← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال: إن صرعتني.. آمنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن. وأمّا قوّة رسول الله ﷺ على الجماع: فقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: إنّه كان ﷺ يدور على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار؛ وهنّ إحدى عشرة. وقال: إن صرعتني آمنت بك. فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن) ، وفي قصّته طول. (وأمّا قوّة رسول الله ﷺ على الجماع! فقد) أعطي الحدّ الكثير الزّائد على العادة من أمر الجماع وقوّة الباءة، وأعطي القدرة على قوّة الشّهوة بكثرة الجماع. (قال أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ (رضي الله تعالى عنه) فيما رواه البخاريّ في «صحيحه» ؛ من طريق هشام؛ عن قتادة بن دعامة، و «النّسائيّ» في «سننه» : (أنّه كان) رسول الله ﷺ يدور على نسائه) ؛ أي: يجامعهنّ (في السّاعة الواحدة) ، المراد بها الزّمن القليل؛ لا السّاعة النّجوميّة (من اللّيل) ؛ أي: مرة (والنّهار) ؛ أي: تارة، (وهنّ) ؛ أي: مجموعهن (إحدى عشرة) - بسكون الشّين وتكسر-؛ تسع زوجاته، ومارية وريحانة سريّتاه، وتمام الحديث: قال قتادة: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟! قال: كنا نتحدّث أنه أعطي قوّة ثلاثين. انتهى. ووقع عند الإسماعيليّ؛ من رواية أبي موسى عن معاذ بن هشام: «أربعين» بدل «ثلاثين» ؛ قال الحافظ ابن حجر: وهي شاذّة من هذا الوجه. وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على النّاس بأربع: بالسّماحة، والشّجاعة، وكثرة الجماع، وشدّة البطش» . رواه الطّبراني في «الأوسط» .

стр. 422

وأخرج ابن منيع: أنّ رسول الله ﷺ كان يطوف على تسع نسوة في ضحوة. وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتاني جبريل بقدر فأكلت منها، فأعطيت قوّة أربعين رجلا في الجماع» . (وأخرج ابن منيع أنّ رسول الله ﷺ كان يطوف على تسع نسوة في ضحوة) . (و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» برجال الصّحيح لكنّه مرسل؛ قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى؛ عن أسامة بن زيد؛ (عن صفوان بن سليم) - بضمّ السّين مصغرا- المدني أبي عبد الله الزّهري «مولاهم» . تابعيّ صغير ثقة مفت، عابد إمام كبير، قدوة ممن يستشفى بحديثه، وينزل القطر من السّماء بذكره. ويقال: لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة. وأنّه مات وهو ساجد. ويقال: إن جبهته نقّبت من كثرة السّجود، روى عن ابن عمر وغيره، وعنه مالك وطبقته، روى له السّتة، مات سنة: اثنتين وثلاثين ومائة هجرية رحمه الله تعالى. (مرفوعا) ؛ مرسلا: (أتاني جبريل بقدر) - بكسر فسكون-: إناء يطبخ فيه؛ مؤنّثة. (فأكلت منها) ؛ بإذن، إذ وضع الطعام إذن، وظاهره أنّها من الجنّة، ولا مانع أنّ طعامها يخرج إلى الدّنيا، لكنّه يسلب الخصوصيّة في حقّ غير نبيّنا، (فأعطيت قوّة) - أي: قدرة- (أربعين رجلا) من رجال أهل الجنّة (في الجماع) . قيّد به! ليدلّ على أنّ القوّة في غيره أولى، إذ هو محل العجز غالبا، لا سيما عند الكبر، وحديث القدر هذا صحيح مرسل، ووصله ضعيف، ولم يعلم ما في القدر، وزعم أنه هريسة!! لا يصحّ، لأنّ أحاديث الهريسة كلّها واهية، بل قال ابن ناصر: إنّها موضوعة، وقال غيره: ضعيفة جدّا، وقال الذّهبيّ: واهية. انتهى «زرقاني» .

стр. 423

وعن طاووس ومجاهد: ... (و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» ؛ (عن) أبي عبد الرحمن (طاوس) يقرأ بواوين، قيل: وبهمز- قال الصاغاني: والاختيار أن يكتب «طاوس» علما بواو واحدة ك «داود» . قال ابن معين: لقّب بذلك! لأنّه كان طاوس القراء. وهو ابن كيسان اليماني، همداني من بني حمير «مولاهم» ، أصله من الفرس، وأمّه مولاة لقوم من حمير، وكان مسكنه مدينة الجند- بفتح الجيم وبفتح النون-: بلدة معروفة باليمن، ويتردّد مع ذلك إلى صنعاء، وربما أقام بها مدّة. وهو من كبار التّابعين والعلماء والفضلاء والصّالحين، بل هو أحد الأبدال، أدرك خمسين من الصحابة وصحبهم وأخذ عنهم، وروى عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وعائشة، وعليّ بن أبي طالب وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وغيرهم ﵃. قال الزمخشري: كان خلق طاوس يحكي خلق الطاوس. وذكر ابن الجوزي في كتاب «صفوة الصفوة» : أنّه صلّى الصّبح بوضوء العشاء أربعين سنة. روى عنه ابنه عبد الله، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وعطاء، وابن المنكدر، والزهري، وغيره ممن لا يحصون كثرة، واتفقوا على جلالته وفضيلته، ووفور علمه وصلاحه وحفظه وتثبّته، وكان معظّما عند سائر النّاس. وكان كثير الحجّ إلى بيت الله تعالى، يقال: إنّه حجّ أربعين حجّة، وكانت وفاته بمكّة يوم التّروية؛ سنة: ستّ ومائة، وقد بلغ عمره بضعا وتسعين سنة رحمه الله تعالى. (و) عن (مجاهد) مرسلا، وهو أبو الحجّاج مجاهد بن جبر المكي المخزومي «مولاهم» وهو تابعيّ إمام؛ متّفق على جلالته وإمامته.

стр. 424

أعطي ﷺ قوّة أربعين رجلا في الجماع. وفي رواية عن مجاهد: قوّة بضع وأربعين رجلا من أهل الجنّة. وعن زيد بن أرقم ... سمع ابن عمر وابن عباس، وجابرا وأبا سعيد، وأبا هريرة، وغيرهم من الصّحابة، ومن التّابعين طاوسا وابن أبي ليلى وآخرين. روى عنه طاوس وعكرمة، وعمرو بن دينار، وأبو الزّبير، والأعمش وخلائق لا يحصون. واتفقوا على إمامته وجلالته وتوثيقه، وهو إمام في الفقه والتفسير والحديث، ومناقبه كثيرة مشهورة، مات وهو ساجد سنة: إحدى ومائة؛ وعمره ثلاث وثمانون سنة. وقيل غير ذلك، رحمه الله تعالى؛ (أعطي ﷺ قوّة أربعين رجلا في الجماع) . ولا ينافيه رواية الصّحيح السّابقة «قوّة ثلاثين» ، لجواز أنّهم تحدثوا بذلك قبل بلوغهم الزّيادة. (وفي رواية عن مجاهد) أنّه أعطي (قوّة بضع) - بكسر الباء-: من الثلاثة إلى التّسعة، (وأربعين رجلا من أهل الجنّة) . رواها الحارث بن أبي أسامة. وفي «الحلية» لأبي نعيم عن مجاهد: قوّة أربعين رجلا، كلّ رجل من رجال أهل الجنّة. وروى التّرمذيّ: «إنّ رجال أهل الجنّة؛ قوّة كلّ رجل منهم بقوّة سبعين رجلا» . وصحّحه؛ وروى «بقوّة مائة رجل» . وقال: صحيح غريب؛ قلت: فعلى هذا كان صابرا عنهن غاية الصّبر، لكثرة الاشتياق إليهنّ. انتهى «شرح الشفاء» لملا علي قاري. (و) روى الإمام أحمد، والنّسائي، وصحّحه الحاكم؛ (عن) أبي عمرو: (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس بن النّعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ. غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، استصغر يوم أحد، وكان يتيما في

стр. 425

رفعه: «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مئة في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» . حجر عبد الله بن رواحة، وسار معه في غزوة مؤتة. روي له عن رسول الله ﷺ سبعون حديثا؛ اتفق البخاريّ، ومسلم على أربعة، وانفرد البخاريّ بحديثين، وانفرد مسلم بستة، روى عنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخلائق من التابعين. نزل الكوفة وتوفّي بها سنة: ستّ وخمسين. وقيل: ثمان وستين، رضي الله تعالى عنه (رفعه) إلى رسول الله ﷺ : ( «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مائة) في رواية الطّبراني: مائة رجل- (في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» ) عطف سبب على مسبّب، لأنّ الجماع يتسبّب عن الشّهوة. وخصّها!! لأنّ ما عداها راجع إليها، إذ الملبس والمسكن من الشّهوة، ولا يرد أنّ كثرة الأكل والشّرب في الدّنيا مجمع على ذمّها، لأنّه لما ينشأ عنها من فتور وتوان وتثاقل عن العبادة، ومن أمراض؛ كتخمة وقولنج، وأهل الجنّة مأمونون من ذلك كلّه، إذ كل ما فيها لا يشبه شيئا ممّا في الدّنيا إلّا في مجرّد الاسم، ألا ترى أنّه زاد في رواية الطّبرانيّ في «الكبير» برجال ثقات: «حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده، فإذا بطنه قد ضمر» !! انتهى «زرقاني» . خاتمة: قال في «المواهب» : لمّا كان ﵊ ممّن أقدر على القوّة في الجماع، وأعطي الكثير منه؛ أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره، وهو الزيادة على أربع. قال ابن عبّاس: تزوّجوا؛ فإنّ أفضل هذه الأمّة أكثرها نساء. رواه البخاريّ؛ يشير إليه ﷺ ، وقيّد بهذه الأمّة!! ليخرج مثل سليمان ﵊، فإنّه كان أكثر نساء من المصطفى ﷺ . قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني: والذي يظهر أن مراد ابن عبّاس بالخير: النّبي ﷺ ، وبالأمّة أخصّاء أصحابه، وكأنّه أشار إلى أن ترك التزوّج

стр. 426

مرجوح، إذ لو كان راجحا ما آثر النبيّ ﷺ غيره، وكان- مع كونه أخشى لله تعالى وأعلمهم به؛ كما صحّ في الحديث- يكثر التزوّج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطّلع عليها الرّجال؛ وقد جاء عن عائشة- رضي الله تعالى عنها- من ذلك الكثير الطيّب، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة، بكونه كان لا يجد ما يتمتّع به من القوت غالبا، وإن وجد؛ فكان يؤثر بأكثره ويصوم كثيرا ويواصل، والصوم يضعف النكاح، بل هو له وجاء، ومع ذلك فكان يدور على نسائه في السّاعة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلّا مع قوّة البدن!! وقوّة البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقوّيات من مأكول ومشروب، وهي عنده- ﵊ نادرة قليلة جدّا؛ أو معدومة أصلا. وقال بعض العلماء في حكمة زيادته على أربع: لما كان الحرّ لفضله على العبد يستبيح من النّساء أكثر ممّا يستبيح العبد؛ وجب أن يكون النّبي ﷺ لفضله على جميع الأمّة يستبيح من النّساء أكثر ممّا تستبيحه الأمّة، ولزيادة فضله على جميع الخلق لم يتقيّد ما أبيح له بعدد، ولم يقصر ما يباح له على ضعف ما يباح للحرّ فقط. قالوا: ومن فوائد ذلك زيادة التّكليف في القيام بهنّ مع تحمّل أعباء الرّسالة، فيكون ذلك أعظم لمشاقّه وأكثر لأجره. ومنها: أنّ النّكاح في حقّه عبادة مطلقا. ومنها: نقل محاسنه الباطنة، فقد تزوج ﵊ أمّ حبيبة بنت أبي سفيان؛ وكان أبوها في ذلك الوقت عدوه ويحاربه، وتزوّج صفيّة بنت حيي؛ وقد قتل أباها وعمّها وزوجها في غزوة خيبر، فلو لم يطّلعن من بواطن أحواله على أنّه أكمل خلق الله تعالى؛ لكانت الطباع البشريّة تقتضي نفرتهنّ عنه، وميلهن إلى آبائهنّ وقرابتهنّ، فكان في كثرة النّساء عنده بيان لمعجزاته، ولمعرفة كماله باطنا، كما عرف منه الرّجال كماله ظاهرا، وهذه حكم ونكات لا تتزاحم، بل كلّ من ظهر له شيء منها أبداه. انتهى كلام «المواهب» مع شيء من الشّرح.

стр. 427

[الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه] الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه وفيه ستّة فصول (الباب الثّالث في) بيان ما ورد في (صفة لباس رسول الله ﷺ ؛ من قميص وإزار وعمامة وغيرها. (و) في صفة (فراشه) بكسر الفاء- ومنه خاتمه ونعله، (و) في صفة (سلاحه) ؛ من سيف أو رمح أو حربة وغيرها، (وفيه) أي: هذا الباب (ستّة فصول) يأتي بيانها.

стр. 428

[الفصل الأوّل في صفة لباسه ﷺ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها] الفصل الأوّل في صفة لباسه ﷺ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها (الفصل الأوّل) من الباب الثّالث (في) بيان ما ورد في (صفة لباسه ﷺ . في «الصحاح» وغيره: إنّ اللّباس بوزن كتاب: ما يلبس، وكذا الملبس بوزن المذهب، واللّبس بوزن حمل، واللّبوس بوزن صبور. واللّباس تعتريه الأحكام الخمسة: فيكون واجبا؛ كاللّباس الذي يستر العورة عن العيون. ومندوبا؛ كالثّوب الحسن للعيدين، والثّوب الأبيض للجمعة ومحرما؛ كالحرير للرجال. ومكروها؛ كلبس الخلق دائما للغنيّ. ومباحا؛ وهو ما عدا ذلك. وقوله (من قميص) : هو اسم لما يلبس من المخيط الذي له كمّان وجيب، يلبس تحت الثّياب ولا يكون من صوف؛ كذا في «القاموس» ، مأخوذ من التّقمّص، بمعنى: التّقلّب، لتقلّب الإنسان فيه، وقيل: سمي باسم الجلدة الّتي هي غلاف القلب، فإنّ اسمها القميص، (وإزار) : وهو ما يستر أسفل البدن، (ورداء) : وهو ما يستر أعلاه، (وقلنسوة) - بفتح القاف واللّام وسكون النّون وضمّ المهملة وفتح الواو-: غشاء مبطّن يستر الرأس، فهي من ملابس الرّأس، كالبرنس الذي تغطى به العمامة من نحو شمس ومطر. قال ابن العربي: القلنسوة من لباس الأنبياء والصّالحين السّالكين، تصون الرّأس وتمكّن العمامة وهي من السّنة، وحكمها أن تكون لاطية لا مقبية، إلّا أن

стр. 429

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشّفا» : يفتقر الرّجل إلى أن يحفظ رأسه عمّا يخرج منه من الأبخرة؛ فيقبّها ويثقب فيها، فيكون ذلك تطبّبا. انتهى (مناوي) . (وعمامة) : كلّ ما يلفّ على الرّأس. والعمامة سّنة، لا سيّما للصّلاة وبقصد التجمّل، لأخبار كثيرة فيها؛ جمعها بعضهم في مؤلف سماه «الدّعامة» ، وتحصل السّنة بكونها على الرّأس؛ أو على قلنسوة، ففي الخبر: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس» . وأما لبس القلنسوة وحدها فهو زيّ المشركين، وما ورد مما يفيد: أنّه ﷺ كان يلبس القلنسوة وحدها!! فلعلّه حين يكون في البيت. (ونحوها) ، أي: المذكورات كجبّة وبرد. (قال) الفقيه الإمام (القاضي) أبو الفضل (عياض) - بكسر العين المهملة وفتح المثنّاة، وبعدها ألف وضاد معجمة- ابن موسى بن عياض اليحصبيّ السّبتيّ الغرناطيّ المالكيّ، صاحب التّصانيف الجليلة، المتبحّر في العلوم النّقليّة والعقليّة، المتوفّى سنة: - ٥٤٤- أربع وأربعين وخمسمائة؛ في جمادى الآخرة بمرّاكش- وقد تقدمت ترجمته- (رحمه الله تعالى في) كتاب ( «الشّفا» ) الّذي كلّه حسنات، وقد شوهدت بركته حتى لا يقع ضرر لمكان كان فيه، ولا تغرق سفينة كان فيها، وإذا قرأه مريض أو قرىء عليه شفاه الله تعالى، وقد جرّبه بعضهم وكان ابتلي بمرض فقرأه فعافاه الله تعالى منه، وقال في ذلك: ما بالكتاب هواي لكنّ الهوى ... أمسى بمن أمسى به مكتوبا كالدّار يهوى العاشقون بذكرها ... شغفا بها لشمولها المحبوبا أرجو الشّفاء تفاؤلا باسم الشّفا ... فحوى الشّفاء وأدرك المطلوبا وبقدر حسن الظّنّ ينتفع الفتى ... لا سيّما ظنّ يصيح مجيبا وقد ذكر القاضي عياض الكلام الآتي في «الشفاء» أثناء الضّرب الثّالث مما

стр. 430

(انظر سيرة نبيّنا محمّد ﷺ وخلقه في المال.. تجده قد أوتي خزائن الأرض ومفاتيح البلاد، وأحلّت له الغنائم؛ ولم تحلّ تدعو إليه ضرورة الحياة قائلا: (انظر سيرة نبيّنا محمّد ﷺ ؛ أي: طريقته وهديه (وخلقه) - بضمّتين أو ضمّ فسكون- أي: سجيّته الشريفة، (في المال) ؛ أي: في حقّ أخذه وعطائه، وامتناعه عن التلبّس بوجوده وبقائه، (تجده) - بالجزم؛ أي: تعلمه- (قد أوتي خزائن الأرض) ؛ أي: عرضت عليه (ومفاتيح البلاد) ؛ أي: أعطيت له، كما ورد في الحديث الصحيح في «مسلم» : «بينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض؛ فوضعت في يدي» . وفي كتاب «الوفا» ؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه مسندا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتيت بمقاليد الدّنيا على فرس أبلق، عليه قطيفة من سندس» وإليه أشار الصّرصريّ رحمه الله تعالى بقوله: بعثت مقاليد الكنوز جميعها ... تهدى إليه على سراة حصان جعلت عليه قطيفة من سندس ... فله استقام الزّهد عن إمكان ومثله ثابت من طرق عديدة، وهذا يدل على أنّ الله تعالى أعطاه ذلك حقيقة. وخزائن الأرض: دفائنها ومعادنها، بأن يطلعه الله تعالى عليها، ويجعل الملائكة الموكّلين بها طوع يده. فإنّ السّلطان خزينته بيد خازنها حاضر مطيع لديه، فهذا معنى كونها في يده عرفا. وأمّا المفاتيح!! فإن كانت بمعنى الخزائن؛ فكذلك، وإن كانت جمع مفتاح بمعنى آلة الفتح!! فإعطاؤها إرسالها؛ كما هو ظاهر الحديث السّابق. وقيل: إنّه كناية عن فتح البلاد عليه وعلى أمّته بعده، وجباية أموالها إليهم، واستخراج كنوزها لديهم، وتلويح بالتوصّل إليها كما يتوصّل بالمفاتيح إلى ما أغلق عليه من أبوابها. انتهى شرح «الشّفا» للخفاجيّ والقاري. (وأحلّت له الغنائم) ؛ لزيادة الفضيلة، (ولم تحلّ) بصيغة المجهول

стр. 431

لنبيّ قبله، وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب ... المناسب ل «أحلت» ، أو بفتح أوّله وكسر ثانيه؛ أي: والحال أنّها لم تبح (لنبيّ قبله) ، إذ جاء في الآثار أنّهم كانوا يجمعون الغنائم فتأتي نار من السّماء فتأكلها، وفي حديث مسلم: «لم تحلّ الغنائم لأحد من قبلنا، وذلك لأنّ الله تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا» . والغنيمة: ما يؤخذ من الكفّار، وكذا الفيء. وفرّق الفقهاء بينهما؛ بأنّ الفيء: ما يحصل بلا قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، والغنيمة: ما حصل بقتال. وقد يستعمل كلّ منهما لما يعمّ الآخر كما فيما نحن فيه (وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز) ، وهي مكة، والمدينة، والطائف، واليمامة، وخيبر وقراها، وطرقها الممتدّة بينها. وقيل: غير ذلك، وقيل: المدينة نصفها حجازيّ ونصفها تهاميّ، والحجاز بمعنى الحاجز. وسمّيت هذه البلاد بالحجاز!! لأنّها تحجز بين نجد وتهامة، أو بين اليمن والشّام. وقيل غير ذلك. (واليمن) - بالرفع والجر- وسمّي به!! لكونه عن يمين الكعبة لمن وقف بالباب ووجهه لخارج، وهو المعتبر لكونه بمنزلة المنبر. (وجميع جزيرة) - فعيلة- من جزر الماء؛ وهو انكشافه ورجوعه، ضدّ المدّ. وجزيرة (العرب) : ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق طولا، ومن جدّة وما والاها ومن ساحل البحر إلى أطراف الشّام عرضا؛ عند الأصمعي. وقال أبو عبيدة من حفر أبي موسى الأشعريّ إلى أقصى اليمن طولا، ومن رمل قبرس إلى منقطع السّماوة عرضا. وسميت جزيرة!! لأنّ بحر فارس وبحر الحبشة ودجلة والفرات أحاطت بها، وقال مالك: جزيرة العرب الحجاز واليمن واليمامة، وما لم يبلغه ملك فارس والروم. وقيل: جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن، ولعل هذا معنى قول مالك.

стр. 432

وما دانى ذلك من الشّام والعراق، وجلب إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلّا بعضه، وهادنه ... (وما دانى ذلك) ؛ أي: ما قارب بلاد الحجاز وجزيرة العرب (من الشّام) بالهمز السّاكن وإبداله ألفا، ويقال بفتح الشّين والمدّ؛ على وزن فعال، وهو يذكّر ويؤنّث. والمشهور أنّ حد الشّام من العريش إلى الفرات طولا، وقيل: إلى نابلس. وعرضا من جبل طيّ من نحو القبلة إلى بحر الرّوم وما سامت ذلك من البلاد، وقد دخله النّبي ﷺ ، إلّا أنّه لم يدخل دمشق، بل بلغ إلى بصرى (مدينة حوران) . قال ابن عساكر في «تاريخه» : دخل الشّام عشرة آلاف عين رأت رسول الله ﷺ . (والعراق) ؛ أي: عراق العرب، وهو إقليم معروف، وفيه مدن عظيمة وقرى، وطوله من تكريت إلى عبّادان وهي قرية، ولذا قيل في المثل «ما وراء عبّادان قرية» ؛ وعرضه من القادسيّة إلى حلوان، ودجلة حدّه: جانبها الأيمن للعراق؛ واليسار لفارس. ويدخل في حدود العراق البصرة والكوفة. أمّا عراق العجم! فهو إقليم خراسان. ولفظ «العراق» عربي، وقيل: فارسي معرب، وقيل: سمّي عراقا لكثرة عروق أشجاره، (وجلب) ، أي: جيء، وفي بعض نسخ «الشّفاء» : وجبيت (إليه من أخماسها) في الغنيمة، (وجزيتها) من أهل الذّمّة، (وصدقاتها) من أغنياء الأمّة (ما لا يجبى) ، أي: ما لا يؤتى به (للملوك إلّا بعضه) ، أي: لكثرته مع زيادة بركته، روي: أن أعظم مال أتي به إلى النّبي ﷺ من مال الجزية ما قدم عليه من البحرين، وقدره مائة ألف درهم وثمانون ألف درهم. (وهادنه) ، أي: صالحه، - وفي نسخة صحيحة من «الشفاء» : وهادته

стр. 433

جماعة من ملوك الأقاليم ... - بالتاء الفوقيّة- بمعنى: أهدت إليه ﷺ (جماعة من ملوك الأقاليم) هدايا فقبلها منهم، والأقاليم جمع إقليم كقنديل، وذلك لأن المتقدمين قسموا الأرض سبعة أقسام، سمّوا كل قسم منها إقليما، كما يعلم من فن مساحة الأرض المسمّى جغرافيا، وحد كل إقليم وما فيه من البلدان مفصّل في كتب الهيئة والمساحة. وقيل: أراد بالأقاليم النّواحي والبلدان، وإن كانت من إقليم واحد أو إقليمين من السّبعة بطريق المجاز، وهو بهذا المعنى مستعمل أيضا، كما يقال: أقاليم مصر فسمّوا كلّ ناحية إقليما. والهديّة: ما يبعث بلا عوض إلى المهدى إليه إكراما. وممن هاداه- ﷺ المقوقس ملك القبط، أهدى له جاريتين وكسوة وبغلة بيضاء وهي دلدل. وهاداه فروة بن عمرو الجذاميّ «عامل قيصر» ، بعد ما تبرع بالإسلام، وأهدى له بغلة بيضاء تسمّى فضة، وفرسا وأثوابا وقباء من سندس، ولما بلغ ذلك قيصر حبسه مدّة طويلة، ثم أرسل يقول له: ارجع لدينك أطلقك وأعيد لك ملكك. فأبى؛ وقال: لا أفارق دينه، وإنّك لتعلم أنّه حقّ، ولكن ضننت بملكك، فقال: صدق والإنجيل. ومنهم أكيدر دومة؛ كما في «البخاري» . وأما هدايا غير الملوك التي كانت تصل مع الوفود! فكثيرة لا تحصى كما يعلم من السّير، وأهدى له الرّهبان أيضا كراهب نجران. ولا منافاة بين قبوله هديّة من لم يسلم منهم كالمقوقس، وردّه بعض هدايا المشركين؛ وقوله: «إنا لا نقبل زيد المشركين» - أي عطيّتهم!! لأنه كان يقبل الهديّة ممّن يرجو إسلامه استئلافا له؛ لما فيه من المصلحة للمسلمين، ويردّ هديّة غيره.

стр. 434

فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه في مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرّني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلّا دينارا أرصده لدين» . ثمّ إنّ قبول النّبي ﷺ الهديّة من خصائصه، لانتفاء التّهمة في حقّه ﷺ ، ولا يجوز لغيره من الحكّام. (فما استأثر) ؛ أي: ما انفرد وما استبدّ وما اختصّ (بشيء منه) دون أصحابه، لرؤيته أنّه أحقّ به كما يفعله الملوك فيما يليق بها. (ولا أمسك منه درهما) ؛ أي: لم يبق لنفسه منه شيئا، ولم يجعله عنده أو في يده. (بل صرفه في مصارفه) ؛ أي: أنفقه في مواضعه من أنواع الخير وأصناف البرّ (وأغنى به غيره) من الجند والمؤلّفة قلوبهم، لغناه بربّه واستغنائه بقلبه، (وقوّى به المسلمين) بصرفه في مهمّاتهم وقضاء حاجاتهم، وفيما ينصرهم على أعدائهم، ودفع بلائهم، وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. (وقال) ؛ أي: النّبيّ ﷺ في حديث صحيح رواه البخاري، ومسلم، مسندا؛ عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه-: ( «ما يسرّني) - أي: لم يجعلني في سرور وفرح- (أنّ لي أحدا ذهبا) ، أي: مثل أحد أو نفس أحد يكون ملكا لي وهو ذهب حقيقة. وقوله «ذهبا» ! تمييز، أي: من ذهب، و «أحد» : بضمّتين وقد تسكّن حاؤه-: اسم جبل معروف قريب من المدينة المنوّرة. سمّي به!! لتوحّده وانقطاعه عمّا هناك من الجبال، وقال ﷺ فيه: «أحد جبل يحبّنا ونحبّه» . (يبيت عندي منه) ؛ أي: من مقدار أحد ذهبا، (دينار إلّا دينارا) - بالنّصب على الاستثناء، وبالرّفع على البدل: روايتان- (أرصده) - بفتح الهمزة وضمّ الصّاد، من الرصد، ويجوز ضمّ الهمزة وكسر الصّاد المهملة؛ من الإرصاد- أي: أحفظه منتظرا (ل) قضاء (ديني) - بفتح الدّال المهملة وسكون المثنّاة التحيّة

стр. 435

وأتته دنانير مرّة، فقسمها، وبقيت منها بقيّة، فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها، وقال: «الآن استرحت» . ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، ... والنّون، وإرصاده للدّين!! إمّا لأنّ صاحبه غائب، أو لأنّه لم يحلّ أجله. وفيه دليل على جواز الاستقراض، وأنّه لا ينبغي أن يكون المرء مستغرقا في الدين حتى لا يجد له وفاء. (وأتته دنانير مرّة) وهي كثيرة (فقسمها) ، أي: على من استحقّها، (وبقيت منها بقيّة) ؛ أي: قليلة يسيرة، - وفي نسخة من «الشّفا» : «ستّة» - (فدفعها لبعض نسائه) نظرا إلى حدوث حاجة لهنّ إليها- وفي رواية: «فرفعها بعض نسائه» بالراء- وهو إمّا بأمره، وإما على عادة النّساء في حفظ المال لأمر المعاش وغيره. (فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها) ؛ اتكالا على كرم ربّه عند الاحتياج إليها، (وقال: «الآن استرحت» ) أي: حصل الرّاحة لقلبي المعتمد على رزق ربّي. وفيه دلالة واضحة على ما كان عليه من التقلّل من الدّنيا، وملازمة الفاقة في أيّام حياته إلى أوان مماته، كما يدل عليه ما بعده، وإنّما لم يأخذه النّوم حتى قسمها!! لخوفه أن يفجأه الأجل قبل تفريقها، فانظر هذا مع أنه غفر له ﷺ ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر بعد ما عصمه الله تعالى، انظره مع أشقياء هذا الزّمان، وصرفهم بيت المال في هوى أنفسهم، قاتلهم الله أنّى يؤفكون. انتهى «شرح الشهاب الخفاجي» . (ومات ودرعه) - مؤنّثة- وهي الزردته (مرهونة) ، أي: عند يهوديّ وهو أبو الشّحم. قال ابن الجوزي: إنّ الّتي رهنها ﷺ هي «ذات الفضول» (في نفقة عياله) ، جمع عيل، وهو: من تلزمه نفقته، وكانت مرهونة إلى سنة في ثلاثين صاعا من شعير على ما في «البخاريّ» و «الترمذي» و «النّسائي» ، وفي «البزّار» : أربعين. وفي «مصنف عبد الرزاق» : وسق شعير وهو ستّون صاعا. ويمكن الجمع بتعدّد الواقعة.

стр. 436

واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه على ما تدعوه إليه ضرورته، وزهد فيما سواه. فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشّملة، ... ومنه علم جواز معاملة الكفّار؛ مع أن كسبهم لا يخلو من خبث، وجواز الرّهن على الثمن المؤجّل، وقيل: إنّه افتكها قبل وفاته، لكن الأصحّ خلافه، لصريح حديث ابن عباس: توفّي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهوديّ. ولا ينافي ذلك خبر: «نفس المؤمن معلّقة بدينه حتّى يقضى عنه» !! لأنه محمول على غير الأنبياء. وكان له ﷺ عدّة أدراع: «ذات الفضول» . سميت بها! لطولها، أهداها له سعد بن عبادة ﵁ لمّا خرج رسول الله ﷺ لبدر، وذات الحواشي، ودرعان أصابهما من بني قينقاع «السّعديّة» و «فضّة» ، ويقال: إنّ السّعدية كانت درع داود ﵊ التي لبسها لقتال جالوت، و «البتر» ، و «الحريق» . فهذه سبع. (واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه) - بفتح الكاف وكسرها- أي: من أجلها أو في حقّها (على ما تدعوه إليه ضرورته) ، أي: على مقدار قليل لا بدّ له منه، ممّا تقتضيه الحاجة الضّرورية إليه. (وزهد) - بكسر الهاء بصيغة الماضي، معطوف على «اقتصر» أي: لم يرغب (فيما سواه) ، أي: ما سوى مقدار الضّرورة. (فكان يلبس) - بفتح الياء المثنّاة وفتح الباء الموحّدة- (ما وجده) حاضرا عنده بلا تكلّف، (فيلبس في الغالب الشّملة) - بفتح المعجمة وسكون الميم- وما يشتمل به من الأكسية الّتي يلتحف بها كما في «الفتح» . وقيل: يختصّ بما له هدب. وقال ابن دريد: كساء يؤتزر به وهي البردة، وتسمية العوامّ ما يلفّ على الرّأس «شملة» اصطلاح حادث.

стр. 437

والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية الدّيباج المخوّصة بالذّهب، ويرفع لمن لم يحضر؛ إذ المباهاة في الملابس ... (والكساء) : قريب من البرد؛ (الخشن) - بفتح فكسر- أي: الغليظ، ضدّ الدّقيق الليّن. (والبرد) - بضمّ أوّله وسكون الرّاء- أي: اليمانيّ؛ وهو الثّوب الّذي فيه خطوط. (الغليظ) ، أي: الخشن، واختار هذا كله زهدا وقناعة وتنزّها عمّا يلبسه من لا خلاق له تفاخرا، وليس ذلك من عجزه ﷺ عن فاخر الألبسة، بل لعدم ميله إليها كما قال. (ويقسم) - بالتّخفيف، ويجوز تشديده بقصد التكثير- (على من حضره) ؛ أي: حضر عنده (أقبية) ، جمع قباء: وهو المخيط من اللباس. (الدّيباج) بكسر الدّال وقد تفتح- وهو نوع من الحرير معروف. (المخوّصة) - بضمّ الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو المفتوحة يليها صاد مهملة وهاء-: المزيّنة (بالذّهب) ؛ أي: المنسوجة بأعلام من ذهب كالخوص. (ويرفع) ؛ أي: يدّخر منها (لمن لم يحضر) القسمة إلى أن يحضر فيعيطها له، إشارة لقصّة مخرمة الّتي رواها البخاري ومسلم؛ عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه قال: قال لي أبي: بلغني أنّه ﷺ جاءته أقبية، فاذهب بنا إليه. فذهبنا؛ فوجدناه في منزله، فقال: ادعه لي، فأعظمت ذلك. فقال: يا بنيّ؛ إنّه ليس بجبّار. فدعوته ﷺ فخرج ومعه قباء من ديباج مزرّر بالذّهب، فقال: «يا مخرمة، خبّأت لك هذا» ، وجعل ﷺ يريه محاسنه، ثمّ أعطاه له، فنظر إليه فقال: «رضي مخرمة» فأعطاه إيّاه. زاد البخاري: وكان في خلق مخرمة شدّة محبّة. وجزم الدّاوودي أنّ قوله «رضي مخرمة» من كلام النّبي ﷺ ، ورجّح الحافظ أنّه من كلام مخرمة. (إذ المباهاة) تعليل لاقتصاره على ما تدعو ضرورته إليه؛ أي: لأنّ إظهار الفخر (في الملابس) ؛ جمع ملبس- بفتح الميم والباء- وهو

стр. 438

والتّزيّن بها.. ليست من خصال الشّرف والجلالة، وهي من سمات النّساء. والمحمود منها نقاوة الثّوب، ... واللّباس بمعنى، وأصل المباهاة المفاخرة، فنزّل إظهارها والعجب بها (والتّزيّن بها) ؛ أي: إظهار الزينة في الملابس منزلة ذلك. (ليست من خصال الشّرف) ؛ أي: شمائل أصحاب الشّرافة (و) أصحاب (الجلالة) ، أي: العظمة المعنويّة، أي: إنّ المغالاة في ذلك وإظهاره ليس مما يعدّ شرفا، ولا ممّا يقصده الأشراف. قال الخفاجي: قال الفقهاء: لبس الثّوب الجميل للتّزيّن مباح في الجمع والأعياد ومجامع النّاس، وما يستر العورة ويدفع الحرّ والبرد واجب، وما فيه جمال لصاحبه مسنون، بشرط أن لا ينوي به العظمة والزّينة، بل إظهار نعمة الله وتعظيم من يجتمع لملاقاته، وقد كان ﷺ يفعله، وقلت في ذلك: نصيحة لطيفة ... قالت بها الأكياس كل ما اشتهيت والبس ... ما تشتهيه النّاس وقد تقدّم في الفصل الخامس في صفة طيبه، الكلام على التجمّل واللّباس بأبسط ممّا هنا، فاعتمد ما هناك. (وهي) ، أي: المباهاة (من سمات) - بكسر السّين- أي: من خصال (النّساء) ومن في حكمهنّ كالأطفال، وأكثر من يتباهى بذلك محدث النعمة ومن لا قدر له. (والمحمود) ؛ أي: الممدوح (منها) عند الله وعند النّاس (نقاوة) - بفتح النون وضمّها- أي: نظافة (الثّوب) ؛ أي: كونه نقيّا من الوسخ والنّجاسة. قال الخفاجي: وفي «البستان» : يستحبّ للرّجل الذي له مروءة وعلم أن تكون ثيابه نقيّة من غير كبر، ورأى النّبيّ ﷺ رجلا وسخت ثيابه، فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقّي ثيابه» . وقال أيضا: «ما على الرّجل حرج أن يتّخذ ثوبين سوى

стр. 439

والتّوسّط في جنسه، وكونه لبس مثله.. غير مسقط لمروءة جنسه. وفي «المواهب» : إنّ الجمال في الصّورة واللّباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذمّ، ومنه ما لا يتعلّق به مدح ولا ذمّ: فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله تعالى، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له؛ كما كان ﷺ يتجمّل للوفود، ... ثوبي مهنته» . وفي المثل: «المروءة الظّاهرة في الثّياب الطّاهرة» . انتهى كلام الخفاجي. (والتّوسّط في جنسه) ، أي: المحمود في اللّباس استعمال الوسط منه، فلا يكون نفيسا جدّا ولا خسيسا، لورود الذّمّ عن لبس الشّهرتين. قال النووي: كانوا يكرهون الشّهرتين: الثّياب الجياد والثّياب الرّذلة، إذ الأبصار تمتدّ إليهما جميعا، وبهذا ورد الحديث. انتهى؛ نقله الزرقاني على «المواهب» . (وكونه لبس) - بضم فسكون- (مثله) ، أي: ممّا تلبسه أمثاله حال كونه (غير مسقط لمروءة جنسه) ، أي: لا يعدّ مسقطا لمروءة أمثاله، فينبغي أن يوافق أمثاله في لباسهم ولا يخالفهم؛ فيوقع النّاس في الفتنة. (و) قال القسطلّاني (في «المواهب) اللدنيّة» : (إنّ الجمال في الصّورة) لتحسينها بإزالة الشّعث، (و) في (اللّباس) بكونه ليس جنس لابسه. (والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذمّ، ومنه ما لا يتعلّق به مدح ولا ذمّ) فهو جائز. (فالمحمود منه: ما كان لله وأعان على طاعة الله تعالى وتنفيذ أوامره والاستجابة) ؛ أي: الإجابة (له، كما كان ﷺ يتجمّل للوفود) لملاقاتهم، استعانة على تنفيذ أوامر الله تعالى، لما جرت به عادة البشر من انقيادهم لصاحب الهيئة وقبول كلامه.

стр. 440

وهذا نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب، والخيلاء فيه؛ فإنّ ذلك محمود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله تعالى، ونصر دينه، وغيظ عدوّه. والمذموم منه: ما كان للدّنيا، والرّئاسة، والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه. وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرّد عن الوصفين، وقد كان النّبيّ ﷺ لا يضيّق بالاقتصار بالاقتصار على صنف من اللّباس بعينه، ولا يطلب النّفيس الغالي، بل يستعمل ما تيسّر. (وهذا نظير لباس آلة الحرب للقتال) لإعلاء كلمة الله تعالى، وتخويف أعدائه، (ولباس الحرير في الحرب) على قول من أجازه، (والخيلاء) : التبختر (فيه) وإظهار العجب، (فإنّ ذلك محمود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله تعالى) : الشّهادة له بالوحدانيّة ولنبيّه بالرّسالة، (ونصر دينه وغيظ عدوّه. والمذموم منه) ؛ وهو النّوع الثّاني: (ما كان للدّنيا والرّئاسة والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه) ، فإنّ كثيرا من النّاس ليس له همّة في سوى ذلك، بئست الهمّة. كما قال الشّاعر يهجو: إنّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خزّ الثّياب وتشبعوا (وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ) ؛ وهو النّوع الثّالث (فهو: ما خلا عن هذين القصدين، وتجرّد عن) هذين (الوصفين) لا يحمد ولا يذمّ فهو جائز، (وقد كان النّبيّ ﷺ يتجوّز من اللباس؛ أي: يتوسّع و (لا يضيّق بالاقتصار على صنف من اللّباس بعينه، ولا يطلب النّفيس) أي: (الغالي) - بالغين المعجمة- (بل يستعمل ما تيسّر) بلا كلفة.

стр. 441

ثمّ قال: روى أبو نعيم في «الحلية» ... ولذا أورد البخاري في الباب حديث عمر في جلوس النّبيّ ﷺ في المشربة، لمّا حلف «لا يدخل على نسائه شهرا» ، وفيه: فدخلت فإذا النّبيّ ﷺ على حصير قد أثّر في جنبه، وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف، وإذا أهب معلقة وقرظ. وحديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: استيقظ النّبيّ ﷺ وهو يقول: «لا إله إلّا الله؛ ماذا أنزل اللّيلة من الفتن؟! ماذ أنزل من الخزائن؟! من يوقظ صواحب الحجر؟! كم من كاسية في الدّنيا عارية يوم القيامة» . ففيه التحذير من لبس رقيق الثّياب الواصفة للجسد، وهو وجه إدخاله في هذه التّرجمة. وروى أبو نعيم، وابن عدي؛ عن عبادة بن الصّامت- رضي الله تعالى عنه- قال: صلّى بنا رسول الله- ﷺ في شملة أراد أن يتوشّح بها فضاقت، فعقدها في عنقه هكذا- وأشار سفيان إلى قفاه- ليس له غيرها. (ثم قال) في «المواهب اللدنيّة» بعد نقل كلام «الشّفاء» السابق: وقد (روى أبو نعيم) الحافظ المؤرّخ أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، ولد سنة: - ٣٣٦- ستّ وثلاثين وثلثمائة هجرية، وكان من الثّقات المعروفين بالحفظ والإتقان. ومن مؤلّفاته «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» ، و «معرفة الصّحابة» و «طبقات المحدّثين والرواة» و «دلائل النّبوّة» و «ذكر أخبار أصبهان» . وكانت وفاته سنة: - ٤٣٠- ثلاثين وأربعمائة؛ (في) كتاب ( «الحلية» ) الذي قيل فيه: إنّه لم يصنّف مثله، ولما صنّفه حمل الكتاب في حياة مؤلّفه إلى نيسابور فاشتروه بأربعمائة دينار. وهو كتاب حسن معتبر يتضمن أسامي جماعة من الصّحابة والتّابعين، ومن بعدهم من الأئمّة الأعلام المحقّقين والمتصوّفة والنّسّاك، وبعض أحاديثهم وكلامهم، رحمه الله تعالى.

стр. 442

عن ابن عمر مرفوعا: «إنّ من كرامة المؤمن على الله .. نقاء ثوبه، ورضاه باليسير» . وله من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقّي به ثيابه؟» . قال: وكانت سيرته ﷺ في ملبسه أتمّ وأنفع للبدن وأخفّ عليه؛ فإنّه لم تكن عمامته بالكبيرة الّتي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للآفات، ... (عن ابن عمر) بن الخطاب (مرفوعا) قال: ( «إنّ من كرامة المؤمن على الله - أي: نفاسته وعزّته، أي: من حسن حاله الّذي يثيبه عليه، ويصير به مقرّبا عنده- (نقاء ثوبه) - أي: نظافته ونزاهته عن الأدناس- (ورضاه) - بالقصر- (باليسير) ؛ من ملبس ومأكل ومشرب أو من الدّنيا، قيل: دخل زائر على أبي الحسن العروضيّ؛ فوجده عريانا!! فقال: نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال القاضي أبو الطيّب: قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت وزرّروا الأبوابا (وله) أيضا؛ (من حديث جابر) - رضي الله تعالى عنه- (أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه؛ فقال: «أما وجد) - وفي نسخة: «أما رأى» - (هذا شيئا ينقّي به ثيابه» .) استفهام توبيخي على وسخ ثوبه، ولم يخاطبه لئلّا ينكسر خاطره، وإشارة إلى أنّ الحكم لا يختصّ به. (قال) في «المواهب» أيضا: (و) قد (كانت سيرته ﷺ في ملبسه أتمّ) : اسم تفضيل، وكذا قوله (وأنفع للبدن، وأخفّ عليه) ، والمفضّل عليه محذوف؛ أي: ممّا جرت العادة بلبسه. (فإنّه لم تكن عمامته بالكبيرة الّتي يؤذي حملها) حاملها (ويضعفه، ويجعله عرضة للآفات) كصداع ومرض عين وزكام؛ كما يشاهد من حال أصحابها.

стр. 443

ولا بالصّغيرة الّتي تقصر عن وقاية الرّأس من الحرّ والبرد، وكذلك الأردية والأزر أخفّ على البدن من غيرها، ولم يكن ﷺ يطوّل أكمامه ويوسّعها) انتهى. (ولا بالصّغيرة الّتي تقصر عن وقاية) - بكسر الواو، وفتحها لغة-: حفظ (الرّأس من الحرّ والبرد) ، بل كانت وسطا بين ذلك، (وكذلك الأردية) : جمع رداء، (والأزر) : جمع إزار، (أخفّ على البدن من غيرها) كالجوخ والفراء، (ولم يكن ﷺ يطوّل أكمامه ويوسّعها) ، بل كان كمّ قميصه إلى الرّسغ كما سيأتي. قال ابن القيّم: وأمّا هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج، وعمائم كالأبراج!! فلم يلبسها ﵊ هو ولا أحد من أصحابه، وهي مخالفة لسنّته؛ وفي جوازها، فإنّها من جنس الخيلاء. انتهى. قال صاحب «المدخل» : ولا يخفى على ذي بصيرة أن كمّ بعض من ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهيّ عنه، لأنّه قد يفصّل من ذلك الكم ثوب لغيره. انتهى. وهو حسن. لكن حدث للنّاس اصطلاح بتطويلها، وصار لكلّ نوع من النّاس شعار يعرفون به، فيجوز لمن صارت شعاره، بل قد يطلب، لأن مخالفته تخلّ بمروءة صاحبه، وما كان من ذلك على سبيل الخيلاء؛ فلا شكّ في تحريمه؛ ولو كان شعارا، وما كان على طريق العادة! فلا تحريم فيه، بل يجوز ما لم يصل إلى جرّ الذّيل الممنوع منه. ونقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كلّ ما زاد على العادة للنّاس وزاد على المعتاد في اللّباس لمثل لابسه في الطّول والسّعة، فينبغي تجنّب ذلك. (انتهى) ؛ أي: كلام «المواهب» مع شيء من شرح الزّرقاني رحمهم الله تعالى. (و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، كلهم؛ عن أمّ سلمة- رضي الله تعالى عنها- قالت:

стр. 444

وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه.. القميص. و (القميص) : اسم لما يلبس من المخيط الّذي له كمّان وجيب، يلبس تحت الثّياب، ولا يكون من صوف. كذا في «القاموس» . (كان أحبّ الثّياب) جمع ثوب، وهو: اسم لما يستر به الشّخص نفسه؛ مخيطا كان أو غيرها- (إلى رسول الله ﷺ يلبسه) ؛ جملة حالية عن «أحب الثياب» وتذكير الضمير!! باعتبار الثوب، (القميص) وفيه إشعار بما لأجله كان أحبّ إليه، إنّه كان يحبّه للبسه؛ لا لنحو إهدائه، فهو أحبّ إليه لبسا، وقوله «أحبّ» اسم «كان» ؛ فيكون مرفوعا، والقميص خبرها؛ فيكون منصوبا، وهو المشهور في الرّواية، وقيل عكسه، أي: بنصب «أحبّ» على أنّه الخبر، ورفع «القميص» على أنّه اسم «كان» ، قال الزرقاني: ورجّح بأنّه وصف، فهو أولى بكونه حكما. ولا يرد عليه أن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين منع تقديم الخبر!! لأنّ محله حيث لا ناسخ؛ كما في قوله (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ) [١٥/ الأنبياء] ، (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) [١٤٧/ آل عمران] . انتهى. ومعنى كون القميص أحبّ- كما قال المناوي وغيره-: أنّه كان يميل إلى لبسه أكثر من غيره، لأنّه أستر للبدن من الإزار والرّداء، لاحتياجهما إلى حلّ وعقد، بخلاف الثّوب، ولخفّة مؤنته وخفّته على البدن، ولابسه أقلّ كبرا من لابس غيره. فالقميص أحبّها إليه لبسا، والحبرة أحبّها إليه رداء، فلا يعارض حديث أنس الآتي: كان أحبّ الثياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه الحبرة. أو أن القميص أحبّ المخيط، والحبرة أحبّ غيره، انتهى. (والقميص) - جمعه قمصان وقمص بضمّتين- وهو: (اسم لما يلبس من المخيط الّذي له كمّان وجيب) غير مفرّج؛ (يلبس تحت الثياب، ولا يكون) إلّا من قطن، أمّا (من صوف!) فلا؛ (كذا في «القاموس» ) ، مأخوذ من التقمّص

стр. 445

ولم يكن له ﷺ سوى قميص واحد؛ فقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، ولا اتّخذ من شيء زوجين، ولا قميصين ولا رداءين ولا إزارين، ولا زوجين من النّعال. وكان كمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّسغ. بمعنى التقلّب؛ لتقلّب الإنسان فيه. وقيل: سمّي باسم الجلدة الّتي هي غلاف القلب، فإن اسمها القميص، وهو مذكّر، وقد يؤنّث، والظّاهر أنّ المراد في الحديث القطن والكتّان؛ دون الصوف، لأنّه يؤذي البدن ويدرّ العرق، ويتأذّى بريح عرقه المصاحب. (و) قال الباجوري كالمناوي: (لم يكن له ﷺ سوى قميص واحد؛ فقد ورد) في «الوفا» بسنده؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء؛ ولا عشاء لغداء، ولا اتّخذ من شيء زوجين؛ ولا قميصين، ولا رداءين، ولا إزارين، ولا زوجين من النّعال) . انتهى كلامهما. قال المصنف في «جواهر البحار» بعد ذكره ذلك: وقد صرح بعض الأئمّة بضعف هذا الحديث. (و) أخرج أبو داود، والتّرمذي في «الجامع» - وقال: حسن غريب، وفي «الشّمائل» واللّفظ لها- ورواه أيضا البيهقي في «الشّعب» ؛ كلهم عن أسماء بنت يزيد الأنصارية- رضي الله تعالى عنها- قالت: (كان كمّ) - بالضم وتشديد الميم- (قميص) - وفي رواية: «كان كمّ يد» - (رسول الله ﷺ - قال الزّين العراقي: رواية التّرمذي في «الشمائل» مقيّدة بالقميص، وروايته في «الجامع» مطلقة، فيحتمل حملها عليه، ويحتمل العموم- (إلى الرّسغ) - بضم الرّاء وسكون السّين أو الصّاد لغتين، ثم غين معجمة بزنة قفل. قال الزّرقاني: وبالضّاد رواه الترمذي، وأبو داود، وبالسّين غيرهما-.

стр. 446

و (الرّسغ) : مفصل ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان. وكان رسول الله ﷺ كمّه مع الأصابع. وحكمة كونه إلى الرّسغ: أنّه إن جاوز اليد منع لابسه سرعة الحركة والبطش، وإن قصر عن الرّسغ! تأذّى السّاعد ببروزه للحرّ والبرد، فكان جعله إلى الرّسغ وسطا، وخير الأمور أوساطها، فينبغي لنا التأسّي به. ولا يعارض هذه الرّواية رواية «أسفل من الرسغ» ! لاحتمال تعدّد القميص، أو المراد: التقريب، أو الاختلاف بحسب أحوال الكمّ، فحال جدّته وعقب غسله يكون أطول لعدم تثنّيه وتجعّده، وإذا بعد عن ذلك تثنّى وقصر. ولا يعارضه أيضا ما رواه الحاكم وصحّحه، وأبو الشّيخ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما-: أنّ رسول الله ﷺ لبس قميصا وكان فوق الكعبين، وكان كمّه إلى الأصابع.! لأنّ الرّسغ مخصوص بقميص السّفر، أما في الحضر فكان يلبس قميصا من قطن فوق الكعبين؛ وكمّاه مع الأصابع، كما جمع بينهما بذلك بعضهم؛ نقله الجلال السيوطي قائلا: ويؤيده ما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي؛ عن علي: أنه كان يلبس القميص ثم يمدّ الكمّ حتّى إذا بلغ الأصابع قطع ما فضل؛ ويقول: «لا فضل للكمّين على الأصابع» . انتهى. ويجري ذلك في أكمامنا. قال الحافظ زين الدّين العراقي: ولو أطال أكمام قميصه حتّى خرجت عن المعتاد؛ كما يفعله كثير من المتكبّرين!! فلا شكّ في حرمة ما مسّ الأرض منها بقصد الخيلاء، وقد حدث للناس بتطويلها، فإن كان من غير قصد الخيلاء بوجه من الوجوه! فالظاهر عدم التحريم. انتهى. (والرّاسغ) - بالسّين والصّاد لغتان صحيحتان-: (مفصل) - بزنة مسجد- (ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان) ، وهو مختصّ في الآدميّ باليد؛ دون الرّجل. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي: (كان رسول الله ﷺ كمّه مع الأصابع) ؛

стр. 447

وكان قميصه ﷺ فوق الكعبين، وكان كمّه مع الأصابع. وكان ﷺ إذا لبس قميصا.. بدأ بميامنه. وعن قرّة ... ورمز له برمز الحاكم، وهذا قطعة من الحديث الآتي بعده. (و) أخرج الحاكم؛ عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: (كان قميصه ﷺ فوق الكعبين) ؛ أي: إلى أنصاف ساقيه؛ كما في رواية: (وكان كمّه مع الأصابع) ؛ أي: مساويا لا يزيد ولا ينقص عنها، وقد علمت أنّ هذا محمول على حالة الحضر، فلا يعارض ما تقدّم أنّ كمّه إلى الرسغ. وقد أخرج البيهقي في «الشّعب» ؛ من طريق مسلم الأعور؛ عن أنس: أنّه ﷺ كان له فميص من قطن قصير الطّول قصير الكمّ. وأخرج أيضا؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان يلبس قميصا قصير الكمّين والطّول. انتهى «مناوي» . (و) أخرج التّرمذي في «جامعه» بسند- قال العراقي: رجاله رجال الصّحيح- وأخرجه النّسائي أيضا كلاهما؛ عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا لبس قميصا بدأ بميامنه) ؛ جمع ميمنة: كمرحمة ومراحم، والمراد بها هنا: جهة اليمين. فيندب التيامن في اللّبس كما يندب التياسر في النّزع، لخبر أبي داود؛ عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: كان إذا لبس شيئا من الثّياب بدأ بالأيمن، فإذا نزع بدأ بالأيسر. وله من حديث أنس: كان إذا ارتدى أو ترجّل بدأ بيمينه، وإذا خلع بدأ بيساره. قال الزّين العراقي: وسندهما ضعيف. (و) أخرج أبو داود، وابن ماجه، والتّرمذي في «الجامع» وصحّحه؛ وفي «الشّمائل» ، وابن حبّان وصحّحه أيضا؛ (عن قرّة) - بضم القاف وفتح الراء

стр. 448

ابن إياس رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة لنبايعه، وإنّ زرّ قميصه مطلق، قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه، فمسست الخاتم. المشددة- (ابن إياس) - بالكسر- ابن هلال المزني. صحابيّ نزل البصرة، ومات سنة: أربع وستين هجرية، خرّج له الأربعة (رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط) ، أي: مع رهط، فتكون «في» بمعنى «مع» ، كقوله تعالى (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ) [٣٨/ الأعراف] ؛ أي: مع أمم، والرّهط- بفتح الرّاء وسكون الهاء- اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ وهو من ثلاثة إلى عشرة أو إلى أربعين، ويطلق على مطلق القوم؛ كما في «القاموس» ، ولا ينافي التعبير ب «الرّهط» رواية أنّهم كانوا أربعمائة!! لاحتمال تفرّقهم رهطا رهطا؛ وقرّة كان مع أحدهم، أو أنّه مبنيّ على القول الأخير. (من مزينة) - بالتصغير- قبيلة من مضر، وأصله اسم امرأة. (لنبايعه) - أي: على الإسلام، وهو متعلّق بقوله «أتيت» - (وإنّ زرّ قميصه) بالإضافة (مطلق) - بلام- أي: غير مربوط، والجملة حال. (قال) : قرّة (فأدخلت يدي) - بصيغة الإفراد- (في جيب قميصه) ؛ أي: فتحته الّتي عند النّحر؛ إذ جيب القميص: ما ينفتح على النّحر، وجمعه: أجياب، وجيوب، ويطلق الجيب أيضا على ما يجعل في صدر الثّوب أو جنبه ليوضع فيه الشّيء، لكنّ المراد من الجيب في هذا الحديث طوقه المحيط بالعنق، وهذا يدلّ على أنّ جيب قميصه ﷺ على الصّدر كما هو المعتاد الآن؛ قال الجلال السّيوطي: وظنّ من لا علم عنده أنّه بدعة؛ وليس كما ظن. انتهى. (فمسست) - بكسر السّين الأولى في اللّغة الفصحى، وحكي فتحها- (الخاتم) ؛ أي: خاتم النّبوّة، والمسّ: الجسّ باليد، يقال: مسسته؛ إذا أفضيت إليه بيدك من غير حائل. هكذا قيّدوه، والظّاهر أنّ قرّة كان يعلم الخاتم،

стр. 449

وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ الحبرة بوزن عنبة- برد يمانيّ محبّر؛ أي: مزيّن محسّن. وكان لرسول الله ﷺ بردان أخضران، فيهما خطوط خضر ... وإنّما قصد التبرّك، ومن ثمّ اغتفر له ﷺ هذا الفعل الذي ينافيه جلالة منصبه الكبير، ورعاية الأدب معه، لا سيّما بحضرة النّاس. وفي هذا الحديث حلّ لبس القميص، وحلّ الزّرّ فيه، وحلّ إطلاقه، وسعة الجيب بحيث تدخل اليد فيه، وإدخال يد الغير في الطّوق لمسّ ما تحته تبرّكا، وكمال تواضعه ﷺ . (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنّسائي، والتّرمذي، في «الشمائل» ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ أن يلبسها- هذا لفظ رواية الشّيخين- (الحبرة) - بالنصب، خبر «كان» ، و «أحبّ» : بالرفع، اسمها، ويجوز عكسه- والحبرة؛ (- بوزن عنبة-: برد يمانيّ) من قطن (محبّر) - بالتّشديد- (أي: مزيّن محسّن) بخطوط حمر، والتّحبير: التّزيين والتّحسين، والظّاهر أنّه إنّما أحبّها للينها وحسن انسجام صنعتها وموافقتها لجسده الشّريف، فإنّه كان على غاية من النّعومة واللّين، فيوافقه اللّيّن النّاعم، وأمّا شديد الخشونة فيؤذيه، ولا يعارض ذلك ما تقدّم من أنّه كان الأحبّ إليه القميص، لأنّ ذلك بالنسبة لما خيط وهذا بالنّسبة لما يرتدي به، أو أنّ محبّته للقميص كانت حين يكون عند نسائه، والحبرة كانت حين يكون بين صحبه، على أنّ هذا الحديث أصحّ من حديث أمّ سلمة السّابق لاتّفاق الشّيخين عليه، فلا يعارضه الحديث السّابق، والله أعلم. (و) في «كشف الغمّة» للإمام الشّعرانيّ رحمه الله تعالى: (كان لرسول الله ﷺ بردان) - تثنية برد، وهو؛ كما في «القاموس» : ثوب مخطّط- (أخضران) ، أي: (فيهما خطوط خضر) ، أي: مخطّطان بخطوط خضر،

стр. 450

لا بحتا. وكان ﷺ يعجبه الثّياب الخضر. وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه حلّة حمراء ... (لا بحتا) - بفتح الموحّدة وسكون المهملة وفوقية، أي: خالصا، لما علمت أن البرد ثوب مخطّط، فتعقيبه بالخضرة يدلّ على أنّه مخطّط بها، ولو كان أخضر بحتا لم يكن بردا. روى التّرمذي في «جامعه» وفي «الشمائل» ؛ عن أبي رمثة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ ؛ وعليه بردان أخضران. (و) في «إحياء علوم الدين» للغزالي رحمه الله تعالى: (كان) رسول الله ﷺ يعجبه الثّياب الخضر) ، أغفله العراقيّ في تخريجه. وقد روى أبو الشّيخ وأبو نعيم في «الطب» من حديث أنس: كان أحبّ الألوان إليه الخضرة. أي: من الثّياب وغيرها، لأنّ الخضرة من ثياب الجنّة. قال ابن بطّال: وكفى به شرفا موجبا للمحبّة. ورواه كذلك البزار. وأخرج ابن عديّ والبيهقيّ؛ عن قتادة قال: خرجت مع أنس رضي الله تعالى عنه إلى أرض فقيل: ما أحسن هذه الخضرة! فقال أنس: كنا نتحدّث أنّ أحبّ الألوان إلى النبيّ ﷺ الخضرة. انتهى «شرح الإحياء» . (و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» بسنده؛ (عن أبي جحيفة) بتقديم الجيم على الحاء المهملة-: وهب بن عبد الله السّوائي- بضمّ المهملة والمدّ- مشهور بكنيته. ويقال له «وهب الخير» ، صحابيّ مشهور معروف، وصحب عليا ومات سنة: - ٧٤- أربع وسبعين هجرية. (رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ ، أي: في بطحاء مكّة في حجّة الوداع، كما صرّح به في رواية البخاريّ. (وعليه حلّة حمراء) ؛ أي: والحال أنّ عليه حلّة حمراء،

стр. 451

كأنّي أنظر إلى بريق ساقيه. و (الحلّة) بالضّمّ: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلّا من ثوبين، أو ثوب له بطانة. فالجملة حالية، (كأنّي أنظر إلى بريق) لمعان (ساقيه) . والظّاهر أنّ «كأنّ» للتّحقيق، لأنّها قد تأتي لذلك، وإنّما نظر إلى بريق ساقيه! لكون الحلّة كانت إلى أنصاف ساقيه الشّريفتين. وهذا يدلّ على جواز النظر إلى ساق الرّجل، وهو إجماع حيث لا فتنة؛ ويؤخذ منه ندب تقصير الثّياب إلى أنصاف السّاقين، فيسنّ للرّجل أن تكون ثيابه إلى نصف ساقيه، ويجوز إلى كعبيه، وما زاد حرام إن قصد به الخيلاء. وإلّا كره، ويسنّ للأنثى ما يسترها، ولها تطويله ذراعا على الأرض، فإن قصدت الخيلاء! فكالرّجل. وهذا التفصيل يجري في إسبال الأكمام وتطويل عذبة العمائم، وعلى قصد الخيلاء يحمل ما رواه الطّبراني: «كلّ شيء مسّ الأرض من الثّياب فهو في النّار» . وما رواه البخاريّ: «ما أسفل من الكعبين من الإزار في النّار» . أي: محلّه فيها فتجوّز به عن محله. (و) في «القاموس» (الحلّة- بالضّمّ-: إزار ورداء) مثلا، برد أو غيره، وإلا فمتى وجد ثوبان على البدن كانا حلّة، على ما يفيده قوله: (ولا تكون) ، أي: توجد (حلّة إلّا من ثوبين، أو ثوب له بطانة) . وفي «المصباح» : الحلة لا تكون إلّا من ثوبين من جنس واحد، والجمع حلل كغرفة وغرف. وفي «الفتح» : قال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن، والحلّة: إزار ورداء. ونقله ابن الأثير وزاد: إذا كان من جنس واحد، وقال ابن سيده في «المحكم» : الحلّة برد أو غيره. وحكى عياض: أنّ أصل تسمية الثّوبين «حلّة» أنّهما يكونان جديدين كما حل خيطهما، وقيل: لا يكون الثّوبان حلّة حتّى يلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حلّ عليه، والأوّل أشهر. انتهى.

стр. 452

وكان رسول الله ﷺ يكسو بناته خمر القزّ والإبريسم. و (الخمر) - ك «كتب» ، جمع خمار- وهو: ما تغطّي به المرأة رأسها. قال سفيان أحد رواة هذا الحديث: أظنّ هذه الحلّة الحمراء المذكورة في الحديث مخطّطة؛ لا حمراء قانية. انتهى. وهذا بناء على مذهبه من حرمة الأحمر البحت، أي: الخالص. وقال ابن القيّم: غلط من ظنّ أنّها حمراء بحت لا يخالطها غيرها، وإنّما الحلّة الحمراء بردان يمانيّان مخطّطان بخطوط حمر مع سود، وإلّا؛ فالأحمر البحت منهيّ عنه أشدّ النّهي، فكيف يظنّ بالنّبيّ ﷺ أنّه لبسه؟! وردّ هذا بأنّ حمل الحلّة على ما ذكر مجرّد دعوى، والنهي عن الأحمر البحت للتّنزيه؛ لا للتّحريم، ولبسه ﷺ للأحمر القاني مع نهيه عنه!! لتبيين الجواز، فقد ردّه الطبراني؛ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان يلبس يوم العيد بردة حمراء، قال الهيثمي: ورجاله ثقات، فالصّحيح جواز لبس الأحمر؛ ولو قانيا، انتهى «باجوري» مع زيادة. (و) أخرج ابن النجار في «تاريخه» ؛ عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله ﷺ يكسو بناته خمر) - بخاء معجمة مضمومة- (القزّ) - بفتح القاف وشدّ الزّاي؛ معرّب- (والإبريسم) . قال الليث: القزّ هو ما يعمل منه الإبريسم. ولهذا قال بعضهم: القزّ والإبريسم مثل الحنطة والدّقيق، فالإبريسم ما يؤخذ من القزّ كأخذ الدّقيق من الحنطة. وفيه أن استعمال القزّ والحرير جائز للنّساء. (والخمر) - بضمتين- (ك: «كتب» ؛ جمع خمار) ككتاب، (وهو: ما تغطّي به المرأة رأسها) ، واختمرت وتخمّرت: لبست الخمار. انتهى «مناوي» .

стр. 453

وكان يتّبع الحرير من الثّياب.. فينزعه. وكان قيمة ثوبه ﷺ عشرة دراهم. وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه أسمال مليّتين. وقوله (مليّتين) - تصغير ملاءة- وهي: كلّ ثوب لم يضمّ بعضه إلى بعض بخيط، بل كلّه نسج واحد. (و) أخرج الإمام أحمد في «مسنده» بإسناد حسن؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ (يتّبع) - بفتح أوّله وتشديد ثانيه، وقيل: بفتح أوّله وسكون ثانيه- (الحرير من الثّياب) ، أي: الحرير الخالص أو ما أكثره حرير، (فينزعه) ، أي: يأمر بنزعه عن الرّجال، ويمنعهم من لبسه، لما في الحرير من الخنوثة التي لا تليق بشهامة الرّجال، فيحرم لبسه على الرّجال. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي: (كان قيمة ثوبه ﷺ عشرة دراهم، و) أخرج التّرمذي في «الشمائل» بسنده؛ (عن قيلة) - بقاف مفتوحة ومثنّاة تحتية ساكنة- (ابنت مخرمة) - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الرّاء والميم- السرية، وقيل: العنبريّة، وقيل: القنويّة، صحابيّة لها حديث طويل في الصّحاح، خرّج لها البخاريّ في «الأدب» ، وأبو داود؛ (رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه أسمال مليّتين) ، أي: والحال أنّ عليه أسمال مليّتين، والأسمال: جمع سمل- بسين مهملة وميم مفتوحة- كسبب وأسباب، وهو: الثّوب الخلق، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، فيصدق بالاثنين وهو المتعيّن هنا، لأنّ إضافته إلى المليّتين للبيان. (وقوله «مليّتين» ) تثنية مليّة بضمّ الميم وفتح اللّام وتشديد الياء المفتوحة- وهي (تصغير ملاءة) بضم الميم والمدّ؛ لكن بعد حذف الألف، (وهي) ، أي: الملاءة؛ كما في «القاموس» . (كلّ ثوب لم يضمّ بعضه إلى بعض بخيط، بل كلّه نسج واحد) . وفي

стр. 454

وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ خرج وهو يتوكّأ على أسامة رضي الله تعالى عنه، وعليه ثوب «النّهاية» : هي الإزار، وفي «الصحاح» : الملحفة، ولا تدافع، لصدقها على التعريف الأوّل «بكل» ، وتمام الحديث بعد قوله «مليّتين» : كانتا بزعفران وقد نفضته، وفي الحديث قصّة طويلة. انتهى كلام «الشمائل» . ومعنى قوله «كانتا بزعفران» ؛ أي: كانت المليّتان مصبوغتين بزعفران، وقوله «وقد نفضته» ؛ أي: وقد نفضت الأسمال الزعفران، ولم يبق منه إلّا الأثر القليل؛ فلبسه ﷺ لهاتين المليتّين، لا ينافي نهيه عن لبس المزعفر، لأنّ النهي محمول على ما إذا بقي لون الزّعفران براقا، بخلاف ما إذا نفض وزال عن الثّوب ولم يبق منه إلا الأثر اليسير، فليس هذا منهيّا عنه. (و) أخرج التّرمذي في «الشمائل» بسنده؛ (عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ خرج) ؛ أي: من بيته (وهو يتوكّأ) هكذا هو في «الشّمائل» في باب الاتكاء: من التوكّؤ، ومنه قوله تعالى (أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها) [١٨/ طه] . وفي نسخة من «الشمائل» : يتّكىء من الاتّكاء، ومنه قوله تعالى (مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) [١٣/ الإنسان] وفي نسخة: وهو متوكّىء بصيغة اسم الفاعل؛ وكلها بمعنى واحد، وهو الاعتماد، أي: يعتمد لضعفه من المرض (على أسامة) بن زيد بن حارثة بن شراحيل القضاعيّ الكلبي، صحابيّ مشهور، مولى رسول الله ﷺ وابن مولاه وابن مولاته أم أيمن، وحبّه وابن حبّه، أمّره ﷺ على جيش فيه عمر ﵁؛ وعمره دون عشرين سنة، مات سنة: - ٥٤- أربع وخمسين، عن خمس وسبعين سنة بالمدينة المنورة، (رضي الله تعالى عنه) وعن والده آمين. وخروجه ﷺ ذلك في مرض موته، بدليل ما رواه الدارقطني: أنّه خرج بين أسامة والفضل وزيد إلى الصّلاة في المرض الّذي مات فيه، ويحتمل أنّه في مرض غيره؛ (وعليه) ، أي: على النّبيّ ﷺ (ثوب) - بالتّنوين، والجملة حاليّة من

стр. 455

قطريّ قد توشّح به.. فصلّى بهم. و (قطريّ) : نسبة إلى القطر؛ وهو: نوع من البرود اليمانيّة تتّخذ من قطن، وفيه حمرة وأعلام مع خشونة. و (توشّح به) أي: ... ضمير «خرج» أو «يتوكّأ» - (قطريّ) - بقاف مكسورة وطاء مهملة ساكنة بعدها راء- (قد توشّح) ، أي: تغشى (به) - والجملة صفة- (فصلّى بهم) ، أي: بالنّاس. وقد أخرج ابن سعد؛ من طريق أبي ضمرة اللّيثي؛ عن حميد؛ عن أنس أنّه قال: آخر صلاة صلّاها رسول الله ﷺ مع القوم في مرضه الّذي قبض فيه، في ثوب واحد متوشّحا به قاعدا. (و) قوله (قطريّ) - بكسر القاف وإسكان الطّاء بعدها راء، ثم ياء النّسبة-: (نسبة إلى القطر) - بكسر القاف وسكون الطّاء بعدها راء- (وهو: نوع من البرود اليمانيّة) - نسبة لليمن على غير قياس- (تتّخذ من قطن، وفيه حمرة وأعلام مع خشونة) ، ونوع من حلل جياد يحمل من بلد بالبحرين اسمها قطر- بفتحتين-، فكسرت القاف للنّسبة وسكّن الطّاء على خلاف القياس، كذا قاله شراح «الشمائل» كالمناوي، وعلي القاري، والباجوري، وغيرهم، وتبعتهم وهو غير جيد. والمعتمد عندي هو القول الثّاني وهو أن الثوب القطريّ منسوب إلى قطر بفتحتين- إقليم بجهة البحرين من الخليج العربيّ، ويقرأ هكذا: ثوب قطريّ؛ بفتح القاف وبفتح الطّاء المهملة وكسر الرّاء، وآخر ياء، نسبة إلى قطر بفتحتين-، البلد المعروف في الخليج العربيّ، وهو مشهور بصنع البرود والثّياب من قديم الزّمان إلى عصرنا الحاضر، لكن لمّا كثرت الثّياب المستوردة من الخارج؛ وهي أنضر وأقلّ ثمنا؛ آثروها على صنع بلادهم، فقلّت صنعة الثّياب عندهم، وكل ذلك مكيدة من الكفّار لأهل الإسلام، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. (و) قوله (توشّح به) - بتشديد الشّين المعجمة- قال الباجوري: (أي:

стр. 456

وضعه فوق عاتقيه، أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود. و (المرط) : كساء طويل واسع. وعن المغيرة بن شعبة ... وضعه فوق عاتقيه) - تثنية عاتق- وهو: ما بين المنكب والعنق، يذكّر ويؤنّث، (أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه) . انتهى. (و) أخرج مسلم، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» (عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها قالت: «خرج رسول الله ﷺ ، أي: من بيته (ذات غداة) ؛ العرب تستعمل ذات يوم وذات ليلة ويريدون حقيقة المضاف إليه نفسه، وما هنا كذلك، فلفظ «ذات» مقحم للتأكيد، والمعنى: خرج بكرة (وعليه مرط) كمسك (من شعر) - بفتح العين المهملة وتسكن- (أسود) - بالرفع على أنه صفة «مرط» ، أو بالجر بالفتحة على أنه صفة شعر، والجملة حال من فاعل «خرج» ، وفي «الصحيحين» : كان له كساء يلبسه، ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» . وكان يلبس الكساء الخشن، ويقسم أقبية الخزّ المخوّصة بالذّهب في أصحابه، ولم تطلب نفسه التغالي في اللّباس والمباهاة فيه، لأنّ المحمود للرجال نقاوة الثّوب والتوسّط في جنسه، وعدم إسقاطه لمروءة لابسه كما مرّ. (والمرط) - بكسر فسكون- هو: (كساء طويل واسع) ؛ من خزّ أو صوف أو شعر أو كتّان، يؤتزر به. (و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» مختصرا باللّفظ الّذي أورده المصنّف، وهو في «الصّحيحين» وغيرهما مطول؛ (عن المغيرة بن شعبة) الثقفي الكوفي.

стр. 457

رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ لبس جبّة روميّة ضيّقة الكمّين. صحابيّ مشهور، وكان من خدم المصطفى ﷺ ، وأسلم عام الخندق، وأخرج له الستّة، وروي له عن رسول الله ﷺ مائة وستّة وثلاثون حديثا، اتفق البخاريّ ومسلم منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بحديثين. قيل: إنه أحصن ألف امرأة في الإسلام، وولاه عمر بن الخطاب البصرة مدّة، ثم نقله عنها فولّاه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قتل عمر، فأقرّه عليها عثمان ثم عزله، وشهد اليمامة وفتح الشّام، وذهبت عينه يوم اليرموك، وشهد القادسيّة، وشهد فتح نهاوند، واعتزل الفتنة، وشهد الحكمين، ثم استعمله معاوية على الكوفة، فلم يزل عليها حتى توفّي بها سنة خمسين، قالوا: هو أوّل من وضع ديوان البصرة، وهو أحد دهاة العرب (رضي الله تعالى عنه) . وهم أربعة كما قيل: من العرب العرباء قد عدّ أربع ... دهاة فما يؤتى لهم بشبيه معاوية عمرو بن عاص مغيرة ... زياد هو المعروف بابن أبيه (أنّ النّبيّ ﷺ لبس) ؛ أي: في السّفر، قالوا: وكان ذلك في غزوة تبوك. (جبّة) - بضمّ الجيم وتشديد الموحدة- (روميّة) ؛ نسبة للروم. قال الحافظ ابن حجر: وفي أكثر روايات «الصحيحين» وغيرهما جبّة شاميّة؛ نسبة للشّام!! ولا تناقض؛ لأن الشّام كانت يومئذ مساكن الرّوم، وإنّما نسبت إلى الرّوم أو إلى الشّام لكونها من عمل الرّوم الّذين كانوا في الشّام يومئذ، وهذا يدلّ على أنّ الأصل في الثّياب الطّهارة؛ وإن كانت من نسيج الكفّار، لأنّه ﷺ لم يمتنع من لبسها مع علمه بمن جلبت من عندهم؛ استصحابا للأصل. (ضيّقة الكمّين) بيان لقوله «روميّة» ؛ أي: بحيث إذا أراد إخراج ذراعيه لغسلهما تعسّر، فيعدل إلى إخراجهما من ذيلها، ويؤخذ منه- كما قاله العلماء-: أنّ ضيق الكمّين مستحب في السّفر؛ لا في الحضر، وإلّا! فكانت أكمام الصّحب بطاحا؛ أي: واسعة.

стр. 458

و (الجبّة) : ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته من صوف. وكان كمّه ﷺ إلى الرّسغ، ولبس القباء والفرجيّة، ولبس جبّة ضيّقة الكمّين في سفره. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: ... (والجبّة) من الملابس معروفة، والجمع جبب، ك: «غرفة وغرف» ؛ قاله في «المصباح» . وقيل: هي (ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته) - بالكسر-: ما يظهر للعين، وهو خلاف البطانة (من صوف. و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان كمّه ﷺ إلى الرّسغ) - بضمّ الرّاء وسكون السّين المهملة، آخره غين معجمة- بوزن قفل، وهو: مفصل ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان، وقد تقدّم الكلام على ذلك. (ولبس) ﷺ (القباء) - بفتح القاف والموحدة، ممدودا-: هو الثّوب المشقوق من أمام كالجبّة المعهودة، (و) لبس (الفرجيّة، ولبس جبّة) شاميّة (ضيّقة الكمّين في سفره) ؛ كما في «الصّحيحين» وغيرهما، وقد تقدّم آنفا. (و) أخرج مسلم في «صحيحه» ؛ (عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق (رضي الله تعالى عنهما) امرأة الزّبير بن العوّام. أسلمت قديما بعد سبعة عشر إنسانا، وهي أسنّ من عائشة، وهي أختها لأبيها، وكان عبد الرّحمن بن أبي بكر أخو أسماء شقيقها. سمّاها رسول الله ﷺ «ذات النّطاقين» ، لأنّها صنعت للنّبي ﷺ ولأبيها سفرة لمّا هاجرا؛ فلم تجد ما تشدّها به؛ فشقّت نطاقها وشدّت به السّفرة، فسمّاها النّبيّ ﷺ ذات النطاقين. هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزّبير، فولدته بعد الهجرة، فكان أوّل مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة من المهاجرين، وبلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سنّ، ولم ينكر من عقلها شيء.

стр. 459

أنّها أخرجت جبّة طيالسة كسروانيّة، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالدّيباج، ... روي لأسماء عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثا. وتوفّيت بمكّة في جمادى الأولى سنة: - ٧٣- ثلاث وسبعين، بعد قتل ابنها عبد الله بيسير رضي الله تعالى عنها. وذلك فيما رواه عنها عبد الله مولاها قال: (إنّها أخرجت) إلينا (جبّة) بإضافة جبة إلى (طيالسة) - لا بالتنوين-، وهي نوع من الثّياب لها علم. والطيالسة: جمع طيلسان- بفتح اللام على المشهور-. (كسروانيّة) - بكسر الكاف وفتحها والسّين ساكنة والرّاء مفتوحة- نسبة إلى كسرى ملك الفرس- بكسر الكاف وفتحها-؛ فهما في كسروانية على اللغتين في المنسوب إليه، (لها لبنة) بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة- أي: رقعة (ديباج) في جيب القميص «١» ، والدّيباج- بفتح الدال وكسرها-: جمعه ديابيج، وهو عجمي معرّب، وهو نوع من ثياب الإبريسم، (وفرجاها مكفوفان) - وفي رواية: وفرجيها مكفوفين؛ بالنّصب: مفعول لفعل محذوف، أي: ورأيت فرجيها مكفوفين. وفي رواية: وفروجها مكفوفة- (بالدّيباج) ؛ أي: عمل على جيبها وكمّيها وذيلها وفرجيها كفاف من حرير، وكفّة كل شيء- بالضمّ-: طرفه وحاشيته. قاله الزرقاني على «المواهب» . وقال الأبّي؛ نقلا عن القاضي عياض: الفرج في الثوب: الشقّ في أسفله من خلف وأمام، وإنّما يكون في الأقبية من ملابس العجم. ومعنى مكفوفين: جعل منهما كفّة- بالضمّ-: وهو ما يكفّ به جوانبها، وكل شيء مستطيل كفّة بالضمّ-. قال الخطابي: والمكفّف بالحرير: ما اتّخذ جيبه منه؛ وكان لذيله وأكمامه كفاف منه. قال السّيّد العلّامة محمّد بن أحمد عبد الباري الأهدل في «نشر

стр. 460

قالت: هذه جبّة رسول الله ﷺ ، كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت.. قبضتها، وكان النّبيّ ﷺ يلبسها، ... الأعلام» . يحلّ تطريف، - أي: تسجيف- للكمّين والطّوق، والجيب، والذّيل؛ بالحرير قدر العادة الغالبة لأمثاله في تلك النّاحية؛ وإن جاوز أربع أصابع، فإن جاوز العادة! حرم. ويحلّ تطريز وترقيع قدر أربع أصابع مضمومة معتدلة، ولو تعدّد؛ فالأصح الجواز بشرط أن لا يزيد المجموع على ثمان أصابع؛ وإن زاد على طرازين، فلو كان في طرفي العمامة علم كل واحد منهما أربع أصابع؛ جاز، وإلّا! فلا. والتطريز: جعل الطراز الذي هو حرير خالص مركبا على الثّوب. أما التّطريز بالإبرة! فكالنسج، فيعتبر الأكثر و؟؟ زنا منه ومما طرز فيه، وكذا يعتبر الوزن أيضا في الأردية الثّمينة المنسوج فيها حاشية من حرير؛ وإن زادت على أربع أصابع، أخذا مما ذكروه في تعريف الطراز. والظّاهر أنّ الحظاية المعروفة التي تركّب في طرف العمامة يجري فيها تفصيل الطراز، فإن كان عرضها أربع أصابع فأقلّ؛ حلّت، وإلّا! فلا. هذا إذا كانت الحظاية حريرا خالصا، أما إذا نسج معها كتّان أو قطن؛ فيعتبر فيها مع الثّوب الوزن. انتهى كلام السيد في «نشر الأعلام» . (قالت) أي؛ أسماء: (هذه جبّة رسول الله ﷺ كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت) عائشة، أي؛ ماتت رضي الله تعالى عنها (قبضتها) بضمّ المثنّاة الفوقيّة- أي: أخذت الجبّة المذكورة. (وكان النّبيّ ﷺ يلبسها) - بفتح الموحدة- مضارع لبس- بكسر الموحّدة- من اللّباس، فإن كان من اللّبس- بفتح اللّام- بمعنى الخلط؛ فيقال فيه: لبس- بفتح الباء- في الماضي، يلبس- بكسر الموحدة- في المضارع، قال تعالى (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) (٩) [الأنعام] . وقد نظم حاصل هذا بعضهم فقال: لعين مضارع في لبس ثوب ... أتى فتح وفي الماضي بكسر
следующие страницы →