فيقال: أعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوبا لا أراها ههنا» . قال أبو ذرّ: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه.
(فيقال) ؛ أي: فيقول الله للملائكة (أعطوه) - بقطع الهمزة- (مكان) ؛ أي: بدل (كلّ سيّئة عملها حسنة) لتوبته النصوح، قال الله تعالى (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) [٧٠/ الفرقان] ، أو لغلبة طاعاته، أو لإقراره بالذنب والخوف منه، أو لغير ذلك مما يعلمه الله.
(فيقول) ؛ أي: طمعا في الحسنات: (إنّ لي ذنوبا لا أراها ها هنا» ) !! أي: في موضع العرض، أو في صحيفة الأعمال، وفي رواية: «ما أراها ها هنا!!» وإنما يقول ذلك مع كونه مشفقا منها!!، لأنّه لما قوبلت صغائرها بالحسنات طمع أن تقابل كبائرها بها أيضا، وزال خوفه منها، فسأل عنها لتقابل بالحسنات أيضا.
(قال أبو ذرّ: فلقد رأيت) ؛ أي: فوالله لقد رأيت، - وإنما أقسم!! لئلا يرتاب في خبره، لما اشتهر من أنّه ﷺ لا يضحك إلّا تبسّما- (رسول الله ﷺ ضحك) تعجّبا من الرجل حيث كان مشفقا من كبار ذنوبه، ثم صار طالبا لرؤيتها، وبالغ في الضحك (حتّى بدت) : ظهرت (نواجذه) - بمعجمة-: أقصى أضراسه، أي: أضراسه كلّها، وكانت مبالغته في الضحك نادرة، والمكروه الإكثار منه؛ كما في رواية البخاري: «لا تكثروا الضّحك فإنّه يميت القلب» .
والغالب من أحواله ﷺ التبسّم، ولذلك جاء في صفة ضحكه «جلّ ضحكه التبسم» ، وينبغي الاقتداء به فيما هو أغلب أحواله.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والإمام أحمد، والترمذي في «جامعه» وفي «الشمائل» ، وابن ماجه في «سننه» ، ولفظ «الشمائل» : حدّثنا هنّاد بن السريّ؛ قال: حدّثنا أبو معاوية؛ عن الأعمش؛ عن إبراهيم؛ عن عبيدة السلماني؛
стр. 387
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف آخر أهل النّار خروجا، ...
(عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بن مسعود) بن غافل- بالغين المعجمة والفاء- ابن حبيب بن سمح بن فار- بالفاء وتخفيف الراء- ابن مخزوم بن صاهلة بالصاد المهملة والهاء- ابن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الهذلي، حليف بني زهرة الكوفي.
وأمّه أمّ عبد بنت عبد ودّ بن سواء؛ هذيل أيضا.
أسلمت وهاجرت فهو صحابيّ ابن صحابية.
أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن زيد؛ قبل عمر بن الخطاب بزمان، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد، وشهد اليرموك، وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنّة.
روي له عن رسول الله ﷺ ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، وانفرد مسلم بخمسة وثلاثين.
روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وأنس وجابر، وأبو سعيد، وعمران بن حصين، وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة وخلائق لا يحصون من كبار التابعين.
نزل الكوفة في آخر أمره، وتوفي بها سنة: اثنتين وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، وقيل: عاد إلى المدينة، وتوفي وهو ابن بضع وستين سنة، وكان من كبار الصحابة وساداتهم وفقهائهم ومقدّميهم في القرآن والفقه والفتوى وأصحاب الحلق وأصحاب الأتباع في العلم (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف) - بالوحي كما مر- (آخر أهل النّار) من عصاة المؤمنين (خروجا) - منصوب على التمييز، وفي بعض النسخ المصححة
стр. 388
رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنّة.
قال: فيذهب ليدخل فيجد النّاس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: ربّ؛ قد أخذ النّاس المنازل، فيقال له: أتذكر الزّمان الّذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، ...
«خروجا من النّار» - (رجل) قيل: اسمه جهينة- مصغرا-، وقيل: هنّاد الجهني (يخرج منها زحفا) - مفعول مطلق من غير لفظ الفعل، أو حال بمعنى زاحفا، والزحف: المشي على الاست مع إشراف الصدر، وفي رواية «حبوا» ؛ وهو:
المشي على اليدين والرجلين والركبتين، ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال أنّه يزحف تارة ويحبو أخرى- (فيقال له) - أي: من قبل الله؛ كما تقدّم-: (انطلق) أي:
اذهب مخلى سبيلك محلولا أسارك، (فادخل الجنّة.
قال: فيذهب) إليها (ليدخل) - يعني: لكي يدخلها فيشرع ليدخلها- (فيجد النّاس) - أي: أهلها- (قد أخذوا) - أي: كلّ منهم- (المنازل) ؛ أي: منازل الجنة، أي درجاتها؛ وهي جمع منزل؛ وهي موضع النزول، ويخيّل له أنّه لم يبق موضع لنزول غيرهم (فيرجع) عن الشروع في دخولها،
(فيقول) ؛ أي: قبل أن يسأل عن سبب رجوعه؛ أو بعده: (ربّ) ؛ أي:
يا رب (قد أخذ النّاس) ؛ أي: كلّ منهم (المنازل) كأنّه ظنّ أنّ الجنّة إذا امتلأت بساكنيها لم يكن للقادم فيها منزل، فيحتاج أن يأخذ منزلا منهم.
(فيقال له) ؛ أي: من قبل الله- كما تقدم-: (أتذكر) - بحذف إحدى التاءين، - أي أتتذكر (الزّمان الّذي كنت فيه؟) أي: في الدنيا الضيّقة بحيث إذا امتلأت بساكنيها لم يكن للقادر فيها منزل، فيحتاج إلى أن يأخذ منزلا من أصحاب المنازل، فتقيس عليه الزمن الذي أنت فيه الآن في الجنّة، وتظنّ أنّها ضيّقة كالدنيا.
(فيقول: نعم) أتذكّر الزمن الذي كنت فيه في الدنيا الضيقة.
стр. 389
فيقال له: تمنّ. قال: فيتمنّى، فيقال له: فإنّ لك الّذي تمنّيته وعشرة أضعاف الدّنيا. قال: فيقول: أتسخر بي ...
(فيقال له) ؛ أي: من قبل الله- كما مرّ-: (تمنّ) ؛ أي: اطلب ما تقدّره في نفسك وتصوّره فيها، من كلّ جنس ونوع تشتهي، من وسع الدار وكثرة الأشجار والثمار، فإنّ لك مع امتلائها مساكن كثيرة وأماكن كبيرة، وجنات تجري من تحتها الأنهار، كلّها على طريق خرق العادة بقدرة الملك الغفار، وكل ما تمنيته متيسر في هذه الدار الواسعة، ولا تقس حال الآخرة بحال الدنيا، فإن تلك دار ضيّقة ومحنة، وهذه دار متسعة ومنحة.
(قال) ؛ أي: النبي ﷺ (فيتمنّى) ؛ أي: يطلب ما يقدره في نفسه ويصوره فيها، (فيقال له) من قبل الله: (فإنّ لك الّذي تمنّيته وعشرة أضعاف الدّنيا) ؛ أي: أمثالها زيادة على الذي تمنّيت، فضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، لكن المضاعفة ليست بالمساحة والمقدار؛ بل بالقيمة، فما يعطاه في الآخرة، يكون مقدار عشرة أضعاف الدنيا، بحسب القيمة؛ لا بالوزن والمقدار؛ كذا قال الباجوري.
وأصل هذا الكلام للغزالي؛ كما نقله عنه المناوي في «شرح الشمائل» ساكتا عليه، لكن الباجوري عقّبه بقوله: ولا مانع من المضاعفة بالمساحة والمقدار.
كما وجد بخط الشبراوي، فإنّه روي أنّ أدنى أهل الجنة منزلة من يسير في ملكه ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وينظر إلى جنانه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأرفعهم الذي ينظر إلى ربّه بالغداة والعشي. انتهى.
(قال) - أي- النبي ﷺ : (فيقول) - دهشا لما ناله من السرور، ببلوغ ما لم يخطر بباله من كثرة الحور والقصور-: (أتسخر) ؛ أي: أتستهزىء (بي) - بالباء الموحدة؛ كما في نسخ «الشمائل» المصحّحة، ولم يكن ضابطا لما قاله، ولا عالما بما يترتّب عليه، بل جرى على عادته في مخاطبة المخلوق، فهو كمن قال ﷺ في حقّه- إنّه لم يضبط نفسه من الفرح في الدعاء-؛ فقال: أنت عبدي وأنا
стр. 390
وأنت الملك» . قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه.
وعن عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: قال سعد ...
ربّك، وفي نسخة: أتسخرني- بالنون- (وأنت) ؛ أي: والحال أنّك أنت (الملك» ) !! - بكسر اللام- وليست السخرية من دأب الملوك، وأنا أحقر من أن يسخر بي ملك الملوك، وهذا نهاية الخضوع، وهو سبب لكمال جود الملك تقدّس، ولذلك نال ما نال من الإكرام.
(قال) - أي- عبد الله بن مسعود: (فلقد رأيت رسول الله ﷺ - أي: فوالله لقد رأيت ... إلخ، وإنّما أقسم لئلا يرتاب في خبره، لما اشتهر أنّ المصطفى ﷺ كان لا يضحك إلّا تبسّما- (ضحك حتّى بدت) ؛ أي: ظهرت (نواجذه) جمع:
ناجذ، وهو آخر الأسنان على المشهور، تعجّبا من دهش الرجل، ومن غلبة رحمته تعالى على غضبه.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص) القرشي الزّهري المدني التابعي، سمع أباه، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأسامة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم.
روى عنه ابنه داود، وسعيد بن المسيب، وخلق من التابعين، واتفقوا على توثيقه. وتوفي بالمدينة المنورة سنة: ثلاث- وقيل: سنة أربع- ومائة، وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى.
(قال) ؛ أي: عامر: (قال سعد) بن أبي وقّاص- يعني أباه-، وهو أبو إسحاق سعد بن مالك بن وهب- ويقال: أهيب- ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزّهري المكيّ المدني.
أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وتوفي وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب ﵃ أمر
стр. 391
رضي الله تعالى عنه: لقد رأيت النّبيّ ﷺ ضحك يوم الخندق حتّى بدت نواجذه.
الخلافة إليهم، وأسلم قديما بعد أربعة- وقيل: بعد ستة- وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، وأوّل من أراق دما في سبيل الله تعالى.
وهو من المهاجرين الأوّلين، هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ إليها.
شهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، وكان يقال له «فارس الإسلام» ، وأبلى يوم أحد بلاء شديدا.
وكان مجاب الدعوة، وحديثه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة، وأجيبت دعوته فيه في ثلاثة أشياء «١» مشهور في «الصحيحين» .
روي له عن رسول الله ﷺ مائتان وسبعون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، وانفرد مسلم بثمانية عشر.
روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن سمرة، والسائب بن يزيد، وعائشة ﵃.
واعتزل الفتنة فلم يقاتل في شيء من الحروب التي وقعت بين الصحابة.
وتوفي سنة: - ٥٥- خمس وخمسين، وقيل غير ذلك (رضي الله تعالى عنه:
لقد رأيت النّبيّ ﷺ ضحك يوم الخندق) - كجعفر: حفير حول أسوار المدينة، معرّب كندة؛ على ما في «القاموس» ، لأنّ الخاء والدال والقاف لا تجتمع في كلمة عربية- (حتّى بدت نواجذه.
стр. 392
قال: قلت: كيف كان ضحكه؟
قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان الرّجل يقول كذا وكذا بالتّرس يغطّي جبهته، ...
قال) ؛ أي: عامر (قلت) لسعد: (كيف كان) ؛ أي: على أي حال كان (ضحكه؟ قال) - أي- سعد: (كان رجل) من الكفّار (معه ترس) ، الجملة خبر «كان» ، والترس: ما يستتر به في حال الحرب، وفي رواية: «قوس» بدل: ترس. (وكان سعد راميا) ؛ أي: يحسن الرمي، ثم إن كان هذا من كلام سعد؛ كما هو الظاهر، كان فيه التفات، إذ كان الظاهر أن يقول: وكنت راميا، وإن كان من كلام عامر!! فلا التفات، غير أنّه عبّر عنه باسمه؛ ولم يقل أبي؛ ومثله كثير في أسانيد الصحابة ﵃.
(وكان) - هذا من كلام سعد بكل تقدير- (الرّجل يقول كذا وكذا بالتّرس) ؛ أي: يفعل كذا وكذا بالترس، أي: يشير به يمينا وشمالا، فالمراد بالقول هنا الفعل، قال صاحب «النهاية» : والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام، تقول: قال بيده؛ أي: أخذ، و: قال برجله؛ أي مشى، و: قالت به العينان سمعا وطاعة؛ أي: أومأت به، و: قال بالماء على يده؛ أي: صبّه، و: قال بثوبه؛ أي: رفعه، و: قال بالترس؛ أي: أشار به وقلبه، وقس على هذه الأفعال ... وعلى هذا فالجارّ والمجرور- أعني قوله «بالترس» - متعلّق ب «يقول» بمعنى يفعل.
وقوله (يغطّي جبهته) مستأنف مبيّن للإشارة في قوله «كذا وكذا» ؛ أي:
يغطي جبهته حذرا من السهم، ويحتمل أن القول باق على حقيقته، والمعنى يقول: كذا وكذا من القول القبيح في حقّ النبي ﷺ وأصحابه، ولم يصرّح سعد بما بعده وهو قوله: بغطّي جبهته؛ أي: حذرا من السهم- كما مر- وهي جملة حاليّة من فاعل «يقول» ، والأول هو الأظهر.
стр. 393
فنزع له سعد بسهم، فلمّا رفع رأسه.. رماه فلم يخطىء هذه منه يعني: جبهته- وانقلب الرّجل وشال برجله، فضحك النّبيّ ﷺ حتّى بدت نواجذه. قال: قلت: من أيّ شيء ضحك؟
(فنزع له سعد بسهم) ؛ أي: نزع لأجله سهما من كنانته ووضعه في الوتر، فالباء زائدة، لأن «نزع» يتعدّى بدونها.
(فلمّا رفع) الرجل (رأسه) من تحت الترس فظهرت جبهته (رماه) سعد بالسهم الذي نزعه له (فلم يخطىء) - بضم الياء وسكون الخاء وبالهمز- وفي نسخة: فلم يخط- بفتح الياء وضم الطاء- غير مهموز، من الخطوة، أي: فلم يخط (هذه منه) ؛ أي: الجبهة من الرّجل، ولم يتعدّها؛ ولم يتجاوزها (يعني:
جبهته) من كلام عامر؛ أي: يقصد سعد باسم الإشارة جبهة الرجل، والجبهة:
ما بين الحاجبين إلى الناصية؛ وهي موضع السجود.
(وانقلب الرّجل) ؛ أي: صار أعلاه أسفله، وسقط على استه (وشال برجله) ؛ أي: رفعها، والباء للتعدية، أو زائدة.
قال في «المصباح» : شال شولا من باب «قال قولا» : رفع، يتعدّى بالحرف على الأفصح، ويقال «شالت الناقة بذنبها عند اللّقاح» : رفعته، وأشالته بالألف لغة، وفي نسخة من «الشمائل» : فشال، وفي أخرى منها: وأشال، وفي أخرى أيضا: وأشاد، والكلّ بمعنى واحد.
(فضحك النّبيّ ﷺ حتّى بدت نواجذه) فرحا وسرورا برمي سعد للرجل وإصابته له، وما يترتّب على ذلك من إخماد نار الكفر، وإذلال أهل الضلال؛ لا من رفعه لرجله وكشف عورته.
(قال: قلت) وفي نسخة صحيحة: «فقلت» ، والقائل هو عامر كما هو ظاهر، وقيل: هو محمد الراوي؛ عن عامر: (من أيّ شيء ضحك) ؟ أي: من أجل أيّ سبب ضحك النبي ﷺ : هل من رمي سعد للرجل وإصابته؟ أو من رفعه
стр. 394
قال: من فعله بالرّجل.
وعن عليّ بن ربيعة قال: شهدت عليّا رضي الله تعالى عنه أتي بدابّة ليركبها، فلمّا وضع رجله في الرّكاب.. قال: باسم الله.
لرجله وافتضاحه بكشف عورته؟ فلأجل هذا الاحتمال استفسر الراوي- وهو عامر- سعدا عن سبب ضحكه ﷺ .
(قال) ؛ أي سعد، أو عامر: (من فعله بالرّجل) ؛ أي: ضحك من أجل رميه الرجل وإصابته؛ لا من رفعه لرجله وافتضاحه بكشف عورته، لأنّه لا يليق بالنبي ﷺ ، ولا ينبغي أن يضحك لهذا؛ بل لذاك.
(و) أخرج أبو داود في «سننه» ، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» واللفظ له: (عن عليّ بن ربيعة) بن نضلة الوالبيّ البجلي، أبو المغيرة الكوفي، يروي عن علي بن أبي طالب وسلمان، وعنه الحكم وأبو إسحاق، وثّقه ابن معين والنسائي، له في البخاريّ ومسلم فرد حديث، وخرج له الستة.
(قال: شهدت عليّا) ؛ أي: ابن أبي طالب- تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه) ؛ أي: شاهدته وحضرته (أتي) - بالبناء للمفعول-، والجملة حال؛ أي: والحال أنّه أتاه بعض خدمه (بدابّة ليركبها) ، والدابّة في العرف الطارئ:
فرس، أو بغل، أو حمار، وأصلها: كلّ ما دبّ على الأرض من الحيوان؛ ذكرا كان، أو أنثى، ثم خصّ بما ذكر.
(فلمّا وضع رجله في الرّكاب) - بكسر الراء- (قال: باسم الله) ؛ أي:
أركب، فالجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف.
وأتى بذلك!! اقتداء بالنبي ﷺ ، كما يدلّ عليه قوله الآتي: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، وكأنّه ﷺ أخذه من قوله تعالى- حكاية عن نوح ﵊ لما ركب السفينة- (بِسْمِ اللَّهِ) [٤١/ هود] ، لأن الدابة في البرّ كالسفينة في البحر؛ كما أفاده العصام، غير أنّه لم يفصح عن ذلك حيث قال: كأنّه
стр. 395
فلمّا استوى على ظهرها.. قال: الحمد لله، ثمّ قال:
(سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ) [الزخرف: ١٣- ١٤] .
ثمّ قال: الحمد لله (ثلاثا) ، والله أكبر (ثلاثا) ، ...
مأخوذ من قول نوح لما ركب السفينة ... الخ.
واعترض عليه بعض الشرّاح بأن عليّا نقل ذلك عن النبي ﷺ وتأسّى به، فكيف يقال «إنّه مأخوذ من قول نوح» !! وهو مبنيّ على ما فهمه المعترض؛ من أن مراد العصام أن عليّا هو الآخذ لذلك من قول نوح، وليس كذلك، بل النبي ﷺ هو الآخذ له كما علمت.
(فلمّا استوى) ؛ أي: استقرّ (على ظهرها؛ قال: الحمد لله) - أي: شكرا لله على هذه النعمة العظيمة، وهي تذليل هذه الدابة، وإطاقته لنا على ركوبها مع الحفظ عن شرّها.
(ثمّ قال (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ) أي: ذلل (لَنا) أي: لأجلنا، أي تنزيها له عن الاستواء على مكان كالاستواء على الدابة؛ أو تنزيها له عن الشريك، أو عن العجز عن تسخير هذه الدابّة وتذليلها لنا، وقوله (هذا) - أي: المركوب (وَما كُنَّا لَهُ) - أي: لتسخيره- (مُقْرِنِينَ) - أي: مطيقين لولا تسخيره لنا- (وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ) (١٤) [الزخرف] . أي: وإنّا إلى حكمه وجزائه لراجعون في الدار الآخرة.
وإنما قال ذلك!! لأن ركوب الدابّة قد يكون سببا للتلف، فقد ينقلب عنها فيهلك، فتذكر الانقلاب إلى ربّ الأرباب، فينبغي لمن اتصل به سبب من أسباب الموت أن يكون حاملا له على التوبة والإقبال على الله تعالى في ركوبه ومسيره، فقد يحمل من فوره على سريره.
(ثمّ قال: الحمد لله ثلاثا) ؛ أي ثلاث مرات، كرّره لعظمة تلك النعمة، التي ليست مقدورة لغيره تعالى، (والله أكبر ثلاثا) ؛ تعجبا للتسخير، أو دفعا لكبر
стр. 396
سبحانك إنّي ظلمت نفسي فاغفرلي؛ فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت.
ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟
قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا رسول الله؟
قال: «إنّ ربّك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب أحد غيره» .
النفس من استيلائها على المركوب. (سبحانك؛) - أي: تنزيها لك عن الحاجة إلى ما يحتاج إليه عبادك، وإنما أعاد التسبيح!! توطئة لما بعده، ليكون مع اعترافه بالظّلم أنجح لإجابة سؤاله- (إنّي ظلمت نفسي) بعدم القيام بشكر هذه النعمة العظمى وغيرها من النعم (فاغفر لي) أي: استر ذنوبي؛ فلا تؤاخذني بالعقاب عليها، (فإنّه) ؛ أي لأنّه (لا يغفر الذّنوب) أحد (إلّا أنت) ، ففيه إشعار للاعتراف بتقصيره، مع إنعام الله عليه.
(ثمّ ضحك) ؛ أي: علي. (فقلت) - أي: له؛ كما في نسخة من «الشمائل» ، وفي أخرى: فقال؛ أي عليّ بن ربيعة، وفيه التفات: (من أيّ شيء ضحكت) ؟! وفي نسخة من «الشمائل» : من أيّ شيء تضحك (يا أمير المؤمنين) هذا يدلّ على أنّ هذه القضية كانت في أيام خلافته.
(قال) ؛ أي عليّ مجيبا له: (رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت) قولا وفعلا، (ثمّ ضحك) كما ضحكت.
(فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا رسول الله؟ قال: «إنّ ربّك ليعجب) أي: ليرضى، فالمراد بالعجب في حقّه تعالى لازمه؛ وهو الرضا، لاستحالة حقيقته عليه تعالى، ولهذا الرضى المقتضي لفرح النبي ﷺ ومزيد النعمة عليه ضحك، ولمّا تذكّر عليّ كرم الله وجهه ذلك أوجب مزيد شكره وبشره فضحك.
وقوله (من عبده) - الإضافة للتشريف- (إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي، يعلم) - حال: أي قال ذلك حال كونه يعلم- (أنّه) - أي: الشأن- (لا يغفر الذّنوب أحد غيره» ) !! كذا في بعض نسخ «الشمائل» ، وهو ظاهر، لأنه من
стр. 397
وأمّا بكاء رسول الله ﷺ : فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتّى تهملان، ويسمع لصدره أزيز، يبكي:
رحمة لميّت، و: خوفا على أمّته وشفقة، و: من خشية الله تعالى، كلام رسول الله ﷺ ، وفي بعض نسخ «الشمائل» : غيري. وتوجيهه أن يجعل «يعلم» مقولا لقول محذوف؛ أي: قائلا يعلم، ويجعل ذلك حالا من فاعل «يعجب» ، والمعنى أنه تعالى يعجب من عبده إذا قال «ربّ اغفر لي» حالة كونه تعالى قائلا يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري؛ كما يؤخذ من المناوي. انتهى «باجوري» .
(وأمّا بكاء رسول الله ﷺ فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتّى تهملان) - بضم الميم-: يسيل دمعهما، وإثبات النون مع «حتى» قليل، نحو:
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... منّي السّلام وأن لّا تشعرا أحدا
أو على حذف المبتدأ، أي: أنّهما تهملان، أو هما تهملان، ف «حتّى» ابتدائية. نحو:
...
حتّى ماء دجلة أشكل
(ويسمع لصدره أزيز) - بزايين منقوطتين-: أي صوت، وأصل الأزيز:
غليان القدر.
(يبكي رحمة لميّت) استئناف بيانيّ، وهو الواقع في جواب سؤال مقدّر نشأ مما قبله، كأن قائلا قال له: لم كان يبكي؟ فقال: يبكي رحمة لميت.
(وخوفا على أمّته وشفقة) عليهم، (ومن خشية الله تعالى) ؛ وهي خوف مقرون بتعظيم ناشىء عن معرفة كاملة، وهي للعلماء بالله تعالى، قال الله تعالى (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) [٢٨/ فاطر] ؛ أي: لا الجهال، وقال ﷺ : «أنا أتقاكم لله وأشدّكم لله خشية» . فالخشية أخصّ من الخوف، وخشية الله تعالى هي خوف عقابه، مع تعظيمه بأنه غير ظالم في فعله، بخلاف مطلق الخوف، فإنه يتحقّق عند تهديد الظالم له.
стр. 398
و: عند سماع القرآن، و: أحيانا في صلاة اللّيل.
فعن عبد الله بن الشّخّير رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.
(وعند سماع القرآن، وأحيانا في صلاة اللّيل) ؛ قاله في «الهدي النبوي» ، نقله عنه في «المواهب» .
أما بكاؤه في صلاة الليل، ففيما رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي في «الشمائل» وهذا لفظها، ورواه ابن خزيمة وابن حبّان في «صحيحيهما» ؛
(فعن عبد الله بن الشّخّير) - بمعجمتين مشددتين مسكورتين فمثناة تحتية فراء- ابن عوف بن كعب بن وقدان بن الجريش «وهو معاوية» بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرشي البصري، نزيل البصرة.
صحابيّ من مسلمة الفتح، خرّج له الجماعة إلا البخاريّ، وأدرك الجاهلية والإسلام، وروى له مسلم في «صحيحه» حديثين، روى عنه ابناه زيد ومطرّف (رضي الله تعالى عنه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي) ؛ أي: والحال أنّه يصلي. فالجملة حاليّة، وكذا جملة قوله (ولجوفه) : صدره (أزيز) - بزايين منقوطتين بينهما تحتية على وزن فعيل- أي: غليان. وقيل: صوت (كأزيز المرجل) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم وآخره لام- هو: القدر من النحاس، وقيل: كلّ قدر يطبخ فيه، سمّي بذلك!! لأنّه إذا نصب فكأنّه أقيم على رجلين.
ويؤخذ من ذلك أنّه إذا لم يكن الصوت مشتملا على حرفين؛ أو حرف مفهم لم يضرّ في الصلاة.
وفي رواية ابن خزيمة وابن حبّان بلفظ «كأنين الرّحى» (من البكاء) ؛ أي:
من أجله بسبب عظيم الخوف والإجلال لله ، وذلك مما ورثه من أبيه إبراهيم، فإنه كان يسمع من صدره صوت كغليان القدر على النار من مسيرة ميل.
وفيه دلالة على كمال خوفه وخضوعه لربّه، قال: «إنّي لأعلمكم بالله وأشدّكم له خشية» وقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا» رواهما البخاريّ.
стр. 399
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ عليّ» ، فقلت: يا رسول الله؛ أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» . فقرأت سورة النّساء ...
ومن هذا الحديث الذي في المتن ونحوه استنّ أهل الطريق الخوف والوجل والتواجد في أحوالهم، وهذا الحال إنّما كان يعرض له ﷺ عند تجلّي الله عليه بصفات الجلال والجمال معا، فيمتزج الجلال مع الجمال، وإلّا! فالجلال غير الممزوج لا يطيقه أحد من الخلائق، وإذا تجلّى الله عليه بصفات الجمال المحض تلألأ سرورا ونورا وملاطفة وإيناسا وبسطا.
(و) أما بكاؤه عند سماع القرآن! ففيما أخرجه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي في «الجامع» و «الشمائل» واللفظ لها؛
(عن عبد الله بن مسعود) الصحابيّ الجليل صاحب النعلين والوساد- وقد مرّت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه قال:
قال لي رسول الله ﷺ ؛ وهو على المنبر- كما في «الصحيحين» -: ( «اقرأ عليّ» ) بتشديد الياء. (فقلت يا رسول الله؛ أقرأ عليك) ؛ أي: أأقرأ عليك؟
فهو استفهام محذوف الهمزة. (و) الحال أنّه (عليك) ؛ لا على غيرك (أنزل) !!
فهم ابن مسعود أنّه أمره بالقراءة ليتلذّذ بقراءته؛ لا ليختبر ضبطه وإتقانه، فلذا سأل متعجبا، وإلّا! فلا مقام للتعجب.
(قال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري) ، وإنما أحبّ ذلك!! لكون السامع خالصا لتعقّل المعاني، بخلاف القارىء، فإنّه مشغول بضبط الألفاظ وإعطاء الحروف حقّها، ولأنّه اعتاد سماعه من جبريل، والعادة محبوبة بالطبع.
ومن فوائد هذا الحديث التنبيه على أن الفاضل لا ينبغي أن يأنف من الأخذ عن المفضول، فقد كان كثير من السلف يستفيدون من طلبتهم.
(فقرأت سورة النّساء) ؛ أي: شرعت في قراءتها، وفي ذلك ردّ على من
стр. 400
حتّى بلغت: (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: ٤١] . قال:
فرأيت عيني رسول الله ﷺ تهملان.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ ابنة له صغيرة ...
قال: «لا يقال سورة النساء» مثلا، وإنما يقال «سورة تذكر فيها النساء» .
(حتّى بلغت) ؛ أي: وصلت إلى قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) (٤١) [النساء] .
وفي «الصحيحين» زيادة أنه قال له: «حسبك الآن» ، ومعنى الآية- والله أعلم-: فكيف حال من تقدّم ذكرهم، إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد يشهد عليها بعملها؛ فيشهد بقبيح عملها وفساد عقائدها وهو نبيّها، وجئنا بك يا محمد على هؤلاء الأنبياء شهيدا، أي: مزكّيا لهم ومثبتا لشهادتهم، وقيل: الذين يشهدون للأنبياء هذه الأمة والنبي ﷺ يزكّيها.
(قال) ؛ أي: ابن مسعود: فالتفتّ إليه (فرأيت عيني رسول الله ﷺ تهملان) بفتح التاء وسكون الهاء وضم الميم أو كسرها- أي: تسيل دموعهما لفرط رأفته ومزيد شفقته؛ لأنه ﷺ استحضر أهوال القيامة وشدّة الحال التي يحقّ لها البكاء.
وفيه ندب الاستماع للقراءة، والإصغاء إليها والبكاء عندها، والتدبّر والتواضع لأهل العلم ورفع منزلتهم، وجواز استماع القرآن من محلّ عال والقارىء أسفل منه، وجواز طلبها ممّن هو دونه رتبة وعلما، وحلّ أمر الغير بقطع قراءته للمصلحة. والله أعلم.
(و) أما بكاؤه رحمة لميت!! ففيما أخرجه النسائي، والترمذي في «الشمائل» - واللفظ له-: (عن ابن عبّاس) الهاشمي- تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
أخذ رسول الله ﷺ ابنة له) - زاد النسائي في روايته- (صغيرة) ؛ وهي بنت بنته زينب من أبي العاصي بن الربيع، فنسبتها إليه مجازية، وليس المراد بنته لصلبه، لأنّه ﷺ كان له أربع بنات، وكلّهنّ كبرن وتزوّجن، وإن كان ثلاث منهن
стр. 401
تقضي، فاحتضنها فوضعها بين يديه، فماتت وهي بين يديه وصاحت أمّ أيمن، فقال: - يعني: النّبيّ ﷺ :
«أتبكين عند رسول الله؟!» . أي: بكاء محظورا مقترنا بالصّياح دالّا على الجزع ...
متن في حياته، لكن لا يصلح وصف واحدة منهن بالصغر، وقد وصفها في رواية النسائي بالصغر، فتعيّن أن يكون المراد إحدى بنات بناته؛ وهي أمامة بنت بنته زينب المتقدّمة.
(تقضي) - بفتح التاء وكسر الضاد-؛ أي: تشرف على الموت، وإن كان أصل القضاء الموت؛ لا الإشراف عليه، ومع ذلك لم تمت حينئذ، بل عاشت بعده ﷺ حتّى تزوّجها عليّ بن أبي طالب. ومات عنها، كما اتفق عليه أهل العلم بالأخبار.
(فاحتضنها) ؛ أي: حملها في حضنه- بكسر الحاء- وهو: ما دون الإبط؛ أي: الكشح.
(فوضعها بين يديه) ؛ أي: بين جهتيه المسامتتين ليمينه وشماله قريبا منه، فسمّيت الجهتان «يدين» لكونهما مسامتتين لليدين، كما يسمّى الشيء باسم مجاوره.
(فماتت) ؛ أي: أشرفت على الموت- كما علمت- (وهي بين يديه) الجملة حالية؛ أي: والحال أنها بين يديه، (وصاحت) ؛ أي: صرخت (أمّ أيمن) بفتح الهمزة والميم- واسمها بركة- بفتح الباء الموحدة والراء- وكنّيت بابنها أيمن ﵁، وهي حاضنته ﷺ ومولاته، ورثها من أبيه وأعتقها حين تزوّج بخديجة، وزوّجها لزيد مولاه، وأتت له بأسامة، وماتت بعد وفاة عمر بعشرين يوما.
(فقال- يعني النّبيّ ﷺ ) وهذا تفسير من التابعي، والضمير في «يعني» راجع إلى ابن عباس: ( «أتبكين) - بهمزة الاستفهام الإنكاري- (عند رسول الله؟!» ) ﷺ !! (أي) أتبكين (بكاء محظورا مقترنا بالصّياح؛ دالّا على الجزع) وعدم الرضا بالقضاء، والقصد من ذلك الإنكار والزجر، وإنما قال: عند رسول الله. ولم يقل عندي!! لأنّ ذلك أبلغ في الزجر وأمنع عن الخروج عما جوّزته
стр. 402
فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: «إنّي لست أبكي، إنّما هي رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه؛ وهو يحمد الله » .
الشريعة. والصياح؛ وهو: رفع الصوت بالبكاء حرام، لكنّها لما رأت دمع عينيه ظنت حلّه؛ (فقالت: ألست أراك تبكي) ؟ فأنا تابعتك واقتديت بك، وظنّي جواز البكاء؛ وإن اقترن بنحو صياح!!
(قال: «إنّي لست أبكي) بكاء على سبيل الجزع وعدم الصبر كبكائك، ولا يصدر عني ما نهى الله عنه من الويل والثبور والصياح وغير ذلك، بل بكائي دمع العين فقط (إنّما هي) ؛ أي: الدمعة التي رأيتها (رحمة» ) ؛ أي أثر رحمة جعلها الله تعالى في قلبي.
ولا ينافي هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها (ما بكى رسول الله ﷺ على ميت قطّ وإنّما غاية حزنه أن يمسك لحيته) لأنّ مرادها ما بكى على ميت أسفا عليه بل رحمة له.
ويؤيّده ما ورد: «إنّ العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضي الرّبّ، وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون» ؛ قاله ملا علي قاري في «جمع الوسائل» ﵀.
ثمّ إنّه ﷺ بيّن وجه كونها رحمة؛ فقال: (إنّ المؤمن) - الكامل ملتبس- (بكلّ خير على كلّ حال) - من نعمة أو بلية، لأنه يحمد ربّه على كلّ منهما، أما النعمة! فظاهر، وأما البلية! فلأنه يرى أنّ المحنة عين المنحة لما يترتّب عليها من الثواب، كما قال: - (إنّ نفسه) - أي: روحه- (تنزع) - بصيغة المفعول؛ أي: تقبض- (من بين جنبيه؛ وهو) - أي والحال أنه- (يحمد الله ، فلا تشغله تلك الحالة من الحمد.
قال في «جمع الوسائل» : والمعنى ينبغي أن يكون المؤمن الكامل ملابسا بكلّ خير على كلّ حال من أحواله، حتّى أنه في نزع روحه يحمد الله تعالى، ويراه من الله سبحانه رحمة له وكرامة، وخيرا له من حياته، فإن الموت تحفة المؤمن وهدية الموقن. انتهى.
стр. 403
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: شهدنا ابنة لرسول الله ﷺ ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان.
وعن عائشة ﵂: ...
(و) فيما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» ، والترمذي في «الشمائل» واللفظ له: (عن أنس بن مالك) خادم رسول الله ﷺ عشر سنين- تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه قال:
شهدنا) - أي: حضرنا- (ابنة لرسول الله ﷺ هي: أمّ كلثوم، ووهم من قال (رقية) ، فإنّها ماتت ودفنت ورسول الله ﷺ في غزوة بدر.
ولما عزّي ﷺ برقيّة قال: «الحمد لله، دفن البنات من المكرمات» . ثم زوّج عثمان «أمّ كلثوم» هذه، وقال: «والّذي نفسي بيده؛ لو أنّ عندي مائة بنت لزوّجتكهنّ واحدة بعد واحدة» .
(ورسول الله) - أي: والحال أن رسول الله- (جالس على القبر) أي: على طرفه (فرأيت عينيه تدمعان) - بفتح الميم- أي: تسيل دموعهما، وتمام الحديث؛ فقال: «أفيكم رجل لم يقارف اللّيلة» ؟! قال أبو طلحة: أنا، قال:
«انزل» فنزل في قبرها. انتهى ... الحديث.
ومعنى «لم يقارف» ؛ أي: لم يجامع تلك الليلة، فالمقارفة كناية عن الجماع، وأصلها الدنوّ واللّصوق، وفي رواية: «لا يدخل القبر أحد قارف البارحة» ، فتنحّى عثمان لكونه كان باشر تلك الليلة أمة له، فمنعه رسول الله ﷺ من نزول قبرها؛ معاتبة له لاشتغاله عن زوجته المحتضرة، وأيضا فحديث العهد بالجماع قد يتذكّر ذلك فيذهل عما يطلب من أحكام الإلحاد وإحسانه.
(و) فيما أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي في «الجامع» وفي «الشمائل» باختلاف في الألفاظ- وهذا لفظ «الشمائل» -: (عن عائشة) بنت أبي بكر الصّديقة بنت الصّديق- تقدّمت ترجمتها- (رضي الله) تعالى (عنها) وعن والدها، وعن أصحاب رسول الله أجمعين، وجمعنا بهم في مستقرّ رحمته. آمين.
стр. 404
أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميّت، وهو يبكي.
(أنّ رسول الله ﷺ قبّل) - بتشديد الباء- (عثمان) في وجهه، أو بين عينيه (بن مظعون) - بالظاء المعجمة-، وكان أخاه من الرضاع،
وهو قرشيّ أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وكان حرّم الخمر في الجاهلية، وهو أوّل من مات من المهاجرين بالمدينة؛ في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة، وكان عالما عابدا مجتهدا من فضلاء الصحابة، ودفن بالبقيع، ولما دفن قال ﷺ : «نعم السّلف هو لنا» .
وقوله (وهو ميّت) جملة حالية؛ أي: والحال أن عثمان ميّت، وفيه ندب تقبيل الميت الصالح.
قال ابن حجر الهيتمي في «فتح الإله شرح المشكاة» : حكم المسألة إن كان الميت صالحا سنّ لكلّ أحد تقبيل وجهه التماسا لبركته، واتباعا لفعله ﷺ في عثمان بن مظعون- كما سيأتي-
وإن كان غير صالح؟ جاز ذلك بلا كراهة لنحو أهله وأصدقائه، لأنّه ربّما كان مخففا لما وجده من ألم فقده، ومع الكراهة لغير أهل الميت، إذ قد لا يرضى به؛ لو كان حيا من غير قريبه وصديقه، ومحلّ ذلك كلّه ما لم يحمل التقبيل فاعله على جزع؛ أو سخط كما هو الغالب من أحوال النساء، وإلّا حرم؛ أو كره. ذكره في «شرح الأذكار» . انتهى.
(وهو) - أي: والحال أن النبي ﷺ (يبكي) ؛ أي: حتى سالت دموع النبي ﷺ على وجه عثمان؛ كما في «المشكاة» .
قال في «جمع الوسائل» : وأخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ عن سفيان الثوري؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون وهو ميت، قال: فرأيت دموع النبي ﷺ تسيل على خدّ عثمان.
стр. 405
هو أخوه من الرّضاعة.
وكانت عيناه ﷺ كثيرة الدّموع والهملان.
وكسفت الشّمس مرّة، ...
وأخرج أيضا عن أبي النضر؛ قال: مرّ بجنازة عثمان بن مظعون، قال رسول الله ﷺ : «ذهبت ولم تلبّس منها بشيء» ، يعني: من الدنيا.
وهذا مرسل، لكن له شاهد عند ابن الجوزي في «كتاب الوفاء» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لمّا مات عثمان بن مظعون كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه، وقبّل بين عينيه، ثم بكى طويلا، فلما رفع السرير؛ قال: «طوبى لك يا عثمان؛ لم تلبّسك الدّنيا، ولم تلبّسها» ، انتهى.
قال المصنّف: (هو) - أي: عثمان- (أخوه) ؛ أي أخو النبي ﷺ (من الرّضاعة) - وقد تقدم ذلك-.
(و) أمّا بكاؤه خوفا على أمته! ففيما ذكره الشعراني في «كشف الغمة» بقوله: (كانت عيناه ﷺ كثيرة الدّموع والهملان) - محركة-، يقال: هملت عينه تهمل- بالكسر- وتهمل- بالضم-، هملا وهملانا وهمولا: فاضت كانهملت، انتهى «قاموس» .
(وكسفت الشّمس) أي: استتر نورها كلّه؛ أو بعضه، يقال كسفت- بفتح الكاف- وانكسفت بمعنى، وأنكر الفرّاء «انكسفت» ، وكذا الجوهريّ ونسبه إلى العامّة.
(مرّة) على عهد رسول الله ﷺ يوم موت ولده إبراهيم، ففي البخاري:
كسفت الشمس على عهد النبي ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم.
стр. 406
فجعل ﷺ يبكي في الصّلاة وينفخ، ويقول: «يا ربّ؛ ألم تعدني أن لا تعذّبهم وأنا فيهم، وهم يستغفرونك؟ ونحن نستغفرك يا ربّ» .
وجمهور أهل السير على أنّه مات في العاشرة. وقيل: في التاسعة، وذكر النووي أنّه لم يصلّ لكسوف الشمس إلّا هذه المرّة.
وأما خسوف القمر! فكان في الخامسة، وصلّى له صلاة الخسوف؛ انتهى.
والمشهور في استعمال الفقهاء: أنّ الكسوف للشمس والخسوف للقمر؛ قاله الحافظ.
(فجعل ﷺ يبكي في الصّلاة وينفخ) ؛ من غير أن يظهر النفخ. ولا من البكاء حرفان أو حرف مفهم، أو أنّه كان يغلبه ذلك بحيث لا يمكنه دفعه.
(ويقول: «يا ربّ؛ ألم تعدني أن لّا تعذّبهم، وأنا فيهم) بقولك (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) [٣٣/ الأنفال] ... الآية، ربّ ألم تعدني أن لا تعذبهم (وهم يستغفرونك) ، أي بقولك (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٣٣) [٣٣/ الأنفال] (ونحن نستغفرك يا ربّ» ) .
وإنما قال ذلك!! لأن الكسوف مظنّة العذاب، وإن كان وعد الله لا يتخلّف، لكن يجوز أن يكون مشروطا بشرط اختلّ.
وهذا الحديث رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في «الشمائل» باختلاف في الألفاظ، وفي بعضها بدون ذكر البكاء والنفخ؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال في «جمع الوسائل» : ووقع في رواية أحمد وابن خزيمة وابن حبان والطبراني بلفظ: وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد، وذلك في الركعة الثانية. انتهى.
стр. 407
وأمّا عطاس رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ إذا عطس.. وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض بها صوته. وكان ﷺ إذا عطس.. حمد الله، فيقال له: يرحمك الله، فيقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم» .
وكان ﷺ يكره العطسة الشّديدة في المسجد.
(وأمّا عطاس رسول الله ﷺ ! فقد) ثبت فيما رواه أبو داود، والترمذي؛ وقال حسن صحيح، والحاكم؛ وقال: صحيح، وأقرّه الذهبي، كلّهم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا عطس) - بفتح الطاء؛ من باب «ضرب» ، وقيل: من باب «قتل» - (وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض) ، وفي رواية:
غضّ (بها صوته) ؛ أي: لم يرفعه بصيحة كما يفعله العامّة، وفي رواية لأبي نعيم: خمّر وجهه وفاه، وفي أخرى: كان إذا عطس غطّى وجهه بيده؛ أو ثوبه ... الخ، قال التوربشي: هذا نوع من الأدب بين يدي الجلساء، فإنّ العطاس يكره الناس سماعه، ويراه الراءون من فضلات الدّماغ.
(و) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير» بإسناد حسن؛ عن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين: (كان ﷺ إذا عطس حمد الله) - بكسر الميم- أي: أتى ب «الحمد» عقبه، والوارد عنه: الحمد لله رب العالمين، وروي:
الحمد لله على كلّ حال؛ (فيقال له: يرحمك الله) ظاهره الاقتصار على ذلك، لكن ورد عن ابن عباس بإسناد صحيح يقال: عافانا الله وإيّاكم من النار، يرحمكم الله، ولا يسنّ تشميت العاطس إلّا بعد أن يحمد الله تعالى، ويسنّ تذكيره الحمد؛ (فيقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم» ) ؛ أي: حالكم.
(و) أخرج البيهقي في «سننه» ، وكذا في «الشعب» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ يكره العطسة الشّديدة في المسجد)
стр. 408
وكان ﷺ يكره رفع الصّوت بالعطاس.
أمّا التّثاؤب: فقد كان رسول الله ﷺ يكرهه من غيره، وقد حفظه الله تعالى منه، وما تثاءب نبيّ قطّ.
- زاد في رواية: أنّها من الشيطان-، والعطسة الشديدة مكروهة في المسجد وغيره، لأنّه كان يكره رفع الصوت بالعطاس، لكنها في المسجد أشدّ كراهة.
انتهى. «مناوي وعزيزي» .
(وكان) رسول الله ﷺ يكره رفع الصوت بالعطاس.
أمّا التّثاؤب) !! قال القاضي: تفاعل؛ من الثوباء- بالمد- وهو: فتح الحيوان فمه، لما عراه من تمطّي وتمدّد لكسل وامتلاء، وهي جالبة النوم الذي هو من حبائل الشيطان، فإنّه به يدخل على المصلي ويخرجه عن صلاته، فلذا كرهه ﷺ ؛ كما قال المصنف:
(فقد كان رسول الله ﷺ يكرهه من غيره) ؛ أي: يكره سببه؛ وهو كثرة الأكل، لأنّه المفضي إلى التكاسل عن العبادة، لأن من أكل كثيرا شرب كثيرا؛ فنام كثيرا؛ ففاته خير كثير.
ويطلب ممّن غلبه التثاؤب أن يضع يده اليسرى على فيه لدفع الشيطان.
(وقد حفظه الله تعالى منه) ، لأنّه من الشيطان، والأنبياء معصومون من الشيطان، وذكر المصنف التثاؤب لأنّ كلامه في شمائله ﷺ ، ومنها عدم التثاؤب بخلاف غيره، فليس ذكره استطرادا لمضادّته للضحك.
(و) قد ورد في «تاريخ البخاري» و «مصنف ابن أبي شيبة» ؛ عن يزيد بن الأصمّ ابن أخت ميمونة؛ «أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها» مرسلا:
(ما تثاءب نبيّ قطّ) . قال مسلم بن عبد الملك: ما تثاءب نبيّ قط، وإنّها من علامة النبوة، وفي «البخاري» مرفوعا: «إنّ الله يحبّ العطاس ويكره التّثاؤب» .
стр. 409
[الفصل التّاسع في صفة كلامه ﷺ وسكوته]
الفصل التّاسع في صفة كلامه ﷺ وسكوته عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن فصل، ...
(الفصل التّاسع) من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة كلامه ﷺ وسكوته) .
والكلام: اسم مصدر بمعنى التكلّم. أو بمعنى ما يتكلّم به، ويصحّ إرادة كلّ منهما هنا، إذ يلزم من بيان صفة المتكلّم صفة ما يتكلّم به؛ وبالعكس.
وقد كان ﷺ أعذب خلق الله كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتّى كأنّ كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح.
ينظّم درّ الثّغر نثر مقوله ... فيا حسنه في نثره ونظامه
يناجي فينجي من يناجي من الجوى ... فكلّ كليم برؤه في كلامه
روى الترمذي في «الشمائل» بسنده؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
ما كان رسول الله ﷺ يسرد) - بضم الراء؛ من السرد- وهو: الإتيان بالكلام على الولاء، فمعنى «يسرد» : يأتي بالكلام على الولاء ويتابعه، ويستعجل فيه (كسردكم) وفي نسخة: سردكم-، بدون كاف، والمعنى عليها، فهو منصوب بنزع الخافض (هذا) الذي تفعلونه فإنه يورث لبسا على السامعين.
(ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن) - بتشديد التحتية المكسورة- أي: ظاهر.
(فصل) - بالجر: تأكيد ل «بيّن» - أي: مفصول ممتاز بعضه من بعض،
стр. 410
يحفظه من جلس إليه.
وكان في كلامه ﷺ ترتيل.
وكان كلامه ﷺ يحفظه كلّ من سمعه.
وكان ﷺ إذا تكلّم بكلمة.. أعادها ثلاثا ...
بحيث يتبيّنه من يسمعه، ويمكنه عدّه، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه في ذهن السامع؛ مع كونه يوضّح مراده، ويبيّنه بيانا تامّا، بحيث لا يبقى فيه شبهة.
(يحفظه) - أي: كلامه- (من جلس) عنده وأصغى (إليه) ؛ لظهوره وتفصيله، والجلوس ليس بقيد، فالمراد أصغى إليه؛ وإن لم يجلس، ولو من الكفار الذين لا رغبة لهم في سماعه.
وفي «سنن أبي داود» ؛ عن عائشة ﵂ قالت: كان كلامه كلاما فصلا؛ يفهمه كلّ من سمعه. قال الزين العراقي: وإسناد حسن.
(و) أخرج أبو داود في «سننه» ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما؛ قال: (كان في كلامه ﷺ - وفي رواية: كان في قراءته- (ترتيل) : تأنّ وتمهّل مع تبيين الحروف والحركات، بحيث يتمكن السّامع من عدّها.
(و) أخرج النسائي في «اليوم والليلة» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان كلامه ﷺ يحفظه كلّ من سمعه) من العرب وغيرهم، لظهوره وتفاصيل حروفه وكلماته، واقتداره لكمال فصاحته على إيضاح الكلام وتبيّنه، ولهذا تعجّب الفاروق من شأنه؛ وقال: مالك أفصحنا؛ ولم تخرج من بين أظهرنا؟!. قال: «كانت لغة إسماعيل قد درست- أي: متممات فصاحتها- فجاءني بها جبريل فحفظتها» . انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الإمام أحمد والبخاريّ، والترمذيّ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله « ﷺ » - قال الكرماني: قال الأصوليون: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار- (إذا تكلّم بكلمة) ؛ أي: بجملة مفيدة (أعادها ثلاثا)
стр. 411
حتّى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم.. سلّم عليهم ثلاثا.
من المرّات. قال ملّا علي قاري في «شرح الشفاء» : ولعل الأوّل للسماع، والثاني للتنبيه، والثالث للفكر، والأظهر أنّ الثلاث باعتبار مراتب مدارك العقول من الأعلى والأوسط والأدنى. انتهى كلامه.
(حتّى تفهم) هذا بيان للمراد من تكرير الثلاث، وفي رواية البخاري:
«ليفهم» - بمثناة تحتية مضمومة وبكسر الهاء-، وفي رواية له بفتحها.
(عنه) ؛ أي: لتحفظ وتنقل عنه، وذلك إمّا لأنّ من الحاضرين من يقصر فهمه عن وعيه؛ فيكرره ليفهم ويرسخ في الذهن، وإمّا أن يكون المقول فيه بعض إشكال فيتظاهر بالبيان؛ دفعا للالتباس.
وفي «المستدرك» : «حتى تعقل عنه» بدل «حتى تفهم» ، وهذا من شفقته وحسن تعليمه وشدّة النّصح في تبليغه. قال ابن التين: وفيه أن الثلاث غاية ما يقع به الإقرار والبيان.
(وإذا أتى على قوم) ؛ أي: وكان إذا قدم على قوم (فسلّم عليهم) هو من تتميم الشرط (سلّم عليهم) - جواب الشرط- (ثلاثا) في سلام الاستئذان، بأن أراد الدخول على قوم في محلّهم؛ فيكرّر لهم السلام ثلاثا إذا لم يعلم سماعهم من مرّة أو مرّتين ليعلمهم أنّه يستأذنهم في الدخول.
قال في «الفتح» : وقد فهم البخاريّ هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقرونا بحديث أبي موسى في قصّة عمر، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان يقع أيضا منه إذا خشي أن لا يسمع سلامه. انتهى.
وسبقه إليه جمع منهم ابن بطّال؛ فقال: يكرّره إذا خشي أنّه لا يفهم عنه أو لا يسمع، أو أراد الإبلاغ في التعليم، أو الزجر في الموعظة.
وقال النووي في «الأذكار» و «الرياض» : هذا محمول على ما لو كان الجمع
стр. 412
وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء.
كثيرا. وجرى عليه ابن القيّم؛ فقال: هذا في السلام على جمع كثير لا يبلغهم سلام واحد، فيسلّم الثاني والثالث؛ إذا ظنّ أنّ الأول لم يحصل به إسماع، ولو كان هديه دوام التسليم ثلاثا؛ كان صحبه يسلّمون عليه كذلك، وكان يسلّم على كلّ من لقيه ثلاثا، وإذا دخل بيته سلّم ثلاثا، ومن تأمّل هديه علم أنّه ليس كذلك، وأن تكرار السلام كان أحيانا لعارض. إلى هنا كلامه.
قال الكرماني: والوجه أنّ معناه: كان إذا أتى قوما يسلّم تسليمة الاستئذان، ثم إذا قعد سلّم تسليم التحية، ثم إذا قام سلّم تسليمة الوداع، وهذه التسليمات كلّها مسنونة، وكان يواظب عليها.
انتهى؛ قاله المناويّ في «كبيره» مع شيء من العزيزي والحفني.
(و) أخرج أبو داود، والبيهقيّ في «دلائل النبوة» بإسناد حسن؛ عن عبد الله بن سلام- بالفتح والتخفيف- الإسرائيليّ الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدّث يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء) ؛ انتظارا لما يوحى إليه وشوقا إلى الرفيق الأعلى؛ ذكره الطيبي.
وقوله «جلس يتحدّث» ! خرج به حالة الصلاة، فإنّه كان يرفع بصره فيها إلى السماء أوّلا حتّى نزلت آية الخشوع في الصلاة فتركه.
فإن قلت: ينافيه أيضا ما ورد في عدّة أخبار: أن نظره إلى الأرض كان أكثر من نظره إلى السماء!!؟
قلت: يمكن الجواب بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فإذا كان مترقّبا لنزول الوحي عليه متوقعا هبوط الملك إليه؛ نظر إلى جهته شوقا إلى وصول كلام ربّه إليه، واستعجالا ومبادرة لتنفيذ أوامره، وكان في غير هذه الحالة نظره إلى الأرض أطول؛ ذكره المناوي في «كبيره» .
стр. 413
وكان ﷺ يحدّث حديثا، لو عدّه العادّ.. لأحصاه.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما (كان) رسول الله ﷺ يسرد الحديث سردكم هذا! كان (يحدّث حديثا) ؛ ليس بمهذرم مسرع، ولا متقطّع يتخلّله السّكتات بين أفراد الكلم، بل يبالغ في إيضاحه وبيانه بحيث (لو عدّه العادّ) ، أي: لو أراد المستمع عدّ كلماته أو حروفه (لأحصاه) ، أي: أمكنه ذلك بسهولة، والمراد بذلك: المبالغة في التفهيم والترتيل، وهذا أتت به عائشة رضي الله تعالى عنها تعرّض بأبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وصدر الحديث: عن عروة؛ عنها أنّها قالت: ألا يعجبك أبو فلان- ولفظ «مسلم» : أبو هريرة- جاء فجلس إلى جانب حجرتي؛ يحدث عن رسول الله ﷺ يسرد، يسمعني ذلك؛ وفي رواية: فقال: ألا تسمعين يا ربّة الحجرة!! وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أنّ رسول الله ﷺ ما كان ... فذكرت الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: واعتذر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ بأنّه كان واسع الرّواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكّن من التّرتيل عند إرادة التّحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم عليّ القوافي.
ومن حديث عائشة المذكور أخذ أنّ على المدرّس أن لا يسرد الكلام سردا، بل يرتّله ويزيّنه ويتمهل ليتفكّر فيه هو وسامعه، وإذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلا ليتكلّم من في نفسه شيء. انتهى «مناوي» .
وأخرج التّرمذيّ في «الجامع» ، و «الشّمائل» ، والحاكم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثا حتى تعقل عنه» ؛ أي: ليتدبّرها السّامعون، ويرسّخ معناها في القوّة العاقلة.
وفيه أن الثّلاثة غاية الإعذار والبيان؛ كما قال ابن التين، فمن لم يفهم بها لا يفهم بما زيد عليها؛ ولو مرّات عديدة.
стр. 414
وكان ﷺ طويل الصّمت.
وكان ﷺ كثير السّكوت، ...
وقد ورد: أنّه ﷺ كان لا يراجع بعد ثلاث؛ وفيه ردّ على من كره إعادة الحديث، وأنكر على الطّالب الاستعادة، وعدّه من البلادة.
قال ابن المنيّر: والحقّ أنّه يختلف باختلاف القرائح، فلا عيب على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء، لأنّ الشّروع ملزم. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد صحيح؛ من حديث سماك؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما. قال سماك: قلت لجابر: أكنت تجالس النّبيّ ﷺ ؟ قال: نعم، و (كان) ؛ أي: رسول الله ﷺ طويل الصّمت) ، في غير أوقات الذّكر، فالمراد الصّمت عمّا لا ثواب فيه، وذلك لأنّ كثرة السّكوت من أقوى أسباب التوقير، وهو من الحكمة وداعية للسّلامة من اللّغط، ولهذا قيل: من قلّ كلامه قلّ لغطه. وهو أجمع للفكر. انتهى.
وتمام الحديث بعد قوله «طويل الصّمت» : قليل الضّحك. انتهى «مناوي» .
(و) في «الشّفاء» للقاضي عياض: (كان) رسول الله ﷺ كثير السّكوت) لتفكّره في مشاهدة الملكوت وتذكّره مطالعة الجبروت.
وكان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتّقدير والتفكّر.
فأمّا تقديره ففي تسوية النّظر، والاستماع بين النّاس، وأمّا تفكّره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصّبر؛ فكان لا يغضبه شيء يستفزّه، وجمع له في الحذر أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمّته، والقيام لهم بما جمع لهم أمر الدّنيا والآخرة؛ ذكره في «الشفاء» للقاضي عياض.
وهذا الحديث رواه التّرمذي في «الشمائل» ؛ من حديث هند بن أبي هالة
стр. 415
لا يتكلّم في غير حاجة، ويعرض عمّن تكلّم بغير جميل.
وكان ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه.
وكان ﷺ نزر الكلام، سمح المقالة، ...
رضي الله تعالى عنه بلفظ: طويل السّكوت (لا يتكلّم في غير حاجة) ؛ أي: من قضيّة ضروريّة دينيّة، أو دنيويّة، أو مسألة عملية أو علميّة، لقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (٣) [المؤمنون] ، ولحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
(ويعرض عمّن تكلّم بغير جميل) ؛ بما لا يستحسن ذكره ولا يباح أمره، إذا صدر عمّن تكلّم بناء على جهله، لقوله تعالى (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) [الأعراف] . والظّاهر أنّ المراد بالإعراض هو الصّفح وعدم الاعتراض، فيختصّ بالمكروهات التّنزيهيّة على مقتضى القواعد الشرعيّة.
وأمّا المحرّمات القطعيّة؛ وكذا المكروهات التحريميّة!! فلا بدّ للشّارع من أن يأمر ويزجر قياما بحقّ النّبوّة والرّسالة. انتهى «ملّا علي قاري» .
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز ابن ماجه:
(كان) رسول الله ﷺ يخزن) - بالخاء وضمّ الزّاي المعجمتين والنون آخره- أي: يصون (لسانه) ، ومنه الخزانة، لأنّه لا يحبّ كثرة الكلام، قال:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخازن
(إلّا فيما يعنيه) - بفتح المثنّاة التحتية وكسر النون- أي: يهمّه وينفعه من جواهر كلمه وزواجر حكمه ﷺ .
وفي «كشف الغمّة» للعارف الشّعراني رحمه الله تعالى:
(كان) رسول الله ﷺ نزر الكلام) ؛ أي: قليله عند الحاجة إليه، (سمح المقالة) ؛ أي: سهل الكلام يواتيه بلا تكلف.
стр. 416
يعيد الكلام مرّتين ليفهم.
وكان ﷺ كلامه كخرزات النّظم.
وكان يعرض عن كلّ كلام قبيح، ويكني عن الأمور المستقبحة في العرف إذا اضطرّه الكلام إلى ذكرها.
وكان ﷺ يذكر الله تعالى بين كلّ خطوتين.
(يعيد الكلام مرّتين) ؛ أو أكثر، كثلاث، وهي غاية ما يقع به الإيضاح والبيان، وذلك (ليفهم) عنه ﷺ ، ولا يراجع بعد ثلاث.
(و) في «كشف الغمّة» أيضا: (كان) رسول الله ﷺ كلامه كخرزات النّظم) الخرزات: جمع خرزة محركة، وهي: اسم لما ينظم من جواهر وغيرها، والنّظم المنظوم باللّؤلؤ والخرز، وهو في الأصل مصدر؛ يقال: نظم من لؤلؤ، ونظم اللّؤلؤ ينظمه نظما ونظاما- بالكسر-، ونظّمه تنظيما، ألّفه وجمعه في سلك فانتظم وتنظّم. والمعنى: إنّ كلامه مفصّل ممتاز بعضه من بعض، ظاهر الكلمات والحروف، مع حلاوة في منطقه، وذلك لكمال فصاحته.
روى الطّبراني من حديث أمّ معبد: وكأن منطقه خرزات النّظم ينحدرن، حلو المنطق؛ لا نزر ولا هذر.
(وكان يعرض عن كلّ كلام قبيح) لا يرضاه، فيعلم بإعراضه عنه أنّه غير مرضيّ له ﷺ ، وهذا من وقاره، وليس المراد به أن يكون حراما، لأنّه ﷺ لا يقرّ على مثله.
(ويكني عن الأمور المستقبحة في العرف إذا اضطرّه الكلام إلى ذكرها) كقوله:
«خذي فرصة ممسّكة فتطهّري بها» . فإن اقتضى الحال التّصريح صرّح بذلك، كقوله للرّجل: «أنكتها» ، بعد قوله له: «لعلّك قبّلت!! لعلّك فاخذت!!» وذلك لأن الحكم الشّرعيّ هنا يترتّب على التّصريح بالجماع.
(وكان) رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى بين كلّ خطوتين) .
стр. 417
[الفصل العاشر في صفة قوّته ﷺ ]
الفصل العاشر في صفة قوّته ﷺ كان رسول الله ﷺ شديد البطش.
وعن ابن إسحاق ...
(الفصل العاشر) ؛ من الباب الثّاني (في) بيان ما ورد في (صفة قوّته) القوّة: واحدة القوى، مثل غرفة وغرف، وكان تام القوّة في أعضائه ﷺ ، كما أنّه تام القوّة في حقوق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، مراقب لحدوده حافظ لها؛ لا يخاف في الله لومة لائم، وقد جاءت الأخبار الدّالة على قوّته البدنيّة.
فقد أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ عن محمد بن الحنفيّة مرسلا، ورواه أبو الشّيخ من رواية أبي جعفر معضلا؛ كما قال المناوي، ما «١» ذكره المصنّف في قوله:
(كان رسول الله ﷺ شديد البطش) ؛ أي: القوّة عند الاحتياج إلى ذلك، قد أعطي قوّة أربعين في البطش والجماع؛ كما في خبر الطّبرانيّ عن ابن عمرو.
ولأبي الشّيخ عن علي: كان من أشدّ النّاس بأسا. ومع ذلك فلم تكن الرّحمة منزوعة عن بطشه، لتخلّقه بأخلاق الله، وهو سبحانه ليس له وعيد وبطش شديد؛ ليس «٢» فيه شيء من الرّحمة واللّطف.
(وعن) محمد (بن إسحاق) بن يسار المطّلبيّ مولاهم، لأنّ جده يسارا من سبي عين التمر، فهو مطّلبيّ بالولاء، وهو من أهل المدينة المنوّرة، وكان إماما في
стр. 418
وغيره: أنّه كان بمكّة رجل شديد القوّة يحسن الصّراع، وكان النّاس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، فبينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكّة إذ لقيه رسول الله ﷺ ، فقال له:
«يا ركانة؛ ألا تتّقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟» . فقال له: يا محمّد؛ هل من شاهد يدلّ على صدقك؟ فقال: «أرأيتك إن صرعتك، أتؤمن بالله ورسوله؟» . قال: نعم يا محمّد. فقال له: «تهيّأ للمصارعة» . فقال: تهيّأت. فدنا رسول الله ﷺ المغازي والسّير، له كتاب «السّيرة النّبويّة» التي هذّبها ورواها عنه ابن هشام، وله كتاب «الخلفاء» وكتاب «المبتدأ» وكان من حفّاظ الحديث، وزار الإسكندرية وسكن بغداد فمات بها سنة: - ١٥١- إحدى وخمسين ومائة؛ رحمه الله تعالى.
(و) عن (غيره) في كتاب «السّيرة النّبويّة» : (أنّه كان بمكّة رجل) هو ركانة (شديد القوّة يحسن الصّراع) - بكسر الصاد مصدر؛ صارع مصارعة وصراعا- (وكان النّاس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم) - بابه نفع- (فبينما هو ذات يوم في شعب) - بالكسر- الطريق أو في الجبل (من شعاب مكّة إذ لقيه رسول الله ﷺ ، فقال له: «يا ركانة؛ ألا تتّقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟» ) ، فتؤمن بالله ورسوله، أو كما قال له رسول الله ﷺ .
(فقال) أي: ركانة (له: يا محمّد؛ هل) لك (من شاهد يدلّ على صدقك) فيما تقوله؟ (فقال: «أرأيتك) ، أي: أخبرني (إن صرعتك؛ أتؤمن بالله ورسوله؟» ) - بهمزة الاستفهام-.
(قال: نعم يا محمّد) ، وصريح هذا أن السّائل له في المصارعة المصطفى ﷺ ، وفي رواية البلاذري: أنّ السّائل ركانة، فيحتمل أن كلا منهما توارد مع الآخر في السّؤال.
(فقال له: «تهيّا للمصارعة» . فقال: تهيّات. فدنا) منه (رسول الله صلّى الله عليه وسلم
стр. 419
فأخذه، ثمّ صرعه.
قال: فتعجّب ركانة من ذلك، ثمّ سأله الإقالة والعود، ففعل به ثانيا وثالثا، فوقف ركانة متعجّبا، وقال: إنّ شأنك لعجيب.
فأخذه ثمّ صرعه، قال: فتعجّب ركانة من ذلك) ؛ لأنّه كان مستحيلا عنده أنّ أحدا يصرعه.
(ثمّ سأله الإقالة) ممّا توافقا عليه، وهو الإيمان إن صرعه، ولم تكن الموافقة بينهما على قطيع من الغنم كما قد يتوهّم، لأنّ المعاقدة على الغنم إنّما كانت مع ابنه يزيد؛ كما في «الإصابة» .
(والعود) إلى المصارعة (ففعل به) ذلك (ثانيا وثالثا. فوقف ركانة متعجّبا؛ وقال: إنّ شأنك لعجيب) ؛ رواه الحاكم في «المستدرك» ؛ عن أبي جعفر عن أبيه محمد بن ركانة.
ورواه أبو داود، والتّرمذيّ، من رواية أبي الحسن العسقلاني؛ عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة؛ عن أبيه: أنّ ركانة صارع النّبيّ ﷺ ... الحديث.
وكذا أخرجه البيهقي؛ من رواية سعيد بن جبير التّابعي المشهور.
قال في «الإصابة» : ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطّلبيّ.
روى البلاذري أنّه قدم من سفر فأخبر خبر النّبيّ ﷺ بمكّة قبل الإسلام، وكان أشدّ النّاس، فقال: يا محمّد؛ إن صرعتني آمنت بك!. فصرعه فقال: أشهد أنّك ساحر. ثم أسلم بعد، وأطعمه النّبيّ ﷺ خمسين وسقا، وقيل: لقيه في بعض جبال مكّة؛ فقال: يا ابن أخي بلغني عنك شيء، فإن صرعتني علمت أنّك صادق، فصارعه فصرعه، وأسلم ركانة في فتح مكّة، وقيل: عقب مصارعته، ومات في خلافة معاوية. قال الزّبير: وقال أبو نعيم: في خلافة عثمان، وقيل:
عاش إلى سنة: - ٤١- إحدى وأربعين. انتهى باختصار.
стр. 420
وقد صارع النّبيّ ﷺ جماعة غير ركانة، منهم أبو الأسود الجمحيّ، وكان شديدا، بلغ من شدّته أنّه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرّى الجلد، ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المصارعة، ...
(وقد صارع النّبيّ ﷺ جماعة غير ركانة؛ منهم) ابنه يزيد بن ركانة؛ قال أبو عمر بن عبد البر: له ولأبيه صحبة ورواية، روى عنه ابناه عليّ، وعبد الرّحمن، وأبو جعفر الباقر.
وأخرج ابن قانع من طريق يزيد بن أبي صالح؛ عن علي بن يزيد بن ركانة: أنّ أباه أخبره أنّ رسول الله ﷺ دعا ركانة بأعلى مكّة؛ فقال: «يا ركانة، أسلم» .
فأبى، فقال: «أرأيت إن دعوت هذه الشّجرة- لشجرة قائمة- فأجابتني! تجيبني إلى الإسلام؟» . قال: نعم.
فذكر عن ابن عباس قال: جاء يزيد بن ركانة إلى النّبيّ ﷺ ومعه ثلثمائة من الغنم، فقال: يا محمّد؛ هل لك أن تصارعني!! قال: «وما تجعل لي إن صرعتك؟» . قال: مائة من الغنم، فصارعه فصرعه. ثم قال: هل لك في العود، قال: «وما تجعل لي؟» قال: مائة أخرى، فصارعه فصرعه، وذكر الثالثة، فقال: يا محمد؛ ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إليّ منك، وأنا أشهد أن لّا إله إلّا الله وأنّك رسول الله. فقام عنه ورد عليه غنمه؛ ذكره في «الإصابة» ، قد صارع ركانة وابنه جميعا.
ومنهم (أبو الأسود الجمحيّ) - بضمّ الجيم وفتح الميم ومهملة-؛ نسبة إلى جمح: بطن من قريش، كما قاله السّهيليّ، ورواه البيهقيّ.
(وكان شديدا، بلغ من شدّته أنّه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرّى الجلد) ؛ أي: ينشّق ويتقطّع (ولم يتزحزح) ، أي: يتحرك، (عنه، فدعا) هو (رسول الله ﷺ إلى المصارعة؛
стр. 421
وقال: إن صرعتني.. آمنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن.
وأمّا قوّة رسول الله ﷺ على الجماع:
فقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: إنّه كان ﷺ يدور على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار؛ وهنّ إحدى عشرة.
وقال: إن صرعتني آمنت بك. فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن) ، وفي قصّته طول.
(وأمّا قوّة رسول الله ﷺ على الجماع! فقد) أعطي الحدّ الكثير الزّائد على العادة من أمر الجماع وقوّة الباءة، وأعطي القدرة على قوّة الشّهوة بكثرة الجماع.
(قال أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ (رضي الله تعالى عنه) فيما رواه البخاريّ في «صحيحه» ؛ من طريق هشام؛ عن قتادة بن دعامة، و «النّسائيّ» في «سننه» :
(أنّه كان) رسول الله ﷺ يدور على نسائه) ؛ أي: يجامعهنّ (في السّاعة الواحدة) ، المراد بها الزّمن القليل؛ لا السّاعة النّجوميّة (من اللّيل) ؛ أي: مرة (والنّهار) ؛ أي: تارة، (وهنّ) ؛ أي: مجموعهن (إحدى عشرة) - بسكون الشّين وتكسر-؛ تسع زوجاته، ومارية وريحانة سريّتاه، وتمام الحديث: قال قتادة: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟! قال: كنا نتحدّث أنه أعطي قوّة ثلاثين. انتهى.
ووقع عند الإسماعيليّ؛ من رواية أبي موسى عن معاذ بن هشام: «أربعين» بدل «ثلاثين» ؛ قال الحافظ ابن حجر: وهي شاذّة من هذا الوجه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على النّاس بأربع: بالسّماحة، والشّجاعة، وكثرة الجماع، وشدّة البطش» . رواه الطّبراني في «الأوسط» .
стр. 422
وأخرج ابن منيع: أنّ رسول الله ﷺ كان يطوف على تسع نسوة في ضحوة.
وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتاني جبريل بقدر فأكلت منها، فأعطيت قوّة أربعين رجلا في الجماع» .
(وأخرج ابن منيع أنّ رسول الله ﷺ كان يطوف على تسع نسوة في ضحوة) .
(و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» برجال الصّحيح لكنّه مرسل؛ قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى؛ عن أسامة بن زيد؛
(عن صفوان بن سليم) - بضمّ السّين مصغرا- المدني أبي عبد الله الزّهري «مولاهم» .
تابعيّ صغير ثقة مفت، عابد إمام كبير، قدوة ممن يستشفى بحديثه، وينزل القطر من السّماء بذكره. ويقال: لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة. وأنّه مات وهو ساجد.
ويقال: إن جبهته نقّبت من كثرة السّجود، روى عن ابن عمر وغيره، وعنه مالك وطبقته، روى له السّتة، مات سنة: اثنتين وثلاثين ومائة هجرية رحمه الله تعالى.
(مرفوعا) ؛ مرسلا: (أتاني جبريل بقدر) - بكسر فسكون-: إناء يطبخ فيه؛ مؤنّثة. (فأكلت منها) ؛ بإذن، إذ وضع الطعام إذن، وظاهره أنّها من الجنّة، ولا مانع أنّ طعامها يخرج إلى الدّنيا، لكنّه يسلب الخصوصيّة في حقّ غير نبيّنا، (فأعطيت قوّة) - أي: قدرة- (أربعين رجلا) من رجال أهل الجنّة (في الجماع) .
قيّد به! ليدلّ على أنّ القوّة في غيره أولى، إذ هو محل العجز غالبا، لا سيما عند الكبر، وحديث القدر هذا صحيح مرسل، ووصله ضعيف، ولم يعلم ما في القدر، وزعم أنه هريسة!! لا يصحّ، لأنّ أحاديث الهريسة كلّها واهية، بل قال ابن ناصر: إنّها موضوعة، وقال غيره: ضعيفة جدّا، وقال الذّهبيّ: واهية. انتهى «زرقاني» .
стр. 423
وعن طاووس ومجاهد: ...
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ (عن) أبي عبد الرحمن (طاوس) يقرأ بواوين، قيل: وبهمز- قال الصاغاني: والاختيار أن يكتب «طاوس» علما بواو واحدة ك «داود» .
قال ابن معين: لقّب بذلك! لأنّه كان طاوس القراء.
وهو ابن كيسان اليماني، همداني من بني حمير «مولاهم» ، أصله من الفرس، وأمّه مولاة لقوم من حمير، وكان مسكنه مدينة الجند- بفتح الجيم وبفتح النون-: بلدة معروفة باليمن، ويتردّد مع ذلك إلى صنعاء، وربما أقام بها مدّة.
وهو من كبار التّابعين والعلماء والفضلاء والصّالحين، بل هو أحد الأبدال، أدرك خمسين من الصحابة وصحبهم وأخذ عنهم، وروى عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وعائشة، وعليّ بن أبي طالب وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وغيرهم ﵃.
قال الزمخشري: كان خلق طاوس يحكي خلق الطاوس.
وذكر ابن الجوزي في كتاب «صفوة الصفوة» : أنّه صلّى الصّبح بوضوء العشاء أربعين سنة.
روى عنه ابنه عبد الله، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وعطاء، وابن المنكدر، والزهري، وغيره ممن لا يحصون كثرة، واتفقوا على جلالته وفضيلته، ووفور علمه وصلاحه وحفظه وتثبّته، وكان معظّما عند سائر النّاس.
وكان كثير الحجّ إلى بيت الله تعالى، يقال: إنّه حجّ أربعين حجّة، وكانت وفاته بمكّة يوم التّروية؛ سنة: ستّ ومائة، وقد بلغ عمره بضعا وتسعين سنة رحمه الله تعالى.
(و) عن (مجاهد) مرسلا، وهو أبو الحجّاج مجاهد بن جبر المكي المخزومي «مولاهم» وهو تابعيّ إمام؛ متّفق على جلالته وإمامته.
стр. 424
أعطي ﷺ قوّة أربعين رجلا في الجماع.
وفي رواية عن مجاهد: قوّة بضع وأربعين رجلا من أهل الجنّة.
وعن زيد بن أرقم ...
سمع ابن عمر وابن عباس، وجابرا وأبا سعيد، وأبا هريرة، وغيرهم من الصّحابة، ومن التّابعين طاوسا وابن أبي ليلى وآخرين.
روى عنه طاوس وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزّبير، والأعمش وخلائق لا يحصون. واتفقوا على إمامته وجلالته وتوثيقه، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث، ومناقبه كثيرة مشهورة، مات وهو ساجد سنة: إحدى ومائة؛ وعمره ثلاث وثمانون سنة. وقيل غير ذلك، رحمه الله تعالى؛
(أعطي ﷺ قوّة أربعين رجلا في الجماع) . ولا ينافيه رواية الصّحيح السّابقة «قوّة ثلاثين» ، لجواز أنّهم تحدثوا بذلك قبل بلوغهم الزّيادة.
(وفي رواية عن مجاهد) أنّه أعطي (قوّة بضع) - بكسر الباء-: من الثلاثة إلى التّسعة، (وأربعين رجلا من أهل الجنّة) . رواها الحارث بن أبي أسامة.
وفي «الحلية» لأبي نعيم عن مجاهد: قوّة أربعين رجلا، كلّ رجل من رجال أهل الجنّة.
وروى التّرمذيّ: «إنّ رجال أهل الجنّة؛ قوّة كلّ رجل منهم بقوّة سبعين رجلا» . وصحّحه؛ وروى «بقوّة مائة رجل» . وقال: صحيح غريب؛ قلت:
فعلى هذا كان صابرا عنهن غاية الصّبر، لكثرة الاشتياق إليهنّ. انتهى «شرح الشفاء» لملا علي قاري.
(و) روى الإمام أحمد، والنّسائي، وصحّحه الحاكم؛ (عن) أبي عمرو:
(زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس بن النّعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ.
غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، استصغر يوم أحد، وكان يتيما في
стр. 425
رفعه: «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مئة في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» .
حجر عبد الله بن رواحة، وسار معه في غزوة مؤتة.
روي له عن رسول الله ﷺ سبعون حديثا؛ اتفق البخاريّ، ومسلم على أربعة، وانفرد البخاريّ بحديثين، وانفرد مسلم بستة، روى عنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخلائق من التابعين.
نزل الكوفة وتوفّي بها سنة: ستّ وخمسين. وقيل: ثمان وستين، رضي الله تعالى عنه (رفعه) إلى رسول الله ﷺ : ( «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مائة) في رواية الطّبراني: مائة رجل- (في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» ) عطف سبب على مسبّب، لأنّ الجماع يتسبّب عن الشّهوة.
وخصّها!! لأنّ ما عداها راجع إليها، إذ الملبس والمسكن من الشّهوة، ولا يرد أنّ كثرة الأكل والشّرب في الدّنيا مجمع على ذمّها، لأنّه لما ينشأ عنها من فتور وتوان وتثاقل عن العبادة، ومن أمراض؛ كتخمة وقولنج، وأهل الجنّة مأمونون من ذلك كلّه، إذ كل ما فيها لا يشبه شيئا ممّا في الدّنيا إلّا في مجرّد الاسم، ألا ترى أنّه زاد في رواية الطّبرانيّ في «الكبير» برجال ثقات: «حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده، فإذا بطنه قد ضمر» !! انتهى «زرقاني» .
خاتمة: قال في «المواهب» : لمّا كان ﵊ ممّن أقدر على القوّة في الجماع، وأعطي الكثير منه؛ أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره، وهو الزيادة على أربع.
قال ابن عبّاس: تزوّجوا؛ فإنّ أفضل هذه الأمّة أكثرها نساء. رواه البخاريّ؛ يشير إليه ﷺ ، وقيّد بهذه الأمّة!! ليخرج مثل سليمان ﵊، فإنّه كان أكثر نساء من المصطفى ﷺ .
قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني: والذي يظهر أن مراد ابن عبّاس بالخير: النّبي ﷺ ، وبالأمّة أخصّاء أصحابه، وكأنّه أشار إلى أن ترك التزوّج