريحا منّا! فممّ ذلك؟! ...
رواه، والظاهر ثبوته عندهم» !! من قلة التتبّع؛ قاله الشهاب الخفاجي في «شرح الشفاء» .
(وعن أمّ عاصم امرأة عتبة) - بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية- (ابن فرقد) - بفتح الفاء والقاف بينهما راء ساكنة- ابن يربوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن رفاعة (السّلميّ) - وقال ابن سعد: يربوع هو فرقد- شهد خبير وقسم له منها، فكان يعطيه لبني أخواله عاما ولبني أعمامه عاما، وغزا مع النبي ﷺ غزوتين، وولّاه عمر ﵁ في الفتوح، ففتح الموصل سنة: ثمان عشرة مع عياض بن غنم، ونزل بعد ذلك الكوفة، ومات بها. ذكره في «الإصابة» .
(قالت: كنّا عند عتبة) - حال من- (أربع نسوة) ، لأنّه في الأصل صفة لها، فلما قدّم أعرب حالا، و «أربع» خبر كان، (فما منّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطّيب) ؛ أي: في تحصيل أحسنه واستعماله، (لتكون أطيب من صاحبتها) كما هو شأن الضرائر، (وما يمسّ عتبة الطّيب إلّا أن يمسّ دهنا) مطيّبا (يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحا منّا وكان إذا خرج إلى النّاس؛ قالوا: ما شممنا) - بكسر الميم الأول وتفتح، وإسكان الثانية- (ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما:
إنّا لنجتهد في الطّيب؛ ولأنت أطيب ريحا منّا! فممّ) - بحذف ألف «ما» الاستفهامية، لأنّه يحذف إذا دخل عليها حرف الجر، أي: من أي سبب- (ذلك) الوصف الذي ثبت لك؟!.
стр. 349
فقال: أخذني الشّرى على عهد رسول الله ﷺ ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرّد، فتجرّدت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده، ثمّ مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطّيب من يومئذ. رواه الطّبرانيّ في «معجمه الصّغير» .
وروى أبو يعلى ...
(فقال: أخذني الشّرى) - كالصّدى: بثور صغار حمر حكّاكة مكربة، تحدث دفعة غالبا، وتشتدّ ليلا لبخار حارّ يثور في البدن دفعة؛ كما في «القاموس» - (على عهد رسول الله ﷺ فأتيته فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرّد، فتجرّدت عن ثوبي وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي) وما حوله، واقتصر عليه بكونه أفحش، ويحتمل خلافه، (فنفث) - أي: تفل- (في يده) الشريفة (ثمّ مسح ظهري وبطني بيده) الشريفة. (فعبق) - بفتح الباء، أي: لزق- (بي هذا الطّيب من يومئذ.
رواه الطّبرانيّ) : سليمان بن أحمد بن أيّوب بن مطير اللّخمي الشامي، أبو القاسم، من كبار المحدثين، أصله من طبرية الشام؛ وإليها نسبته، ولد بعكا سنة: - ٢٦٠- ستين ومائتين هجرية، ورحل إلى الحجاز واليمن ومصر والعراق وفارس والجزيرة، وتوفي بأصبهان سنة: - ٣٦٠- سنة ستين وثلثمائة هجرية، وله ثلاثة معاجم في الحديث: «كبير» و «صغير» و «أوسط» ؛ طبع الصغير «١» ، رتّب فيه أسماء المشايخ على الحروف، وله كتب في التفسير، والأوائل، ودلائل النبوة، وغير ذلك، رحمه الله تعالى آمين (في «معجمه الصّغير» ) و «الكبير» أيضا، كما في «الإصابة» .
(وروى أبو يعلى) : أحمد بن علي بن المثنّى التميميّ الموصليّ الحافظ
стр. 350
والطّبرانيّ قصّة الّذي استعان بالنّبيّ ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة فسلت له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطّيّب به» ، فكانت إذا تطيّبت به شمّ أهل المدينة ذلك الطّيب، فسمّوا «بيت المطيّبين» .
المشهور الثقة، نعته الذهبي ب «محدّث الموصل» ، عمّر طويلا وتفرّد ورحل الناس إليه، وزاد عمره على المائة، وكانت وفاته سنة: - ٣٠٧- سبع وثلثمائة- بتقديم المهملة على الموحدة- بالموصل، وله كتب منها «المعجم» في الحديث، و «مسندان» كبير وصغير.
(والطّبرانيّ) ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (قصّة) - مفعول «روى» - (الّذي استعان بالنّبيّ ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة) - أي: طلبها من الرجل- (فسلت) ؛ أي: مسح بأصبعه (له فيها من عرقه) - محرّكة؛ أي بعضه- (وقال: «مرها فلتطّيّب به» ) وهذا الحديث ذكره المصنف بالمعنى تبعا لصاحب «المواهب» .
ولفظ أبي يعلى والطبرانيّ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ إنّي زوّجت ابنتي؛ وأنا أحبّ أن تعينني بشيء، قال: «ما عندي شيء، ولكن إذا كان غدا فاتني بقارورة واسعة الرّأس وعود شجرة، وآية ما بيني وبينك أن أجيف ناحية الباب» .
فلما كان من الغد أتاه بذلك، فجعل النبي ﷺ يسلت العرق عن ذراعيه حتّى امتلأت القارورة؛ فقال: «خذها وأمر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة فتطيّب به» .
(فكانت إذا تطيّبت به شمّ أهل المدينة ذلك الطّيب) ، وإن بعدوا عن دارها؛ هذا ظاهره، ولا مانع؛ إذ هو أمر خارق، (فسمّوا «بيت المطيّبين» ) قال الذهبي: حديث منكر؛ أي ضعيف. انتهى «زرقاني» .
стр. 351
[الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه]
الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيّب منها. ومعنى (السّكّة) : طيب ...
(الفصل الخامس) من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة طيبه ﷺ وتطيّبه) ؛ أي: استعماله الطيب وما يتعلّق بذلك
فائدة: يتأكّد الطّيب للرجال في نحو يوم الجمعة، والعيدين، وعند الإحرام، وحضور الجماعة، والمحافل، وقراءة القرآن، والعلم، والذكر، ويتأكّد لكلّ من الرجل والمرأة عند المباشرة، فإنّه من حسن المعاشرة.
روى أبو داود في «سننه» ، والترمذي في «شمائله» بسند حسن؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه) قال: (كان لرسول الله ﷺ سكّة) - بضم السين المهملة وتشديد الكاف، - قيل: هي طيب مركّب، وقيل: وعاء الطيب، فإن كان المراد بها هنا نفس الطيب فمن في قوله (يتطيّب منها) للتبعيض، وإن كان المراد بها الوعاء فهي للابتداء.
قال العلّامة ابن حجر الهيتمي: والظاهر أنّ المراد بها: ظرف يوضع فيه الطيب؛ كما يشعر به قوله «منها» ، لأنه لو أريد بها نفس الطيب لقيل يتطيب بها؛ وقد علمت أنّه يصحّ إرادة نفس الطيب؛ وتكون «من» للتبعيض.
وإنما قيل «منها» ليشعر بأنه يستعمل بدفعات، بخلاف ما لو قيل بها، فإنه يوهم أنّه يستعمله بدفعة؛ كما قاله ميرك. انتهى «باجوري» .
(ومعنى السّكّة) - بتشديد السين والكاف-: (طيب) يتّخذ من الرامك ...
стр. 352
مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء.
وكان رسول الله ﷺ يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته.
- بكسر الميم وتفتح-؛ وهو: شيء أسود يخلط بمسك، ويعرك ويقرص ويترك يومين، ثم يثقب بمسلّة؛ ثم ينظم في خيط، وكلّما عتق عبق؛ كذا في «القاموس» .
وقال الجزري في «تصحيح المصابيح» : هي طيب (مجموع من أخلاط.
ويحتمل أن يكون وعاء) للطيب. انتهى «باجوري» وغيره.
وروى النسائي، والبخاري في «تاريخه» ؛ عن محمد بن علي؛ قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النبي ﷺ يتطيّب؛ قالت: نعم بذكارة الطيب:
المسك والعنبر، انتهى. قال في «النهاية» : ذكارة الطيب- بالكسر- وذكورته:
ما يصلح للرجال، وهو ما لا لون له؛ كالمسك، والعنبر، والعود. انتهى.
(و) أخرج أبو يعلى بسند حسن؛ عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه:
(كان رسول الله ﷺ يأخذ المسك) - بكسر الميم-؛ وهو طيب معروف، وأصله دم يتجمّد في خارج سرّة الظبية ثم ينقلب طيبا، وهو طاهر إجماعا، ولا يعتدّ بخلاف الشيعة. انتهى «باجوري» .
(فيمسح به رأسه ولحيته) ، ظاهره أن استعمال الطيب مطلوب مطلقا، ولو كان الشخص خاليا عن الناس، فيسنّ التطيّب بسائر أنواع الطيب، وأفضله المسك، ولا عبرة بقول العامّة «إنّه طيب النساء» .
وقال حجّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى: الجاهل يظنّ أنّ ذلك من حبّ التزيّن للناس؛ قياسا على أخلاق غيره، وتشبيها للملائكة بالحدادين، وهيهات!! فقد كان مأمورا بالدعوة، وكان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم، وتحسين صورته في أعينهم، لئلا تزدريه نفوسهم، فينفّرهم ذلك عنه، ويتعلّق المنافقون به في تنفير الناس عنه، وهذا الفعل واجب على كل عالم تصدّى لدعوة الخلق إلى الحق. انتهى؛ نقله المناوي في «كبيره» .
стр. 353
وكان ﷺ يضمّخ رأسه بالمسك.
وكان أنس لا يردّ الطّيب؛ وقال: إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب.
فائدة: ليس من الكبر التجمّل بالملابس ونحوها، بل قد يكون ذلك مندوبا؛ كالتجمّل للصلوات والجماعات ونحوها، وفي حقّ المرأة لزوجها وهو لها، وفي حقّ العالم لتعظيم العلم في نفوس الناس، وقد يكون واجبا في حقّ ولاة الأمور وغيرهم؛ إذا توقف عليهم تنفيذ الواجب، فإن الهيئة المزرية لا تصلح معها مصالح العامّة في هذه الأعصار، لما جبلت عليه النفوس الآن من التعظيم بالصور؛ عكس ما كان عليه السلف الصالح من التعظيم بالدين والتقوى. انتهى؛ ذكره السيد محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل في «نشر الأعلام» ؛ شرح «البيان والإعلام» للسيد أبي بكر بن أبي القاسم الأهدل ﵀.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز النسائي:
(كان) رسول الله ﷺ يضمّخ) - بتشديد الميم وآخره خاء معجمة- أي:
يلطّخ (رأسه بالمسك) بأن يأخذ المسك بيده الشريفة فيمسح به رأسه؛ كما بيّنته الرواية السابقة.
(و) أخرج الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ عن ثمامة بن عبد الله قال: (كان أنس) بن مالك (لا يردّ الطّيب، وقال) - أي:
أنس-: (إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب) - أي: لخفّة المنّة فيه، وقد ورد النهي عن ردّه مقرونا ببيان الحكمة، في حديث صحيح: رواه أبو داود، والنسائي، وأبو عوانة؛ من طريق عبيد الله بن أبي جعفر؛ عن الأعرج؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من عرض عليه طيب فلا يردّه، فإنّه خفيف المحمل طيّب الرّائحة» . قال ميرك: وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال «ريحان» بدل «طيب» ! ورواية الجماعة أثبت.
стр. 354
وعن أبي عثمان النّهديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي أحدكم الرّيحان ...
والمحمل هنا- بفتح الميم الأولى وكسر الثانية-، والمراد به الحمل- بفتح الحاء المهملة-، والمعنى أنّه ليس بثقيل؛ بل قليل المنّة، ومع هذا طيّب الرائحة، والطّيب ذو الرائحة الطيبة جعله الله تعالى نافعا لمالكه وغيره، فلا يختصّ مالكه إلّا بكونه حامله، والمقصود منه مشترك بينه وبين غيره، والهديّة إذا كانت قليلة وتتضمّن منفعة فلا تردّ، لئلا يتأذّى المهدي؛ إذا لم يكن طماعا. انتهى «باجوري وعلي قاري» .
ويلحق بالطيب كلّ ما لا منّة فيه كالوسادة والدّهن والحلو، ورزق من يحتاج إليه، وقد أوصلها السيوطي إلى سبعة، ونظمها فقال:
عن المصطفى سبع يسنّ قبولها ... إذا ما بها قد أتحف المرء خلّان
فحلو وألبان ودهن وسادة ... ورزق لمحتاج وطيب وريحان
(و) أخرج أبو داود في «مراسيله» ، والترمذي في «الشمائل» و «الجامع» ؛ وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ (عن أبي عثمان النّهديّ) - بفتح النون وسكون الهاء- نسبة إلى بني نهد قبيلة باليمن، واسمه عبد الرحمن بن ملّ- بتثليث الميم وتشديد اللام- ابن عمرو بن عدي، مشهور بكنيته، ثقة عابد، مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي ﷺ ؛ ولم يجتمع به، فليس بصحابي، وإنما سمع من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي موسى، وروى عنه قتادة وغيره، ومات سنة:
خمس وتسعين- بتقديم المثناة على المهملة-، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل أكثر، فالحديث مرسل؛ كما صرّح به السيوطيّ في «الجامع الصغير» (رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي) - بالبناء للمفعول- و (أحدكم) - نائب فاعل؛ وهو المفعول الأول والريحان مفعول ثان-، أي: إذا عرض على أحدكم- (الرّيحان) - وهو كلّ نبت طيّب الريح من أنواع المشمومات؛ على ما في
стр. 355
فلا يردّه؛ فإنّه خرج من الجنّة» .
وعن أنس ﵁: كان أحبّ الرّياحين إليه ﷺ الفاغية.
«النهاية» ، فمنه الورد والفاغية والنّمام وغيرها- (فلا يردّه) - بفتح الدال-، وهو نصّ في كونه نهيا، بخلاف ما لو روي- بضم الدال- فإنه يحتمل أنّها نافية، فيكون نفيا لفظا؛ نهيا معنى، كقوله تعالى (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (٧٩) [الواقعة] . وتقدّم قريبا خبر مسلم: «من عرض عليه ريحان فلا يردّه فإنّه خفيف المحمل طيّب الرّيح» .
(فإنّه خرج من الجنّة» ) ، يحتمل أن بذره خرج من الجنة، وليس المراد أنه خرجت عينه من الجنّة.
وإنّما خلق الله الطيب في الدنيا!! ليذكر به العباد طيب الجنة، ويرغبون فيها بزيادة الأعمال الصالحة؛ ليصلوا بسببها إلى الجنة.
والحاصل أنّ طيب الدنيا أنموذج من طيب الجنة، وإلّا! فطيبها يوجد ريحه مسيرة خمسمائة عام؛ كما في حديث.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ من حديث عبد الحميد بن قدامة- وهو حسن لغيره- (عن أنس) خادم رسول الله ﵁ قال:
(كان أحبّ الرّياحين) - جمع ريحان: نبت طيّب الريح؛ أو كلّ نبت طيب الريح؛ كذا في «القاموس» وفي «المصباح» : الريحان كل نبت طيب الريح، لكن إذا أطلق عند العامة انصرف إلى نبات مخصوص- (إليه ﷺ الفاغية) نور الحنّاء، وهو من أطيب الرياحين وأحسنها، وجاء خبر «أنّها سيّدة الرّياحين في الدّنيا والآخرة» .
وفي «الشّعب» ؛ عن ابن درستويه: الفاغية: عود الحناء يغرس مقلوبا فيخرج بشيء أطيب من الحناء فيسمّى «الفاغية» ، وفيه منافع كثيرة من أوجاع