قلت: وقد أجاز كذلك جماعة من المتأخرين الحفّاظ؛ كالحافظ السيوطي، فأجاز لمن أدرك عصره، وأجاز كذلك ابن حجر الهيتمي في آخرين.
انتهى كلام ابن علان في «شرح الأذكار» رحمه الله تعالى.
وفي «النفس اليماني» : وقد اختار الخطيب صحّة هذه الإجازة، وكذلك الحافظ ابن منده؛ فإنّه أجاز لمن قال «لا إله إلا الله» . وإلى هذا ذهب الحافظ السلفي. وقال القاضي عياض: وإلى الإجازة للمسلمين «من وجد منهم ومن لم يوجد» ذهب جماعة من مشايخ الحديث. وذكر الحافظ السخاوي أنّ الإمام النووي استعملها، فإنّه رأى بخطه في بعض تصانيفه: وأجزت روايته لجميع المسلمين.
حتى إنّه لكثرة من جوّزها أفردهم الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسن البغدادي بمصنّف رتّبهم فيه على حروف المعجم. وكذلك جمعهم أبو رشيد بن الغزالي الحافظ في كتاب سمّاه «الجمع المبارك» .
قال النووي مشيرا إلى التعقّب على ابن الصلاح، حتى إنّه لم ير من استعملها، ولا حتّى من سوّغها: إن الظاهر من كلام من صحّحها جواز الرواية بها. وهذا يقتضي صحّتها، وأيّ فائدة غير الرواية!!.
ومن فروع هذه المسألة: ما سبق نقله عن المحقّقين من المحدثين والأصوليين والفقهاء؛ كالحافظ مغلطاي، وتلميذه الحافظ الزين العراقي، وتلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وتلميذه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وتلميذه العلّامة:
المحقّق ابن حجر الهيتمي من جواز الإجازة لفلان، ولمن سيولد له من ذريّته تبعا.
وأنّه يجوز العمل بها؛ تحمّلا، وأداء، وأخذا.
هذا؛ وقد استعمل جمع من علماء الحديث من المتقدمين والمتأخرين الإجازة لمن أدرك حياته، واستعمل ذلك من مشايخنا سيّدي الوالد، وسيّدي العلّامة عبد الله بن سليمان الجرهزي، فإنّهما في سنة: - ١١٩٤- أربع وتسعين ومائة وألف هجرية أجازا لمن أدرك حياتهما، وكان ذلك بمحضر جمع من العلماء والأعيان، واستدعى ذلك منهما السيد الولي العلامة قاسم بن سليمان الهجام.
انتهى كلام «النفس اليماني» .
стр. 37
ثم قال فيه أيضا: وأجزت كافّة من أدرك حياتي، ولا سيما من وقعت بيني وبينه المعرفة، وخصوصا من وقعت بيني وبينه الاستفادات العلمية، وأولادهم، ومن سيولد لهم؛ راجيا بذلك- إن شاء الله- من الربّ الكريم الخير الشّامل الكثير، فإنّه القادر على ذلك. انتهى ملخصا.
وفي «النفس اليماني» أيضا: وهذا الشيخ المعمّر الحافظ الشهير سيّدي محمد بن سنّة العمري؛ هو شيخي بطريق الإجازة العامّة، لأنه أجاز لأهل عصره الموجودين، وكانت وفاته في عشر التسعين بعد مائة وألف، كما أفادني بذلك جمع من علماء الحرمين الشريفين رووا عن تلميذه العلّامة صالح الفلّاني المغربي عنه.
انتهى كلام «النفس اليماني» .
وممّن أجاز لمن أدرك حياته: أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء، وأبو الحسين عبيد الله بن الربيع القرشي، والقطب محمد بن أحمد بن علي القسطلّاني، وأبو الحجّاج المزّي الحافظ، والفخر ابن البخاري، وخلق من المسندين؛ كالحجّار، وزينب بنت الكمال.
واستجاز بها خلق لا يحصون؛ منهم أبو الخطّاب بن دحية، فإنّه سأل أبا جعفر بن مضاء الإجازة العامة في كلّ ما يصحّ إسناده إليه على اختلاف أنواعه لجميع من أراد الرواية من طلبة العلم الموجودين حينئذ؛ فأسعفهم بها.
ومنهم: أبو الحسن محمد بن أبي الحسن الورّاق، فإنّه سأل أبا الوليد بن رشد الإجازة لكلّ من أحبّ الحمل عنه من المسلمين حيث كانوا أحياء في عام الإجازة فأجابه لذلك؛ كما ذكره السخاوي في «شرح ألفية الحديث» رحمه الله تعالى.
وكذلك أجاز لأهل عصره: الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني؛ ذكره الشيخ ابن عابدين في «ثبته» ؛ ناقلا من «القول السديد باتصال الأسانيد» ثبت الشهاب أحمد المنيني، فإنّه قال فيه: وقد أخبرني بإذنه لأهل عصره الشيخ محمد بن الطيب المغربي نزيل المدينة المنورة، وهو ثقة ثبت. والله أعلم. انتهى.
وكذلك أجاز لأهل عصره: الشيخ العلّامة الفقيه المحدّث محمد عابد بن أحمد بن علي الحنفي السندي ثم المدني، فإنّه قال في كتابه «حصر الشارد» : وقد
стр. 38
أجزت كافّة من أدرك حياتي من المسلمين أن يروي عني جميع ما اشتمل عليه هذا السّفر بالأسانيد التي ذكرتها.
وكذلك أجاز لأهل عصره: العلّامة الفاضل خاتمة المحققين مولانا الشيخ فالح بن محمد المدني؛ فإنّه قال في آخر ثبته «حسن الوفاء» : وقد أجزت بهذه المرويّات وبما تضمّنته من الأثبات المذكورة، وبجميع ما يؤثر عني كلّ من أراده ممن أدرك حياتي ... إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.
وممن أجاز لمن أدرك حياته: العلّامة الحافظ عبد الرحمن بن علي الدّيبع اليمني الزبيدي المتوفى سنة: - ٩٢٢- اثنتين وعشرين وتسعمائة هجرية؛ قال رحمه الله تعالى نظما:
أجزت لمدركي وقتي وعصري ... رواية ما تجوز روايتي له
من المقروء والمسموع طرّا ... وما ألّفت من كتب قليله
ومالي من مجاز من شيوخي ... من الكتب القصيرة والطّويله
وأرجو الله يختم لي بخير ... ويرحمني برحمته الجزيله
انتهى.
ولنبدأ بترجمة المصنف؛ فنقول: هو بوصيريّ العصر، الأديب الشاعر المفلق، العلّامة المتقن الورع، الحجّة التقي العابد، الطائر الصيت، المحبّ الصادق المتفاني في حبّ رسول الله ﷺ المكثر من مدائحه؛ تأليفا، ونقلا، ورواية، وإنشاء وتدوينا، ناصر الدين أبو الفتوح؛ وأبو المحاسن:
يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل بن محمد بن ناصر الدين النبهاني.
«نسبة لبني نبهان» : قوم من عرب البادية؛ نزلوا بقرية «اجزم» بصيغة فعل الأمر، وبها ولادته، وهي قرية واقعة في الجانب الشمالي من أرض فلسطين؛ تابعة لقضاء حيفا من أعمال عكا.
وكانت ولادته يوم الخميس سنة: - ١٢٦٥- خمس وستين ومائتين وألف هجرية تقريبا.
стр. 39
وحفظ القرآن على والده؛ وكان شيخا معمّرا بلغ الثمانين، وكان إذ ذاك ممتعا بكمال عقله، وحواسّه وقوّته، وحفظه ومحافظته على ضروب الطاعات وحسن تلاوة القرآن العظيم، وكان يختم كلّ ثلاثة أيّام ختمة، ثم وفّق إلى قراءته ثلاث مرّات كلّ أسبوع، ولهذه المزايا والفضائل أبلغ الأثر في تكوين هذا الناشىء الذي تغذّى بلبان الهدى والتقى بين يدي والده الصالح؛ في تلك البيئة النقية الطاهرة.
ولما أتمّ حفظ القرآن الكريم وحفظ بعض المتون؛ أرسله والده إلى مصر، وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، فالتحق بالأزهر الشريف في غرّة محرّم الحرام سنة: - ١٢٨٣- ثلاث وثمانين ومائتين وألف هجرية، وجاور في رواق الشوام، ودأب على الدرس والتحصيل، وتلقّى العلم من كبار الأئمّة وجهابذة علماء الأمّة؛ المبرّزين في علوم الشريعة واللغة العربية، من أهل المذاهب الأربعة، وكان موفّقا حسن الاختيار والاهتداء إلى الراسخين في العلم؛ المحققين في المعقول والمنقول، الذين لا يشقّ لهم غبار؛ كالشيخ إبراهيم السقا الشافعي المتوفى سنة:
١٢٩٨، والشيخ محمد الدمنهوري الشافعي المتوفى سنة: ١٢٨٦، والشيخ إبراهيم الزرو الخليلي الشافعي المتوفى سنة: ١٢٨٧، والشيخ أحمد الأجهوري الضرير الشافعي المتوفى سنة: ١٢٩٣، والشيخ عبد الهادي نجا الأبياري الشافعي المتوفى سنة: - ١٣٠٥- خمس وثلثمائة وألف، والشيخ أحمد راضي الشرقاوي الشافعي، والشيخ مصطفى الإشراقي الشافعي، والشيخ عبد اللطيف الخليلي الشافعي، والشيخ صالح أجياوي الشافعي، والشيخ محمد العشماوي الشافعي، والشيخ محمد شمس الدين الأنبابي الشافعي (شيخ الجامع الأزهر) ، والشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي، والشيخ أحمد البابي الحلبي الشافعي، والشيخ شريف الحلبي الحنفي، والشيخ فخر الدين اليانيه وي الحنفي، والشيخ عبد القادر الرافعي الطرابلسي الحنفي «شيخ رواق الشوام» ، وشقيقه الشيخ عمر مفتي طنطا الحنفي، والشيخ مسعود النابلسي الحنفي، والشيخ حسن العدوي المالكي المتوفى سنة: ١٢٩٨، والشيخ محمد الحامدي المالكي، والشيخ محمد روبه المالكي، والشيخ حسن الطويل المالكي، والشيخ محمد البسيوني المالكي، والشيخ يوسف
стр. 40
البرقاوي الحنبلي «شيخ رواق الحنابلة» رحمهم الله تعالى وجزاهم عن الأمة المحمدية أحسن الجزاء.
ثم بدا لصاحب الترجمة أن يسافر من مصر ليساهم في خدمة الإسلام؛ فرجع في رجب سنة ١٢٨٩، وأقام في مدينة عكا ينشر العلم، فأفاد المسلمين، وأعلى منار الدين، ثم في سنة ١٢٩٢ رحل إلى الشام، واجتمع على جماعة من العلماء، أحدهم بل أوحدهم- الإمام الفقيه المحدّث البارع في أكثر الفنون؛ مفتي الشام المرحوم السيد محمود أفندي الحمزاوي، وحصلت بينه وبينه مودّة، فاستجازه بعد أن قرأ عليه في منزله بحضور جملة من طلبة العلم الشريف؛ فأجازه بإجازة مطوّلة فائقة إجازة عامة بجميع مروياته، وجال في بلاد الشرق العربي، وبرّ الترك؛ فدخل الأستانة والموصل وحلب وديار بكر وشهر زور وبغداد وسامرّا وبيت المقدس والحجاز.
ولما شاع ذكره، وأشرقت شمسه، واهتدى به الناس؛ تقلّب في مناصب القضاء في ولايات الشام؛ حتى صار رئيسا في محكمة الحقوق العليا ببيروت؛ وذلك سنة: - ١٣٠٥- خمس وثلثمائة وألف، وحجّ عام ألف وثلثمائة وعشرة، ثم دخل الحجاز بعد ذلك، وأقام بالمدينة المنوّرة مدّة؛ وألّف المؤلفات النافعة التي سارت بها الركبان، وانتشرت في سائر البلدان، وهي:
إتحاف المسلم بأحاديث الترغيب والترهيب من البخاري ومسلم.
إرشاد الحيارى في التحذير من مدارس النصارى.
أسباب التأليف.
أفضل الصلوات في الصلاة على سيد السادات.
الأحاديث الأربعين في أمثال أفصح العالمين.
الأحاديث الأربعين في فضائل سيد المرسلين.
الأحاديث الأربعين في وجوب طاعة أمير المؤمنين.
أربعين الأربعين من أحاديث سيد المرسلين.
الأنوار المحمدية مختصر «المواهب اللدنية» .
أحسن الوسائل في أسماء النبي الكامل.
الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة.
стр. 41
- بلوغ الآمال مختصر كتاب «فتح المتعال في مثال النعال» .
تهذيب النفوس في ترتيب الدروس؛ وهو مختصر «رياض الصالحين» للإمام النووي.
تفسير «قرة العين من البيضاوي والجلالين» .
جواهر البحار في فضائل النبي المختار ﷺ «أربع مجلدات» .
جامع كرامات الأولياء «مجلدان» .
جامع الصلوات على سيد السادات.
جامع الثناء على الله تعالى.
حزب الأولياء الأربعين المستغيثين بسيد المرسلين ﷺ .
حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين ﷺ .
خلاصة الكلام في ترجيح دين الإسلام.
الدلالات الواضحات شرح «دلائل الخيرات» .
رياض الجنة في أذكار الكتاب والسنة.
الرائية الصغرى في ذم البدعة ومدح السنة الغرا.
الرائية الكبرى.
سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين ﷺ .
سعادة الميعاد في موازنة «بانت سعاد» .
السابقات الجياد في مدح سيد العباد ﷺ ، وهي المعشّرات.
سبيل النجاة في الحب في الله والبغض في الله.
الاستغاثة الكبرى بأسماء الله الحسنى.
الشرف المؤبّد لآل محمد ﷺ ، وهو أوّل مؤلفاته.
شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق ﷺ .
سعادة الأنام في اتّباع دين الإسلام.
الصلوات الألفية في الكمالات المحمدية.
الصلوات الأربعين للأولياء الأربعين.
صلوات الأخيار على النبي المختار ﷺ .
صلوات الثناء على سيد الأنبياء ﷺ .
стр. 42
- طيبة الغرّاء في مدح سيد الأنبياء. وهي همزيّته.
العقود اللؤلؤية في المدائح النبوية، وهو ديوانه.
الفتح الكبير في ضمّ الزيادة إلى «الجامع الصغير» ، وهو كتاب جمع فيه بين «الجامع الصغير» وذيله المسمّى «زيادة الجامع الصغير» ؛ كلاهما للحافظ السيوطي في ثلاث مجلدات.
الفضائل المحمدية. ترجمها بعض السادة العلوية للغة الجاوية.
القول الحقّ في مدح سيّد الخلق ﷺ .
المجموعة النبهانية في المدائح النبوية، ومعها أسماء رجالها المسمّى «الخلاصة الوفية في رجال المجموعة النبهانية» «أربع مجلدات» .
المزدوجة الغرّاء في الاستغاثة بأسماء الله الحسنى.
مفرّح القلوب ومفرج الكروب.
منتخب الصحيحين، مذيّلا بتعليقات اسمها «قرة العين على منتخب الصحيحين» .
المبشّرات المنامية.
مختصر «إرشاد الحيارى» .
مثال نعله الشريف. وذكر حوله كثيرا من الفوائد.
كتاب «الأسمى فيما لسيدنا محمد ﷺ من الأسما» .
نجوم المهتدين ورجوم المعتدين في معجزات سيد المرسلين والرد على أعدائه إخوان الشياطين.
النظم البديع في مولد الحبيب الشفيع ﷺ .
الورد الشافي؛ يشتمل على الأدعية والأذكار النبوية.
وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ﷺ . وهو الكتاب الذي نحن بصدد شرحه.
هادي المريد إلى طرق الأسانيد. وهو ثبته الجامع النافع.
البرهان المسدّد في إثبات نبوة سيدنا محمد ﷺ .
دليل التجّار إلى أخلاق الأخيار.
الرحمة المهداة في فضل الصلاة.
حسن الشرعة في مشروعية صلاة الظهر بعد الجمعة.
стр. 43
- رسالة التحذير من اتخاذ الصور والتصوير.
تنبيه الأفكار لحكمة إقبال الدنيا على الكفار. كلها «١» طبعت في مجموعة واحدة، وكلّ هذه التصانيف مطبوعة تداولتها الأيدي في سائر بلاد الإسلام.
وأوّل ما ظهر من مؤلفاته كتاب «الشرف المؤبّد لآل محمد ﷺ » ، ثم همزيته المسماة «طيبة الغراء» ؛ وبها اشتهر، وتناقل الناس ماله من خبر، وذلك لبلاغتها وانسجامها وطلاوتها.
ثم عظم ذكره بما صنّف وابتكر، ونظم ونثر، وطبع ونشر، خصوصا في الجانب المحمدي الأعظم، فقد خدم السيرة المحمدية والجناب النبوي أرفع الخدمات، ووقف حياته على ذلك؛ فنشر وكتب ما لم يتيسّر لغيره في عصرنا هذا ولا عشر معشاره، وذلك من آثار بركته ﷺ .
ولما أحيل إلى المعاش شدّ أزره وشمّر عن ساعد الجدّ، وأقبل على العبادة بهمّة عالية وعزيمة صادقة، وقلب دائب على الذكر وتلاوة القرآن، وكثرة الصلاة على رسول الله ﷺ ، فأحيا ليله ونهاره بإقامة الفرائض ونوافل الطاعات؛ لا يفتر ولا يسأم، حتى عدّ ما يقوم به من خوارق العادات.
وكان يتردّد إلى المدينة المنوّرة للزيارة النبوية ويقيم فيها مدّة أيام الشتاء، وكانت أنوار العبادة وتعظيم السنة والعمل بها ظاهرة على وجهه المبارك، ولم يزل على الحال المرضيّ حتّى دعاه مولاه؛ فأجابه ولبّاه.
وكانت وفاته في بيروت في أوائل شهر رمضان الكريم سنة: - ١٣٥٠- خمسين وثلثمائة وألف هجرية، عن عمر يناهز الخمس والثمانين، وهو قويّ البدن، تامّ الصحّة، مستوف لقراءة أوراده وما اعتاده من الطاعات وأعمال الخير. أجزل الله ثوابه، وألحقنا به على الإيمان الكامل في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلّة، بفضله ورحمته. آمين.
وهذا أوان الشروع في المقصود مستعينا بالله ذي الكرم والجود:
стр. 44
[خطبة الكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال المصنف (بسم الله الرّحمن الرّحيم) بتقديم البسملة، وافتتاح كتب العلم بها جرى عمل الأئمة المصنّفين واستقرّ أمرهم؛ حسبما قاله الحافظ ابن حجر.
قال: وكذا معظم كتب الرسائل، والقصد:
١- الاقتداء بالكتاب العزيز، فإنّ العلماء متّفقون على استحباب البسملة في أوّله في غير الصلاة، والإجماع منعقد على تقديمها في خطّ المصحف؛ وإن كانت ليست آية منه عند مالك.
٢- والعمل بقول النبي ﷺ : «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرّحمن الرّحيم؛ فهو أبتر» . رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتاب «الجامع» ، وفي رواية:
«أقطع» ، وفي رواية: «أجذم» بالجيم والذال المعجمة، وهو من التشبيه البليغ في العيب المنفّر، ومعنى الجميع: أنّه ناقص البركة غير تامّ في المعنى؛ وإن تمّ في الحس.
ومعنى «ذي بال» ؛ أي: حال يهتمّ به. ومعنى الابتداء بالبسملة: الاستعانة بالله ، على زيادة لفظ «اسم» ؛ أو أنّه هنا واقع على المسمّى. أو معناه:
التبرّك باسمه سبحانه. فالباء للاستعانة، أو للملابسة، أو المصاحبة؛ بقصد التبرّك، و «الاسم» مشتقّ من السموّ؛ وهو العلوّ، وقيل: من السّمة؛ وهي العلامة.
واسم الجلالة: علم على ذاته تعالى، فهو خاصّ به ، إذ لا يسمّى به غيره تعالى، فهو أخصّ الأسماء، وهو أعرف المعارف وأعظم الأسماء، لأنه دالّ على الذات الموصوف بصفات الإلهية كلّها، فهو اسم جامع لمعاني الأسماء الحسنى كلّها، وما سواه خاصّ بمعنى، فلهذا يضاف إليه جميع الأسماء ولا يضاف هو إلى شيء، وكلّ أسمائه تعالى للتخلّق إلّا هذا الاسم؛ فإنّه
стр. 45
الحمد لله ...
للتعلّق فحسب، وحظّ العبد منه التولّه؛ وهو استغراق القلب والهمّة به تعالى، فلا يرى غيره، ولا يلتفت لسواه. وهو عربيّ عند الأكثر وهو الحق.
واختلف فيه: هل هو مرتجل؛ أو مشتق، والأول هو المشهور والمختار.
والرحمن والرحيم: صفتان للمبالغة من الرحمة.
و «الاسم» مجرور بالباء، و «الجلالة» مجرور بالمضاف، و «الرحمن» نعت لاسم الله، وعلى أنّ «الرحمن» علم يكون بدلا من «اسم الله» ، أو عطف بيان؛ وصوّب.
والرحيم نعت للجلالة على الأوّل، أو ل «الرحمن» على الثاني، إذ لا يتقدّم البدل؛ ولا العطف على النعت، والجملة تحتمل الخبرية والإنشائية، وقد قيل بكلّ منهما.
(الحمد لله) أتى- ﵁ بالحمدلة بعد البسملة!!:
١- قضاء لبعض ما يجب من حمد الله تعالى والثناء عليه؛ بذكر أوصاف كماله، وشكر نعمه وآلائه؛ التي أعظمها الهداية للإيمان والإسلام، ومن جملتها تأليف هذا الكتاب.
و٢- اقتداء بالكتاب العزيز، وبالنبي ﷺ في ابتدائه بالحمد في جميع خطبه.
و٣- عملا بجميع روايات الحديث السابق؛ ففي رواية «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب (الحمد لله) فهو أقطع» ، وفي رواية «بحمد الله» ، وفي رواية «كلّ كلام لا يبدأ فيه «بالحمد لله» فهو أجذم» وفي رواية: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب «بسم الله الرّحمن الرّحيم» فهو أقطع» ، وفي رواية «كلّ أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر» ؛ أو قال «أقطع» على التردّد. فرواية البسملة صريحة فيها، ورواية: «الحمد لله» - بالرفع- صريحة فيه. ورواية: «بالحمد لله»
стр. 46
ربّ العالمين، ...
- بالخفض-، أو «بحمد الله» !! يحتمل أن يكون المراد الابتداء بلفظ «الحمد لله» بهذه الصيغة، ويحتمل أن يكون المراد الابتداء بمادة الحمد؛ وإن لم يكن بهذه الصيغة. حتّى لو قال: «حمدت الله» أو: «أحمده» لأجزأه، ويحتمل أن يكون المراد الثناء، ولو لم يكن بهذه المادة، حتى لو أتى بالبسملة لاكتفي بها. وعلى هذا المعنى رواية: «بذكر الله» .
ولما تعارضت رواية البسملة ورواية الحمدلة ظاهرا- إذ الابتداء بأحد الأمرين يفوّت الابتداء بالآخر، وكان الجمع بينهما ممكنا؛ بأن يقدّم أحدهما على الآخر فيقع الابتداء به حقيقة، وبالآخر بإضافته إلى ما سواه- أتى بهما معا.
وقدّم البسملة!! لأنها أولى بالتقديم، لأنّ حديثها أقوى، وعملا بكتاب الله الوارد بتقديمها.
والحمد هو: الثناء على المحمود بجميل صفاته على جهة التعظيم؛ سواء كان في مقابلة نعمة، أو لا. وكلّ من صفاته تعالى جميل، فهو ثناء على الله تعالى بجميع صفاته.
واختار الجملة الاسمية!! اقتداء بالكتاب العزيز، ولأنها تفيد الدوام والاستمرار، والجملة خبرية لفظا؛ إنشائية معنى.
(ربّ) أي: مالك. وأصل التربية: نقل الشيء من أمر إلى أمر حتى يصل إلى غاية أرادها المربّي، ثم نقل إلى المالك والمصلح للزوم التربية لهما غالبا.
(العالمين) اسم جمع خاص بمن يعقل؛ وهم الجنّ والإنس والملائكة، وقيل:
جمع سلامة ل «العالم» على غير قياس، والعالم- في اللغة-: كلّ نوع، أو جنس فيه علامة يمتاز بها على سائر الأنواع والأجناس الحادثة. فيقال في الأنواع: «عالم الإنسان» ؛ و «عالم الطير» ؛ و «عالم الخيل» . ويقال في الأجناس: «عالم الحيوان» ، و «عالم الأجسام» ، و «عالم الناميات» .
стр. 47
.........
ويحتمل أن تكون المناسبة في تسمية النوع والجنس ب «العالم» أنّ لهما من الفصول والخواصّ ما يعلمان به. ونقله المتكلمون إلى كلّ حادث.
والمناسبة في هذه التسمية: أن كلّ حادث فيه علامة تميّزه عن موجده المولى القديم، حتّى لا يلتبس به أصلا، ولهذا ردّ مولانا جلّ وعلا على الضالين الذين جعلوا له شركاء من الحوادث، فقال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ) [الرعد/ ٣٣] أي: اذكروا أوصافهم حتى ينظر أفيها ما يصلح للألوهية؛ أم لا!!.
ويحتمل أن تكون المناسبة أنّ كلّ حادث يحصل العلم للناظر فيه بما يجب للمولى العظيم من عليّ الصفات، وتنزّهه عن سمات المحدثات. فالمناسبة الأولى تقتضي أن العالم مأخوذ من العلامة، والمناسبة الثانية تقتضي أنّه مأخوذ من العلم.
وقد أشعر قوله «ربّ العالمين» أنّ التربية كلّها- وهي: إيصال كلّ حادث إلى كماله الذي أريد له- ليست إلّا من المولى ﵎.
وهذه التربية على قسمين: عامة؛ وخاصّة.
فالعامّة: التربية بالإيجاد والتنمية والإمداد بالحياة والحواسّ وغيرهما مما هو مشترك بين عموم الأجساد.
والخاصّة: التربية الروحانية بالعلوم والمعارف العلمية والعملية، وضبط الحركات والسّكنات للجري على مقتضاهما. وهذه التربية هي العزيزة الشريفة الموصلة إلى الفوز برضا مولانا جلّ وعلا، والتمتّع بما لا يحاط بوصفه من نعيم الجنان أبد الآباد، وقد جعل الله سبحانه هذه التربية الخاصّة لا تحصل لأحد من أهل الأرض إلّا على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، وجعل الحاصل منها على يد نبينا ومولانا محمد ﷺ الحظّ الأوفر والنصيب الأكثر؛ مع سهولة فيها وقلّة معاناة، كما قال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة/ ١٨٥] ، وقال في
стр. 48
حمدا يوافي نعمه، ويكافىء مزيده، ...
وصف أمّة نبينا محمد ﷺ (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف/ ١٥٧] ، وقد عرف كثرة من تربّى على يده ﷺ هذه التربية الخاصّة من حديث ورد بأن أهل الجنة مائة وعشرون صفا؛ ثمانون صفا منها لهذه الأمة، ولعلهم إن كانوا ثلثي أهل الجنة يكون لهم من الجنة ونعيمها أكثر من الثلثين؛ كثلاثة أرباع أو تسعة أعشار أو نحو ذلك، لما علم من تخصيص المولى ﵎ لهم بكرامة تضعيف الثواب لهم بالعمل والزمان والمكان والحال، فلم ينل غيرهم من الجنة إلّا اليسير، فكأنها إنما خلقت لهم ومن أجلهم.
(حمدا) ؛ أي: حمدت حمدا (يوافي نعمه) أي: يقابلها ويوجد معها بحيث يكون بقدرها؛ فلا تقع نعمة إلّا مقابلة بهذا الحمد، بحيث يكون الحمد بإزاء جميع النعم، وهذا على سبيل المبالغة بحسب ما ترجّاه، وإلّا! فكل نعمة تحتاج لحمد مستقلّ.
والنّعم جمع نعمة؛ وهي: ملائم تحمد عاقبته. ومن ثمّ قيل: لا نعمة لله على كافر، وإنما ملاذّة استدراج.
(ويكافىء) - بهمز في آخره- (مزيده) المزيد: مصدر ميمي؛ من (زاده الله النعم) أي: حمدا يساوي ويطابق نعمه التي أنعم بها علينا، المزيدة على نعم سائر الأمم الماضية؛ كفضل يوم الجمعة، وصيرورة وجه الأرض مسجدا، والتراب طهورا- مثلا-، مطابقة النعل بالنعل؛ لا ينقص عنها بأدنى نقصان.
قال أصحابنا؛ كالقاضي حسين والمتولي وإمام الحرمين والغزالي: لو حلف إنسان (ليحمدنّ الله تعالى بمجامع الحمد) ، ومنهم من قال: ب «أجلّ التحاميد» ؛ فطريقه في برّ يمينه أن يقول «الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده» . قال في «الروضة» : وليس لهذه المسألة دليل معتمد، أي: من الأحاديث، وإلّا! فدليله من حيث المعنى ظاهر؛ نقله ابن حجر في «الإمداد» .
стр. 49
ويضاهي كرمه.
وأشهد أن لا إله إلّا الله ...
وفي «التحفة» : ولو قيل يبرّ ب: «يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك» ؛ لكان أقرب، بل ينبغي أن يتعيّن؛ لأنّه أبلغ معنى، وصحّ به الخبر. انتهى.
قال النووي في «الأذكار» : قال أصحابنا: ولو حلف إنسان «ليثنينّ على الله تعالى أحسن الثناء» ؛ فطريق البرّ أن يقول: لا أحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك.
وزاد بعضهم في آخره: فلك الحمد حتّى ترضى. وصوّر أبو سعيد المتولّي المسألة؛ فيمن حلف «ليثنينّ على الله تعالى بأجلّ الثناء وأعظمه» ، وزاد في أول الذكر: سبحانك. انتهى.
(ويضاهي) أي: يشابه في الكثرة (كرمه) الواسع.
(وأشهد) ؛ أي: أعترف بلساني مع الإذعان بالقلب الذي هو حديث النفس التابع للمعرفة. ولا يكفي الاعتراف باللسان فقط- كما كان يفعله المنافقون- ولا المعرفة من غير إذعان، لأن بعض الكفّار يعرفون الحقّ لكنّهم غير مؤمنين؛ لعدم الإذعان. (أن) ؛ أي: أنّه؛ أي: الحال والشأن (لا إله إلّا الله) ، ف «أن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، و «لا» نافية للجنس، و «إله» اسمها مبنيّ معها على الفتح في محلّ نصب، و «إلّا» أداة حصر، ولفظ الجلالة [الله] بالرفع- بدل من الضمير المستتر في الخبر، أو [الله]- بالنصب- على الاستثناء؛ لا على البدلية من محل اسم «لا» ، لأنّها لا تعمل إلّا في النّكرات، واسم «الله» معرفة. وهل يقدّر الخبر من مادة الوجود، أو من مادّة الإمكان!؟ اختار بعضهم الأوّل؛ لأنه لو قدّر من مادة الإمكان لم يفد وجود الله تعالى، والراجح الثاني، لأنه لو قدّر من مادة الوجود لم يفد نفي إمكان غيره تعالى من الإلهية؛ مع أنّه المقصود من الكلمة المشرفة.
стр. 50
الملك الحقّ المبين، وأشهد ...
وأمّا وجوده تعالى!! فمتّفق عليه بين أرباب الملل كلّها، فلا ضرر في عدم إفادته على هذا التقدير. والمعنى عليه: لا إله ممكن إلّا الله، فإنّه ممكن؛ أي:
غير ممتنع. فيصدق بالواجب والجائز. والواقع أنّه واجب. والحقّ أنّ المنفيّ- في الكلمة المشرّفة- المعبود بحقّ غير الله تعالى؛ باعتبار الواقع، كما انحطّ عليه كلام الشيخ الأمير. والمعنى: لا معبود بحقّ في الواقع إلّا الله. هكذا قرّره الباجوري رحمه الله تعالى.
(الملك) - بكسر اللام؛- من الملك- بضم الميم- أي: المتصرّف بالأمر والنهي؛ سواء كان له أعيان مملوكة؛ أم لا. وأما «مالك» - بالألف-! فهو من الملك- بكسر الميم- أي: المتصرّف في الأعيان المملوكة، سواء كان متصرّفا أيضا بالأمر والنهي، أم لا. فبينهما العموم والخصوص الوجهي على هذا. والله تعالى متصرّف بالأمر والنهي، ومتصرّف في الأعيان المملوكة له، فهو ملك مالك. ولذلك قرىء بهما في قوله تعالى (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (٤) [الفاتحة] .
والتفرقة بين الملك- بضم الميم- والملك- بكسرها- عرف طارىء، وإلّا فهما لغتان في مصدر «ملك» كما قاله البيضاوي في «تفسيره» ؛ نقله الباجوري رحمه الله تعالى. (الحقّ) أي: الثابت، من: حقّ الشيء: ثبت، فهو تعالى ثابت أزلا وأبدا، فلم يسبقه عدم؛ ولا يلحقه عدم، بخلاف ما عداه! فإنّه مسبوق بعدم وملحوق به؛ ولو بالقابلية كالجنة والنار. وهو المراد بالبطلان في قوله:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ...
(المبين) أصله مبين- بسكون الباء وكسر الياء: نقلت حركة الياء إلى الساكن قبلها- ومعناه: المظهر للحقّ فيتّبع، وللباطل فيجتنب، أو المظهر للأمور العجيبة الدالّة على ملكه وحقّيّته، وهذا كلّه إن أخذ من «أبان» بمعنى: أظهر. فإن أخذ من «أبان» بمعنى: بان، أي: ظهر!! كان معناه البيّن الظاهر الذي لا خفاء فيه.
(وأشهد) إنما كرّر لفظ الشهادة مع الاستغناء عنه ب «أشهد» الأول!! لمزيد
стр. 51
أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله ...
الاعتناء بالشهادة المتعلّقة بنبينا ﷺ (أنّ سيّدنا) ؛ أي: [سيد] جميع المخلوقات إنسا وجنّا وملائكة وغيرهم. والسيد: يطلق على الحليم الذي لا يستفزّه غضب، وعلى من كثر سواده، أي: جيشه، وعلى غير ذلك.
(محمّدا) بدل من «سيدنا» ، وهذا الاسم أشرف أسمائه ﷺ وأشهرها بين العالمين، ولذا خصّت به الكلمة المشرّفة (عبده ورسوله) خبران ل «أنّ» . وإنّما قدّم الوصف بالعبودية على الوصف بالرسالة!! امتثالا لقوله ﷺ : «ولكن قولوا عبد الله ورسوله» . ومعنى العبودية: التذلّل والخضوع. وهي وصف شريف جليل، ولذلك وصف بها في أسنى المقامات؛ كمقام الإسراء، ومقام إنزال الكتاب، وغير ذلك. ومما يعزى للقاضي عياض رحمه الله تعالى.
وممّا زادني شرفا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثّريّا
دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيّرت أحمد لي نبيّا
ومن خصائصه ﷺ : أنّ الله تعالى خاطبه بالنبوة والرسالة في القرآن؛ دون سائر أنبيائه. والنبي: رجل اختصّه الله بسماع وحيه بملك، أو دونه. وقيل: هو رجل أوحي إليه بالعمل بشرع معيّن. وقال القرافي: إنّ النبوّة ليست هي مجرّد الوحي كما يعتقده كثير، لحصوله لمن ليس ك (مريم) ؛ وليست بنبيّة على الصحيح. بل النبوة عند المحققين إيحاء الله تعالى الرجل بحكم إنشائي. انتهى.
ثم اختلف فيما يفترق به النبيّ والرسول، وما يزيد الرسول على النبي!! فقيل: إن الرسول هو النبيّ المأمور بتبليغ ما أوحي إليه. فهو أخصّ من مطلق النبيّ، لزيادته عليه بالأمر بالتبليغ. وقيل: إن حكم التبليغ والإرسال يعمّهما، وإنّما يفترقان في أمر آخر من كون الرسول يأتي بشرع جديد؛ أو نسخ لبعض شرع من قبله، أو له كتاب مخصوص، والنبيّ إنما يأتي مؤكّدا لشرع غيره؛ كيوشع بن نون، فإنه بعث مؤكّدا لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام.
ثم النبي والرسول إذا أطلقا في القرآن والسنة؛ فإنما المراد بهما نبينا
стр. 52
سيّد الخلق أجمعين.
اللهمّ؛ ...
محمد ﷺ ، وهو الرسول المطلق لكافّة الخلق من الأولين والآخرين. فرسالته عامّة، ودعوته تامّة، ورحمته شاملة، وإمداداته في الخلق عامّة، وكلّ من تقدّم من الأنبياء والرسل قبله؛ فعلى حسب النيابة عنه، فهو الرسول على الإطلاق.
(سيّد الخلق) قد ورد إطلاق «السيّد» عليه ﷺ في أحاديث كثيرة صحيحة؛ كما في حديث الترمذي: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة» ... الحديث، وفي حديث الشفاعة: «انطلقوا إلى سيّد ولد آدم» .. وفي حديث «الصحيحين» :
«أنا سيّد النّاس يوم القيامة» .
وسيادته ﷺ أعلى وأظهر وأوضح من أن يستدلّ عليها، فهو سيّد العالم بأسره من غير تقييد؛ ولا تخصيص، وفي الدنيا والآخرة.
وإنما قال في الحديث: «أنا سيّد النّاس يوم القيامة» !! لظهور انفراده بالسؤدد والشفاعة فيه من غيره حين يلجأ إليه الناس في ذلك؛ فلا يجدون سواه، وجميع الخلائق مجتمعون؛ أوّلهم وآخرهم، وإنسهم وجنّهم وفيهم الأنبياء والمرسلون، وتلك الدار دار الدوام والبقاء؛ فهي المعتبرة.
وقد كان ﷺ معلوما بالسيادة نسبا وطبعا، وخلقا وأدبا، إلى غير ذلك من المكارم قبل ظهوره بالنبوة، يعرف ذلك من اعتنى بالسّير؛ وتعرّف أحواله من الصغر إلى الكبر، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه.
(أجمعين) توكيد لاستغراق أفراد المنحصر في المضاف إليه.
(اللهمّ) هو توجّه للمطلوب، وطلب لحصول المرغوب؛ بالتوسّل بالاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب؛ وإذا سئل به أعطى. ولفظ به بصيغة حذف فيها «ياء» النداء المتضمّنة لوجود البينونة النفسانية، إذ حذفها يقتضي زوال ذلك.
وتعويض الميم من حرف النداء في لفظ الجلالة! يقتضي قوّة الهمّة في الطلب
стр. 53
صلّ أفضل صلاة وأكملها، وأدومها، وأشملها، على سيّدنا محمّد عبدك ...
والجزم. وإنّما جعل هذا الاسم العظيم في أوائل الأدعية غالبا!! لأنه جامع لجميع معاني الأسماء الكريمة؛ وهو أصلها.
(صلّ) ، الصّلاة من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم. ولفظها مختصّ بالمعصوم؛ من نبيّ وملك؛ تعظيما لهم، وتمييزا لمراتبهم عن غيرهم.
(أفضل صلاة وأكملها) - أي: أتمّها- (وأدومها وأشملها) - أعمّها- (على سيّدنا محمّد) الصحيح: جواز الإتيان بلفظ «السيد» و «المولى» ونحوهما مما يقتضي التشريف والتوقير والتعظيم في الصلاة على سيّدنا محمّد ﷺ ، وإيثار ذلك على تركه، ويقال في الصلاة وغيرها. وقال صاحب «مفتاح الفلاح» : وإياك أن تترك لفظ السيادة؛ ففيه سرّ يظهر لمن لازم هذه العبادة.
(عبدك) سمّاه الله تعالى عبدا وشرّفه بهذا الاسم، وذلك غاية التفضيل والتكريم حيث أجلّ قدره، وعظّم أمره؛ فقال (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [١/ الإسراء] . والعبد: اسم مضاف لاسم الرب والسيّد والمالك، فإن العبد من له ربّ، فمن عرف نفسه بالعبودية عرف ربّه بالربوبية. فشهود العبودية مستلزم لشهود الربوبية. ومن لا يغفل عن العبودية بالكلية هو العبد علما وحالا وتحقّقا ووجودا، وعدم الغفلة عن العبودية كمال الإنسان، وذلك موقوف على العبودية. فالعبودية كمال، وهو عين الكمال الإنساني. ولما كان لسيدنا محمد ﷺ كمال الرسالة وجب أن يكون له كمال العبودية. فكان ﷺ أكمل الكمّل على الإطلاق، وعبوديته أكمل كلّ كمال. ولما كانت العبودية عين الكمال؛ وكان له ﷺ كمال العبودية؛ أثنى الله عليه باسم العبد وسمّاه به في أشرف مقاماته، فقال تعالى (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) [١/ الإسراء] ، وقال (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)
(١٠) [النجم] ، وقال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ) [١/ الكهف] ، وكان ﷺ يقول- كما في البخاري-:
«لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى، ولكن قولوا عبد الله ورسوله» فاستثبت
стр. 54
الّذي خصّصته بالسّيادة العامّة، فهو سيّد العالمين على الإطلاق، ورسولك الّذي بعثته بأحسن الشّمائل وأوضح الدّلائل؛ ...
ما هو ثابت له، وأسلم لله بما هو له لا سواه. وليس للعبد إلّا اسم العبد، ولذا كان «عبد الله» أحبّ الأسماء إلى الله تعالى، كما ورد عنه ﷺ . ولما خيّر ﷺ بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا؛ اختار أن يكون نبيا عبدا. فاختار ما هو الأتمّ والأحبّ إلى الله تعالى وما يضاف إليه، لأن النبي والعبد تصحّ إضافتهما، إذ يقال «نبيّ الله» و «عبد الله» ؛ بخلاف الملك؛ إذ لا يحسن أن يقال: «ملك الله» !! لما يوهم من عكس النسبة؛ قاله الفاسي.
(الّذي خصّصته بالسّيادة العامّة) على جميع المخلوقات- أي: جعلتها مقصورة عليه؛ أي: أعطيته هذه المرتبة دون غيره-، (فهو سيّد العالمين) :
جميع الخلق؛ الإنس والجنّ والملائكة وغيرهم في الدنيا والآخرة (على الإطلاق) من غير تقييد؛ ولا تخصيص، (ورسولك) المختصّ منك بالرّسالة الجامعة الكاملة المحيطة السارية في تضاعيف الوجود بالإمداد من عين الجود؛ المستولية على أطوار العوالم وحركات أدوارها، وإدراج جزئيّاتها في أسوار كلّيّاتها على الإحاطة والشمول؛ بحكم (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) [٧٩/ النساء] ، - أي: مطلقا لم تتقيّد بقيد- ولم تختصّ رسالته بمخصّص، فهو رسول للكافّة بالكافّة من الإمداد بمنافعهم؛ من وجود ونموّ ورزق وهداية، ودلالة على طرق رشادهم، وما هو الأصلح بهم في معاشهم ومعادهم، وما يلتحق بذلك من الرحمة المرسل بها بمقتضى (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) [الأنبياء] (الّذي بعثته بأحسن الشّمائل) : كريم الأخلاق، وجميل الأفعال، واستقامة الطريق.
والشمائل: جمع شمال- بالكسر- وهي الأخلاق والصفات المحمودة.
(و) بعثته ب (أوضح) - أي: أبين- (الدّلائل) ؛ أي: الحجج البالغة القاطعة، والبراهين الواضحة الساطعة؛ الدالّة على صدقه وصحّة نبوّته ورسالته دلالة واضحة، كانشقاق القمر، وتسليم الحجر والشجر، وحنين الجذع، ونبع
стр. 55
ليتمّم مكارم الأخلاق.
صلاة تناسب ما بينك وبينه من القرب الّذي ما فاز به أحد، وتشاكل ما لديكما من الحبّ الّذي انفرد به في الأزل والأبد.
الماء من بين أصابعه، وتسبيح الحصى في كفّه، ومجيء الشجر لدعوته، وكذا شهادة الكتب المنزّلة، واتصافه بأنواع الكمالات، وما اشتمل عليه من محاسن الصفات:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... لكان منظره ينبيك بالخبر
(ليتمّم مكارم الأخلاق) قال الباجي: كانت العرب أحسن الناس أخلاقا بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلّوا بالكفر عن كثير منها؛ فبعث ﷺ ليتمّم محاسن الأخلاق ببيان ما ضلّوا عنه، وبما قضي به في شرعه. انتهى.
وهذا مقتبس من حديث: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» . رواه الإمام أحمد، والحاكم، والبيهقي؛ من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم، ورواه الإمام مالك في «الموطّأ» بلاغا؛ بلفظ «إنّما بعثت ... الخ» .
(صلاة تناسب ما بينك وبينه من القرب) المعنويّ الذي هو قرب المكانة الرفيعة لا قرب المكان (الّذي ما فاز) - أي: ظفر- (به أحد) من الخلق، (و) صلاة (تشاكل) - أي: تشابه- (ما لديكما من الحبّ) : اسم من المحبّة، ومحبّة الله للعبد: إرادة تقريبه وإكرامه، ومحبّة العبد لله: معنى يجعله الله في قلبه، وهو تعلّق الهيبة والأنس، يعرف بآثاره ويظهر بأنواره، وهو الذي يقطع الوساوس، ويلذّ بالخدمة، ويسلّي عن المصائب، ويبعث على إيثار الحق على كلّ شيء، ولا يزال مجموعا على ربّه بكلّيّته؛ فبدنه للخدمة، وقلبه للذكر، وروحه للمحبّة، وسرّه للمشاهدة، وهو مقام الحبيب (الّذي انفرد به) ، ويعطي كلّ من أهّل له على مقدار ما قسم له منه؛ نبيّا كان أو وليّا. وقوله (في الأزل والأبد) الأزل: استمرار
стр. 56
صلاة لا يعدّها ولا يحدّها قلم ولا لسان، ولا يصفها ولا يعرفها ملك ولا إنسان. صلاة تسود كافّة الصّلوات كسيادته على كافّة المخلوقات. صلاة يشملني نورها من جميع جهاتي في جميع أوقاتي، ويلازم ذرّاتي في حياتي وبعد مماتي. وعلى آله ...
الوجود في أزمنه مقدّرة غير متناهية في جانب الماضي، والأبد: استمرار الوجود في أزمنة مقدّرة غير متناهية في جانب المستقبل.
(صلاة لا يعدّها) - أي: لا يحصيها- (ولا يحدّها) المراد حدّ العدد ومنتهاه: أي لا ينهيها (قلم) بالكتابة، (ولا لسان) بالكلام، (ولا يصفها) أي: ينعتها- (ولا يعرفها ملك ولا إنسان) لعظمها وكثرتها، فلا يحاط بها ولا يدرى حقيقتها.
(صلاة تسود) ؛ أي: تشرف وتفضل (كافّة) - أي: جميع- (الصّلوات) التي صلّى بها الناس عليه ﷺ ؛ أي: تصير أفضل عند التفاضل (كسيادته) الجامعة لجوامع السؤدد؛ أي: مثل سيادته؛ أو فضله (على كافّة المخلوقات) ؛ فيكون فضل صلاة المصنّف على صلاة الناس مطابقة لفضله ﷺ على الناس، وبينهما بون بعيد، لأنّه أفضل الخلق على الإطلاق، فتكون الصلاة المطلوبة أفضل الصلوات على الإطلاق.
(صلاة يشملني) - أي: يعمّني- (نورها من جميع جهاتي) الستّ: يمين، وشمال، وأمام، وخلف، وفوق، وتحت (في جميع) أجزاء (أوقاتي) الليليّة والنهاريّة، (ويلازم جميع ذرّاتي) : - أجزائي- (في) حال (حياتي وبعد مماتي) ، والقصد من ذلك إحاطة النور به، وتعميم جوارحه، وعدم مفارقته لذلك النور؛ ولو بعد موته، وذلك ببركة الصلاة والسلام على سيّد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام (وعلى آله) ، فصل بينه وبين آله ب «على» !! ردّا على الشيعة، فإنّهم يمنعون ذلك، وينقلون فيه حديثا موضوعا لفظه: «من فرّق بيني وبين آلي ب «على» لم تنله شفاعتي» .
стр. 57
الأطهار، وأصحابه الأخيار، ...
والصحيح جواز إضافة «آل» إلى الضمير. وآل نبيّنا عند الشافعي: مؤمنو بني هاشم والمطلب، وهذا بالنسبة للزكاة؛ دون مقام الدعاء. ومن ثمّ اختار الأزهريّ وغيره من المحققين أنّهم هنا «كلّ مؤمن تقيّ» لحديث فيه.
(الأطهار) جمع: طهير وطهر؛ كما في «القاموس» أي: المطهّرين في عناصرهم، وهو مقتبس من قوله تعالى (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (٣٣) [الأحزاب] ، وفي وصف «الآل» بالأطهار تصريح بأنهم مستحقّون للصلاة عليهم تبعا له ﷺ كما علمناه في حديث: كيف نصلّي عليك!! قال: «قولوا اللهمّ؛ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد» ولم يقل: «آل محمد الأتقياء» أو السالمين من المعاصي والتبعات ... أو نحو ذلك، فدلّ على أن ذلك حقّ لهم كيفما كانوا. ولله درّ الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى آمين- حيث يقول:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم ... فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم القدر أنّكم ... من لّم يصلّ عليكم لا صلاة له
فظهر بهذا أن تارك الصلاة على الآل تارك لفضيلة عظيمة وسنّة جسيمة.
(وأصحابه) اسم جمع ل «صاحب» ، بمعنى الصحابي؛ وهو: من اجتمع مؤمنا بالنبي ﷺ بعد نبوته في حال حياته ومات على ذلك؛ ولو أعمى، أو غير مميز، أو ملكا، أو جنيّا- على الأصح- كما شملته «من» .
وهم أفضل من آل لا صحبة لهم. وإنما قدّم الآل؛ لأنّ الصلاة وردت عليهم بالنصّ، وأما الصلاة على الصحب؛ فبالقياس.
(الأخيار) فيه إشارة إلى أنّ الصحابة كلّهم عدول، وأنّ طعن
стр. 58
وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد:
الطاعن في بعضهم غير مرضيّ ولا مقبول. وبين الآل والصّحب عموم وخصوص من وجه؛ لاجتماع الآل والصحب فيمن كان من أقاربه واجتمع به؛ كسيدنا علي بن أبي طالب، وانفراد الآل فيمن كان من أقاربه ولم يجتمع به؛ كأشراف زماننا هذا، وانفراد الصحب فيمن اجتمع به ولم يكن من أقاربه؛ كأبي بكر الصدّيق ﵁. (وسلّم تسليما كثيرا) السلام: هو تسليمه من كلّ آفة ونقص.
(أمّا بعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر. وأتى بها!! تأسّيا به ﷺ ، فإنّه كان يأتي بها في خطبه ونحوها كما صحّ عنه، بل رواها عنه اثنان وثلاثون صحابيا؛ كما قاله ابن علّان. وقال الزرقاني: روى ذلك أربعون صحابيا؛ كما أفاده الرهاوي في «أربعينه» المتباينة الأسانيد. انتهى.
وأوّل من قالها داود ﵇ كما قيل- فهي «فصل الخطاب» الذي أوتيه. لأنها تفصل بين المقدمات والمقاصد، والخطب والمواعظ. قال العلقمي في «حاشية الجامع الصغير» : وبهذا قال كثير من المفسرين.
وقيل: أول من قالها قسّ بن ساعدة الإيادي، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل:
يعرب بن قحطان، وقيل: «سحبان وائل» بالإضافة الذي كان في الجاهلية، لا سحبان بن وائل الذي كان في زمان معاوية، خلافا لمن وهم فيه. نبّه عليه البلغيثي عن التلمساني في «حاشية الشفا» . قال: ولا يدلّ قول سحبان بن وائل:
«لقد علم الحيّ اليمانون أنّني ... إذا قلت: «أمّا بعد» أنّي خطيبها»
على أنّه أوّل من قالها. انتهى.
وعلى هذه الأقوال ف «فصل الخطاب» الذي أوتيه داود ﵊ هو: «البيّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر» .
стр. 59
فقد خطر لي أن أجمع كتابا أجعله وسيلة لبلوغي من رضا الله تعالى ورسوله المرام، وذريعة للانتظام في سلك خدّامه ...
وقال المحققون: فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل.
وهي ظرف مبنيّ على الضّم؛ كغيره من الظروف المقطوعة عن الإضافة.
ويجوز ضمّ الدّال مع التنوين، كما يجوز نصبه منّونا؛ وغير منوّن.
ووجوه ذلك مفصّلة في كتب النحو؛ ك «شرح القطر» وغيره.
وهي ظرف زمان كثيرا؛ ك «جاء زيد بعد عمرو» ، وظرف مكان قليلا؛ ك «دار زيد بعد دار عمرو» . وهي هنا صالحة للزمان باعتبار اللفظ، وللمكان باعتبار الرّقم. ولكون «أمّا» نابت مناب اسم الشرط الذي هو «مهما» ؛ أجيبت بالفاء، إذ التقدير: مهما يكن من شيء بعد ما تقدّم من الحمد والشهادتين والصلاة والسلام على النبي ﷺ ؛ (فقد خطر لي) . الخاطر: ما يخطر في القلب من تدبير أمر، فيقال: خطر ببالي، وعلى بالي، خطرا، وخطورا من بابي «ضرب، وقعد» ؛ (أن أجمع) ؛ أي: أؤلّف (كتابا) - أي- مكتوبا، وتنوينه للتعظيم.
وهو- في الأصل- مصدر سمّي به المكتوب على التوسّع، ثم غلب في العرف على جمع من الكلمات المستقلة بالتعيين المفردة بالتدوين (أجعله وسيلة) - أي: سببا- (لبلوغي) : وصولي (من رضا الله تعالى) . هو كناية عن فعله به ما يفعل الراضي عمن يرضى عنه. وهو إيصال الخير إليه، لأن البلوغ الوصول والانتهاء إلى غاية مقصودة، لكن مع اعتبار ضرب من التمكّن والقوّة، لأنّ المادّة بتقاليبها دائرة على هذا المعنى، والغاية المقصودة هنا رضا الله تعالى، (و) رضا (رسوله) ﷺ ، وذلك غاية المطالب والمقاصد. وقوله (المرام) أي: المطلوب مفعول «بلوغي» ، كقوله تعالى (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) (٨) [مريم] (وذريعة) أي:
وسيلة (للانتظام) أي: الاندراج (في سلك) - بكسر السين- أصل معناه:
الخيط، ومقصوده بذلك التقرّب إليه ﷺ حتى يكون معدودا من جملة (خدّامه) بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة-: جمع خادم مثل كاتب وكتّاب،
стр. 60
عليه الصّلاة والسّلام.
ثمّ نظرت إلى قلّة علمي، ...
والمراد كونه من المشتغلين بخدمة الجناب النبوي لينخرط في سلك المحبوبين عند رسول الله ﷺ ويدلي بدلوه معهم في بحر فضله الذي لا يخيب قاصده، ولا يظمأ وارده، مستمطرا سحائب إحسانه، مستنزلا غزير برّه وامتنانه، لأنّ أدنى انتساب إليه ﷺ يحصل غاية النفع والشرف، إذ لم يخلق الله خلقا أكرم عليه منه ﷺ ، ولم يخلق جاها أعظم من جاهه؛ فيحصل لخادمه من الجاه بحسب ماله ﷺ من العزّ والشرف.
قال سيّدي عبد الوهّاب الشعراني: ما في الوجود من جعل الله له الحلّ والربط، دنيا وأخرى؛ مثل النبي ﷺ ، فمن خدمه على الصدق والمحبّة والوفاء، دانت له رقاب الجبابرة، وأكرمه جميع المؤمنين كما ترى ذلك فيمن كان مقرّبا عند ملوك الدنيا. ومن خدم السيّد خدمته العبيد. وكما أن غلام الوالي لا يتعرّض له إذا سكر مثلا؛ إكراما للوالي، فكذلك خدّام النبي ﷺ لا تتعرض لهم الزبانية يوم القيامة؛ إكراما لرسول الله ﷺ . فقد فعلت الحماية مع التقصير ما لا تفعله كثرة الأعمال الصالحة مع عدم الاستناد لرسول الله ﷺ الاستناد الخاصّ. ولله درّ من قال:
وإذا ما الجناب كان عظيما ... مدّ منه لخادميه لواء
وإذا عظّمت سيادة متبو ... ع أجلّ أتباعه الكبراء
وقد كان المصنّف رحمه الله تعالى ممّن له القدح المعلّى في خدمة الجناب النبوي؛ بالتأليف والمديح والصلوات ونشر علوم السنة النبوية، نظمنا الله تعالى في سلك أحبابه المتعلّقين بجنابه ﵊ بمنّه وكرمه. آمين.
(ثمّ نظرت إلى قلّة علمي) . في «القاموس» : نظره ونظر إليه؛ نظرا، ومنظرا: تأمّله بعينه. قال الشارح: هكذا فسّره الجوهري. وفي «البصائر» :
والنظر أيضا تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته. وقد يراد به التأمّل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص. وقوله تعالى (قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ) [يونس/ ١٠١]- أي: تأمّلوا-.
стр. 61
وضعف فهمي، وكثرة ذنوبي، ووفرة عيوبي.. فأحجمت إحجام من عرف حدّه فوقف عنده، ثمّ تخطّرت سعة الكرم، وكوني من أمّة هذا النّبيّ الكريم.. فأقدمت إقدام الطّفل على الأب الشّفيق الحليم، ...
واستعمال النظر في البصر أكثر استعمالا عند العامّة، وفي البصيرة أكثر استعمالا عند الخاصّة. ويقال: نظرت إلى كذا؛ إذا مددت طرفك إليه، رأيته؛ أو لم تره، ونظرت إليه إذا رأيته وتدبّرته، ونظرت في كذا: تأمّلته. ثم قال: وإذا قلت «نظرت إليه» لم يكن إلّا بالعين، وإذا قلت «نظرت في الأمر» ؛ احتمل أن يكون تفكّرا وتدبرا بالقلب. انتهى.
(وضعف فهمي) هذا منه تواضع رحمه الله تعالى، (وكثرة ذنوبي) ؛ جمع ذنب، وهو الإثم والمعصية. وقد أذنب الرجل صار ذا ذنب. وقد قالوا: إن هذا من الأفعال التي لم يسمع لها مصدر على فعلها، لأنه لم يسمع إذناب ك «إكرام» ، (ووفرة) ، أي: كثرة (عيوبي) ؛ جمع عيب: وهو الوصمة (فأحجمت) عمّا أردت من تأليف الكتاب المذكور، أي: كففت عنه. يقال «حجمته عن الشيء» ؛ أي كففته عنه، وأحجم هو عنه أي: كفّ. وهو من النوادر مثل: كببته فأكبّ؛ قاله الجوهري (إحجام) ، أي: إحجاما مثل إحجام (من عرف حدّه) - أي:
عرف نفسه بالقصور- (فوقف عنده) أي: عند حدّه، حيث كان قاصرا عن بلوغ هذه الرتبة.
(ثمّ تخطّرت) أي: تذكّرت (سعة الكرم) من الله ، (و) تخطّرت (كوني من أمّة هذا النّبيّ الكريم ف) رجوت أن يكرمني الله بنيل هذا الأرب؛ لأجل نبيه ﷺ فقوي رجائي، و (أقدمت) على تنفيذ هذا العزم، وهو تأليف الكتاب (إقدام) أي: إقداما مثل إقدام (الطّفل على الأب) أي: أبيه (الشّفيق) كثير الشفقة (الحليم) على ولده؛ فلا يعاقبه إذا أساء، لأن حلمه وشفقته يمنعانه. والنبي ﷺ هو أبو المؤمنين، وأزواجه أمهاتهم، لا سيما
стр. 62
بعد أن سمعت قول الله تعالى: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ١٢٨] .
فكم من أعرابيّ فدم، لا أدب له ...
(بعد أن سمعت قول الله تعالى) في سورة التوبة واصفا له بالرحمة والرأفة لأمته، حيث قال (لَقَدْ جاءَكُمْ) - أيها العرب- (رَسُولٌ) - هو محمد ﷺ (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) - أي: منكم تعرفون نسبه وحسبه، وأنّه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. وهو ترغيب للعرب في نصره، فإنّه تم شرفهم بشرفه، وعزّهم بعزه، وفخرهم بفخره، فإنه من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف وطهارة النسب والأخلاق الحميدة- (عَزِيزٌ) - أي: شديد- (عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) - أي: عنتكم، أي مشقّتكم ولقاؤكم المكروه (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) أن تهتدوا- (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ) - شديد الرحمة- (رَحِيمٌ) (١٢٨) مريد لهم الخير. وقيل: بالمؤمنين رؤوف؛ أي: بالطائعين منهم، رحيم بالمذنبين. قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه تعالى إلّا للنبي ﷺ فسمّاه رؤوفا رحيما. وقال (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (٦٥) [الحج] .
(فكم) خبرية، بمعنى عدد كثير ومميّزها قوله (من أعرابيّ) فهو مجرور ب «من» ؛ كما في قوله تعالى (* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ) [النجم/ ٢٦] ، والأعرابيّ:
ساكن البادية (فدم) - بفتح فسكون- هو من الناس العييّ عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلّة فهم، وهو أيضا: الغليظ الأحمق الجافي؛ كما في «القاموس» . ويصحّ إرادة كلّ من المعنيين هنا.
(لا أدب له) ، قال الحافظ السيوطي في «التوشيح» : الأدب: استعمال ما يحمد قولا وفعلا. وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق. وقيل: الوقوف مع المستحسنات. وقيل: تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، يقال: إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سمّي به!! لأنّه يدعى إليه. انتهى.
стр. 63
ولا فهم، ولا عقل له ولا علم، ولا كرم ولا حلم.. قابل جنابه الشّريف بما غضب له المكان والزّمان، ...
(ولا فهم) الفهم: سرعة انتقال النفس من الأمور الخارجية إلى غيرها.
وقيل: الفهم تصوّر المعنى من اللفظ. وقيل: هيئة للنفس يتحقق بها ما يحسن.
وفي «إحكام الآمدي» :
الفهم جودة الذهن من جهة تهيّئه لاقتناص ما يرد عليه من المطالب.
(ولا عقل له) كامل. والعقل: نور روحاني يقذف به في القلب؛ أو الدماغ، به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية. واشتقاقه من العقل؛ وهو:
المنع!! لمنعه صاحبه عما لا يليق، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو ويزيد إلى أن يكمل عند البلوغ. وقيل: إلى أن يبلغ أربعين سنة، فحينئذ يستكمل عقله، كما صرّح به غير واحد. وفي الحديث: «ما من نبيّ إلّا نبّىء بعد الأربعين» وهو يشير إلى ذلك.
(ولا علم) العلم: هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع لموجب. وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل. والأوّل أخصّ من الثاني. وقيل:
العلم هو إدراك الشيء على ما هو به. وقيل: زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه. وقيل: العلم صفة راسخة يدرك بها الكليات والجزئيات. وقيل: العلم وصول النفس إلى معنى الشيء. وقيل: هو مستغن عن التعريف.
(ولا كرم) الكرم: هو الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه.
(ولا حلم) الحلم: حالة توقّر وثبات عند الأسباب المحركات.
(قابل جنابه الشّريف) الجناب- بفتح الجيم- أصله الجانب؛ وهو: شقّ الإنسان.
فكأنّ للإنسان شيئا محسوسا يسمّى بالجناب والقدر؛ يحتشم صاحبه لأجله.
والمراد هنا: ذاته ﷺ . والمعنى: فكم من أعرابيّ جلف واجهه ﷺ (بما) أي:
بخلق سيّء (غضب له) أي: لأجل ذلك الخلق الصادر منه (المكان والزّمان) ؛
стр. 64
وخاطبه بما عبس له وجه السّيف واحتدّ له لسان السّنان ...
غيرة عليه ﷺ أن تنتهك حرمته؛ كما وقع له مع قومه الذين وطئوا ظهره، وأدموا وجهه، وكسروا رباعيته، فأبى أن يقول إلّا خيرا. وقال: «اللهمّ؛ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون» . ولما تصدّى له غورث بن الحارث ليفتك به ورسول الله ﷺ في ناحية تحت شجرة وحده قائلا؛ والناس قائلون في غزوة ذات الرقاع، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ إلّا وهو قائم بيده السيف صلتا. فقال: من يمنعك مني؟. فقال:
«الله» . فسقط السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ ؛ وقال: «من يمنعك منّي؟» قال: كن خير آخذ. فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. ﷺ .
وعن أنس ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ ؛ وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد؛ احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك؛ ولا من مال أبيك. فسكت النبي ﷺ ، ثم قال: «المال مال الله وأنا عبده» ، ثم قال: «ويقاد منك يا أعرابيّ ما فعلت بي!» قال: لا.
قال: «ولم؟» قال: لأنّك لا تكافىء بالسيئة السيئة!! فضحك النبي ﷺ ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى آخر تمر.
وإسناد الغضب إلى الزمان والمكان مجار عقلي لوقوعه فيهما.
(و) كم من أعرابي غليظ الطبع (خاطبه) ﷺ (بما) ، أي: بكلام خشن (عبس) من باب (ضرب) عبوسا: قطب وجهه فهو عابس (له) ، أي: لأجل هذا الكلام (وجه السّيف، واحتدّ) أي: غضب (له لسان السّنان) - بكسر السين؛ ككتاب. المراد به الرمح- ومعناه في الأصل: نصل الرمح؛ أي:
حديدته. يعني أنّه استحق القتل، فكأنّ السيف والرمح هاج بهما الغضب على هذا الأعرابي يريدان الانتقام منه؛ نصرة لرسول الله ﷺ . كما وقع له ﷺ مع الرجل الذي قال له: اعدل؛ فإنّ هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، فلم يردّ عليه إلّا بقوله:
стр. 65
فكان جوابه الإغضاء، والعفو عمّن أساء، بل أدناه وقرّبه، وما لامه وما أنّبه، بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة في قالب ...
«ويحك فمن يعدل إن لم أعدل!! خبت وخسرت إن لم أعدل» ، ونهى من أراد من أصحابه قتله.
وفي الكلام استعارتان بالكناية؛ حيث شبّه كلا من السيف والسنان بإنسان يريد الانتقام نصرة لرسول الله ﷺ . وحذف المشبّه به الذي هو الإنسان، ورمز له بشيء من لوازمه؛ وهو الوجه واللسان، والعبوس والاحتداد (ترشيح) «١» .
(فكان جوابه) ﷺ لذلك المسيء (الإغضاء) ، أي: الإمساك وعدم المؤاخذة. وفي «المصباح» : أغضى عينيه: قارب بين جفنيهما. ثم استعمل في الحلم فقيل: أغضى؛ إذا أمسك عفوا عنه. وفي «المحكم» : أغضى على قذى، صبر على أذى. انتهى.
(و) كان جوابه (العفو عمّن أساء) ، لأنّه ﷺ لا ينتقم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمات الله تعالى؛ فينتقم لله. كما عفا عن اليهودية التي سمّته في الشاة بعد اعترافها، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره؛ وقد أعلم به وأوحي إليه بشرح أمره!! (بل أدناه) ؛ أي: ذلك الأعرابي المسيء (وقرّبه) عطف تفسير، (وما لامه) : عذله، (وما أنّبه) أي: عنّفه. يقال: أنّبه تأنيبا: عنّفه ولامه ووبّخه، والتأنيب أشدّ العذل؛ وهو التوبيخ والتثريب. والتأنيب المبالغة في التوبيخ والتعنيف، ومنه حديث توبة كعب بن مالك: ما زالوا يؤنّبوني.
(بل أفرغته أخلاقه المحمّديّة) أي: صبّته (في قالب) - بفتح اللام وكسرها-: هو الشيء يفرغ فيه الجواهر ليكون مثالا لما يصاغ منها، وهو دخيل.
والصواب أنّه معرّب، وأصله كالب، لأن هذا الوزن ليس من أوزان العرب ك «الطابق» ونحوه؛ وإن ردّه الشهاب في «شرح الشفا» بأنه غير صحيح، فإنها
стр. 66
كيمياء السّعادة بأيادي الإحسان، حتّى اضمحلّت حدّة ذلك الوحش وانقلبت حديدته جوهرة إنسان، فتبدّل بغضه بالحبّ، وبعده بالقرب، وحربه بالسّلم، وجهله بالعلم ...
دعوى خالية عن الدليل. وصيغته أقوى دليل على أنّه غير عربي، إذ فاعل- بفتح العين- ليس من أوزان العرب، ولا من استعمالاتها. انتهى «شرح القاموس» .
(كيمياء السّعادة) المراد بذلك تهذيب النفس باجتناب الرذائل وتزكيتها عنها، واكتساب الفضائل وتحليتها بها. والكيمياء لغة مولّدة من اليونان؛ أصل معناها الحذق والحيلة؛ قاله الخفاجي.
(بأيادي الإحسان) جمع يد؛ وهي الجارحة. ثم أطلقت على النعمة مجازا.
ويحتمل أن يكون المعنى بأياد هي الإحسان، فالإضافة بيانيّة.
(حتّى اضمحلّت) : ذهبت (حدّة) - بكسر الحاء وتشديد الدّال المهملتين-:
هي ما يعتري الإنسان من الخفّة والطيش والغضب، تقول: حددت على الرجل أحدّ بالكسر- حدّة أيضا؛ عن الكسائي. (ذلك الوحش) أصل الوحش: حيوان البرّ الّذي لا يستأنس. فشبه به الإنسان الذي لم يتهذّب بالأخلاق الحسنة بجامع النّفرة من كلّ، (وانقلبت) أي: تبدّلت (حديدته) : القطعة من الحديد المعروف (جوهرة إنسان) كامل بالإضافة. والمراد أنّ هذا الأعرابي الجلف الذي كان سيّء الأخلاق نافرا كالوحش يشبه الحديد في القسوة؛ لمّا أشرقت عليه شمس النبوة، ورأى تلك الطلعة البهيّة، وأبصر الأخلاق المحمدية، وسمع الحكم المصطفيّة «١» ؛ تهذّبت نفسه، وحسنت أخلاقه، وتغيّرت طباعه؛ (فتبدّل بغضه) للنبي ﷺ ؛ وللإسلام (بالحبّ) لهما، (و) تبدّل (بعده) عنهما (بالقرب) منهما، (و) تبدّل (حربه بالسّلم) - بكسر السين: الصلح- (و) تبدّل (جهله بالعلم) .
стр. 67
واستحال إنسانا بعد أن كان ثعبانا، وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا.
فهذا وأمثاله من شواهد مكارم أخلاقه ﷺ ..
أطمعني بإمكان قبولي في جملة خدمه، ودخولي في عداد حشمه، ولا يبعد عن سعة كرم الله تعالى أن يهب لي إكراما لرسوله فوق ما أمّلته من الرّضا والقبول.
وللجلال السيوطي رحمه الله تعالى فيما يقال بكسر أوّله وضدّه بفتح أوله، هذان البيتان:
عن الأوائل أسماء أوائلها ... بالكسر جاء، وأضداد لها فتحا
العلم والحلم والسّلم الغنى وتلا ... خصب وفتح لأضداد لها وضحا
وذيّل عليهما السيد المرغني حفيد السيد محمد عثمان المرغني في «شرحه» لمولد جدّه المذكور ذاكرا أضداد ذلك؛ وهو ما كان أوّله مفتوحا؛ فقال:
وذاك جهل وحرب يا فتى سفه ... جدب وفقر لربّ فضله طفحا
(واستحال) أي: صار (إنسانا) حقيقيّا (بعد أن كان) إنسانا صوريّا يشبه في أخلاقه (ثعبانا) ، وهو: الحية الضخمة الطويلة تصيد الفأر، (وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا) ؛ أي: كالذيب في الخبث والدّهاء.
(فهذا؛ وأمثاله من شواهد مكارم أخلاقه ﷺ أطمعني) ، أي: جعلني طامعا (بإمكان قبولي في جملة خدمه) المشتغلين بنشر محاسنه ونصرة دينه، (ودخولي في عداد) - بكسر العين المهملة: المثل- (حشمه) - بفتح أوّليه للواحد والجمع- وهم خاصّة الرجل الذين يغضبون له من أهل وعبيد أو جيرة؛ إذا أصابه أمر. وفي «الصحاح» : حشم الرجل: خدمه ومن يغضب له. سمّوا بذلك!! لأنهم يغضبون له. انتهى.
(ولا يبعد عن سعة كرم الله تعالى أن يهب لي) أي: يعطيني (إكراما لرسوله) مفعول لأجله- (فوق) - أي: زيادة على- (ما أمّلته) ؛ أي: رجوته (من الرّضا والقبول) بيان ل «ما» .
стр. 68
وها أنا قد توكّلت عليه سبحانه، وقبضت قبضة من أثر الرّسول، فجمعت هذا الكتاب ...
(وها) - بفخامة الألف- حرف تنبيه للمخاطب ينبّه بها على ما يساق إليه من الكلام. وتفصل «ها» التنبيه المذكورة من اسم الإرشاة ب (أنا) وأخواته من ضمائر الرفع المنفصلة كثيرا، نحو: ها أنا ذا أفعل كذا. والإخبار عن هذا الضمير بغير اسم الإشارة كما هنا شاذّ؛ كما صرح به ابن هشام في «حاشية التسهيل» ؛ وإن وقع في ديباجة «المغني» حيث قال: (وها أنا بائح بما أسررته) . ومثله قول المصنف.
(قد توكّلت عليه سبحانه) قيل: التوكّل ترك تدبير النفس، والانخلاع عن الحول والقوة. وهو فرع التوحيد والمعرفة، (وقبضت قبضة من أثر الرّسول) .
هذا اقتباس، وهو جائز عند المالكية والشافعية باتفاق، غير أنّهم كرّهوه في الشعر خاصّة. هكذا حكى اتفاق المذهبين الشيخ داود الشاذلي الباهلي. وقد نصّ على جوازه القاضي عياض، وابن عبد البر، وابن رشيق، والباقلاني، وهم من أجلّة المالكية، والنووي شيخ الشافعية، ورواه الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد إلى الإمام مالك أنّه كان يستعمله. قال السيوطي: وهذه أكبر حجّة على من يزعم أن مذهب مالك تحريمه، وقد نفى الخلاف في مذهبه الشيخ داود، وهو أعرف بمذهبه، وأما مذهبنا!! فأنا أعرف أنّ أئمّته مجمعون على جوازه، والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم. فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه، فقد فشر، وأبان عن أنه أجهل الجاهلين. انتهى ذكره الزرقاني على «المواهب» .
(فجمعت هذا الكتاب) ، قال الأردبيلي: يطلق الكتاب على مطلق الخطّ، وعلى الكلام المكتوب؛ تسمية لاسم المفعول بالمصدر، وعلى مطلق الكلام؛ اتساعا، كما في قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) [١٠٥/ النساء] .
ثمّ شاع استعماله في التعارف فيما جمع فيه الألفاظ الدالّة على نوع من المعنى،
стр. 69
من آثاره في شمائله الشّريفة ﷺ ، وأدخلت فيه جميع الشّمائل الّتي رواها الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى التّرمذيّ أو أكثر، لما بين المصدر والمكان من التعلّق الخاصّ، فيقال: أتاني كتاب عن فلان، وسيّرت إلى فلان كتابا، ومنه (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا) [٢٨/ النمل] وأمّا في عرف المؤلفين؛ فيطلق تارة على مكتوب مشتمل على حكم أمر مستقل منفرد عن غيره؛ وعن آثاره ولواحقه وتوابعه وأسبابه وشروطه، وتارة على مكتوب مشتمل على مسائل علم أو أكثر. وقد يسمّى ذلك المكتوب باسم خاصّ، وهو المراد هنا.
(من آثاره) ؛ أي: محاسنه (في شمائله) جمع شمال- بالكسر- أي:
أخلاقه (الشّريفة ﷺ وصفاته المحمودة، (وأدخلت) - أي: أدرجت- (فيه) ؛ أي: في هذا الكتاب (جميع) كتاب ( «الشمائل) النبوية» (الّتي رواها) بأسانيده (الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى) بن سورة بن موسى بن الضحّاك؛ (التّرمذيّ) . قال الأصفهاني في كتابه «لبّ اللباب في الأنساب» :
التّرمذي- بضمّ التاء، وفتحها، وكسرها- نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له: «جيحون» ، خرج منها جماعة، منهم: الترمذي صاحب «الجامع» و «العلل» . انتهى. وسكت عن بيان حركة ميمه، وبيّنها أصل أصله:
السمعانيّ، وعبارته: التّرمذي؛ بكسر المثناة من فوق والميم، وبضمّها، وبفتح المثناة وكسر الميم. انتهى. وفي الراجح من هذه اللغات خلاف. فقال ابن سيّد الناس: المتداول بين أهل تلك المدينة فتح التاء وكسر الميم، والذي نعرفه قديما كسرهما معا، والذي يقوله المتقنون أهل المعرفة بضمّهما. وكلّ واحد يقول لها معنى يدّعيه. انتهى.
وفي «طبقات الحفاظ» للذهبي: قال شيخنا ابن دقيق العيد: ترمذ- بالكسر- هو المستفيض على الألسنة حتى يكاد يكون كالمتواتر. وقال الباجي: سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري يقول: هو بضمّ التاء. انتهى. وهو الحافظ الضرير أحد الأئمة الستّة، قيل: إنّه ولد أكمه، طاف البلاد فسمع من قتيبة وعلي بن حجر
стр. 70
رضي الله تعالى عنه بعد حذف مكرّرها وأسانيدها، ولم أتقيّد بترتيبه وتبويبه، بل سلكت أسلوبا غير أسلوبه، وأضفت إليها من كتب الأئمّة الآتي ذكرهم أكثر منها بكثير، ...
وأبي كريب وخلائق، وأخذ علم العلل والرجال عن البخاري، وروى عنه حمّاد بن شاكر، وأحمد بن حسنويه، ومحمد بن أحمد بن محبوب، وآخرون. وقد سمع منه البخاري أيضا. قال ابن حبان في «الثقات» : كان ممّن جمع وصنّف وحفظ وذاكر.
ولد سنة: - ٢٠٩- مائتين وتسع- بتقديم المثناة على المهملة- قال المستغفري: مات في شهر رجب سنة: - ٢٧٩- تسع- بتقديم المثناة على المهملة- وسبعين- بتقديم المهملة على الموحدة- ومائتين، فعمره سبعون سنة بتقديم المهملة على الموحدة-. (رضي الله تعالى عنه) ورحمه رحمة واسعة.
آمين.
(بعد حذف مكرّرها) أي: حذف الأحاديث المكرّرة فيها من نوع واحد بدون زيادة. (و) بعد حذف (أسانيدها) جمع إسناد؛ وهو: الإخبار عن طريق المتن، والسند: رجال المتن. وقيل: هما بمعنى وعليه جرى الجلال السيوطي في «ألفيته» حيث قال:
والسّند الإخبار عن طريق ... متن كالاسناد لدى فريق
وعبّر المصنف بالحذف الذي يكون عادة بعد الذكر!! إشعارا بأن السند مما يعتني به أرباب الإتقان، فكأنّه ذكره ثم حذف، ولو عبّر بالترك ونحوه لما فهم ذلك.
(ولم أتقيّد بترتيبه) ، أي: الترمذي، (و) لم أتقيّد بألفاظ (تبويبه) أي:
تراجم الأبواب، (بل سلكت أسلوبا غير أسلوبه) أي: طريقة غير طريقته، (وأضفت) ؛ أي: ضممت (إليها) - أي: «شمائل الترمذي» - (من كتب الأئمّة الآتي ذكرهم) زيادات (أكثر منها) ؛ أي: «الشمائل الترمذية» .
(بكثير) ؛ بحيث أن الزيادة تبلغ نحو ثلاثة أمثال «الشمائل الترمذية» .
стр. 71
وألحقت بغريب الألفاظ ما تدعو إليه الحاجة من ضبط أو تفسير.
فجاء كتابا حافلا ليس له في بابه نظير.
وسمّيته: «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول» وهذا بيان الكتب الّتي نقلته منها، ورويته عنها:
١- «كتاب الشّمائل» للإمام التّرمذيّ.
٢- «المصابيح» ...
(وألحقت بغريب الألفاظ) اللغوية، أي: التي هي غير مألوفة الاستعمال، أي: أتبعتها (ما تدعو إليه الحاجة من ضبط) لحروفه نحو «بالفوقية، أو التحتية» وبيان ما قد يشتبه من الحركات، (أو تفسير) أي: شرح معنى للفظ خفيّ؛ بأن يكون فيه غموض بحيث يعسر فهم معناه من مبناه إلّا للعارف، أو تكون دلالته فيها غموض، بأن يكون ذلك اللفظ مصروفا عن ظاهره لمقتض.
(فجاء) - أي: فبعد إتمامه- على الكيفية التي ذكرها صار (كتابا حافلا ليس له في بابه نظير) ، لما جمع فيه مما تفرّق في غيره؛ من صحيح الأخبار ومشهورها؛ المشتملة على شمائله وأخلاقه الحميدة وعباداته وغيرها.
(وسمّيته «وسائل الوصول) - الوسائل: جمع وسيلة؛ وهي ما يكون سببا لتحصيل شيء- (إلى شمائل الرّسول» ) ﷺ .
(وهذا بيان) أسماء (الكتب الّتي نقلته منها، ورويته عنها:
كتاب «الشّمائل» للإمام) أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) الحافظ الضرير، وقد تقدّمت ترجمته قريبا.
(المصابيح) أي: كتاب «مصابيح السنة» ، قيل: إنّ مؤلّفه لم يسمّه ب «المصابيح» نصّا منه، وإنما صار هذا الاسم علما بالغلبة من حيث إنّه قال في مقدّمتها: أما بعد؛ فهذه ألفاظ ... إلى أن قال: هن مصابيح الدجى ... الخ.
قسمه مؤلفه إلى صحاح وحسان، مريدا بالصحاح: ما أخرجه الشيخان: البخاري
стр. 72
للإمام البغويّ.
٣- «الإحياء» للإمام الغزاليّ.
ومسلم، أو أحدهما. وبالحسان: ما أخرجه أرباب السنن الأربعة مع الدارمي، أو بعضهم؛ وهو اصطلاح له، ولم يعيّن فيه من أخرج كلّ حديث على انفراده، ولا الصحابي الذي رواه (للإمام) ركن الدين محيي السنة: أبي محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرّاء (البغويّ) نسبة إلى «بغا» : قرية من قرى خراسان بين مرو وهراة، الفقيه الشافعي المحدّث المفسر صاحب المصنّفات المبارك له فيها، لقصده الصالح، المتعبّد الناسك الرباني، المولود سنة: - ٤٣٦- ست وثلاثين وأربعمائة، والمتوفّى بمرو سنة: - ٥١٦- ست عشرة وخمسمائة هجرية، له كتاب «التهذيب» في الفقه الشافعي، و «شرح السنة» في الحديث، و «مصابيح السنة» في الحديث، و «الجمع بين الصحيحين» ، وتفسير «معالم التنزيل» ، وغير ذلك رحمه الله تعالى. آمين.
(الإحياء) ؛ أي «إحياء علوم الدين» الذي هو أجلّ كتب المواعظ وأعظمها، حتى قيل فيه: إنّه لو ذهبت كتب الإسلام وبقي «الإحياء» لأغنى عما ذهب.
(للإمام) حجّة الإسلام: أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد (الغزاليّ) بالتخفيف للزاي في المشهور؛ نسبة إلى «غزالة» : قرية من قرى طوس، أو بتشديد الزاي [غزّالي] نسبة إلى صناعة الغزل. الشافعي، جامع أشتات العلوم، المبرز في المنطوق منها والمفهوم، من شاع ذكره في البلاد، واشتهر فضله بين العباد.
ولد ب «الطابران» : قصبة طوس بخراسان سنة: - ٤٥٠- خمسين وأربعمائة، ورحل إلى نيسابور، ولازم إمام الحرمين؛ حتى برع في المذهب والخلاف والجدل والأصلين والمنطق، وقرأ الحكمة والفلسفة، وأحكم كلّ ذلك، وفهم كلام أرباب هذه العلوم، وتصدّى للردّ على مبطليهم؛ وإبطال دعاويهم، وصنّف في كلّ فنّ من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها، وأجاد وصفها وترصيفها، ورحل إلى بغداد؛ فالحجاز؛ فبلاد الشام؛ فمصر، وكان شديد الذكاء، سديد النظر، عجيب
стр. 73
٤- «الشّفا» للقاضي عياض.
الفطرة، مفرط الإدراك، قويّ الحافظة، بعيد الغور، غوّاصا على المعاني الدقيقة، جبل علم، مناظرا محجاجا.
ثم عزفت نفسه عن الدنيا؛ فرفض ما فيها من التقدّم والجاه، وأخذ يجول في البلاد، ويجاهد نفسه جهاد الأبرار، ويكلّفها مشاقّ العبادات، ويبلوها بأنواع القرب والطاعات، إلى أن صار قطب الوجود؛ وتكلّم على لسان أهل الحقيقة، وحدّث بكتاب «الإحياء» ، وقد شهد له أبو العباس المرسي بالصدّيقيّة العظمى.
وكانت وفاته بطوس سنة: - ٥٠٥- خمس وخمسمائة هجرية. رحمه الله تعالى.
( «الشّفا) بالتعريف بحقوق المصطفى» ﷺ ، وهو كتاب عظيم النفع كثير الفائدة، لم يؤلّف مثله في الإسلام، وقد جربت قراءته لشفاء الأمراض المزمنة، وتفريج الكروب، ودفع الخطوب؛ شكر الله سعي مؤلّفه، وجازاه عليه بأتمّ الجزاء وأعظمه. ولم ينصف الذهبي في قوله: إنه محشوّ بالأحاديث الموضوعة والتأويلات الواهية الدالّة على قلّة نقده بما لا يحتاج قدر النبوة له. انتهى. نعم؛ في كتاب «الشفا» أحاديث ضعيفة، وأخرى قيل فيها: إنها موضوعة، تبع فيها «شفاء الصدور» للخطيب أبي الربيع سليمان بن سبع السبتي. والله أعلم.
(للقاضي) أبي الفضل: (عياض) بن موسى بن عياض اليحصبي نسبا؛ نسبة إلى يحصب بن مالك «قبيلة من حمير» ، السّبتي دارا وبلدا؛ نسبة إلى «سبتة» مدينة مشهورة بالمغرب، الأندلسي أصلا، المالكي مذهبا.
الإمام البارع المتفنّن، عالم المغرب، المتمكّن في علم الحديث، والأصلين، والفقه والعربية. وكان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم. وله مصنفات في كلّ نوع من العلوم المهمّة. وكان من أصحاب الأفهام الثاقبة.
وكانت ولادته في نصف شعبان سنة: - ٤٧٦- ست وسبعين وأربعمائة. وقدم
стр. 74
٥- «التهذيب» للإمام النّوويّ.
الأندلس طالبا للعلم، وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وجمع من الحديث كثيرا. واستقضي ببلده مدّة طويلة حمدت سيرته فيها. ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة؛ فلم يطل أمره بها، وتوفي بمراكش سنة: - ٥٤٤- أربع وأربعين وخمسمائة. ودفن بباب «ايلان» داخل المدينة. رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
آمين.
(التّهذيب) ؛ أي: «تهذيب الأسماء واللّغات» جمع فيه مؤلفه الألفاظ الموجودة في «مختصر المزني» ، و «المهذّب» ، و «الوسيط» ، و «التنبيه» ، و «الوجيز» ، و «الروضة» ، وقال: إن هذه الستة تجمع ما يحتاج إليه من اللغات. وضمّ إلى ما فيها جملا مما يحتاج إليه مما فيها من أسماء الرجال والنساء والملائكة والجن وغيرهم ممن له ذكر في هذه الكتب برواية؛ أو غيرها، مسلما كان؛ أو كافرا، برّا كان؛ أو فاجرا.
ورتّبه على قسمين: الأول في الأسماء؛ وصدّره باسم النبي ﷺ والكلام على أحواله وشمائله، والثاني في اللغات. وهو كتاب جيّد في بابه مفيد مشهور.
(للإمام) الحافظ الحجّة الهادي الناس إلى المحجّة، أستاذ المتأخرين، وشيخ الإسلام والمسلمين، وقدوة الحفّاظ والمحدثين، حامل لواء مذهب الشافعي على كاهله، ومحرّر دلائله في بكره وأصائله، المتّفق على جلالته وعلوّ رتبته وولايته، وارتقاء مكانته: أبي زكريا يحيى بن شرف بن مرّي بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة الشيخ محيي الدين (النّوويّ) نسبة ل «نوى» :
قرية من قرى حوران دمشق، الشافعي، صاحب التصانيف النافعة.
ولد سنة: - ٦٣١- إحدى وثلاثين وستمائة ب «نوى» . واجتهد في جميع العلوم، واعتنى بالحديث فسمع من كثير من الشيوخ، وسمع الكتب الستة و «المسند» و «الموطّأ» و «شرح السنة» ، و «سنن الدراقطني» وأشياء كثيرة.
وتفقّه على الكمال سلّار.
стр. 75
٦- «الهدي النّبويّ» للإمام محمّد ابن أبي بكر الشّهير بابن قيّم الجوزيّة.
٧- «الجامع الصّغير» ...
وكان حافظا للحديث وفنونه، وصحيحه وعليله، رأسا في معرفة مذهب الشافعي. وتخرّج به جماعة من العلماء؛ منهم علاء الدين بن العطّار، وحدّث عنه الحافظ المزّي، وغيرهما. وكان له الزهد والقناعة، ومتابعة السلف من أهل السنة والجماعة، والمثابرة على أنواع الخير؛ لا يصرف ساعة في غير طاعة، مع التفنّن في أصناف العلوم، فقها، ومتون أحاديث، وأسماء رجال، ولغة ونحوا وصرفا وغير ذلك. وحجّ حجّتين، ونفع الله بتصانيفه في حياته وبعد وفاته.
ولم يزل على الحال المرضيّ إلى أن وافاه الحمام في الرابع والعشرين من شهر رجب الحرام سنة: - ٦٧٦- ست وسبعين وستمائة. رحمه الله تعالى رحمة الأبرار. آمين.
(الهدي النّبويّ) المسمى «زاد المعاد في هدي خير العباد» (للإمام) شمس الدين أبي عبد الله (محمّد بن أبي بكر) بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي (الشّهير ب «ابن قيّم الجوزيّة» ) الحنبلي العلّامة الحافظ المحدّث المصنّف المشهور.
ولد سنة: - ٦٩١- إحدى وتسعين وستمائة، وأخذ عن والده، والصفي الهندي، وابن تيمية، وبرع في جميع العلوم، وغلب عليه حبّ ابن تيمية حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله؛ بل ينتصر له في جميع ذلك. وهو الذي نشر علمه بما صنّفه من التصانيف، وهو طويل النّفس في تصانيفه، يتعانى الإيضاح جهده؛ فيسهب جدّا، ومعظمها من كلام شيخه، متصرّف في ذلك، وله ملكة قوية، ولا يزال يدندن حول مفرداته، ينصرها ويحتجّ لها.
ومات في شهر رجب الحرام سنة: - ٧٥١- إحدى وخمسين وسبعمائة هجرية. رحمه الله تعالى.
( «الجامع الصّغير) في أحاديث البشير النذير» . وهو المعجم الوحيد الآن