وفي كتاب «المواهب» : عن ابن بجير [رضي الله تعالى عنه] قال: أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدّنيا.. جائعة عارية يوم القيامة، ...
(وفي كتاب «المواهب) اللدنية» للعلامة القسطلّانيّ (عن ابن بجير) :
بموحّدة وجيم، صحابي يعدّ في الشاميين، روى عنه جبير بن نفير هكذا أورده الذهبي في «التجريد فيمن عرف بأبيه ولم يسمّ» تبعا لأبي نعيم، وكذا تبعه الحافظ في «أطراف الفردوس» والمنذري في «الترغيب» .
وأورده الذهبي أيضا في باب الكنى فقال: أبو البجير صحابي روى عنه جبير بن نفير ثم ترجم له أبو بجير، روى عنه ابنه بجير حديثا. وفي «الإصابة» أبو بجير غير منسوب. ذكره ابن منده.
وأخرج من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بجير عن أبيه عن جده عن النّبي ﷺ قال: «القرآن كلام ربي» .. الحديث وسنده ضعيف. وترجم عقبه أبو البجير، استدركه ابن الأمين وعزاه لابن العرضي في «المؤتلف» ، ولعله ابن البجير الآتي في المبهمات. انتهى.
فيجوز أن ابن بجير يكنى بأبي البجير فلا خلف، ثم هما شخصان كلّ يكنى بأبي البجير، وراوي هذا الحديث ليس هو الذي روى عنه ابنه، بل الثاني الذي روى عنه جبير بن نفير كما بيّنه في «الجامع الكبير» . وأما الذي روى عنه ابنه فإنما له حديث: «القرآن كلام ربي» انتهى «زرقاني» .
(قال: أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد) - بفتح الميم- (إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا) - حرف تنبيه تؤكّد بها الجملة المصدرة بها- (ربّ نفس) وفي رواية: «ألا يا ربّ نفس» بأداة النداء وحذف المنادى؛ أي:
ألا يا قوم ربّ. وهي للتقليل، والمقام مقام تخويف وتهويل (طاعمة ناعمة في الدّنيا) ؛ أي: مشغولة بلذات المطاعم والملابس، غافلة عن أعمال الآخرة (جائعة عارية) - بالرفع خبر مبتدأ- أي: هي لأنّه إخبار عن حالها (يوم القيامة)
стр. 632
ألا ربّ مكرم لنفسه.. وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه.. وهو لها مكرم» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ...
لا في الدّنيا لوصفها فيها بضد ذلك، أي: تحشر وهي كذلك، يوم الموقف الأعظم، زاد في رواية ابن سعد والبيهقي: «ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدّنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة» .
(ألا ربّ مكرم لنفسه) بمتابعة هواها وتبليغها مناها بتبسطه بألوان طعام الدنيا وشهواتها، وتزينه بملابسها ومراكبها، وتقلبه في مبانيها، وزخارفها، (وهو لها مهين) أن ذلك يبعده عن الله، ويوجب حرمانه من مثال حظ المتقين في الآخرة.
(ألا ربّ مهين لنفسه) بمخالفتها وإذلالها، وإلزامها بعدم التطاول، والاقتصار على الأخذ من الدّنيا بقدر الحاجة، (وهو لها مكرم» ) يوم العرض الأكبر لسعيه لها، فيما يوصلها إلى السعادة الأبدية والراحة السرمدية.
رواه ابن أبي الدنيا وضعّفه المنذري، وأخرجه ابن سعد والبيهقي بزيادة:
«ألا يا ربّ متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله!؟ ما له عند الله من خلاق.
ألا وإنّ عمل الجنة حزن بربوة، ألا وإنّ عمل النار سهل بشهوة!! ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا» .
وروى ابن أبي الدّنيا وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي جالسا، فقلت: ما أصابك: قال:
«الجوع» . فبكيت، فقال: «لا تبك فإنّ شدّة الجوع لا تصيب الجائع- أي: في يوم القيامة- إذا احتسبت في دار الدّنيا» .
(و) روى مسلم وأصحاب «السنن الأربعة» والترمذي أيضا في «الشمائل» :
كلهم (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) .
стр. 633
قال: خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟» ، قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتّسليم عليه، ...
ورواه مالك عنه في «الموطأ» بلاغا والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم؛ عن عمر بن الخطاب، وابن حبان عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن عمر، والطبراني عن عبد الله بن مسعود، وفي سياقهم اختلاف بالزيادة والنقص.
(قال) - أي- أبو هريرة رضي الله تعالى عنه؛ كما «في الشمائل» :
(خرج رسول الله ﷺ أي: من بيته إلى المسجد، أو إلى غيره (في ساعة لا يخرج فيها) ؛ أي: لم تكن عادته الخروج فيها، (ولا يلقاه فيها أحد) أي:
باعتبارها عادته.
وهذه الساعة يحتمل أن تكون من الليل وأن تكون من النهار!!
ويعيّن الأول ما في مسلم أنه ﷺ خرج ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر؛ فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه السّاعة؟» . قالا: الجوع يا رسول الله.
قال: «وأنا والّذي نفسي بيده أخرجني الّذي أخرجكما!! قوما» . فقاما معه، فأتوا رجلا من الأنصار، وهو أبو الهيثم بن التّيّهان. انتهى.
وفي شرح ملّا علي قاري على «الشمائل» ما يعيّن الثاني، وهو ما روي عن جابر: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم جائعا فلم يجد عند أهله شيئا يأكله، وأصبح أبو بكر جائعا ... الحديث.
ولعل ذلك تعدّد فمرة كان ليلا ومرة كان نهارا!.
(فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟!» ) أي: ما حملك على المجيء؟
(قال: خرجت ألقى رسول الله) أي: حال كوني أريد أن ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه) أي: وأريد أن أنظر في وجهه الشريف، (والتّسليم عليه)
стр. 634
فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟» ، قال: الجوع يا رسول الله، قال ﷺ : «وأنا قد وجدت بعض ذلك» .
فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم ...
- بالنصب- على أن التقدير: وأريد التسليم عليه (فلم يلبث أن جاء عمر) أي:
فلم يلبث مجيء عمر، ف «أن» وما بعدها في تأويل مصدر فاعل، والمعنى لم يتأخّر مجيء عمر، بل حصل سريعا بعد مجيء أبي بكر.
(فقال) أي: النبي ﷺ (: «ما جاء بك يا عمر؟!» أي: ما حملك على المجيء؟.
(قال: الجوع يا رسول الله!) كأنه جاء ليتسلّى عنه بالنظر إلى وجهه المكرم، وكان ذلك بعد كثرة الفتوحات، وكثرتها لا تنافي ضيق الحال في بعض الأوقات! لا سيما بعد ما تصدّق أبو بكر بماله.
(قال) رسول الله ﷺ : «وأنا قد وجدت بعض ذلك» ) الجوع الذي أدركك! قاله تسليا وإيناسا لهما لما علم من شدّة جوعهما، ( [فانطلقوا] ) أي:
ذهبوا وتوجهوا (إلى منزل أبي الهيثم) - بمثلاثة- هكذا صرّح به في «الموطأ» ؛ والترمذي، وكذا البزار، وأبو يعلى، والطبراني؛ عن ابن عباس، والطبراني أيضا عن ابن عمر.
وفي رواية عند الطبراني وابن حبان «في صحيحه» عن ابن عباس أنّه أبو أيوب، والظاهر أن القضية اتفقت مرة مع أبي الهيثم، كما صرّح به في أكثر الروايات، ومرة مع أبي أيوب.
وفي رواية مسلم: رجلا من الأنصار. وهي محتملة لهما، وعلى كل ففيه منقبة عظيمة لكلّ منهما إذ أهّله ﷺ لذلك، وجعله ممن قال الله فيهم:
أَوْ صَدِيقِكُمْ [٦١/ النور] . انتهى «زرقاني» .
стр. 635
ابن التّيّهان الأنصاريّ- وكان رجلا كثير النّخل والشّاء، ولم يكن له خدم- فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟» ، فقالت:
انطلق يستعذب لنا الماء.
واسم أبي الهيثم: مالك (بن التّيّهان) - بفتح التاء المثناة فوق، وتشديد الياء المثناة، تحت مكسورة- وهو لقب، واسمه عامر بن الحارث، وقيل: عتيك بن عمرو (الأنصاريّ) أي: المنسوب للأنصار لأنه حليفهم، وإلّا! فهو قضاعي ترهّب قبل الهجرة، وأسلم وحسن إسلامه.
وانطلاقهم إلى منزله لا ينافي كمال شرفهم، فقد استطعم موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام قبلهم، وكان للمصطفى مندوحة عن ذلك؛ ولو شاء لكانت جبال تهامة تمشي معه ذهبا؛ لكن الله ، أراد أن يهتدي الخلائق بهم، وأن يستنّ بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعا للأمة.
وهل خرج ﷺ قاصدا من أوّل خروجه إنسانا معينا، أو جاء التعيين بالاتفاق؟! احتمالان، قال بعضهم: الأصحّ أن أوّل خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة معينة، لأن الكمّل لا يعتمدون إلّا على الله تعالى.
(وكان) أي: أبو الهيثم (رجلا) من أشراف الصحابة وأكابرهم، (كثير النّخل) ؛ واحده نخلة، (والشّاء) بالهمز؛ جمع شاة بالتاء، وتجمع أيضا على شياه.
(ولم يكن له خدم) - بفتحتين- جمع خادم، يقع على الذكر والأنثى.
وليس المراد نفي الجمع، بل نفي جميع الأفراد، إذ لم يكن له خادم لا ذكر ولا أنثى، والمقصود من ذكر ذلك بيان سبب خروجه بنفسه لحاجته، فهو توطئة لقوله:
(فلم يجدوه) أي: في البيت لاحتياجه إلى خروجه، بسبب خدمة عياله (فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟» ) ؛ وهو أحسن عبارة من «زوجك» .
(فقالت: انطلق) أي: ذهب (يستعذب لنا الماء) ؛ أي: يأتي لنا بماء عذب، من بئر، وكان أكثر مياه المدينة مالحة.
стр. 636
فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها- أي: يملؤها- فوضعها، ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ ويفدّيه بأبيه وأمّه.
ثم إن هذه المرأة تلقّتهم أحسن التلقّي، وأنزلتهم أكرم الإنزال، وفعلت ما يليق بذلك الجناب الأفخم، والملاذ الأعظم.
ويؤخذ من ذلك حلّ تكليم الأجنبيّة، وسماع كلامها مع أمن الفتنة؛ وإن وقعت فيه مراجعة.
ويؤخذ منه جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها؛ إذا علمت رضاه، وجواز دخول الضيف منزل الشخص، بإذن زوجته؛ مع علم رضاه، حيث لا خلوة محرّمة.
ويؤخذ منه حلّ استعذاب الماء، وجواز الميل إلى المستطاب طبعا من ماء وغيره وأن ذلك لا ينافي الزهد.
(فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم) أي: فلم يمكثوا زمنا طويلا، إلى أن جاء أبو الهيثم، بل مكثوا يسيرا لقرب مجيئه لهم، والمعنى أنه لم يكن لهم انتظار كثير إلى مجيئه (بقربة) أي: متلبسا بقربة، وحاملا لها (يزعبها) - بتحتية مفتوحة، فزاي ساكنة، فمهملة، فموحّدة-؛ من زعب القربة كنفخ إذا ملأها فلذلك قال المصنف:
(أي: يملؤها) وقيل: حملها ممتلئة.
ويؤخذ منه أن خدمة الإنسان بنفسه لأهله، لا تنافي المروءة، بل هي من التواضع، وكمال الخلق،
(فوضعها) أي: القربة
(ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ : يعانقه، ويلصق صدره به؛ تبركا به.
(ويفدّيه) - بضم ففتح فتشديد- (بأبيه وأمّه) أي: يقول: فداك أبي وأمي.
стр. 637
ثمّ انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطا، ثمّ انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال النّبيّ ﷺ : «أفلا تنقّيت لنا من رطبه؟!» ، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا (ثمّ انطلق بهم إلى حديقته) أي: ثمّ انطلق مصاحبا لهم إلى بستانه، فالباء للمصاحبة، والحديقة: البستان، سمي بذلك! لأنهم في الغالب يجعلون عليه حائطا؛ يحدق به، أي: يحيط به، يقال: أحدق القوم بالبلد، إذا أحاطوا به.
(فبسط لهم بساطا) - بكسر أوّله-؛ أي: مدّ لهم فراشا، ونشره للجلوس عليه، وهو فعال بمعنى مفعول، كفراش بمعنى مفروش.
(ثمّ انطلق إلى نخلة) من نخيله (فجاء بقنو) - بكسر القاف وسكون النون-؛ بوزن حمل، - أي: عذق، كما في مسلم وهو: الغصن من النخلة المسمّى بالعرجون؛ فيه بسر وتمر ورطب؛ بمنزلة العنقود من الكرم.
(فوضعه) أي: بين أيديهم، ليتفكّهوا منه قبل الطعام، لأن الابتداء بما يتفكّه من الحلاوة أولى، فإنّه مقوّ للمعدة لأنه أسرع هضما.
وقال القرطبي: إنما قدّم لهم هذا العرجون!! لأنّه الذي تيسر فورا، من غير كلفة، ولأن فيه أنواعا من التمر والبسر والرطب.
(فقال النّبيّ ﷺ : «أفلا تنقّيت) من التنقّي، بمعنى التخيّر، أي: أفلا تخيرات؟ (لنا من رطبه» ) وتركت باقيه! حتى يترطّب فينتفعون به.
فالتنقّي: التخيّر، والتنقية: التنظيف، والرّطب- بضم الراء وفتح الطّاء-:
تمر النّخل؛ إذا أدرك ونضج، الواحدة رطبة.
وهو نوعان: نوع لا يتتمّر، بل إذا تأخر أكله أسرع إليه الفساد، ونوع يتتمر؛ أي: يصير تمرا.
ويؤخذ من الحديث أنه ينبغي للمضيف أن يقدّم إلى الضيف أحسن ما عنده.
(فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا) أي: تتخيروا أنتم بأنفسكم،
стр. 638
من رطبه وبسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء.
فقال النّبيّ ﷺ : «هذا- والّذي نفسي بيده- من النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة؛ ...
فتأخذوا الخيّر (من رطبه وبسره) أي: تارة من رطبه، وأخرى من بسره، بحسب اشتهاء الطبع، أو بحسب اختلاف الأمزجة في الميل إلى أحدهما، أو إليهما جميعا.
(فأكلوا) أي من ذلك القنو، (وشربوا من ذلك الماء) . زاد في رواية مسلم: «حتى شبعوا» ، وهو دليل على جواز الشبع، ومحلّ كراهته في الشبع المثقّل للمعدة، المبطّئ بصاحبه عن العبادة.
(فقال) أي: (النّبيّ ﷺ : «هذا) أي المقدّم لنا (و) الله (الّذي نفسي بيده) أي: بقدرته فيتصرّف فيها كيف يشاء، ووسّط القسم بين المبتدأ والخبر!! لتأكيد الحكم (من النّعيم) ؛ أي: التنعم (الّذي تسألون عنه) - بالبناء للمجهول-، وهذا ناظر لقوله ﵊ في موضع آخر: «حلالها حساب، وحرامها عقاب» (يوم القيامة) ، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) [التكاثر] أي: عن القيام بحقّ شكره، أو تعداد النّعم والامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال تقريع وتوبيخ ومحاسبة.
والمراد أن كلّ أحد ليسأل عن نعيمه الذي كان فيه: هل ناله من حلّه ووجهه أم لا؟! فإذا خلص من هذا سئل: هل قام بواجب الشّكر، فاستعان به على الطّاعة أم لا؟. فالأول سؤال عن سبب استخراجه، والثاني عن محل صرفه؛ ذكره ابن القيم.
وإنما ذكر ﷺ ذلك في ذلك المقام!! إرشادا للآكلين والشاربين، إلى حفظ أنفسهم في الشبع من الغافلة؛ باشتغال أحدهم بحديقته، ونعيمه عن تدبّر الآخرة، والنعيم: كلّ ما يتنعّم به؛ أي: يستطاب ويتلذذ به.
стр. 639
ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد» .
فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال النّبيّ ﷺ : «لا تذبحنّ لنا ذات درّ» ، فذبح لهم عناقا؛ أو جديا،..
ثم عدد ﷺ أوجه النّعيم الذي هم فيه بقوله: (ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد» ) . وهو خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان لكون ذلك من النّعيم.
(فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما) ؛ أي: مطبوخا، على ما هو معروف في العرف العام؛ وإن كان قد يطلق الطّعام على الفاكهة لغة.
وبهذا الحديث استدلّ الشافعي على أن نحو الرطب فاكهة؛ لا طعام.
وقال أبو حنيفة: إنّ الرّطب والرّمّان ليسا بفاكهة، بل الرطب غذاء، والرمان دواء، وأما الفاكهة، فهو ما يتفكه به تلذّذا.
(فقال النّبيّ ﷺ : «لا تذبحنّ لنا) شاة (ذات درّ» ) - بفتح الدال وتشديد الراء المهملتين- أي: لبن، وفي المستقبل بأن تكون حاملا.
ولعله ﷺ فهم من قرائن الأحوال أنّه أراد أن يذبح لهم شاة؛ فقال له ذلك، وهذا نهي إرشاد، وملاطفة، لا كراهة في مخالفته، فالمقصود الشفقة عليه؛ وعلى أهله، لأنهم ينتفعون باللبن مع حصول المقصود بغيرها.
وفي رواية مسلم: أنّه أخذ المدية، فقال له ﷺ : «إيّاك والحلوب» .
(فذبح لهم عناقا) - بفتح العين كسحاب-: أنثى المعز لها أربعة أشهر.
(أو) شك (جديا) - بفتح فسكون- كفلس: ذكر المعز ما لم يبلغ سنة، وهذا ليس من التكلف للضيف؛ المكروه عند السّلف، لأنّ محلّ الكراهة إذا شقّ ذلك على المضيف، وأما إذا لم يشقّ عليه! فهو مطلوب، لقوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» لا سيما هؤلاء الأضياف، الذين فيهم سيد ولد عدنان!! ﷺ .
стр. 640
فأتاهم بها فأكلوا.
فقال ﷺ : «هل لك خادم؟»
قال: لا. قال: «فإذا أتانا سبي.. فأتنا» .
فأتي ﷺ برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النّبيّ ﷺ : «اختر منهما» .
قال: يا رسول الله؛ اختر لي.
(فأتاهم بها) أي: بالعناق، وهذا ظاهر على الشق الأول من الشك.
(فأكلوا) أي: منها، وفي رواية: فشوى نصفه، وطبخ نصفه، وأتاهم به، فلما وضع بين يديه ﷺ أخذ من الجدي؛ فجعله في رغيف، وقال للأنصاري:
«أبلغ بهذا فاطمة، لم تصب مثله منذ أيّام» فذهب به إليها.
(فقال) : أي النّبي ﷺ لما رآه يتولى خدمة بيته بنفسه، (: «هل لك خادم؟» ) يقع على الذكر والأنثى، لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال؛ كحائض.
(قال: لا) أي: ليس لي خادم، (قال: «فإذا أتانا سبي) - بفتح السين المهملة فسكون الموحدة-؛ أي: سبي من الأسارى عبد أو جارية (فأتنا» ) لنعطيك خادما، مكافأة على إحسانك إلينا.
وفي هذا إشارة إلى كمال جوده وكرمه ﷺ (فأتي) - بصيغة المجهول- أي:
فجيء النبي ﷺ برأسين) أي: بأسيرين اثنين، (ليس معهما ثالث) تأكيدا لما قبله، (فأتاه أبو الهيثم) امتثالا لقوله ﷺ : «فأتنا» .
(فقال النّبيّ ﷺ «اختر» ) واحدا (منهما» .
قال) ؛ أي أبو الهيثم: (يا رسول الله؛ اختر لي) أي: أنت، فإن اختيارك لي خير من اختياري لنفسي، وهذا من كمال عقله، وحسن أدبه وفضله.
стр. 641
فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ المستشار مؤتمن، خذ هذا فإنّي رأيته يصلّي، ...
(فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ المستشار مؤتمن» ) - بصيغة المفعول-.
وهو حديث صحيح كاد أن يكون متواترا. ففي «الجامع الصغير» «المستشار مؤتمن» رواه الأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والترمذي عن أم سلمة، وابن ماجه عن ابن مسعود، والطبرانيّ في «الكبير» عن سمرة، وزاد: «إن شاء أشار، وإن شاء لم يشر» .
وفي «الأوسط» عن عليّ كرّم الله وجهه؛ وزاد: «فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه» .
ثمّ الاستشارة: استخراج الرأي، من قولهم شرت العسل إذا أخرجتها من خلاياها، والاسم المشورة. وفيها لغتان: [مشورة] سكون الشّين وفتح الواو، والثانية [مشورة] ضم الشين وسكون الواو، وزان معونة.
ومعنى الحديث: أن من استشار ذا رأي في أمر اشتبه عليه وجه صلاحه فقد ائتمنه واستشفى برأيه، فعليه أن يشير عليه بما يرى النّصح فيه، ولو أشار عليه بغيره! فقد خانه ويبتلى بخلل في عقله.
والحاصل: أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته، وامتناع نصيحته. وسيأتي الكلام على ذلك مطولا في «الفصل الثالث» ؛ من «الباب السابع في جوامع كلمه ﷺ » .
وإنما قال ﵊ ذلك! إعلاما أو تعليما لأبي الهيثم ( «خذ هذا) إشارة إلى أحد الرأسين، (فإنّي) تعليل لاختياره (رأيته يصلّي) .
ويؤخذ منه أنّه يستدل على خيريّة الإنسان بصلاته، قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [٤٥/ العنكبوت] .
ويؤخذ منه أيضا أنه ينبغي للمستشار أن يبيّن سبب إشارته بأحد الأمرين؛ ليكون أعون للمستشير على الامتثال.
стр. 642
واستوص به معروفا» . فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ ؛ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حقّ ما قال فيه النّبيّ ﷺ .. إلّا أن تعتقه. قال: فهو عتيق.
فقال ﷺ : «إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة..
إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، ...
(واستوص به معروفا» ) ؛ أي: اقبل وصيتي به، وكافئه بالمعروف، ف «معروفا» ليس منصوبا ب «استوص» ، بل مفعولا لمحذوف، أو افعل في حقه معروفا؛ وصية مني، فهو منصوب ب «استوص» بتضمين «افعل» .
(فانطلق أبو الهيثم) أي: فذهب به (إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ ، فقالت امرأته: ما أنت) أي: لو صنعت ما صنعت من المعروف به ما أنت (ببالغ) أي: بواصل (حقّ ما قال فيه) ؛ أي: في حقه (النّبيّ ﷺ أي من المعروف (إلّا أن تعتقه) أي: ما أنت ببالغ حق المعروف الذي وصّاك به النّبيّ ﷺ إلّا بعتقه، فلو فعلت به ما فعلت ما عدا العتق لم تبلغ ذلك المعروف؟.
(قال) أي: أبو الهيثم: (فهو) أي: فبسبب ما قلت الذي هو الحق؛ هو (عتيق) أي: معتوق؛ فعيل بمعنى مفعول، فتسبّبت في عتقه ليحصل لها ثوابه، فقد صحّ في الحديث: «إنّ الدّالّ على الخير كفاعله» .
(فقال) أي: فأخبره أبو الهيثم بمقالة امرأته التي تسبّب عنها العتق؛ فقال ﷺ :
«إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة) ؛ فضلا عن غيرهما؛ (إلّا وله بطانتان) - بكسر أوله، تثنية بطانة- وهو المحب الخالص للرجل؛ مستعار من بطانة الثوب وهي خلاف الظّهارة، ومنه قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [١١٨/ آل عمران] . وبطانة الرجل: صاحب سره، الذي يستشيره في أموره، ويطلعه على خفايا أحواله؛ ثقة به.
(بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر) ، يعلم منه أن بطانة الخير لا تكتفي
стр. 643
وبطانة لا تألوه خبالا، ومن يوق بطانة السّوء فقد وقي، والمعصوم من عصمه الله تعالى» .
بالسكوت، بل لا بد من الأمر بالمعروف والحثّ عليه، والنّهي عن المنكر والزجر عنه، وقد علم أن زوجة أبي الهيثم من هذا القسم الّذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فهي بطانة خير.
(وبطانة لا تألوه) أي: لا تمنعه (خبالا) - بخاء معجمة، فموحدة مفتوحتين-: أي: فسادا، أي: لا تقصر في فساد حاله ولا تمنعه منه.
فالألو: التقصير، وقد تضمن معنى المنع فلذلك تعدّى إلى مفعولين.
وعبّر هنا بهذا!! تنبيها على أن بطانة السوء يكفي فيها السكوت على الشر، وعدم النّهي عن الفساد. وهذا ظاهر في الخليفة، ولا يجيء في الأنبياء.
فالمراد ببطانة الخير في حق النبي الملك، وببطانة السّوء الشيطان، بل هذا عامّ في كلّ أحد كما يصرح به قوله ﷺ : «ما منكم من أحد، إلّا وقد وكّل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك؛ يا رسول الله؟ قال: «وإيّاي إلّا أنّ الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلّا بخير» .
(ومن يوق) - بصيغة المجهول-؛ من وقى يقي- أي يحفظ (بطانة السّوء) - بفتح السين، ويجوز ضمّه، ففيه لغتان؛ قرئ بهما في السبع «١» ، كما في الكره والضّعف، إلا أن المفتوحة غلبت في أن يضاف إليها ما يراد ذمّه من كلّ شيء.
(فقد وقي) ماض مجهول، أي: من يحفظ من بطانة السوء وأتباعها فقد حفظ من الفساد، أي من جميع الأسواء والمكاره؛ في الدنيا والآخرة.
وجاء في رواية: (والمعصوم من عصمه الله تعالى» ) وفيه الإحسان للضيف بالفعل إن وجد، وإلّا فالوعد، وأنه لا بأس أن يطالبه بما وعد به؛ وتخيير الموعود
стр. 644
وعن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه ...
له حين الوفاء بين أشياء متعدّدة؛ زيادة في إكرامه وتأكّد النّصح لا سيما للمستشير، والوصيّة بالضّعفاء، وجواز مشي الصّاحب إلى صاحبه الموسر من غير طلب وغير ذلك.
(و) أخرج مسلم والتّرمذي وغيرهما (عن عتبة) - بضمّ العين المهملة، وإسكان المثناة الفوقية، وموحدة- (بن غزوان) - بفتح المعجمة وسكون الزاي- ابن جابر بن وهب المازني «حليف بني عبد شمس؛ أو بني نوفل» .
من السابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع مهاجرا إلى المدينة.
وشهد بدرا وما بعدها، وروى له مسلم وأصحاب السنن، وولاه عمر في الفتوح؛ فاختط البصرة وفتح فتوحا، وكان طوالا جميلا.
قال ابن سعد وغيره: قدم على عمر يستعفيه من الإمارة فأبى، فرجع في الطريق ب «معدن بني سليم» فدعا الله فمات سنة: - ١٧- سبع عشرة، وقيل: ستّ وعشرين، وقيل قبل ذلك. وعاش سبعا وخمسين- ٥٧- سنة (رضي الله تعالى عنه) .
لمّا بعثه عمر بن الخطاب وقال: انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى بلاد العرب، وأدنى بلاد العجم- أي: للمرابطة هنالك لحفظ بلاد العرب من العجم-.
فأقبلوا، حتى إذا كان بالمربد، وجدوا هذا الكذّان؛ فقالوا: ما هذه؟ قال بعضهم: هذه البصرة، فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير، فقالوا: ها هنا أمرتم.
فنزلوا، ولما حلّوا هناك استمد عتبة من بعض الدهاقين من أهل خوزستان، فجاؤوا فوافوا ضعفه وقلة رجاله؛ وكان معه ثلثمائة رجل فنقضوا العهد وقاتلوه، فنصره الله عليهم.
ثم شرع عتبة في بناء البصرة لمشقّة الإقامة من غير بناء.
стр. 645
قال: لقد رأيتني وإنّي لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى تقرّحت أشداقنا، فالتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد بن مالك؛ فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، ...
(قال) أي عتبة (: لقد رأيتني) أي: والله لقد أبصرت نفسي (وإنّي) - بكسر الهمزة- أي: والحال أنّي (لسابع سبعة) أي: في الإسلام (مع رسول الله ﷺ ، لأنه أسلم مع ستة فصار متمّما لهم سبعة، فهو من السّابقين الأولين.
واعلم أن سابع ونحوه له استعمالان:
أحدهما: أن يضاف إلى العدد الذي أخذ منه؛ فيقال «سابع سبعة» كما هنا، وهو حينئذ بمعنى الواحد من السبعة، ومثله في التنزيل ثانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة: ٤٠] .
وثانيهما: أن يضاف إلى العدد الذي أخذ منه؛ فيقال «سابع ستة» وهو حينئذ بمعنى مصيّر الستة سبعة.
(ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر) بالرفع على البدل، جعله طعاما لقيامه مقام الطّعام في حقّهم (حتّى تقرّحت) - بالقاف وتشديد الرّاء بعدها حاء مهملة- (أشداقنا) جمع شدق- بالكسر- وهو جانب الفم، أي: ظهر في جوانب أفواهنا قروح من خشونة ذلك الورق وحرارته.
(فالتقطت بردة) أي: عثرت عليها بغير قصد وطلب، والبردة: شملة مخطّطة، أو كساء أسود مربّع فيه خطوط يلبسه الأعراب، واللّقط أخذ الشيء من الأرض، وقيل: أخذ الشيء بغير طلب.
(فقسمتها) - بتخفيف السين؛ ويجوز تشديدها- (بيني وبين سعد بن مالك) هو سعد بن أبي وقّاص القرشي الزّهري المكّي المدني، أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّة، وتوفي وهو عنهم راض، - وقد مرت ترجمته، وترجمة ولده عامر-.
(فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها) دليل لضيق عيشهم؛ وعيش
стр. 646
فما منّا من أولئك السّبعة أحد.. إلّا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجرّبون الأمراء بعدنا.
المصطفى ﷺ ، وذلك أنّ أهل المدينة كانوا في شظف من العيش، عندما قدم عليهم المصطفى ﷺ مع المهاجرين، وكان المهاجرون فرّوا بدينهم، وتركوا أموالهم وديارهم، فقدموا فقراء على أهل شدّة وحاجة، مع أن الأنصار واسوهم، وأشركوهم فيما بيدهم، غير أن ذلك ما سدّ خلّتهم ولا دفع فاقتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء؛ والفقر على الغنى، ولم يزل ذلك دأبهم حتى فتح عليهم الفتوح كخيبر وغيرها، ومع ذلك لم يزل عيشهم شديدا، وجهدهم جهيدا، حتى لقوا الله صابرين على شدّة العيش؛ معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذّتها، مقبلين على الآخرة ونعيمها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زمرتهم. آمين.
(فما منّا من أولئك السّبعة أحد؛ إلّا وهو أمير مصر) بالتنوين (من الأمصار) ، وهذا جزاء الأبرار في هذه الدار، وهو خير وأبقى في دار القرار.
(وستجرّبون الأمراء بعدنا!) إخبار بأن من بعدهم من الأمراء، ليسوا مثل الصّحابة في العدالة والديانة والإعراض عن الدنيا الدنية والأغراض النفسية، وكان الأمر كذلك. فهو من الكرامات بالخبر عن الأمور الغيبية، وذلك لأنهم رأوا منه ﷺ ما كان سببا لرياضتهم ومجاهدتهم وتقلّلهم في أمر معيشتهم، فمضوا بعده على ذلك واستمروا على ما هنالك، وأما غيرهم ممن بعدهم! فليسوا كذلك، فلا يكونون إلا على قضية طباعهم المجبولة على الأخلاق القبيحة، فلا يستقيمون مع الحق على الصدق، ولا مع الخلق على حسن الخلق.
وهذا الّذي ذكره المصنف بعض من خطبة عتبة بن غزوان العظيمة التي رواها مسلم في أواخر «صحيحه» .
ورواها الترمذي في «جامعه» و «شمائله» ؛ مقتصرا منها على ما ذكره المصنف هنا.
стр. 647
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ...
ورواها النسائي في «الرقاق» ، وابن ماجه في «الزهد» مختصرة.
وذكرها الإمام النووي في «رياض الصالحين» منقولة عن «صحيح مسلم» ولفظها- كما في مسلم-: عن خالد بن عمير العدوي قال:
خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حذّاء، ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أنّ الحجر يلقى من شقّة جهنّم، فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا، وو الله لتملأنّ. أفعجبتم؟! ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزّحام!.
ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ؛ ما لنا طعام إلّا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتّزرت بنصفها واتّزر سعد بنصفها؛ فما أصبح اليوم منا أحد إلّا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما؛ وعند الله صغيرا، وإنّها لم تكن نبوّة إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكا، فستخبرون وتجرّبون الأمراء بعدنا. انتهى.
(و) روى الإمام أحمد، والترمذي في «الزهد» من «جامعه» وفي «شمائله» - وقال: حسن صحيح- وصححه ابن حبان، ورواه ابن ماجه أيضا:
كلهم (عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ «لقد أخفت) - ماض مجهول؛ من الإخافة- (في) إظهار دين (الله) أي: أخافني المشركون بالتهديد والإيذاء الشديد، في أمر الله؛ أو لله، كما في حديث «دخلت امرأة النّار في هرّة» ؛ أي: بهرة
(وما يخاف) - بضمّ أوّله- أي: والحال أنّه لا يخاف (أحد) غيري مثل
стр. 648
ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» .
ما أخفت، لأنهم في حال الأمن، وكنت وحيدا في إظهار ديني، ولم يكن أحد يوافقني في تحمل أذيّة الكفار، أو هو دعاء، أي: حفظ الله المسلمين عن الإخافة، أو مبالغة في الإخافة، وذلك معروف لغة، يقال: لي بليّة لا يبلى بها أحد.
(ولقد أوذيت) - ماض مجهول؛ من الإيذاء- (في الله) بقولهم ساحر، شاعر، مجنون، وغير ذلك، (وما يؤذى أحد) غيري بشيء من ذلك، بل كنت المخصوص بالإيذاء، لنهيي إيّاهم عن عبادة الأوثان، وأمري لهم بعبادة الرحمن.
وقال ابن القيّم: قوله في كثير من الأحاديث «في الله» يحتمل معنيين:
أحدهما أن ذلك في مرضاة الله وطاعته، وهذا فيما يصيبه باختياره.
والثاني: أنّه بسببه ومن جهته حصل ذلك، وهذا فيما يصيبه بغير اختياره، وغالب ما يجيء من الثاني، وليست «في» للظرفية، ولا لمجرّد السببية؛ وإن كانت السببية أصلها.
ألا ترى إلى خبر: «دخلت النّار امرأة في هرّة» ، فإن فيه معنى زائدا على السببية، فقولك «فعلت كذا في مرضاتك» فيه معنى زائد على فعلته لرضاك. وإن قلت: أوذيت في الله لا تقوم مقامه بسببه. انتهى.
(ولقد أتت) أي: مرّت، ومضت (عليّ) - بتشديد الياء- (ثلاثون من بين ليلة ويوم) أي: ثلاثون متواليات غير متفرقات لا ينقص منها شيء.
قال الطيبي: وهو للتأكيد الشمولي. ووجه إفادة الشّمول أنّه يفيد أنه لم يتكلم بالتسامح والتساهل، بل ضبط أول الثلاثين وآخرها، وأحصى أيامها ولياليها.
(ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد) ؛ أي: حيوان عاقل أو دابة (إلّا شيء) أي: قليل، ولقلّته جدّا كان (يواريه) ؛ أي: يستره (إبط بلال» ) - بالكسر-:
ما تحت الجناح يذكّر ويؤنّث، يعني كان ذلك الوقت بلال رفيقي، ولم يكن لنا من
стр. 649
قال المصنّف في «جامعه» : معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه.
وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلّا على ضفف.
و (الضّفف) : كثرة أيدي الأضياف.
الطّعام إلّا شيء قليل بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه، ولم يكن لنا ظرف نضع الطعام فيه؛ كناية عن كمال القلّة.
(قال المصنّف) يعني الترمذي (في «جامعه» ) :
الذي قيل فيه: من كان عنده «جامع» الترمذي؛ فكأنما في بيته نبي يتكلّم
(معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه) واعترضه العصام؛ بأن بلالا لم يكن معه حين الهجرة.
وردّ بأن الترمذي لم يرد خروجه مهاجرا، بل خروجه قبل الهجرة إلى الطائف وغيره.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن أنس أيضا) رضي الله تعالى عنه (أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء) - بفتح المعجمة فمهملة- وهو الذي يؤكل أوّل النّهار، ويسمّى السّحور غداء، لأنه بمنزلة غداء المفطر. (ولا عشاء) - بفتح العين المهملة- هو: ما يؤكل آخر النهار (من خبز ولحم) ؛ أي: من هذين الجنسين (إلّا على ضفف) - بفتح الضاد المعجمة والفاء الأولى- أي: حال نادر وهو تناوله مع الضيف.
(و) قال المصنف كما في «الشمائل» نقلا عن بعضهم:
(الضّفف) - ك: فرس- (: كثرة أيدي الأضياف) . وهذا المعنى هو المراد
стр. 650
فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما لأجلهم.
وعن نوفل بن إياس الهذليّ قال: كان عبد الرّحمن ابن عوف هنا، وإن كان الضّفف له معان أخر أكثرها لا يناسب هنا.
وفي «النهاية» : الضفف الضيق والشدّة، ومنه ما يشبع منها إلّا عن ضيق وقلة.
وقيل: هو اجتماع النّاس، أي: لم يأكلهما وحده؛ ولكن مع النّاس.
وقيل: الضّفف أن تكون الأكلة أكثر من مقدار الطّعام، والحفف أن يكونوا بمقداره. انتهى.
قال الباجوري في «حاشية الشمائل» : (فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما) ولو يتكلف (لأجلهم) .
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن نوفل) - بفتح الفاء- (بن إياس) - بكسر الهمزة- (الهذليّ) - بضمّ الهاء وفتح الذال المعجمة- المدني، يروي عن عبد الرحمن بن عوف، وعنه مسلم بن جندب؛ وثّقه ابن حبّان. (قال:
كان) أبو محمد (عبد الرّحمن بن عوف) القرشي الزهري المدني، أحد الثّمانية السّابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وأحد الستة الّذين هم أهل الشّورى.
وكان من المهاجرين الأولين، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع.
وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد.
ومن مناقبه التي لا توجد لغيره من الناس أن رسول الله ﷺ صلّى وراءه في غزوة تبوك!! حين أدركه وقد صلى بالنّاس ركعة، وحديثه هذا في «صحيح مسلم» وغيره.
стр. 651
رضي الله تعالى عنه لنا جليسا، وكان نعم الجليس، وإنّه انقلب بنا ذات يوم حتّى إذا دخلنا بيته.. دخل فاغتسل، ثمّ خرج وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم، فلمّا وضعت.. بكى عبد الرّحمن.
فقلت: يا أبا محمّد؛ ما يبكيك؟.
قال بعضهم:
ولم يصلّ المصطفى خلف أحد ... إلّا ابن عوف فله الفضل أبد
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثا؛ اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. وتوفي سنة: - ٣٢- اثنتين وثلاثين. وقيل: إحدى وثلاثين. وعمره اثنان وسبعون سنة، ودفن بالبقيع (رضي الله تعالى عنه
لنا جليسا) أي: مجالسا؛ (وكان) مقولا في حقه: (نعم الجليس) هو، (وإنّه) بكسر الهمزة (انقلب) أي: رجع (بنا) ؛ أي: انقلب معنا من السوق، أو غيرها فالباء بمعنى «مع» ، ويحتمل أنها للتعدية؛ أي: قلبنا وردّنا من الجهة الّتي كنّا ذاهبين إليها إلى بيته (ذات يوم) ؛ أي: ساعة ذات يوم؛ أي: في ساعة من يوم، ويحتمل أن «ذات» مقحمة، والمعنى: في يوم.
(حتّى إذا دخلنا بيته دخل) يغتسل (فاغتسل) لكونه محتاجا للغسل، ولم يكن ليأكل طعاما بدون الغسل؛ لأنه خلاف الكمال، وهذا من مؤكّدات أنّه «نعم الجليس» .
(ثمّ خرج) أي: من مغتسله إلينا، (وأتينا) - بالبناء للمجهول- أي: أتانا غلامه أو خادمه (بصحفة) هي إناء كالقصعة، وقيل: إناء مبسوط كالصّحيفة؛ (فيها) أي: في تلك الصّحفة (خبز ولحم، فلمّا وضعت) ؛ أي: الصّحفة الّتي فيها خبز ولحم (بكى عبد الرّحمن) بن عوف؛ خوفا مما يترتب على السّعة في الدّنيا.
(فقلت) له (: يا أبا محمّد) هذه كنية عبد الرحمن (ما يبكيك؟) أي أيّ شيء يجعلك باكيا؟.
стр. 652
فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشّعير، فلا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه أتي رسول الله ﷺ بتمر؛ فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع.
ومعنى (الإقعاء) : التّساند إلى وراء.
(فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع) أي يومين متواليين!! في خبر عائشة رضي الله تعالى عنها (هو وأهل بيته من خبز الشّعير) .
وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: خرج النّبيّ ﷺ من الدّنيا؛ ولم يشبع من خبز الشّعير» رواه البخاري. ولعل ما في الصّحفة كان مشبعا لهم؛ فلذلك بكى.
(فلا أرانا) - بضمّ الهمزة- أي: لا أظنّنا (أخّرنا) - بصيغة المجهول- أي:
أبقينا بعده موسّعا علينا وقد ضيّق عليه (لما هو خير لنا!) ، لأنّه إذا كان خير النّاس حاله كذلك؛ فما صرنا إليه من السّعة يخاف عاقبته، ومن ثمّ كان الصدر الأول يخافون على من هو كذلك أنّه إنّما عجّلت له طيباته في حياته الدنيا.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أنّه أتي) أي: جيء. ولفظ «الشمائل» : حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا مصعب بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول: أتي (رسول الله ﷺ [بتمر فرأيته يأكل] ) حال من مفعول «رأيت» ؛ (وهو مقع) ؛ أي: متساند إلى ما وراءه (من) الضّعف الحاصل له بسبب (الجوع) ، فلذلك قال المصنف:
(ومعنى الإقعاء) هنا (: التّساند إلى وراء) وجملة «وهو مقع» حال من فاعل «يأكل» .
وفي «القاموس» : أقعى في جلوسه تساند إلى ما وراءه، وليس في هذا
стр. 653
وكان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا آتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله .
وروى البخاريّ ومسلم: ...
ما يفيد أن الاستناد من آداب الأكل، لأنّه إنّما فعله لضرورة الضعف، وليس المراد بالإقعاء هنا النّوع المسنون في الجلوس بين السجدتين؛ وهو أن يبسط ساقيه ويجلس على عقبيه، ولا النّوع المكروه في الصّلاة؛ وهو أن يجلس على ألييه ناصبا ساقيه. قاله الباجوري كالمناوي.
(و) في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا آتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط؛ من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله
قال العراقي: متفق عليه، بنحوه من حديث عمر بن الخطاب، وقد تقدّم في «الزّكاة» ، وقال في «الزّكاة» : أخرجاه من حديث عمر: كان يعزل نفقة أهله سنة.
وللطبراني في «الأوسط» من حديث أنس: كان إذا ادّخر لأهله قوت سنة تصدّق بما بقي. قال الذّهبي: حديث منكر. انتهى.
قلت: وفي حديث عمر بن الخطاب ومخاصمة علي بن أبي طالب والعباس في أموال بني النضير ما نصه: قال: فإنّي سأخبركم عن هذا الفيء. ثم ساق، وفيه:
ولقد قسّمها بينكم وبثّها فيكم حتّى بقي منها هذا المال، فكان ينفق منه على أهله رزق سنة، ثمّ يجمع ما بقي منه مجمع مال الله .. الحديث.
وفي رواية: وكان ينفق منها على أهله ... فهذا يؤيّد ما أخرجه الطبراني.
فتأمل. انتهى. «شرح الإحياء» .
(وروى) الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (البخاريّ) - وقد تقدمت ترجمته- (و) الإمام أبو الحسين (مسلم) بن الحجّاج القشيري النيسابوري في
стр. 654
أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء.
وروى التّرمذيّ عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد.
«صحيحيهما» ؛ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما تقدم آنفا (أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة) .
ولا تعارض بينه وبين ما روي عنه أنه ﷺ كان لا يدّخر قوت غد، كما سيأتي فإنّ معناه لا يدخر لنفسه، وأمّا لعياله فقد كان يدخر لهم قوت سنة، على أنّه مع ذلك كان تنوبه أشياء يخرج فيها ما ادّخره لهم، فلا تنافي بين ادخاره ومضي الزمن الطويل عليه؛ وليس عنده شيء له ولا لهم. انتهى (شرح «الإحياء» ) .
(وعن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء) لمزيد ثقته بربّه.
(وروى) الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) في «جامعه» في «كتاب الزهد» ؛ من حديث قطن بن بشير عن جعفر بن سليمان عن ثابت (عن أنس) رضي الله تعالى عنه (أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد) أي: لا يدّخره ملكا؛ بل تمليكا، فلا ينافي أنه ادّخر قوت سنة لعياله، فإنّه كان خازنا، فلما وقع المال بيده قسم لعياله؛ كما قسم لغيرهم، فإن لهم حقّا في الفيء.
قال بعض الصوفية: ولا بأس بادخار القوت لأمثالنا، لأن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت.
وحقق بعضهم فقال: من كانت نفسه مطمئنة بربّها كانت عيناه وسكونه إليه،
стр. 655
وكان رسول الله ﷺ إذا تغدّى.. لم يتعشّ، وإذا تعشّى.. لم يتغدّ.
قال القسطلّانيّ في «المواهب اللّدنّيّة» : (قد استشكل كونه ﵊ وأصحابه كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت: فلا يلتفت لذلك. انتهى «عزيزي» . قال الشيخ: حديث صحيح. انتهى «منه» .
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناد ضعيف؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا تغدّى) - بالدال المهملة- بدليل مقابلته بالعشاء، إذ هو بالذال المعجمة شامل للغداء والعشاء، والغداء- بالمهملة-: من طلوع الشمس إلى الزوال، وبعد الزوال يسمّى عشاء؛ قاله الحفني على «الجامع الصغير» .
(لم يتعشّ، وإذا تعشّى لم يتغدّ) أي: لا يأكل في يوم مرتين؛ تنزّها عن الدنيا، وتقوّيا على العبادة، وتقديما للمحتاج على نفسه.
وفي قلة الأكل فوائد. منها: رقة القلب، وقوة الفهم والإدراك، وصحّة البدن ودفع الأمراض؛ فإن سببها كثرة الأكل.
ومنها: خفّة المؤونة، فإن من تعوّد قلّة الأكل كفاه من المال قدر يسير.
ومنها: التمكّن من التصدق بما فضل من الأطعمة على الفقراء والمساكين. وليس للعبد من ماله إلّا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى. انتهى «عزيزي» .
(قال) العلامة الحافظ شهاب الدين: أبو العباس أحمد بن محمد (القسطلّانيّ) رحمه الله تعالى (في) كتاب ( «المواهب اللّدنّيّة» ) ؛ في النّوع الأول من «الفصل الثالث» ، الكائن في المقصد الثالث:
(قد استشكل كونه ﵊ و) كون (أصحابه) - فهو بالجر؛ عطفا على الضمير، ويجوز نصبه مفعولا معه- (كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت:
стр. 656
أنّه كان يرفع لأهله قوت سنة. وأنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه. وأنّه ساق في عمرته مئة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين. وأنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم..
وغير ذلك. مع من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه.
وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه.
وحثّ على تجهيز جيش العسرة؛ فجهّزهم عثمان بألف بعير ...
إلى غير ذلك؟. وأجاب عنه الطّبريّ ...
١- أنّه كان يرفع) أي يدّخر (لأهله قوت سنة) وسماه «رفعا» تجوّزا.
(و ٢- أنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه.
و٣- أنّه ساق في عمرته مائة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين.
و٤- أنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم ... وغير ذلك) ؛ كإعطائه جماعة كثيرة من أموال خيبر، وفدك، وقريظة، والنضير، وكانت خالصة له!!
(مع) وجود (من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة) بن عبيد الله (وغيرهم) ؛ كالزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن عبادة (مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه!
وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله) ؛ وقال: أبقيت الله ورسوله لعيالي.
(و) جاء (عمر بنصفه، وحثّ على تجهيز جيش العسرة) [في] غزوة تبوك، حين أراد السير إليها (فجهّزهم عثمان بألف بعير) ، وجاء بعشرة آلاف درهم، إلى النّبي ﷺ فوضعها بين يديه (إلى غير ذلك!؟
وأجاب عنه) أي: عن هذا الإشكال؟! الإمام البارع في أنواع العلوم:
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب (الطّبريّ) .
стр. 657
- كما حكاه في «فتح الباري» -: بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز ...
كان أحد أئمة الدنيا يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله.
وكان قد جمع من العلوم؛ ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره.
وكان حافظا لكتاب الله تعالى؛ عارفا بالقراآت؛ بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها؛ صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الأحكام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم.
قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما أعلم تحت أديم السّماء أعلم من محمد بن جرير. وتفرّد بمسائل حفظت عنه.
قال الرافعي: تفرّد ابن جرير لا يعدّ وجها في مذهبنا؛ وإن كان معدودا من طبقات أصحاب الشافعي!! وأخذ فقه الشافعي عن الربيع المرادي، والحسن الزعفرانيّ.
وهو في طبقة الترمذي والنّسائي، سمع أحمد بن منيع، وأبا كريب:
محمد بن العلاء، ومحمد بن المثنى وغيرهم من شيوخ البخاري ومسلم.
وحدّث عنه خلائق؛ منهم أحمد بن كامل ومخلد بن جعفر،
وتوفي ابن جرير وقت المغرب؛ ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال، سنة: - ٣١٠- عشر وثلثمائة هجرية. ودفن ضحوة يوم الاثنين في داره، وكان مولده في آخر سنة- ٢٢٤- أربع- أو أول سنة: - ٢٢٥- خمس- وعشرين ومائتين. فعمره يقارب: خمسا وثمانين- ٨٥- سنة رحمه الله تعالى. آمين.
(كما حكاه) أي الحافظ الحجة شهاب الملة والدين: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (في «فتح الباري» ) شرح «صحيح البخاري» (بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز) - بفتح العين المهملة، وفتح الواو
стр. 658
وضيق، بل تارة للإيثار، وتارة لكراهة الشّبع وكثرة الأكل.
قال الحافظ ابن حجر: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل ...
وإسكانها-؛ يقال عوز؛ من باب تعب: عزّ فلم يوجد؛ وعزت الشّيء أعوزه؛ من باب قال: احتجت إليه فلم أجده، كما في «المصباح» . فإن أخذ من الأول فتحت الواو، أي لا لعدم وجدان، أو من الثاني سكّنت؛ أي لا للاحتياج (وضيق) تفسير.
ولا يرد على ذا الجواب أنه لم يعرج على قول الإشكال «كان يرفع لأهله قوت سنة» ! لأنه أشار للجواب عنه بقوله: (بل تارة للإيثار) ؛ فقد كان يدّخر قوت عام، ثمّ يجد المحاويج فيدفعه إليهم؛ ويترك أهله، (وتارة لكراهة الشّبع) لأنهم لم يكونوا يشبعون، إذ الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول.
قال بعضهم: الشّبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
(و) لكراهة (كثرة الأكل) . انتهى جواب الطبري..
وتعقّب بأنّ ما نفاه مطلقا في قوله «لا لعوز وضيق» فيه نظر؛ لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه للعوز.
وأخرج ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
من حدّثكم أنّا كنّا نشبع من التّمر؛ فقد كذبكم، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التّمر والودك. إلى غير ذلك.
(قال الحافظ ابن حجر) العسقلاني رحمه الله تعالى
(: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة؛ حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك؛ فواساهم الأنصار بالمنازل
стр. 659
والمنائح، فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها.. ردّوا عليهم منائحهم.
نعم.. كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له؛ كما أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أمامة: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا، ...
والمنائح) تمليكا للمنافع، لا للرقاب.
وذكر البيضاوي: أنّ من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة؛ وزوّجها من أحدهم، (فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها؛ ردّوا عليهم منائحهم) ومنازلهم.
(نعم؛ كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له، كما أخرج) الإمام أحمد و (التّرمذيّ) وحسّنه ونوزع؛ (من حديث أبي أمامة) الباهلي: صديّ- بضمّ الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء- ابن عجلان بن والبة- بالموحدة- ابن رياح- بكسر الراء- ابن الحارث بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان- بالمهملة- ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وقيل غير ذلك في نسبه، وهو من مشهوري الصّحابة رضوان الله عليهم.
روي له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وخمسون حديثا؛ انفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثلاثة.
سكن مصر، ثم حمص؛ وبها توفي، سنة: - ٨١- إحدى وثمانين هجرية، وقيل: سنة ست وثمانين. قيل: هو آخر الصحابة موتا بالشام، رضي الله تعالى عنه وعامّة حديثه عند الشاميين (أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة) ؛ أي: حصباءها.
قال الطيبي: تنازع فيه «عرض» و «ليجعل» ؛ أي: عرض علي بطحاء مكّة ليجعلها لي (ذهبا) ، فلا حاجة لتقدير مفعول «عرض» محذوفا، أي: أسباب الغنى؛ كما قاله بعضهم.
стр. 660
فقلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت..
تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت.. شكرتك وحمدتك» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا، فقال رسول الله ﷺ : «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ ما أمسى لآل محمّد سفّة من دقيق، ولا كفّ من سويق» .
فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة ...
فقلت: لا) أريدها (يا ربّ؛ ولكن أشبع يوما وأجوع يوما) .
هذا ورد على منهج التقسيم، وهو ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكلّ على التعيين، فذكر أولا الشّبع والجوع في أيامهما، ثم أضاف لكلّ ما يناسبه بقوله:
(فإذا جعت تضرّعت إليك) بذلّة وخضوع، (وذكرتك) في نفسي، وبلساني، (وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» ) عطفه على سابقه!! لما بينهما من عموم الحمد موردا، وخصوصه متعلّقا، وخصوص الشّكر موردا وعمومه متعلقا.
وحكمة هذا التفصيل: الاستلذاذ بالخطاب، وإلا فالله تعالى أعلم بالأشياء جملة وتفصيلا.
(وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا) بمكّة؛ (فقال رسول الله ﷺ : «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ) رسولا إلى أنبيائه، (ما أمسى لآل محمّد سفّة) - بضم السين المهملة-: قبضة (من دقيق، ولا كفّ من سويق» ) كأمير هو دقيق الشعير المقلو، ويكون من القمح، والأكثر جعله من الشعير. قال أعرابي يصفه: هو عدة المسافر، وطعام العجلان، وبلغة المريض.
(فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة) - بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة-
стр. 661
من السّماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ : «أمر الله القيامة أن تقوم؟» .
قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك.
فأتاه إسرافيل، فقال: إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك: إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا ...
أي: صوتا قويا (من السّماء أفزعته) : خوّفته.
(فقال رسول الله ﷺ لجبريل مستفهما. - بحذف همزته- (: «أمر الله القيامة أن تقوم» ؟! قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك) لي!
ولعل حكمة نزوله بتلك الهدة، الإشارة إلى قدرته على فعل ما يعرضه عليه!!
(فأتاه إسرافيل، فقال) : (إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت) لجبريل، (فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض) المعادن، أو البلاد التي فيها، أو الممالك التي فتحت لأمته بعده، وظاهر الحديث أنّها مفاتيح وخزائن حقيقية، وهو الأصل.
وذكر الزمخشري فيه وما أشبهه أنه من قبيل التمثيل والاستعارة حيث قال في قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [٢١/ الحجر] . ذكر الخزائن تمثيل، والمعنى:
وما من شيء ينتفع به العباد إلّا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به؛ فضرب الخزائن مثلا.
(وأمرني أن أعرض عليك؛ إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا) - بزاي أوله وذال معجمة آخره وراء قبل آخره مشدّدة؛ مضمومات الأوائل.
هو أربعة أضرب: الأول: الذّبابيّ.
الثّاني: الرّيحاني؛ وهو أخضر مفتوح اللون شبيه بلون ورق الرّيحان.
стр. 662
.........
الثالث: السّلقي؛ وخضرته أشبه شيء بلون السّلق.
الرابع: الصّابوني؛ ولونه كلون الصابون الأخضر.
وأفضل أنواعه وأشرفها الذّبابيّ، وهو شديد الخضرة لا يشوب خضرته شيء آخر من الألوان؛ من صفرة ولا سواد ولا غيرهما، حسن الصبغ، جيد المائية، شديد الشعاع؛ ويسمى ذبابيا!! لمشابهة لونه في الخضرة لون كبار الذباب الأخضر الربيعي، وهو من أحسن الألوان خضرة وبصيصا، ويزداد حسنه بكبر الجرم، واستواء القصبة، وعدم الاعوجاج فيها.
ومن عيوب الذبابي اختلاف الصبغ، بحيث يكون موضع منه مخالفا للموضع الآخر، وعدم الاستواء في الشكل، والتشعير وهو شبه شقوق خفية؛ إلّا أنه لا يكاد يخلو منه.
ومن عيوبه: الرخاوة، وخفة الوزن، وشدة الملاسة، والصقال، والنعومة، وزيادة الخضرة، والمائية، إذا ركّب على البطانة.
ومن خاصّيّة الذبابي التي امتاز بها عن سائر الأحجار: أنّ الأفاعي إذا نظرت إليه، ووقع بصرها عليه؛ انفقأت عيونها. وبهذه الخاصّية يمتحن الزمرّذ الخالص من غيره، كما يمتحن الياقوت بالصبر على النار.
ومن منافع الزمرّذ الذبابي: أنّ من أدمن نظره أذهب عن بصره الكلال، ومن تختّم به دفع عنه داء الصرع؛ إذا كان قد لبسه قبل ذلك.
وإذا كان في موضع لم تقربه ذوات السموم، وإذا سحل منه وزن ثمان شعيرات وسقيته شارب السّمّ قبل أن يعمل السّم فيه خلّصته منه.
وإذا تختّم به من به نفث الدّم؛ أو إسهاله! منع من ذلك، وإذا علق على المعدة من خارج نفع من وجعها، وشرب حكاكته ينفع من الجذام.
وهذه الخواصّ توجد في الصغير منه والكبير والمعوجّ والمستقيم.
стр. 663
وياقوتا، ...
أما بقية أصناف الزمرذ! فإنّه لا قيمة لها يعتدّ بها، لعدم المنافع الموجودة في الذبابي، انتهى ملخصا من «صبح الأعشى» .
(وياقوتا) هو ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الأحمر ومنه البهرمان، ولونه كلون العصفر الشّديد الحمرة؛ النّاصع في القوّة الذي لا يشوب حمرته شائبة، ويسمّى «الرّمّاني» لمشابهته حب الرمان الرائق الحب، وهو أعلى أصناف الياقوت، وأفضلها، وأغلاها ثمنا.
وأردأ ألوانه الوردي الذي يضرب إلى البياض.
الضرب الثاني: الأصفر، وأعلاه الجلّناري، وهو أشدّه صفرة، وأكثره شعاعا، ومائية. ودونه الخلوقي؛ وهو أقلّ صفرة منه؛ ودونه الرّقيق؛ وهو قليل الصفرة كثير الماء ساطع الشعاع. وأردأ الأصفر ما نقص لونه؛ ومال إلى البياض.
الضرب الثالث: الأبيض، ومنه المهاني وهو أشدّها وأكثرها ماء، وأقواها شعاعا، وأصلب حجرا، وهو أدون أصناف الياقوت وأقلها ثمنا.
وأجود الياقوت الأحمر: البهرماني والرّمّاني والوردي النيّر المشرق اللّون الشفّاف الذي لا ينفذه البصر بسرعة.
وعيوب الياقوت: الشعرة؛ وهي شبه تشقيق يرى فيه. والسوس؛ وهو خروق توجد في باطنه، ويعلوها شيء من ترابية المعدن.
ومن خواصّ الياقوت بأنواعه: أنه يقطع كل الحجارة كما يقطعها الماس.
وليس يقطعه هو- على أي لون كان- غير الماس.
ومن خواصّه: أنه ليس لشيء من الأحجار المشعة شعاع مثله، وأنه أثقل من سائر الأحجار المساوية له في المقدار، وأنه يصبر على النار؛ فلا يتكلّس بها كما يتكلس غيره من الحجارة النفيسة، وإذا أخرج من النار برد بسرعة؛ حتى أن الإنسان يضعه في فيه عقب إخراجه من النار فلا يتأثّر به، إلّا أن لون غير الأحمر منه؛
стр. 664
وذهبا وفضة.. فعلت، فإن شئت: نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا؟
فأومأ إليه جبريل أن تواضع.
فقال: «بل نبيّا عبدا» (ثلاثا) . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن.
كالصفرة وغيرها يتحول إلى البياض، أما الحمرة فإنها تقوى بالنار، فما ذهبت حمرته بالنار، فليس بياقوت أحمر بل ياقوت أبيض مصبوغ، أو حجر يشبه الياقوت.
ومن منافعه: أنّ التختّم به يمنع صاحبه أن يصيبه الطّاعون؛ إذا ظهر في بلد هو فيه، وأنّه يعظّم لابسه في عيون الناس، ويسهل عليه قضاء الحوائج، وتتيسر له أسباب المعاش، ويقوّي قلبه ويشجعه، وأن الصاعقة لا تقع على من تختم به.
وإذا وضع تحت اللسان قطع العطش؛ قاله أرسطاطاليس.
قال: وامتحانه أن يحك به ما يشبهه من الأحجار فإنه يجرحها بأسرها ولا تؤثر هي فيه. انتهى ملخصا من «صبح الأعشى» .
(وذهبا وفضّة) لفظ «المواهب» : وأمرني أن أعرض عليك؛ أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا وياقوتا وذهبا وفضة (فعلت، فإن شئت نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا!! فأومأ إليه جبريل) لما استشاره (أن تواضع.
فقال: «بل نبيّا عبدا» . قالها (ثلاثا. رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن)
كما قال المنذري وغيره، ولا يعارضه قوله ﷺ أتيت بمقاليد الدّنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل» رواه الإمام أحمد برجال الصحيح، وصححه ابن حبّان عن جابر رضي الله تعالى عنه! لأنّ هذا بعد ذاك للإشارة إلى ما ستملكه أمته من بعده.
فانظر إلى همته العلية ﷺ كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها؟!
ومعلوم أنّه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه، فأبى ذلك مع أن النّبوة معطاة له على كلا التقديرين. فيا لها من همّة شريفة رفيعة ما أسناها! ونفس زكيّة ما أبهاها! وقد عوّضه الله تعالى بالتصرف في خزائن السماء: ردّ الشمس بعد غروبها، وشقّ
стр. 665
ولله درّ الأبوصيريّ حيث قال:
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم)
القمر، ورجم النجوم، واختراق السموات، وحبس المطر وإرساله، وإرسال الريح وإمساكها وغير ذلك
(ولله درّ الأبو صيريّ حيث قال) في «بردة المديح» :
(وراودته) أي: طلبت منه (الجبال الشّمّ) - بضم الشين-: المرتفعة (من ذهب
عن نفسه) ونسبة المراودة إليها مجاز، (فأراها) - بفتحتين- (أيّما شمم)
بفتح المعجمة والميم، وبعد هذا البيت قوله:
فأكّدت زهده فيها ضرورته ... إنّ الضّرورة لا تعدو على العصم
وكيف تدعو إلى الدّنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدّنيا من العدم
ولعل المصنف حذف هذين البيتين من كلام القسطلّاني، لمّا أورده في «المواهب» ؛ من أنّ في البيتين شيئا! قال: لأنه في مقام المدح فلا يليق منه الوصف بالزهد ولا بالضرورة. قال الزرقاني: لأن الزهد يقتضي رغبته فيما زهد فيه والضرورة تقتضي الحاجة. انتهى.
قال الحليمي في «شعب الإيمان» : من تعظيم النبي ﷺ ألايوصف بما هو عند النّاس من أوصاف الضّعة، فلا يقال كان فقيرا. وأنكر بعضهم إطلاق الزهد في حقّه ﷺ . إذ لا قدر للدّنيا عنده. وقد حكى صاحب كتاب «نثر الدر» ؛ وهو أبو سعيد منصور بن الحسين الآبي- بالمد- عن محمد بن واسع، أنّه قيل له: فلان زاهد. فقال: وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها!!. فإذا قيل هذا في حقّ غير المصطفى ﷺ فما بالك به؟!.
وقد ذكر القاضي عياض في «الشفاء» ؛ ونقله عنه الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه «السيف المسلول» : أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطليطليّ
стр. 666
وأمّا خبز رسول الله ﷺ :
فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة طاويا هو وأهله؛ لا يجدون ...
وصلبه لاستخفافه بحق النّبيّ ﷺ ، وتسميته إياه أثناء مناظرته ب «اليتيم» ، وزعمه أنّ زهده لم يكن قصدا!! ولو قدر على الطيبات أكلها!. انتهى.
وكلّ واحدة من هذه الثلاث كافية في القتل؛ بلا استتابة عند مالك رحمه الله تعالى.
وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين؛ أنّه كان يقول:
لم يكن النّبيّ ﷺ فقيرا من المال، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى النّاس، فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله.
وكان يقول في قوله ﷺ «اللهم أحيني مسكينا» أنّ المراد به استكانة القلب، لا المسكنة الّتي هي ألايجد ما يقع موقعا من كفايته. وكان يشدّد النكير على من يعتقد خلاف ذلك. انتهى. وهو حسن نفيس. انتهى كلام «المواهب» ؛ مع شيء من «شرح الزرقاني» رحمهما الله تعالى.
(وأمّا خبز رسول الله ﷺ !) والخبز- بالضمّ-: الشّيء المخبوز من نحو برّ.
وهو المراد هنا، فقد جاء بيانه في أحاديث كثيرة.
أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «جامعه» و «شمائله» وصححه، وابن سعد في «طبقاته» - واللفظ ل «الشمائل» - (فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة) أي المتوالية، يعني كان في تلك الليالي على الاتصال (طاويا) أي: خالي البطن جائعا (هو) تأكيد فاعل «طاويا» ، لتصحيح عطف (وأهله) عليه، (لا يجدون) أي: النّبيّ ﷺ وأهله فأفرد «طاويا» نظرا لمطابقة الفاعل، وجمع «لا يجدون» ! نظرا لمشاركتهم له في
стр. 667
عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين ...
عدم وجدانهم، (عشاء) - بفتح العين المهملة والشين المعجمة والمدّ- هو:
ما يؤكل آخر النّهار الصادق؛ بما بعد الزوال.
والمراد بأهله عياله الذين في نفقته.
وفي «المغرب» : أهل الرّجل؛ امرأته وولده، والذين في عياله، ونفقته، وكذا كل أخ وأخت، وعمّ وابن عمّ وصبيّ يقوته في منزله. انتهى.
وكان ﷺ لشرف نفسه، وفخامة منصبه؛ يبالغ في ستر ذلك عن أصحابه؛ وإلّا فكيف يظنّ عاقل أنه يبلغهم أنه يبيت طاويا، هو وأهل بيته اللّيالي المتتابعة، مع ما عليه طائفة منهم من الغنى؛ بل لو علم فقراؤهم- فضلا عن أغنيائهم- ذلك لبذلوا الجهد في تقديمه، هو وأهل بيته، على أنفسهم واستبقوا على إيثاره!!؟
وهذا يدلّ على فضل الفقر والتجنّب عن السؤال مع الجوع.
(وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير) أي: وقد يكون خبزهم خبز البرّ مثلا.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ (عن) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ - هم هنا: عياله الّذين في مؤونته، لا من تحرم عليهم الصّدقة. وما يأكله عياله يسمّى خبزه، ومنسوب له؛ فالخبر مطابق للترجمة.
ويحتمل أن لفظ «آل» مقحم، والمراد هو!! ويؤيده الرواية الآتية: ما شبع رسول الله ﷺ الخ (من خبز الشّعير يومين متتابعين) . خرج بقوله «خبز الشعير» خبز البر. ففي رواية البخاري عن عائشة: ما شبع آل محمّد ﷺ منذ قدم المدينة، من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض!!
стр. 668
حتّى قبض رسول الله ﷺ .
وعن سليم بن عامر [رحمه الله تعالى] قال: سمعت أبا أمامة [الباهليّ] رضي الله تعالى عنه يقول: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض.
وقد ورد عنها أيضا أنّها ...
وأخذ منه أن المراد هنا اليومان بلياليهما، كما أنّ المراد اللّيالي بأيامهما.
وقولها (حتّى قبض رسول الله ﷺ إشارة إلى استمرار تلك الحالة مدة إقامته بالمدينة، وهي عشر سنين؛ بما فيها من أيام حجّه وغزوه.
(و) أخرج التّرمذي في «الشمائل» (عن سليم) - بالتصغير- (بن عامر) الرّحبي المشرفي الحمصي- ورحبة: بطن من حمير-.
له نحو مائتي حديث، وكان ثبتا ناصبيا. مات سنة ثلاث وستين ومائة. وغلا من قال (له رؤية) . خرّج له مسلم والأربعة
(قال: سمعت أبا أمامة) - بضم الهمزة- ( [الباهليّ] ) اسمه: صدي بن عجلان- تقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه؛ يقول:
(ما كان يفضل) - بضم الضاد المعجمة؛ أي: يزيد- (عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير) . أي: ما كان يزيد عن كفايتهم، بل كان ما يجدونه لا يشبعهم في الأكثر، كما تدلّ عليه الرواية السابقة.
(و) في الباجوري على «الشمائل» : روي (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها قالت: (ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض.
وقد ورد عنها) أي: عائشة (أيضا) ؛ فيما رواه البخاري ومسلم؛ (أنّها
стр. 669
قالت: توفّي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر شعير في رفّ لي- أي: نصف وسق- فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني.
قالت: توفّي رسول الله ﷺ ؛ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد) شامل لكل حيوان، (إلّا شطر شعير) قال التّرمذي: أي: شيء من شعير.
وقال ابن الأثير: قيل: نصف مكوك، وقيل: نصف وسق. ويقال: شطر وشطير؛ مثل نصف ونصيف؛ انتهى ذكره الشّمنّي في «حواشي الشفاء»
( [في رفّ لي] ) - بفتح الراء وشد الفاء مكسورة-: خشب يرفع عن الأرض في البيت، يوضع فيه ما يراد حفظه؛ قاله القاضي عياض.
وفي «الصّحاح» : الرفّ شبه الطاق في الحائط. قيل: وهو أقرب هاهنا، لأن الخشب لا يحتمل وضع هذا المقدار عليه، وفيه نظر لقلّته؛ ذكره الزرقاني.
وقال المصنف تبعا للباجوري؛ في تفسير قوله شطر شعير: (أي: نصف وسق) .
قالت عائشة: (فأكلت منه حتّى طال عليّ) - بتشديد الياء- (فكلته) - بكسر الكاف- (ففني) . زادت في رواية: «فياليتني لم أكله» .
فإن قيل: مقتضى هذا أنّ الكيل سبب لعدم البركة، فيعارض قوله ﷺ :
«كيلوا طعامكم؛ يبارك لكم فيه» رواه البخاري وأحمد عن المقدام بن معدي كرب؟ وفي الباب غيره!؟
أجيب: بأن البركة عند البيع، ودخوله البيت، وعدمها عند النفقة، وبأن المراد أن يكيله بشرط بقاء الباقي مجهولا، أو لأن الكيل عند الشراء مطلوب لتعلّق حق المتبايعين؛ فلذا ندب، وحصلت البركة فيه!! لامتثال أمر الشارع، بخلاف كيله عند الإنفاق للاختبار، فقد يبعث عليه الشح؛ فلذا كره وذهبت بركته.
والحاصل: أنّ مجرد الكيل إنما يحصّل البركة بقصد الامتثال فيما شرع كيله،
стр. 670
وكان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول، وربّما وقف في حلقه فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء.
وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنّه قيل له: أكل ...
ومجرد عدمه إنما ينزعها إذا انضم إليه الاختبار والمعارضة، ولذا قال القرطبي:
سبب رفع النّما الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله ومواهب كراماته وكثرة بركاته، والغافلة عن الشّكر عليها، والثّقة بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة. انتهى «زرقاني على «المواهب» » .
(و) في «الإحياء» مع الشرح: (كان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول) من نخالته.
وفي هذا تركه ﷺ التكلّف والاعتناء بشأن الطّعام، فإنّه لا يعتني به إلّا أهل البطالة والغافلة.
قال العراقي: رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. انتهى.
قلت: ورواه مسلم والترمذي نحوه. انتهى كلام «شرح الإحياء» .
(وربّما وقف في حلقه؛ فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء) .
هذه الزيادة غير موجودة في «الإحياء» !.
(و) أخرج البخاري والترمذي في «الشمائل» - واللفظ لهما-.
(عن سهل) - بفتح السين المهملة وسكون الهاء- (بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي: أبي العباس.
له ولأبيه صحبة وهو آخر من مات من الصحب بالمدينة المنورة، مات سنة:
- ٨٨- ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين وعمره جاوز المائة (رضي الله تعالى عنهما أنّه) أي: الشأن (قيل له) أي لسهل (: أكل) هو استفهام بحذف الهمزة،