قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة، ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه حتّى ينضج؛ فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا الطّعام طيّب» .
قيل: إنّه ولدت له رقيّة بنت النبيّ ﷺ ابنا؛ فسماه عبد الله، واكتنى به ومات.
ثمّ ولد له عمرو، فاكتنى به إلى أن مات. قال: وقد قيل: إنّه كان يكنى أبا ليلى.
(قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة) - بالضمّ-: قدر من فخّار، والجمع برم، كغرفة وغرف. (ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة) ؛ أي: لبابها (إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه) أي: نحرّكه بالسّوط (حتّى ينضج) ؛ أي: يستوي، (فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا الطّعام طيّب» ) .
قال العراقيّ: المعروف أنّ الّذي صنعه عثمان: الخبيص.
رواه البيهقيّ في «الشّعب» من حديث ليث بن أبي سليم؛ قال: أوّل من خبص الخبيص عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدّقيق والعسل، فخلط بينها، وبعث إلى رسول الله ﷺ ، فأكل فاستطابه. وقال العراقيّ: هذا منقطع.
وروى الطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب» من حديث عبد الله بن سلام: أقبل عثمان ومعه راحلة، وعليها غرارتان. وفيه: فإذا دقيق وسمن وعسل. وفيه: ثمّ قال لأصحابه: كلوا هذا الّذي تسمّيه فارس «الخبيص» .
وأمّا خبر الفالوذج!! فرواه ابن ماجه- بإسناد ضعيف- من حديث ابن عبّاس قال: أوّل ما سمعنا بالفالوذج: أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ أمّتك تفتح عليهم الأرض، ويفاض عليهم من الدنيا، حتّى أنّهم ليأكلون الفالوذج.
стр. 737
وذكر هذه القصّة في «المواهب» عن عبد الله بن سلام بوجه آخر، مع تسمية هذا الطّعام: الخبيص.
قال النّبيّ ﷺ : «وما الفالوذج؟!» . قال: يخلطون السّمن والعسل جميعا.
قال ابن الجوزي في «الموضوعات» : هذا حديث باطل لا أصل له. انتهى كلام العراقيّ نقله في «شرح الإحياء» ثمّ قال: قلت: أخرجه ابن الجوزي من طريق ابن أبي الدنيا؛ قال: حدّثني إبراهيم بن سعد الجوهري؛ قال: حدّثنا أبو اليمان عن إسماعيل بن عيّاش؛ عن محمد بن طلحة عن عثمان بن يحيى عن ابن عبّاس ... فذكره.
وفي رواية أخرى بزيادة: فشهق النّبيّ ﷺ شهقة. قال: وهذا حديث باطل لا أصل له. ومحمد بن طلحة: قد ضعّفه يحيى بن معين، وعثمان بن يحيى الحضرميّ. قال الأزديّ: لا يكتب حديثه عن ابن عباس. وقال النّسائيّ:
إسماعيل بن عيّاش ضعيف.
قلت: وهذا القدر الّذي ذكره لا يوجب أن يكون الحديث باطلا؛ لا أصل له.
كيف؛ وقد أخرجه ابن ماجه؟! وغاية ما يقال: إن إسماعيل بن عيّاش إذا روى عن غير الشّاميّين فلا يحتجّ بحديثه، وفرق بين أن يقال: ضعيف؛ وأن يقال:
باطل. والعجب من الحافظ العراقيّ كيف سكت عن التّعقّب عليه؟!. انتهى.
(وذكر هذه القصّة) القسطلّانيّ (في «المواهب» ؛
عن عبد الله بن سلام) ، بالتّخفيف- الإسرائيليّ أبي يوسف،
حليف بني الخزرج. قيل: كان اسمه الحصين، فسمّاه النّبيّ ﷺ عبد الله،
وهو صحابي جليل مشهور، مبشّر بالجنة، له أحاديث. مات بالمدينة المنوّرة سنة: - ٤٣- ثلاث وأربعين، رضي الله تعالى عنه (بوجه آخر) فيه مخالفة لما ساقه في «الإحياء» ؛ (مع تسمية هذا الطّعام) المتّخذ من العسل والدقيق والسّمن (الخبيص) !! أي: الخليط، فعيل بمعنى مفعول، من الخبص بمعنى الخلط يقال: خبصت الشّيء خبصا- من باب ضرب-: خلطته.
стр. 738
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم،
قال في «المواهب» : وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان رضي الله تعالى عنه، عليه دقيق حوّارى وسمن وعسل، فأتى بها النّبيّ ﷺ ، فدعا فيها بالبركة، ثمّ دعا ﷺ ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن، ثمّ عصد حتى نضج؛ أو كاد ينضج، ثمّ أنزل، فقال النّبيّ ﷺ : «كلوا؛ هذا شيء تسمّيه فارس: الخبيص» .
قال المحبّ الطبريّ: خرّجه تمّام في «فوائده» ، والطبرانيّ في «معاجيمه» ، ورجاله ثقات. وفي الشّاميّ: رجال «الأوسط» و «الصغير» ثقات، وقد أخرجه الحاكم وصحّحه، وبقيّ بن مخلد. انتهى.
ومقتضى هذا الحديث أنّ أوّل من خبص في الإسلام النّبيّ ﷺ ، فيخالف ما ذكره في «شرح الإحياء» وغيره: أنّ أوّل من خبص عثمان بن عفان.
ويحتمل أنّ نسبته إلى عثمان؛ لكونه كان سببا في فعله بإهدائه إليه.
لكن روى الحارث بسند منقطع: صنع عثمان خبيصا بالعسل والسّمن والبرّ، وأتى به في قصعة إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: «ما هذا؟» . قال: هذا شيء تصنعه الأعاجم، تسمّيه الخبيص. فأكل.
ويمكن الجمع أيضا بتكرّر ذلك، فيكون عثمان فعله أوّلا بنفسه، ثمّ عرضه على المصطفى فأمر بأن يصنع له منه ففعل. والله أعلم. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج أبو الشّيخ ابن حيّان؛ من رواية ابن سمعان «١» قال: سمعت علماءنا «٢» يقولون: (كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم) .
стр. 739
ويقول: «إنّه يزيد في السّمع، وهو سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة،
وللتّرمذي في «الشمائل» ؛ من حديث جابر: أتانا النّبيّ ﷺ في منزلنا، فذبحنا له شاة، فقال: «كأنّهم علموا أنّا نحبّ اللّحم» !. وإسناده صحيح.
وفي حديث قصة جابر في الخندق؛ وهي طويلة: (ويقول: «إنّه) ؛ أي:
اللحم (يزيد في السّمع) .
قال الإمام الشافعيّ: إنّ أكله يزيد في العقل. وقال الإمام الزهريّ: أكل اللحم يزيد سبعين قوة، ولكن ينبغي ألايواظب على أكله؛ كما قال الغزاليّ، لما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه: إنّه يصفّي اللّون، ويحسّن الخلق، ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه، ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه» .
وقال ابن القيّم: ينبغي عدم المداومة على أكل اللّحم؛ فإنّه يورث الأمراض الدّمويّة والامتلائيّة، والحمّيّات الحادّة.
وقال بقراط: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. انتهى «زرقاني» .
(وهو سيّد) أي: أفضل، إذ السّيّد الأفضل، كخبر: «قوموا إلى سيّدكم» أي: أفضلكم (الطّعام في الدّنيا والآخرة) .
ولابن ماجه؛ من حديث أبي الدرداء- بإسناد ضعيف لا موضوع؛ كما زعم ابن الجوزي! -: «سيّد طعام أهل الدّنيا وأهل الجنّة اللّحم» .
وروى أبو نعيم في «الطب» ؛ من حديث عليّ: «سيّد طعام الدّنيا اللّحم، ثمّ الأرزّ. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» أيضا..
وروى الدّيلميّ؛ عن صهيب رفعه: «سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة اللّحم، ثمّ الأرزّ، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء» .
وعن بريدة مرفوعا: «سيّد الإدام في الدّنيا والآخرة اللّحم، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء، وسيّد الرّياحين في الدّنيا والآخرة الفاغية» .
стр. 740
ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم.. لفعل» .
وعن عطاء بن يسار: أنّ أمّ سلمة ...
رواه الطّبرانيّ وغيره، ورواه أبو نعيم في «الطب» بلفظ «خير» .
وعن ربيعة بن كعب رفعه: «أفضل طعام الدّنيا والآخرة اللّحم» .
رواه العقيلي، وأبو نعيم في «الحلية» . وكلّها ضعيفة، لكن بانضمامها تقوى، كما أشار إليه السّخاوي رحمه الله تعالى.
(ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم لفعل» ) ، لكنّي لم أسأله، ولذا كان لا يأكل اللّحم إلّا غبّا. كما رواه الترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» .
(و) أخرج الترمذيّ (عن عطاء بن يسار) الهلاليّ المدنيّ «مولى ميمونة بنت الحارث الهلاليّة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها» ، أخي سليمان، وعبد الله، وعبد الملك، بني يسار، وهو من كبار التابعين.
سمع ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن سلام، وأبا أيّوب، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاصي، وأبا واقد اللّيثيّ، وأبا رافع، وأبا سعيد الخدريّ، وأبا هريرة، وأبا ملك، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد، ومولاته ميمونة رضي الله تعالى عنهم. وقال أبو حاتم: لم يسمع ابن مسعود، وأثبت البخاري سماعه منه.
روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وغيرهما. قال ابن سعد: كان ثقة؛ كثير الحديث، واتّفقوا على توثيقه، وتوفي سنة: - ١٠٣- ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى.
(أنّ أمّ سلمة) ، كنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة، واسمها: هند بنت أبي أمية، - واسمه: حذيفة، أو سهيل، أو هشام- ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومية كانت قبل رسول الله ﷺ عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد، وهاجر بها أبو سلمة إلى أرض الحبشة في الهجرتين جميعا، فولدت له
стр. 741
رضي الله تعالى عنها أخبرته أنّها قرّبت إلى رسول الله ﷺ جنبا مشويّا فأكل منه.
هناك زينب بنت أبي سلمة، وولدت له بعد ذلك سلمة، وعمر، ودرّة: بني أبي سلمة؛ قاله ابن سعد.
ومات أبو سلمة سنة: أربع من الهجرة في جمادى الآخرى فاعتدّت، وحلّت في أواخر شوّال سنة: أربع، وتزوّجها رسول الله ﷺ سنة أربع في أواخر شوال، وتوفّيت في ذي القعدة سنة: - ٥٩- تسع وخمسين.
وكانت من أجلّ النّساء، واتّفقوا على أنّها دفنت بالبقيع، وهي آخر أمّهات المؤمنين وفاة، وكانت هي وزوجها أوّل من هاجر إلى الحبشة (رضي الله تعالى عنها) ، وعن زوجها وأولادها. آمين.
(أخبرته أنّها قرّبت) - بتشديد الراء- أي: قدّمت (إلى رسول الله ﷺ جنبا) - بفتح الجيم وسكون النّون وموحدة-: شقّ الإنسان وغيره؛ كما في «القاموس» ، ولذا أطلق على الشّق الذي قدّمته له من شاة، كما قال بعض الشّرّاح، وزعم «أنّه لا دليل عليه» !! يدفعه أنّه الظّاهر من أحوالهم.
(مشويّا) بمطلق نار؛ أو بالحجارة المحماة، كما قيل في قوله تعالى ف جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) [هود] : أي: مشويّ بالرّضف، أي: الحجارة المحماة. وقال ابن عبّاس: أي: نضيج، وهو أخصّ منه.
قال العراقيّ: وقع الاصطلاح في هذه الأعصار على أنّ المراد بالشّواء اللحم السّميط؛ وإنّما كان يطلق قبل هذا على المشويّ، ولم يكن السّميط على عهده ﷺ ، ولا رأى شاة سميطا قطّ.
(فأكل منه) ثمّ قام إلى الصّلاة وما توضأ. قال الترمذيّ- بعد ما رواه-:
حديث صحيح.
стр. 742
وعن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ الشّفرة؛
(و) أخرج الترمذيّ أيضا (عن عبد الله بن الحارث؛ قال:
أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء) - بكسر الشّين المعجمة أو ضمّها؛ مع المدّ، ويقال: شوى كغنى-: هو اللّحم المشويّ بالنّار. فقول شارح «أي: لحما ذا شواء» !! ليس على ما ينبغي، لأنّ الشّواء ليس مصدرا كما يقتضيه كلامه، بل اسم اللّحم المشويّ (في المسجد) .
زاد ابن ماجه: ثمّ قام فصلّى وصلّينا معه، ولم نزد أن مسحنا أيدينا بالحصباء.
وفيه دليل لجواز أكل الطّعام في المسجد؛ جماعة وفرادى، ومحلّه إن لم يحصل ما يقذر المسجد، وإلّا! فيكره أو يحرم، ويمكن حمل أكلهم على زمن الاعتكاف، فلا يرد أنّ الأكل في المسجد خلاف الأولى عند أمن التّقذير، على أنّه يمكن أن يكون لبيان الجواز. والله أعلم.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه؛ قال: ضفت) - بكسر أوّل- (مع رسول الله ﷺ ذات ليلة) ، أي: نزلت معه ﷺ ضيفين على إنسان في ليلة من اللّيالي.
يقال: ضفت الرجل؛ إذا نزلت به في ضيافة، وأضفته إذا أنزلته، فليس المراد جعلته ضيفا لي حال كوني معه، خلافا لمن زعمه.
وقد وقعت هذه الضّيافة في بيت ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطلب، «بنت عم النّبيّ ﷺ » ؛ كما أفاده القاضي إسماعيل (فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ) ، أي:
النّبيّ ﷺ (الشّفرة) - بفتح الشّين المعجمة، وسكون الفاء؛ كطلحة-: وهي
стр. 743
فجعل يحزّ، فحزّ لي بها منه.
قال: فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة، فألقى ...
السّكين العريض العظيم، وجمعه شفار؛ ككلب وكلاب، وشفرات مثل سجدة وسجدات.
(فجعل) أي: شرع (يحزّ) - بضم الحاء؛ من باب ردّ- أي: يقطع من الحزّ- بحاء مهملة-: القطع (فحزّ) - بتشديد الزّاي- أي: فقطع (لي) ؛ أي: لأجلي (بها) ، أي: بالشّفرة (منه) ، أي: من ذلك الجنب المشويّ.
وفيه حلّ قطع اللّحم بالسّكين! ولا يشكل على ذلك خبر: «لا تقطعوا اللّحم بالسّكّين؛ فإنّه من وضع الأعاجم، وانهسوه، فإنّه أهنأ وأمرأ» .
رواه أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها!! لقول أبي داود- عقب روايته- فيه: ليس بالقويّ.
وعلى التنزّل! فالنّهي وارد في غير المشويّ، أو محمول على ما إذا اتّخذه عادة. ويمكن أن يقال: النّهس محمول على النّضيج، والحزّ على غير النّضيج، وبذلك عبّر البيهقيّ؛ فقال: النّهي عن قطع اللّحم بالسّكين في لحم تكامل نضجه.
وذهب بعضهم إلى أنّ الحزّ لبيان الجواز؛ تنبيها على أنّ النّهي للتّنزيه لا للتّحريم.
وفيه أنّه ينبغي للكبير أن يحزّ للصغير؛ إظهارا لمحبّته، وتألّفا له. قاله المناوي.
(قال) أي المغيرة (: فجاء بلال) أي: المؤذّن، أبو عبد الرّحمن.
كان يعذّب في ذات الله، فاشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأعتقه. وهو أوّل من أسلم من الموالي «١» ، شهد بدرا وما بعدها، ومات بدمشق سنة: - ١٨- ثمان عشرة، وله ثلاث وستون سنة؛ من غير عقب، ودفن بباب الصغير رضي الله تعالى عنه.
(يؤذنه) - بسكون الهمزة وقد تبدل واوا؛ من الإيذان- وهو: الإعلام، والتّأذين مثله إلّا أنّه خصّ بالإعلام بوقت الصّلاة، أي: يعلمه (بالصّلاة، فألقى
стр. 744
الشّفرة، فقال: «ما له؟! تربت يداه» .
قال: وكان شاربه قد وفا، فقال له: «أقصّه لك على سواك؟
أو: قصّه على سواك» .
الشّفرة) ، أي: رماها النّبيّ ﷺ (فقال: «ما له) ، أي: لبلال (تربت يداه؟!» ) ، أي: أيّ شيء ثبت له؛ يبعثه على الإعلام بالصلاة بحضرة الطعام، التصقت يداه بالتراب من شدة الفقر؟!. وهذا معناه بحسب الأصل.
والمقصود منه هنا: الزّجر عن ذلك؛ لا حقيقة الدّعاء عليه، فإنّه ﷺ كره منه إعلامه بالصّلاة بحضرة الطعام. والصّلاة بحضرة طعام تتوق إليه النّفس مكروهة، مع ما في ذلك من إيذاء المضيف وكسر خاطره!! هذا هو الأليق بالسّياق وقواعد الفقهاء. قاله الباجوريّ.
(قال) ؛ أي المغيرة (: وكان شاربه) أي: بلال (قد وفا) ، أي: طال.
أي: قال المغيرة: وكان شارب بلال قد طال وأشرف على فمه.
والشّارب: هو الشّعر النّابت على الشّفة العليا، والذي يقصّ منه هو الذي يسيل على الفم، ولا يكاد يثنّى؛ فلا يقال: شاربان، لأنّه مفرد، وبعضهم يثنّيه باعتبار الطّرفين، وجمعه: شوارب.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (له) أي: لبلال (: «أقصّه) أنا (لك على سواك!) ، بوضع السّواك تحت الشّارب، ثم قصّ ما فضل عن السواك (أو:
قصّه) أنت (على سواك» ) ، بصيغة الفعل المضارع المسند للمتكلم وحده في الأوّل، وبصيغة الأمر في الثّاني.
وهذا شكّ من المغيرة، أو ممّن دونه من الرواة؛ في أيّ اللّفظين صدر من النّبيّ ﷺ . وسبب القصّ على السّواك ألاتتأذّى الشّفة بالقصّ.
ويؤخذ من هذا الحديث: ندب قصّ الشّارب إذا طال حتّى تظهر حمرة الشّفة، وجواز أن يقصّه لغيره، وأن يباشر القصّ بنفسه. ويندب الابتداء بقصّ الجهة اليمنى من الشارب.
стр. 745
وكان ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت.
وكان ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف.
وهل الأفضل قصّه؛ أو حلقه؟! والأكثرون على الأوّل، بل قال مالك:
يؤدّب الحالق، وبعضهم على الثّاني، وجمع بأنّه يقصّ البعض ويحلق البعض.
ويكره إبقاء السّبال، لخبر ابن حبّان: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس، فقال:
«إنّهم قوم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم، فخالفوهم» ، وكان يجزّ سباله كما يجزّ الشاة والبعير! وفي خبر عند أحمد: «قصّوا سبالكم ووفّروا لحاكم» .
وفي «الجامع الصغير» : «وفّروا اللّحى، وخذوا من الشّوارب، وانتفوا الإبط، وقصّوا الأظافير» . رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ عن أبي هريرة.
وروى البيهقيّ؛ عن أبي أمامة: «وفّروا عثانينكم وقصّوا سبالكم» .
والعثنون: اللّحية.
لكن رأى الغزاليّ وغيره: أنّه لا بأس بترك السّبال؛ اتّباعا لعمر وغيره، فإنّه لا يستر الفم، ولا يصل إليه غمر الطعام. أي: دهنه.
(و) في «كشف الغمة» للشّعرانيّ: (كان) رسول الله ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت) . روى الدّارقطنيّ: أنّه ﷺ لم يكن يفطر يوم النّحر حتى يرجع ليأكل من كبد أضحيته.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف) . وفي رواية: «لحم الظّهر» .
والجمع: أنّه كان يحبّ ذلك كلّه، وربّما قدّم بعضها على بعض؛ في بعض الأحيان، فأخبر كلّ راو عما رآه يتعاطاه.
وروى الشّيخان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذّراع، وكانت أحبّ الشاة إليه ... الحديث.
стр. 746
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها.
وعن ابن مسعود ...
وروى أبو الشّيخ وغيره؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
كان أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ الكتف. وإسناده ضعيف.
ومن حديث أبي هريرة: لم يكن يعجبه من الشّاة إلّا الكتف.
وروى أبو داود؛ من حديث ابن مسعود بلفظ: كان يعجبه الذّراع.
ولابن السّنّي، وأبي نعيم في «الطب» ؛ من حديث أبي هريرة: كان يعجبه الذّراعان والكتف.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه؛
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: أتي) بصيغة المجهول (النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع) - كحمار- هو اليد من كلّ حيوان، لكنّها من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى؛ تؤنّث وقد تذكّر، ومن البقر والغنم ما فوق الكراع- بضم الكاف- الذي هو مستدقّ السّاق.
(وكانت تعجبه) !! لأنّها أحسن نضجا، وأعظم لينا، وأسرع استمراء، وأبعد عن مواضع الأذى، مع زيادة لذّتها وحلاوة مذاقها.
(فنهس منها) - بمهملة أو بمعجمة- أي: تناوله بأطراف أسنانه، وقيل: هو بالمهملة ما ذكر، وبالمعجمة: تناوله بجميع الأسنان، وهذا أولى وأحبّ من القطع بالسّكين، حيث كان اللّحم نضيجا- كما سبق-.
ويؤخذ من هذا منع الأكل بالشّره، فإنّه ﷺ مع محبّته للذّراع نهس منها، ولم يأكلها بتمامها؛ كما يدلّ عليه حرف التّبعيض!.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» (عن ابن مسعود) : عبد الله بن
стр. 747
رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعجبه الذّراع، وسمّ في الذّراع، وكان يرى أنّ اليهود سمّوه.
عبد الرحمن الهذليّ، حليف بني زهرة، من السّابقين البدريّين، شهد المشاهد كلّها، ومات بالمدينة المنورة سنة: - ٣٢- اثنتين وثلاثين، وتقدّمت ترجمته (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
كان النّبيّ ﷺ يعجبه) بالتذكير، وفي نسخة صحيحة من «الشمائل» [تعجبه] بالتّأنيث (الذّراع) ، وفي رواية: الكتف؛ بدل: الذراع.
(وسمّ في الذّراع) في فتح خيبر، أي: جعل فيه سمّا قاتلا لوقته، فأكل منه لقمة، فأخبره جبريل؛ أو الذراع- على الخلاف-، وجمع بأنّ الذّراع أخبرته أوّلا، ثمّ أخبره جبريل بذلك تصديقا لها، فتركه؛ ولم يضرّه السّمّ- ففي ذلك ما أظهره الله من معجزاته ﷺ من تكليم الذّراع له، وعدم تأثير السّمّ فيه حالا.
وفي رواية: «لم تزل أكلة خيبر تعاودني حتّى قطعت أبهري» .
ومعناه: أنّ سمّ أكلة خيبر- بضم الهمزة-: وهي اللّقمة التي أكلها من الشاة.
وبعض الرواة فتح الهمزة! وهو خطأ؛ كما قاله ابن الأثير- كان يعود عليه، ويرجع إليه حتّى قطعت أبهره! وهو: عرق مستبطن بالصّلب متّصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه.
قال العلماء: فجمع الله له بين النّبوّة والشهادة. ولا يرد على ذلك قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [٦٧/ المائدة] !! لأنّ الآية نزلت عام تبوك، والسّمّ كان بخيبر قبل ذلك.
(وكان) أي: ابن مسعود (يرى) - بصيغة المجهول، أو [يرى] المعلوم- أي: يظنّ (أنّ اليهود سمّوه) ، أي: أطعموه السّمّ في الذّراع.
وأسنده إلى اليهود!! لأنّه صدر على أمرهم واتّفاقهم، وإلّا! فالمباشر لذلك زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم اليهوديّ، وقد أحضرها ﷺ ، وقال:
стр. 748
وعن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه قال: طبخت للنّبيّ ﷺ قدرا، وكان يعجبه الذّراع، فناولته الذّراع، ثمّ قال:
«ناولني الذّراع» ، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع» ، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من ...
«ما حملك على ذلك» ؟ فقالت: قلت: إن كان نبيّا لا يضرّه السّمّ، وإلّا! استرحنا منه.
فاحتجم على كاهله وعفا عنها، لأنّه كان لا ينتقم لنفسه.
قال الزّهريّ وغيره: أسلمت، فلمّا مات بشر بن البراء- وكان أكل مع النّبيّ ﷺ من الذراع دفعها لورثته فقتلوها قودا.
وبه جمع القرطبيّ وغيره بين الأخبار المتدافعة.
(و) أخرج الدارميّ، وتلميذه الترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» ؛
(عن أبي عبيدة) - بالتصغير- مولى المصطفى ﷺ ، صحابيّ، له هذا الحديث في هذا الكتاب، اسمه كنيدة (رضي الله تعالى عنه) . قال زين الحفّاظ العراقيّ:
هكذا وقع في سماعنا من كتاب «الشمائل» : أبي عبيدة، بزيادة تاء التّأنيث في آخره.
وهكذا ذكره المؤلّف في «الجامع» ، والمعروف أنّه أبو عبيد!! وهكذا هو في بعض نسخ «الشمائل» ، بلاتاء تأنيث، وهكذا ذكره المزّيّ في «أطرافه» ؛ (قال:
طبخت) ، أي: أنضجت (للنّبيّ ﷺ قدرا) ؛ أي: شاة في قدر، يقال:
طبخت اللّحم طبخا؛ أنضجته، قاله الزّهريّ: ومن ثمّ قال بعضهم: لا يسمّى طبيخا- فعيلا بمعنى مفعول- إلّا إذا كان يمرق، ويكون الطبخ في غير اللّحم أيضا، فيقال: خبزة جيّدة الطبخ؛ كما في «الصحاح» وغيره.
(وكان يعجبه الذّراع) ذكره توطئة لقوله: (فناولته الذّراع) . ظاهره أنّه لم يطلبه منه أوّل مرّة، بل ناوله إيّاه لعلمه أنّه يعجبه، (ثمّ قال: «ناولني الذّراع» ، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع» ، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من
стр. 749
ذراع؟! فقال: «والذي نفسي بيده؛ لو سكتّ.. لناولتني الذّراع ما دعوت» .
ذراع؟!) استفهام، لكن فيه إساءة أدب، وعدم امتثال له ﷺ ، فلذلك عاد عليه شؤم عدم الامتثال، بأن حرم مشاهدة المعجزة، وهي أن يخلق الله تعالى ذراعا بعد ذراع وهكذا؛ إكراما لخلاصة خلقه ﷺ .
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (: «و) الله (الّذي نفسي) أي: روحي أو جسدي أوهما (بيده) : بقوّته وقدرته وإرادته، إن شاء أبقاه، وإن شاء أفناه.
وكان يقسم به كثيرا، والظاهر أنّه يريد به: أنّ ذاته منقادة له لا يفعل إلّا ما يريد (لو سكتّ) عمّا قلت، ممّا فيه إساءة أدب، وامتثلت أمري في مناولة المراد (لناولتني الذّراع) أي: واحدا بعد واحد (ما دعوت» ) ، أي: مدّة طلبي الذّراع؛ بأن يخلق الله تعالى فيها ذراعا بعد ذراع ... وهكذا؛ معجزة لي، لكنّك لم تسكت!! فمنعت تلك المعجزة التي فيها نوع تشريف لمشاهدها، لأنّه لا يليق إلّا بكامل التّسليم الذي لا يستفهم، فحملته عجلة نفسه على أن قال ما قال، فانقطع المدد.
فلو تلقّاه المناول بالأدب، وصمت مصغيا إلى ذلك العجب؛ لشرّفه الله بإجراء هذا المزيد عليه ولم ينقطع لديه، فلمّا عجل وعارض تلك المعجزة برأيه؛ منعه ذلك عن مشاهدة هذه المعجزة العظمى التي لا تناسب إلّا من كمل تسليمه.
وقد روى الحديث أيضا الإمام أحمد؛ عن أبي رافع القبطيّ «مولى رسول الله ﷺ » ، واسمه: أسلم، ومات في أوّل خلافة عليّ- على الصحيح- ولفظه: أنّه أهديت له شاة؛ فجعلها في قدر.
فدخل رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا؟» . قال: شاة أهديت لنا فطبختها في القدر، قال: «ناولني الذّراع يا أبا رافع» . فناولته الذّراع، ثمّ قال: «ناولني الذّراع الآخر» . فناولته الذّراع الآخر، فقال: «ناولني الذّراع الآخر» .
стр. 750
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ ، ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا، وكان يعجل إليها؛ لأنّها أعجلها نضجا.
فقال: يا رسول الله؛ إنّما للشّاة ذراعان!!.
فقال له ﷺ : «أما إنّك لو سكتّ لناولتني ذراعا فذراعا ما سكتّ» . ثمّ دعا بماء فمضمض فاه، وغسل أطراف أصابعه، ثمّ قام فصلّى ... الحديث.
والظّاهر أنّ القضيّة متعدّدة لاختلاف مخرج الحديث.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» بإسناد فيه مقال؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ - أي: على الإطلاق، لما سيأتي من قوله ﷺ : «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» !
(ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا) - بكسر الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة- أي: وقتا دون وقت، لا يوما بعد يوم، لما ثبت في «الصحيحين» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يأتي علينا الشهر، ما نوقد فيه نارا؛ إنّما هو التّمر والماء، إلّا أن يؤتى باللّحم. قاله في «جمع الوسائل» .
(وكان يعجل) - بفتح الجيم- أي: يسرع (إليها) ، أي: إلى الذّراع، (لأنّها) ، أي: الذّراع، وتأنيثها باعتبار كونها قطعة من الشاة؛ قاله المناوي.
وقد تقدّم أنّ الذّراع تذكّر وتؤنّث، فلا معنى لهذا التأويل (أعجلها) ؛ أي:
أعجل اللّحوم، أو أعجل الشّاة (نضجا) - بضمّ النّون- أي: طبخا، ومعنى الحديث: أنّ الذّراع ما كان أحبّ إليه؛ وإنّما يعجل إليه لسرعة نضجه، لكونه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا.
قال الحافظ العراقيّ: وليس فيه منافاة لبقيّة الأحاديث، أنّه كان يعجبه الذّراع،
стр. 751
وكان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها.
إذ يجوز أن يعجبه وليست بأحبّ اللّحم إليه، ويؤيّده تصريحه في الحديث الآخر:
أنّ أطيب اللّحم لحم الظهر.
وقال ابن حجر الهيتميّ: هذا بحسب ما فهمته عائشة رضي الله تعالى عنها، وإلّا فالذي دلّت عليه الأحاديث السابقة وغيرها: أنّه كان يحبّها محبّة غريزيّة طبيعيّة، سواء فقد اللّحم أم لا!!
وكأنّها أرادت بذلك تنزيه مقامه الشريف عن أن يكون له ميل إلى شيء من الملاذّ، وإنما سبب المحبّة سرعة نضجها، فيقلّ الزّمن للأكل، ويتفرّغ لمصالح المسلمين. وعلى الأوّل!! فلا محذور في محبّة الملاذّ بالطبع، لأنّ هذا من كمال الخلقة؛ وإنما المحذور المنافي للكمال التفات النّفس وعناؤها في تحصيل ذلك وتأثّرها لفقده.
وتعقّب بأنّ نسبة قصور الفهم لعائشة رضي الله تعالى عنها لا تليق.
(و) أخرج ابن السّنّي، وأبو نعيم في «الطب النبوي» ، والبيهقيّ في «سننه» ؛ عن مجاهد مرسلا- وهو حسن لغيره-، والطبرانيّ؛ عن ابن عمر، وابن عديّ، والبيهقيّ- بسند ضعيف؛ كما قال العراقيّ- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها) ؛ لكونه أقرب إلى المرعى، وأبعد عن النجاسة، وأخفّ على المعدة، وأسرع انهضاما. وهذا لا يدركه إلّا أفاضل الأطباء؛ فإنهم شرطوا في جودة الأغذية نفعها وتأثيرها في القوى، وخفّتها على المعدة وسرعة هضمها.
وكان ﷺ أحبّ المقدم إليه الذّراع- كما سبق-.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» - واللفظ لها-، والنّسائيّ، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقيّ: كلهم؛
стр. 752
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» .
وعن ضباعة بنت الزّبير رضي الله تعالى عنها: ...
(عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد، وأبو جعفر؛ وهي أشهر.
أمّه أسماء بنت عميس، ولدته بأرض الحبشة، وهو أوّل مولود من المسلمين ولد بها، توفّي بالمدينة المنوّرة سنة: ثمانين، عن سبعين سنة.
وكان عبد الله كريما، جوادا، ظريفا، حليما، عفيفا، سخيّا.
سمّي «بحر الجود» ، ويقال: إنّه لم يكن في الإسلام أسخى منه، وعوتب في ذلك؛ فقال: إنّ الله عوّدني عادة وعوّدت النّاس عادة، وأخاف إن قطعتها قطعت عنّي، وأخباره في الجود شهيرة، وفضائله كثيرة.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثا، اتّفقا منها على اثنين.
(رضي الله تعالى عنهما؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم) أي: ألذّه وأحسنه (لحم الظّهر» ) . والتفضيل نسبيّ إضافي، أو «من» مقدّرة، أي: من أطيب، فلا ينافي أنّ الذّراع أطيب منه؛ ومن الرقبة! ووجه مناسبة هذا الحديث للتّرجمة: أنّ أطيبيّته تقتضي أنّه ﷺ ربّما تناوله في بعض الأحيان.
(و) أخرج الإمام أحمد، والنّسائيّ، والبيهقيّ (عن ضباعة) - بضاد معجمة مضمومة فموحدة فألف؛ فعين مهملة؛ فتاء تأنيث- (بنت الزّبير) بن عبد المطّلب الهاشميّة، بنت عمّه ﷺ ، زوج المقداد بن الأسود، وولدت له عبد الله وكريمة، وليس للزبير بن عبد المطّلب عقب إلّا منها.
روت عن النّبي ﷺ ، وعن زوجها، وعنها ابن عبّاس، وعائشة، وبنتها كريمة وآخرون. (رضي الله تعالى عنها:
стр. 753
أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ :
«أن أطعمينا «١» من شاتكم» . فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ ، فرجع الرّسول، فأخبره بقولها. فقال: «ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى» .
أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ : «أن أطعمينا من شاتكم» ) ؛ يا أهل البيت، أو قصد تعظيمها، وإلّا! فالقياس: من شاتك!!
(فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ ؛ لحقارتها عند العرب، لكثرة عظمها. قال الشاعر:
أمّ الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه
(فرجع الرّسول؛ فأخبره بقولها، فقال: «ارجع إليها؛ فقل لها: أرسلي بها) ولا تستحي؛ إذ هي عظيمة، فيها منافع؛ (فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى» ) : البول، والرّجيع. ولذا قيل: إنّها أفضل الشاة، والأصحّ: أنّ الأفضل الذّراع.
قال في «المواهب» : ولا ريب أنّ أخفّ لحم الشاة لحم الرقبة، ولحم الذّراع، والعضل، وهو أخفّ على المعدة وأسرع انهضاما.
وفي هذا دليل على أنّه ينبغي مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاث خواصّ:
أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى.
ثانيها: خفّتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها.
ثالثها: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء؛ لاشتماله على النفع وعدم الضّرر.
стр. 754
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم.. لم يطأطىء رأسه إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهسه انتهاسا.
وأكل رسول الله ﷺ القديد؛ كما في حديث «السّنن» ...
وقال الحافظ العراقيّ: وتفضيل لحم الرّقبة في الحديث السابق ونحوه لا يقتضي تفضيله على لحم الظّهر، ولا على لحم الذراع؛ وإنّما فيه مدحه بالأوصاف المتقدّمة، أي: ومدحه إنّما فيه فضيلته؛ لا أفضليّته على غيره.
قال: ويجوز أن يكون ﷺ قال ذلك جبرا لمن أخبره أنّه ليس عنده إلّا الرقبة، فمدحه بما هو صادق عليها، كما قال: «نعم الإدام الخلّ» ؛ حيث طلب إداما فلم يجد عندهم إلّا الخل.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم لم يطأطىء رأسه) ، أي: لم يخفضه (إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهشه) - بالشّين المعجمة، والسين المهملة- (انتهاشا) ، النّهش والانتهاش؛ كلاهما بمعنى الأخذ بمقدّم الأسنان- كما مر-.
قال في «شرح الإحياء» : روى أبو داود؛ من حديث صفوان بن أميّة قال:
كنت آكل مع النّبيّ ﷺ ، فاخذ اللّحم من العظم، فقال: «ادن العظم من فيك، فإنّه أهنأ وأمرأ» .
وللترمذيّ من حديثه: «انهس اللّحم نهسا، فإنّه أهنأ وأمرأ» . وهو والذي قبله منقطع. وللشيخين من حديث أبي هريرة: فتناول الذّراع؛ فنهس منها نهسة ... الحديث؛ قاله العراقيّ. انتهى
(وأكل رسول الله ﷺ القديد) - بفتح القاف وكسر الدّال المهملة مكبّرا-: هو اللّحم [المملوح] المقدّد؛ أي: المجفّف في الشّمس.
وفي «شرح البخاريّ» للقسطلّاني: القديد لحم مشرر مقدّد، أو ما قطع منه طوالا. انتهى، ونحوه في «القاموس» ؛ (كما في حديث «السّنن) الأربعة» ؛
стр. 755
عن رجل قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها» ، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة.
وأكل ﷺ لحم حمار الوحش.
(عن رجل) من الصحابة، ولا ضير في إبهامه لعدالة جميع الصّحابة رضوان الله عليهم.
(قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها) ؛ أي: اجعله قديدا على حالة يبقى معها؛ بحيث لا يسرع فساده، بدليل قوله (فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة) المنوّرة. فظاهره طول المدّة، إذ هي التي يتمدّح بها في مثل هذا المقام. وفي لفظ «أملح لحمها» - بالميم- أي: اجعل عليه ملحا، ليمنعه العفونة.
وفي «الصحيح» ؛ عن أنس: رأيت رسول الله ﷺ أتي بمرقة فيها دبّاء وقديد، فرأيته يتتبّع الدّبّاء يأكلها.
تنبيه: علم ممّا تقدّم أنّه ﷺ أكل القديد والحنيذ؛ الذي هو المشوي، والحنيذ أعجله وألذّه، وهو كان قرى إبراهيم الخليل للملائكة.
ومن الناس من يقدّم القديد على المشويّ، وهذا كلّه في حكم الشهوة.
أمّا في حكم المنفعة! فالقديد أنفع، وهو الذي يدوم عليه المرء، ويصلح به الجسد، وعليه أثنى الشّرع لوجهين:
أحدهما: أنّ المصطفى ﷺ في «الصحيحين» أمر بإكثار المرقة، ليقع بها عموم المنفعة في أهل البيت. الثاني: أنّه يصنع به الثّريد، وهو أفضل الطعام الذي ضرب به المصطفى المثل في التفضيل، حيث قال: «فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد» ... إلى آخره. والمرق من اللّحم هو لبّه. انتهى «مناوي» .
(وأكل) رسول الله ﷺ لحم حمار الوحش) . رواه الشّيخان؛ عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه في حديث طويل.
стр. 756
وأكل ﷺ لحم الضّأن، وأكل ﷺ لحم الجمال سفرا وحضرا. وأكل ﷺ لحم الأرنب. وأكل ﷺ من دوابّ البحر.
(وأكل ﷺ لحم الضّأن. وأكل) رسول الله ﷺ لحم الجمال) - جمع جمل-: وهو الذّكر من الإبل؛ كبيرا وصغيرا. وإن قالوا: لا يسمّى جملا إلّا إذا بزل، لكنّ المراد هنا ما هو أعمّ، (سفرا وحضرا) ؛ أي: في السّفر والحضر.
روى النّسائيّ؛ عن جابر قال: قدم عليّ بهدي للنّبيّ ﷺ من اليمن، وقدم رسول الله ﷺ بهدي، فكان الجميع مائة بدنة، فنحر ﷺ ثلاثا وستين، ونحر عليّ سبعا وثلاثين، وأشرك عليا في بدنه، ثمّ أخذ من كلّ بدنة بضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل ﷺ وعليّ من لحمها، وشربا من مرقها.
(وأكل) رسول الله ﷺ لحم الأرنب) . رواه الشيخان؛ عن أنس أنّه أصاب أرنبا بمرّ الظّهران، فأتى به أبا طلحة فذبحه بمروة وشواها، وبعث معي بعجزها.
وفي لفظ: بوركها. وفي لفظ: بفخذها إلى رسول الله ﷺ فقبلها، والبخاريّ في (الهبة) : فأكلها. وفي رواية: أكله. قيل له: أكله!؟ قال: قبله.
(وأكل) رسول الله ﷺ من دوابّ البحر) . رواه مسلم.
وذكر القسطلّاني في «المواهب» ؛ في سرية الخبط: أنّه روى الأئمة السّتّة عن جابر:
بعثنا ﷺ ثلثمائة راكب؛ أميرنا أبو عبيدة، فأقمنا على السّاحل حتّى فني زادنا، حتّى أكلنا الخبط «١» ، ثمّ إنّ البحر ألقى لنا دابّة؛ يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر حتى صحّت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه، ونظرنا إلى أطول بعير فجاز تحته.
стр. 757
وأكل ﷺ الثّريد؛ وهو أن يثرد الخبز بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم. ومن أمثالهم: (الثّريد أحد اللّحمين) .
وأكل ﷺ الخبز بالزّيت.
وعن عمر بن الخطّاب ...
زاد الشّيخان في رواية: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنّبيّ ﷺ ؛ فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا؟» ، فأرسلنا إليه منه فأكل.
(وأكل) رسول الله ﷺ الثّريد) - بفتح المثلّثة وكسر الراء؛ فعيل بمعنى مفعول، ويقال أيضا مثرود- (وهو أن يثرد الخبز) أي: يفتّ، ثمّ يبلّ (بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم) وقضيّته، أنّه إذا ثرد بمرق، غير اللّحم لا يسمّى «ثريدا» . وظاهر «القاموس» و «المصباح» : أيّ مرق كان. وكذا قول الزّمخشريّ: ثردت الخبز أثرده؛ وهو أن تفتّه، ثم تبلّه بمرق وتشرفه في وسط الصّحفة؛ وتجعل له وقبة «١» .
(ومن أمثالهم: «الثّريد أحد اللّحمين» ) ، لأّنّ المرق يطبخ باللّحم، فتنزل خاصّية اللّحم في المرق. ومحلّ اللّذّة والقوّة إذا كان اللحم نضيجا في المرق أكثر مما في اللّحم وحده. فإن كان معه لحم فهو الثّريد الكامل، وعليه قول الشاعر:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثّريد
(وأكل) رسول الله ﷺ الخبز بالزّيت) ، وأمر بأكله.
روى أبو نعيم في «الطّبّ» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّ فيه شفاء من سبعين داء؛ منها الجذام» .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» ، و «الشمائل» (عن عمر [بن الخطّاب] )
стр. 758
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
«كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة» .
الخليفة عشر سنين ونيّفا، وأوّل من سمّي «أمير المؤمنين» ، ومات سنة: أربع وعشرين عن ثلاث وستين، روى له الجماعة (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزّيت) : دهن الزّيتون، أي: مع الخبز، واجعلوه إداما.
فلا يرد أنّ الزّيت مائع؛ فلا يكون تناوله أكلا، (وادّهنوا به) : أمر من الادّهان، وهو استعمال الدّهن، أي: ادهنوا به شعر رؤوسكم. كما قيّد به في رواية. وعادة العرب دهن شعر رؤوسهم.
وقال الباجوريّ: ادّهنوا به في سائر البدن. وأمثال هذا الأمر للإباحة، أو النّدب لمن وافق مزاجه وعادته، وقدر على استعماله؛ كما قاله ابن حجر.
قال الحافظ العراقيّ: لكنّ الأمر بالادهان به لا يحمل على الإكثار منه، ولا على التّقصير فيه؛ بل بحيث لا يشعث رأسه، كما يرشد إليه الأمر بالادّهان غبّا.
وقال ابن القيّم: الدّهن في البلاد الحارّة كالحجاز من أسباب حفظ الصّحة وإصلاح البدن، وهو كالضروري لهم. وأما في البلاد الباردة! فضارّ، وكثرة دهن الرّأس به خطر بالبصر، (فإنّه) أي: لأّنه يخرج (من شجرة مباركة» ) يعني:
زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء؛ ولو لم تمسسه نار.
ووصفها بالبركة لكثرة منافعها، ولكونها تنبت في الأرض المقدّسة التي بارك الله تعالى فيها للعالمين. قيل: بارك فيها سبعون نبيّا؛ منهم إبراهيم ﵊.
ويلزم من بركة هذه الشّجرة بركة ثمرتها؛ وهو الزّيتون، وبركة ما يخرج منها من الزّيت، وكيف لا؛ وفيه التّأدّم والتّدهّن!! وهما نعمتان عظيمتان؟! وقد
стр. 759
وأكل ﷺ السّلق مطبوخا.
ورد: «عليكم بهذه الشّجرة المباركة زيت الزّيتون فتداووا به؛ فإنّه مصحّة من الباسور» رواه الطبراني، وأبو نعيم عن عقبة بن عامر.
وفي «الجامع الصغير» ؛ بعد ذكر حديث الباب الذي أورده المصنّف:
رواه التّرمذيّ عن عمر. ورواه أحمد، والترمذيّ، والحاكم؛ عن أبي أسيد.
ورواه ابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة؛ ولفظه: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه طيّب مبارك» . ورواه أبو نعيم في «الطب» عنه؛ وقال:
«فإنّ فيه شفاء من سبعين داء منها الجذام» انتهى.
ومناسبة الحديث للباب: أنّ الأمر بأكله يستدعي أكله ﷺ منه. أو يقال:
المقصود من الترجمة معرفة ما أكل منه ﷺ ؛ وما أحبّ الأكل منه.
قال الترمذيّ؛ بعد ذكر حديث عمر المذكور في الباب: وعبد الرزّاق كان مضطربا في هذا الحديث؛ فربّما أسنده وربما أرسله. انتهى.
والاضطراب؛ تخالف روايتين أو أكثر؛ إسنادا أو متنا بحيث لا يمكن الجمع بينهما، لكنّه بيّن المراد بالاضطراب هنا بقوله: فربما أسنده وربّما أرسله.
ففي بعض الطّرق أسنده حيث ذكر فيه عمر بن الخطّاب.
وفي بعضها أرسله؛ حيث أسقط عمر بن الخطّاب، والمضطرب ضعيف لإنبائه عن عدم إتقان ضبطه. فهذا الحديث ضعيف للاضطراب في إسناده، لكن رجّح بعضهم عدم ضعفه، لأنّ طريق الإسناد فيها زيادة علم، وخصوصا وقد وافق إسناد غيره؛ كما في بعض الروايات. والله أعلم.
(وأكل) رسول الله ﷺ السّلق) - بكسر السّين المهملة، وإسكان اللام، وآخره قاف-: بقلة معروفة وهو نبت له ورق طوال، وأصل ذاهب في الأرض، يقال له: السّلك- بالكاف آخره بدل القاف-. (مطبوخا) بالشعير، قال التّرمذيّ
стр. 760
وأكل ﷺ الخزيرة؛ وهي: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها.
وأكل ﷺ الأقط؛ ...
بعد ما رواه: حديث حسن غريب.
وفي «الصّحيحين» ؛ عن سهل بن سعد: إن كنّا لنفرح بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ أصول السّلق فتجعله في قدرها فتجعل عليه حبّات من شعير، إذا صلّينا الجمعة زرناها؛ فقرّبته إلينا، والله ما فيه شحم؛ ولا ودك!!.
(وأكل) رسول الله ﷺ الخزيرة) كما في «الصحيح» ؛ من حديث عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه، (وهي) - بخاء معجمة مفتوحة، ثم زاي مكسورة، وبعد التّحتانية الساكنة راء- (: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها) ؛ قاله الطّبري. وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم.
وقال ابن قتيبة- وتبعه الجوهريّ-: أن يؤخذ اللّحم فيقطع قطعا صغارا ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.
وفي «القاموس» مع «الشرح» : الخزير والخزيرة شبه عصيدة، وهو: اللّحم الغابّ «١» يقطع صغارا في القدر، ثمّ يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا أميت طبخا ذرّ عليه الدّقيق، فعصد به ثمّ أدم بأيّ إدام.
ولا تكون الخزيرة إلا بلحم، وإذا كانت بلا لحم؟ فهي عصيدة. انتهى.
(وأكل) رسول الله ﷺ الأقط) - قال بعضهم عن «القاموس» : هو بتثليث الهمزة مع سكون القاف، و [الأقط] بفتح الهمزة مع فتح القاف؛ أو كسرها. أو [الأقط] ضمّها، و [الإقط] بكسرها جميعا-: شيء يتّخذ من المخيض الغنمي.
روى البخاريّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
стр. 761
وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده، وهو أشبه شيء بالكشك.
وأكل ﷺ الرّطب والتّمر والبسر.
وأكل ﷺ الكباث؛ ...
أهدت خالتي إلى النّبي ﷺ ضبابا وأقطا ولبنا، فوضع الضّبّ على مائدته، فلو كان حراما لم يوضع، وشرب اللّبن وأكل الأقط؛
(وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده) لا الحليب.
ويوافق قول الأزهري: الأقط يتّخذ من اللبن المخيض ثم يترك حتّى يمصل؛ أي: تسيل عصارته؛ وهي ماؤه الذي يخرج منه حين يطبخ، وهو كثير بالحرمين وغيرهما، ويقال له «المضير» عندهم.
(وهو أشبه شيء بالكشك) وزان فلس: ما يعمل من الحنطة، وربّما عمل من الشّعير. قال المطرّزيّ: فارسيّ معرّب؛ قاله في «المصباح» .
(وأكل) رسول الله ﷺ الرّطب) - بضمّ الرّاء وفتح الطّاء المهملة-: هو ثمر النّخل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمّر، والرّطب نوعان: نوع لا يتتمّر، وإذا تأخّر أكله أسرع إليه الفساد. ونوع يتتمّر ويصير عجوة وتمرا يابسا.
(و) أكل (التّمر والبسر) - بضمّ الباء- هو: البلح الطّريّ، أكل الثلاثة النّبيّ ﷺ في وقت واحد في حديقة الأنصاريّ. رواه مسلم، وأصحاب «السّنن الأربعة» ، والتّرمذيّ في «الشمائل» كلّهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد مرّ الكلام على ذلك في حديث أبي الهيثم بن التيّهان رضي الله تعالى عنه.
(وأكل) رسول الله ﷺ الكباث) رواه مسلم، وبوّب عليه البخاريّ في؛ الأطعمة «باب الكباث» .
وروى فيه وفي أحاديث الأنبياء حديث جابر: كنّا مع النّبيّ ﷺ بمرّ الظهران
стр. 762
وهو: ثمر الأراك. وأكل ﷺ الجبن.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكّين فسمّى وقطع.
نجني الكباث، فقال: «عليكم بالأسود منه فإنّه أطيب» . فقيل: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «نعم، وهل من نبيّ إلّا رعاها!!»
(وهو) أي: الكباث- بفتح الكاف، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف مثلاثة- (: ثمر الأراك) - بفتح الهمزة وخفّة الراء- أي: النّضيج من ثمر الأراك. وقيل:
ورق الأراك. وقيل: تمر الأراك- بالمثنّاة-؛ وهو البرير- بموحدة؛ بوزن الحرير- فإذا اسودّ فهو الكباث. وفي «المطالع» : الكباث تمر الأراك قبل نضجه. وقيل: بل هو حصرمه. وقيل: غضّه. وقيل: متزبّبه.
(وأكل) رسول الله ﷺ الجبن) . فيه ثلاث لغات؛ رواها أبو عبيد عن يونس ابن حبيب؛ سماعا من العرب.
أجودها: إسكان الباء؛ مع ضمّ الجيم، والثانية: ضمّ الباء للإتباع.
والثالثة؛ وهي أقلّها: التّثقيل. ومنهم من يجعل التّثقيل من ضرورة الشعر.
ففي «السّنن» لأبي داود (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: أتي) - بالبناء للمجهول- (النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك) من عمل النّصارى. فقيل: هذا طعام تصنعه المجوس! (فدعا بسكّين فسمّى وقطع) .
رواه أبو داود ومسدّد وغيرهما.
وروى أبو داود الطيالسيّ عن ابن عباس أنّ النّبيّ ﷺ لما فتح مكّة رأى جبنة فقال: «ما هذا؟» فقالوا: طعام يصنع بأرض العجم. فقال: «ضعوا فيه السّكّين، وكلوا» .
وروى الإمام أحمد والبيهقيّ عنه: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في غزوة تبوك، فقال:
«أين صنعت هذه؟» قالوا: بفارس؛ ونحن نرى أن يجعل فيها ميتة!. فقال ﷺ :
стр. 763
وأمّا البصل: فروى أبو داود في «سننه» : عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها سئلت عن البصل فقالت: إنّ آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل.
والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا قولها: (إنّ آخر طعام أكله فيه بصل) ، ولم تقل أكل البصل.
«اطعموا» . وفي رواية «ضعوا فيها السّكّين واذكروا اسم الله تعالى وكلوا» .
قال الخطّابيّ: أباحه ﷺ على ظاهر الحال؛ ولم يمتنع من أكله لأجل مشاركة المسلمين للكفّار في عمله.
وتعقّبه المقريزيّ بتوقّفه على نقل، إذ لم يكن بفارس والشّام حينئذ أحد من المسلمين.
قال الشّامي: وهو ظاهر لا شكّ فيه.
(وأمّا البصل) والثّوم والكرّاث!؟ (فروى أبو داود في «سننه» ) ، والنّسائيّ، والتّرمذيّ في «الشمائل» ، وأحمد، والبيهقيّ (عن عائشة) «أمّ المؤمنين» الصّدّيقة بنت الصّديق (رضي الله تعالى عنها) وعن أبيها.
(أنّها سئلت عن البصل) ، والسّائل لها أبو زياد خيار بن سلمة، قال: سألتها عن البصل، (فقالت: إنّ آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل) أي: مطبوخ، كما قال: (والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا) الاحتمال (قولها: إنّ آخر طعام أكله) ﷺ (فيه بصل، ولم تقل أكل البصل!) .
стр. 764
.........
وقد صرّح البيهقيّ بذلك؛ فقال: كان مشويّا في قدر، أي: مطبوخا. كما نقله الزّرقاني في «شرح المواهب» ، وكأن المصنّف لم يستحضر كلام الزّرقاني، فأبدى هذا الاحتمال.
وقد ثبت عنه ﷺ في «الصّحيحين» أنّه منع آكله نيّا من دخول المسجد، لأنه يؤذي بريحه، فروى البخاريّ ومسلم، وغيرهما عن جابر: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الثّوم والبصل والكرّاث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته» وأنه أتي بقدر فيها خضراوات من بقول؛ فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: «قرّبوها» إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: «كل، فإنّي أناجي من لّا تناجي» .
وكان ﵊ يترك الثوم دائما، لأنه يتوقّع مجيء الملائكة والوحي كلّ ساعة.
روى أبو نعيم في «الحلية» ، والخطيب في «التاريخ» عن أنس: كان لا يأكل الثّوم ولا البصل ولا الكرّاث؛ من أجل أن الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل.
ولمسلم من حديث أبي أيوب في قصّة بعثه إليه بطعام فيه ثوم؛ فلم يأكل منه، وقال: «لكنّي أكرهه من أجل ريحه» . ويقاس على هؤلاء الفجل وكلّ بقلة كريهة.
قال النّوويّ: اختلف أصحابنا في حكم الثوم- بضمّ المثلّثة- في حقّه ﷺ وكذلك البصل والكرّاث ونحوها من كلّ ما له رائحة كريهة!!
فقال بعض أصحابنا: هي محرّمة عليه، وهو مذهب مالك. والأصحّ عندنا أنّها مكروهة في حقّه كراهة تنزيه؛ ليست محرّمة، لعموم قوله ﵊ «لا» في جواب قول السائل «أحرام هي؟» . ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام في حقّكم دوني، لأني أناجي من لا تناجون. انتهى.
стр. 765
وكان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» .
قال في «الفتح» : حجّة التحريم أنّ العلة في المنع ملازمة الملك له، وأنّه ما من ساعة إلا والملك يمكن أن يلقاه فيها ﷺ فينبغي لمحبّه موافقته ﵊ في ترك الثوم ونحوه وإن جاز له! وكراهة ما يكرهه، فإنّ من أوصاف المحبّ الصادق أن يحبّ ما يحبّه محبوبه، ويكره ما يكرهه لأجل الموافقة، وإن كانت الحكمة التي ترك المصطفى الأكل لأجلها ليست في غيره. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج أبو الشّيخ بإسناد ضعيف، وأبو نعيم في «الطب» : كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ) أي: هو أحبّ شيء يصبغ به الخبز، بأن تغمس اللقمة فيه وتؤكل؛ فيكون إداما للخبز، كما ورد: «نعم الإدام الخلّ» وسيأتي.
(و) أخرج مسلم، والترمذيّ؛ في «الجامع» و «الشمائل» ، وابن ماجه كلّهم
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» ) .
ورواه الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب «السّنن» ، عن جابر رضي الله تعالى عنه.
قال العلقميّ في «شرح الجامع الصغير» : وقد ورد حديث: «نعم الإدام الخلّ» من رواية جمع من الصّحابة أفردوا بجزء. وهو حديث مشهور كاد أن يكون متواترا.
стр. 766
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها وكان جائعا، فقال لها: «أعندكم طعام آكله؟» ، ...
قال ابن القيّم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لتيسّره دون غيره؛ لا تفضيل له على غيره كما ظنّه بعضهم، إذ المدح إنما يقتضي فضله في نفسه؛ لا على غيره.
قال: وسبب الحديث يدلّ على ذلك، وهو أنه دخل على أهله يوما، فقدّموا له خبزا؛ فقال: «ما عندكم شيء من إدام؟» فقالوا: ما عندنا إلّا خلّ. فقال:
«نعم الإدام الخلّ» .
والمقصود أنّ أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصّحة، بخلاف الاقتصار على أحدهما، فقد يتولّد منه أمراض!
وسمّي الأدم «إداما» لإصلاحه الخبز، وجعله ملائما لحفظ الصّحة.
وليس في هذا تفضيل للخلّ على اللّحم واللّبن والعسل والمرق. ولو حضر لحم أو لبن؛ لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرا لخاطر وتطييبا لقلب من قدّمه له، سواء التي سألها فقالت «إلّا خلّ» ؛ أو غيرها، لا تفضيلا له على سائر أنواع الإدام، فلا ينافي أحاديث مدح اللّحم والثّريد وغيرهما.
(و) أخرج البيهقي في «الشعب» (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء) - بهمز في آخره- بنت أبي طالب، أخت عليّ. واسمها: فاختة، لها صحبة وأحاديث- وتقدمت ترجمتها- (رضي الله تعالى عنها؛ وكان جائعا؛
فقال لها: «أعندكم طعام آكله؟»
стр. 767
فقالت: إنّ عندي لكسرا يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك.
فقال: «هلمّيها» ، فكسّرها في ماء، وجاءته بملح، فقال: «ما من إدام؟» ، فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ، فقال:
«هلمّيه» . فلمّا جاءته به.. صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ، يا أمّ هانىء؛ لا يقفر بيت فيه خلّ» .
فقالت: إنّ عندي، لكسرا) - بكسر الكاف، وفتح السّين المهملة، جمع كسرة؛ مثل سدرة وسدر، وهي: القطعة من الخبز (يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك) ، لحقارتها في جنب عظمة المصطفى ﷺ .
(فقال) تطييبا لخاطرها (: «هلمّيها» ) ؛ أي أحضريها وهو فعل أمر على لغة تميم. (فكسّرها في ماء) لإساغتها (وجاءته بملح؛
فقال) : أي: النّبيّ ﷺ (ما من إدام؟» .
فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ. فقال: «هلمّيه» ) أي: أحضريه.
(فلمّا جاءته به صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ؛ يا أمّ هانىء لا يقفر) أي: لا يخلو (بيت فيه خلّ» ) صفة لبيت.
والفصل بين الصفة والموصوف بما يتعلّق بعامل الموصوف سائغ.
وفيه الحثّ على عدم النّظر للخبز والخلّ بعين الحقارة، وأنّه لا بأس بسؤال الطعام ممّن لا يستحي السائل منه؛ لصدق المحبّة، والعلم بودّ المسؤول.
وقد أخرج هذا الحديث التّرمذيّ، والطّبرانيّ، وأبو نعيم عن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ ؛ فقال: «أعندك شيء؟» . فقالت:
لا، إلا خبز يابس وخلّ. فقال «هاتي؛ ما أقفر بيت من أدم فيه خلّ» .
стр. 768
وعن أمّ سعد رضي الله تعالى عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟» ، فقالت: عندنا خبز وتمر وخلّ، فقال: «نعم الإدام الخلّ، اللهمّ؛ بارك في الخلّ؛ فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خلّ» .
وهذا مدح للخلّ بحسب الوقت- كما قاله ابن القيّم- ...
(و) في الباب عند ابن ماجه بسند ضعيف (عن أمّ سعد) بنت زيد بن ثابت الأنصاريّة (رضي الله تعالى عنها) ، قال ابن عبد البرّ: لها أحاديث؛ منها الأمر بذمّ الحجامة، من رواية محمّد بن زاذان عنها. وقيل: لم يسمع منها، بل بينهما واسطة هو عبد الله بن خارجة عنها؛ عن النبيّ ﷺ (قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة؛ وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟» ) الغداء- بفتح الغين المعجمة، والدّال المهملة والمدّ-: طعام الغداة.
(فقالت: عندنا خبز وتمر وخلّ. فقال: «نعم الإدام الخلّ؛ اللهمّ) أي:
يا الله (بارك) ، أي: ضع البركة التي هي فيض إلهيّ (في الخلّ، فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر) أي: لم يخل (بيت) من القفر، وهو الأرض الخالية من الماء، والمفازة لا ماء فيها ولا زاد، ودار قفر خالية من أهلها. وأقفرت الدّار:
خلت. ووهم من جعله بالفاء مع القاف «١» (فيه خلّ» ) صفة بيت.
وفي الحديث الحثّ على عدم النّظر للخبز والخلّ بعين الاحتقار. والله أعلم.
(وهذا مدح للخلّ بحسب) بموحّدة (الوقت) الحاضر لتيسّره دون غيره؛ (كما قاله) الحافظ (ابن القيّم) الحنبليّ رحمه الله تعالى؛ يعني: أنّ المتيسّر حقيق بأن يوصف بالحسن ذلك الوقت، لا لأنه نفيس في ذاته.
стр. 769
لا لتفضيله على غيره، بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ ، وتطييبا لنفسه، لا تفضيلا له على غيره؛ إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن.. لكان أحقّ بالمدح.
وبهذا علم أنّه لا تنافي بين هذا وبين قوله: «بئس الإدام الخلّ» .
وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «فضل عائشة على النّساء ...
و (لا لتفضيله على غيره) ؛ كما ظنّه بعضهم، إذ المدح إنّما يقتضي تفضيله في نفسه؛ لا على غيره، ألا ترى أنّ حديث «ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها» مع أنّ الوتر أفضل منهما!!
(بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ ، وتطييبا لنفسه) ؛ سواء التي سألها فقالت «إلّا خلّ» ؛ أو غيرها (لا تفضيلا له على غيره) ؛ كاللّحم واللّبن والعسل والمرق، (إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن؛ لكان أحقّ بالمدح) منه.
(وبهذا) الجواب (علم أنّه لا تنافي بين هذا) المدح المذكور في هذا الحديث.
(وبين) الذّمّ المذكور في (قوله: «بئس الإدام الخلّ» ) قال في «كشف الخفا» : وأمّا «بئس الإدام الخلّ» ! فلا أصل له، وفي طلبه ﷺ الإدام إشارة إلى أنّ أكل الخبز مع الإدام من أسباب حفظ الصّحّة، بخلاف الاقتصار على أحدهما.
قال الحكيم التّرمذيّ في «النوادر» : في الخلّ منافع للدّين والدّنيا. وذكر أنّه بارد يقطع حرارة السّموم ويطفيها.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» (عن أبي موسى الأشعريّ) : عبد الله بن قيس (رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال:
«فضل عائشة) الصّديقة بنت الصّدّيق (على النّساء) أي: نساء رسول الله صلّى الله عليه وسلم
стр. 770
.........
اللاتي في زمنها؛ فلا تكون أفضل من خديجة، بل خديجة أفضل على الأصحّ، لتصريحه ﷺ لعائشة بأنه لم يرزق خيرا من خديجة. وفاطمة أفضل منهما؛ أي من عائشة وخديجة!!
قال الباجوري: أفضل النّساء مريم بنت عمران، ثم فاطمة الزّهراء، ثمّ خديجة، ثم عائشة التي قد برّأها الله تعالى. وقد نظم بعضهم ذلك فقال:
فضلى النّسا بنت عمران ففاطمة ... خديجة ثمّ من قد برّأ الله
وهذا هو الذي أفتى به الرّمليّ.
وقد قال جمع من الخلف والسّلف: لا يعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحد!! وبه يعلم أنّ بقية أولاده ﷺ كفاطمة، وأنّ سبب الأفضليّة ما فيهن من البضعة الشّريفة.
ومن ثمّ حكى السّبكي عن بعض أئمة عصره أنّه فضّل الحسن والحسين على الخلفاء الأربعة، أي: من حيث البضعة؛ لا مطلقا. فهم أفضل منهما علما ومعرفة، وأكثر ثوابا وآثارا في الإسلام.
قال في «جمع الوسائل» : قلت: إذا لو حظت الحيثيّة؛ فما يوجد أفضل على الإطلاق مطلقا، ولذا قيل: إن عائشة أفضل من فاطمة، لأنّ كلا منهما تكون مع زوجها في الجنّة، ولا شكّ في تفاوت منزلتيهما!!
هذا وقد قال السيوطي: في «إتمام الدراية شرح النقاية» : ونعتقد أن أفضل النساء مريم بنت عمران، وفاطمة بنت النّبيّ ﷺ .
روى التّرمذيّ وصحّحه: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسيّة امرأة فرعون» .
وفي «الصحيحين» ؛ من حديث علي: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد. وفي «الصحيح» : «فاطمة سيّدة نساء هذه الأمّة»
وروى النّسائيّ عن حذيفة أنّ رسول الله ﷺ قال: «هذا ملك من الملائكة
стр. 771
.........
استأذن ربّه ليسلّم عليّ، وبشّرني أنّ حسنا وحسينا سيّدا شباب أهل الجنّة، وأمّهما سيّدة نساء أهل الجنّة» .
وروى الطّبرانيّ عن عليّ مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد» .
وفي هذه الأحاديث دلالة على تفضيلها على مريم؛ خصوصا إذا قلنا بالأصحّ «إنّ مريم ليست نبية» ، وقد تقرّر أن هذه الأمة أفضل من غيرها!!.
وروى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» بسند صحيح لكنّه مرسل: «مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» .
ورواه التّرمذيّ موصولا من حديث عليّ بلفظ: «خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة» . قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يفسّر المتّصل.
قلت: يعكّر عليه ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس مرفوعا؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «سيّدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثمّ خديجة، ثم آسيّة امرأة فرعون» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «فاطمة سيّدة نساء العالمين بعد مريم بنت عمران» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول؛ قال: قال رسول الله ﷺ :
«خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أنّ مريم بنت عمران ركبت بعيرا ما فضّلت عليها أحدا» .
ثم قال: قال السّيوطي: إنّ أفضل أمّهات المؤمنين خديجة، وعائشة.
قال ﷺ : «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلا مريم وآسيّة وخديجة، وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
وفي التفضيل بينهما أقوال؛ ثالثها الوقف.
стр. 772
كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
قلت: وقد صحّح العماد بن كثير أن خديجة أفضل، لما ثبت أنّه ﷺ قال لعائشة حين قالت: قد رزقك الله خيرا منها. فقال لها: «لا؛ والله ما رزقني الله خيرا منها؛ آمنت بي حين كذّبني الناس، وأعطتني ما لها حين حرمني النّاس» .
وسئل ابن داود؛ فقال: عائشة أقرأها النبيّ ﷺ السّلام من جبريل. وخديجة أقرأها السّلام جبريل من ربّها، فهي أفضل على لسان محمد ﷺ .
فقيل: فأيّ أفضل؛ فاطمة أم أمّها؟ قال: فاطمة بضعة النّبيّ ﷺ ؛ فلا نعدل بها أحدا.
وسئل السّبكيّ، فقال: الذي نختاره وندين الله به: أنّ فاطمة بنت محمد أفضل، ثمّ أمّها خديجة، ثم عائشة.
وعن ابن العماد أنّ خديجة إنما فضّلت باعتبار الأمومة؛ لا السّيادة. انتهى.
والحاصل: أنّ الحيثيات مختلفة، والروايات متعارضة والمسألة ظنية.
والتّوقف لا ضرر فيه قطعا. فالتسليم أسلم. والله أعلم
(كفضل الثّريد) - بفتح الثاء المثلّثة؛ فعيل بمعنى مفعول-.
وهو الخبز المأدوم بالمرق، سواء كان مع اللّحم؛ أو لم يكن، لكنّ الأوّل ألذّ وأقوى، وهو الأغلب.
قال بعض الأطباء: الثّريد من كلّ طعام أفضل من المرق؛ فثريد اللّحم أفضل من مرقه، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه.
وفي «النهاية» : بل اللّذّة والقوة إذا كان اللحم نضيجا في المرق أكثر مما في نفس اللّحم. قال الأطبّاء: الثّريد يعيد الشّيخ إلى صباه.
(على سائر الطّعام» ) أي: باقي الأطعمة من جنسه بلا ثريد، لما في الثّريد من النّفع، وسهولة مساغه وتيسّر تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعة، واللذّة والقوّة وقلّة المؤنة في المضغ، فشبّهت به؛ لما أعطيت من حسن الخلق، وحسن
стр. 773
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أو لم رسول الله ﷺ ...
الخلق، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتّحبّب إلى البعل. فهي تصلح للتّبعّل والتحدّث والاستئناس بها، والإصغاء إليها. وحسبك أنها عقلت من النّبيّ ﷺ ما لم يعقل غيرها من النّساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرّجال!!.
وفي الحديث إشارة إلى أنّ الفضائل التي اجتمعت في عائشة لا توجد في جميع النّساء؛ من كونها امرأة أفضل الأنبياء، وأحبّ النساء إليه، وأعلمهنّ وأنسبهنّ وأحسبهنّ، وإن كانت لخديجة وفاطمة وجوه أخر من الفضائل البهيّة، والشمائل العليّة. ولكنّ الهيئة الجامعيّة في الفضيلة المشبّهة بالثريد لم توجد في غيرها. والله أعلم.
وحديث أبي موسى الذي ذكره المصنّف! رواه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والتّرمذيّ، وابن ماجه، بلفظ: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلّا آسيّة امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. وإنّ فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
ورواه البخاريّ، ومسلم؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الجامع» ، و «الشمائل» ؛
(عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: «أو لم رسول الله ﷺ من الولم؛ وهو: الاجتماع، والوليمة: كلّ طعام يتّخذ لحادث سرور أو حزن.
ووليمة النّكاح: طعام يصنع عند عقد النّكاح أو بعده، وهي سنّة مؤكّدة.
والأفضل فعلها بعد الدّخول؛ اقتداء به ﷺ .
ونقل القاضي عياض اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس، وقال: واختلفوا فيما سواها؛ فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها.
стр. 774
على صفيّة بتمر وسويق؛ وهو: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير.
وعن سلمى زوج أبي رافع ...
وقال أهل الظّاهر: تجب الإجابة إلى كلّ دعوة من عرس وغيره.
وبه قال بعض السّلف، لكن محلّه ما لم يكن هناك مانع شرعيّ؛ أو عرفيّ!!.
ومعنى الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ صنع وليمة (على صفيّة) بنت حييّ بن أخطب اليهوديّ من نسل هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، زوجة سلام بن أبي الحقيق- بالتصغير- شريف خيبر، قتل يوم خيبر فسبيت صفيّة؛ فاصطفاها رسول الله ﷺ لمّا ذكر له جمالها، وكانت عروسا فخرج حتى بلغ الصّهباء حلّت له؛ أي:
طهرت من الحيض فبنى بها، وصنع حيسا (بتمر وسويق.
وهو) أي: السّويق (: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير) وهو معروف عند العرب.
وفي «الصحيحين» : أولم عليها بحيس، وهو الطعام المتّخذ من التّمر والأقط والسّمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق؛ كذا في «النهاية» . وضعه في نطع، ثم قال لأنس: «آذن من حولك» ؛ فكانت وليمته عليها. قال: ثم خرجنا إلى المدينة؛ فرأيت رسول الله ﷺ يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعير فيضع ركبته، وتضع صفيّة رجلها على ركبته لتركب. وفي رواية: فأعتقها وتزوّجها.
وفي أخرى: قال له: «خذ جارية من السّبي غيرها» ، وفي رواية: «أنّها صارت لدحية، ثم للنبيّ ﷺ اشتراها بسبعة أرؤس» ، ولا تعارض، فلعلّه قال له أولا «خذ جارية» ... ثم أكمل له سبعة. وإنما أخذها منه! رعاية للمصلحة العامّة:
أنّها بنت ملكهم فخاف من اختصاص دحية بها تغيّر خواطر نظائره، وكانت رأت أنّ القمر سقط في حجرها. فتؤوّل بذلك، وماتت سنة: خمسين. ودفنت بالبقيع رضي الله تعالى عنها.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» واللفظ لها؛
(عن) أمّ رافع (سلمى) - بفتح أوّله- (زوج أبي رافع) ، واسمه أسلم
стр. 775
- مولى النّبيّ ﷺ : أنّ الحسن بن عليّ، ...
(مولى النّبيّ ﷺ ، يقال: إنها مولاة صفية بنت عبد المطلب، ويقال لها أيضا مولاة النّبيّ ﷺ ، وكانت تخدم النّبيّ ﷺ ؛ قالت: ما كان يكون برسول الله ﷺ قرحة إلّا أمرني أن أضع عليها الحنّاء. وهي قابلة إبراهيم ابن المصطفى، وغاسلة فاطمة بنت عميس، وقابلة فاطمة بنت النّبيّ ﷺ في ابنيها الحسنين، وغاسلتها مع عليّ رضي الله تعالى عنهم.
وزوجها أبو رافع؛ يقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم. وقيل: سنان.
وقيل غير ذلك. غلبت عليه كنيته؛ وكان قبطيّا، وكان للعبّاس فوهبه للنّبيّ ﷺ ، فلما بشّر النّبيّ ﷺ بإسلام العباس أعتقه. قال الحافظ ابن حجر:
والمحفوظ أنّه أسلم لما بشّر العبّاس بأن النّبيّ ﷺ انتصر على أهل خيبر؛ وذلك في قصّة جرت، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدا وما بعدها.
روى عن النّبيّ ﷺ ، وعن عبد الله بن مسعود، وروى عنه خلق؛ منهم أولاده رافع، والحسن، وعبيد الله، والمغيرة، وأحفاده: الحسن وصالح وعبيد الله؛ أولاد عليّ بن أبي رافع، والفضل بن عبيد الله بن أبي رافع.
ومات بالمدينة المنورة قبل قتل عثمان بيسير رضي الله تعالى عنه:
(أنّ الحسن بن عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ
أبا محمد سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته.
أمير المؤمنين، خامس الخلفاء الراشدين، ولد في نصف شهر رمضان؛ سنة: - ٣- ثلاث من الهجرة بالمدينة المنوّرة، وأمّه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ وهو أكبر أولادها وأوّلهم؛
وكان عاقلا حليما؛ محبا للخير، فصيحا وسيما من أحسن الناس منطقا وبديهة.