.........
استأذن ربّه ليسلّم عليّ، وبشّرني أنّ حسنا وحسينا سيّدا شباب أهل الجنّة، وأمّهما سيّدة نساء أهل الجنّة» .
وروى الطّبرانيّ عن عليّ مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد» .
وفي هذه الأحاديث دلالة على تفضيلها على مريم؛ خصوصا إذا قلنا بالأصحّ «إنّ مريم ليست نبية» ، وقد تقرّر أن هذه الأمة أفضل من غيرها!!.
وروى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» بسند صحيح لكنّه مرسل: «مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» .
ورواه التّرمذيّ موصولا من حديث عليّ بلفظ: «خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة» . قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يفسّر المتّصل.
قلت: يعكّر عليه ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس مرفوعا؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «سيّدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثمّ خديجة، ثم آسيّة امرأة فرعون» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «فاطمة سيّدة نساء العالمين بعد مريم بنت عمران» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول؛ قال: قال رسول الله ﷺ :
«خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أنّ مريم بنت عمران ركبت بعيرا ما فضّلت عليها أحدا» .
ثم قال: قال السّيوطي: إنّ أفضل أمّهات المؤمنين خديجة، وعائشة.
قال ﷺ : «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلا مريم وآسيّة وخديجة، وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
وفي التفضيل بينهما أقوال؛ ثالثها الوقف.
стр. 772
كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
قلت: وقد صحّح العماد بن كثير أن خديجة أفضل، لما ثبت أنّه ﷺ قال لعائشة حين قالت: قد رزقك الله خيرا منها. فقال لها: «لا؛ والله ما رزقني الله خيرا منها؛ آمنت بي حين كذّبني الناس، وأعطتني ما لها حين حرمني النّاس» .
وسئل ابن داود؛ فقال: عائشة أقرأها النبيّ ﷺ السّلام من جبريل. وخديجة أقرأها السّلام جبريل من ربّها، فهي أفضل على لسان محمد ﷺ .
فقيل: فأيّ أفضل؛ فاطمة أم أمّها؟ قال: فاطمة بضعة النّبيّ ﷺ ؛ فلا نعدل بها أحدا.
وسئل السّبكيّ، فقال: الذي نختاره وندين الله به: أنّ فاطمة بنت محمد أفضل، ثمّ أمّها خديجة، ثم عائشة.
وعن ابن العماد أنّ خديجة إنما فضّلت باعتبار الأمومة؛ لا السّيادة. انتهى.
والحاصل: أنّ الحيثيات مختلفة، والروايات متعارضة والمسألة ظنية.
والتّوقف لا ضرر فيه قطعا. فالتسليم أسلم. والله أعلم
(كفضل الثّريد) - بفتح الثاء المثلّثة؛ فعيل بمعنى مفعول-.
وهو الخبز المأدوم بالمرق، سواء كان مع اللّحم؛ أو لم يكن، لكنّ الأوّل ألذّ وأقوى، وهو الأغلب.
قال بعض الأطباء: الثّريد من كلّ طعام أفضل من المرق؛ فثريد اللّحم أفضل من مرقه، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه.
وفي «النهاية» : بل اللّذّة والقوة إذا كان اللحم نضيجا في المرق أكثر مما في نفس اللّحم. قال الأطبّاء: الثّريد يعيد الشّيخ إلى صباه.
(على سائر الطّعام» ) أي: باقي الأطعمة من جنسه بلا ثريد، لما في الثّريد من النّفع، وسهولة مساغه وتيسّر تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعة، واللذّة والقوّة وقلّة المؤنة في المضغ، فشبّهت به؛ لما أعطيت من حسن الخلق، وحسن
стр. 773
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أو لم رسول الله ﷺ ...
الخلق، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتّحبّب إلى البعل. فهي تصلح للتّبعّل والتحدّث والاستئناس بها، والإصغاء إليها. وحسبك أنها عقلت من النّبيّ ﷺ ما لم يعقل غيرها من النّساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرّجال!!.
وفي الحديث إشارة إلى أنّ الفضائل التي اجتمعت في عائشة لا توجد في جميع النّساء؛ من كونها امرأة أفضل الأنبياء، وأحبّ النساء إليه، وأعلمهنّ وأنسبهنّ وأحسبهنّ، وإن كانت لخديجة وفاطمة وجوه أخر من الفضائل البهيّة، والشمائل العليّة. ولكنّ الهيئة الجامعيّة في الفضيلة المشبّهة بالثريد لم توجد في غيرها. والله أعلم.
وحديث أبي موسى الذي ذكره المصنّف! رواه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والتّرمذيّ، وابن ماجه، بلفظ: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلّا آسيّة امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. وإنّ فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
ورواه البخاريّ، ومسلم؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الجامع» ، و «الشمائل» ؛
(عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: «أو لم رسول الله ﷺ من الولم؛ وهو: الاجتماع، والوليمة: كلّ طعام يتّخذ لحادث سرور أو حزن.
ووليمة النّكاح: طعام يصنع عند عقد النّكاح أو بعده، وهي سنّة مؤكّدة.
والأفضل فعلها بعد الدّخول؛ اقتداء به ﷺ .
ونقل القاضي عياض اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس، وقال: واختلفوا فيما سواها؛ فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها.
стр. 774
على صفيّة بتمر وسويق؛ وهو: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير.
وعن سلمى زوج أبي رافع ...
وقال أهل الظّاهر: تجب الإجابة إلى كلّ دعوة من عرس وغيره.
وبه قال بعض السّلف، لكن محلّه ما لم يكن هناك مانع شرعيّ؛ أو عرفيّ!!.
ومعنى الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ صنع وليمة (على صفيّة) بنت حييّ بن أخطب اليهوديّ من نسل هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، زوجة سلام بن أبي الحقيق- بالتصغير- شريف خيبر، قتل يوم خيبر فسبيت صفيّة؛ فاصطفاها رسول الله ﷺ لمّا ذكر له جمالها، وكانت عروسا فخرج حتى بلغ الصّهباء حلّت له؛ أي:
طهرت من الحيض فبنى بها، وصنع حيسا (بتمر وسويق.
وهو) أي: السّويق (: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير) وهو معروف عند العرب.
وفي «الصحيحين» : أولم عليها بحيس، وهو الطعام المتّخذ من التّمر والأقط والسّمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق؛ كذا في «النهاية» . وضعه في نطع، ثم قال لأنس: «آذن من حولك» ؛ فكانت وليمته عليها. قال: ثم خرجنا إلى المدينة؛ فرأيت رسول الله ﷺ يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعير فيضع ركبته، وتضع صفيّة رجلها على ركبته لتركب. وفي رواية: فأعتقها وتزوّجها.
وفي أخرى: قال له: «خذ جارية من السّبي غيرها» ، وفي رواية: «أنّها صارت لدحية، ثم للنبيّ ﷺ اشتراها بسبعة أرؤس» ، ولا تعارض، فلعلّه قال له أولا «خذ جارية» ... ثم أكمل له سبعة. وإنما أخذها منه! رعاية للمصلحة العامّة:
أنّها بنت ملكهم فخاف من اختصاص دحية بها تغيّر خواطر نظائره، وكانت رأت أنّ القمر سقط في حجرها. فتؤوّل بذلك، وماتت سنة: خمسين. ودفنت بالبقيع رضي الله تعالى عنها.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» واللفظ لها؛
(عن) أمّ رافع (سلمى) - بفتح أوّله- (زوج أبي رافع) ، واسمه أسلم
стр. 775
- مولى النّبيّ ﷺ : أنّ الحسن بن عليّ، ...
(مولى النّبيّ ﷺ ، يقال: إنها مولاة صفية بنت عبد المطلب، ويقال لها أيضا مولاة النّبيّ ﷺ ، وكانت تخدم النّبيّ ﷺ ؛ قالت: ما كان يكون برسول الله ﷺ قرحة إلّا أمرني أن أضع عليها الحنّاء. وهي قابلة إبراهيم ابن المصطفى، وغاسلة فاطمة بنت عميس، وقابلة فاطمة بنت النّبيّ ﷺ في ابنيها الحسنين، وغاسلتها مع عليّ رضي الله تعالى عنهم.
وزوجها أبو رافع؛ يقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم. وقيل: سنان.
وقيل غير ذلك. غلبت عليه كنيته؛ وكان قبطيّا، وكان للعبّاس فوهبه للنّبيّ ﷺ ، فلما بشّر النّبيّ ﷺ بإسلام العباس أعتقه. قال الحافظ ابن حجر:
والمحفوظ أنّه أسلم لما بشّر العبّاس بأن النّبيّ ﷺ انتصر على أهل خيبر؛ وذلك في قصّة جرت، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدا وما بعدها.
روى عن النّبيّ ﷺ ، وعن عبد الله بن مسعود، وروى عنه خلق؛ منهم أولاده رافع، والحسن، وعبيد الله، والمغيرة، وأحفاده: الحسن وصالح وعبيد الله؛ أولاد عليّ بن أبي رافع، والفضل بن عبيد الله بن أبي رافع.
ومات بالمدينة المنورة قبل قتل عثمان بيسير رضي الله تعالى عنه:
(أنّ الحسن بن عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ
أبا محمد سبط رسول الله ﷺ ، وريحانته.
أمير المؤمنين، خامس الخلفاء الراشدين، ولد في نصف شهر رمضان؛ سنة: - ٣- ثلاث من الهجرة بالمدينة المنوّرة، وأمّه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ وهو أكبر أولادها وأوّلهم؛
وكان عاقلا حليما؛ محبا للخير، فصيحا وسيما من أحسن الناس منطقا وبديهة.
стр. 776
وابن عبّاس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم.. أتوها، فقالوا:
اصنعي لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ ..
حجّ عشرين حجّة ماشيا، ودخل أصبهان غازيا مجتازا إلى غزاة جرجان؛ ومعه عبد الله بن الزّبير.
وبايعه أهل العراق بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة: - ٤٠- أربعين هجرية.
وأشاروا عليه بالمسير إلى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان، فأطاعهم وزحف بمن معه، وبلغ معاوية خبره؛ فقصده بجيشه وتقارب الجيشان.
فهال الحسن أن يقتتل المسلمون، ولم يستشعر الثّقة بمن معه، وطلب منه معاوية الصّلح، فكتب إلى معاوية يشترط شروطا للصّلح، ورضي معاوية، فخلع الحسن نفسه من الخلافة، وسلّم الأمر لمعاوية في بيت المقدس سنة: - ٤١- إحدى وأربعين هجريّة، وسمّي هذا العام «عام الجماعة» لاجتماع كلمة المسلمين فيه.
وانصرف الحسن إلى المدينة المنوّرة راجعا، حيث أقام بها إلى أن توفّي مسموما سنة: - ٥٠- خمسين من الهجرة، ومدّة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام.
وولد له أحد عشر ابنا وبنت واحدة! روي له عن النّبيّ ﷺ أحاديث، ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه.
(وابن عبّاس) عبد الله (وابن جعفر) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؛ تقدمت ترجمته (رضي الله تعالى عنهم؛ أتوها) زائرين، لكونها خادمة المصطفى ﷺ وطبّاخته (فقالوا: اصنعي لنا طعاما ممّا) ؛ أي: من الطّعام الّذي (كان يعجب) - روي: بضمّ أوّله، وكسر ثالثه؛ من الإعجاب، وروي: بفتح الياء والجيم؛ من العجب، من باب علم- (رسول الله ﷺ بنصبه على الأوّل، ورفعه على الثّاني. وقال في «جمع الوسائل» : يعجب- على صيغة المعلوم؛ إما من الإعجاب، ف «رسول الله» مفعوله، والضمير المستتر فيه للموصول. أو من
стр. 777
ويحسن أكله. فقالت: يا بنيّ؛ لا تشتهيه اليوم. قال: بلى، اصنعيه لنا. قال: فقامت، فأخذت شيئا من شعير، فطحنته، ثمّ
العجب- بفتحتين؛ من باب علم- فهو فاعله وضمير الموصول في الصّلة محذوف، أي مما كان يعجبه ﷺ .
ويمكن أن يكون الرسول فاعلا في الوجه الأول؛ بناء على أنّ معناه يستحسنه.
وبالجملة إن كان يعجب من الإعجاب يمكن أن يكون الرسول مرفوعا ومنصوبا؛ بناء على أن معنى الإعجاب الاستحسان، وإن كان من العجب! فهو مرفوع، وكذا الحال فيما وقع ثانيا في قوله:
(ويحسن) ؛ من الإحسان، أو التّحسين. فهو على الأول بسكون الحاء وتخفيف السّين، وعلى الثّاني بفتح الحاء وتشديد السّين؛ وعلى كلّ فهو بضمّ الياء. (أكله) بالنّصب؛ وهو بفتح الهمزة، وسكون الكاف مصدر.
(فقالت: يا بنيّ) - روي مصغّرا؛ للشّفقة، وأفردته مع أنّ الأحقّ الجمع؛ إمّا إيثارا لخطاب أعظمهم؛ وهو الحسن، أو لأنّهم لكمال الملاءمة والارتباط والمناسبة بينهم واتّحاد بغيتهم صاروا بمنزلة شخص واحد. وروي كما قال بعض الشّرّاح: يا بنيّ؛ مكبّرا.
وقال آخر: يدفعه (لا تشتهيه) بالإفراد، لكن حيث ثبت رواية فلا دفع.
فالمعنى: لا تشتهيه نفوسكم (اليوم) أي زمن اعتياد النّاس الأطعمة اللّذيذة التي تطبخها الأعاجم المختلطة بكم، فكلوا ما يوافق عادتكم وأبدانكم، وإن كان المختلط غير ما أكله رسول الله ﷺ ، فإن ذلك أمر يتفاوت بالأزمنة وتغيّر العادات، واستعينوا به على أداء العبادة.
(قال: بلى) نشتهيه على سبيل البركة (اصنعيه لنا.
قال) أي: الرّاوي عن سلمى، أو أحد الثّلاثة: (فقامت) أي: سلمى
(فأخذت شيئا من شعير) - بالتّنكير، وروي بالتّعريف- (فطحنته، ثم
стр. 778
جعلته في قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتّوابل، فقرّبته إليهم. فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ ويحسن أكله. قوله (التّوابل) : هي أدوية حارّة يؤتى بها من الهند، وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة والزّنجبيل والكمّون. ويؤخذ من هذا: أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل، وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد.
جعلته) ؛ أي دقيقه (في قدر) - بكسر أوّله، أي: برمة- (وصبّت عليه شيئا من زيت) زيت الزّيتون، أو غيره (ودقّت الفلفل) - بضمّ الفاءين وسكون اللّام الأولى؛ كهدهد- مصروف هذا هو الرواية، والواحدة فلفلة، وفي «القاموس» : الفلفل كهدهد وزبرج: حبّ هنديّ، والأبيض أصلح، وكلاهما نافع لأشياء ذكرها.
(والتّوابل) - بمثنّاة فوقيّة؛ بزنة المساجد-: أبزار الطّعام. وسيأتي، (فقرّبته) أي: فوضعته على الطّعام وقدّمته (إليهم.
فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ - بالضبطين- (ويحسن أكله) بالوجهين.
(قوله: التّوابل) بالتّاء المثنّاة قبل الواو، وبالباء بعد الألف؛ جمع تابل- بفتح الباء، وقد تكسر- (: هي) أبزار الطّعام، وهي (أدوية حارّة يؤتى بها من الهند. وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة) - بضمّ الباء وفتحها-: نبات معروف (والزّنجبيل) : هو عروق تسري في الأرض حرّيفة تحذي اللّسان وهو ما ينبت في بلاد العرب، له منافع كثيرة (والكمّون) ؛ كتنّور: حبّ معروف أدقّ من السّمسم، واحدته كمّونة، وهو عربيّ. قال الجواليقي: وعوامّ الناس تفرق بين التوابل والأبزار، والعرب لا تفرّق بينهما!!
(ويؤخذ من هذا) الحديث؛ كما في الباجوريّ وغيره:
(أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل) من أنواع الأبازير، (وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد) في الدّنيا ولذّاتها.
стр. 779
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال في غزوة الخندق: انكفيت- أي: انطلقت إلى امرأتي- فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ جوعا شديدا.
فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن، ...
(وعن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: في غزوة الخندق) وهي الأحزاب؛ قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبيّ ﷺ خمصا شديدا، ف (انكفيت) قال الحافظ ابن حجر: بفاء مفتوحة بعدها تحتيّة ساكنة، أي: انقلبت، وأصله انكفأت؛ بهمزة، وكأنه سهّلها.
وقال القسطلّانيّ: بالهمز، وقد تبدل ياء. لكن قال الحافظ أبو ذرّ: صوابه:
فانكفأت بالهمز.
وقال في «التنقيح» : أصله الهمزة؛ من كفأت الإناء، وتسهّل!
قال في «المصابيح» : لكن ليس القياس في تسهيل مثله إبدال الهمزة ياء، أي: انقلبت. وقال المصنّف تبعا للباجوريّ.
(أي: انطلقت إلى امرأتي) : سهيلة بنت مسعود بن أوس بن مالك بن سوّاد الأنصارية الظفريّة، زوجة جابر، وأمّ ولده عبد الله، ذكرها ابن حبيب في المبايعات؛ كما في «الإصابة» رضي الله تعالى عنها.
(فقلت) لها (: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ خمصا أي:
(جوعا شديدا!.
فأخرجت جرابا) - بكسر الجيم- (فيه صاع من شعير.
ولنا بهيمة) - بضمّ الموحّدة وفتح الهاء؛ مصغّر بهمة-: وهي الصّغيرة من أولاد الغنم. وفي رواية: عناق، وهي الأنثى من المعز، (داجن) - بكسر الجيم-: التي تترك في البيت، ولا تخرج إلى المرعى، ومن شأنها أن تسمن.
وقد زاد في رواية أحمد: سمينة.
стр. 780
فذبحتها، وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئته ﷺ ، وأخبرته الخبر سرّا، وقلت له: تعال أنت ونفر معك.
(فذبحتها) - بسكون الحاء، وضمّ التّاء- فالذابح جابر.
(وطحنت) - بسكون التّاء الفوقيّة، قبلها نون؛ فحاء مهملة، فطاء مهملة:
مفتوحات- أي: امرأتي (الشّعير) .
وفي رواية أحمد: فأمرت امرأتي فطحنت لنا الشعير وصنعت لنا منه خبزا وفي رواية في «الصحيح» ؛ من طريق آخر عن جابر: إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا إلى النّبيّ ﷺ ، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق؛ فقال: «أنا نازل» ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا. فأخذ النّبيّ ﷺ المعول فضرب؛ فعاد كثيبا أهيل أو أهيم.
فقلت: يا رسول الله؛ ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير (حتّى جعلنا) ؛ أي: وشرعنا في تهيئته حتى جعلنا- وللكشميهني: جعلت، أي المرأة- (اللّحم في البرمة) - بضمّ الموحّدة، وسكون الرّاء-: القدر مطلقا، أو من حجارة. وفي رواية: ففرغت إلى فراغي أي معه، وقطّعتها في برمتها وغطتها.
(ثمّ جئته ﷺ زاد في رواية «الصحيح» : والعجين قد انكسر؛ أي:
اختمر. والبرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته (وأخبرته الخبر سرّا؛
وقلت له) : يا رسول الله؛ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت المرأة صاعا من شعير كان عندنا؛ ف (تعال أنت ونفر معك) دون العشرة من الرّجال. وفي رواية:
فقلت: طعيم لي صنعته، فقم أنت يا رسول الله؛ ورجل أو رجلان.
ولأحمد: وكنت أريد أن ينصرف ﷺ وحده. قال: «كم هو؟» فذكرت له.
стр. 781
فصاح: «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا فحيّ هلا بكم» ،
قال: «كثير طيّب، قل لها لا تنزع البرمة؛ ولا الخبز من التّنّور حتّى آتي» .
(فصاح) أي النّبيّ ﷺ : ( «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا) - بضمّ السّين المهملة، وسكون الواو بغير همز-: قال ابن الأثير: أي طعاما يدعو الناس إليها، أو هو الطعام مطلقا. وأمّا الذي بالهمز!! فهو البقيّة، وليس مرادا هنا.
ولفظة سور- بدون همز- فارسية، ولعله ﷺ عبّر بها دون «طعاما» !! لعمومه في كلّ مأكول، بخلاف الطّعام فيختصّ بالحنطة عند أهل مكّة، فقد يفهم بعض السّامعين خلاف المراد، أو لبيان الجواز.
(فحيّ) - بحاء مهملة وشدّ التّحتيّة- (هلا) - بفتح الهاء واللّام المنوّنة مخفّفة- وفي رواية: أهلا (بكم» ) بزيادة ألف، والصواب حذفها؛ قاله الحافظ ابن حجر.
وهي كلمة استدعاء فيها حثّ على سرعة الإجابة، أي: هلمّوا مسرعين.
وفي رواية في «الصحيح» : فقال: «قوموا» فقام المهاجرون والأنصار.
فلما دخل على امرأته؛ قال: ويحك، جاء النّبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم.
وفي سياقه اختصار.
وبيانه في رواية يونس بن بكير في «زيادات المغازي» قال:
فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت جاء الخلق على صاع من شعير وعناق!! فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت؛ جاءك رسول الله ﷺ بالجند أجمعين!!.
فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم.
فقالت: الله ورسوله أعلم، نحن أخبرناه بما عندنا!! فكشفت عني غمّا شديدا.
стр. 782
وقال: «لا تنزلنّ برمتكم، ولا تخبزنّ عجينتكم حتّى أجيء» .
فلمّا جاء.. أخرجت له العجين؛ فبصق فيه، ...
وفي رواية في «الصحيح» : فجئت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت!!
ويجمع بينهما بأنّها أوّلا أمرته أن يعلمه بالصورة، فلما قال لها «إنه جاء بالجميع» ؛ ظنّت أنّه لم يعلمه؛ فخاصمته، فلما أعلمها أنّه أعلمه سكن ما عندها، لعلمها بإمكان خرق العادة. ودلّ ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها.
وقد وقع لها في قصة التمر: أن جابرا أوصاها لمّا زارهم النّبيّ ﷺ أن لا تكلّمه. فلما أراد ﷺ الانصراف نادته: يا رسول الله؛ صلّ عليّ وعلى زوجي.
فقال: «صلّى الله عليك وعلى زوجك» .
فعاتبها جابر، فقالت له: أكنت تظنّ أنّ الله يورد رسوله بيتي، ثم يخرج؛ ولا أسأله الدعاء!! أخرجه أحمد بإسناد حسن؛ ذكره الحافظ ابن حجر.
(وقال) : أي: النّبيّ ﷺ لجابر (: «لا تنزلنّ) - بضم التّاء الفوقيّة وكسر الزّاي، وضمّ اللّام- (برمتكم) نصب على المفعولية، ولأبي ذرّ: «لا تنزلنّ» - بفتح اللام والزاي؛ مبنيّ للمفعول- برمتكم- بالرفع نائب الفاعل.
(ولا تخبزنّ) - بفتح المثنّاة الفوقية، وكسر الموحّدة، وضمّ الزّاي وشدّ النون- (عجينتكم) - بالنّصب، ولأبي ذرّ بضمّ الفوقيّة وفتح الموحّدة والزاي؛ ورفع «عجينكم» (حتّى أجيء» ) إلى منزلكم.
(فلمّا جاء أخرجت) ؛ أي المرأة (له العجين)
ولفظ البخاريّ: فجئت وجاء ﷺ يقدم الناس حتى جئت إلى امرأتي؛ فقالت:
بك وبك. فقلت: فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينا (فبصق فيه) بالصاد.
ولأبوي ذرّ والوقت، وابن عساكر: فبسق- بالسّين- ويقال بالزّاي أيضا، لكن قال النّوويّ: بالصّاد في أكثر الأصول، وفي بعضها بالسّين؛ وهي لغة قليلة.
стр. 783
وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا، فبصق، وبارك، ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واغرفي من برمتكم، ولا تنزلوها» .
والقوم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتّى تركوه، وانصرفوا، وإنّ برمتنا لتغطّ- أي: تغلي- كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو.
(وبارك) في العجين: أي دعا فيه بالبركة، (ثمّ عمد) - بفتح الميم: قصد- (إلى برمتنا فبصق) . زاد الكشميهني: فيها؛ أي البرمة (وبارك) في الطّعام، (ثمّ قال) : أي ﷺ لجابر (: «أدع خابزة، فلتخبز) بسكون اللّام (معك) بكسر الكاف! خطابا لزوجة جابر. فخصّه بالأمر بالدّعاء، لأنه صاحب المنزل المشار إليه بإذنه لمن شاء في دخول منزله، وخاطب زوجته بأنه إذا أحضرها يأمرها بالخبز معها؛ أي مساعدتها فيه، ثم تباشر هي غرف الطعام.
ولا ينافيه أنّ لفظ البخاريّ: فلتخبز معي، لأنّ المراد: وقولي لها لتخبزي معي؛ أي تعاونيني فيه. ويدلّ عليه قوله: (و) اقدحي أي (اغرفي من برمتكم) والمغرفة: تسمّى المقدحة، وقدحة من المرق: غرفة منه (ولا تنزلوها» ) - بضمّ المثنّاة الفوقية، وكسر الزّاي- أي: البرمة من فوق الأثافي- بفتح الهمزة، والمثلّثة فألف ففاء مكسورة، فتحتيّة مشددة-: حجارة ثلاثة يوضع عليها القدر.
(و) هم أي: (القوم) الذين أكلوا (ألف) .
وفي «مستخرج أبي نعيم» : وهم سبعمائة، أو ثلثمائة. وللإسماعيلي ثمانمائة، أو ثلثمائة. وفي مسلم: ثلثمائة.
قال الحافظ ابن حجر: والحكم للزّائد، لمزيد علمه، ولأنّ القصّة متّحدة.
وفي رواية أبي الزّبير عن جابر: وأقعدهم عشرة عشرة يأكلون، (فأقسم بالله، لقد أكلوا حتّى تركوه، و) ؛ انحرفوا أي: (انصرفوا) ومالوا عن الطعام؛ (وإنّ برمتنا لتغطّ) - بكسر الغين المعجمة، وشدّ الطّاء المهملة- (أي: تغلي) وتفور بحيث يسمع لها غطيط (كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو) لم ينقص من ذلك
стр. 784
رواه البخاريّ ومسلم.
وعن جابر أيضا قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة؛ ...
شيء، و «ما» في «كما» كافة، وهي مقحمة لدخول الكاف على الجملة، وهي مبتدأ والخبر محذوف، أي كما هي قبل ذلك. (رواه البخاريّ، ومسلم) في «صحيحيهما» في «كتاب المغازي» من حديث سعيد بن ميناء عن جابر.
وأخرجه البخاريّ وحده من رواية أيمن عن جابر بنحوه: وفي آخره:
فقال ﷺ «ادخلوا ولا تضاغطوا» فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللّحم ويخمر البرمة والتنّور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: «كلي هذا، وأهدي فإنّ النّاس أصابتهم مجاعة» .
وفي رواية يونس بن بكير: فما زال يقرّب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا. فقال: «كلي وأهدي» ، فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع.
وفي رواية أبي الزّبير عن جابر: فأكلنا نحن وأهديناا لجيراننا، فلما خرج ﷺ ذهب ذلك. انتهى.
وصريح هذا أنّ الذي باشر الغرف النّبيّ ﷺ ، فيخالف ظاهر قوله «واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها» ؛ أي: اغرفي من أن مباشرة المرأة!!.
ويمكن الجمع بينهما بأنّها كانت تساعده في الغرف. ولم يتعرّض الحافظ ابن حجر، ولا القسطلّانيّ لهذا. والله أعلم.
وفي ذلك علم من أعلام نبوّته ﷺ .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن جابر أيضا) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (قال: خرج رسول الله ﷺ ؛ أي: من بيته، أو من المسجد (وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار؛ فذبحت له شاة) .
стр. 785
فأكل منها، وأتته بقناع- أي: طبق من رطب- فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر، وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشّاة، فأكل، ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ.
يؤخذ منه حلّ ذبح المرأة، لأن الظاهر أنّها ذبحت بنفسها حقيقة، ويحتمل أنّها أمرت بذبحها. والجزم به يحتاج إلى دليل.
(فأكل منها) أي: من تلك الشّاة (وأتته) أي: المرأة الأنصاريّة (بقناع) - بقاف مكسورة، فنون، فعين مهملة- (أي: طبق) يعمل من سعف النّخل يؤكل عليه. هذا هو المراد هنا.
(من رطب فأكل منه) ؛ أي: من الرّطب (ثمّ توضّأ للظّهر) ، يحتمل أنّه كان محدثا، فلا دلالة فيه على وجوب الوضوء ممّا مسّته النّار، ولا على ندبه، (وصلّى، ثمّ انصرف) من صلاته، أو من محلّها؛ (فأتته بعلالة) - بضمّ العين المهملة- أي بقية (من علالة الشّاة) أي: من بقيّة لحمها.
و «من» تبعيضيّة، أو بيانيّة، بل جعلها بيانيّة له وجه وجيه؛ (فأكل) .
فيه أنّه لا حرج في الأكل بعد الأكل، بل يندب ذلك جبرا لخاطر المضيف ونحوه؛ كما كان يفعله شيخنا العلّامة السيّد علوي المالكي رحمه الله تعالى، وإن لم يطل فصل؛ ولا انهضم الأوّل، أي إن أمن التّخمة باعتبار عادته، أو قلّة المأكول، أو لم يتخلّل بينهما شرب، لأنه حينئذ أكل واحد، وإلا؛ فهو مضرّ طبّا.
وفيه أنّه أكل من لحم في يوم مرّتين! لا أنه شبع في يوم مرّتين؛ كما وهم، إذ لا يلزم من أكله مرّتين الشّبع في كلّ منهما. فمن عارضه بقول عائشة رضي الله تعالى عنها السابق «ما شبع من لحم في يوم مرّتين» !! لم يكن على بصيرة.
(ثمّ صلّى العصر؛ ولم يتوضّأ) أي: لكونه لم يحدث.
стр. 786
وعن أمّ المنذر رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال معلّقة.
قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل. فقال ﷺ لعليّ: «مه يا عليّ، فإنّك ناقه» .
ويعلم منه أنّ الوضوء لا يجب مما مسّته النار. والله أعلم.
(و) أخرج أبو داود، والتّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» بإسناد حسن- كما قال العراقيّ- (عن أمّ المنذر) اسمها:
سلمى بنت قيس بن عمرو الأنصاريّة، من بني النّجار، إحدى خالات النّبيّ ﷺ من جهة أبيه؛ بايعت وصلّت إلى القبلتين.
لها صحبة، خرّج لها أبو داود والنّسائي (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
دخل عليّ) - بتشديد الياء المثناة- (رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال) - بفتح الدال المهملة، وتنوين اللام المكسورة-: أعذاق من بسر النّخل تعلّق، كلما أرطبت أكل منها على التّدريج، واحدتها: دالية.
(معلّقة) - بالرّفع، صفة مؤكّدة لدوال- (قالت:
فجعل) أي: شرع (رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل) بالجملة عطف على «جعل» (فقال ﷺ لعليّ: «مه) ؛ أي: اكفف (يا عليّ، فإنّك ناقه» ) بكسر القاف بعده هاء. اسم فاعل. أي قريب برء من المرض لم تتقرّر صحّتك، نخاف عليك عود المرض؛ إن أكثرت. يقال نقه- بفتح القاف وكسرها- من بابي نفع وتعب؛ إذا برىء من المرض. فالنقاهة حالة بين الصّحة والمرض.
قال الأطباء: وأنفع ما يكون الحمية لناقه من المرض، فإنّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوّتها، والقوّة الهاضمة ضعيفة، والطّبيعة قابلة، والأعضاء مستعدّة، فتخليطه يوجب انتكاسا أصعب من ابتداء مرضه.
стр. 787
قالت: فجلس عليّ والنّبيّ ﷺ يأكل.
قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا.
فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب؛ ...
وقد اشتهر على الألسنة: «الحمية رأس الدّواء، والمعدة بيت الدّاء، وعوّدا كلّ جسد ما اعتاد» . وهو ليس بحديث، وإنّما هو من كلام الحارث بن كلدة، طبيب العرب.
ولا ينافي نهيه لعليّ خبر ابن ماجه أنّه عاد رجلا فقال له: «ما تشتهي؟» قال:
كعكا. وفي لفظ: خبز برّ. فقال: «من عنده خبز فليبعث إلى أخيه، وإذا اشتهى مريض أحدكم شيئا؛ فليطعمه» .
لأنّ العليل إذا اشتدّت شهوته لشيء ومالت إليه طبيعته، فتناول منه القليل لا يحصل له منه ضرر، لأنّ المعدة والطّبيعة يتلقّيانه بالقبول؛ فيندفع عنه ضرره، بل ربّما كان ذلك أكثر نفعا من كثير من الأدوية التي تنفر منها الطّبيعة. وهذا سرّ طبيّ لطيف.
(قالت: فجلس عليّ) أي: وترك أكل الرّطب (والنّبيّ ﷺ يأكل) .
فيه جواز الأكل قائما بلا كراهة، لكنّ تركه أفضل كما في «الأنوار» «١» .
(قالت: فجعلت) أي: فبسبب أمره ﷺ عليا بالتّرك لكونه ناقها؛ جعلت (لهم) المراد بالجمع ما فوق الواحد، وقيل: كان معهما ثالث.
واقتصر على ذكر علي فيما سبق!! لداعي بيان ما جرى بينه وبين النبيّ ﷺ .
(سلقا) - بكسر السّين المهملة، وسكون اللّام- وهو: النّبت المشهور ويقال له «سلك» بالكاف آخره. (وشعيرا) لأنّه نافع.
(فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب) أي: كل.
فالفاء في جواب شرط محذوف، أي: إذا حصل هذا فكل منه معنا.
стр. 788
فإنّ هذا أوفق لك» .
وعن عبد الله بن سلام ...
وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر أي: أصب من هذا؛ لا من غيره. أي:
خصّه بالإصابة ولا تتجاوزه. وفي التعبير ب «أصب» إشارة إلى أنّ أكله منه هو الصّواب.
(فإنّ هذا أوفق) أي: موافق (لك» ) فأفعل التّفضيل ليس على بابه، وإنما كان موافقا له، لأن ماء الشّعير نافع للنّاقه جدا، لا سيّما إذا طبخ بأصول السّلق فإنّه من أوفق الأغذية لضعيف المعدة، بخلاف الرّطب والعنب فإنّ الفاكهة تضرّ بالنّاقه لسرعة استحالتها، وضعف المعدة عن دفعها.
وفيه أنّ التّداوي مشروع، ولا ينافي التّوكّل اقتداء بسيّد المتوكّلين ﷺ .
(و) أخرج أبو داود والتّرمذيّ في «الشمائل» بسند حسن أو صحيح
(عن عبد الله بن سلام) بن الحارث الإسرائيليّ. وفي بعض النّسخ: عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه. وهذه النّسخة أصحّ، فالحديث من مسند يوسف بن عبد الله بن سلام، لا من مسند أبيه، وكلّ منهما صحابيّ جليل.
أما يوسف! فولد في حياة رسول الله ﷺ ، وحمل إليه، وأقعده في حجره، وسمّاه يوسف، ومسح رأسه.
وكنيته أبو يعقوب. روى عن رسول الله ﷺ ثلاثة أحاديث، وروى عن أبيه، وعن عثمان وعليّ وأبي الدّرداء وغيرهم. وذكره ابن سعد في الطّبقة الخامسة من الصّحابة، وذكره جمع ممّن ألّف في الصّحابة.
وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وقال بعضهم: بقي إلى سنة مائة من الهجرة رضي الله تعالى عنه
وأما أبوه عبد الله بن سلام- بتخفيف اللام- فيكنّى أبا يوسف، أحد الأحبار والعلماء الأخيار، وأحد من شهد له رسول الله ﷺ بالجنّة.
стр. 789
رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة من خبز، فوضع عليها تمرة وقال: «هذه إدام هذه» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل.
روى عنه ابناه يوسف ومحمد وغيرهما، مات بالمدينة المنوّرة سنة ثلاث وأربعين هجرية (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة) - بكسر الكاف وسكون السّين- أي قطعة (من خبز فوضع عليها تمرة، وقال: «هذه) التمرة (إدام هذه» ) الكسرة، لأنّ التّمر كان طعاما مستقلا غير متعارف للائتدام، فأخبر أنّه يصلح له.
وفي نسخة من «الشمائل» زيادة: «فأكل» بالفاء. وفي نسخة بالواو.
وهذا الحديث يقوّي قول من ذهب من الأئمّة إلى أنّ التّمر إدام، كالإمام الشّافعي ومن وافقه.
ويؤخذ منه أنّه ﷺ كان يدبّر الغذاء، فإنّ الشّعير بارد يابس، والتّمر حارّ رطب، فكان ﷺ لا يجمع بين حارّين ولا باردين، ولا مسهّلين ولا قابضين ولا غليظين، ولا بين مختلفين؛ كقابض ومسهّل.
ولم يأكل طعاما قطّ في حال شدّة حرارته، ولا طبيخا بائتا مسخّنا، ولا شيئا من الأطعمة العفنة والمالحة، فإنّ ذلك كلّه ضارّ مولّد للخروج عن الصّحّة.
وبالجملة: فكان ﷺ يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض ما وجد إليه سبيلا، ولم يشرب على طعامه لئلا يفسده، ذكره ابن القيّم.
(و) أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «الشّمائل» ، والحاكم بسند جيّد؛
(عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل) .
قال الزرقانيّ على «المواهب» : بضمّ الثّاء المثلّثة وكسرها، وقاف؛ في
стр. 790
و (الثّفل) : ما بقي من الطّعام في أسافل القدر والقصعة والصّحفة ونحوها. وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز، ...
الأصل!!: ما يثقل من كلّ شيء، وفسّر في خبر بالثّريد، وبما يقتات به، وبما يعلق بالقدر، وبطعام فيه شيء من حبّ أو دقيق.
قيل: والمراد هنا الثّريد. قال ابن الأثير: سمّي ثقلا لأنّه من الأقوات الثّقيلة، بخلاف المائعات.
(و) قال المصنّف تبعا لشرّاح «الشمائل» :
(الثّفل) - بضمّ المثلّثة وكسرها، وبسكون الفاء- (: ما بقي من الطّعام في أسافل القدر، و) الظّروف ك (القصعة والصّحفة ونحوها) . وقيل: الثّفل هو الثّريد. وهو مختار صاحب «النّهاية» ، وما فسّره به المصنّف هو الذي فسّره به شيخ التّرمذي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ رحمه الله تعالى.
قال الباجوريّ كالمناويّ، وغيره: وإنّما فسّره الراوي! حذرا من توهّم خلاف المعنى المراد. ولعلّ حكمة إعجابه ﷺ بالثّفل أنّه منضوج غاية النّضج القريب إلى الهضم، فهو أهنأ وأمرأ وألذّ.
وفيه إشارة إلى التّواضع والقناعة باليسير. وكثير من الأغنياء يتكبّرون ويأنفون من أكل الثّفل، والله جعل جميل حكمته في أقواله وأفعاله وأحواله ﷺ ، فطوبى لمن عرف قدره واقتفى أثره.
وأخرج أبو داود، وقال في بعض رواياته وهو حديث ضعيف. والحاكم وصحّحه وأقرّه الذّهبيّ كلاهما عن ابن عبّاس ﵄ قال (وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز) لمزيد نفعه، وسهولة مساغه، وتيسّر تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعة، واللذة، والقوّة وقلة المؤونة في المضغ. ولذا قال ﵊: «أثردوا ولو بالماء» رواه الطّبرانيّ، والبيهقي مبالغة في
стр. 791
والثّريد من الحيس. و (الحيس) : التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدّقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتّى يختلط.
وكان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف، ...
تأكّد طلبه، والمراد ولو مرقا يقرب من الماء.
(والثّريد من الحيس) - بفتح الحاء المهملة، وإسكان المثنّاة التّحتية وآخره سين مهملة-
(و) هو أي (الحيس: التّمر مع السّمن والأقط) لبن مجفّف منزوع الزّبد- كما تقدّم-.
(وقد يجعل عوض) أي: بدل (الأقط الدّقيق؛ أو الفتيت) - بفاء ومثنّاتين فوقيّتين، بينهما مثنّاة تحتيّة؛ بوزن شتيت-: الخبز المفتوت، فعيل بمعنى مفعول. (فيدلك الجميع حتّى يختلط) . والأصل فيه الخلط. قال الرّاجز:
التّمر والسّمن جميعا والأقط ... الحيس إلّا أنّه لم يختلط
قال ابن رسلان: وصفته أن يؤخذ التّمر أو العجوة؛ فينزع منه النّوى، ويعجن بالسّمن أو نحوه، ثم يدلك باليد حتى يصير كالثّريد، وربّما جعل معه سويق.
انتهى. ذكره العزيزيّ على «الجامع الصّغير» .
(و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف) . روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذّراع، وكان أحبّ الشّاة إليه ... الحديث.
وروى أبو الشّيخ من حديث ابن عباس: كان أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ الكتف، وإسناده ضعيف. ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: لم يكن
стр. 792
ومن القدر الدّبّاء، ومن التّمر العجوة. ودعا في العجوة بالبركة، وكان يقول: «إنّها من الجنّة وهي شفاء من السّمّ والسّحر» .
يعجبه من الشّاة إلا الكتف، وتقدّم الكلام على الكتف والذّراع بزيادة عما هنا.
(ومن القدر) أي: المطبوخ في القدر (الدّبّاء) تقدّم حديث أنس: «كان يحبّ الدّبّاء» . ولأبي الشّيخ من حديث أنس: «كان أعجب الطعام إليه الدّبّاء» .
(ومن التّمر العجوة) المراد بالعجوة عجوة المدينة المنوّرة.
قال الزّمخشريّ: العجوة تمر بالمدينة من غرس رسول الله ﷺ . وهي أجود التّمر وألينه وألذّه، وأنواع تمر المدينة مائة وعشرون نوعا.
روى أبو الشيخ من حديث ابن عباس بسند ضعيف: كان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة. وكذا رواه أبو نعيم في «الطّبّ» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (ودعا) ﷺ (في العجوة بالبركة.
وكان يقول: «إنّها من الجنّة) يريد المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة، فكأنّها منها. وقال الحليميّ: معنى كونها من الجنّة أنّ فيها شبها من ثمار الجنّة في الطّبع. فلذلك صارت شفاء من السّمّ.
وقال السمهودي: لم يزل إطباق الناس على التّبرك بالعجوة، وهو النّوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السّلف بالمدينة المنوّرة، ولا يرتابون في ذلك.
(وهي شفاء من السّمّ والسّحر» ) روى الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وأبو داود من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه:
«من تصبّح بسبع تمرات من عجوة؛ لم يضرّه في ذلك اليوم سمّ ولا سحر» .
وأخرج البزّار، والطّبرانيّ في «الكبير» من حديث عبد الله بن الأسود قال:
كنّا عند رسول الله ﷺ في وفد سدوس، فأهديناا له تمرا ... الحديث.
стр. 793
وكان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة.
وكان ﷺ يحبّ الزّبد ...
وفيه: حتّى ذكرنا له تمرا؛ فقلنا له: هذا الجذاميّ فقال: «بارك الله في الجذاميّ، وفي حديقة خرج منها هذا» ... الحديث.
قال أبو موسى المدينيّ: قيل: هو تمر أحمر.
ولأحمد والترمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه من حديث أبي هريرة:
«العجوة من الجنّة، وهي شفاء من السّمّ» .
وروى أبو نعيم في «الطب» بسند ضعيف من حديث بريدة: «العجوة من فاكهة الجنّة» ،
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم، والديلميّ من حديث رافع بن عمرو المزنيّ: «العجوة والصّخرة والشّجرة من الجنّة» .
ولابن النّجار من حديث ابن عباس: «العجوة من الجنّة، وفيها شفاء من السّمّ ... » الحديث.
(و) أخرج أبو نعيم في «الطّبّ» ، وأبو الشّيخ بإسناد ضعيف: كلاهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة) : عجوة المدينة المنورة.
(و) أخرج أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن- كما قال بعض الحفّاظ- كلاهما عن ابن بشر- بموحدة مكسورة، وشين معجمة-.
وابن بشر في الصحابة اثنان سلمانيان هما: عبد الله وعطية، فلا يعرف أيّهما المراد! قال:
(كان) رسول الله ﷺ يحبّ الزّبد) - بضمّ الزّاي، وسكون الموحّدة؛ كقفل-: ما يستخرج بالمخض من لبن بقر أو غنم، معز أو ضأن.
стр. 794
والتّمر. وكان ﷺ يحبّ من البقول الهندباء، والشّمر، والرّجلة.
وأمّا لبن الإبل! فلا يسمّى ما يستخرج منه زبدا، بل يقال له «حباب»
(والتّمر) - بمثناة فوقيّة- يعني: يحبّ الجمع بينهما في الأكل، لأنّ الزّبد حارّ رطب، والتّمر بارد يابس.
وفي جمعه بينهما من الحكمة إصلاح كلّ منهما بالآخر.
قال النّوويّ: فيه جواز أكل شيئين من فاكهة وغيرها معا، وجواز أكل طعامين معا؛ وجواز التوّسع في المطاعم. ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك!!
وما نقل عن السّلف من خلافه! محمول على الكراهة في التّوسّع والترفّه والإكثار لغير مصلحة دينيّة.
وقال القرطبيّ: ويؤخذ منه مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللائق على قاعدة الطّبّ.
(و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يحبّ من البقول الهندباء) - بكسر الهاء وسكون النّون وفتح الدّال المهملة، وقد تكسر مقصورة وتمدّ-: بقلة معروفة، تسمى عند بعض الناس ب «السّالط» وبعضهم يسمّيها ...
روى أبو نعيم في «الطّب» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «عليكم بالهندباء، فإنّه ما من يوم إلّا وهو يقطر عليه قطرة من قطر الجنّة» .
وفي سنده عمرو بن أبي سلمة. ضعّفه ابن معين وغيره!!
ولأبي نعيم، من حديث الحسن بن عليّ، وأنس بن مالك نحوه، وكلّها ضعيفة!
(والشّمر) - بالشين المعجمة، والميم المفتوحتين بغير ألف؛ هو: الشّمار- بألف؛ كسحاب- وهو الرازيانج، (والرّجلة) - بكسر الرّاء، وإسكان الجيم- هي البقلة الحمقاء.
стр. 795
وكان ﷺ يحبّ القثّاء.
وكان ﷺ يحبّ الجذب.
و (الجذب) : الجمّار؛ وهو: شحم النّخل، واحدته: جذبه.
سمّيت بذلك!! لأنّها تنبت على طرق النّاس فتداس، وفي مسيل الماء فيقتلعها ماء السّيل، وأصل الرّجلة: المسيل، فسمّيت به البقلة، ومنه قولهم «أحمق من رجلة» ؛ يعنون هذه البقلة.
روى أبو نعيم في «الطب» من رواية ثوير قال: مرّ النبيّ ﷺ بالرّجلة؛ وفي رجله قرحة فداواها بها فبرئت، فقال رسول الله ﷺ : «بارك الله فيك، انبتي حيث شئت؛ أنت شفاء من سبعين داء، أدناها الصّداع» وهو مرسل ضعيف.
(و) أخرج الطّبرانيّ في «الكبير» عن الرّبيّع- بضمّ الرّاء، وفتح الموحّدة وشدّ المثناة التحتيّة المكسورة مصغّرا مثقّلا- بنت معوّذ- بصيغة اسم الفاعل- الأنصارية النّجّاريّة؛ من صغار الصّحابة- بإسناد حسن- قالت:
(كان) رسول الله ﷺ يحبّ القثّاء) - بكسر القاف أكثر من ضمّها ممدودا-:
نوع من الخيار أخفّ منه. وقيل: هو اسم جنس لما يقول له الناس الخيار والعجّور والفقّوس؛ واحدته قثاءة، وإنّما كان يحبّها!! لإنعاش ريحها للروح وإطفائها لحرارة المعدة الملتهبة؛ سيما في أرض الحجاز، ولكونها بطيئة الانحدار عن المعدة، وكان كثيرا ما يعدّلها بنحو رطب أو تمر أو عسل كما سيأتي.
(و) في «النهاية» لابن الأثير: (كان) رسول الله ﷺ يحبّ الجذب) ؛ بالجيم والذّال المعجمة المفتوحتين. (والجذب: الجمّار) - بضم الجيم، وفتح الميم المشدّدة- (وهو: شحم النّخل) وهو قلبها، (واحدته جذبه) ؛ بالهاء.
ورطبه الحلو بارد يابس في الأولى، وقيل في الثانية يعقل البطن.
وينفع من المرّة الصّفراء، والحرارة والدم الحاد، وينفع من الشّرى أكلا وضمادا، وكذا من الطاعون، ويختم القروح، وينفع من خشونة الحلق، نافع للسع
стр. 796
وكان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين؛ لمكانهما من البول.
وكان لا يأكل من الشّاة سبعا: الذّكر، والأنثيين، والحيا- وهو الفرج-
الزّنبور ضمادا. انتهى «زرقاني» .
وفي البخاريّ عن ابن عمر: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ وهو يأكل جمّارة نخل ... الحديث.
(و) أخرج ابن السّنّي في كتاب «الطبّ النبويّ» ، وفي جزء من حديث أبي بكر محمد بن عبد الله بن الشخّير؛ من حديث ابن عباس بسند ضعيف، فيه أبو سعيد الحسن بن علي العدولي «أحد الكذّابين؛ كما قال العراقيّ» قال:
(كان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين) - تثنية كلية؛ وهي من الأحشاء معروفة، والكلو والكلوة- بالواو- لغة لأهل اليمن، وهما بضمّ الكاف ولا تكسر.
وقال الأزهريّ: الكليتين للإنسان ولكلّ حيوان، وهما منبت زرع الولد (لمكانهما) أي: لقربهما (من البول) لأنّهما كما في «التهذيب» : لحمتان حمراوان لاصقتان بعظم الصّلب عند الخاصرتين، فهما مجاورتان لتكوّن البول، وتجمّعه فتعافهما النفس، ومع ذلك يحلّ أكلهما!.
(و) في «كشف الغمة» و «الإحياء» : (كان) ﷺ (لا يأكل من الشّاة) :
الواحدة من الغنم؛ للذكر والأنثى والمعز والضّأن (سبعا) مع كونها حلالا: (الذّكر، والأنثيين) أي: الخصيتين (والحيا) قال العزيزيّ بالقصر (وهو الفرج) . قال ابن الأثير: الحياء ممدود: الفرج من ذوات الخفّ والظّلف؛ نقله عنه المناويّ في «شرح الجامع» ، والزّبيديّ في «شرح الإحياء» ساكتين عليه، لكن قال الحفنيّ على «الجامع» الحيا- بالقصر، وقول بعض الشرّاح بالمدّ غير ظاهر.
وفي «القاموس» : ما يؤيّد كلاميهما، فإنه قال: الحياء الفرج من ذوات
стр. 797
والدّم، والمثانة، والمرارة، والغدد. ويكره لغيره أكلها.
الخفّ والظّلف والسّباع، وقد يقصر. قال في «شرحه» : قال الأزهريّ: وهو خطأ لا يجوز قصره إلا لشاعر ضرورة، وما جاء عن العرب إلا ممدودا!!!
وإنّما سمّي حياء باسم الحياء من الاستحياء، لأنه يستر عن الآدميّ من الحيوان ويستفحش التّصريح بذكره واسمه الموضوع له، ويستحى من ذلك ويكنّى عنه.
انتهى ملخصا
(والدّم) غير المسفوح كالكبد والطّحال؛ وأكله من كبد أضحيته؛ لبيان الجواز، وإشارة إلى طلب أكل شيء من الأضحية، أمّا الدّم المسفوح فحرام، والكلام في الحلال الّذي تعافه النّفس.
(والمثانة) وهي: مجمع البول، (والمرارة) وهي: ما في جوف الحيوان، فيها ماء أخضر، وكل حيوان له مرارة، إلّا الجمل فلا مرارة له، (والغدد) جمع غدّة- بالضّمّ- وهي: لحم يحدث من داء بين الجلد واللّحم، يتحرّك بالتّحريك، والغدّة للبعير؛ كالطّاعون للإنسان.
وإنّما لم يأكل هذه المذكورات! لأنّ الطّبع السّليم يعاف هذه الأشياء، وليس كلّ حلال تطيب النّفس لأكله.
(ويكره لغيره أكلها) ، قال الخطابي: الدّم حرام إجماعا، وعامّة المذكورات معه مكروهة لا محرّمة، وقد يجوز أن يفرق بين القرائن التي جمعها نظم واحد؛ بدليل يقوم على بعضها، فيحكم له بخلاف حكم صواحباتها. انتهى.
وردّه أبو شامة بأنّه لم يرد بالدّم هنا ما فهمه الخطّابي، فإنّ الدّم المحرّم بالإجماع قد انفصل من الشّاة وخلت منه عروقها، فكيف يقول الرّاوي: كان يكره من الشّاة. - يعني: بعد ذبحها- سبعا، والسّبع موجودة فيها.
وأيضا؛ فمنصبه ﷺ يجلّ عن أن يوصف بأنّه كره شيئا هو منصوص على تحريمه على النّاس كافّة، وكان أكثرهم يكرهه قبل تحريمه، ولا يقدم على أكله إلّا الجفاة في شظف من العيش وجهد من القلّة.
стр. 798
وكان ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين.
وكان ﷺ يعاف الضّبّ، ...
وإنّما وجه هذا الحديث المنقطع الضعيف: أنه كره من الشّاة ما كان من أجزائها دما منعقدا مما يحلّ أكله، لكونه دما غير مسفوح، كما في خبر: «أحلّ لنا ميتتان ودمان» . فكأنّه أشار بالكراهة إلى الكبد والطّحال مما ثبت أنّه أكله!! والله أعلم.
انتهى من شرح «الإحياء» ، ومن شرح المناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث رواه الطّبراني في «الأوسط» ؛ من حديث ابن عمر، وفيه يحيى الحمّاني، وهو ضعيف. ورواه البيهقي؛ عن مجاهد مرسلا. ورواه ابن عدي، والبيهقي؛ عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال البيهقي:
ووصله لا يصحّ.
ولفظ الحديث: كان ﷺ يكره من الشّاة سبعا: المرارة والمثانة والحيا والذّكر والأنثيين والغدّة والدّم؛ وكان أحبّ الشّاة إليه مقدّمها. انتهى.
(و) أخرج ابن صصرى في «أماليه الحديثيّة» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما وهو حديث حسن لغيره؛ قال: (كان) رسول الله ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين) - بضم الكاف- تثنية كلية، لقربهما من محل البول، وتمام الحديث: ولا الضّبّ؛ من غير أن يحرّمها. انتهى. أي: كان يعاف المذكورات من غير أن يحرّمها، وقد أكل الضّبّ على مائدته؛ وهو ينظر!!.
(و) في «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يعاف الضّبّ) وهو دابّة من الحشرات، وهو أنواع، فمنها ما هو على قدر الجرذون، ومنها أكبر منه، ومنها دون العنز، وهو أعظمها.
وهو يعيش سبعمائة عام، ولا يشرب الماء، بل يكتفي بالنّسيم، ويبول في كل أربعين يوما قطرة، وأسنانه قطعة واحدة معوجة، وإذا فارق جحره لم يعرفه، ويبيض كالطير، ومن عجيب خلقه أن الذكر له زبّان، والأنثى لها فرجان تبيض
стр. 799
والطّحال، ولا يحرّمهما.
وكان ﷺ لا يأكل الثّوم ...
منهما، وذنب الضّبّ ذو عقد، والضّبّ يتلوّن ألوانا نحو الشّمس؛ كما تتلوّن الحرباء، وهو أحرش الذّنب خشنه مفقّره، ولونه إلى الصحمة؛ وهو غبرة مشربة سوادا، وإذا سمن اصفرّ صدره، ولا يأكل إلّا الجنادب والدّبا والعشب، ولا يأكل الهوام. انتهى «شرح القاموس» مع زيادة من «المصباح» .
(و) يعاف (الطّحال) - بكسر الطّاء- معروف، ويقال: هو لكل ذي كرش، إلّا الفرس فلا طحال له، والجمع طحالات، وأطحلة؛ مثل لسان وألسنة، وطحل؛ مثل كتاب وكتب.
(ولا يحرّمهما) ، أما الضّبّ!
ففي «الصّحيحين» ؛ من حديث ابن عباس: «لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» .
وفي «الصّحيحين» من حديث ابن عمر: «لست باكله ولا محرمه» .
وأما الطّحال!
فروى ابن ماجه من حديث ابن عمر: «أحلّت لنا ميتتان ودمان» .
وفيه: «وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» . وللبيهقي موقوفا على زيد بن ثابت:
«إنّي لا آكل الطّحال، وما بي إليه حاجة؛ إلّا ليعلم أهلي أنّه لا بأس به» .
وقد سبق قريبا حديث ابن صصرى في «أماليه» : كان لا يأكل الجراد ولا الكلوتين، ولا الضّبّ من غير أن يحرّمهما.
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» ، والخطيب في «التاريخ» ، والدّارقطني في «غرائب مالك» : كلهم؛ عن أنس بن مالك، وهو حديث حسن لغيره- كما في «العزيزي» - قال:
(كان) رسول الله ﷺ لا يأكل الثّوم) - بضم المثلّثة- أي: النّيء؛
стр. 800
ولا البصل، ولا الكرّاث؛ من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل. وما ذمّ ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه..
أكله، وإلّا.. تركه.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأتيني فيقول: «أعندك غداء» ، ...
(ولا البصل) أي: النّيء، (ولا الكرّاث) - بضم الكاف، وقد تفتح؛ مع تشديد الرّاء فيهما، بوزن رمّان وكتّان- (من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل) ، فكان يكره أكل ذلك؛ خوفا من تأذّي الملائكة به.
(و) في «الإحياء» : (ما ذمّ) رسول الله ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله وإلّا تركه) . رواه البخاري ومسلم، ولفظه: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. وفي رواية لمسلم: وإن لم يشتهيه سكت.
قال النّوويّ في «شرح مسلم» : هذا أدب من آداب الطّعام، كقوله: مالح، قليل الملح، حامض رقيق، غليظ غير ناضج، أو نحو ذلك.
وأما حديث ترك أكل الضب! فليس هو من عيب الطّعام، وإنّما هو إخبار بأنّ هذا الطّعام الخاصّ لا أشتهيه. انتهى.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» (عن عائشة أمّ المؤمنين) إنّما سمّيت زوجات النّبيّ ﷺ أمّهات المؤمنين!! لحرمتهنّ عليهم. وقيل: لوجوب رعايتهنّ واحترامهنّ. وعلى الأوّل؛ فلا يقال: أمّهات المؤمنات، وعلى الثّاني! يقال ذلك. (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان النّبيّ ﷺ يأتيني) أي: في أوّل النّهار؛ (فيقول: «أعندك غداء» ) - بفتح الغين المعجمة وبالدّال المهملة مع المدّ-؛ وهو: الطّعام الّذي يؤكل أوّل
стр. 801
فأقول: لا، فيقول: «إنّي صائم» ، قالت: فأتاني يوما؛ فقلت: يا رسول الله؛ إنّه أهديت لنا هديّة، قال: «وما هي؟» ، قلت: حيس ...
النّهار، وأمّا بكسر الغين المعجمة وبالذّال المعجمة أيضا! فهو ما يؤكل على وجه التّغذّي، مطلقا، فيشمل العشاء كما يشمل الغداء.
(فأقول: لا) أي: ليس عندي غداء. (فيقول: «إنّي صائم» ) أي: ينوي الصّوم بهذه العبارة، وهو صريح في جواز نيّة صوم النّفل نهارا «١» ، لكن إلى الزّوال عند الشّافعي، وأوجب مالك التّبييت كالفرض لإطلاق خبر «من لم يبيّت الصّيام فلا صيام له» . وحمل «إنّي صائم» ؛ على أنّي كنت.
وأجيب بأنّه تأويل بعيد عن ظاهر اللّفظ، والأصل تراخي رتبة النّفل عن الفرض، فلا يشكل الفرق بينهما، وفي قوله: «إنّي صائم» إيماء إلى أنّه لا بأس بإظهار النّفل لقصد التّعليم.
(قالت: فأتاني يوما، فقلت: يا رسول الله، إنّه أهديت) بصيغة المجهول، أي: أرسلت (لنا هديّة، قال: «وما هي» ؟ قلت: حيس) - بفتح الحاء المهملة، وسكون التّحتيّة وفي آخره سين مهملة- وهو التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتى يختلط، قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدّكم الصّغار بعينه ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
عجب لتلك قضيّة، وإقامتي ... فيكم على تلك القضيّة أعجب
стр. 802
قال: «أما إنّي أصبحت صائما» ، قالت: ثمّ أكل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. سأل عنه:
«أهديّة أم صدقة؟» ، فإن قيل صدقة.. قال لأصحابه: «كلوا» ، ولم يأكل. وإن قيل هديّة.. ضرب بيده فأكل معهم.
وكان ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر ...
(قال: «أما) - بالتّخفيف؛ للتّنبيه- (إنّي أصبحت صائما» ) إخبار عن كونه صائما، فيكون قد نوى من اللّيل. (قالت: ثمّ أكل) ، هذا صريح في حلّ قطع النّفل، - وهو مذهب الشّافعي كالأكثر- ويوافقه خبر «الصّائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» . وأمّا قوله تعالى وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) [محمد] ! فهو في الفرض وجوبا، والنّفل ندبا؛ جمعا بين الأدلة.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم والنّسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتي) بالبناء للمجهول (بطعام) - زاد في رواية الإمام أحمد: من غير أهله- (سأل عنه) ممن أتى به (: «أهديّة أم صدقة؟» ) - بالرّفع، خبر مبتدأ محذوف- أي: هذا، أي: عيّنوا لي أحد الأمرين.
(فإن قيل:) هو (صدقة؛ قال لأصحابه) أي: من حضر منهم (: «كلوا» ، ولم يأكل) هو منه، لأنّ الصّدقة حرام عليه.
(وإن قيل:) هو (هديّة) - بالرّفع- (ضرب بيده) أي: مدّ يده وشرع في الأكل مسرعا؛ (فأكل معهم) من غير تحام عنه؛ تشبيها للمدّ بالذّهاب سريعا في الأرض، فعدّاه بالباء، وذلك لأن الهدية يقصد فيها إكرام المهدى إليه، والصّدقة لم يقصد بها ذلك، بل يقصد بها ثواب الآخرة، ففيها نوع ذلّ للآخذ.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» والبزّار بإسناد صحيح؛ عن عمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر
стр. 803
صاحبها أن يأكل منها؛ للشّاة الّتي أهديت له.
وكان له ﷺ لقاح وغنم يتقوّت من ألبانها هو وأهله، وكان لا يحبّ أن تزيد على مئة، وإن زادت.. ذبح الزّائد.
وكان له جيران ...
صاحبها أن يأكل منها. للشّاة) أي: لأجل قصّة الشّاة (الّتي أهديت له) يوم خيبر؛ وفيها سمّ، فأكلوا منها، فمات بعض أصحابه، وصار المصطفى ﷺ يعاوده الأذى منها حتّى توفاه الله تعالى إلى كرامته.
(و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان له ﷺ لقاح) - بكسر اللّام فقط، وخفة القاف، جمع لقحة؛ بكسر اللام وفتحها- هي:
النّاقة القريبة العهد بالولادة، إلى ثلاثة أشهر، ثمّ هي بعد الثلاثة لبون، وجاء اللّقحة في البقر والغنم أيضا، فمن لقاحه: القصواء والعضباء.
قال ابن القيّم في «الهدي النبوي» : كانت له خمسة وأربعون لقحة؛ منها:
أطلال وأطراف وبرده، والبغوم والحنّا والرّيا، والسّعدية والسّمراء والشّقراء، والعريّس ومروة ومهرة.
(و) كان له (غنم) ، منها شاة تسمّى: زمزم والسّقيا وعجرة وغوثة- وقيل غيثة- وقمر واليمن (يتقوّت من ألبانها) أي: اللّقاح والغنم (هو وأهله.
وكان) له مائة شاة (لا يحبّ أن تزيد على مائة، وإن زادت؟ ذبح الزّائد) رواه أبو داود من حديث لقيط بن صبرة العقيلي؛ عن النبي ﷺ ، ولفظه:
لنا غنم مائة، لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولّد الرّاعي بهمة ذبحنا مكانها شاة ... الحديث.
(وكان له جيران) - بكسر الجيم- جمع جار، وهو المجاور في السّكن من الأنصار؛ سعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وأبو أيّوب خالد بن زيد،
стр. 804
لهم منائح، يرسلون له من ألبانها فيأكل منها ويشرب، وكان له ﷺ سبعة أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن حاضنته ﷺ .
وسعد بن زرارة، وغيرهم؛ قاله الحافظ ابن حجر.
(لهم منائح) - بنون، وآخره حاء مهملة-: جمع منيحة، وهي العطيّة لفظا ومعنى، أي: غنم فيها لبن، وأصلها: عطيّة النّاقة؛ أو الشّاة، وقيل: لا يقال:
منيحة إلّا للنّاقة، وتستعار للشّاة.
قال الحربي: يقولون: منحتك النّاقة. وأعريتك النّخلة، وأعمرتك الدّار، وأخدمتك العبد، وكل ذلك هبة منافع؛ لا رقبة. فظهر بهذا أنّ المنيحة في الأصل شاة أو بقرة يعطيها صاحبها لمن يشرب لبنها، ثمّ يردّها إذا انقطع اللّبن، ثمّ كثر استعمالها حتى أطلق على كل شاة أو بقرة معدّة لشرب لبنها.
لكنّ المراد هنا الشّياه، فقد قال اليعمري: وأمّا البقر! فلم ينقل أنّه ﷺ ملك منها شيئا. انتهى. أي: للقنية، فلا يرد عليه ما في «الصّحيح» أنّه ﷺ ضحّى عن نسائه بالبقر في حجّة الوداع!! قاله الزّرقاني رحمه الله تعالى.
(يرسلون له) ﷺ (من ألبانها فيأكل منها، ويشرب) هو وأهل بيته، (وكان له ﷺ سبعة أعنز) - جمع عنز، وهي: الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول- (منائح ترعاهنّ أمّ أيمن) : بركة الحبشية؛ (حاضنته ﷺ .
روى محمد بن سعد «كاتب الواقديّ» في «الطّبقات» ؛ من حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان عيشنا مع رسول الله ﷺ اللّبن- أو قالت: أكثر عيشنا-.
كانت لرسول الله ﷺ بالغابة ... الحديث.
وفي رواية له: كانت لنا أعنز سبع، فكان الراعي يبلغ بهن مرة الجمد، ومرة أحدا ويروح بهن علينا، وكانت لرسول الله ﷺ لقاح بذي الجدر، فيثوب إلينا ألبانها بالليل ... الحديث.
وفي إسنادهما محمد بن عمر الواقدي!! ضعيف في الحديث.
стр. 805
وكان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب.
وكان ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد، ...
وفي «الصحيحين» من حديث سلمة بن الأكوع: كانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد ... الحديث. وقد تقدم حديث «الصحيحين» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وفيه: كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار؛ وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه.
(و) في «كشف الغمة» : (كان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب) تقدّم أنه ﷺ خرج إلى بستان أبي الهيثم بن التيّهان فيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة؛ وقال: حسن غريب صحيح.
والقصة عند مسلم لكن ليس فيها ذكر لأبي الهيثم، وإنما قال «رجل من الأنصار» !!
وكذلك خرج ﷺ إلى بستان أبي أيوب الأنصاري؛ كما رواه الطبراني في «المعجم الصغير» من حديث ابن عباس بسند ضعيف.
وخرج أيضا إلى بساتين غيرهما؛ كما ذكره في «شرح الإحياء» .
(و) في «كشف الغمة» و «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد) . قال العراقي: رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أنس:
كان يجيب دعوة المملوك. قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: بل ضعيفه.
وللدارقطني في «غرائب مالك» والخطيب في «أسماء رواة مالك» ؛ من حديث أبي هريرة: كان يجيب دعوة العبد إلى أيّ طعام دعي، ويقول: «لو دعيت إلى كراع لأجبت» .
وهذا بعمومه دالّ على إجابة دعوة الحرّ، وهذه القطعة الأخيرة عند البخاري؛ من حديث أبي هريرة. وروى ابن سعد من رواية حمزة بن عبد الله بن عتبة: كان
стр. 806
ويقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها ويأكلها؛ ولا يأكل الصّدقة.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد.. أعلم به ربّ المنزل؛ ...
لا يدعوه أحمر ولا أسود من النّاس إلّا أجابه ... الحديث، وهو مرسل. انتهى.
(و) كان رسول الله ﷺ (يقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها) .
قال العراقيّ: روى البخاريّ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وأمّا ذكر جرعة اللّبن وفخذ الأرنب!! ففي «الصحيحين» من حديث أمّ الفضل أنّها أرسلت بقدح من اللّبن إلى النّبي ﷺ ؛ وهو واقف بعرفة، فشربه.
ولأحمد من حديث عائشة: أهدت أمّ سلمة لرسول الله ﷺ . انتهى.
قلت: والّذي رواه البخاريّ من جهة قبول الهديّة والإثابة عليها رواه كذلك أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «السنن» ؛ وفي «الشمائل» .
ومعنى «يثيب عليها» - أي: يجازي عليها- فيسنّ التّأسّي به ﷺ ، ولكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قوية فيها، وندب الإثابة حيث لم يظنّ المهدى إليه: أنّ المهدي إنّما أهدى له حياء؛ لا في مقابل، فأمّا إذا ظنّ أنّ الباعث عليه إنّما هو الإثابة!! فلا يجوز له إلّا إن أثابه بقدر ما في ظنّه مما تدلّ عليه قرائن حاله؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) كان ﷺ (يأكلها) ؛ أي: الهدية، (ولا يأكل الصّدقة) .
رواه الشّيخان؛ من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد والطّبراني؛ من حديث سلمان، ورواه ابن سعد؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
(وكان) رسول الله ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد؛ أعلم به ربّ المنزل) ،
стр. 807
فيقول: «إنّ هذا تبعنا، فإن شئت.. رجع» .
وكان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده.
كما في البخاريّ ومسلم وغيرهما؛ عن أبي مسعود الأنصاري قال:
كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحّام، فقال: اجعل لي طعاما يكفي خمسة، فإنّي أريد أن أدعو رسول الله ﷺ ، وقد عرفت في وجهه الجوع!! فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة؛ فتبعهم رجل، فقال النّبيّ ﷺ :
«إنّك دعوتني خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا!! فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته» . قال: بل أذنت له.
وفي رواية: «اتّبعنا» ، بالتّشديد. وفي رواية: «لم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل» . وفي أخرى: «وإن شئت أن يرجع رجع» ، وفي رواية:
«وإن شئت رجع» ، فقال: لا، بل أذنت له يا رسول الله.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرّجل في شيء من طرق هذا الحديث، ولا اسم واحد من الأربعة، ولا اسم الغلام اللّحام!!
(فيقول: «إنّ هذا تبعنا) - بفتح المثنّاة الفوقيّة، وكسر الموحّدة، كما ضبطه القسطلاني كغيره- أي: تبعنا من غير طلب له. (فإن شئت رجع» ) ؛
ففيه أنّ من تطفّل في الدّعوة كان لصاحبها الخيار في حرمانه، فإن دخل بلا إذن فله إخراجه، وحرمة التّطفّل ما لم يعلم رضا المالك به، لما بينهما من أنس وانبساط.
وقيّد بالدّعوة الخاصّة. أمّا العامّة! كأن فتح الباب ليدخل من شاء فلا تطفّل.
وفي «سنن أبي داود» بسند ضعيف؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رفعه: «من دخل بغير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا» .
(و) أخرج الطّبراني، والخرائطي: (كان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده) .
стр. 808
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي. وكان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ،
(و) يؤيّده ما أخرجه أبو يعلى، والطّبراني في «الأوسط» ، وابن عدي في «الكامل» ، وابن حبّان، والبيهقي، والضّياء؛ من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، - بإسناد حسن؛ كما قال العراقي- قال:
(كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي) ، لما فيه من السّخاء بالطّعام وقلّة الأكل وكثرة البركة
(و) في «المواهب» : (كان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا) .
وفي حديث أبي هريرة ما يؤيّد ذلك في قصّة شرب اللبن، وقوله مرارا «اشرب» ، فما زال يقول «اشرب» حتّى قال أبو هريرة: والّذي بعثك بالحقّ لا أجد له مسلكا. رواه البخاري مطوّلا في كتاب «الرّقاق» ؛ من «صحيحه» .
(و) في «المواهب» و «الشّفاء» :
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا) - بكسر الشّين المعجمة، وفتح الباء، وهو تمييز، أو مفعول له- (قطّ) ، بل كان إذا تغدّى لم يتعشّ، وإذا تعشّى لم يتغدّ.
رواه أبو نعيم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وقد تقدّم.
وقول عائشة «لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قط» ! محمول على الشّبع الّذي يثقل المعدة، ويثبّط عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر والنّوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التّحريم؛ بحسب ما يترتّب عليه من المفسدة.
стр. 809
وإنّه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه.. أكل، وما أطعموه.. [قبله] ، وما سقوه.. شرب.
وكان ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه، أو يشرب.
وليس المراد الشّبع النّسبيّ المعتاد في الجملة، ففي «صحيح مسلم» خروجه ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر من الجوع وذهابهم إلى بيت الأنصاري، وذبحه الشّاة، وفيه: فلما أن شبعوا ورووا!!. قال النّووي: فيه جواز الشّبع.
وما جاء في كراهته! محمول على المداومة عليه، فلا ينافي هذا الحديث وغيره من الأحاديث الدّالّة على جوازه، وقد ترجم البخاري «باب من أكل حتّى شبع» ، وأورد حديث دخوله ﷺ منزل أبي طلحة، وقوله له: «اذن لعشرة ثمّ عشرة» ، فأكل القوم كلّهم وشبعوا، وهم ثمانون، وحديث أبي بكر: كنّا مع النّبيّ ﷺ ثلاثين ومائة ... الحديث؛ وفيه: فأكلنا أجمعون، وشبعنا.
(وأنّه) ﷺ (كان في أهله لا يسألهم طعاما) ، أي: لا يكلّفهم شيئا ليس عندهم، أو ما لا يريدون إحضاره لغرض آخر يتعلّق بهم، فلا ينافيه قوله: «هل عندكم من غداء؟» .
(ولا يتشهّاه) إذ التّشهّي آية الحبّ، وهو منزّه عنه!
(إن أطعموه أكل، وما أطعموه) قدّموه له ليأكله ( [قبله] ) منهم، فيأكل منه.
(وما سقوه) من الأشربة لبن أو غيره (شرب) ، وهذا كان غالب أحواله ﷺ .
(و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه! أو يشرب) . أخرج التّرمذي وصحّحه، وابن ماجه؛ عن كبشة:
دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلّقة قائما ... الحديث.
وقد تقدّم حديث أبي داود والتّرمذي و «الشّمائل» ؛ عن أمّ المنذر بنت قيس:
стр. 810
وعن سلمان ...
دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ، وعليّ ناقه، ولنا دوال معلّقة، فقام رسول الله ﷺ ، فأكل منها ... الحديث، وإسناده حسن كما قال العراقي.
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ (عن) أبي عبد الله (سلمان) الفارسيّ «مولى رسول الله ﷺ » سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام؛ لأنّه كان لا ينتسب إلى أب.
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا انتسبوا لقيس أو تميم
أصله من فارس، من جيّ- بفتح الجيم وتشديد الياء-: قرية من قرى أصبهان، وقيل: من «رام هرمز» .
وسبب إسلامه مشهور، وأنّه هرب من أبيه؛ وكان مجوسيّا؛ فلحق براهب، ثمّ جماعة من الرّهبان.. واحد بعد واحد، يصحبهم إلى وفاتهم، إلى أن دلّه الأخير على الذّهاب إلى الحجاز، وأخبره بظهور النّبيّ ﷺ ، فقصده مع عرب، فغدروا به؛ وباعوه في وادي القرى ليهودي.
ثم اشتراه منه يهودي من قريظة، فقدم به المدينة، فأقام بها مدّة حتى قدمها رسول الله ﷺ ؛ فأتاه بصدقة، فلم يأكل منها، ثمّ بعد مدّة أتاه بهديّة فأكل منها، ثمّ رأى خاتم النّبوّة، وكان الرّاهب الأخير وصف له هذه العلامات الثّلاث للنّبيّ ﷺ .
قال سلمان: فرأيت الخاتم، فقبّلته وبكيت، فأجلسني رسول الله ﷺ بين يديه، فحدّثني بشأني كله، وفاتني معه بدر وأحد بسبب الرّقّ، وأوّل مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، ولم يتخلّف عن مشهد بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدّرداء.
وكان من فضلاء الصّحابة وزهّادهم وعلمائهم وذوي القرب من رسول الله ﷺ ، وهو الّذي أشار على رسول الله ﷺ بحفر الخندق يوم الأحزاب.
وسكن العراق، وكان يعمل الخوص بيده؛ فيأكل منه، وكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج فرّقه.