← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

«لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم» . تعالى عنه مرفوعا: ( «لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى) - بالبناء للمفعول ونائبه- (أحدهم بالفقر) أي: بشدة الحاجة في مطعمه، (والقمل) ؛ أي بكثرته في ثوبه وبدنه. (وكان ذلك) الابتلاء (أحبّ إليهم من العطاء إليكم» ) ؛ رضا بقضاء المولى، وعلما بأنّ ما أعده الله لهم خير وأبقى، ولفظ الحديث ليس كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى. وهو ما قاله أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قلت: يا رسول الله؛ من أشدّ النّاس بلاء؟ قال: «الأنبياء» . قلت: ثمّ من؟ قال: «العلماء» . قلت: ثمّ من؟ قال: «الصّالحون؛ كان أحدهم يبتلى بالقمل حتّى يقتله، ويبتلى بالفقر حتّى لا يجد إلّا العباءة يلبسها، ولأحدهم أشدّ فرحا بالبلاء من أحدنا بالعطاء» . وهو صحيح على شرط مسلم. قيل: وهو يدلّ على أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يتسلّط عليهم القمل، ويعرض لهم، لأنه من الأعراض البشرية، إلّا أنّ ابن الملقن رحمه الله تعالى نقل عن ابن سبع أنّ القمل لم يكن يؤذيه ﷺ ؛ تكريما له. ونقل ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى في «التمهيد» أنّ نعيم بن حماد ذكر عن ابن المبارك [عن مبارك] بن فضالة عن الحسن رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ كان يقتل القمل في الصّلاة والظّاهر أن جسده الشّريف لا يتولّد منه القمل، لاعتدال مزاجه الشّريف، وإنّما كان يوجد في ثيابه؛ من الفقراء المجالسين له، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ولو قيل: «إنّ ضمير «يبتلى» في حديث الحاكم للصّالحين» ! كان أقرب. انتهى.

стр. 702

وقال مجاهد: كان طعام يحيى: العشب، وكان يبكي من خشية الله تعالى ، حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه. وحكى الطّبريّ عن وهب: ... وهذا ينافيه ما نقله عن «التمهيد» ؛ وقد تقدّم. وفيما قاله دليل على صبر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، وعلو همّتهم في النّظر للآخرة. انتهى؛ من شرح الخفاجي على «الشفاء» . (وقال مجاهد:) رواه الإمام أحمد في «الزهد» ، وابن أبي حاتم عنه: (كان طعام) النّبيّ (يحيى) على نبينا وعليه الصّلاة والسّلام (العشب) - بضمّ العين المهملة- هو النبت الذي يخرج بغير زرع. (وكان) مع ذلك (يبكي من خشية الله تعالى . والخشية: خوف مع تعظيم؛ مع أنّه ما همّ بمعصية (حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه) ؛ أي: صار محلّ جريانه منخفضا متميزا عن غيره، لتأثيره بدوام جريانه فيه وذلك لشدة معرفته بربه، لقوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] . (وحكى) الإمام الحافظ المجتهد المطلق محمد بن جرير (الطّبري) رحمه الله تعالى- وتقدمت ترجمته- (عن) أبي عبد الله (وهب) بن منبّه التابعي الأنباوي اليماني؛ أخو همام بن منبّه. وهو تابعي جليل، من المشهورين بمعرفة الكتب الماضية. سمع جابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمرو بن العاصي وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وأنسا والنّعمان بن بشير. روى عنه عمرو بن دينار وعوف الأعرابي والمغيرة بن حكيم وآخرون. واتفقوا على توثيقه، توفي سنة: - ١١٤- أربع عشرة ومائة. وقال ابن سعد: سنة عشر ومائة رحمه الله تعالى؛ قاله النّووي رحمه الله تعالى.

стр. 703

أنّ موسى ﵊ كان يستظلّ بعريش، ويأكل في نقرة من حجر، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة؛ تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) انتهى. (أنّ موسى) على نبينا و (عليه) الصّلاة و (السّلام كان يستظلّ بعريش) هو: كلّ ما يستظلّ به؛ خيمة كان أو خشبا أو نباتا مثلا. (ويأكل في نقرة) - بضمّ النّون وسكون القاف- أي: حفرة (من حجر) بدلا من ظرف خشب أو خزف، ولا يأكل في آنية، ويضع طعامه في الأرض. (ويكرع) - بفتح الراء- (فيها) أي: النقرة؛ أي: يأخذ الماء بفيه بأن يكب عليها ويشرب منها بفيه من غير كف ولا إناء؛ (إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة) أي: تشرب بفمها بلا آنية؛ (تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) إذ كلّمه بلا واسطة، كما قال وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) [النساء] وأخبارهم في هذا المعنى مسطورة، وصفاتهم في الكمال وحسن الأخلاق، وحسن الصورة؛ والشمائل معروفة مشهورة، (انتهى) . أي: كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشفاء» .

стр. 704

[الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه] الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه عن كعب بن عجرة (الفصل الثاني) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد في (صفة أكله ﷺ من الأخبار. والأكل- بفتح الهمزة-: إدخال الطعام الجامد من الفم إلى البطن؛ سواء كان بقصد التغذّي، أو غيره؛ كالتفكّه، وقد تقدّم الكلام على ذلك. (و) في بيان ما ورد في (إدامه) ﷺ . والإدام- بكسر الهمزة-: ما يساغ به الخبز، ويصلح به الطعام. فيشمل الجامد؛ كاللحم. وفي «النهاية» : الإدام- بالكسر-؛ والأدام- بالضم-: ما يؤكل مع الخبز أيّ شيء كان مائعا أو غيره. انتهى. وكون اللحم إداما!! إنما هو بحسب اللغة، أما بحسب العرف؛ فلا يسمى «إداما» ، ولهذا لو حلف (لا يأكل إداما) ؛ لم يحنث بأكل اللحم. أخرج الطبراني في «الأوسط» ؛ (عن) أبي محمد- وقيل: أبي عبد الله، وقيل: أبي إسحاق- (كعب بن عجرة) - بضم العين المهملة، وإسكان الجيم، ثم راء مهملة مفتوحة- ابن أميّة بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد- بالتخفيف- البلوي المدني؛ الصحابي الجليل المشهور. حليف الأنصار- وقال الواقدي: ليس حليفا لهم، وإنما هو من أنفسهم. وتعقّبه ابن سعد كاتبه؛ بأنّ المشهور أنّه بلوي حالف الأنصاري. ولم نجده في نسب الأنصار-.

стр. 705

رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث؛ بالإبهام، والّتي تليها، والوسطى ... تأخّر إسلامه، وكان له صنم في بيته، فجاءه صديقه عبادة بن الصامت يوما؛ فلم يجده، فدخل البيت فكسر الصنم بالقدوم، فلما جاء كعب ورآه؛ خرج مغضبا يريد الانتقام من عبادة، ثم فكّر في نفسه؛ فقال: لو كان هذا الصنم ينفع لنفع نفسه. فأسلم. وشهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، وفيه نزل قوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [١٩٦/ البقرة] . روي له عن النّبيّ ﷺ فيما قيل: سبعة وأربعون حديثا، في «الكتب الستة» وغيرها، منها؛ في «الصحيحين» أربعة؛ اتّفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم باخرين. روى عنه ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وغيرهم. سكن الكوفة مدّة، ومات بها. وقيل: مات بالمدينة بعد الخمسين من الهجرة، وله سبع وسبعون سنة. وقيل: خمس وسبعون سنة (رضي الله تعالى عنه. قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، بالإبهام والّتي تليها) السّبابة (والوسطى) . وهذا بيان للأصابع التي كان يأكل بها، فتفسّر به الروايات المطلقة، التي منها ما رواه الترمذيّ في «الشمائل» من حديث كعب بن مالك: كان ﵊ يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهنّ. وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود عنه؛ قال: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها. ولذا تورّع بعض السّلف عن الأكل بالملاعق؛ لأن الوارد إنّما هو الأكل بالأصابع. وفي «الكشاف» : أحضر الرّشيد طعاما فدعا بالملاعق، وعنده أبو يوسف

стр. 706

ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى، ثمّ الّتي تليها، ثمّ الإبهام. فقال: جاء في تفسير جدّك ابن عباس في قوله تعالى. وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [٧٠/ الإسراء] : جعلنا لهم أصابع يأكلون بها. فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه. وكذلك وقع من بعض الصالحين القريبين من عصرنا؛ فإنّه لمّا عرضت عليه الملاعق حين دخوله مصر؛ وكان أهل مصر إذ ذاك قد دخلت عندهم الحضارة الغربية ردّها؛ ولم يأكل بها، وأنشد قول ابن مالك في «الألفيّة» : فما لنا إلّا اتّباع أحمدا وبعضهم أنشد قوله: وفي اختيار لا يجيء المنفصل ... إذا تأتّى أن يجيء المتّصل وهو ظريف جدا. فيستحب الأكل بالثّلاث فقط؛ إن كفت، وإلّا زاد بقدر الحاجة، لقول عامر بن ربيعة: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويستعين بالرابعة. أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» . قال ابن العربي: إن شاء أحد أن يأكل بخمس فليأكل، فقد كان ﷺ يتعرّق العظم، وينهش اللحم، ولا يمكن عادة إلّا بالخمس. قال الحافظ العراقيّ: وفيه نظر، لأنّه يمكن بالثلاث، سلّمنا، لكنه ممسك بكلّها، لا آكل بها، فسلمنا، لكنّ المحلّ محلّ ضرورة لا يدل على عموم الأحوال، فهو كمن لا يمين له؛ يأكل بشماله. (ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث) المذكورة (قبل أن يمسحها؛) محافظة على بركة الطّعام، فيستحبّ ذلك، كما يستحبّ الاقتصار على الأكل بالثلاث. ثم بيّن كيفية لعقه؛ فقال: (الوسطى) أي: يلعق أصبعه الوسطى، (ثمّ) يلعق الأصبع (الّتي تليها) وهي: السّبابة، (ثمّ) يلعق (الإبهام) .

стр. 707

......... قال الحافظ زين الدّين العراقيّ في «شرح الترمذي» : كأنّ السرّ فيه أنّ الوسطى أكثر تلويثا؛ لأنّها أطول، فيبقى فيها الطّعام أكثر من غيرها، ولأنّها لطولها أوّل ما ينزل فيها الطّعام، وهي أقرب إلى الفم حين يرتفع، فزعم أنّ نسبة الأصابع إلى الفم على السواء ساقط. ووقع في مرسل ابن شهاب الزهريّ؛ عن سعيد بن منصور الخراساني: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما تقدّم من أكله بثلاث، باختلاف الحال، فأكثر الأحوال بالثلاث؛ وبعضها بالخمس. وحمل على ما إذا كان الطّعام مائعا. وقد جاءت علّة اللّعق مبيّنة في بعض روايات مسلم: بأنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة، هل في الباقي في الإناء؛ أو على الأصابع؟ قال ابن دقيق العيد: وقد يعلّل بأنّ مسحها قبل لعقها فيه زيادة تلويث لما يمسح به، مع الاستغناء عنه بالرّيق!! لكن إذا صحّ الحديث بالتّعليل لم يتعدّ عنه. قال الحافظ ابن حجر: العلّة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ، فقد يكون للحكم علّتان؛ أو أكثر، والنّصّ على واحدة لا ينفي الزيادة. قال: وأبدى القاضي عياض علّة أخرى: وهي أنّه لا يتهاون بقليل الطعام. انتهى. وفي الحديث ردّ على من كره لعق الأصابع استقذارا؛ ممّن ينسب إلى الرّياسة والإمرة في الدنيا. نعم يحصل ذلك الاستقذار لو فعل اللّعق في أثناء الأكل، لأنّه يعيد أصابعه في الطّعام وعليها أثر ريقه، والمصطفى إنّما كان يلعق بعد الفراغ من الأكل، وبذلك أمر. وقال الخطّابي: عاب قوم- أفسد عقولهم الترفّه- لعق الأصابع، وزعموا أنّه مستقبح، كأنّهم لم يعلموا أنّ الطعام الذي علق بالأصابع والصّحفة جزء من أجزاء

стр. 708

وكان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه. وكان ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة، فأبردوه؛ فإنّ الله لم يطعمنا نارا» . ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا!! وليس في ذلك أكثر من مصّه أصابعه ببطن شفتيه، ولا يشكّ عاقل أنّه لا بأس بذلك، فكيف يزعمون قبحه؟! فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصابعه في فيه؛ فيدلك أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد: إنّ ذلك قذارة وسوء أدب!!. انتهى. ولا ريب أنّ من استقذر ما نسب إلى النّبيّ ﷺ سيّىء الأدب يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل الله تعالى بوجاهة وجهه الكريم: ألايسلك [بنا] غير سبيل سنّته، وأن يديم لنا حلاوة محبّته، بمنّه وكرمه. آمين. (و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد- قال الهيثمي: فيه راو لم يسمّ، وبقيّة إسناده حسن- عن جويرية رضي الله تعالى عنه- وهو أحد وفد عبد القيس رضي الله تعالى عنهم- قال: (كان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه) أي: حدّته وغليانه، لأنّ الحارّ لا بركة فيه، كما جاء مصرّحا به في عدّة أخبار. (و) في «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة فأبردوه، فإنّ الله لم يطعمنا نارا!» ) . روى الطبرانيّ في «الصغير» ، و «الأوسط» ؛ من حديث بلال بن أبي هريرة عن أبيه: أنّ النّبيّ ﷺ أتي بصحفة تفور، فرفع يده منها- وفي لفظ: فأشرع يده فيها، ثمّ رفع يده عنها- فقال: «إنّ الله لم يطعمنا نارا» . وفي إسناده عبد الله بن يزيد البكري؛ ضعّفه أبو حاتم. وللطبرانيّ في «الأوسط» ؛ من حديث أبي هريرة: «أبردوا الطّعام، فإنّ الطّعام الحارّ غير ذي بركة» وكلاهما ضعيف.

стр. 709

وكان ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، ... وعند أبي نعيم في «الحلية» ؛ من حديث أنس مرفوعا: كان النّبيّ ﷺ يكره الكيّ، والطعام الحارّ، ويقول: عليكم بالبارد؛ فإنّه ذو بركة، ألا وإنّ الحارّ لا بركة فيه» ، وكان له مكحلة يكتحل بها عند النّوم ... ثلاثا ثلاثا. وروى الدّيلميّ؛ عن ابن عمر مرفوعا: «أبردوا بالطّعام؛ فإنّ الحارّ لا بركة فيه» . ولأحمد، وأبي نعيم؛ من حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزّبير؛ عن أسماء بنت الصّدّيق؛ أنّها كانت إذا ثرّدت غطّته بشيء حتى يذهب فوره، ثمّ تقول: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هو أعظم بركة» - يعني: الطّعام البارد أعظم بركة-. وقد علمت أنّ في إسناده ابن لهيعة؛ وفيه ضعف، وكذا في أسانيد الأحاديث التي ذكرناها مقال؛ فلا تصلح للحجّية في أنّه لم يأكل طعاما حارّا؛ لضعف مفرداتها. نعم؛ روى البيهقيّ بسند صحيح؛ عن أبي هريرة قال: أتي النّبيّ ﷺ يوما بطعام سخن؛ فقال: «ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» . وهو عند ابن ماجه من وجه آخر؛ عن أبي هريرة بلفظ: أتي يوما بطعام سخن فأكل منه، فلمّا فرغ قال: «الحمد لله؛ ما دخل ... » . وذكره. ولأحمد بإسناد جيّد، والطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب» ؛ من حديث خولة بنت قيس، وقدّمت له حريرة، فوضع يده فيها؛ فوجد حرّها فقبضها. هذا لفظ الطّبراني، والبيهقي، وقال أحمد: فأحرقت أصابعه. ورواه ابن منده في «معرفة الصحابة» ؛ وفيه بعد قوله «فقبضها» : وقال: «يا خولة لا نصبر على حرّ ولا برد ... » الحديث. (و) في «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث) :

стр. 710

وربّما استعان بالرّابعة، ولم يكن يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان. الإبهام والسّبّابة والوسطى. قال العراقيّ: رواه مسلم؛ من حديث كعب بن مالك. انتهى. قلت: وكذلك رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل» ولفظهم جميعا: كان يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها. ذكره في «شرح الإحياء» ، وقد تقدّم. (وربّما استعان بالرّابعة) قال العراقيّ: رويناه في «الغيلانيّات» ؛ من حديث عامر بن ربيعة، وفيه القاسم بن عبد الله العمري: هالك. وفي «مصنّف ابن أبي شيبة» ؛ من رواية الزّهري مرسلا: كان النبيّ ﷺ يأكل بالخمس» . انتهى. قلت: حديث عامر بن ربيعة رواه أيضا الطبرانيّ في «الكبير» ؛ ولفظه: كان يأكل بثلاث أصابع ويستعين بالرّابعة. وأمّا مرسل الزهري! فمحمول على المائع، وذلك لأنّ الاقتصار على الثلاث محلّه إن كفت، وإلّا! فكما في المائع؛ زاد بحسب الحاجة. انتهى شرح «الإحياء» . وقد سبق قريبا الكلام على ذلك بأوسع ممّا هنا. (ولم يكن) النبي ﷺ (يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان) . روى الدارقطنيّ في «الأفراد» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه ﷺ لم يأكل بأصبعين، وقال: «إنّه أكل الشّياطين» . وأخرج أيضا عنه بسند ضعيف: «لا تأكل بأصبع فإنّه أكل الملوك، ولا تأكل بأصبعين، فإنّه أكل الشّياطين» . ورواه الحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول» بلفظ: «لا تأكلوا بهاتين» - وأشار بالإبهام والمشيرة- كلوا بثلاث فإنّها سنّة، ولا تأكلوا بالخمس فإنّها أكلة الأعراب» .

стр. 711

وكان ﷺ يلعق الصّحفة بأصابعه، ويقول: «آخر الطّعام أكثر بركة» . وكان يلعق أصابعه من الطّعام ... وروى الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسن الغطريف، وابن النّجار؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: الأكل بأصبع أكل الشيطان، وبالأصبعين أكل الجبابرة، وبالثلاث أكل الأنبياء. وفي «الإحياء» : الأكل بالأصبع من المقت، وبأصبعين من الكبر، وبثلاث من السنّة، وبأربع أو خمس من الشّره. (و) في «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يلعق) - بفتح العين المهملة- أي: يلحس (الصّحفة) الّتي فيها الطعام (بأصابعه) إذا فرغ من الأكل؛ لا في أثنائه، لأنّه يقذر الطّعام، (ويقول: «آخر الطّعام أكثر بركة» ) . قال العراقيّ: روى البيهقيّ في «الشعب» ؛ من حديث جابر في حديث قال فيه: ولا يرفع القصعة حتى يلعقها، أو يلعقها؛ فإنّ آخر الطّعام فيه البركة. ولمسلم؛ من حديث أنس: أمرنا أن نسلت الصّحفة؛ قال: إنّ أحدكم لا يدري في أيّ طعامه يبارك له فيه؟. انتهى. قلت: وفي بعض روايات مسلم من حديث جابر: فإنّكم لا تدرون في أيّ طعامكم البركة. وأمّا حديث جابر الذي رواه البيهقيّ! فقد رواه أيضا ابن حبّان بلفظ: ولا ترفع الصحفة حتى تلعقها، فإنّ في آخر الطعام البركة. وروى الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والبغويّ، والدارميّ، وابن أبي خيثمة، وابن السّكن، وابن شاهين، وابن قانع، والدارقطني؛ من حديث نبيشة الخير الهذلي مرفوعا: «من أكل في قصعة ولحسها استغفرت له» . قال الترمذيّ، والدارقطنيّ: غريب. وأورده بعضهم: «تستغفر القصعة للاحسها» . انتهى (شرح «الإحياء» ) . (وكان يلعق أصابعه من الطّعام) أي: ثلاثا إذا فرغ من الأكل؛ لا في أثنائه،

стр. 712

حتّى تحمّر. وكان لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة» . لأنّه يقذر الطعام، وتعاف منه نفس الآكلين (حتّى تحمرّ) . قال العراقيّ: رواه مسلم من حديث كعب بن مالك دون قوله «حتى تحمرّ» ؛ فلم أقف له على أصل. قلت: والمعنى: يبالغ في لعقها، وكأنّه أخذ ذلك من رواية الترمذيّ في «الشمائل» : كان يلعق أصابعه ثلاثا، أي: يلعق كلّ أصبع ثلاث مرات. انتهى شرح «الإحياء» . (وكان) ﷺ (لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة» ) . قال العراقيّ: روى مسلم من حديث كعب بن مالك: أن النّبيّ ﷺ كان لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعقها. وله من حديث جابر: فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه تكون البركة!!. وللبيهقي في «الشعب» من حديثه: «لا يمسح أحدكم يده بالمنديل حتّى يلعق يده، فإنّ الرّجل لا يدري في أيّ طعامه يبارك له» . انتهى. قلت: روي في هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وأنس بلفظ حديث ابن عباس: «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعقها، أو يلعقها» . رواه كذلك أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجه. وحديث جابر مثله؛ بزيادة: «فإنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة» . رواه كذلك أحمد، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه. وأمّا حديث أبي هريرة! فلفظه: إذا أكل أحدكم طعاما فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه تكون البركة. رواه كذلك أحمد، ومسلم، والترمذيّ. ورواه كذلك الطبرانيّ في «الكبير» ؛ عن زيد بن ثابت. ورواه كذلك الطبرانيّ في

стр. 713

وكان ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة.. غسل يديه غسلا جيّدا، ... «الأوسط» ؛ عن أنس. قال ابن حجر في «شرح الشمائل» : الأكمل أن يلعق كلّ أصبع ثلاثا متوالية، لاستقلال كلّ؛ فناسب كمال تنظيفها قبل الانتقال إلى البقية، فيبدأ بالوسطى لكونها أكثر تلوّثا، إذ هي أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنّها لطولها أوّل ما ينزل الطّعام، ثمّ بالسّبابة، ثم بالإبهام، لما روى الطبرانيّ في «الأوسط» : رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى ثمّ التي تليها، ثم الإبهام. وعند مسلم من حديث جابر، وأنس مرفوعا: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، وليمط ما كان بها من أذى، ولا يدعها للشّيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه، لأنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة» . وفي هذه الأخبار الردّ على من كره اللّعق استقذارا، وقد مرّ كلام الخطّابي المشتمل على تقريع المستقذرين للعق الأصابع، والكلام فيمن استقذر ذلك من حيث هو؛ لا مع نسبته للنّبي ﷺ ، وإلّا! خشي عليه الكفر، إذ من استقذر شيئا من أحواله ﷺ مع علمه بنسبته إليه كفر. انتهى شرح «الإحياء» مع حذف منه. (و) في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة؛ غسل يديه غسلا جيّدا) . قال العراقيّ: روى أبو يعلى من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف: «من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي من حذاءه» . انتهى. قلت: ورواه ابن عديّ في «الكامل» ؛ بلفظ: «إذا أكل أحدكم طعاما فليغسل يده من وضر اللّحم» وإسناده ضعيف أيضا، وعليه يحمل ما رواه أحمد، والطحاوي، والطبرانيّ، وابن عساكر من حديث سهل بن الحنظليّة رفعه: «من أكل لحما فليتوضّأ» . أي: فليغسل يده من وضره، أي: زهومته ودسمه.

стр. 714

ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل من هذه اللّحوم شيئا.. فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي من حذاءه» . وكان أكثر جلوسه ﷺ ... وروى النّسائيّ، والحاكم، وابن حبّان في «صحيحيهما» «١» - وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دعانا رجل من الأنصار من أهل قباء- يعني النّبيّ ﷺ فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يده- أو يديه-؛ قال: «الحمد لله الّذي يطعم؛ ولا يطعم» ... الحديث. انتهى شرح «الإحياء» . (ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه) . لم يتكلّم على هذه الجملة في شرح «الإحياء» !! (و) أخرج أبو يعلى بإسناد ضعيف؛ (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابن عمر) بن الخطّاب- وقد تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل من هذه اللّحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره) - بفتح الواو والضّاد المعجمة-: وسخ الدّسم واللّبن، يعني: يزيل ذلك بالغسل بالماء أو بغيره؛ لكن بعد لعق أصابعه؛ حيازة لبركة الطعام، كما تقدّم. (ولا يؤذي من حذاءه) - بكسر الحاء المهملة، وذال معجمة ممدودة- أي: عنده، من آدمي، أو ملك. فترك غسل اليد من الطّعام الدّسم مكروه، لتأذّي الحافظين به وغيرهم. (و) في «كشف الغمّة» - ونحوه في «الإحياء» -: (كان أكثر جلوسه ﷺ

стр. 715

للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي، إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم. وكان ﷺ يقول: ... للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي) في حال صلاته، (إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم) . قال العراقيّ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» ؛ من رواية أيوب معضلا: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أكل احتفز؛ وقال: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . وروى ابن الضّحّاك في «الشمائل» ؛ من حديث أنس- بسند ضعيف-: كان إذا قعد على الطّعام استوفز على ركبته اليسرى، وأقام اليمنى؛ ثمّ قال: «إنّما أنا عبد؛ أجلس كما يجلس العبد، وأفعل كما يفعل العبد» . وروى أبو الشّيخ في «الأخلاق» - بسند جيد-؛ من حديث أبيّ بن كعب: أنّ النّبيّ ﷺ كان يجثو على ركبتيه، وكان لا يتّكئ. أورده في صفة أكل رسول الله ﷺ ، وإنّما فعل ذلك رسول الله ﷺ تواضعا لله تعالى، فالسنّة أن يجلس جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى. قال ابن القيّم: ويذكر عنه ﷺ : أنّه كان يجلس للأكل متورّكا على ركبتيه، ويضع ظهر اليمنى على بطن قدمه اليسرى؛ تواضعا لله ، وأدبا بين يديه. قال: وهذه الهيئة أنفع الهيئات للأكل وأفضلها، لأنّ الأعضاء كلّها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى عليه. انتهى شرح «الإحياء» بتصرّف. (و) في «كشف الغمة» - ونحوه في «الإحياء» -: (كان) رسول الله ﷺ يقول) ؛ كما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكّئا على عصا؛ فقمنا له. فقال: «لا تقوموا كما تقوم

стр. 716

«إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . وعن أبي جحيفة ... الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا! (إنّما أنا عبد) ، حصر إضافيّ؛ أي: لست بملك، فإن أريد به الرّقيق فهو استعارة، شبّه نفسه تواضعا لله تعالى بالرّقيق؛ فقوله: (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» ) بيان لوجه الشبه، وإن أريد عبد الله، وكلّ الخلق عبيده؛ الملوك وغيرهم!! فالمراد أنّه متمحّض لهذه العبودية؛ لا يشوبها بشيء من أمور الدنيا، ولا يتخلّق بشيء من أخلاق أهلها؛ في جلوس وأكل وغيرهما، بل كان يجلس على الأرض، ولا يأكل على خوان، ولا يغلق عليه باب، وليس له بوّاب، ويأكل مستوفزا. وأخرج البزّار من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» . ولأبي يعلى؛ من حديث عائشة: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . وإسنادهما ضعيف. (و) أخرج البخاريّ والترمذيّ (عن أبي جحيفة) - بجيم مضمومة ثمّ حاء مهملة مفتوحة؛ مصغّرا- وهب بن عبد الله، ويقال: وهب بن وهب السّوائي- بضمّ السّين المهملة، وتخفيف الواو، وبالمد- منسوب إلى سواة بن عامر بن صعصعة: صحابيّ كوفيّ، توفي النّبيّ ﷺ ؛ وهو صبي لم يبلغ. وكان عليّ بن أبي طالب يكرم أبا جحيفة ويسمّيه «وهب الخير» ، و «وهب الله» ، وكان يحبّه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلّها، ونزل الكوفة؛ وابتنى بها دارا. روي له عن النّبيّ ﷺ خمسة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.

стр. 717

رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أمّا أنا فلا آكل متّكئا» . روى عنه ابنه عون، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السّبيعي، وعليّ بن الأقمر، والحكم بن عتيبة- بالمثناة فوقا-. وكانت وفاته سنة: اثنتين وسبعين؛ (رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمّا) - هي لتفصيل ما أجمل، ولتأكيد الحكم غالبا، نحو جاء القوم؛ أمّا زيد فراكب، وأمّا عمرو فماش، وقد تجيء لمجرّد التّأكيد. ذكره الرّضيّ. والثاني هو المراد هنا. (أنا) قال ابن حجر: خصّص نفسه الشريفة بذلك!! لأنّ من خصائصه كراهته له دون أمّته؛ على ما زعمه ابن القاصّ من أئمّتنا، والأصحّ: كراهته لهم أيضا، فوجه ذلك أنّ قضية كماله ﷺ عدم الاتّكاء في الأكل؛ إذ مقامه الشريف يأباه من كلّ وجه، فامتاز عليهم بذلك. انتهى. قال في «جمع الوسائل» : والأظهر أن يراد به تعريض غيره من أهل الجاهلية والأعجام؛ بأنّهم يفعلون ذلك إظهارا للعظمة والكبرياء، والافتخار والخيلاء، وأمّا أنا فلا أفعل ذلك، وكذلك من تبعني، قال تعالى قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [١٠٨/ يوسف] . وفيه إشارة خفيّة إلى أنّ امتناعه إنّما هو بالوحي الخفيّ؛ لا الجليّ. انتهى كلام ملّا علي قاري رحمه الله تعالى. (فلا آكل) - بالمدّ؛ على أنّه متكلم- (متّكئا» ) - بالهمز- ومعنى المتّكئ: المائل إلى أحد الشّقين؛ معتمدا عليه وحده. وحكمة كراهة الأكل متّكئا: أنّه فعل المتكبّرين، المكثرين من الأكل نهمة وشرها، المشغوفين من الاستكثار من الطعام. والكراهة مع الاضطجاع أشدّ منها مع الاتّكاء. نعم؛ لا بأس بأكل ما يتنقّل به مضطجعا، لما ورد عن عليّ كرم الله وجهه أنّه

стр. 718

وروى ابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل وهو منبطح على وجهه. أكل كعكا على برش، وهو منبطح على بطنه. قال حجّة الإسلام: والعرب قد تفعله. والأكل قاعدا أفضل، ولا يكره قائما بلا حاجة. واعلم أنّ الاتّكاء أربعة أنواع: الأوّل: أن يضع جنبه على الأرض مثلا. الثّاني: أن يتربّع على وطاء ويستوي عليه. الثالث: أن يضع إحدى يديه على الأرض ويعتمدها. الرّابع: أن يسند ظهره على وسادة ونحوها. وكلّها مذمومة حالة الأكل، لكن الثاني لا ينتهي إلى الكراهة، وكذا الرّابع فيما يظهر، بل هما خلاف الأولى، وما صار إليه بعضهم «من أنّ الاستناد من مندوبات الأكل؛ تمسّكا بأنّ المصطفى ﷺ كان يأكل وهو مقع من الجوع، أي: مستند لما وراءه من الضّعف الحاصل له بسبب الجوع» !! عليه منع ظاهر لأنّه لم يفعله إلّا لتلك الضرورة، والكلام في حالة الاختيار. وما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد: أنّه أكل مرة متّكئا!! فلعلّه لبيان الجواز، أو كان قبل النهي. ويؤيد الثاني ما رواه ابن شاهين عن عطاء: أنّ جبريل رأى المصطفى ﷺ يأكل متّكئا فنهاه. ومن حكم كراهة الأكل متّكئا: أنّه لا ينحدر الطعام سهلا، ولا يسيغه هيّنا، وربّما تأذّى به. والله أعلم. (وروى) الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يزيد (ابن ماجه) - بالهاء وصلا ووقفا- لقب يزيد والد أبي عبد الله- وقد مرّت ترجمته؛ رحمه الله تعالى-. (أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل) - وصف أغلبي- (وهو منبطح) ؛ أي: ملقى (على وجهه) ، لأنّه مضرّ.

стр. 719

وأخرج ابن عديّ: أنّ رسول الله ﷺ زجر أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل. وأمّا إدام رسول الله ﷺ : فقد كان ﷺ لا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز.. أكله، ... (وأخرج) الحافظ أبو أحمد عبد الله (بن عديّ) بن عبد الله بن محمّد بن مبارك بن القطان الجرجاني، أحد أئمة الحديث ورجاله. ولد سنة: - ٢٧٧- سبع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة: - ٣٦٥- خمس وستين وثلثمائة، وعمره: ثمان وثمانون سنة تقريبا. أخذ عن أكثر من ألف شيخ، وكان يعرف في بلده ب «ابن القطّان» ، واشتهر بين علماء الحديث ب «ابن عديّ» ، وهو من الأئمة الثقات في الحديث. له من التّصانيف: «الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة» ، وكتاب «علل الحديث» ، و «معجم في أسماء شيوخه» ، وله «كتاب الانتصار على مختصر المزني» في الفروع الشافعية. رحمه الله تعالى. آمين (أنّ رسول الله ﷺ زجر) أي: منع (أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل) ، وسنده ضعيف. (وأمّا إدام رسول الله ﷺ ؛ فقد كان ﷺ - كما في «كشف الغمّة» و «الإحياء» - (لا يتورّع عن مطعم حلال) ؛ ففي الترمذيّ؛ من حديث أمّ هانىء قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ ؛ فقال: «أعندك شيء؟» قلت: لا، إلّا خبز يابس وخلّ، فقال: «هاتي ... » الحديث. ولمسلم؛ من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ سأل أهله الأدم!! فقالوا: ما عندنا إلّا خلّ، فدعا به ... الحديث. (إن وجد تمرا دون خبز أكله) . روى مسلم، والترمذيّ، من حديث أنس

стр. 720

وإن وجد لحما مشويّا.. أكله، وإن وجد خبز برّ.. أكله، أو شعيرا.. أكله، وإن وجد حلوى، أو عسلا.. أكله، ... قال: رأيته مقعيا يأكل تمرا. وروى أبو داود؛ من حديث أنس قال: كان يؤتى بالتمر فيه دود فيفتّشه يخرج السّوس منه. (وإن وجد لحما مشويّا أكله) روى الترمذيّ في «السنن» ؛ وصحّحه، وكذا في «الشمائل» ؛ من حديث أمّ سلمة أنّها أخرجت إليه جنبا مشويا؛ فأكل منه ... الحديث. وسيأتي في المتن. (وإن وجد خبز برّ) : حنطة (أكله، أو) خبزا (شعيرا أكله) . روى الشّيخان؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيّام تباعا من خبز برّ، حتى مضى لسبيله. لفظ مسلم، وفي رواية له: ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين. وللطبراني في «الكبير» ؛ من حديث ابن عبّاس: كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشّاة «١» ، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير. وللترمذي وصحّحه، وابن ماجه؛ من حديث ابن عباس: كان أكثر خبزهم الشعير. وروى الترمذيّ في «الشمائل» : كان يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة» . (وإن وجد حلوى) - بالمد والقصر- (أو عسلا أكله) . روى الشيخان والأربعة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يحبّ الحلواء والعسل. والحلواء: كلّ ما فيه حلاوة، فالعسل تخصيص بعد تعميم.

стр. 721

وإن وجد لبنا دون خبز.. أكله واكتفى به، وإن وجد بطّيخا، أو رطبا.. أكله. وكان ﷺ يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد. وقال الخطابيّ: الحلواء يختصّ بما دخلته الصّنعة. وقال ابن سيده: هي ما عولج من الطعام بحلو. وقد تطلق على الفاكهة. وقال الثعالبيّ في «فقه اللغة» : إنّ حلواءه ﷺ التي كان يحبّها هي المجيع، وهي تمر يعجن بلبن. وقال الخطابيّ: لم تكن محبّته ﷺ للحلواء على معنى كثرة التّشهّي لها، وشدّة نزوع النفس، وإنّما كان ينال منها إذا حضرت نيلا صالحا؛ فيعلم بذلك أنّها تعجبه. (وإن وجد لبنا دون خبز؟ أكله واكتفى به) . روى الشيخان من حديث ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ شرب لبنا، فدعا بماء فمضمض. (وإن وجد بطّيخا، أو رطبا أكله) . روى الحاكم؛ من حديث أنس قال: كان يأكل الرّطب ويلقي النّوى في الطّبق. وروى النّسائي؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يأكل الرّطب بالبطّيخ. وإسناده صحيح. ولفظ الترمذيّ: كان يأكل البطّيخ بالرّطب. وهكذا رواه ابن ماجه؛ من حديث سهل بن سعد، والطّبرانيّ؛ من حديث عبد الله بن جعفر. وزاد أبو داود، والبيهقيّ في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ويقول: «يكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا» . وروى الطبرانيّ في «الأوسط» ، والحاكم، وأبو نعيم في «الطب» ؛ من حديث أنس قال: كان يأخذ الرّطب بيمينه، والبطّيخ بيساره، فيأكل الرّطب بالبطيخ، وكانا أحبّ الفاكهة إليه. (و) في «كشف الغمّة» و «إحياء علوم الدين» : (كان) رسول الله ﷺ يأكل ما حضر) لديه، (ولا يردّ ما وجد) . في كتاب «الشمائل» لأبي الحسن بن

стр. 722

وعن زهدم الجرميّ قال: كنّا عند أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، فأتي بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم، فقال: ما لك؟ ... الضّحّاك بن المقري؛ من رواية الأوزاعيّ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أبالي ما رددتّ به عنّي الجوع» !. وهذا معضل؛ قاله العراقي. قلت: وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» ؛ عن الأوزاعيّ، كذلك. انتهى شرح «الإحياء» . (و) أخرج الشّيخان، والتّرمذيّ في «الشمائل» ، واللفظ له قال: حدّثنا هنّاد، قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن أيّوب عن أبي قلابة. (عن زهدم) - بفتح الزّاي، وسكون الهاء وفتح الدّال المهملة وآخره ميم؛ بوزن جعفر- (الجرميّ) - بالجيم المفتوحة والرّاء السّاكنة-؛ نسبة لقبيلة جرم كفلس. أبو مسلم البصريّ، ثقة من الثالثة، خرّج له البخاريّ وغيره. (قال:) أي: زهدم الجرميّ: (كنّا عند أبي موسى الأشعريّ) ؛ نسبة إلى «أشعر» قبيلة باليمن، واسمه عبد الله بن قيس- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه) . وهذا يدلّ على مشروعية اجتماع القوم عند صديقهم. (فأتي) - بصيغة المجهول- أي: جيء (بلحم دجاج) ، أي: فأتاه خادمه بطعام فيه لحم دجاج، وهو اسم جنس مثلّث الدّال، واحده دجاجة؛ مثلّثة الدال أيضا، سمّي به لإسراعه من دجّ يدجّ؛ إذا أسرع. (فتنحّى) ؛ أي: تباعد (رجل من القوم) عن الأكل، بمعنى أنّه لم يتقدّم له، وهذا الرّجل من بني تيم الله أحمر، كأنّه من الموالي!! أي: العجم. (فقال) أي أبو موسى (: ما لك) تنحّيت؟! فهو استفهام متضمّن للإنكار. أي: أيّ شيء باعث لك على ما فعلت من التنحي؟! أو أيّ شيء مانع لك من التّقدّم؟!.

стр. 723

فقال: إنّي رأيتها تأكل شيئا، فحلفت ألاآكلها. قال: ادن، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج. وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطعام أن يسأل عن سبب امتناع من حضره من الأكل. (فقال) أي الرّجل لأبي موسى (: إنّي رأيتها) ، أي: أبصرت الدّجاجة حال كونها (تأكل شيئا) أي: قذرا. وأبهمه لئلّا يعاف الحاضرون أكله عند التصريح به. زاد في بعض الروايات: فقذرتها، أي: كرهتها نفسي، (فحلفت) - بفتح اللّام- أي: أقسمت (ألاآكلها) ، ولعلّ حلفه لئلّا يكلّفه أحد أكله فيعذره بالحلف. (قال:) أي: أبو موسى للرّجل: (ادن) ؛ أي: اقرب؛ من الدّنوّ وهو القرب. وأمره بالقرب ليأكل من الدّجاج؛ (فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج) . بيّن له أبو موسى أنّ ظنّه ليس في محله؛ لما رأى من أكل رسول الله ﷺ لها، فينبغي أن يأكل هذا الرّجل منها؛ اقتداء بالمصطفى ﷺ ويكفّر عن يمينه، فإنّه خير له من بقائه على يمينه، لخبر: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به» . وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطّعام أن يسعى في حنث من حلف على ترك شيء لأمر غير مكروه شرعا، إلّا إذا كان الحلف بالطلاق، فلا ينبغي له أن يسعى في حنثه فيه، وكذا لو حلف بالعتق؛ وهو محتاج لقنّه، لنحو خدمة أو منصب. ويؤخذ منه جواز أكل الدّجاج، وهو إجماع، إلا ما شذّ به بعض المتعمّقين على سبيل الورع، لكن استثنى بعضهم الجلّالة؛ فتحرم أو تكره- على الخلاف المشهور فيها-. وما ورد من أنّه ﷺ كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أيّاما؛ ثمّ يأكلها بعد ذلك!! إنّما هو في الجلّالة، فكان يقصرها حتّى يذهب اسم الجلّالة عنها. قال ابن القيّم: ولحم الدّجاج حارّ رطب، خفيف على المعدة، سريع

стр. 724

وعن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جدّه سفينة مولى رسول الله ﷺ ، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى. الهضم، جيد الخلط، يزيد في الدّماغ والمنيّ، ويصفّي الصّوت، ويحسّن اللّون، ويقوّي العقل. وما قيل من أنّ المداومة عليه تورث النّقرس- بكسر النّون والرّاء بينهما قاف ساكنة، وآخره سين مهملة-؛ وهو: ورم يحدث في مفاصل القدمين!! لم يثبت. ولحم الدّيوك أسخن مزاجا، وأقلّ رطوبة. انتهى «باجوري رحمه الله تعالى» . (و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الجامع» ، واستغربه وفي «الشمائل» - واللّفظ لها- قال: حدّثنا الفضل بن سهل الأعرج البغدادي؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مهدي؛ (عن إبراهيم بن عمر بن سفينة) «مولى أمّ سلمة» ، صدوق من الثالثة، خرّج له أبو داود. قال الترمذيّ في «الجامع» : هذا حديث غريب لا يعرف إلّا من هذا الوجه، وإبراهيم روى عنه ابن أبي فديك، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، وأبو الحجّاج النّضر بن طاهر البصريّ. (عن أبيه) ؛ أي: عمر بن سفينة (عن جدّه) ؛ أي: (سفينة مولى رسول الله ﷺ ، يكنّى أبا عبد الرحمن، ويقال: كان اسمه «مهران» أو غيره. ولقّب «سفينة» ! لكونه حمل شيئا كثيرا في سفر. مات بعد السبعين، خرّج له مسلم، والأربعة. (قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى) - بضمّ الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة، وفتح الرّاء، وفي آخره ألف تأنيث-: طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللون، شديد الطيران، ويسمّى عند بعض أهل اليمن «اللوام» ، ولحمه بين لحم الدّجاج والبطّ.

стр. 725

و (الحبارى) : طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللّون، شديد الطّيران. وكان ﷺ يأكل لحم الدّجاج ... قال ابن القيّم: لحم الحبارى حارّ، يابس، بطيء الانهضام، نافع لأصحاب الرياضة والتعب. وهذا الحديث يدلّ على جواز أكل الحبارى، وبه صرّح أصحابنا الشافعيّة. وفي ذلك الحديث وغيره ردّ على من حرّم أكل اللّحم من الفرق الزائغة. ولم يذكر المصنّف- كالتّرمذيّ- في الحبارى غير حديث سفينة هذا!! وفيه عن أنس- رواه ابن عديّ في «الكامل» - قال: أتي رسول الله ﷺ بطير حبارى؛ فقال: «اللهمّ ائتني برجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، فإذا عليّ يقرع الباب» . فقال أنس رضي الله تعالى عنه: رسول الله مشغول. ثمّ أتى الثّانية؛ فقال: رسول الله مشغول. ثمّ أتى الثالثة؛ فقال: «يا أنس؛ أدخله فقد عنيته» . انتهى. ذكره المناوي؛ نقلا عن الحافظ العراقيّ رحمهم الله تعالى. (والحبارى) ؛ كسمانى ألفها للتّأنيث؛ يقال له في بعض بلدان اليمن «اللوام» وصفته أنه (طائر طويل العنق؛ في منقاره) بعض (طول) ، وهو (رماديّ اللّون) أي: على لون الرّماد؛ (شديد الطّيران) ، واسمه يقع على الذكر والأنثى؛ والواحد والجمع. وهو من أكثر الطّير حيلة في تحصيل الرّزق، ومع ذلك يموت جوعا بهذا السبب!! وقيل: يوجد في بطنه حجر إذا علق على شخص لم يحتلم ما دام عليه، وقيل: يضرب به المثل في الحمق، ويقال «كلّ شيء يحبّ ولده؛ حتّى الحبارى» . وولدها يقال له «النّهار» ، وفرخ الكروان «اللّيل» . قال الشاعر: ونهارا رأيت منتصف اللّي ... ل وليلا رأيت نصف النّهار (و) في «كشف الغمّة» : (كان) رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج) .

стр. 726

والطّير الّذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له، فيؤتى به فيأكله. وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا طبختم قدرا.. فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها تشدّ قلب الحزين» . رواه الشيخان والترمذيّ، وغيرهم؛ عن أبي موسى الأشعريّ في حديث طويل قد تقدّم. (و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» : كان يأكل لحم (الطّير الّذي يصاد) . قال العراقيّ: روى التّرمذيّ من حديث الحسن؛ قال: كان عند النّبيّ ﷺ طير، فقال: «اللهمّ؛ ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطّير» . فجاء عليّ فأكل معه. قال: حديث غريب. انتهى «شرح الإحياء» . (وكان لا يشتريه) ، وفي «الإحياء» : لا يتبعه، (ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له فيؤتى به فيأكله) . قال العراقيّ: هذا هو الظّاهر من أحواله، فقد قال: «من اتّبع الصّيد غفل» . رواه أبو داود، والترمذيّ، والنّسائيّ؛ من حديث ابن عباس، وقال الترمذيّ: حسن غريب. وأمّا حديث صفوان بن أميّة عند الطبرانيّ: «قد كانت قبلي لله رسل كلّهم يصطاد» أو: «يطلب الصّيد» !! فهو ضعيف جدا. انتهى شرح «الإحياء» . (و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها) : «يا عائشة؛ (إذا طبختم قدرا) أي: طعاما في قدر- بكسر القاف وسكون الدال المهملة؛ مؤنّثة-: آنية يطبخ فيها (فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها) أي: الدّبّاء (تشدّ قلب الحزين» ) .

стр. 727

وكان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد باللّحم والقرع. وكان يحبّ القرع، ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» . قال العراقيّ: رويناه في «فوائد» أبي بكر الشافعي من حديثها، ولا يصحّ؛ قاله في شرح «الإحياء» . قال الزرقاني على «المواهب» : ولأحمد وغيره: أنّه ﷺ قال لعائشة: «إذا طبخت قدرا فأكثري فيها من الدّبّاء، فإنّها تشدّ قلب الحزين» . انتهى. (و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد) - بفتح المثلّثة وكسر الرّاء؛ فعيل، بمعنى مفعول، ويقال أيضا: مثرود- وهو: أن يثرد؛ أي: يفتّ ثمّ يبلّ بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم، أو يفتّ ثمّ يبلّ بأي مرق كان. وهو ظاهر «القاموس» ، و «المصباح» . (باللّحم والقرع) . رواه مسلم من حديث أنس. وروى أبو داود، والحاكم وصحّحه؛ من حديث ابن عبّاس: كان أحبّ الطّعام إليه الثّريد من الخبز، والثّريد في الحيس. (وكان) ﷺ (يحبّ القرع) - بسكون الراء وفتحها؛ لغتان- وهو: الدّبّاء، (ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» ) على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام. قال العراقيّ: روى النّسائيّ، وابن ماجه؛ من حديث أنس: كان النبيّ ﷺ يحبّ القرع. وقال النّسائيّ: الدّباء. وهو عند مسلم بلفظ: يعجبه الدّبّاء. وروى ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي هريرة في قصة يونس فلفظته في أصل شجرة وهي الدباء. انتهى. قلت: وروى الترمذيّ في «الشمائل» ؛ من حديث أنس: كان يتتبّع الدّبّاء من حوالي القصعة. وعند أحمد؛ كما عند مسلم: كان يعجبه القرع. وقوله تعالى وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) [الصافات] !! قالوا: هي الدّبّاء. انتهى شرح «الإحياء» .

стр. 728

وعن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع، فقلت: ما هذا؟ فقال: «نكثّر به طعامنا» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إنّ خيّاطا ... وسيأتي الكلام على حديث أنس رضي الله تعالى عنه. (و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه) صحابيّ مقلّ. روى له النّسائيّ، وابن ماجه. وعنه ابنه حكم. قال الترمذيّ: ولا نعرف له إلّا هذا الحديث؛ (قال: دخلت على النّبيّ ﷺ أي: في بيته، (فرأيت عنده دبّاء يقطّع) - بكسر الطّاء المهملة؛ بصيغة المعلوم، كما هو كذلك في أكثر الأصول من «الشمائل» ، وفي بعض النّسخ [يقطّع] بصيغة المجهول، فيكون بفتح الطّاء المهملة!! وعلى كلّ؛ فهو بضمّ الياء وفتح القاف مع تشديد الطّاء؛ من التّقطيع، وهو جعل الشيء قطعا-. (فقلت: ما هذا؟!) أي: ما فائدة هذا التقطيع؟!! فليس المراد السّؤال عن حقيقته، وإن كان هو الأصل في «ما» !! لأنّه لا يجهل حقيقته، (فقال: «نكثّر) - بنون مضمومة وكاف مفتوحة ومثلّثة مشدّدة مكسورة؛- من التّكثير، ويجوز أن يكون: بسكون الكاف وتخفيف المثلّثة؛ من الإكثار، لكن الأصول على الأوّل- (به) أي: بالتّقطيع (طعامنا» ) . وهذا يدلّ على أنّ الاعتناء بأمر الطّبخ لا ينافي الزّهد والتّوكل؛ بل يلائم الاقتصاد في المعيشة، المؤدّي إلى القناعة. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما- واللّفظ ل «الشمائل» - (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: إنّ خيّاطا) لا يعرف له اسم، لكن في

стр. 729

دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه. قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد. قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة، ... رواية: أنّه مولى للمصطفى ﷺ (دعا رسول الله ﷺ لطعام) ؛ قيل: كان ثريدا (صنعه؛ قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام) ؛ تبعا له ﷺ لكونه خادما، أو بطلب مخصوص، (فقرّب) - بتشديد الرّاء المفتوحة؛ مبنيّ للفاعل- أي: فقدّم الخيّاط (إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا) - بفتحتين- (فيه دبّاء) ، - بضم الدّال وتشديد الموحدة وبالمد ويقصر-: القرع، الواحدة دبّاءة، (وقديد) أي: لحم مملوح مجفّف في الشمس؛ فعيل بمعنى مفعول. وفي «السنن» ؛ عن رجل: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة؛ ونحن مسافرون، فقال: «أملح لحمها» . فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة. (قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع) ؛ أي يتطلّب (الدّبّاء حوالي) - بفتح اللّام وسكون التّحتيّة؛ مفرد مثنّى الصورة- أي: جوانب. وفي «الصحيح» : من حوالي (القصعة) - بفتح القاف في الأشهر الأكثر- وهي: إناء يشبع منه عشرة، وأمّا الصّحفة: فهي الّتي تشبع الخمسة. ومن اللّطائف: لا تكسر القصعة ولا تفتح الخزانة. ثمّ تتبّعه من جوانبها؛ إمّا بالنّسبة لجانب؛ دون بقية الجوانب، بدليل أنّ أنس بن مالك كان يقرّبه إلى جهته ﵊، أو مطلقا. ولا ينافيه النّهي عن ذلك!! لأنه للتّقذر والإيذاء، وهو منتف فيه ﷺ ؛ لأنّهم كانوا يودّون ذلك منه، لتبرّكهم باثاره ﷺ ، حتى أنّ نحو بصاقه، ومخاطه كانوا يدلكون به وجوههم، ويشربون بوله ودمه؛ فلا تناقض بين هذا وحديث: «كل

стр. 730

فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ. قال النّوويّ: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء، وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ . ممّا يليك» . على أنّ محلّ كراهة الأكل من غير ما يلي الآكل؛ إذا اتّحد لون ما في الإناء، لا إن اختلف كما هنا، فإنّ الإناء فيه قديد، ودبّاء، ومرق. قال أنس رضي الله تعالى عنه: (فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ) ، أي: من يوم إذ رأيت النّبيّ ﷺ يتتبّعه. وللترمذيّ من حديث طالوت الشامي: دخلت على أنس رضي الله تعالى عنه؛ وهو يأكل قرعا، وهو يقول: يا لك شجرة، ما أحبّك إليّ بحبّ رسول الله ﷺ إيّاك. (قال) العلّامة الإمام وليّ الله تعالى محيي الدّين يحيى (النّوويّ) رحمه الله تعالى: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء) ، أي: يسعى في الأسباب المحصّلة إلى محبّتها، (وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ ؛ لأنّ من خالص الإيمان حبّ ما كان يحبّه، واتّباع ما كان يفعله، ألا ترى إلى قول أنس: «فلم أزل أحبّ الدّبّاء ... » إلى آخره!!. ولا شكّ أنّ محبّة المصطفى ﷺ مؤدّية إلى محبّة ما كان يحبّه، حتى من مأكول ومشروب وملبوس؛ فيسنّ محبّة الدّبّاء لمحبّته ﷺ له، وقد قال: «عليكم بالقرع؛ فإنّه يزيد في الدّماغ» . رواه الطبرانيّ؛ عن واثلة. وللبيهقي: «فإنّه يزيد في العقل ويكبّر الدّماغ» . وروى الإمام أحمد؛ عن أنس: أنّ القرع كان أحبّ الطعام إلى رسول الله ﷺ . ولعلّه لما فيه من الرّطوبة في البدن. وفي الحديث أنّه يسنّ إجابة الدّعوة؛ وإن قلّ الطعام، أو كان المدعوّ شريفا

стр. 731

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء والعسل. والدّاعي دونه، وأنّ كسب الخيّاط ليس بخبيث، ومحبّة ما يحبّه المصطفى ومؤاكلة الخادم، وجواز أكل الشّريف طعام من دون؛ من محترف وغيره، ومزيد تواضع المصطفى ﷺ ، وملاطفة أصحابه وجبر خواطرهم، وتعاهدهم بالمجيء لمنازلهم. (و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأصحاب «السنن الأربعة» ، و «الشمائل» (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء) - بالمدّ على الأشهر فتكتب بالألف، وتقصر؛ فتكتب بالياء، وهي مؤنثة- قال الأزهري، وابن سيده: اسم طعام عولج بحلاوة، لكنّ المراد هنا- كما قال النووي-: كلّ حلو؛ وإن لم تدخله صنعة، وقد تطلق على الفاكهة. (والعسل) النّحل، عطف خاصّ على عام لشرفه، كقوله تعالى وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [٩٨/ البقرة] ، فما خلق لنا في معناه أفضل منه، ولا مثله، ولا قريبا منه، إذ هو غذاء من الأغذية، شراب من الأشربة، دواء من الأدوية، حلو من الحلواء، طلاء من الأطلية، مفرح من المفرحات؛ قاله الزرقاني على «المواهب» . وحبّه ﷺ لذلك لم يكن للتّشهي، وشدّة نزوع النّفس له، وتأّنّق الصّنعة في اتّخاذها كفعل أهل التّرفّه المترفين الآن؛ بل معناه أنّه إذا قدّم له نال منه نيلا صالحا، فيعلم منه أنّه أعجبه. وفيه حلّ اتّخاذ الحلاوات والطّيّبات من الرّزق، وأنّه لا ينافي الزهد، وردّ على من كره من الحلواء ما كان مصنوعا. كيف؛ وفي «فقه اللّغة» : أنّ حلواه التي كان يحبّها المجيع- كعظيم-: تمر يعجن بلبن. وفيه ردّ على من زعم: «أنّ حلواه أنّه كان يشرب كلّ يوم قدح عسل بماء،

стр. 732

وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ .. العسل. وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ .. اللّبن. وأنّ الحلواء المصنوعة لا يعرفها» . ولم يصحّ أنّه رأى السّكّر. وخبر: «أنّه حضر ملاك أنصاري وفيه سكر» !!. قال السّهيلي: غير ثابت. وشنّع على من احتجّ به؛ كالطحاوي، لعدم كراهة النّثار. وأوّل من خبص في الإسلام عثمان؛ خلط بين دقيق وعسل وعصره على النّار حتّى نضج، أو كاد، وبعث به إلى المصطفى ﷺ فاستطابه. رواه الطبرانيّ، وغيره، وسيأتي. (و) أخرج ابن السّنّي، وأبو نعيم: كلاهما في «الطبّ النبويّ» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان أحبّ الشّراب) ؛ أي: المشروب (إلى رسول الله ﷺ العسل) ؛ أي: الممزوج بالماء، كما قيّده به في رواية أخرى. وفيه من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي لمعرفته إلّا فضلاء الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع فضلاتها، ويفتح سددها، ويسخّنها باعتدال، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة. وإنّما يضر بالعرض؛ لصاحب الصّفراء!! لحدّته وحدّة الصّفراء، فربّما هيّجها!! ودفع ضرره لهم بالخل. (و) أخرج أبو نعيم في «الطب» ، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- وهو حديث حسن لغيره؛ كما في العزيزي- قال: (كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ اللّبن) ؛ لكثرة منافعه، ولكونه لا يقوم مقام الطّعام غيره، لتركّبه من الجبنيّة والسّمنيّة والمائيّة، فالجبنيّة باردة رطبة؛ مغذّية للبدن. والسّمنيّة معتدلة الحرارة والرطوبة؛ ملائمة للبدن الإنسانيّ الصحيح، كثيرة المنافع. والمائيّة حارّة رطبة؛ مطلقة للطبيعة، مرطّبة للبدن،

стр. 733

وكان ﷺ إذا شرب اللّبن.. قال: «إنّ له دسما» . وكان ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد. وليس شيء من المائعات كذلك، كما قال ﵊: «ليس شيء يجزىء من الطّعام والشّراب إلّا اللّبن» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما. لكن ينبغي ألايفرط في استعماله، لأنّه رديء للمحموم والمصروع، وإدامته تؤذي الدّماغ، وتحدث ظلمة البصر، والغشي، ووجع المفاصل، وسدد الكبد، ونفخ المعدة، ويدفع ضرره إضافة العسل أو السّكر إليه. قال في «العارضة» : العسل واللّبن مشروبان عظيمان، سيما لبن الإبل «١» ، فإنّه أجود الألبان، فإنّها تأكل من كلّ الشجر، وكذا النّحل لا تبقي نورا إلّا أكلت منه، فهما مركّبان من أشجار مختلفة، وأنواع من النّبات متباينة، فكأنّهما شرابان مطبوخان مصعّدان؛ لو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يركّبوا شيئين منهما ما أمكن؛ فسبحان جامعهما!!. واللّبن أفضل من العسل؛ على ما قاله السبكيّ، وقال غيره: العسل أفضل، وجمع بأنّ اللّبن أفضل من جهة التّغذّي والرّي، والعسل أفضل من حيث عموم المنافع؛ كالشفاء للناس والحلاوة. ثمّ قضيّة حديث ابن عباس: «ليس يجزىء من الطّعام والشّراب إلّا اللّبن» : أنّ اللّبن أفضل من اللّحم!! ويعارضه ما ورد: «أفضل طعام الدّنيا والآخرة اللّحم» . وهذه الثلاثة- أعني الحلواء والعسل واللّحم- من أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلّا من به علّة وآفة. (وكان) رسول الله ﷺ إذا شرب اللّبن؛ قال: «إنّ له دسما» . و) في «المواهب» : (كان) رسول الله ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة) أخرى (مشوبا) مخلوطا (بالماء البارد) .

стр. 734

وكان ﷺ إذا أتي بلبن.. قال: «بركة» . وكان ﷺ يتمجّع التّمر باللّبن، ويسمّيهما: «الأطيبين» . ولا يرد أنّ اللّبن بارد؛ لأنّ اللّبن عند الحلب فيه حرارة بالنّسبة لما بعد الحلب بمدة، وتلك البلاد الحجازيّة في الغالب حارّة، فكان يكسر حرّ اللّبن النّسبيّ بالماء البارد على عادته في التعديل، وكان إذا شرب منه؛ قال: «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» ، بخلاف غيره؛ فيقول: «وأبدلنا خيرا منه» . (و) أخرج ابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- قال العزيزيّ: وهو حديث صحيح- (كان) رسول الله ﷺ إذا أتي بلبن؛ قال «بركة» ) ، أي: هو بركة، يعني شربه زيادة في الخير. (و) أخرج الإمام أحمد- بإسناد قويّ- عن بعض الصّحابة قال: (كان) رسول الله ﷺ [يتمجّع] التّمر باللّبن، ويسمّيهما: «الأطيبين» ) ؛ لأنّهما أطيب ما يؤكل. وفي رواية الإمام أحمد عن أبي خالد: دخلت على رجل وهو يتمجّع لبنا بتمر، فقال: ادن فإنّ رسول الله ﷺ سمّاهما «الأطيبين» . ورجاله ثقات، وإبهام الصحابيّ لا يضرّ «١» . قال في «شرح الإحياء» : المجيع- كأمير-: تمر يعجن بلبن. وقد جاء ذكره في «فقه اللّغة» للثّعالبيّ، وأنّه ﷺ كان يحبّه، وتقدم. قال المجد: تمجّع: أكل التّمر اليابس باللّبن معا، أو أكل التّمر وشرب عليه اللّبن. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يسمّي التّمر واللّبن: «الأطيبين» . رواه الحاكم وصحّحه، وردّه الذهبيّ بأن طلحة بن زيد

стр. 735

وأكل ﷺ التّمر بالزّبد، وكان يحبّه. وفي «الإحياء» : أنّه جاء عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه بفالوذج، فأكل منه، وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» . - روايه عن هشام عن عروة عنها- ضعيف. انتهى «زرقاني» . (و) في «المواهب» : (أكل ﷺ التّمر بالزّبد) - بالضم فسكون-: ما يستخرج بالخضّ؛ من لبن البقر والغنم، أمّا المستخرج من لبن الإبل! فلا يسمى زبدا، بل يقال «حباب» ؛ «حبابي» . (وكان يحبّه) ، يعني الجمع بينهما في الأكل، لأنّ الزّبد حارّ رطب، والتّمر يابس، ففيه إصلاح كلّ بالآخر. أخرج أبو داود، وابن ماجه- بإسناد حسن؛ كما قال بعض الحفّاظ- عن عبد الله، وعطيّة «ابني بسر المازنيّ» ؛ قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقدّمنا له زبدا وتمرا، وكان يحبّ الزّبد والتمر. وفيه جواز أكل شيئين من فاكهة وغيرها معا، وجواز أكل طعامين معا، والتوسّع في المطاعم. وما روي عن السّلف من خلافه!! محمول على الكراهة في التّوسّع، والترفّه، والإكثار؛ لغير مصلحة دينيّة. قال القرطبيّ: ويؤخذ منه مراعاة صفة الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللّائق على قاعدة الطبّ. انتهى «زرقاني» . (وفي «الإحياء» ) : يروى (أنّه) ﷺ (جاء) هـ (عثمان بن عفّان) ، ذو النّورين؛ أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وثالث الخلفاء الراشدين. وتقدّمت ترجمته. (رضي الله تعالى عنه؛ بفالوذج) : وهو اسم أعجميّ لنوع من الحلوى، (فأكل منه؛ وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» ) . قال ابن عبد البرّ: يكنى أبا عبد الله، وأبا عمرو؛ كنيتان مشهورتان، وأبو عمرو أشهرهما؛

стр. 736

قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة، ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه حتّى ينضج؛ فيأتي كما ترى. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا الطّعام طيّب» . قيل: إنّه ولدت له رقيّة بنت النبيّ ﷺ ابنا؛ فسماه عبد الله، واكتنى به ومات. ثمّ ولد له عمرو، فاكتنى به إلى أن مات. قال: وقد قيل: إنّه كان يكنى أبا ليلى. (قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة) - بالضمّ-: قدر من فخّار، والجمع برم، كغرفة وغرف. (ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة) ؛ أي: لبابها (إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه) أي: نحرّكه بالسّوط (حتّى ينضج) ؛ أي: يستوي، (فيأتي كما ترى. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا الطّعام طيّب» ) . قال العراقيّ: المعروف أنّ الّذي صنعه عثمان: الخبيص. رواه البيهقيّ في «الشّعب» من حديث ليث بن أبي سليم؛ قال: أوّل من خبص الخبيص عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدّقيق والعسل، فخلط بينها، وبعث إلى رسول الله ﷺ ، فأكل فاستطابه. وقال العراقيّ: هذا منقطع. وروى الطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب» من حديث عبد الله بن سلام: أقبل عثمان ومعه راحلة، وعليها غرارتان. وفيه: فإذا دقيق وسمن وعسل. وفيه: ثمّ قال لأصحابه: كلوا هذا الّذي تسمّيه فارس «الخبيص» . وأمّا خبر الفالوذج!! فرواه ابن ماجه- بإسناد ضعيف- من حديث ابن عبّاس قال: أوّل ما سمعنا بالفالوذج: أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ أمّتك تفتح عليهم الأرض، ويفاض عليهم من الدنيا، حتّى أنّهم ليأكلون الفالوذج.

стр. 737

وذكر هذه القصّة في «المواهب» عن عبد الله بن سلام بوجه آخر، مع تسمية هذا الطّعام: الخبيص. قال النّبيّ ﷺ : «وما الفالوذج؟!» . قال: يخلطون السّمن والعسل جميعا. قال ابن الجوزي في «الموضوعات» : هذا حديث باطل لا أصل له. انتهى كلام العراقيّ نقله في «شرح الإحياء» ثمّ قال: قلت: أخرجه ابن الجوزي من طريق ابن أبي الدنيا؛ قال: حدّثني إبراهيم بن سعد الجوهري؛ قال: حدّثنا أبو اليمان عن إسماعيل بن عيّاش؛ عن محمد بن طلحة عن عثمان بن يحيى عن ابن عبّاس ... فذكره. وفي رواية أخرى بزيادة: فشهق النّبيّ ﷺ شهقة. قال: وهذا حديث باطل لا أصل له. ومحمد بن طلحة: قد ضعّفه يحيى بن معين، وعثمان بن يحيى الحضرميّ. قال الأزديّ: لا يكتب حديثه عن ابن عباس. وقال النّسائيّ: إسماعيل بن عيّاش ضعيف. قلت: وهذا القدر الّذي ذكره لا يوجب أن يكون الحديث باطلا؛ لا أصل له. كيف؛ وقد أخرجه ابن ماجه؟! وغاية ما يقال: إن إسماعيل بن عيّاش إذا روى عن غير الشّاميّين فلا يحتجّ بحديثه، وفرق بين أن يقال: ضعيف؛ وأن يقال: باطل. والعجب من الحافظ العراقيّ كيف سكت عن التّعقّب عليه؟!. انتهى. (وذكر هذه القصّة) القسطلّانيّ (في «المواهب» ؛ عن عبد الله بن سلام) ، بالتّخفيف- الإسرائيليّ أبي يوسف، حليف بني الخزرج. قيل: كان اسمه الحصين، فسمّاه النّبيّ ﷺ عبد الله، وهو صحابي جليل مشهور، مبشّر بالجنة، له أحاديث. مات بالمدينة المنوّرة سنة: - ٤٣- ثلاث وأربعين، رضي الله تعالى عنه (بوجه آخر) فيه مخالفة لما ساقه في «الإحياء» ؛ (مع تسمية هذا الطّعام) المتّخذ من العسل والدقيق والسّمن (الخبيص) !! أي: الخليط، فعيل بمعنى مفعول، من الخبص بمعنى الخلط يقال: خبصت الشّيء خبصا- من باب ضرب-: خلطته.

стр. 738

وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم، قال في «المواهب» : وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان رضي الله تعالى عنه، عليه دقيق حوّارى وسمن وعسل، فأتى بها النّبيّ ﷺ ، فدعا فيها بالبركة، ثمّ دعا ﷺ ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن، ثمّ عصد حتى نضج؛ أو كاد ينضج، ثمّ أنزل، فقال النّبيّ ﷺ : «كلوا؛ هذا شيء تسمّيه فارس: الخبيص» . قال المحبّ الطبريّ: خرّجه تمّام في «فوائده» ، والطبرانيّ في «معاجيمه» ، ورجاله ثقات. وفي الشّاميّ: رجال «الأوسط» و «الصغير» ثقات، وقد أخرجه الحاكم وصحّحه، وبقيّ بن مخلد. انتهى. ومقتضى هذا الحديث أنّ أوّل من خبص في الإسلام النّبيّ ﷺ ، فيخالف ما ذكره في «شرح الإحياء» وغيره: أنّ أوّل من خبص عثمان بن عفان. ويحتمل أنّ نسبته إلى عثمان؛ لكونه كان سببا في فعله بإهدائه إليه. لكن روى الحارث بسند منقطع: صنع عثمان خبيصا بالعسل والسّمن والبرّ، وأتى به في قصعة إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: «ما هذا؟» . قال: هذا شيء تصنعه الأعاجم، تسمّيه الخبيص. فأكل. ويمكن الجمع أيضا بتكرّر ذلك، فيكون عثمان فعله أوّلا بنفسه، ثمّ عرضه على المصطفى فأمر بأن يصنع له منه ففعل. والله أعلم. انتهى «زرقاني» . (و) أخرج أبو الشّيخ ابن حيّان؛ من رواية ابن سمعان «١» قال: سمعت علماءنا «٢» يقولون: (كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم) .

стр. 739

ويقول: «إنّه يزيد في السّمع، وهو سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة، وللتّرمذي في «الشمائل» ؛ من حديث جابر: أتانا النّبيّ ﷺ في منزلنا، فذبحنا له شاة، فقال: «كأنّهم علموا أنّا نحبّ اللّحم» !. وإسناده صحيح. وفي حديث قصة جابر في الخندق؛ وهي طويلة: (ويقول: «إنّه) ؛ أي: اللحم (يزيد في السّمع) . قال الإمام الشافعيّ: إنّ أكله يزيد في العقل. وقال الإمام الزهريّ: أكل اللحم يزيد سبعين قوة، ولكن ينبغي ألايواظب على أكله؛ كما قال الغزاليّ، لما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه: إنّه يصفّي اللّون، ويحسّن الخلق، ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه، ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه» . وقال ابن القيّم: ينبغي عدم المداومة على أكل اللّحم؛ فإنّه يورث الأمراض الدّمويّة والامتلائيّة، والحمّيّات الحادّة. وقال بقراط: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. انتهى «زرقاني» . (وهو سيّد) أي: أفضل، إذ السّيّد الأفضل، كخبر: «قوموا إلى سيّدكم» أي: أفضلكم (الطّعام في الدّنيا والآخرة) . ولابن ماجه؛ من حديث أبي الدرداء- بإسناد ضعيف لا موضوع؛ كما زعم ابن الجوزي! -: «سيّد طعام أهل الدّنيا وأهل الجنّة اللّحم» . وروى أبو نعيم في «الطب» ؛ من حديث عليّ: «سيّد طعام الدّنيا اللّحم، ثمّ الأرزّ. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» أيضا.. وروى الدّيلميّ؛ عن صهيب رفعه: «سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة اللّحم، ثمّ الأرزّ، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء» . وعن بريدة مرفوعا: «سيّد الإدام في الدّنيا والآخرة اللّحم، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء، وسيّد الرّياحين في الدّنيا والآخرة الفاغية» .

стр. 740

ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم.. لفعل» . وعن عطاء بن يسار: أنّ أمّ سلمة ... رواه الطّبرانيّ وغيره، ورواه أبو نعيم في «الطب» بلفظ «خير» . وعن ربيعة بن كعب رفعه: «أفضل طعام الدّنيا والآخرة اللّحم» . رواه العقيلي، وأبو نعيم في «الحلية» . وكلّها ضعيفة، لكن بانضمامها تقوى، كما أشار إليه السّخاوي رحمه الله تعالى. (ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم لفعل» ) ، لكنّي لم أسأله، ولذا كان لا يأكل اللّحم إلّا غبّا. كما رواه الترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» . (و) أخرج الترمذيّ (عن عطاء بن يسار) الهلاليّ المدنيّ «مولى ميمونة بنت الحارث الهلاليّة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها» ، أخي سليمان، وعبد الله، وعبد الملك، بني يسار، وهو من كبار التابعين. سمع ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن سلام، وأبا أيّوب، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاصي، وأبا واقد اللّيثيّ، وأبا رافع، وأبا سعيد الخدريّ، وأبا هريرة، وأبا ملك، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد، ومولاته ميمونة رضي الله تعالى عنهم. وقال أبو حاتم: لم يسمع ابن مسعود، وأثبت البخاري سماعه منه. روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وغيرهما. قال ابن سعد: كان ثقة؛ كثير الحديث، واتّفقوا على توثيقه، وتوفي سنة: - ١٠٣- ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى. (أنّ أمّ سلمة) ، كنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة، واسمها: هند بنت أبي أمية، - واسمه: حذيفة، أو سهيل، أو هشام- ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومية كانت قبل رسول الله ﷺ عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد، وهاجر بها أبو سلمة إلى أرض الحبشة في الهجرتين جميعا، فولدت له
следующие страницы →