← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأمّا خبز رسول الله ﷺ : فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة طاويا هو وأهله؛ لا يجدون ... وصلبه لاستخفافه بحق النّبيّ ﷺ ، وتسميته إياه أثناء مناظرته ب «اليتيم» ، وزعمه أنّ زهده لم يكن قصدا!! ولو قدر على الطيبات أكلها!. انتهى. وكلّ واحدة من هذه الثلاث كافية في القتل؛ بلا استتابة عند مالك رحمه الله تعالى. وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين؛ أنّه كان يقول: لم يكن النّبيّ ﷺ فقيرا من المال، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى النّاس، فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله. وكان يقول في قوله ﷺ «اللهم أحيني مسكينا» أنّ المراد به استكانة القلب، لا المسكنة الّتي هي ألايجد ما يقع موقعا من كفايته. وكان يشدّد النكير على من يعتقد خلاف ذلك. انتهى. وهو حسن نفيس. انتهى كلام «المواهب» ؛ مع شيء من «شرح الزرقاني» رحمهما الله تعالى. (وأمّا خبز رسول الله ﷺ !) والخبز- بالضمّ-: الشّيء المخبوز من نحو برّ. وهو المراد هنا، فقد جاء بيانه في أحاديث كثيرة. أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «جامعه» و «شمائله» وصححه، وابن سعد في «طبقاته» - واللفظ ل «الشمائل» - (فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال: كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة) أي المتوالية، يعني كان في تلك الليالي على الاتصال (طاويا) أي: خالي البطن جائعا (هو) تأكيد فاعل «طاويا» ، لتصحيح عطف (وأهله) عليه، (لا يجدون) أي: النّبيّ ﷺ وأهله فأفرد «طاويا» نظرا لمطابقة الفاعل، وجمع «لا يجدون» ! نظرا لمشاركتهم له في

стр. 667

عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين ... عدم وجدانهم، (عشاء) - بفتح العين المهملة والشين المعجمة والمدّ- هو: ما يؤكل آخر النّهار الصادق؛ بما بعد الزوال. والمراد بأهله عياله الذين في نفقته. وفي «المغرب» : أهل الرّجل؛ امرأته وولده، والذين في عياله، ونفقته، وكذا كل أخ وأخت، وعمّ وابن عمّ وصبيّ يقوته في منزله. انتهى. وكان ﷺ لشرف نفسه، وفخامة منصبه؛ يبالغ في ستر ذلك عن أصحابه؛ وإلّا فكيف يظنّ عاقل أنه يبلغهم أنه يبيت طاويا، هو وأهل بيته اللّيالي المتتابعة، مع ما عليه طائفة منهم من الغنى؛ بل لو علم فقراؤهم- فضلا عن أغنيائهم- ذلك لبذلوا الجهد في تقديمه، هو وأهل بيته، على أنفسهم واستبقوا على إيثاره!!؟ وهذا يدلّ على فضل الفقر والتجنّب عن السؤال مع الجوع. (وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير) أي: وقد يكون خبزهم خبز البرّ مثلا. (و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ (عن) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ - هم هنا: عياله الّذين في مؤونته، لا من تحرم عليهم الصّدقة. وما يأكله عياله يسمّى خبزه، ومنسوب له؛ فالخبر مطابق للترجمة. ويحتمل أن لفظ «آل» مقحم، والمراد هو!! ويؤيده الرواية الآتية: ما شبع رسول الله ﷺ الخ (من خبز الشّعير يومين متتابعين) . خرج بقوله «خبز الشعير» خبز البر. ففي رواية البخاري عن عائشة: ما شبع آل محمّد ﷺ منذ قدم المدينة، من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض!!

стр. 668

حتّى قبض رسول الله ﷺ . وعن سليم بن عامر [رحمه الله تعالى] قال: سمعت أبا أمامة [الباهليّ] رضي الله تعالى عنه يقول: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض. وقد ورد عنها أيضا أنّها ... وأخذ منه أن المراد هنا اليومان بلياليهما، كما أنّ المراد اللّيالي بأيامهما. وقولها (حتّى قبض رسول الله ﷺ إشارة إلى استمرار تلك الحالة مدة إقامته بالمدينة، وهي عشر سنين؛ بما فيها من أيام حجّه وغزوه. (و) أخرج التّرمذي في «الشمائل» (عن سليم) - بالتصغير- (بن عامر) الرّحبي المشرفي الحمصي- ورحبة: بطن من حمير-. له نحو مائتي حديث، وكان ثبتا ناصبيا. مات سنة ثلاث وستين ومائة. وغلا من قال (له رؤية) . خرّج له مسلم والأربعة (قال: سمعت أبا أمامة) - بضم الهمزة- ( [الباهليّ] ) اسمه: صدي بن عجلان- تقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه؛ يقول: (ما كان يفضل) - بضم الضاد المعجمة؛ أي: يزيد- (عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير) . أي: ما كان يزيد عن كفايتهم، بل كان ما يجدونه لا يشبعهم في الأكثر، كما تدلّ عليه الرواية السابقة. (و) في الباجوري على «الشمائل» : روي (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها قالت: (ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض. وقد ورد عنها) أي: عائشة (أيضا) ؛ فيما رواه البخاري ومسلم؛ (أنّها

стр. 669

قالت: توفّي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر شعير في رفّ لي- أي: نصف وسق- فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني. قالت: توفّي رسول الله ﷺ ؛ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد) شامل لكل حيوان، (إلّا شطر شعير) قال التّرمذي: أي: شيء من شعير. وقال ابن الأثير: قيل: نصف مكوك، وقيل: نصف وسق. ويقال: شطر وشطير؛ مثل نصف ونصيف؛ انتهى ذكره الشّمنّي في «حواشي الشفاء» ( [في رفّ لي] ) - بفتح الراء وشد الفاء مكسورة-: خشب يرفع عن الأرض في البيت، يوضع فيه ما يراد حفظه؛ قاله القاضي عياض. وفي «الصّحاح» : الرفّ شبه الطاق في الحائط. قيل: وهو أقرب هاهنا، لأن الخشب لا يحتمل وضع هذا المقدار عليه، وفيه نظر لقلّته؛ ذكره الزرقاني. وقال المصنف تبعا للباجوري؛ في تفسير قوله شطر شعير: (أي: نصف وسق) . قالت عائشة: (فأكلت منه حتّى طال عليّ) - بتشديد الياء- (فكلته) - بكسر الكاف- (ففني) . زادت في رواية: «فياليتني لم أكله» . فإن قيل: مقتضى هذا أنّ الكيل سبب لعدم البركة، فيعارض قوله ﷺ : «كيلوا طعامكم؛ يبارك لكم فيه» رواه البخاري وأحمد عن المقدام بن معدي كرب؟ وفي الباب غيره!؟ أجيب: بأن البركة عند البيع، ودخوله البيت، وعدمها عند النفقة، وبأن المراد أن يكيله بشرط بقاء الباقي مجهولا، أو لأن الكيل عند الشراء مطلوب لتعلّق حق المتبايعين؛ فلذا ندب، وحصلت البركة فيه!! لامتثال أمر الشارع، بخلاف كيله عند الإنفاق للاختبار، فقد يبعث عليه الشح؛ فلذا كره وذهبت بركته. والحاصل: أنّ مجرد الكيل إنما يحصّل البركة بقصد الامتثال فيما شرع كيله،

стр. 670

وكان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول، وربّما وقف في حلقه فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء. وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنّه قيل له: أكل ... ومجرد عدمه إنما ينزعها إذا انضم إليه الاختبار والمعارضة، ولذا قال القرطبي: سبب رفع النّما الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله ومواهب كراماته وكثرة بركاته، والغافلة عن الشّكر عليها، والثّقة بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة. انتهى «زرقاني على «المواهب» » . (و) في «الإحياء» مع الشرح: (كان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول) من نخالته. وفي هذا تركه ﷺ التكلّف والاعتناء بشأن الطّعام، فإنّه لا يعتني به إلّا أهل البطالة والغافلة. قال العراقي: رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. انتهى. قلت: ورواه مسلم والترمذي نحوه. انتهى كلام «شرح الإحياء» . (وربّما وقف في حلقه؛ فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء) . هذه الزيادة غير موجودة في «الإحياء» !. (و) أخرج البخاري والترمذي في «الشمائل» - واللفظ لهما-. (عن سهل) - بفتح السين المهملة وسكون الهاء- (بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي: أبي العباس. له ولأبيه صحبة وهو آخر من مات من الصحب بالمدينة المنورة، مات سنة: - ٨٨- ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين وعمره جاوز المائة (رضي الله تعالى عنهما أنّه) أي: الشأن (قيل له) أي لسهل (: أكل) هو استفهام بحذف الهمزة،

стр. 671

رسول الله ﷺ النّقيّ يعني: الحوّارى؟ فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النّقيّ حتّى لقي الله . فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كانت لنا مناخل. أي: قال بعضهم له على وجه الإستفهام: أأكل (رسول الله ﷺ النّقيّ؟) - بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء- أي: الخبز المنقّى من النّخالة، أي: المنخول دقيقه. وأما النّفي بالفاء: فهو ما ترامت به الرحى؛ كما قاله الزمخشري. (يعني) أي: يريد سهل بالنقي (الحوّارى) تفسير من الراوي أدرجه في الخبر. وهو- بضمّ الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، وفي آخره ألف تأنيث مقصور-: ما حوّر من الدّقيق بنخله مرارا، فهو خلاصة الدقيق وأبيضه، وكل ما بيض من الطعام كالأرز. وقصره على الأول تقصير. (فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النّقيّ) ، أجابه بنفي الرؤية مع أن السؤال عن الأكل! لأنّه يلزم من نفي رؤيته نفي أكله. وإنما عدل عن نفي الأكل!! لأن نفي الرؤية أبلغ. أي: ما رآه فضلا عن أكله (حتّى لقي الله أي: حتى فارق الدّنيا، لأن الميت بمجرّد خروج روحه تأهّل للقاء ربه، إذ الحائل بين الله وبين العبد هو التعلقات الجسمانية، فبعد قطعها يلاقيه؛ إمّا بصفاته الجلالية، أو الجمالية. (فقيل له) أي لسهل (: هل كانت لكم) معشر الصحابة من المهاجرين والأنصار (مناخل) جمع منخل- بضم الميم والخاء المعجمة- وهو: اسم آلة على غير قياس، إذ القياس كسر الميم وفتح الخاء (على عهد) أي: في زمن (رسول الله ﷺ ؟) (قال) أي سهل (: ما كانت لنا مناخل) أي: في عهده ﷺ وزمانه ليطابق

стр. 672

قيل: كيف كنتم تصنعون بالشّعير؟ قال: كنّا ننفخه فيطير منه ما طار، ثمّ نعجنه. وفي رواية له: هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ فقال: ما رأى النّبيّ ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى. الجواب السؤال، وليوافق ما في الواقع. إذ بعده ﷺ كانت لهم ولغيرهم مناخل ممن لم يثبت على حاله. ولذا قيل: المنخل أوّل بدعة في الإسلام. وفي «صحيح مسلم» عن الحسن أنّ عائذ بن عمرو- وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخل على عبيد الله بن زياد الأمير الظالم. فقال: - أي: عائذ بن عمرو-: أي بني؛ إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ شرّ الرّعاء الحطمة فإيّاك أن تكون منهم» . فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمّد ﷺ . فقال: هل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم!!. (قيل: كيف كنتم تصنعون بالشّعير؟) أي: بدقيقه مع ما فيه من النخالة، ولا بد من نخلها ليسهل بلعه!!. (قال: كنّا ننفخه) بضمّ الفاء أي: نطيّره، والاستعمال الأشيع: ننفخ فيه (فيطير منه ما طار) من القشر، (ثمّ نعجنه) - بفتح النون وكسر الجيم؛ من باب ضرب-. (وفي رواية له) أي: لسهل في البخاري؛ بعد «باب الأطعمة» : (هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ فقال: ما رأى النّبيّ ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى) . وبقية الحديث: قلت: كيف كنتم تأكلون الشّعير غير منخول؟ قال: كنّا نطحنه وننفخه فيطير ما طار، وما بقي ثرّيناه فأكلناه.

стр. 673

وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله، ... وقوله ثرّيناه- بمثلاثة وراء ثقيلة مفتوحتين- أي: ندّيناه وليّنّاه بالماء. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : قوله «من حين ابتعثه الله» أظنّه احتراز عما قبل البعثة، لأنه ﷺ توجّه في أيام الفترة مرتين، إلى جانب الشام تاجرا، ووصل إلى بصرى، وحضر في ضيافة بحيرا الراهب، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقي عندهم كثير، والظاهر أنه ﷺ رأى ذلك عندهم. وأما بعد ظهور النّبوة! فلا شك أنّه في مكة والطائف والمدينة المنورة. وقد اشتهر أنّ سبيل العيش صار مضيّقا عليه وعلى أكثر أصحابه؛ اضطرارا أو اختيارا. انتهى؛ ذكره في «جمع الوسائل» . وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: والله الذي بعث محمدا بالحق؛ ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبض. قلت: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قالت: كنا نقول: أف. قال الغزالي: وهذا لا يقتضي أنّ اتّخاذ المناخل لنخل الطعام منهيّ عنه، وإن كان أبدع بعد رسول الله ﷺ !! لأنّ المنهي عنه بدعة تضادّ سنة، وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علّته، وليس نخل الطعام كذلك!! لأن القصد منه تطييب الطّعام، وذلك مباح ما لم ينته إلى التّنعّم المفرط. انتهى. (وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا) - براء مهملة فقافين- وهو: المليّن المحسّن كخبز الحوّارى وشبهه. والترقيق: التليين. وفي رواية في «الأطعمة» ؛ عن أنس: ما أكل خبزا مرقّقا (حتّى لحق بالله) .

стр. 674

ولا رأى شاة سميطا بعينه حتّى لحق بالله. رواه البخاريّ. و (الشّاة السّميط) : هي الّتي أزيل شعرها بالماء المسخّن، وشويت والمعنى لم يأكل خبزا مليّنا؛ أي: متّخذا من دقيق ناعم، بحيث إذا عجن يلين عجينه، بل كان أكله من نحو الشّعير، الذي يغلب على عجينه اليبس، ولم يكن عندهم مناخل، وذلك سبب لعدم لين خبزهم. (ولا رأى شاة سميطا) - بمهملتين- من سمط الشاة إذا نتف صوفه؛ بعد إدخاله في الماء الحار. فإن قلت: القياس سميطة. قلت: لا؛ إذ الفرق في الشاة ونحوها بين المذكر والمؤنث بالصّفة نحو شاة وحشي ووحشية. أو أن الفعيل بمعنى المفعول؛ يستوي فيه المذكر والمؤنث. وغرضه أنّه ﷺ ما كان متنعّما في المأكولات؛ قاله الكرماني. (بعينه) - بالإفراد قاله القسطلّانيّ- (حتّى لحق بالله) تعالى. وفي رواية: حتّى لقي الله تعالى. قال القسطلّانيّ: وهذا يعارضه ما ثبت أنّه ﷺ أكل الكراع؛ وهو لا يؤكل إلّا مسموطا. انتهى. ولا معارضة، إذ نفي رؤية الشاة بتمامها سميطا؛ لا ينفي رؤية الأكارع؛ كما هو بيّن!! (رواه البخاريّ) في «الرقاق» بلفظه، و «الأطعمة» بنحوه؛ عن قتادة قال: «كنّا عند أنس وعنده خبّاز له، فقال: كلوا، ما أعلم ... » الحديث. ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم الخباز. وفي الطّبراني: «كان لأنس غلام يخبز له الحوّارى ويعجنه بالسمن، فقال: كلوا ... » الحديث. (والشّاة السّميط: هي الّتي أزيل شعرها بالماء المسخّن؛ وشويت

стр. 675

بجلدها، وهو من فعل المترفّهين. وعن قتادة، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما أكل نبيّ الله ﷺ على خوان، ولا في سكرّجة، ... بجلدها) وإنما يصنع ذلك في الصغير السّن، (وهو من فعل المترفّهين) ، أي الأغنياء المتنعّمين. وإنما كان هذا من فعلهم! لأنهم لا يفوت غرضهم لزيادة ثمن مثل هذا، ولأن المسلوخ ينتفع بجلده في اللّبس وغيره، والسّمط يفسده. والمترفّه لا يبالي بفوات ذلك. (و) أخرج البخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي في «الشمائل» - واللفظ له- (عن قتادة) بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: ما أكل نبيّ الله ﷺ على خوان) لما فيه من الترفّه والتكبّر، والخوان- بكسر أوله المعجم ويضم-: وهو مرتفع يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه كالكراسي المعتادة عند أهل الأمصار، وهو فارسيّ معرّب. يعتاد المتكبرون من العجم الأكل عليه كيلا تنخفض رؤوسهم. فالأكل عليه بدعة، لكنه جائز؛ إن خلا عن قصد التكبر. (ولا في سكرّجة) - بضمّ السين المهملة والكاف والراء مع التشديد-، وهي كما قال ابن العربي: إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل المشهّي للطّعام الهاضم له؛ كالسّلطة والمخلّل. وإنما لم يأكل النبي ﷺ في السّكرّجة!! لأنّه لم يأكل حتّى يشبع فيحتاج لاستعمال الهاضم والمشهّي، بل كان لا يأكل إلّا لشدّة الجوع، ولأنها أوعية الألوان؛ ولم تكن الألوان من شأن العرب، إنما كان طعامهم الثّريد عليه مقطّعات اللّحم. قاله الباجوري. قال في «جمع الوسائل» : والأكل في السّكرّجة من دأب المترفين، وعادة الحريصين على الأكل المفرطين. انتهى.

стр. 676

ولا خبز له مرقّق. قال قتادة: كانوا يأكلون على هذه السّفر. و (الخوان) : هو مرتفع يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه. (ولا خبز) - ماض مجهول- (له) أي: لأجله ﷺ (مرقّق) - بصيغة اسم المفعول؛ مرفوع على أنه نائب الفاعل، وهو بتشديد القاف الأولى-: ما رقّقه الصانع أي جعله رقيقا، وهو الرّقاق- بالضم- يعني لم يكن يخبز له خبز مليّن محسّن مبيّض كالحوّارى، لأنّ عامة خبزهم إنّما كان من الشّعير، والرّقاق إنما يتّخذ من دقيق البرّ، وليس ذا من شأن العرب. وهذا الحديث إنما يفيد نفي خبزه له، وحديث البخاري يفيد نفي رؤيته له؛ سواء خبز له أو لغيره. (قال قتادة:) لسائله؛ وهو يونس بن أبي الفرات عبيد البصري- ولفظ الترمذي في «الشمائل» فقلت لقتادة-: فعلام (كانوا يأكلون؟) . قال: (على هذه السّفر) أي: كانوا يأكلون على هذه السّفر- بضمّ السين المهملة المشددة وفتح الفاء؛ جمع سفرة- وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطعام كما سيأتي. والسفرة أخصّ من المائدة؛ وهي ما يمد ويبسط ليؤكل عليه؛ سواء كان من الجلد، أو من الثياب. وممّا يحقّق أنّ المائدة ما يمدّ ويبسط ما جاء في تفسير المائدة حيث قالوا: نزلت سفرة حمراء مدورة. وقال ابن العربي: رفع الطّعام على الخوان من الترفّه، ووضعه على الأرض إفساد له، فتوسّط الشارع حيث طلب أن يكون على السفرة والمائدة. وقال الحسن البصري: الأكل على الخوان فعل الملوك، وعلى المنديل فعل العجم، وعلى السفرة فعل العرب، وهو سنة. انتهى (باجوري؛ على «الشمائل» ) . (والخوان) - المشهور فيه كسر الخاء المعجمة، ويجوز ضمها- و (هو مرتفع) عن الأرض (يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه) ، واستعماله لم يزل دأب المترفين،

стр. 677

و (السّكرّجة) : إناء صغير يوضع فيه الشّيء القليل المشهّي للطّعام؛ كالسّلطة. و (السّفر) - جمع سفرة- وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطّعام. وعن مسروق ... وفيه لغة ثالثة، وهي: إخوان؛ بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة، ولعله سمي بذلك! لاجتماع الإخوان والأصحاب عنده وحوله. والصحيح أنّه اسم أعجميّ معرب. (والسّكرّجة) - بضم أحرفه الثلاثة مع تشديد الراء وقد تفتح الراء- (: إناء صغير يوضع فيه الشّيء القليل المشهّي للطّعام) الهاضم له؛ حول الطعام على المائدة (كالسّلطة) - بفتحات، ويقال لها الزلطة؛ بالزّاي- وكالمخلل وما أشبههما من الجوارش. (والسّفر) - بضمّ السين المهملة وفتح الفاء- (جمع سفرة؛ وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطّعام) . وأصل السّفرة: طعام يتّخذ للمسافر، والغالب حمله في جلد مستدير. فنقل اسمه لذلك الجلد؛ فسمّي به لذلك، كما سميت المزادة راوية. فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة. ولأن للجلد المذكور معاليق تنضمّ وتنفرج، فللانفراج سمّي سفرة، لأنها إذا حلّت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها. وسمي السّفر سفرا!! لإسفاره عن أخلاق الرّجال. (و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن) أبي عائشة (مسروق) بن الأجدع- بالجيم والدّال المهملة- ابن مالك بن أميّة بن عبد الله الهمذاني الكوفي التابعي المخضرم، يقال أنه سرق صغيرا ثم وجد؛ فسمي مسروقا.

стр. 678

قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، فدعت لي بطعام، وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلّا بكيت. قال: قلت: لم؟ قالت: أذكر الحال الّتي فارق عليها رسول الله ﷺ الدّنيا، ... أسلم قبل وفاة النّبيّ ﷺ ، وأدرك الصدر الأول من الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود. وروى عنهم؛ وعن خبّاب بن الأرتّ، وزيد بن ثابت، وابن عمرو، والمغيرة، وعائشة، رضي الله تعالى عنهم. روى عنه أبو وائل؛ وهو أكبر منه، وسليم بن أسود والشّعبي والنّخعي والسّبيعي وعبد الله بن مرّة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة «أحد الفقهاء السبعة» وآخرون. اتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته. وكان يصلّي حتى تورّمت قدماه. وتوفي سنة: - ٦٢- اثنتين وستين. وقيل سنة: - ٦٣- ثلاث وستين هجرية كما في «تهذيب الأسماء واللغات» للنّووي. (قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها؛ فدعت لي بطعام) أي: طلبت من خادمها طعاما لأجلي، (وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلّا بكيت) أي: ما أشبع من مطلق الطعام، فأريد البكاء؛ إلّا بكيت تأسّفا وحزنا على فوات تلك الحالة العليّة، والمرتبة المرضيّة، وهي ما كان عليها رسول الله ﷺ ، وكأنها ذكرت هذا اعتذارا، عن عدم اهتمامها بالأكل، كما هو سنة المضياف! ليأكل الضيف بلا خجل. ومرادها أنه ما يحصل من شبع، إلّا تسبب عنه مشيئتي للبكاء؛ فيوجد مني فورا. (قال) أي مسروق (: قلت: لم؟) أي: لم تسبّب عن الشبع تلك المشيئة المسبب عنها وجود البكاء فورا. (قالت: أذكر الحال الّتي فارق) مستقرا (عليها رسول الله ﷺ الدّنيا) .

стр. 679

والله ما شبع من خبز ولا لحم مرّتين في يوم. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما شبع آل محمّد ﷺ من طعام ثلاثة أيّام تباعا حتّى قبض. رواه البخاريّ ومسلم. وروى مسلم: ما شبع آل محمّد يومين من خبز البرّ إلّا وأحدهما تمر. وحاصله أنّها قالت: كلما شبعت بكيت لتذكّر الحال الّتي فارقت عليها رسول الله ﷺ ، وبيّنت تلك الحالة بقولها: (والله ما شبع من خبز؛ ولا لحم؛ مرّتين في يوم) واحد من أيام عمره، فلم يوجد [يوم] قط شبع فيه مرتين منهما؛ ولا من أحدهما. قال ابن العربي: الاتساع في الشهوات من المكروهات، وقد نهى الله تعالى قوما عن ذلك في كتابه العزيز فقال أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [٢٠/ الأحقاف] ، وكذا التبسّط في المأكول والموائد والتّجمّع بالألوان، والفواكه، والتقلّل هو المحبوب، والتّواضع هو المحمود المطلوب. (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: ما شبع آل محمّد ﷺ والمراد ب «آله» : هو وآله. ففي رواية لمسلم «ما شبع محمد وأهله» (من طعام ثلاثة أيّام) . ولمسلم «ثلاث ليال» ، فالمراد هنا الأيام بلياليها، كما أنّ المراد اللّيالي بأيّامها؛ كما في «الفتح» (تباعا) - بكسر الفوقية وخفّة الموحدة- أي: متتابعة متتالية، (حتّى قبض. رواه البخاريّ ومسلم) في «الأطعمة» وغيرها. (وروى مسلم) في «صحيحه» من حديث مسعر بن كدام الهلالي، عن هلال بن حميد، عن عروة، عن عائشة، رضي الله تعالى عنها قالت: (ما شبع آل محمّد يومين من خبز البرّ) القمح (إلّا وأحدهما) أي اليومين (تمر) لقلة خبز البرّ. وأخرجه البخاري من هذا الطريق عنها بلفظ «ما أكل آل

стр. 680

وروى مسلم أيضا: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين. وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض. وفي رواية عنها أيضا: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء.. لأعطاه الله ما لا يخطر ببال. محمّد أكلتين في يوم إلّا وإحداهما تمر» . ولأبي ذر «تمرا» بالنصب. إما على تقدير إلّا كانت إحداهما تمرا؛ وإما جعل إحداهما تمرا!! (وروى مسلم أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لقد مات رسول الله ﷺ ؛ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين) . خصّت الزيت! لأنهم كانوا يأتدمونه كثيرا، ومع ذلك لم يأكله في اليوم إلّا مرة زهدا في الدنيا. (و) أخرج الترمذي في «الشمائل» ؛ (عنها) أي: عائشة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض) ، لاجتنابه الشّبع وإيثاره الجوع. ولا يناقضه خبر أبي الهيثم «فلمّا أن شبعوا» ! لأن ذلك الشّبع كان من الشاة. ولا قوله في خبر آخر حين عرضت عليه الدّنيا واختار الفاقة؛ وقال: «أريد أن أجوع يوما فأصبر، وأشبع يوما فأشكر» ! لأنها بيّنت جنس ما لم يشبع منه؛ وهو خبز الشعير. (وفي رواية عنها أيضا) رواها البخاري (: ما شبع) - بكسر الموحدة- أي ما أكل حتى شبع (رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء) الدنيا وترفها ونعيمها (لأعطاه الله ما لا يخطر) - بضم الطاء المهملة وكسرها- يقال خطر يخطر خطورا: إذا ذكر وتصوّر- (ببال) البال: القلب والعقل والفكر،

стр. 681

قال القسطلّاني في «المواهب» : (وقد تتبّعت هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارا أم كبارا؟ فلم أجد في ذلك شيئا بعد التّفتيش. نعم.. روي أمره بتصغيرها في حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها، رفعته بلفظ: «صغّروا الخبز، وأكثروا عدده.. يبارك لكم فيه» . وكان شيخي العارف الرّبّانيّ ... أي: يعطيه منها كل أمر نفيس لم يتصوّره أحد من الناس، لجلالته وعظمته، وكونه لم يعهد مثله حتى يعرف قدره. (قال) العلامة أبو العباس أحمد بن محمد شهاب الدين (القسطلّاني) رحمه الله تعالى (في) كتابه ( «المواهب) اللّدنيّة» في النوع الأول؛ من الفصل الثالث في المقصد الثالث: (وقد تتبّعت! هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارا؛ أم كبارا؟ فلم أجد في ذلك شيئا بعد التّفتيش. نعم؛ روي أمره بتصغيرها في حديث) عند الديلمي، من طريق عبد الله بن إبراهيم قال: حدثنا جابر بن سليم الأنصاري عن يحيى بن سعيد عن عمرة (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ رفعته بلفظ: «صغّروا الخبز، وأكثروا عدده؛ يبارك لكم فيه» ) وهو واه جدا بحيث ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» . وقال: إنّ المتّهم بوضعه جابر بن سليم الأنصاري. (وكان شيخي) وقدوتي (العارف الرّبّاني) هو العالم المعلّم، الذي يغذو النّاس بصغار العلوم قبل كبارها. وقال محمد بن الحنفية- لما مات عبد الله بن عبّاس- اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة. وروي عن علي أنّه قال: الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلم على سبيل نجاة،

стр. 682

إبراهيم المتبوليّ ... وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق. والربّاني، العالم الرّاسخ في العلم والدّين، أو العالم العامل المعلّم، أو العالي الدّرجة في العلم. وقيل: الرّباني المتألّه العارف بالله تعالى برهان العارفين: أبو إسحاق (إبراهيم) بن علي بن عمر (المتبوليّ) الأنصاري الأحمدي. والمتبولي نسبة إلى محلة «متبول» : قرية بالجيزة؛ من مصر. وكان إمام الأولياء في عصره، وهو أحد شيوخ سيدي علي الخوّاص. وله كرامات كثيرة؛ منها أنّه كان يرى النّبيّ ﷺ في المنام، فيخبر بذلك أمه؛ فتقول له: يا ولدي؛ إنّما الرجل من يجتمع به في اليقظة. فلمّا صار يجتمع به في اليقظة، ويشاوره في أموره؛ قالت له: الآن قد شرعت في مقام الرّجولية. وكان إذا جاءه رجل يطلب تسكين شهوته؛ يقول: تطلب مرة أو دائما؟ فإن قال مرة، شدّ وسطه بخيط فما دام كذلك لا تتحرك شهوته، وإن قال أبدا، مسح ظهره فلا يشتهي النّساء حتى يموت. وكراماته كثيرة؛ ذكرها المصنف في «جامع كرامات الأولياء» . وكان متعبّده في بركة الحاج مشهور، وخرج إلى القدس؛ فمات في الطريق، فدفن بقرية سدود من أرض فلسطين؛ عند سلمان الفارسي سنة: نيف وثمانين وثمانمائة هجرية. وذكر الشعراني في «الأخلاق المتبولية» أنه عاش مائة وتسع سنين- بتقديم المثنّاة على المهملة-. قال المناوي: وذكر «شارح القاموس» : أنّ من ولده الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد المتبولي «١» . أخذ عن السيوطي وابن حجر المكي وشرح «الجامع الصغير» . انتهى كلام شارح القاموس.

стр. 683

يصغّر أرغفة سماطه، كالشيخ أبي العبّاس أحمد البدويّ ... وفيه نظر؟ فإن الشّعراني صرّح في «الطّبقات» بأنّ إبراهيم المتبولي لم يتزوّج. وكان يقول: ما في ظهري أولاد! حتى أتزوّج بقصدهم! فالظاهر أنّ أحمد المتبولي شارح «الجامع الصغير» رجل منسوب إلى «متبولة» ، المحلّة المذكورة، وليس هو من ذرية القطب البرهان المتبولي. والله أعلم!؟ (يصغّر أرغفة) - جمع رغيف- من الخبز؛ مشتق من الرّغف كالمنع جمعك العجين تكتله بيدك. أي: يأمر بجعل أقراص الخبز صغارا يقدّمها على (سماطه) يمدّ عليه الطعام. (كالشّيخ) أي: مثل فعل الشيخ العارف بالله تعالى السيد الشريف الحسيب النسيب سيدي (أبي العبّاس أحمد) بن علي (البدويّ) الغوث الكبير، والقطب الشهير. أحد أركان الولاية الذين اجتمعت الأمة على اعتقادهم ومحبتهم. وشهرته في جميع الأقطار تغني عن تعريفه، ولقب ب «البدوي» لكثرة ما كان يتلثّم. وكانت ولادته بمدينة فاس؛ من أرض المغرب، فلما بلغ سبع سنين انتقل والده بعائلته إلى مكّة المشرّفة، وكان ذلك سنة: ثلاث وستمائة. فقرأ القرآن بمكّة وحفظه غيبا، ثم انتقل إلى مصر، واشتغل بالعلم على مذهب الإمام الشّافعي مدة، حتى حدث له حادث الوله، فترك ذلك. وله كرامات كثيرة؛ منها قصة المرأة التي أسر ابنها الفرنج فلاذت به، فأحضره في قيوده. ومرّ به رجل يحمل قربة لبن، فأشار بإصبعه إليها، فانفذت فخرجت منها حية انتفخت. وكراماته تتجاوز العدّ والحدّ. وهو إمام الأولياء وأحد أفراد العالم. قال المتبولي: قال لي رسول الله ﷺ : ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس [الشافعي] ؟! أكبر فتوّة من أحمد البدوي! ثم نفيسة، ثم شرف الدين الكردي، ثم المنوفي.

стр. 684

والسّادات بني الوفاء. أعاد الله تعالى علينا من بركاتهم) . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج- تعني النّبيّ ﷺ من الدّنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التّمر.. لم يشبع من الشّعير، وإذا شبع من الشّعير.. لم يشبع من التّمر. وكانت وفاة صاحب الترجمة سنة: - ٦٧٥- خمس وسبعين وستمائة هجرية رحمه الله تعالى. (والسّادات) إكسير معارف السعادات، أولي المواهب العليّة والحقائق المحمّديّة (بني الوفاء) الذين لم يشتهر ب «السّادات» في مصر أحد سواهم؛ كسيدي محمد بن محمد وفاء السكندري الأصل، ثم المغربي ثم المصري؛ الشاذلي المالكي الصّوفي الكبير الشهير، وولده سيدي علي بن محمد وفاء الصّوفي الولي الكبير الشّهير أحد أفراد الزّمان، وبحور العرفان. قال الإمام الشعراني في حقه: طالعت كثيرا وقليلا من كلام الأولياء! فما رأيت أكثر علما؛ ولا أرقى مشهدا من كلام سيدي علي وفاء!! قال الشعراني: وسمي والده «وفاء» !! لأن بحر النيل توقف، فلم يزد إلى أوان الوفاء، فعزم أهل مصر على الرحيل، فجاء إلى البحر وقال: اطلع بإذن الله تعالى. فطلع ذلك اليوم سبعة عشر ذراعا، وأوفى فسمّوه «وفاء» . انتهى. وتراجمهم مذكورة في «طبقات» الشّعراني والمناوي، «وجامع كرامات الأولياء» . (أعاد الله تعالى علينا من بركاتهم) وواصل إمداداتهم إلينا. آمين (و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» من طريق عمران بن زيد المدني قال: حدثني والدي (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: خرج- تعني) أي: تريد (النّبي- ﷺ من الدّنيا) أي: مات (ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين؛ كان إذا شبع من التّمر لم يشبع من الشّعير، وإذا شبع من الشّعير لم يشبع من التّمر)

стр. 685

قال القسطلّاني: (واعلم أنّ الشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل. وقد روى النّسائيّ ... وليس في هذا ما يدلّ على ترك الجمع بين نوعين من الطّعام، إذ صريحه عدم امتلائه منهما، أما الجمع فقدر آخر، فقد جمع ﷺ القثاء بالرّطب. ثم هذه الأحاديث السابقة لا تنافي أنّه كان في آخر حياته يدّخر قوت عياله سنة، لأنّه كان يعرض له حاجة المحتاج فيخرج فيها ما كان ادّخره؛ ولا يبقي منه بقية. فصدق أنّه لم يشبع، وأنّ أصحابه لم يشبعوا، وأنّه ادّخر قوت سنة. كذا قاله المناوي وغيره؛ أخذا من كلام النووي في «شرح مسلم» . وقال في «جمع الوسائل» : وفيه أنّه يلزم منه أنّ تضييق الحال كان في أواخر السنة، والحال أن الأحاديث تعمّ الأحوال، فالأحسن في الجواب أن يقال: إنّما كان يدّخر قوتهم؛ لا على وجه الشّبع، أو أنّه كان لا يدّخر لنفسه. فما كانوا يشبعون معه ﷺ في بعض الأوقات، مع أنّه لا تصريح في الحديث أنّهم كانوا لا يشبعون من القلة، وإنما كان عادتهم عدم الشّبع. نعم؛ ما كانوا يجدون من لذيذ الأطعمة المؤدية إلى الشّبع غالبا. والله أعلم. انتهى. (قال) العلامة الشهاب (القسطلّانيّ) في «المواهب» : (واعلم أنّ الشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل) . قال بعضهم: الشّبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة. (وقد روى) الترمذي و (النّسائيّ) - بفتح النّون والسّين المهملة المخففة بعدها ألف ممدودة؛ منسوب إلى «نسا» مدينة بخراسان، ويقال في النسب إليها نسوي أيضا. انتهى. وقال بعضهم: والنّسئيّ نسبة لنسأ ... مدينة في الوزن مثل سبأ والنّسائي هو: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار. أبو عبد الرحمن، الحافظ مصنف السنن، وأحد الأئمة المبرزين.

стр. 686

وابن ماجه ... قال الدارقطني: كان النّسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسّقيم، وأعلمهم بالرّجال ولم يكن مثله، ولا أقدّم عليه أحدا!. ولم يكن في الورع مثله، يقدّم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال ابن يونس: كان إماما في الحديث ثقة، ثبتا حافظا، وكان مولده سنة: - ٢١٤- أربع عشرة ومائتين، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة: - ٣٠٢- اثنتين وثلثمائة إلى دمشق فوقعت له بها كائنة، ثم حمل إلى مكّة ومات بها في شعبان سنة: - ٣٠٣- ثلاث وثلثمائة؛ قاله الدارقطني، وابن منده. رحمهم الله تعالى. آمين (و) الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد (ابن ماجه) القزويني- بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون التحتية ثم نون- نسبة لقزوين: أشهر مدن عراق العجم قال العراقي: الربعي نسبة إلى ربيعة «مولاهم» ، و «ماجه» بالهاء وصلا ووقفا، وهو لقب لأبيه يزيد. وابن ماجه: الحافظ إمام كبير من أئمة المسلمين، متقن مقبول بالاتفاق، صنف «التفسير» ، و «التاريخ» ، و «السنن» وتقرن سننه بالكتب الخمسة. وأوّل من قرنه بها الحافظ أبو الفضل بن طاهر، وتبعه عليه من بعده، فصار أحد الكتب الستّة، وجرى على ذلك أصحاب الأطراف، وأسماء الرجال. ومن نظر في كتابه علم منزلته من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وقلّة الأحاديث الزائدة على القصد، بالتبويب وترك التكرار- إلا نادرا جدا- والمقاطيع والمراسيل والموقوفات، ونحو ذلك. وكانت ولادة ابن ماجه سنة: - ٢٠٩- تسع ومائتين، ورحل إلى البلدان، وسمع بمكة، والمدينة، ومصر، والشام، والعراق، والرّي، ونيسابور، والبصرة.

стр. 687

وصحّحه الحاكم ... قال السخاوي: ولم أر أحدا ذكره في طبقات الشافعية، وإن كان الميل في غالب أئمة الحديث لعدم التقليد. وكانت وفاته سنة: - ٢٧٣- ثلاث وسبعين ومائتين، فعمره: أربع وستون سنة تقريبا رحمه الله تعالى. (وصحّحه الحاكم) ، قال في «الفتح» : وإسناده حسن. والحاكم هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف ب «ابن البيع» . ولد بنيسابور في شهر ربيع الأول سنة: - ٣٢١- إحدى وعشرين وثلثمائة. وتوفي بها في يوم الأربعاء ثالث صفر سنة: - ٤٠٥- خمس وأربعمائة. طلب العلم من الصغر باعتناء والده وخاله، وأول سماعه سنة ثلاثين، وأكثر من الشيوخ أكثرهم من نيسابور، وله فيها نحو ألف شيخ وفي غيرها نحو ألف شيخ أيضا. روى عنه خلق كثير؛ من أجلّهم البيهقي والدارقطني؛ وهو من شيوخه، ورحل إليه من البلاد الشاسعة لسعة علمه وروايته واتفاق العلماء على أنّه من أعلام الأمّة الذين حفظ الله بهم هذا الدين، وحدّث عنه في حياته، وكان يرجع إلى قوله حفاظ عصره. وكتابه «المستدرك» - بفتح الراء- سمي به! لأنه استدرك فيه الزائد على «الصحيحين» من الصحيح مما هو على شرطهما؛ أو شرط أحدهما؛ أو ما ليس على شرط واحد منهما، وربّما أورد فيه ما هو فيهما؛ أو في أحدهما سهوا، وربما أورد فيه ما لم يصحّ عنده منبّها على ذلك. وهو متساهل في التصحيح. قال النووي في «شرح المهذب» : اتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشدّ تحرّيا منه. وقد لخّص الذهبي «المستدرك» وتعقب كثيرا منه بالضعف والنكارة،

стр. 688

من حديث المقدام بن معدي كرب: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات ... وجمع جزآ فيه الأحاديث التي هي فيه وهي موضوعة؛ فذكر نحو مائة حديث. قال أبو موسى المديني: إنّ الحاكم اغتسل في الحمام وخرج؛ وقال: آه. وقبضت روحه وهو متّزر لم يلبس قميصه بعد رحمه الله تعالى. (من حديث المقدام) - بالميم أوله وآخره- (بن معدي كرب) - بفتح الكاف وكسر الراء، أما الباء الموحدة! فيجوز كسرها مع التنوين، ويجوز فتحها على البناء- وهو أبو كريمة المقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب الكندي. وفد على رسول الله ﷺ في وفد كندة، عداده في أهل الشّام سكن حمص. روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثا. وتوفي بالشّام سنة: سبع وثمانين؛ وهو ابن إحدى وتسعين سنة رضي الله تعالى عنه. (أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم) - وفي رواية: آدمي- (وعاء شرّا من بطنه) لما فاته من الخير الكثير، حيث جعل بطنه كالأوعية، التي تجعل ظروفا، وتوهينا لشأنه، ثم جعله شرّ الأوعية، لأنها تستعمل في غير ما هي له، والبطن خلق ليتقوّم به الصلب بالطّعام، وامتلاؤه يفضي إلى إفساد الدين والدنيا؛ فيكون شرّا منها. ووجه ثبوت الوصف في المفضّل عليه!! أنّ ملء الأوعية لا يخلو عن طمع أو حرص، وكلاهما شرّ، والشّبع يوقع في مداحض فيزيغ عن الحق، ويغلب عليه الكسل، فيمنعه التعبّد، وتكثر فيه موادّ الفضول؛ فيكثر غضبه، وشهوته، ويزيد حرصه، فيطلب الزائد عن الحاجة. (حسب ابن آدم) أي: يكفيه (لقيمات) جمع قلة؛ فهو لما دون العشرة.

стр. 689

يقمن صلبه، فإن غلبت الآدميّ نفسه.. فثلث للطّعام، وثلث للشّراب، وثلث للنّفس» . قال القرطبيّ: ... قاله الغزالي. وفي رواية: «أكلات» بفتح الهمزة والكاف؛ جمع أكلة- بالضمّ- وهي: اللّقمة. أي: يكفيه هذا القدر في سدّ الرّمق، وإمساك القوّة، ولذا قال: (يقمن صلبه) أي: ظهره! تسمية للكلّ باسم جزئه، إذ كلّ شيء من الظهر فيه فقار، فهو صلب كناية عن أنّه لا يتجاوز ما يحفظه من السقوط، ويتقوّى به على الطّاعة. (فإن غلبت الآدميّ نفسه) وفي رواية «فإن كان لا محالة» ؛ (فثلث للطّعام، وثلث) يجعله (للشّراب) ؛ أي: المشروب (وثلث للنّفس» ) - بفتحتين- وفي رواية: لطعامه.. لشرابه.. لنفسه. بالضمير في الثلاثة، وهذا غاية ما اختير للأكل، وهو أنفع للبدن والقلب، فإن البدن إذا امتلأ طعاما؛ ضاق عن الشّراب، فإذا ورد عليه الشّراب ضاق عن النّفس، وعرض الكرب والثّقل. وقسم إلى الثلاثة!! لأن الإنسان فيه أرضي، ومائي، وهوائي، وترك الناري! لأنّه ليس في البدن جزء ناري، كما قاله جمع من الأطباء؛ قاله ابن القيّم الحنبلي رحمه الله تعالى. (قال) العلامة الإمام الشّيخ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح- بإسكان الراء والحاء المهملة- الأنصاري الأندلسي أبو عبد الله (القرطبيّ) المفسّر: كان من عباد الله الصّالحين، والعلماء العارفين الورعين؛ الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجّه، وعبادة، وتصنيف؛ جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في اثني عشر مجلدا؛ سماه كتاب «جامع أحكام القرآن المبيّن لما تضمن من السنّة وآي القرآن» وهو من أجلّ التفاسير!

стр. 690

لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة) ... وأعظمها نفعا! أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلّة، وذكر القراآت والإعراب، والناسخ والمنسوخ. وله كتاب «شرح أسماء الله الحسنى» ، وكتاب «التذكار في أفضل الأذكار» وضعه على طريقة «التبيان» للنووي؛ لكن هذا أتمّ منه، وأكثر علما. وكتاب «التذكرة بأمور الآخرة» مجلدين، وكتاب «شرح التقصّي» ، وكتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذلّ السؤال بالكتب والشفاعة» . وله أرجوزة؛ جمع فيها أسماء النّبيّ ﷺ . وله تاليف وتعاليق مفيدة غير هذه. وكان قد طرح التكلّف، يمشي بثوب واحد؛ وعلى رأسه طاقية. سمع من الشيخ أبي العباس: أحمد بن عمر القرطبي، مؤلف كتاب «المفهم شرح صحيح مسلم» بعض هذا الشرح، وحدّث عن أبي علي: الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما. وكان مستقرا بمصر، ب «منية بني خصيب» ، وتوفي بها ودفن بها؛ في شوال سنة: - ٦٧١- إحدى وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى. قال في كتابه «شرح أسماء الله الحسنى» كما نقله عنه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : (لو سمع بقراط) - بضم الباء- (هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة!!) ، لأنها أرجح وأتمّ ممّا يتخيّلونه في نفوسهم، إذ هو بالحدس والتخمين، وهذا ممّن لا ينطق عن الهوى. وقال الغزالي: ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة؛ فقال: ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم منه. وإنّما خصّ الثلاثة: الطّعام والشّراب والنّفس بالذكر!! لأنها أسباب حياة الحيوان، إذ لا بدّ له من الثلاثة، ولأنه لا يدخل البطن سواها. وهل المراد بالثلث المساوي حقيقة على ظاهر الخبر؟ والطريق إليه غلبة الظّن!! أو المراد التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة؟؛ وإن لم يغلب ظنّه بالثلث

стр. 691

وعن الحسن رضي الله تعالى عنه ... الحقيقي!؟ محلّ احتمال. قال الحافظ ابن حجر: والأول أولى. ويحتمل أنّه لمّح بذكر الثّلث إلى قوله في الحديث الآخر «والثّلث كثير» . انتهى. وقال غيره: أرجح الاحتمالين الأول، إذ هو المتبادر، والثّاني يحتاج لدليل. (و) روى الدمياطي في السيرة له- كما في «المواهب» - (عن الحسن رضي الله تعالى عنه) أي: البصري، لأنّه المراد عند الإطلاق مرسلا. وهو الإمام المشهور، المجمع على جلالته في كلّ فنّ، أبو سعيد الحسن بن [أبي الحسن] يسار التابعي، البصري- بفتح الباء وكسرها- الأنصاري «مولاهم» ، مولى زيد بن ثابت. وقيل: مولى جميل بن قطبة. وأمّه اسمها خيرة، مولاة لأم المؤمنين أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها. ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قالوا: فربما خرجت أمّه في شغل فيبكي؛ فتعطيه أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها ثديها فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من ذلك. ونشأ الحسن بوادي القرى، وكان فصيحا، رأى طلحة بن عبيد الله وعائشة رضي الله تعالى عنها، ولم يصح له سماع منها!! وقيل: إنّه لقي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ولم يصح! وسمع ابن عمر، وأنسا، وسمرة، وأبا بكرة، وقيس بن عاصم، وجندب بن عبد الله، ومعقل بن يسار، وعمرو بن تغلب- بالمثناة والغين المعجمة- وعبد الرحمن بن سمرة، وأبا برزة الأسلمي، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن المغافل، وأحمد بن جزء، وعائذ بن عمرو المزني الصحابيين رضي الله تعالى عنهم. وسمع خلائق من كبار التابعين وغيرهم. قال ابن سعد: كان الحسن جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، مأمونا،

стр. 692

قال: خطب رسول الله ﷺ ، فقال: «والله ما أمسى في آل محمّد صاع من طعام، وإنّها لتسعة أبيات» . والله ما قالها استقلالا لرزق الله ، ولكن أراد أن تتأسّى به أمّته. وفي «الشّفا» للقاضي عياض رحمه الله تعالى: ... عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما. قدم مكّة، فأجلسوه على سرير واجتمع النّاس إليه؛ فيهم طاووس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن شعيب، فحدّثهم فقالوا- أو قال بعضهم-: لم ير مثل هذا قط. وتوفي سنة: - ١١٠- عشر ومائة رحمه الله تعالى عليه. آمين. (قال: خطب رسول الله ﷺ ؛ فقال: «والله؛ ما أمسى في آل محمّد صاع من طعام، وإنّها) أي: آل محمد (لتسعة) أي: أهل تسعة (أبيات» ) هي أبيات زوجاته. (والله ما قالها) أي: هذه الكلمة (استقلالا لرزق الله ، إذ لا يتأتّى ذلك منه، (ولكن أراد أن تتأسّى) : تقتدي (به أمّته) في القناعة، والرّضا بالمقسوم. قال الزرقاني: جزم شيخنا بأن القسم من الحسن راوي الحديث، والأصل أنّه من المرفوع، لأن الإدراج إنما يكون بورود رواية تبيّن القدر المدرج، أو استحالة أنّ المصطفى يقوله!! ولا استحالة هنا، فقد يكون قال ذلك خوفا على بعض أمّته اعتقاد أنّه قاله استقلالا فيهلك بذلك؛ كما قال لرجل مرّ عليه ومعه زوجته صفية: «إنّها صفيّة؟!» . فقال الرّجل: أفيك يا رسول الله؟! فقال: «خشيت عليك الشّيطان» . (وفي) كتاب ( «الشّفا) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ » (للقاضي) أبي الفضل (عياض) بن موسى اليحصبي- وقد تقدمت ترجمته في أول الكتاب- (رحمه الله تعالى) في (الباب الثاني) في فصل زهده ﷺ «١» :

стр. 693

عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يمتلئ جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى، ... و: (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لم يمتلئ) - بهمز- وهو الصحيح (جوف النّبيّ ﷺ شبعا) - بكسر الشّين المعجمة وفتح الموحدة- (قطّ) ؛ أي: أبدا، ولعلّ مرادها غالب أحواله، أو شبعا مفرطا غير مناسب لكماله، فإنّ المطلوب تقليل الطّعام، والاقتصار على ما يقوم به الأود، ثم ملء ثلث البطن، فإنّ ثلثا للزاد، وثلثا للماء، وثلثا للنفس- كما مرّ- فإن زاد! فنصفها، وما زاد على ذلك حرص وبطنة غير ممدوحة، وقد يحرم، إن وصّله للضرورة، والتّخمة قصدا، كما أنّ أول مراتبه واجب. (ولم يبثّ) - بفتح الياء التحتية؛ وضمّ الباء الموحدة وتشديد المثلّثة- أي: لم يذكر ولم يظهر (شكوى) ؛ أي: شكايته، ولا بطريق حكايته، في جميع حالاته (إلى أحد) من أصحابه وزوجاته، لقوله تعالى في ضمن آياته؛ حكاية عن يعقوب، في شدة ما ابتلاه قال نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [٨٦/ يوسف] . فالشكوى إلى الخلق مذمومة، والّذي يليق بمقام العارفين الصبر وكتم ما بهم؛ لا سيما والنّبيّ ﷺ كان يسرّ بكلّ ما يأتيه من الله، ولا يعدّه مؤلما؛ بل يتلذّذ به، فكيف يتصور شكواه؟!. وإلى هذا أشار بقوله: (وكانت الفاقة) : وهي الحاجة الملازمة، المقتضية للصبر (أحبّ إليه من الغنى) المقتضي للشّكر. وهذا صريح في تفضيل الصبر على الشكر؛ كما ذهب إليه أجلّاء الصوفية، وأكثر علماء الفقه وقد ورد: «لو تعلمون ما لكم عند الله؛ لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة» على ما رواه الترمذي؛ عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه. كذا قاله القاري رحمه الله تعالى.

стр. 694

وإن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع ... وقد اختلف هل الغنيّ الشّاكر خير أم الفقير الصابر؟! فذهب إلى كلّ منهما قوم من العلماء، ولكلّ منهم أدلّة مبسوطة في محلّها. وللعلامة الحافظ محمد بن أبي بكر بن قيّم الجوزية الحنبلي رحمه الله تعالى كتاب «عدة الصابرين» ذكر فيه هذه المسألة بأدلّتها من الجانبين. فليراجع. وقال الإمام حجّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى: قد انكشف أنّ الفقر هو الأفضل لكافّة الخلق؛ إلا في موضعين: ١-: غنى يستوي فيه الوجود والعدم، ويستفاد به دعاء المساكين وقضاء حوائجهم، كغنى بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم. و٢- فقر يكون مع الضرورة حتى يكاد يكون كفرا؛ فالأول خير محض، وهذا لا خير فيه بوجه من الوجوه. والممدوح غنى النّفس؛ لا غنى المال من حيث هو، والفضل كلّه في الكفاف، والاقتصار على مقدار الحاجة، ولذا طلبه ﷺ له ولآله. انتهى. نقله الخفاجيّ رحمه الله تعالى. (وإن) مخفّفة من الثقيلة، أي: وإنّه (كان ليظلّ) - بفتح الظاء المعجمة وتشديد اللام- أي: يكون في طول النّهار (جائعا) - بهمزة مكسورة- (يلتوي) - بتقديم اللّام على التاء الفوقية، وواو مخففة مكسورة- وفي نسخة من «الشّفاء» : ويتلوّى- بياء مثنّاة مفتوحة وفوقية مفتوحة، ولام كذلك، وواو مشددة مفتوحة، يليها ألف- أي: حال كونه يتقلب ويضطرب (طول ليلته من الجوع) ؛ أي: من أجل حرارة لذعته، ولذا ورد «اللهم؛ إنّي أعوذ بك من الجوع، فإنّه بئس الضّجيع» كما رواه الحاكم في «مستدركه» عن ابن مسعود مرفوعا، وهذا كله لكمال زهده في الدّنيا، وصبره على مشاقّها، وإقبال قلبه على الآخرى؛ لرضى المولى وليرشد أمّته لذلك.

стр. 695

فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء.. سأل ربّه جميع كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، ولقد كنت أبكي رحمة له ممّا أرى به وأمسح بيدي على بطنه ممّا به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء؛ ... (فلا يمنعه) أي: جوعه (صيام يومه) ؛ أي: الذي فيه، ولو كان نفلا، أو صيام يوم عادته في مستقبله. وهذا بيان بعض شدّة حاله. (ولو شاء) ﷺ الغنى، وما يترتب عليه من التنعّم وحصول المنى. و «شاء» كثيرا ما يحذف مفعولها بعد «لو» لدلالة جوابها عليه. (سأل ربّه جميع كنوز الأرض) ؛ لا سيما وقد عرضها عليه مولاه (وثمارها) يجوز نصبه عطفا على «جميع» ، وجرّه عطفا على «كنوز» ، ومثله ما بعده، والثّمار جمع ثمرة، وهي ما يحصل من الأشجار ونحوها؛ وقد يراد به كلّ ما يستفاد من غيره؛ كما يقال ثمرة العلم العمل. (ورغد) - بفتحتين؛ وقد يسكن ثانيه-، وأصل معنى الرغد: الواسع، يقال: أرغد فلان إذا أصاب رغدا؛ أي: سعة وخصبا وغيره. (عيشها) أي: سعة معيشتها وطيب منفعتها. (ولقد كنت أبكي رحمة له ممّا أرى به) ، أي: ممّا أشاهده به، أو ممّا أعلمه به، (وأمسح بيدي على بطنه) كأنه بمسحه يستريح بذلك، كما كان يضع الحجر عليه ليبرّده، ويشدّ صلبه؛ وهذا للشفقة (ممّا به من الجوع) ، أي: من ألمه. ثم بينت أنّ ذلك شفقة؛ بقولها: (وأقول: نفسي لك الفداء) . الفداء- بالكسر والفتح؛ والقصر والمد-: هو ما يفدى به الأسير ونحوه، فيجعل عوضا عنه، ويقال: أفديه بنفسي، وبأمي، وبأبي، وبمالي، وقد يقال: بنفسي؛ من

стр. 696

لو تبلّغت من الدّنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة؛ ما لي وللدّنيا؟! ... غير ذكر للفداء، وتسمّى الباء باء التفدية- بالفاء-. وهذا جائز بل مستحبّ لصدوره منه ﷺ ، فيقال لمن شرف؛ كالحكام، والعلماء، والصلحاء، وأعزة الإخوان، قصدا لتوقيره واستعطافه، ولو كان محظورا- كما قيل- لما قاله ﷺ ، ولكان نهى عنه من قاله له، وقد قال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فديناك بابائنا وأمهاتنا. وقال ﷺ لسعد: «إرم فداك أبي وأمّي» . ومنعه قوم، لحديث مالك بن فضالة؛ أنّ الزبير رضي الله تعالى عنه دخل عليه ﷺ وهو شاك؛ فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك؟، فقال له ﷺ «ما زلت على أعرابيّتك بعد» ؟! قيل: ولا حجّة فيه لما ادّعوه، لأن الحديث الواحد لا يقاوم الأحاديث الصحيحة الكثيرة الواردة بخلافه، ولاحتمال أنّه إنّما نهاه عنه لوروده في غير محلّه، لأنّه لا ينبغي أن يقال ذلك للمريض، بل يتوجّع له، ويقال «لا بأس عليك» ، و «عافاك الله وشفاك» ونحوه، ولكل مقام مقال، لا لأن القائل له كان أبواه مشركين، ولا لأنه من خصوصياته، لأنّ من قائليه من ليس كذلك، والأصل عدم الخصوصية. (لو تبلّغت) التبلغ من البلاغ؛ وهو مقدار الكفاية، يقال: تزود من دنياك بالبلاغ؛ مأخوذ من الزّاد الّذي يبلغ به المسافر منزله، وضمّنه هنا معنى «اكتفيت» (من الدّنيا بما يقوتك) - بضم القاف- أي: لو اكتفيت منها بالكفاف من القوت، من غير ضرورة ومخمصة، و «لو» للتمني. (فيقول) ﷺ (: «يا عائشة ما لي وللدّنيا؟!) قيل: «ما» نافية، أي: ليس لي ألفة ومحبة مع الدنيا، حتى أرغب فيها، أو استفهامية أي: أيّ ألفة ومحبّة ورغبة لي في الدنيا؟.

стр. 697

إخواني من أولي العزم من الرّسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربّهم، فأكرم مابهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصّربي ... وهذا من إيثاره ﷺ الزّهد، وإظهاره لغنى القلب، ومحبّة تركه لها. ثم بيّن أنّه مقام عظيم سبق به الرسل عليهم الصّلاة والسّلام، فجرى على طريقهم، فقال: (إخواني من أولي العزم من الرّسل) ؛ وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، عليهم الصّلاة والسّلام، على خلاف فيهم. وقد نظم هؤلاء الخمسة بعضهم فقال: محمّد إبراهيم موسى كليمه ... فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم (صبروا على ما هو أشدّ من هذا) ؛ أي: ممّا أنا صابر عليه، لما روي أنّ بعضهم مات من الجوع، وبعضهم من شدّة أذى القمل، وبعضهم من كثرة الجراحات، وشدة الأمراض والعاهات، وقد خصّني الله تعالى فيما حثّني وحضّني على الاقتداء بهم، بقوله فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [٣٥/ الأحقاف] ؛ كذا قال القاري في «شرح الشفا» . (فمضوا) أي: استمرّوا (على حالهم) الّتي كانوا عليها، راضين بقضاء الله تعالى لهم، صابرين على بلائه، شاكرين على نعمائه؛ إلى أن ماتوا، ولم يطلبوا من ربّهم السّعة، ولا دفع المضرّة؛ نظرا إلى كمال حسن مالهم. (فقدموا على ربّهم) لاقوه (فأكرم مابهم) أي: أكرمهم الله تعالى في مرجعهم إليه، يقال: آب يؤوب إذا رجع، فهو اسم مكان أو مصدر ميمي (وأجزل ثوابهم) ؛ أي: كثّر لهم العطاء والجزاء في دار المقام، (فأجدني أستحيي) - بيائين، وفي نسخة من «الشفاء» بياء واحدة؛ أي: من الله تعالى عند لقائه، (إن ترفّهت) أي: إن تنعّمت (في معيشتي) ، وقد كان الله تعالى خيّره ﷺ قبيل موته؛ بين الخلد في الدنيا ولقائه؟ فاختار لقاءه (أن يقصّر بي) - بتشديد الصاد

стр. 698

غدا دونهم، وما من شيء هو أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني وأخلّائي» . قالت: فما أقام بعد شهرا حتى توفّي صلوات الله وسلامه عليه. ثمّ قال رحمه الله تعالى بعد ثلاث ورقات: ... المفتوحة؛ مبنيا للمجهول- (غدا) بالمعجمة؛ اليوم الذي بعد يومك، والمراد به الآخرة، جعل الدنيا بمنزلة اليوم الحاضر، والآخرة لكونها بعدها بمنزلة غد. (دونهم) أي: دون مرتبتهم، وتحت درجتهم، فيكون مقامي دون مقامهم، وهمّتي أن أكون فوق جملتهم. (وما من شيء هو أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني) أي: في الجملة، (وأخلّائي» ) أي: أحبائي في الملّة؛ والمراد بالإخوان والأخلّاء الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، واللّحوق بهم كونه معهم. (قالت) ؛ أي: عائشة رضي الله تعالى عنها: (فما أقام بعد) - بالبناء على الضمّ- أي: بعد مقالته هذه (شهرا حتّى توفّي صلوات الله وسلامه عليه) غاية لاقامته أي: إلى أن مات وانتقل إلى رحمة ربه واستوفى أيام عمره، وهذا يدل على اختياره الفقر في جميع أمره إلى آخر عمره. قال الدلجي رحمه الله تعالى: لم أدر من روى هذا الحديث!! لكن روى ابن أبي حاتم؛ في تفسيره عنها قالت: ظلّ رسول الله ﷺ صائما ثم طواه، ثم ظلّ صائما ثمّ طواه، ثم ظل صائما!! قال: «يا عائشة؛ إنّ الدّنيا لا تنبغي لمحمّد ولا لآل محمّد، يا عائشة؛ إنّ الله تعالى لم يرض من أولى العزم من الرّسل إلّا بالصّبر على مكروهها، والصّبر عن محبوبها، ولم يرض منّي إلّا أن يكلّفني ما كلّفهم فقال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [٣٥/ الأحقاف] ، وإنّي والله لأصبرنّ كما صبروا جهدي ولا قوّة إلّا بالله» . انتهى. (ثمّ قال) ؛ أي: القاضي عياض (رحمه الله تعالى) في «الشفاء» (بعد) نحو (ثلاث ورقات) من الكلام السابق، وذلك قبل فصلين من «الباب الثالث» :

стр. 699

كان داود ﵊ يلبس الصّوف، ويفترش الشّعر، ويأكل خبز الشّعير بالملح والرّماد، ويمزج شرابه بالدّموع. وقيل لعيسى ﵊: لو اتّخذت حمارا؟ فقال: أنا أكرم على الله من أن يشغلني بحمار. وكان يلبس الشّعر ... (كان داود) على نبينا و (عليه) الصّلاة و (السّلام يلبس الصّوف، ويفترش الشّعر) أي: ما نسج منه، لأنه خشن يمنعه لذة النّوم والاستغراق فيه، المانع له عن ورده، وهذا شعار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والصّلحاء، ولذا اختاره السّادة الصّوفية. (ويأكل خبز الشّعير بالملح) لأنّه إدام، (والرّماد) قال ملا علي قاري: لعله أراد به ما اختلط بالخبز واستهلك فيه! وإلّا فأكل الرّماد حرام لما فيه من الضرر. ( [ويمزج شرابه بالدّموع] ) لكثرة بكائه وعدم خلوّه منه. وهذا رواه ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعا، وعن مجاهد وغيره موقوفا. (وقيل لعيسى) على نبيّنا و (عليه) الصّلاة و (السّلام) - كما أخرجه الإمام أحمد في «الزهد» ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ثابت- (لو اتّخذت حمارا) لتركبه لتستريح من المشي؟! (فقال: أنا أكرم على الله من أن يشغلني بحمار!!) أي: بأن يتعلّق قلبي به وبكلفته وخدمته. ويشغلني- بفتح الغين- من شغله يشغله؛ كسأله يسأله، وأشغله لغة رديئة. (وكان) كما روى أحمد في «الزهد» ؛ عن عبيد بن عمير، ومجاهد والشعبي وابن عساكر في «تاريخه» أنّه كان (يلبس الشّعر) أي: ما نسج منه؛ زيادة في تقشفه. وإنما كره مالك لبس الصوف لمن يتخذه شعارا له؛ إظهارا لزهده، فإن إخفاءه

стр. 700

ويأكل الشّجر؛ ولم يكن له بيت، أينما أدركه النّوم.. نام. وكان أحبّ الأسامي إليه أن يقال له: (يا مسكين) . وقيل: إنّ موسى لمّا ورد ماء مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه من الهزال. وقال ﷺ : ... أفضل، لما فيه من الرّياء (ويأكل الشّجر) أي: ورقه، (ولم يكن له بيت) يأوي إليه؛ (أينما أدركه النّوم) أي: وقت (نام) . أي: ينام في أيّ مكان يجنّ عليه اللّيل فيه. (وكان أحبّ الأسامي) جمع الأسماء (إليه) أي: الألفاظ التي ينادى بها (أن يقال له «يا مسكين» ) رغبة في التواضع لعظمة الله . وقد رواه أحمد في «الزهد» عن سعيد بن عبد العزيز بلفظ: بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى بن مريم أحبّ إليه من أن يقال «هذا المسكين» . (وقيل) - كما رواه الإمام أحمد أيضا في «الزهد» ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، موقوفا-: (إنّ موسى) على نبينا وعليه الصّلاة والسّلام (لمّا ورد ماء مدين) ، سمي باسم مدين بن إبراهيم الخليل، وكان ورود موسى ﷺ لماء مدين لمّا فرّ من قبط مصر؛ فلقي ابنتي شعيب على ذلك الماء، وبينه وبين مصر ثماني مراحل أو أكثر؛ في قصته المذكورة في القرآن، وكان موسى ﷺ حافيا؛ من غير زاد وبه جوع شديد، حتّى كانت ترى أمعاؤه، و (كانت ترى خضرة البقل) الذي كان يأكله موسى ﷺ إذ لم يجد غيره. والبقل: ما ليس بشجر؛ من النّبات الّذي لا تبقى أرومته وأصوله بعد أخذه، وهو معروف (في بطنه من الهزال) - بضم الهاء وزاي معجمة- ضدّ السّمن. (وقال ﷺ كما رواه الحاكم وصححه؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله

стр. 701

«لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم» . تعالى عنه مرفوعا: ( «لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى) - بالبناء للمفعول ونائبه- (أحدهم بالفقر) أي: بشدة الحاجة في مطعمه، (والقمل) ؛ أي بكثرته في ثوبه وبدنه. (وكان ذلك) الابتلاء (أحبّ إليهم من العطاء إليكم» ) ؛ رضا بقضاء المولى، وعلما بأنّ ما أعده الله لهم خير وأبقى، ولفظ الحديث ليس كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى. وهو ما قاله أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قلت: يا رسول الله؛ من أشدّ النّاس بلاء؟ قال: «الأنبياء» . قلت: ثمّ من؟ قال: «العلماء» . قلت: ثمّ من؟ قال: «الصّالحون؛ كان أحدهم يبتلى بالقمل حتّى يقتله، ويبتلى بالفقر حتّى لا يجد إلّا العباءة يلبسها، ولأحدهم أشدّ فرحا بالبلاء من أحدنا بالعطاء» . وهو صحيح على شرط مسلم. قيل: وهو يدلّ على أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يتسلّط عليهم القمل، ويعرض لهم، لأنه من الأعراض البشرية، إلّا أنّ ابن الملقن رحمه الله تعالى نقل عن ابن سبع أنّ القمل لم يكن يؤذيه ﷺ ؛ تكريما له. ونقل ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى في «التمهيد» أنّ نعيم بن حماد ذكر عن ابن المبارك [عن مبارك] بن فضالة عن الحسن رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ كان يقتل القمل في الصّلاة والظّاهر أن جسده الشّريف لا يتولّد منه القمل، لاعتدال مزاجه الشّريف، وإنّما كان يوجد في ثيابه؛ من الفقراء المجالسين له، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ولو قيل: «إنّ ضمير «يبتلى» في حديث الحاكم للصّالحين» ! كان أقرب. انتهى.

стр. 702

وقال مجاهد: كان طعام يحيى: العشب، وكان يبكي من خشية الله تعالى ، حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه. وحكى الطّبريّ عن وهب: ... وهذا ينافيه ما نقله عن «التمهيد» ؛ وقد تقدّم. وفيما قاله دليل على صبر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، وعلو همّتهم في النّظر للآخرة. انتهى؛ من شرح الخفاجي على «الشفاء» . (وقال مجاهد:) رواه الإمام أحمد في «الزهد» ، وابن أبي حاتم عنه: (كان طعام) النّبيّ (يحيى) على نبينا وعليه الصّلاة والسّلام (العشب) - بضمّ العين المهملة- هو النبت الذي يخرج بغير زرع. (وكان) مع ذلك (يبكي من خشية الله تعالى . والخشية: خوف مع تعظيم؛ مع أنّه ما همّ بمعصية (حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه) ؛ أي: صار محلّ جريانه منخفضا متميزا عن غيره، لتأثيره بدوام جريانه فيه وذلك لشدة معرفته بربه، لقوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] . (وحكى) الإمام الحافظ المجتهد المطلق محمد بن جرير (الطّبري) رحمه الله تعالى- وتقدمت ترجمته- (عن) أبي عبد الله (وهب) بن منبّه التابعي الأنباوي اليماني؛ أخو همام بن منبّه. وهو تابعي جليل، من المشهورين بمعرفة الكتب الماضية. سمع جابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمرو بن العاصي وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وأنسا والنّعمان بن بشير. روى عنه عمرو بن دينار وعوف الأعرابي والمغيرة بن حكيم وآخرون. واتفقوا على توثيقه، توفي سنة: - ١١٤- أربع عشرة ومائة. وقال ابن سعد: سنة عشر ومائة رحمه الله تعالى؛ قاله النّووي رحمه الله تعالى.

стр. 703

أنّ موسى ﵊ كان يستظلّ بعريش، ويأكل في نقرة من حجر، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة؛ تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) انتهى. (أنّ موسى) على نبينا و (عليه) الصّلاة و (السّلام كان يستظلّ بعريش) هو: كلّ ما يستظلّ به؛ خيمة كان أو خشبا أو نباتا مثلا. (ويأكل في نقرة) - بضمّ النّون وسكون القاف- أي: حفرة (من حجر) بدلا من ظرف خشب أو خزف، ولا يأكل في آنية، ويضع طعامه في الأرض. (ويكرع) - بفتح الراء- (فيها) أي: النقرة؛ أي: يأخذ الماء بفيه بأن يكب عليها ويشرب منها بفيه من غير كف ولا إناء؛ (إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة) أي: تشرب بفمها بلا آنية؛ (تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) إذ كلّمه بلا واسطة، كما قال وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) [النساء] وأخبارهم في هذا المعنى مسطورة، وصفاتهم في الكمال وحسن الأخلاق، وحسن الصورة؛ والشمائل معروفة مشهورة، (انتهى) . أي: كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشفاء» .

стр. 704

[الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه] الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه عن كعب بن عجرة (الفصل الثاني) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد في (صفة أكله ﷺ من الأخبار. والأكل- بفتح الهمزة-: إدخال الطعام الجامد من الفم إلى البطن؛ سواء كان بقصد التغذّي، أو غيره؛ كالتفكّه، وقد تقدّم الكلام على ذلك. (و) في بيان ما ورد في (إدامه) ﷺ . والإدام- بكسر الهمزة-: ما يساغ به الخبز، ويصلح به الطعام. فيشمل الجامد؛ كاللحم. وفي «النهاية» : الإدام- بالكسر-؛ والأدام- بالضم-: ما يؤكل مع الخبز أيّ شيء كان مائعا أو غيره. انتهى. وكون اللحم إداما!! إنما هو بحسب اللغة، أما بحسب العرف؛ فلا يسمى «إداما» ، ولهذا لو حلف (لا يأكل إداما) ؛ لم يحنث بأكل اللحم. أخرج الطبراني في «الأوسط» ؛ (عن) أبي محمد- وقيل: أبي عبد الله، وقيل: أبي إسحاق- (كعب بن عجرة) - بضم العين المهملة، وإسكان الجيم، ثم راء مهملة مفتوحة- ابن أميّة بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد- بالتخفيف- البلوي المدني؛ الصحابي الجليل المشهور. حليف الأنصار- وقال الواقدي: ليس حليفا لهم، وإنما هو من أنفسهم. وتعقّبه ابن سعد كاتبه؛ بأنّ المشهور أنّه بلوي حالف الأنصاري. ولم نجده في نسب الأنصار-.

стр. 705

رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث؛ بالإبهام، والّتي تليها، والوسطى ... تأخّر إسلامه، وكان له صنم في بيته، فجاءه صديقه عبادة بن الصامت يوما؛ فلم يجده، فدخل البيت فكسر الصنم بالقدوم، فلما جاء كعب ورآه؛ خرج مغضبا يريد الانتقام من عبادة، ثم فكّر في نفسه؛ فقال: لو كان هذا الصنم ينفع لنفع نفسه. فأسلم. وشهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، وفيه نزل قوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [١٩٦/ البقرة] . روي له عن النّبيّ ﷺ فيما قيل: سبعة وأربعون حديثا، في «الكتب الستة» وغيرها، منها؛ في «الصحيحين» أربعة؛ اتّفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم باخرين. روى عنه ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وغيرهم. سكن الكوفة مدّة، ومات بها. وقيل: مات بالمدينة بعد الخمسين من الهجرة، وله سبع وسبعون سنة. وقيل: خمس وسبعون سنة (رضي الله تعالى عنه. قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، بالإبهام والّتي تليها) السّبابة (والوسطى) . وهذا بيان للأصابع التي كان يأكل بها، فتفسّر به الروايات المطلقة، التي منها ما رواه الترمذيّ في «الشمائل» من حديث كعب بن مالك: كان ﵊ يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهنّ. وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود عنه؛ قال: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها. ولذا تورّع بعض السّلف عن الأكل بالملاعق؛ لأن الوارد إنّما هو الأكل بالأصابع. وفي «الكشاف» : أحضر الرّشيد طعاما فدعا بالملاعق، وعنده أبو يوسف
следующие страницы →