← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

[الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه] الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيّب منها. ومعنى (السّكّة) : طيب ... (الفصل الخامس) من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة طيبه ﷺ وتطيّبه) ؛ أي: استعماله الطيب وما يتعلّق بذلك فائدة: يتأكّد الطّيب للرجال في نحو يوم الجمعة، والعيدين، وعند الإحرام، وحضور الجماعة، والمحافل، وقراءة القرآن، والعلم، والذكر، ويتأكّد لكلّ من الرجل والمرأة عند المباشرة، فإنّه من حسن المعاشرة. روى أبو داود في «سننه» ، والترمذي في «شمائله» بسند حسن؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه) قال: (كان لرسول الله ﷺ سكّة) - بضم السين المهملة وتشديد الكاف، - قيل: هي طيب مركّب، وقيل: وعاء الطيب، فإن كان المراد بها هنا نفس الطيب فمن في قوله (يتطيّب منها) للتبعيض، وإن كان المراد بها الوعاء فهي للابتداء. قال العلّامة ابن حجر الهيتمي: والظاهر أنّ المراد بها: ظرف يوضع فيه الطيب؛ كما يشعر به قوله «منها» ، لأنه لو أريد بها نفس الطيب لقيل يتطيب بها؛ وقد علمت أنّه يصحّ إرادة نفس الطيب؛ وتكون «من» للتبعيض. وإنما قيل «منها» ليشعر بأنه يستعمل بدفعات، بخلاف ما لو قيل بها، فإنه يوهم أنّه يستعمله بدفعة؛ كما قاله ميرك. انتهى «باجوري» . (ومعنى السّكّة) - بتشديد السين والكاف-: (طيب) يتّخذ من الرامك ...

стр. 352

مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء. وكان رسول الله ﷺ يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته. - بكسر الميم وتفتح-؛ وهو: شيء أسود يخلط بمسك، ويعرك ويقرص ويترك يومين، ثم يثقب بمسلّة؛ ثم ينظم في خيط، وكلّما عتق عبق؛ كذا في «القاموس» . وقال الجزري في «تصحيح المصابيح» : هي طيب (مجموع من أخلاط. ويحتمل أن يكون وعاء) للطيب. انتهى «باجوري» وغيره. وروى النسائي، والبخاري في «تاريخه» ؛ عن محمد بن علي؛ قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النبي ﷺ يتطيّب؛ قالت: نعم بذكارة الطيب: المسك والعنبر، انتهى. قال في «النهاية» : ذكارة الطيب- بالكسر- وذكورته: ما يصلح للرجال، وهو ما لا لون له؛ كالمسك، والعنبر، والعود. انتهى. (و) أخرج أبو يعلى بسند حسن؛ عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه: (كان رسول الله ﷺ يأخذ المسك) - بكسر الميم-؛ وهو طيب معروف، وأصله دم يتجمّد في خارج سرّة الظبية ثم ينقلب طيبا، وهو طاهر إجماعا، ولا يعتدّ بخلاف الشيعة. انتهى «باجوري» . (فيمسح به رأسه ولحيته) ، ظاهره أن استعمال الطيب مطلوب مطلقا، ولو كان الشخص خاليا عن الناس، فيسنّ التطيّب بسائر أنواع الطيب، وأفضله المسك، ولا عبرة بقول العامّة «إنّه طيب النساء» . وقال حجّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى: الجاهل يظنّ أنّ ذلك من حبّ التزيّن للناس؛ قياسا على أخلاق غيره، وتشبيها للملائكة بالحدادين، وهيهات!! فقد كان مأمورا بالدعوة، وكان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم، وتحسين صورته في أعينهم، لئلا تزدريه نفوسهم، فينفّرهم ذلك عنه، ويتعلّق المنافقون به في تنفير الناس عنه، وهذا الفعل واجب على كل عالم تصدّى لدعوة الخلق إلى الحق. انتهى؛ نقله المناوي في «كبيره» .

стр. 353

وكان ﷺ يضمّخ رأسه بالمسك. وكان أنس لا يردّ الطّيب؛ وقال: إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب. فائدة: ليس من الكبر التجمّل بالملابس ونحوها، بل قد يكون ذلك مندوبا؛ كالتجمّل للصلوات والجماعات ونحوها، وفي حقّ المرأة لزوجها وهو لها، وفي حقّ العالم لتعظيم العلم في نفوس الناس، وقد يكون واجبا في حقّ ولاة الأمور وغيرهم؛ إذا توقف عليهم تنفيذ الواجب، فإن الهيئة المزرية لا تصلح معها مصالح العامّة في هذه الأعصار، لما جبلت عليه النفوس الآن من التعظيم بالصور؛ عكس ما كان عليه السلف الصالح من التعظيم بالدين والتقوى. انتهى؛ ذكره السيد محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل في «نشر الأعلام» ؛ شرح «البيان والإعلام» للسيد أبي بكر بن أبي القاسم الأهدل ﵀. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز النسائي: (كان) رسول الله ﷺ يضمّخ) - بتشديد الميم وآخره خاء معجمة- أي: يلطّخ (رأسه بالمسك) بأن يأخذ المسك بيده الشريفة فيمسح به رأسه؛ كما بيّنته الرواية السابقة. (و) أخرج الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ عن ثمامة بن عبد الله قال: (كان أنس) بن مالك (لا يردّ الطّيب، وقال) - أي: أنس-: (إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب) - أي: لخفّة المنّة فيه، وقد ورد النهي عن ردّه مقرونا ببيان الحكمة، في حديث صحيح: رواه أبو داود، والنسائي، وأبو عوانة؛ من طريق عبيد الله بن أبي جعفر؛ عن الأعرج؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «من عرض عليه طيب فلا يردّه، فإنّه خفيف المحمل طيّب الرّائحة» . قال ميرك: وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال «ريحان» بدل «طيب» ! ورواية الجماعة أثبت.

стр. 354

وعن أبي عثمان النّهديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي أحدكم الرّيحان ... والمحمل هنا- بفتح الميم الأولى وكسر الثانية-، والمراد به الحمل- بفتح الحاء المهملة-، والمعنى أنّه ليس بثقيل؛ بل قليل المنّة، ومع هذا طيّب الرائحة، والطّيب ذو الرائحة الطيبة جعله الله تعالى نافعا لمالكه وغيره، فلا يختصّ مالكه إلّا بكونه حامله، والمقصود منه مشترك بينه وبين غيره، والهديّة إذا كانت قليلة وتتضمّن منفعة فلا تردّ، لئلا يتأذّى المهدي؛ إذا لم يكن طماعا. انتهى «باجوري وعلي قاري» . ويلحق بالطيب كلّ ما لا منّة فيه كالوسادة والدّهن والحلو، ورزق من يحتاج إليه، وقد أوصلها السيوطي إلى سبعة، ونظمها فقال: عن المصطفى سبع يسنّ قبولها ... إذا ما بها قد أتحف المرء خلّان فحلو وألبان ودهن وسادة ... ورزق لمحتاج وطيب وريحان (و) أخرج أبو داود في «مراسيله» ، والترمذي في «الشمائل» و «الجامع» ؛ وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ (عن أبي عثمان النّهديّ) - بفتح النون وسكون الهاء- نسبة إلى بني نهد قبيلة باليمن، واسمه عبد الرحمن بن ملّ- بتثليث الميم وتشديد اللام- ابن عمرو بن عدي، مشهور بكنيته، ثقة عابد، مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي ﷺ ؛ ولم يجتمع به، فليس بصحابي، وإنما سمع من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي موسى، وروى عنه قتادة وغيره، ومات سنة: خمس وتسعين- بتقديم المثناة على المهملة-، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل أكثر، فالحديث مرسل؛ كما صرّح به السيوطيّ في «الجامع الصغير» (رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطي) - بالبناء للمفعول- و (أحدكم) - نائب فاعل؛ وهو المفعول الأول والريحان مفعول ثان-، أي: إذا عرض على أحدكم- (الرّيحان) - وهو كلّ نبت طيّب الريح من أنواع المشمومات؛ على ما في

стр. 355

فلا يردّه؛ فإنّه خرج من الجنّة» . وعن أنس ﵁: كان أحبّ الرّياحين إليه ﷺ الفاغية. «النهاية» ، فمنه الورد والفاغية والنّمام وغيرها- (فلا يردّه) - بفتح الدال-، وهو نصّ في كونه نهيا، بخلاف ما لو روي- بضم الدال- فإنه يحتمل أنّها نافية، فيكون نفيا لفظا؛ نهيا معنى، كقوله تعالى (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (٧٩) [الواقعة] . وتقدّم قريبا خبر مسلم: «من عرض عليه ريحان فلا يردّه فإنّه خفيف المحمل طيّب الرّيح» . (فإنّه خرج من الجنّة» ) ، يحتمل أن بذره خرج من الجنة، وليس المراد أنه خرجت عينه من الجنّة. وإنّما خلق الله الطيب في الدنيا!! ليذكر به العباد طيب الجنة، ويرغبون فيها بزيادة الأعمال الصالحة؛ ليصلوا بسببها إلى الجنة. والحاصل أنّ طيب الدنيا أنموذج من طيب الجنة، وإلّا! فطيبها يوجد ريحه مسيرة خمسمائة عام؛ كما في حديث. (و) أخرج الطبراني في «الكبير» ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ؛ من حديث عبد الحميد بن قدامة- وهو حسن لغيره- (عن أنس) خادم رسول الله ﵁ قال: (كان أحبّ الرّياحين) - جمع ريحان: نبت طيّب الريح؛ أو كلّ نبت طيب الريح؛ كذا في «القاموس» وفي «المصباح» : الريحان كل نبت طيب الريح، لكن إذا أطلق عند العامة انصرف إلى نبات مخصوص- (إليه ﷺ الفاغية) نور الحنّاء، وهو من أطيب الرياحين وأحسنها، وجاء خبر «أنّها سيّدة الرّياحين في الدّنيا والآخرة» . وفي «الشّعب» ؛ عن ابن درستويه: الفاغية: عود الحناء يغرس مقلوبا فيخرج بشيء أطيب من الحناء فيسمّى «الفاغية» ، وفيه منافع كثيرة من أوجاع

стр. 356

و (الفاغية) : زهر الحنّاء. وكان رسول الله ﷺ يعجبه الرّيح الطّيّبة. وكان ﷺ يحبّ الطّيب والرّائحة الحسنة، ويستعملهما كثيرا، ويحضّ عليهما، ... العصب والفالج والصداع وأوجاع الجنب والطحال وغيرها. (والفاغية: زهر الحنّاء) ، وقيل: عود الحناء- كما سبق-. (و) أخرج أبو داود، والحاكم- وهو حديث صحيح؛ كما قال العزيزي-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه الرّيح الطّيّبة) ، لأنها غذاء الروح، والروح مطيّة القوى، والقوى تزداد بالطيب، وهو ينفع الدماغ والقلب وجميع الأعضاء الباطنة، ويفرح القلب ويسرّ النفس، وهو أصدق شيء للروح وأشدّه ملاءمة لها، وبينه وبين الروح نسب قريب، فلهذا كان أحبّ المحبوبات إليه من الدنيا؛ ذكره المناوي في «الكبير» (و) في «الشفاء» للقاضي عياض: (كان) رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب) وهو كل ما يتطيّب به؛ من بخور ومسك وعنبر ونحوها، (والرّائحة الحسنة) الحاصلة من غير جنس الطيب، كالريحان وسائر الزهور العطرة، ولذا كان ﷺ لا يردّ هديّتها (ويستعملهما) أي: الطيب والرائحة (كثيرا) أي: في أكثر أوقاته استعمالا مناسبا لكلّ منهما، مع أنّه بذاته بل وبفضلاته طيب؛ كما هو مقرّر في محلّه، وكان استعمالها لزيادة المبالغة بنيّة ملاقاة الملائكة، فإنّهما تقوّيان الحواسّ، وتورثان النشاط والقوة، والملائكة تحبّهما وتكره الرائحة الخبيثة، بعكس الشياطين. (ويحضّ عليهما) بضمير التثنية للطيب والرائحة، وفي نسخة «عليها» فالضمير لها، لأنها المقصودة من الطيب، لا لأنّها أعمّ كما قيل لتغايرهما، أي: كان ﷺ يحثّ الناس ويحرّضهم على استعمال ذلك، لما لهم فيه من الفوائد،

стр. 357

ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم: النّساء، ... ولحضور الملائكة الحفظة والكتبة عندهم، ولملاقاتهم له بما يحبّه، ومن مروءة الإنسان نظافته وطيب رائحته. (ويقول) - كما في الحديث الذي رواه النسائي، والطبرانيّ في «الأوسط» و «الصغير» ، والحاكم في «المستدرك» - بسند جيد بدون لفظ: وجعلت؛ وقال: على شرط مسلم-، والبيهقي في «سننه» ، وأبو عوانة في «مستخرجه على الصحيح» ، وابن عدي في «كامله» ، - وقال العقيلي: إنّه ضعيف، لكن قال الحافظ: إسناده حسن، قال الشهاب الخفاجيّ كالحافظ السخاوي في «المقاصد الحسنة» : وأخرجه أحمد وأبو يعلى في «مسنديهما» ، قال الزرقاني: وأخرجه الإمام أحمد في «كتاب الزهد» ، ووهم من عزاه ل «مسنده» - كلّهم؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: ( «حبّب) - بالبناء للمفعول- (إليّ من دنياكم: النّساء) لنقل ما بطن من الشريعة مما يستحيا من ذكره بين الرجال. قال الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» : الأنبياء زيدوا في النكاح لفضل نبوّتهم، وذلك أن النّور إذا امتلأ منه الصدر، فغاص في العروق؛ التذّت النفس والعروق؛ فأثار الشهوة وقوّاها. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: السرّ في إباحة نكاح أكثر من أربع لرسول الله ﷺ : أنّ الله تعالى أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحيا من ذكره، وما لا يستحيا منه، وكان رسول الله ﷺ أشدّ الناس حياء، فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله؛ ويسمعنه من أقواله التي قد يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال، ليكتمل نقل الشريعة، فقد نقلن ما لم يكن ينقله غيرهن، في ما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوّته، ومن جدّه واجتهاده في العبادة، ومن أمور يشهد كلّ ذي لبّ أنّها لا تكون إلّا لنبي، وما كان يشاهدها غيرهنّ، فحصل بذلك كلّ خير عظيم. انتهى «عزيزي» .

стр. 358

والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» . (والطّيب،) لأنّه حظّ الملائكة، ولا غرض لهم في شيء من الدنيا سواه، فكأنّه يقول: حبّي لهاتين إنما هو لأجل غيري، قال الطيبي: جيء بالفعل مجهولا!! دلالة على أنّ ذلك لم يكن من جبلّته وطبعه، وأنه مجبور على هذا الحبّ؛ رحمة للعباد ورفقا بهم، بخلاف الصلاة فمحبوبة له بذاتها فلذا قال: (وجعلت قرّة عيني) - فرحها وسرورها- (في الصّلاة» ) ذات الركوع والسجود، لأنّها محلّ المناجاة ومعدن المصافاة. وقيل: المراد صلاة الله وملائكته عليه، ومنع بأنّ السياق يأباه. وقدّم النساء!! للاهتمام بنشر الأحكام وتكثير سواد الإسلام، وأردف بالطّيب؛ لأنّه من أعظم الدوعي لجماعهنّ، مع حسنه بالذّات وكونه كالقوت للملائكة، وأفرد الصلاة عنهما!! لأنّها غيرهما بحسب المعنى، إذ ليس فيها تقاضي شهوة نفسانية؛ كما فيهما. قال العلامة ابن الحاج في كتابه «المدخل» : وانظر إلى حكمة قوله ﵊ «حبّب إليّ» ولم يقل: أحببت، وقال «من دنياكم» ، فأضافها إليهم؛ دونه ﵊، فدلّ على أن حبّه كان خاصّا بمولاه ﵎، فلذا غاير؛ فقال: «وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» ، فكان ﵊ بشري الظّاهر؛ ملكوتي الباطن، وكان ﵊ لا يأتي إلى شيء من الأحوال البشرية إلّا تأنيسا لأمّته وتشريعا لها، لا لأنّه محتاج إلى شيء من ذلك بحيث لو تركه لأضرّ به، ألا ترى إلى قوله تعالى (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) [٥٠/ الأنعام] ، فقال «لكم» ولم يقل «إني ملك» ؛ فلم ينف الملكيه عنه إلّا بالنسبة إليهم، أعني بكونه ملكا في معانيه ﵊؛ لا في ذاته الكريمة، إذ أنه ﵊ يلحق بشريته ما يلحق البشر، ولهذا قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي: هو بشر ليس كالأبشار، كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار، وهذا منه رحمه الله تعالى على

стр. 359

ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» .. لا أصل لها، ففي «المواهب» : ... سبيل التقريب للفهوم، فدلّ على أنّه ﷺ كان ملكيّ الباطن، ومن كان ملكي الباطن ملك نفسه، فلا تغلب عليه بحب شيء من الدنيا. انتهى كلام «المدخل» ؛ نقله عنه القسطلّاني. قال المصنف ﵀: (ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» ) ؛ كما اشتهر على الألسنة (لا أصل لها، ففي) «شرح الشفاء» للعلامة ملّا علي قاري: إنّ لفظ «ثلاث» خطأ فاحش. ومما يدلّ على بطلانه تغيّر سياق الحديث في قوله: «وجعلت ... الخ» . انتهى. وقال الشهاب الخفاجي: إنّها غير ثابتة؛ وإن أثبتها الزمخشري والغزاليّ في «الإحياء» ، والقاضي عياض تبعا لهم، وقد أفردنا هذا الحديث بتعليقة مستقلة. انتهى. وفي ( «المواهب) اللدنية» للعلامة القسطلاني: تنبيه: وقع في «الإحياء» للغزالي في موضعين، وفي تفسير آل عمران؛ من «الكشاف» عند قوله تعالى (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) [٩٧/ آل عمران] وتبعه البيضاوي، وكذا وقع للراغب وابن عربي في «الفصوص» وكثير من كتب الفقهاء «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» ، وقالوا: إنه ﵊، قال «ثلاث» ولم يذكر إلّا اثنتين: الطّيب والنّساء!! لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن في تعيين ما يصلح جعله مثالا للمتروك، ومنه قول الشاعر: إنّ الأحامرة الثّلاثة أهلكت ... مالي وكنت بهنّ قدما مولعا الخمر والماء القراح وأطّلي ... بالزّعفران فلا أزال مولّعا وبعضهم ينشدها هكذا: إنّ الأحامرة الثّلاثة أهلكت ... مالي وكنت بهنّ قدما مولعا الرّاح واللّحم السّمين وأطّلي ... بالزّعفران فلن أزال مولّعا

стр. 360

قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: فلم يذكر الماء، وهذا عندهم يسمّى «طيّا» ، وهو: أن يذكر جمع ثم يؤتى ببعضه ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلّم، كإبهامه على السامع، لعدم إرادة المتكلّم وقوف السامع عليه لنكتة، وأنشد الزّمخشريّ شاهدا عليه قول جرير: كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها فصرّح بذكر ثلثين وطوى ذكر الثالث، كأنه قيل: والثالث من الأخيار الذين ليسوا موالي ولا عبيدا، وفائدة الطيّ عندهم: تكثير ذلك الشيء، لتذهب النفس كلّ مذهب ممكن، لكن هذا التكلّف إنّما يجيء لو ورد لفظ «ثلاث» ولم يرد!!. فقد (قال شيخ الإسلام) شهاب الملّة والدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد أبو الفضل (الحافظ ابن حجر) : لقب لبعض آبائه، الكناني العسقلاني القاهريّ الشافعي، الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخّرة. ولد في ثاني عشر شعبان سنة: - ٧٧٣- ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر. ونشأ بها يتيما في كنف أحد أوصيائه فحفظ القرآن؛ وهو ابن تسع، وتفقّه بالبلقيني والبرماوي وابن الملقّن والعزّ بن جماعة، وعليه أخذ غالب العلوم الآلية والأصولية، ثم حبّب الله إليه فنّ الحديث، فأقبل عليه بكلّيّته فعكف على الزين العراقي وحمل عنه علم الحديث؛ سندا ومتنا، وعللا واصطلاحا. وارتحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة، وأكثر جدا من المسموع والشيوخ، وسمع العالي والنازل، واجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره، وأدرك من الشيوخ جماعة كلّ واحد رأس في فنّه الذي اشتهر به؛ فالتنوخيّ في معرفة القراءات، والعراقيّ في الحديث، والبلقينيّ في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقّن في كثرة التصانيف، والمجد صاحب «القاموس» في حفظ اللغة، والعزّ بن جماعة في تفنّنه في علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها.

стр. 361

إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى، وكذلك قاله الوليّ العراقيّ ... ثم تصدّى لنشر الحديث وقصر نفسه عليه؛ مطالعة وإقراء، وتصنيفا وإفتاء، وتفرّد بذلك، وشهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد، والعدوّ والصديق، حتّى صار إطلاق لفظ «الحافظ» عليه كلمة إجماع، ورحل الطلبة إليه من الأقطار، وطارت مؤلفاته في حياته، وانتشرت في البلاد، وتكاتبت الملوك من قطر إلى قطر في شأنها، وهي كثيرة جدّا عدّدها السخاوي في «الضوء اللامع» ، وأخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة، وألحق الأصاغر بالأكابر. واستمر على طريقته حتى مات في أواخر ذي الحجة سنة: - ٨٥٢- اثنين وخمسين وثمانمائة، وكان له مشهد لم ير مثله، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. قال في تخريج أحاديث «الكشاف» : (إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى) ، لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا. (وكذلك قاله) شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم (الوليّ) ؛ أي: ولي الدين بن زين الدين (العراقيّ) الحافظ ابن الحافظ، الإمام العلّامة المتفنّن المحقّق البارع. ولد في سحر يوم الإثنين ثالث ذي الحجة سنة: - ٧٦٢- اثنتين وستين وسبعمائة بالقاهرة، وأحضره والده على جماعة من الشيوخ، ورحل به إلى دمشق فأحضره بها على أعيان علمائها، وأخذ عمن دبّ ودرج، وكتب الطّباق وضبط الأسماء، وتدرّب بوالده في الحديث وفنونه، وكذا في غيره من فقه وأصول وعربية ومعان وبيان، وبرع في جميع ذلك وشارك في غيرها من الفضائل، وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس، واستمرّ يترقّى لمزيد ذكائه حتى ساد، وأبدأ وأعاد، وظهرت نجابته ونباهته، واشتهر فضله وبهر عقله، مع حسن خلقه وخلقه، وشرف نفسه، وتواضعه، وانجماعه، وصيانته وديانته، وأمانته،

стр. 362

في «أماليه» ، ... وعفّته، وضيق حاله وكثرة عياله، ودرّس وهو شاب في حياة أبيه؛ وقال أبوه مادحا لدروسه: دروس أحمد خير من دروس أبه ... وذاك عند أبيه منتهى أربه وولي القضاء بعد موت والده، فسار فيه أحسن سيرة، بعفّة ونزاهة، وحرمة وصرامة، وشهامة ومعرفة، وله مؤلفات كثيرة، وأقرأ مصنّفاته في حياته، وكان موته مبطونا شهيدا آخر يوم الخميس سابع عشر من شعبان سنة؛- ٨٢٦- ست وعشرين وثمانمائة، ثم دفن إلى جنب والده بتربته رحمه الله تعالى. (في «أماليه» ) - جمع إملاء؛ وهو: من وظائف العلماء قديما، خصوصا الحفاظ من أهل الحديث في يوم من أيّام الأسبوع يوم الثلاثاء؛ أو يوم الجمعة، وهو المستحبّ، كما يستحبّ أن يكون في المسجد لشرفهما «١» . وطريقهم في الإملاء: أن يكتب المستملي في أوّل القائمة: هذا مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا، ويذكر التاريخ، ثم يورد المملي بأسانيده أحاديث وآثارا، ثم يفسّر غريبهما ويورد من الفوائد المتعلّقة بها بإسناد؛ أو بدونه ما يختاره ويتيسر له، وقد كان هذا في الصدر الأول فاشيا كثيرا، ثم ماتت الحفّاظ وقلّ الإملاء. وقد شرع الحافظ السيوطيّ في الإملاء بمصر سنة: - ٨٧٢- اثنتين وسبعين وثمانمائة، وجدّده بعد انقطاعه عشرين سنة، من سنة مات الحافظ ابن حجر، على ما قاله في «المزهر» . وكتب الأمالي كثيرة: منها أمالي أبي زرعة الوليّ العراقي المذكورة، وهي تنوف عن ستمائة مجلس، وقبلها أمالي ابن السّمعاني، وابن عساكر، وابن دريد، وابن الشجري، وابن الحاجب، أمالي الحافظ السلامي، أمالي المحاملي، أمالي

стр. 363

وعبارته: (ليست هذه اللّفظة: وهي (ثلاث) في شيء من كتب الحديث ... بديع الزمان الهمذاني، أمالي ثعلب، أمالي الزمخشري، أمالي الزجاج، أمالي الإمام الرافعي، أمالي الإمام الشافعي، أمالي شمس الأئمة السرخسي، أمالي الإمام أبي يوسف، أمالي الحاكم أبي عبد الله، أمالي قاضي خان، أمالي القالي، أمالي القضاعي، أمالي الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهذه الأمالي أغلبها في الحديث، وبعضها في النحو والعربية، وبعضها في الفقه. وقد كانت سنّة الإملاء انقطعت بموت الحافظ ابن حجر وتلاميذه كالحافظين السخاوي والسيوطي، وبهما ختم الإملاء، فأحياه بعد مماته نادرة الدنيا في عصره ومصره، الذي لم يأت بعد الحافظ ابن حجر وتلاميذه أعظم منه اطلاعا، ولا أوسع رواية، ولا أعظم شهرة، ولا أكثر منه علما بهذه الصناعة الحديثية، الشيخ العلامة الحافظ السيد محمد بن محمد مرتضى الزبيدي المتوفى سنة: - ١٢٠٥- خمس ومائتين وألف رحمه الله تعالى، خرّيت هذه الصناعة، ومالك زمام تلك البضاعة، فأحيا إملاء الحديث على طريق السلف، في ذكر الأسانيد والرّواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة، ووصلت أماليه إلى نحو أربعمائة مجلس، كان يملي في كل إثنين وخميس، وقد جمع ذلك في مجلدات، ذكر ذلك الحافظ السيد عبد الحي الكتاني في كتاب «فهرس الفهارس» رحمهم الله تعالى. آمين. (وعبارته) قال العلامة المحقق أحمد بن حجر الهيتمي المكي رحمه الله تعالى في كتابه «الحق الواضح» : المقرّر الناقل متى قال «وعبارته كذا» تعيّن عليه سوق العبارة المنقولة بلفظها، ولم يجز له تغيير شيء منها، وإلّا كان كاذبا، ومتى قال: «قال فلان» كان بالخيار بين أن يسوق عبارته بلفظها؛ أو بمعناها من غير نقلها، لكن لا يجوز له تغيير شيء من معاني ألفاظها، انتهى نقله عنه في «الفوائد المكية» . (ليست هذه اللّفظة: وهي «ثلاث» في شيء من كتب الحديث) فليست

стр. 364

وهي مفسدة للمعنى؛ فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا، وكذا صرّح به الزّركشيّ وغيره، كما حكاه شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ ... مدرجة أيضا، كما زعمه من لا إلمام له بالفن، فالمدرج الملحق بحديث من قول راو بلا ظهور فصل. (وهي مفسدة للمعنى، فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا. وكذا صرّح به) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بهادر بدر الدين (الزّركشيّ) بوزن: الجعفري، التركي الأصل المصري الشافعي المشهور، العلامة المحقق الفقيه الأصولي المتفنن، المولود سنة: - ٧٤٥- خمس وأربعين وسبعمائة، والمتوفى سنة: ٧٩٤- سبعمائة وأربع وتسعين- بتقديم المثناة على المهملة-. له تصانيف كثيرة في عدّة فنون، منها «البرهان في علوم القرآن» ، و «البحر المحيط» في الأصول، و «لقطة العجلان» ، و «الديباج في توضيح المنهاج» ، و «الخادم شرح الروضة» ، و «الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة» ، و «قواعد الفقه» وغيرها، رحمه الله تعالى. قال في «الأحاديث المشتهرة» له: لم يرد فيه لفظ «ثلاث» وزيادته محيلة للمعنى، فإن الصلاة ليست من الدنيا. (وغيره) وكأنّهم لم يعتبروا توجيه الزمخشري وغيره بأنه من الطي، لأنّه إنّما يصار إليه لو وجدت «١» ، أما حيث لم توجد؛ فلا داعي للتوجيه، بل ذكر التوجيه والاعتناء به يوهم قاصر الباع في الحديث ورودها؛ (كما حكاه) ؛ أي: ما نقله عن الحافظ ابن حجر والوليّ العراقي والبدر الزركشي (شيخنا- يعني) العلّامة (الحافظ) أبا الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الملقب «شمس الدين (السّخاويّ» ) الأصل، نسبة ل «سخا» : قرية غربي الفسطاط بمصر بلد آبائه، القاهري المولد والنشأة،

стр. 365

في «المقاصد الحسنة» - وأقرّه) انتهى. وأنكره أيضا ابن القيّم ... الشافعي المذهب، الإمام شيخ الإسلام، المؤرّخ المحقّق الرّحالة الناقد. المولود بالقاهرة في شهر ربيع الأول سنة: - ٨٣١- إحدى وثلاثين وثمانمائة، والمتوفى سنة: اثنتين وتسعمائة- بتقديم المثناة على السين- وقد تقدمت ترجمته رحمه الله تعالى (في) كتابه ( «المقاصد الحسنة) في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» (وأقرّه) قائلا: ما رأيتها في شيء من طرق الحديث بعد مزيد التفتيش، وقال في جزء ألّفه في هذا الحديث: يمكن أن تكون الصلاة في أمور الدنيا بالنظر إلى اللذّة الحاصلة لمديمها؛ كما قال في «الإحياء» : جعل الصلاة من جملة ملاذّ الدنيا، لأنّ كلّ ما يدخل في الحس والمشاهدة؛ فهو من عالم الشهادة وهو من الدنيا، والتلذّذ بتحريك الجوارح بالسجود والركوع!! إنما يكون في الدنيا؛ فلذا أضافها إليها؛ انتهى. (انتهى) ؛ أي كلام «المواهب» ممزوجا بشيء من «شرح الزرقاني» عليها. (وأنكره) ؛ أي لفظ «ثلاث» . (أيضا) ؛ من آض إذا رجع، وكلمة «أيضا» لا تستعمل إلّا مع شيئين بينهما توافق، ويمكن استغناء كلّ منهما عن الآخر، وهو مفعول مطلق حذف عامله وجوبا؛ سماعا، أو حال حذف عاملها وصاحبها، والتقدير على الأول: ارجع إلى إنكار لفظ «ثلاث» رجوعا، وعلى الثاني: أنكر لفظ «ثلاث» راجعا إلى الإنكار لها ثانيا. قال الجلال السّيوطي: وتوقّف ابن هشام في عربيتها، وظنّ أنها مولّدة من استعمال الفقهاء، وليس كما ظنّ، فقد ثبتت عربيتها في الكلام الفصيح، وساق جملة من الأحاديث الدالّة على صحّة ما قاله، فليراجعه من أراده. (ابن القيّم) : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الزرعي الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي، العلامة الحافظ المجتهد المصنّف المشهور البارع، ولد سنة: - ٦٩١- إحدى وتسعين وستمائة، وأخذ عن

стр. 366

والده والصفيّ الهندي، وابن تيمية، وبرع في جميع العلوم، وغلب عليه حبّ ابن تيمية، حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، ومات في شهر رجب سنة: - ٧٥١- إحدى وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى. قال في «زاد المعاد» : من رواه «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» فقد وهم، ولم يقل ﷺ «ثلاث» ، والصلاة ليست من أمور الدنيا حتى تضاف إليها. انتهى. قال الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة: - ١١٦٢- اثنتين وستين ومائة وألف هجرية، في كتابه «كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس» ؛ بعد سوق ما تقدّم عن ابن حجر والولي العراقي والزركشي وابن القيّم ما نصّه: وأقول: في قولهم «بل هي مفسدة للمعنى؛ كقول الزركشي زيادة «ثلاث» محيلة للمعنى.. الخ» نظر؛ وإن أقرّوه، بل المحيل زيادة «من دنياكم ثلاث» ؛ لا لفظ «ثلاث» فقط فتأمّل. وقال الجلال السيوطي في تخريج أحاديث «الشفاء» : أخرجه النسائي، والحاكم، عن أنس بدون «ثلاث» . لكن عند أحمد؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يعجب رسول الله ﷺ من الدنيا ثلاثة أشياء: النساء والطّيب والطعام، فأصاب اثنتين؛ ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب؛ ولم يصب الطعام.. إسناده صحيح، إلا أن فيه رجلا لم يسمّ. انتهى. وأقول: يؤخذ منه أن الثالثة هي الطعام على فرض ثبوت ثلاث فتأمّل. انتهى كلام العجلوني. وقد ذكر لفظة «ثلاث» الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني، الأصولي النحوي المتكلّم الواعظ، صاحب التصانيف القريبة من مائة المتوفى سنة: - ٤٠٦- ست وأربعمائة، وألف فيها جزءا مفردا، ووجّهها في هذا الجزء،

стр. 367

وكان رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب ويكره الرّائحة الرّديئة. وأطنب في ذلك، ونقله عنه العلامة الحافظ السخاوي في جزئه الذي ألّفه في هذا الحديث، فليطلبه من أراد. (و) قال الغزالي في «الإحياء» ، والشعراني في «كشف الغمة» : (كان رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب) ، والروائح الطيبة؛ وإن كان هو طيّب الرائحة دائما كما مرّ- (ويكره الرّائحة الرّديئة) ؛ لأنها تضرّ بالروح وتحبّها الشياطين؛ عكس الملائكة، فإنها تحبّ الرائحة الطيبة، وقد سبق الكلام على حكمة محبّته للطيب وفوائده.

стр. 368

[الفصل السّادس في صفة صوته ﷺ ] الفصل السّادس في صفة صوته ﷺ عن أنس رضي الله تعالى عنه: ما بعث الله نبيّا إلّا حسن الوجه، حسن الصّوت، وكان نبيّكم أحسنهم وجها، وأحسنهم صوتا. (الفصل السّادس) من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة صوته) الشريف ﷺ ، وقد كان صوته على غاية من الحسن والسّعة؛ كما صرّحت به الأحاديث؛ فقد روى الترمذيّ في «جامعه» ، والدارقطني؛ من حديث قتادة (عن أنس رضي الله تعالى عنه) ؛ أي: موقوفا: (ما بعث الله نبيّا إلّا) - وقد خلقه- (حسن الوجه حسن الصّوت.) ليدلّ حسن ظاهره على حسن باطنه، إذ الظاهر عنوان الباطن، (وكان نبيّكم) من ابتداء وجوده وخلقته (أحسنهم) ؛ أي: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وجها، وأحسنهم صوتا) ، فحسن الوجه يدلّ على كمال الخلق والخلق؛ لأنّ الظاهر عنوان الباطن؛ كما قيل: يدلّ على معروفه حسن وجهه ... وما زال حسن الوجه أهدى الدّلائل وقال آخر في ضدّ ذلك: يدلّ على قبح الطّويّة ما ترى ... بصاحبها من قبح بعض ملامحه وحسن الصوت بكونه جهوريّا يسمع من بعيد؛ مع لطف فيه يدرك بالذوق، ولا يلزمه كونه على رسم الموسيقى. وهذا يدلّ على أنه ﷺ كان أجمل من يوسف وأحسن صوتا من داود عليهم الصلاة والسلام، باعتبار الصّباحة والملاحة وزيادة البلاغة والفصاحة، وكانت قراءته ﷺ في بيته ليلا تسمع عند الكعبة، وفيما بعد من

стр. 369

وكان صوت رسول الله ﷺ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتّى أسمع العواتق في خدورهنّ. منازل المدينة، وقد أعطى الله نبينا محمّدا ﷺ كمال الجلال والجمال من تمام الصباحة؛ فما رآه أحد إلّا هابه، ومن تمام الملاحة؛ فما رآه أحد إلّا أحبّه: منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم وأما قوله في حديث المعراج في يوسف: «فإذا أنا برجل [أحسن] ما خلق الله، قد فضل النّاس بالحسن، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب» رواه البيهقي، والطبراني، وابن عائذ!! فيحمل على أن المراد غير النبي ﷺ . ويؤيّده القول بأن المتكلّم لا يدخل في عموم خطابه، وقوله في رواية مسلم: «فإذا هو قد أعطي شطر الحسن» !! حمله ابن المنيّر على أن المراد أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ . قال السخاوي في كتاب «الامتنان» : وقد سئل الجلال المحلي رحمه الله تعالى عن حديث (أعطي نبيّنا جميع الحسن. ويوسف شطره) !! فقيل: كيف يكون الشيء الواحد جميعه في شيء ونصفه في آخر!؟ فقال: لم يظهر لي جوابه، وكذا قال ابن حجر رحمهم الله تعالى؛ نقله عنه الشهاب الخفاجي في «شرح الشفاء» . قال في «المواهب» : (وكان صوت رسول الله ﷺ يبلغ حيث) - أي: مكانا- (لا يبلغه صوت غيره) ، و «حيث» هنا بمعنى المكان مجرّدة عن الظرفية. (فعن البراء) - بتخفيف الراء- (قال: خطبنا رسول الله ﷺ فعلا صوته (حتّى أسمع العواتق) جمع عاتق؛ وهي: الشابّة أوّل ما تدرك. وقيل: التي لم تبن من والديها، ولم تتزوّج؛ وقد أدركت وشبّت، وتجمع أيضا على عتّق؛ كما في «النهاية» . وخصّهنّ بالذّكر!! لبعدهنّ واحتجابهن في البيوت، فسماعهنّ آية علوّ صوته زيادة على غيره (في خدورهنّ) جمع خدر؛ أي: ستر، ويطلق على

стр. 370

وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر، فقال للنّاس: «اجلسوا» ، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم، فجلس في مكانه. وقال عبد الرّحمن بن معاذ التّيميّ رضي الله تعالى عنه: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتح الله أسماعنا، حتّى إن كنّا البيت إن كان فيه امرأة، وإلّا فلا. رواه البيهقي. (و) أخرج أبو نعيم: (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر؛ فقال للنّاس «اجلسوا» . فسمعه عبد الله بن رواحة) بن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس الأكبر بن مالك الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي المدني رضي الله تعالى عنه- تقدمت ترجمته-. (وهو في بني غنم) - بغين معجمة مفتوحة فنون ساكنة فميم آخرة،: بطن من الخزرج بالمدينة- (فجلس في مكانه) ؛ مبالغة في الامتثال لأمره ﷺ ، مع أنّه ليس مأمورا بذلك، إذ قصده أمر الحاضرين للخطبة بالجلوس. (و) أخرج ابن سعد: (قال عبد الرّحمن بن معاذ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي (التّيميّ) ابن عمّ طلحة بن عبيد الله، قال البخاري وغيره: له صحبة. وعدّه ابن سعد من مسلمة الفتح «١» (رضي الله تعالى عنه: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتح الله أسماعنا) بأن خلق الله فيها قوّة سمع زيادة على معتادها، فكأنها كانت مغلقة ففتحت؛ فشبّه الأسماع بأبواب مغلقة، وأثبت لها الفتح تخييلا؛ فهو استعارة بالكناية تخييلية (حتّى) غاية لمقدر؛ أي: فقويت حتّى (إن كنّا) - مخففة من الثقيلة، بدليل اللام في

стр. 371

لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا نسمع قراءة النّبيّ ﷺ في جوف اللّيل عند الكعبة، وأنا على عريشي. وكان رسول الله ﷺ إذا خطب.. اشتدّ غضبه وعلا صوته، ... - (لنسمع ما يقول؛ ونحن في منازلنا) وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي بلفظ: «ففتحت أسماعنا» بدل قوله: «ففتح الله أسماعنا» . (و) أخرج ابن ماجه؛ (عن أمّ هانىء) بنت أبي طالب واسمها: فاختة، وهي شقيقة الإمام علي كرّم الله وجهه- وقد مرّت ترجمتها- (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كنّا نسمع قراءة النّبيّ ﷺ في جوف اللّيل عند الكعبة) - متعلق ب «قراءة» - (وأنا على عريشي) ؛ أي: سريري، وحمله عليه أبلغ من سقف بيتي، كما هو أحد معاني العريش كالعرش؛ كما في «القاموس» ، فسماعها له وهي على سريرها داخل بيتها البعيد عن محلّ القراءة دليل على قوّته. وفي «الصحيحين» ؛ عن البراء: قرأ ﷺ في العشاء (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (١) فلم أسمع صوتا أحسن منه. وروى أبو الحسن بن الضحاك؛ عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه قال: كان ﷺ حسن النغمة. (و) أخرج مسلم؛ عن جابر بن سمرة، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم؛ عن جابر رضي الله تعالى عنهما: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب) ؛ أي: وعظ (اشتدّ غضبه) لله على من خالف زواجره. قال القاضي عياض: يعني بشدّته: أنّ صفته صفة الغضبان، وهذا شأن المنذر المخوّف، ويحتمل أنّه لنهي خولف فيه شرعه، وهكذا تكون صفة الواعظ مطابقة لما يتكلّم به. وقال النووي: أو كان عند إنذاره أمرا عظيما. زاد في رواية: واحمرّت عيناه. (وعلا صوته) ؛ أي: رفع صوته ليؤثر وعظه في خواطر الحاضرين حتّى

стр. 372

كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم. (كأنّه منذر) : محذّر (جيش) ؛ أي: كمن ينذر قوما من جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم، فإنّ المنذر المعلم يعرّف القوم بما يدهمهم من عدوّ؛ أو غيره، وهو المخوّف أيضا حال كونه (يقول: صبّحكم) - بفتح الصاد والباء المشدّدة- أي: أتاكم الجيش وقت الصباح (ومسّاكم) - بالفتح- مثقّلا؛ أي: أتاكم وقت المساء. قال الطّيبي: شبّه حاله في إنذاره وخطبته بقرب يوم القيامة، وتهالك الناس فيما يراد بهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم؛ بغتة بحيث لا يفوته منهم أحد، فكما أن المنذر يرفع صوته وتحمرّ عيناه ويشتدّ غضبه على تغافلهم؛ فكذا حاله ﷺ عند الإنذار، وفيه أنّه يسنّ للخطيب تفخيم أمر الخطبة ورفع صوته وتحريك كلامه، ويكون مطابقا لما تكلّم به من ترغيب وترهيب. قال في «المطامح» : فيه دليل على إغلاظ العالم على المتعلّم، والواعظ على المستمع وشدّة التخويف. ثم هذا قطعة من حديث، وبقيته عند ابن ماجه وغيره: ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ، ويقرن بين أصابعه السّبّابة والوسطى. ثم يقول: «أمّا بعد؛ فإنّ خير الأمور كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» . انتهى «مناوي وزرقاني» .

стр. 373

[الفصل السّابع في صفة غضبه ﷺ وسروره] الفصل السّابع في صفة غضبه ﷺ وسروره كان رسول الله ﷺ إذا غضب.. يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته. وكان ﷺ إذا غضب.. احمرّت وجنتاه. (الفصل السّابع) ؛ من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة غضبه ﷺ و) في صفة (سروره) ، أما غضبه فقد ذكر العارف الشعراني في كتاب «كشف الغمة» : أنّه (كان رسول الله ﷺ إذا غضب) لله تعالى (يرى رضاه وغضبه) ؛ أي: أثرهما (في وجهه) الشريف (لصفاء بشرته) - محرّكة-: ظاهر الجلد، لأنّه ﷺ لطيف الظاهر والباطن، وهو علامة اعتدال المزاج. روى أبو الشيخ في «كتاب أخلاق النبي ﷺ » ؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ يعرف رضاه وغضبه بوجهه ... الحديث، وإسناده ضعيف. (و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» ؛ عن ابن مسعود، وعن أم سلمة ﵂: (كان) رسول الله ﷺ إذا غضب احمرّت وجنتاه) تثنية وجنة؛ وهي ما ارتفع من لحم الخدّ، والجمع وجنات؛ مثل سجدة وسجدات، وهذا لا ينافي ما وصفه الله به من الرأفة والرحمة، لأنّه كما أنّ الرحمة والرّضا لا بدّ منهما للاحتياج إليهما؛ كذلك الغضب في حيّزه وأوانه ووقته وإبّانه، قال تعالى (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) [٢/ النور] ، وقال (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) [٢٩/ الفتح] ، فهو إذا غضب إنما يغضب لإشراق نور الله على قلبه؛ ليقيم حقوقه وينفّذ أوامره، وليس هو من قبيل العلو في الأرض، وتعظيم المرء نفسه، وطلب تفرّدها بالرئاسة، ونفاذ الكلمة في شيء.

стр. 374

وكان ﷺ إذا غضب وهو قائم.. جلس، وإذا غضب وهو جالس.. اضطجع، فيذهب غضبه. وكان ﷺ إذا غضب.. لم يجترىء عليه أحد إلّا عليّ. وكان ﷺ أبعد النّاس غضبا، وأسرعهم رضا. وكان ﷺ يغضب لربّه ، ولا يغضب لنفسه. (و) أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب «ذم الغضب» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا غضب وهو قائم جلس، وإذا غضب وهو جالس اضطجع) ، لأن ذلك أبعد عن المسارعة إلى الانتقام؛ وأسكن للحدّة، (فيذهب غضبه) وهو تعليم للأمّة، وإلا فغضبه ﷺ لله تعالى فلا ينبغي تسكينه، وكان تارة يتوضّأ لإطفاء الغضب. (و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» ، والحاكم في «المستدرك» ؛ وقال: صحيح، والطبراني بزيادة؛ كلّهم عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا غضب لم يجترىء) - بسكون الهمزة- (عليه أحد) . زاد الطبراني: أن يكلمه (إلّا) أمير المؤمنين (عليّ) بن أبي طالب، لما يعلمه من مكانته عنده وتمكّن ودّه من قلبه بحيث يحتمل كلامه في حال الحدّة، فأعظم بها منقبة للإمام علي تفرّد بها عن غيره. (و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان) رسول الله ﷺ أبعد النّاس غضبا، وأسرعهم رضا) . هذا من المعلوم. ويدلّ على ذلك إخباره ﷺ : أنّ بني آدم خيرهم بطيء الغضب سريع الفيء. رواه الترمذي؛ من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: حديث حسن، وهو ﷺ خير بني آدم وسيّدهم. (و) في «كشف الغمة» «كالإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يغضب لربّه ، ولا يغضب لأجل الدنيا، لعدم نظره إليها ومبالاته بها، (ولا يغضب لنفسه) ،

стр. 375

وكان ينفّذ الحقّ وإن عاد ذلك بالضّرر عليه وعلى أصحابه. وكان ﷺ إذا كره شيئا.. عرف ذلك في وجهه. ولا ينتصر لها، بل يعفو عن المعتدي عليه؛ لكمال حسن خلقه، فلم يبق فيه حظّ من حظوظ الدنيا وشهواتها وإراداتها، بل تمحّضت حظوظه وأغراضه وإرادته لله ، فهو معرض عن حقوق نفسه؛ قائم بحقوق ربه. قال العراقي: رواه الترمذي في «الشمائل» ؛ من حديث هند بن أبي هالة، وفيه: وكان لا تغضبه الدنيا وما كان منها، فإذا تعدّي الحقّ لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه؛ ولا ينتصر لها. وفيه راو لم يسمّ. انتهى؛ نقله شارح «الإحياء» . (و) فيهما أيضا: (كان ينفّذ) - بالفاء المشددة والذال المعجمة- (الحقّ؛ وإن عاد ذلك بالضّرر عليه وعلى أصحابه) ، أشار به إلى قصّة أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وهي عند البخاري في قصّة الحديبية، وذكرها في «الشروط» مطوّلة؛ كذا وجد بخطّ الحافظ ابن حجر في طرّة كتاب شيخه، وقد أغفله العراقي؛ قاله في «شرح الإحياء» . (و) روى الطبراني في «الأوسط» - بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال الصحيح- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا كره شيئا عرف) - رواية الطبراني: رؤي- (ذلك في وجهه) الشّريف، لأنّ وجهه؛ كالشمس والقمر، فإذا كره شيئا كسا وجهه ظلّ كالغيم على النّيّرين، فكان لغاية حيائه لا يصرّح بكراهته، لأنه لا يواجه أحدا بما يكره، بل إنما يعرف في وجهه. وهذا الحديث أصله في «الصحيحين» ؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، ولفظه: كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه. ذكره المناوي.

стр. 376

وأمّا سرور رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ إذا سرّ.. استنار وجهه كأنّه القمر. وكان ﷺ إذا سرّ.. فكأنّ وجهه المرآة، وكأنّ الجدر يرى شخصها فيه. (وأمّا سرور رسول الله ﷺ ؛ أي: فرحه بشيء!! (فقد) روى البخاريّ ومسلم؛ من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه) ؛ أي: أضاء ورئي فيه البشر (كأنّه) أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه (القمر) ؛ في الإشراق والاستنارة، ورواية «الصحيحين» : قطعة قمر. وكأنّ المصنّف حذف لفظة «القطعة» جريا على عادة البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد بقطعة. وكعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة الفصحاء البلغاء، فلا يعدل عن المتعارف بينهم إلّا لسبب، فلا بدّ للتقييد بذلك من حكمة. ووجه العدول؛- كما قال البلقيني-: أنّ القمر فيه قطعة يظهر فيها سواد؛ وهو المسمى بالكلف، فلو شبّه بالمجموع لدخلت هذه القطعة في المشبّه به، وغرضه إنما هو التشبيه على أكمل الوجوه، فلذا قال: كأنه «قطعة قمر» يريد القطعة الساطعة الإشراق الخالية من شوائب الكدر. انتهى. (و) في «المواهب اللدنية» ؛ نقلا عن «النهاية» لابن الأثير: (كان) رسول الله ﷺ إذا سرّ فكأنّ) - بتشديد النون- (وجهه المرآة) التي ترى فيها صور الأشياء، وهي ممدودة على وزن: مفتاح، جمعها مراء؛ على وزن جوار وغواش؛ كما في «المصباح» . (وكأنّ) - بتشديد النون- (الجدر) - بضمتين جمع جدار-؛ وهو الحائط تلاحك وجهه، والملاحكة: شدّة الملاءمة؛ أي (يرى شخصها) - أي: الجدر- (فيه) أي: في وجهه ﷺ لشدّة ضيائه وصفائه، والله أعلم.

стр. 377

[الفصل الثّامن في صفة ضحكه ﷺ وبكائه] الفصل الثّامن في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه (الفصل الثّامن) من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة ضحكه ﷺ . قال أهل اللغة: التبسّم مبادىء الضحك، أي: مقدّماته، والضحك: انبساط الوجه؛ أي: تهلّله وتلألؤه حتّى تظهر الأسنان من السرور، فإذا تهلّل الوجه لسرور قام به؛ انفتح الفم على الهيئة المعروفة، فإن كان بصوت؛ وكان بحيث يسمع من بعيد، فهو القهقهة، وإلّا يسمع من بعد؛ وهو بصوت فالضحك. فالفارق بين الثلاثة: أنّ التبسّم: انفتاح الفم بلا صوت. والضحك: انفتاحه مع صوت قليل. والقهقهة: انفتاحه بصوت قوي. والضحك خاصّة للإنسان، والغالب أنّه ينشأ من سرور يعرض للقلب، وقد يضحك غير المسرور. ويجوز فيه أربع لغات، وهي فتح أوله وكسره مع سكون ثانيه، وكسر أوله وثانيه، وفتح أوله وكسر ثانيه؛ كما يؤخذ من «القاموس» ، وهكذا كلّ ما كان ثلاثيا عينه حرف حلق نحو فخذ. انتهى. (و) في بيان ما ورد في صفة (بكائه) ؛ بالمدّ والقصر، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين؛ فقال: بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل والبكاء أنواع: ١- بكاء رحمة ورأفة، و ٢- بكاء خوف وخشية، و ٣- بكاء

стр. 378

وعطاسه كان رسول الله ﷺ إذا افترّ ضاحكا.. افترّ عن مثل سنا البرق إذا تلألأ، ... محبّة وشوق، و ٤- بكاء فرح وسرور، و ٥- بكاء جزع من ورود مؤلم على الشخص لا يحتمله، و ٦- بكاء حزن، و ٧- بكاء مستعار؛ كبكاء المرأة لغيرها من غير مقابل، و ٨- بكاء مستأجر عليه؛ كبكاء النائحة، و ٩- بكاء موافقة؛ وهو بكاء من يرى من يبكي فيبكي؛ ولا يدري لأي شيء يبكي، و ١٠- بكاء كذب؛ وهو بكاء المصرّ على الذنب. وبكاؤه ﷺ تارة يكون رحمة وشفقة على الميت، وتارة يكون خوفا على أمته، وتارة يكون خشية من الله تعالى، وتارة يكون اشتياقا ومحبّة مصاحبا للإجلال والخشية، وذلك عند استماع القرآن- كما سيأتي-. (و) في بيان ما ورد في (عطاسه) ﷺ ، وهو مصدر من عطس يعطس- بالكسر- عطاسا- بضمّ العين على وزن غراب-. قال في «الاقتراح» : هو خاصّ بالإنسان، فلا يقال لغيره؛ ولو للهرة؛ نقله شيخنا. وفي الحديث: كان يحبّ العطاس ويكره التثاؤب. قال ابن الأثير: لأنّ العطاس إنما يكون مع خفّة البدن وانفتاح المسام وتيسير الحركات، والتثاؤب بخلافه، وسبب هذه الأوصاف تخفيف الغذاء والإقلال من الطعام والشراب. انتهى شرح «القاموس» . أما ضحك رسول الله ﷺ !! فقد ذكر القاضي عياض في «الشفاء» ، والغزاليّ في «الإحياء» أنّه (كان رسول الله ﷺ إذا افترّ) - بتشديد الرّاء؛ أي: إذا أبدى أسنانه حال كونه- (ضاحكا) ؛ أي: متبسّما (افترّ) - أي: كشف- (عن مثل سنا) بقصر «سنا» ، وقد يمدّ، وقيل: بالقصر: النّور، وبالمد: الشرف والعلو، أي: يشبه ضوء- (البرق إذا تلألأ) في ظلمة الليل، أي: إذا كشف ﷺ عن أسنانه في حال ضحكه ظهر من فمه وبياض أسنانه لمعان كلمعان البرق، وهو تشبيه لنور ثغره.

стр. 379

وعن مثل حبّ الغمام. وكان ﷺ جلّ ضحكه التّبسّم. وإنما خصّ التشبيه بحال التبسم والسرور، وشبه ذلك بالبرق دون ما هو أضوأ منه؛ كالشمس والبدر!! إشارة إلى أنه لا يدوم ضحكه وانفتاح فمه، لأنّ كثرة الضحك غير محمودة، ولم يكن ذلك من دأبه ﷺ ، ولأنّ تبسّمه لمخاطبه يعقبه نفع، وخير من عطائه وكلامه ورضاه، كما يعقب البرق المطر والرحمة العامّة. وهذا رواه البيهقي مسندا؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. (و) يفترّ (عن مثل حبّ الغمام) في بياضه ونقائه وصفائه. والغمام: هو السحاب، وحبّه: البرد- بفتحتين- الذي يشبه اللؤلؤ، والمعنى أنّه يضحك ضحكا حسنا كاشفا عن مثل حبّ الغمام في البياض والصفا والبريق واللمعان. وورد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المارّ: أنّه ﷺ كان إذا ضحك يتلألأ في الجدر، أي: يشرق عليها إشراقا كإشراق الشمس. قال ملّا علي قاري في «شرح الشفاء» : والتشبيه الثاني أولى من الأوّل. انتهى. وهذا رواه الترمذي في «الشمائل» والدارميّ، والبيهقي؛ من حديث هند بن أبي هالة وعائشة رضي الله تعالى عنهما. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ، والقاضي عياض في «الشفاء» ؛ من طريق الترمذي؛ عن هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ متواصل الأحزان. وساق الحديث إلى أن قال: (جلّ) - بضم الجيم وتشديد اللام؛ أي: معظم- (ضحكه) وأكثره (التّبسّم) . وهو: بشاشة الوجه من غير تأثر تامّ في هيئة الفم، وقال: «جلّ» !! لأنّه ربما ضحك حتّى بدت نواجذه. كما سيأتي الكلام على ذلك، وهذا لا ينافي ما رواه البخاري في «الأدب» ، وابن ماجه في «سننه» : «لا تكثر الضّحك فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب» .

стр. 380

وعن عبد الله بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ . وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها أنّها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ قطّ مستجمعا ضاحكا حتّى أرى منه لهواته. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن عبد الله بن الحارث) بن جزء بجيم مفتوحة فزاي ساكنة فهمزة آخره- الزّبيدي مصغّرا، صحابي سكن مصر، خرّج له أبو داود وابن ماجه، ومات بعد الثمانين. قيل: سنة ست، وقيل: خمس، وقيل: سبع، وقيل: ثمان بعد أن عمي، وعمّر عمرا طويلا، وهو آخر من مات بمصر من الصحابة (رضي الله تعالى عنه؛ قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله ﷺ ، لأنّ شأن الكمّل إظهار الانبساط والبشر لمن يريدون تألّفه واستعطافه، مع تلبّسهم بالحزن المتواصل باطنا، فكثرة تبسّمه ﷺ لا تنافي كونه متواصل الأحزان. فاندفع ما أورد من أنه إذا كان كثير التبسّم كيف يكون متواصل الأحزان؟! فهو ﷺ دائم البشر؛ ومع ذلك هو دائم الحزن الباطن، حتّى أنّه قد تبدو آثاره على صفحات وجهه. (و) أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» ؛ (عن عائشة رضي الله) تعالى (عنها أنّها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ قطّ مستجمعا ضاحكا) ضحكا تامّا بحيث ينفتح فمه (حتّى أرى منه لهواته) - بفتحات؛ جمع لهاة، وتجمع على لهيات ولهى؛ مثل حصاة وحصى وحصيات؛ كما في «المصباح» - وهي: اللحمة التي بأعلى الحنجرة؛ أي: الحلق من أقصى الفم، وتمام الحديث: إنما كان يتبسم. والمعنى ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك؛ أي مطمئنا قاصدا للضحك الذي يغلب وقوعه للناس، بحيث يضحك ضحكا تامّا؛ مقبلا بكليته على الضحك، إنما كان يتبسّم، والتبسم أقلّ الضحك وأحسنه.

стр. 381

وعن عبد الله بن الحارث أيضا قال: ما ضحك رسول الله ﷺ إلّا تبسّما. وكان رسول الله ﷺ لا يحدّث حديثا إلّا تبسّم. وكان ضحك أصحابه ﷺ عنده التّبسّم من غير صوت، اقتداء به، وتوقيرا له، وكانوا إذا جلسوا عنده.. كأنّما على رؤوسهم الطّير. قال في «الكشاف» : وكذلك ضحك الأنبياء لم يكن إلّا تبسّما. انتهى، وعليه فهو من خواصّه على الأمم؛ دون الأنبياء، انتهى «زرقاني» . (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» - وقال: غريب من حديث الليث بن سعد- (عن عبد الله بن الحارث) بن جزء (أيضا) رضي الله تعالى عنه (قال: ما ضحك رسول الله ﷺ إلّا تبسّما) . هذا الحصر إضافيّ؛ أي: بالنسبة للغالب، لما تقرّر أنّه ﷺ ضحك أحيانا حتّى بدت نواجذه، إلّا أن يحمل على المبالغة. (و) أخرج الإمام أحمد في «مسنده» ؛ عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ لا يحدّث حديثا) - يناسبه التبسّم، وفي رواية: «بحديث» - (إلّا تبسّم) ؛ أي: ضحك قليلا بلا صوت. (و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ضحك أصحابه ﷺ عنده) ؛ أي: في حضرته (التّبسّم) لا غير. أي: (من غير صوت؛ اقتداءا به) في كيفية ضحكه وهيئته، (وتوقيرا له) ؛ أي: تعظيما لحرمته. (وكانوا إذا جلسوا عنده) ، رواية الترمذي في «الشمائل» : إذا تكلّم أطرق جلساؤه (كأنّما) بزيادة «ما» الكافّة (على رؤوسهم الطّير) في السكوت والسكون؛ مهابة له وإجلالا، لشهودهم عليّ شأنه وكمال مرتبته، وتخلّقهم بأخلاقه، لا لسوء خلق فيه، حاشاه الله من ذلك. وفي التشبيه تنبيه على المبالغة في وصفهم بالسكوت والسكينة وعدم الخفّة،

стр. 382

وكان ﷺ إذا جرى به الضّحك.. وضع يده على فيه. كان ﷺ من أضحك النّاس، وأطيبهم نفسا. وورد في أحاديث أنّ النّبيّ ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه- أي: أضراسه- وإن كان ... لأنّ الطير لا يكاد يقع إلّا على شيء ساكن من الحركة. و «أل» في «الطير» للجنس، فالمراد جنس الطير مطلقا، وقيل: للعهد، والمعهود الباز. وهذا الحديث؛ قال في «شرح الإحياء» : رواه الترمذي في «شمائله» من حديث هند بن أبي هالة في أثناء حديثه الطويل. انتهى. وفيه تغيير في اللفظ. (و) أخرج البغوي في «معجمه» ؛ عن والد مرّة الثقفي رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا جرى به الضّحك) ؛ أي: إذا وجد سببه وقوي عليه وغلبه؛ ولم يقدر على ردّه (وضع يده على فيه) حتّى لا يبدو شيء من باطن فمه، ولئلا يقهقه، وهذا كان نادرا. وأما في أغلب أحواله!! فكان لا يضحك إلّا تبسّما. (و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» و «الأوسط» ؛ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ من أضحك النّاس، و) من (أطيبهم نفسا) ، بل كان أجود الناس على الإطلاق وأحسنهم خلقا، ومع ذلك لا يركن إلى الدنيا، ولا يشغله شاغل عن ربّه، بل كان استغراقه في حبّ الله إلى حدّ بحيث يخاف في بعض الأحيان أن يسري إلى قلبه فيحرقه، وإلى قالبه فيهدمه؛ فلذلك كان يضرب يده على فخذ عائشة رضي الله تعالى عنها أحيانا؛ ويقول: «كلّميني» ، ليشتغل بكلامها عن عظيم ما هو فيه، لقصور طاقة قالبه عنه، وكان طبعه الأنس بالله، وكان أنسه بالخلق عارضا رفقا ببدنه؛ ذكر ذلك كلّه الغزالي. انتهى «مناوي» . (وورد في أحاديث) صحيحة (أنّ النّبيّ ﷺ ضحك حتّى بدت) ؛ أي: ظهرت (نواجذه) - بكسر الجيم وبالذال المعجمة- (أي: أضراسه، وإن كان

стр. 383

الغالب من أحواله ﷺ التّبسّم. الغالب من أحواله ﷺ التّبسّم) ؛ كما جاء في صفة ضحكه «جلّ ضحكه التبسم» وقد تقدّم، والاقتداء به إنّما يكون فيما هو أغلب أحواله. قال العلقمي: قال العلامة محمد بن يوسف الدمشقي: قال أبو الحسن بن الضّحّاك: صحّت الأخبار وتظاهرت بضحك رسول الله ﷺ في غير موطن حتّى تبدو نواجذه. وثبت عنه ﷺ أنّه كان لا يضحك إلّا تبسّما. ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: إن التبسّم كان الأغلب عليه، ويمكن أن يكون الناقل عنه «أنّه كان لا يضحك إلّا تبسّما» ، لم يشاهد من النبي ﷺ غير ما أخبر به، ويكون من روى عنه «أنه ضحك حتى بدت نواجذه» قد شاهد ذلك في وقت ما؛ فنقل ما شاهده، فلا اختلاف بينهما لاختلاف المواطن والأوقات، ويمكن أن يكون في ابتداء أمره كان يضحك حتّى تبدو نواجذه في الأوقات النادرة، وكان آخر أمره لا يضحك إلّا تبسّما، وقد وردت عنه ﷺ أحاديث تدلّ على ذلك، ويمكن أن يكون من روى عنه أنّه كان لا يضحك إلّا تبسّما شاهد ضحكه حتّى بدت نواجذه نادرا؛ فأخبر عن الأكثر وغلّبه على القليل النادر. على أن أهل اللغة قد اختلفوا في النواجذ ما هي؟ فقال جماعة: إنّ النواجذ أقصى الأضراس من الفم موضعا، فعلى هذا تتحقّق المعارضة، ويمكن الجمع بين الأحاديث بما قلنا. ومنهم من قال: إنّ النواجذ هي الأنياب. وقال آخرون: هي الضواحك، فعلى هذين لا يكون في ظاهر الأخبار معارضة، لأنّ المتبسّم يلزمه ذلك. قال في «النهاية» : النواجذ- بكسر الجيم وبالذال المعجمة- وهي من الأسنان الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك؛ والأكثر الأشهر أنّها أقصى الأسنان، والمراد الأول، لأنّه ما كان يبلغ به الضحك حتّى تبدو أضراسه، كيف وقد تقدّم أنّ جلّ ضحكه التبسّم!؟ وإن أريد بها الأضراس! فالوجه فيه أن يراد به مبالغة مثله في

стр. 384

فعن أبي ذرّ رضي الله [تعالى] عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم أوّل رجل يدخل الجنّة، ... ضحكه، من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك، وهو أقيس القولين لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان.. انتهى؛ نقله العزيزي على «الجامع الصغير» . ثم شرع المصنف في ذكر الأحاديث التي صرّح فيها بالنواجذ قائلا: (فعن أبي ذرّ) جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن الرفيقة بن حرام بن غفار بن مليك بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الغفاري الحجازي. من السابقين إلى الإسلام. صحب النبي ﷺ حتّى مات رسول الله ﷺ . روي له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وواحد وثمانون حديثا، اتفقا منها على اثني عشر حديثا، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بسبعة عشر حديثا. روى عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن غنم، وجبير بن نفير، وخلق سواهم. وتوفي بالربذة سنة: اثنتين وثلاثين، وصلّى عليه ابن مسعود، ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام عشرة أيام؛ ثم توفي. وكان أبو ذر طويلا عظيما، وكان زاهدا متقللا من الدنيا، وكان مذهبه أنّه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته، وكان قوّالا بالحقّ رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي في «جامعه» وفي «الشمائل» بألفاظ مختلفة، ولفظ الترمذي في «الشمائل» : حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث؛ قال: حدّثنا وكيع؛ قال: حدّثنا الأعمش؛ عن المعرور بن سويد؛ عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم) بالوحي (أوّل رجل يدخل الجنّة) - في

стр. 385

وآخر رجل يخرج من النّار، يؤتى بالرّجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا.. كذا وكذا، وهو مقرّ لا ينكر، وهو مشفق من كبارها، نسخة من «الشمائل» : إني لأعلم آخر رجل يدخل الجنة- (وآخر رجل يخرج من النّار) - ولم يذكر أوّل رجل يدخل النار، لأنّ كلامه فيمن يدخل الجنة. وإنما ذكر آخر رجل يخرج من النار!! لأنه آخر رجل يدخل الجنة، ولذا اقتصر عليه في أصحّ النسخ، وزاد علمه ليزيد وثوقا فيما أخبر به. فليس قوله (يؤتى بالرّجل يوم القيامة) تفصيلا لأول رجل يدخل الجنة كما وهم، بل هو استئناف لبيان حال رجل آخر، فلا تعلّق له بما قبله، إذ أوّل داخل هو المصطفى ﷺ ؛ ولا ذنب له، وفي بعض النسخ: «ويؤتى بالرّجل يوم القيامة» ، بالواو التي للاستئناف. (فيقال) ؛ أي: يقول الله للملائكة: (اعرضوا) - بهمزة وصل وكسر راء؛ أمر من العرض- (عليه) ؛ أي: على الرجل (صغار ذنوبه) - بكسر الصاد؛ أي: صغائر ذنوبه، أي: أظهروها له في صحيفته، أو بصورها، وفيه دليل على أنّ الصغيرة ذنب، وأنّ من الذنوب صغائر وكبائر- (ويخبأ) - بصيغة المجهول؛ من الخبء بالهمز. أي: يخفى- (عنه) - أي: الرجل- (كبارها) أي: كبائر ذنوبه للحكمة الآتية، أي: والحال أنّه يخبأ عنه كبارها، فالجملة حالية، ويحتمل أن تكون معطوفة على «اعرضوا» ؛ فتكون أمرا في المعنى، فكأنّه قيل: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، واخبئوا عنه كبارها، أي: كبائر ذنوبه. (فيقال له: عملت) ؛ أي: من القول والفعل (يوم كذا) ؛ أي: الوقت الفلاني من السّنة والشهر والأسبوع واليوم والساعة (كذا وكذا) ؛ أي: عددا من الذنوب، ف «كذا وكذا» كناية عن العدد المشتمل على عطف، (وهو مقرّ لا ينكر) ؛ أي: فيتذكّر ذلك ويصدّقه هنالك، (وهو مشفق) ؛ من الإشفاق؛ وهو الخوف، والجملة حال؛ أي: والحال أنّه خائف (من كبارها) ؛ أي: من كبار ذنوبه، أي: من المؤاخذة بها، فإنّ من يؤاخذ بالصغيرة فبالأولى أن يعاقب بالكبيرة.

стр. 386

فيقال: أعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوبا لا أراها ههنا» . قال أبو ذرّ: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه. (فيقال) ؛ أي: فيقول الله للملائكة (أعطوه) - بقطع الهمزة- (مكان) ؛ أي: بدل (كلّ سيّئة عملها حسنة) لتوبته النصوح، قال الله تعالى (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) [٧٠/ الفرقان] ، أو لغلبة طاعاته، أو لإقراره بالذنب والخوف منه، أو لغير ذلك مما يعلمه الله. (فيقول) ؛ أي: طمعا في الحسنات: (إنّ لي ذنوبا لا أراها ها هنا» ) !! أي: في موضع العرض، أو في صحيفة الأعمال، وفي رواية: «ما أراها ها هنا!!» وإنما يقول ذلك مع كونه مشفقا منها!!، لأنّه لما قوبلت صغائرها بالحسنات طمع أن تقابل كبائرها بها أيضا، وزال خوفه منها، فسأل عنها لتقابل بالحسنات أيضا. (قال أبو ذرّ: فلقد رأيت) ؛ أي: فوالله لقد رأيت، - وإنما أقسم!! لئلا يرتاب في خبره، لما اشتهر من أنّه ﷺ لا يضحك إلّا تبسّما- (رسول الله ﷺ ضحك) تعجّبا من الرجل حيث كان مشفقا من كبار ذنوبه، ثم صار طالبا لرؤيتها، وبالغ في الضحك (حتّى بدت) : ظهرت (نواجذه) - بمعجمة-: أقصى أضراسه، أي: أضراسه كلّها، وكانت مبالغته في الضحك نادرة، والمكروه الإكثار منه؛ كما في رواية البخاري: «لا تكثروا الضّحك فإنّه يميت القلب» . والغالب من أحواله ﷺ التبسّم، ولذلك جاء في صفة ضحكه «جلّ ضحكه التبسم» ، وينبغي الاقتداء به فيما هو أغلب أحواله. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والإمام أحمد، والترمذي في «جامعه» وفي «الشمائل» ، وابن ماجه في «سننه» ، ولفظ «الشمائل» : حدّثنا هنّاد بن السريّ؛ قال: حدّثنا أبو معاوية؛ عن الأعمش؛ عن إبراهيم؛ عن عبيدة السلماني؛

стр. 387

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف آخر أهل النّار خروجا، ... (عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بن مسعود) بن غافل- بالغين المعجمة والفاء- ابن حبيب بن سمح بن فار- بالفاء وتخفيف الراء- ابن مخزوم بن صاهلة بالصاد المهملة والهاء- ابن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الهذلي، حليف بني زهرة الكوفي. وأمّه أمّ عبد بنت عبد ودّ بن سواء؛ هذيل أيضا. أسلمت وهاجرت فهو صحابيّ ابن صحابية. أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن زيد؛ قبل عمر بن الخطاب بزمان، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد، وشهد اليرموك، وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنّة. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، وانفرد مسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وأنس وجابر، وأبو سعيد، وعمران بن حصين، وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة وخلائق لا يحصون من كبار التابعين. نزل الكوفة في آخر أمره، وتوفي بها سنة: اثنتين وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، وقيل: عاد إلى المدينة، وتوفي وهو ابن بضع وستين سنة، وكان من كبار الصحابة وساداتهم وفقهائهم ومقدّميهم في القرآن والفقه والفتوى وأصحاب الحلق وأصحاب الأتباع في العلم (رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف) - بالوحي كما مر- (آخر أهل النّار) من عصاة المؤمنين (خروجا) - منصوب على التمييز، وفي بعض النسخ المصححة

стр. 388

رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنّة. قال: فيذهب ليدخل فيجد النّاس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: ربّ؛ قد أخذ النّاس المنازل، فيقال له: أتذكر الزّمان الّذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، ... «خروجا من النّار» - (رجل) قيل: اسمه جهينة- مصغرا-، وقيل: هنّاد الجهني (يخرج منها زحفا) - مفعول مطلق من غير لفظ الفعل، أو حال بمعنى زاحفا، والزحف: المشي على الاست مع إشراف الصدر، وفي رواية «حبوا» ؛ وهو: المشي على اليدين والرجلين والركبتين، ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال أنّه يزحف تارة ويحبو أخرى- (فيقال له) - أي: من قبل الله؛ كما تقدّم-: (انطلق) أي: اذهب مخلى سبيلك محلولا أسارك، (فادخل الجنّة. قال: فيذهب) إليها (ليدخل) - يعني: لكي يدخلها فيشرع ليدخلها- (فيجد النّاس) - أي: أهلها- (قد أخذوا) - أي: كلّ منهم- (المنازل) ؛ أي: منازل الجنة، أي درجاتها؛ وهي جمع منزل؛ وهي موضع النزول، ويخيّل له أنّه لم يبق موضع لنزول غيرهم (فيرجع) عن الشروع في دخولها، (فيقول) ؛ أي: قبل أن يسأل عن سبب رجوعه؛ أو بعده: (ربّ) ؛ أي: يا رب (قد أخذ النّاس) ؛ أي: كلّ منهم (المنازل) كأنّه ظنّ أنّ الجنّة إذا امتلأت بساكنيها لم يكن للقادم فيها منزل، فيحتاج أن يأخذ منزلا منهم. (فيقال له) ؛ أي: من قبل الله- كما تقدم-: (أتذكر) - بحذف إحدى التاءين، - أي أتتذكر (الزّمان الّذي كنت فيه؟) أي: في الدنيا الضيّقة بحيث إذا امتلأت بساكنيها لم يكن للقادر فيها منزل، فيحتاج إلى أن يأخذ منزلا من أصحاب المنازل، فتقيس عليه الزمن الذي أنت فيه الآن في الجنّة، وتظنّ أنّها ضيّقة كالدنيا. (فيقول: نعم) أتذكّر الزمن الذي كنت فيه في الدنيا الضيقة.

стр. 389

فيقال له: تمنّ. قال: فيتمنّى، فيقال له: فإنّ لك الّذي تمنّيته وعشرة أضعاف الدّنيا. قال: فيقول: أتسخر بي ... (فيقال له) ؛ أي: من قبل الله- كما مرّ-: (تمنّ) ؛ أي: اطلب ما تقدّره في نفسك وتصوّره فيها، من كلّ جنس ونوع تشتهي، من وسع الدار وكثرة الأشجار والثمار، فإنّ لك مع امتلائها مساكن كثيرة وأماكن كبيرة، وجنات تجري من تحتها الأنهار، كلّها على طريق خرق العادة بقدرة الملك الغفار، وكل ما تمنيته متيسر في هذه الدار الواسعة، ولا تقس حال الآخرة بحال الدنيا، فإن تلك دار ضيّقة ومحنة، وهذه دار متسعة ومنحة. (قال) ؛ أي: النبي ﷺ (فيتمنّى) ؛ أي: يطلب ما يقدره في نفسه ويصوره فيها، (فيقال له) من قبل الله: (فإنّ لك الّذي تمنّيته وعشرة أضعاف الدّنيا) ؛ أي: أمثالها زيادة على الذي تمنّيت، فضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، لكن المضاعفة ليست بالمساحة والمقدار؛ بل بالقيمة، فما يعطاه في الآخرة، يكون مقدار عشرة أضعاف الدنيا، بحسب القيمة؛ لا بالوزن والمقدار؛ كذا قال الباجوري. وأصل هذا الكلام للغزالي؛ كما نقله عنه المناوي في «شرح الشمائل» ساكتا عليه، لكن الباجوري عقّبه بقوله: ولا مانع من المضاعفة بالمساحة والمقدار. كما وجد بخط الشبراوي، فإنّه روي أنّ أدنى أهل الجنة منزلة من يسير في ملكه ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وينظر إلى جنانه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأرفعهم الذي ينظر إلى ربّه بالغداة والعشي. انتهى. (قال) - أي- النبي ﷺ : (فيقول) - دهشا لما ناله من السرور، ببلوغ ما لم يخطر بباله من كثرة الحور والقصور-: (أتسخر) ؛ أي: أتستهزىء (بي) - بالباء الموحدة؛ كما في نسخ «الشمائل» المصحّحة، ولم يكن ضابطا لما قاله، ولا عالما بما يترتّب عليه، بل جرى على عادته في مخاطبة المخلوق، فهو كمن قال ﷺ في حقّه- إنّه لم يضبط نفسه من الفرح في الدعاء-؛ فقال: أنت عبدي وأنا

стр. 390

وأنت الملك» . قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه. وعن عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: قال سعد ... ربّك، وفي نسخة: أتسخرني- بالنون- (وأنت) ؛ أي: والحال أنّك أنت (الملك» ) !! - بكسر اللام- وليست السخرية من دأب الملوك، وأنا أحقر من أن يسخر بي ملك الملوك، وهذا نهاية الخضوع، وهو سبب لكمال جود الملك تقدّس، ولذلك نال ما نال من الإكرام. (قال) - أي- عبد الله بن مسعود: (فلقد رأيت رسول الله ﷺ - أي: فوالله لقد رأيت ... إلخ، وإنّما أقسم لئلا يرتاب في خبره، لما اشتهر أنّ المصطفى ﷺ كان لا يضحك إلّا تبسّما- (ضحك حتّى بدت) ؛ أي: ظهرت (نواجذه) جمع: ناجذ، وهو آخر الأسنان على المشهور، تعجّبا من دهش الرجل، ومن غلبة رحمته تعالى على غضبه. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص) القرشي الزّهري المدني التابعي، سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأسامة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم. روى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وخلق من التابعين، واتفقوا على توثيقه. وتوفي بالمدينة المنورة سنة: ثلاث- وقيل: سنة أربع- ومائة، وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى. (قال) ؛ أي: عامر: (قال سعد) بن أبي وقّاص- يعني أباه-، وهو أبو إسحاق سعد بن مالك بن وهب- ويقال: أهيب- ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزّهري المكيّ المدني. أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وتوفي وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب ﵃ أمر
следующие страницы →