ويقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها ويأكلها؛ ولا يأكل الصّدقة.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد.. أعلم به ربّ المنزل؛ ...
لا يدعوه أحمر ولا أسود من النّاس إلّا أجابه ... الحديث، وهو مرسل. انتهى.
(و) كان رسول الله ﷺ (يقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها) .
قال العراقيّ: روى البخاريّ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وأمّا ذكر جرعة اللّبن وفخذ الأرنب!! ففي «الصحيحين» من حديث أمّ الفضل أنّها أرسلت بقدح من اللّبن إلى النّبي ﷺ ؛ وهو واقف بعرفة، فشربه.
ولأحمد من حديث عائشة: أهدت أمّ سلمة لرسول الله ﷺ . انتهى.
قلت: والّذي رواه البخاريّ من جهة قبول الهديّة والإثابة عليها رواه كذلك أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «السنن» ؛ وفي «الشمائل» .
ومعنى «يثيب عليها» - أي: يجازي عليها- فيسنّ التّأسّي به ﷺ ، ولكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قوية فيها، وندب الإثابة حيث لم يظنّ المهدى إليه: أنّ المهدي إنّما أهدى له حياء؛ لا في مقابل، فأمّا إذا ظنّ أنّ الباعث عليه إنّما هو الإثابة!! فلا يجوز له إلّا إن أثابه بقدر ما في ظنّه مما تدلّ عليه قرائن حاله؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) كان ﷺ (يأكلها) ؛ أي: الهدية، (ولا يأكل الصّدقة) .
رواه الشّيخان؛ من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد والطّبراني؛ من حديث سلمان، ورواه ابن سعد؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
(وكان) رسول الله ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد؛ أعلم به ربّ المنزل) ،
стр. 807
فيقول: «إنّ هذا تبعنا، فإن شئت.. رجع» .
وكان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده.
كما في البخاريّ ومسلم وغيرهما؛ عن أبي مسعود الأنصاري قال:
كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحّام، فقال: اجعل لي طعاما يكفي خمسة، فإنّي أريد أن أدعو رسول الله ﷺ ، وقد عرفت في وجهه الجوع!! فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة؛ فتبعهم رجل، فقال النّبيّ ﷺ :
«إنّك دعوتني خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا!! فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته» . قال: بل أذنت له.
وفي رواية: «اتّبعنا» ، بالتّشديد. وفي رواية: «لم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل» . وفي أخرى: «وإن شئت أن يرجع رجع» ، وفي رواية:
«وإن شئت رجع» ، فقال: لا، بل أذنت له يا رسول الله.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرّجل في شيء من طرق هذا الحديث، ولا اسم واحد من الأربعة، ولا اسم الغلام اللّحام!!
(فيقول: «إنّ هذا تبعنا) - بفتح المثنّاة الفوقيّة، وكسر الموحّدة، كما ضبطه القسطلاني كغيره- أي: تبعنا من غير طلب له. (فإن شئت رجع» ) ؛
ففيه أنّ من تطفّل في الدّعوة كان لصاحبها الخيار في حرمانه، فإن دخل بلا إذن فله إخراجه، وحرمة التّطفّل ما لم يعلم رضا المالك به، لما بينهما من أنس وانبساط.
وقيّد بالدّعوة الخاصّة. أمّا العامّة! كأن فتح الباب ليدخل من شاء فلا تطفّل.
وفي «سنن أبي داود» بسند ضعيف؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رفعه: «من دخل بغير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا» .
(و) أخرج الطّبراني، والخرائطي: (كان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده) .
стр. 808
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي. وكان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ،
(و) يؤيّده ما أخرجه أبو يعلى، والطّبراني في «الأوسط» ، وابن عدي في «الكامل» ، وابن حبّان، والبيهقي، والضّياء؛ من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، - بإسناد حسن؛ كما قال العراقي- قال:
(كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي) ، لما فيه من السّخاء بالطّعام وقلّة الأكل وكثرة البركة
(و) في «المواهب» : (كان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا) .
وفي حديث أبي هريرة ما يؤيّد ذلك في قصّة شرب اللبن، وقوله مرارا «اشرب» ، فما زال يقول «اشرب» حتّى قال أبو هريرة: والّذي بعثك بالحقّ لا أجد له مسلكا. رواه البخاري مطوّلا في كتاب «الرّقاق» ؛ من «صحيحه» .
(و) في «المواهب» و «الشّفاء» :
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا) - بكسر الشّين المعجمة، وفتح الباء، وهو تمييز، أو مفعول له- (قطّ) ، بل كان إذا تغدّى لم يتعشّ، وإذا تعشّى لم يتغدّ.
رواه أبو نعيم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وقد تقدّم.
وقول عائشة «لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قط» ! محمول على الشّبع الّذي يثقل المعدة، ويثبّط عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر والنّوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التّحريم؛ بحسب ما يترتّب عليه من المفسدة.
стр. 809
وإنّه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه.. أكل، وما أطعموه.. [قبله] ، وما سقوه.. شرب.
وكان ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه، أو يشرب.
وليس المراد الشّبع النّسبيّ المعتاد في الجملة، ففي «صحيح مسلم» خروجه ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر من الجوع وذهابهم إلى بيت الأنصاري، وذبحه الشّاة، وفيه: فلما أن شبعوا ورووا!!. قال النّووي: فيه جواز الشّبع.
وما جاء في كراهته! محمول على المداومة عليه، فلا ينافي هذا الحديث وغيره من الأحاديث الدّالّة على جوازه، وقد ترجم البخاري «باب من أكل حتّى شبع» ، وأورد حديث دخوله ﷺ منزل أبي طلحة، وقوله له: «اذن لعشرة ثمّ عشرة» ، فأكل القوم كلّهم وشبعوا، وهم ثمانون، وحديث أبي بكر: كنّا مع النّبيّ ﷺ ثلاثين ومائة ... الحديث؛ وفيه: فأكلنا أجمعون، وشبعنا.
(وأنّه) ﷺ (كان في أهله لا يسألهم طعاما) ، أي: لا يكلّفهم شيئا ليس عندهم، أو ما لا يريدون إحضاره لغرض آخر يتعلّق بهم، فلا ينافيه قوله: «هل عندكم من غداء؟» .
(ولا يتشهّاه) إذ التّشهّي آية الحبّ، وهو منزّه عنه!
(إن أطعموه أكل، وما أطعموه) قدّموه له ليأكله ( [قبله] ) منهم، فيأكل منه.
(وما سقوه) من الأشربة لبن أو غيره (شرب) ، وهذا كان غالب أحواله ﷺ .
(و) في «كشف الغمّة» و «الإحياء» : (كان) رسول الله ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه! أو يشرب) . أخرج التّرمذي وصحّحه، وابن ماجه؛ عن كبشة:
دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلّقة قائما ... الحديث.
وقد تقدّم حديث أبي داود والتّرمذي و «الشّمائل» ؛ عن أمّ المنذر بنت قيس:
стр. 810
وعن سلمان ...
دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ، وعليّ ناقه، ولنا دوال معلّقة، فقام رسول الله ﷺ ، فأكل منها ... الحديث، وإسناده حسن كما قال العراقي.
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ (عن) أبي عبد الله (سلمان) الفارسيّ «مولى رسول الله ﷺ » سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام؛ لأنّه كان لا ينتسب إلى أب.
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا انتسبوا لقيس أو تميم
أصله من فارس، من جيّ- بفتح الجيم وتشديد الياء-: قرية من قرى أصبهان، وقيل: من «رام هرمز» .
وسبب إسلامه مشهور، وأنّه هرب من أبيه؛ وكان مجوسيّا؛ فلحق براهب، ثمّ جماعة من الرّهبان.. واحد بعد واحد، يصحبهم إلى وفاتهم، إلى أن دلّه الأخير على الذّهاب إلى الحجاز، وأخبره بظهور النّبيّ ﷺ ، فقصده مع عرب، فغدروا به؛ وباعوه في وادي القرى ليهودي.
ثم اشتراه منه يهودي من قريظة، فقدم به المدينة، فأقام بها مدّة حتى قدمها رسول الله ﷺ ؛ فأتاه بصدقة، فلم يأكل منها، ثمّ بعد مدّة أتاه بهديّة فأكل منها، ثمّ رأى خاتم النّبوّة، وكان الرّاهب الأخير وصف له هذه العلامات الثّلاث للنّبيّ ﷺ .
قال سلمان: فرأيت الخاتم، فقبّلته وبكيت، فأجلسني رسول الله ﷺ بين يديه، فحدّثني بشأني كله، وفاتني معه بدر وأحد بسبب الرّقّ، وأوّل مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، ولم يتخلّف عن مشهد بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدّرداء.
وكان من فضلاء الصّحابة وزهّادهم وعلمائهم وذوي القرب من رسول الله ﷺ ، وهو الّذي أشار على رسول الله ﷺ بحفر الخندق يوم الأحزاب.
وسكن العراق، وكان يعمل الخوص بيده؛ فيأكل منه، وكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج فرّقه.
стр. 811
رضي الله تعالى عنه قال: قرأت في «التّوراة» : إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت في التّوراة، فقال رسول الله ﷺ : «بركة الطّعام الوضوء قبله والوضوء بعده» .
ونقلوا اتّفاق العلماء على أنّ سلمان الفارسي عاش مائتين وخمسين سنة.
وقيل: ثلثمائة وخمسين سنة.
روي له عن رسول الله ﷺ ستّون حديثا؛ اتّفق البخاري ومسلم على ثلاثة، ولمسلم ثلاثة.
روى عنه ابن عبّاس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وكعب بن عجرة، وأبو الطّفيل رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه جماعات من التّابعين.
توفّي سلمان بالمدائن في أوّل سنة: - ٣٦- ستّ وثلاثين: وقيل غير ذلك.
(رضي الله تعالى عنه؛ قال: قرأت في «التّوراة» ) : الكتاب المنزل على موسى ﷺ ، وهو أعظم الكتب بعد القرآن: «إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده» يصحّ قراءته بكسر همزة «إنّ» على أنّ المعنى أنّ هذه الجملة في «التّوراة» ، ويصح الفتح أيضا.
(فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت) أي: بقراءتي (في «التّوراة» ) على أنّ «ما» مصدريّة، فلا يغني عنه ذكرت ذلك للنّبي ﷺ .
(فقال رسول الله ﷺ : مقرا لسلمان على ما أخبر أنّه قرأه في «التّوراة» ؛ وإن كان لم ينزل عليه، لأنّه إخبار عن شيء يحصل به البركة، والأخبار لا تنسخ.
فقال:
( «بركة الطّعام الوضوء) ، يعني: غسل اليدين (قبله) أي: قبل الطّعام عند إرادته، بحيث ينسب إليه عرفا، (والوضوء) ، يعني: غسل اليدين (بعده» ) ،
стр. 812
والمراد بالوضوء هنا المعنى اللّغويّ؛ وهو: غسل الكفّين.
أي: عقب الفراغ من الأكل، فيحصل بالوضوء الأوّل استمراؤه على الأكل وحصول نفعه، وزوال ضرره، وترتّب الأخلاق الكريمة والعزائم الجميلة عليه، ويحصل بالوضوء الثّاني زوال الدّسم ونحوه، المستلزم لبعد الشّيطان ودحضه.
(والمراد بالوضوء هنا) : في هذا الحديث؛ (المعنى اللّغويّ؛ وهو غسل الكفّين) كما علمت مما قرّرناه، وقول بعض الشّافعية «أراد الوضوء الشّرعيّ» !! يدفعه تصريحهم بأنّ الوضوء الشّرعيّ ليس سنّة عند الأكل. قال التّرمذيّ في «جامعه» : لا يعرف هذا الحديث؛ أي: حديث سلمان إلّا من حديث قيس بن الربيع، وهو ضعيف. انتهى.
وتمسّك به بعضهم على ندب غسل اليد قبله وبعده؛ وإن لم يكن بها لوث البتّة، ويعضده خبر الطّبراني في «الأوسط» : «الوضوء قبل الطّعام وبعده ينفي الفقر، وهو من سنن المرسلين» .
وكان حجّة الإسلام يميل إلى ذلك، حيث قال: الأكل بقصد الاستعانة على الدّين عبادة، فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطّهارة من الصّلاة!!
لكن ذهب النّوويّ رحمه الله تعالى إلى حمله في الغسل «بعده» ؛ على ما إذا علق بها منه شيء، وإلّا فلا يسنّ، وكذا قبله إن تحقّق نظافتها، أي: وكان يأكل وحده، وإلّا: فيظهر سنّ غسلها مطلقا، كما بحثه ابن حجر؛ تطييبا لخاطر جليسه.
ويسنّ تقديم الصّبيان على المشايخ في الغسل قبل الطّعام؛ لأنّ أيدي الصّبيان أقرب إلى الوسخ، وقد يفقد الماء لو قدم المشايخ «١» .
وأمّا بعد الطّعام! فبالعكس إكراما للشّيوخ، وهذا في غير صاحب الطّعام،
стр. 813
.........
وأمّا هو فيقدم بالغسل قبل الطّعام ويتأخّر بعده؛ لأنّه يدعو النّاس إلى كرمه، فيحقّ أن يتقدّم.
ويسنّ تنشيف اليدين من الغسل بعد الطّعام، لا قبله؛ لأنّه ربّما كان بالمنديل وسخ يعلق باليد، ولأنّ بقاء أثر الماء يمنع شدّة التصاق الدّهنية باليدين، والله أعلم. انتهى. «مناوي على «الشّمائل» رحمه الله تعالى» .
стр. 814
[الفصل الثّالث في ما كان يقوله ﷺ قبل الطّعام وبعده]
الفصل الثّالث في ما كان يقوله ﷺ قبل الطّعام وبعده كان رسول الله ﷺ إذا وضعت المائدة ...
(الفصل الثّالث من الباب الرّابع (فيما كان يقوله ﷺ أي: في بيان الأخبار الواردة في الذّكر الّذي كان يقوله رسول الله ﷺ .
(قبل الطّعام) ،
وهو التّسمية،
(وبعده)
أي: بعد الفراغ من الطّعام؛ وهو الحمدلة.
قال الباجوري: وينبغي أنّ مثل الطّعام الشّراب، بل هو منه، كما يؤخذ من قوله تعالى- فيما حكاه القرآن- وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [٢٤٩/ البقرة] . انتهى.
قال حجّة الإسلام في «الإحياء» : (كان رسول الله ﷺ إذا وضعت المائدة) - هي خوان عليه طعام، وإلّا فهو خوان؛ لا مائدة. كذا في «الصّحاح» .
وفي «فتح الباري» : وقد تطلق المائدة ويراد بها ما عليه الطّعام؛ وإن لم يكن خوان، وقد تطلق على الطّعام نفسه. ونقل عن البخاري أنّه قال:
إذا أكل الطّعام على شيء ثم رفع قيل: رفعت مائدته. وسمّيت «مائدة» !! قيل: لأنّها تميد بما عليها، أي: تتحرّك من قوله تعالى وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [٣١/ الأنبياء] . وقيل: من ماد أعطى، فكأنّها تميد، أي: تعطي من حواليها ممّا أحضر عليها، وأجاز بعضهم أن يقال فيها: ميدة، كقول الرّاجز:
стр. 815
قال: «باسم الله، اللهمّ؛ اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنّة» .
وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للجيران والإخوان
(قال: «باسم الله) ، قال النّووي في «الأذكار» : أجمع العلماء على استحباب التّسمية على الطّعام في أوّله، فإن ترك في أوّله عامدا أو ناسيا أو مكرها أو عاجزا لعارض آخر، ثم تمكّن في أثناء أكله! استحبّ أن يسمّي ويقول: «باسم الله أوّله وآخره» .
والتّسمية في شرب الماء واللّبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتّسمية في الطّعام في جميع ما ذكرناه، ويستحبّ أن يجهر بالتّسمية ليكون فيه تنبيه لغيره على التّسمية، وليقتدى به في ذلك، والأفضل أن يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فإن قال: «باسم الله» ! كفاه، وحصلت السّنّة، وسواء في ذلك الجنب والحائض وغيرهما.
وينبغي أن يسمّي كلّ واحد من الآكلين، فلو سمّى واحد منهم؟ أجزأ عن الباقين. انتهى. قال ابن علّان في «شرحه» : قوله: أجزأ عن الباقين، وكذا يجزيء عمّن لحقهم؛ أو لحق من لحقهم تبعا لهم، فإن جاء واحد أو جمع بعد فراغ الجميع؟ فلا تكفي التّسمية السّابقة بالنّسبة إليه؛ أو إليهم.
ووقع التّردّد فيما لو كثر الآكلون كثرة مفرطة، واتّسعت خطّتهم بحيث لا ينسب عرفا أوّلهم لآخرهم؛ وسمّى واحد حال اجتماع الجميع، هل يكفي عنهم حينئذ؟
والّذي يتّجه أنّه لا يكفي، لأنّ انتفاء النّسبة العرفية يقتضي انتفاءها حقيقة، والمدار هنا ليس إلّا عليها. انتهى.
(اللهمّ) ؛ أي: يا الله، (اجعلها نعمة مشكورة) أي: نشكرك عليها، ونتقوّى بها على طاعتك، وما يقرب إليك، (تصل بها نعمة الجنّة» ) .
قال العراقي: أمّا التّسمية فرواها النّسائي من رواية من خدم النّبيّ ﷺ ثمان
стр. 816
وكان ﷺ إذا قرّب إليه طعام.. يقول:
«باسم الله» ، فإذا فرغ.. قال: «اللهمّ؛ أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت واجتبيت، فلك الحمد على ما أعطيت» .
سنين أنّه سمع رسول الله ﷺ إذا قرّب إليه طعاما قال: «باسم الله» ... الحديث، وإسناده صالح، وأمّا بقيّة الحديث، لم أجده. نقله عنه في «شرح الإحياء» .
(و) أخرج النّسائي، وابن السنّي- بإسناد صحيح؛ كما في «فتح الباري» - عن عبد الرحمن بن جبير التّابعي، أنّه حدّثه رجل خدم النّبيّ ﷺ ثماني سنين أنّه (كان) يسمع النبيّ ﷺ إذا قرّب إليه طعاما) ليأكل (يقول: «باسم الله» ) فقط في ابتدائه. وفي رواية أبي الحسن بن الضحاك، من طريق ميسرة، عن أنس:
رأيت رسول الله ﷺ وهو يأكل طعامه يسمّي عند ثلاث لقم، عند كل لقمة مرّة، فلعله فعل ذلك- إن صحّ- مرّة!.
(فإذا فرغ) من الأكل؛ (قال: «اللهمّ؛ أطعمت وسقيت وأغنيت) من شئت بالكفاية في الأموال، (وأقنيت) ؛ أي: أعطيت المال المتّخذ قنية، وهي ما يماثل من الأموال، وفي هذا الذّكر اقتباس من قوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) [النجم] .
(وهديت) ؛ أي: أوصلت من شئت من العباد إلى طرق الرّشاد (واجتبيت) .
كذا في نسخ من «المواهب» ؛ من الاجتباء، وفيه تلميح لقوله تعالى وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ [٨٧/ الأنعام] وفي نسخ: وأحييت؛ من الإحياء، والأولى أنسب.
(فلك الحمد على ما أعطيت» ) ؛ أي: جميع الّذي أعطيته، أو على جميع عطائك ممّا ذكر؛ وممّا لم يذكر، ف «ما» موصولة أو مصدريّة.
وفي رواية لأحمد: «فلك الحمد غير كفور» أي: مجحود فضله ونعمته.
стр. 817
وكان ﷺ إذا رفعت مائدته.. قال: «الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، الحمد لله الّذي كفانا وآوانا، غير مكفيّ
ونبّه بهذا الحديث ونحوه على أنّ الحمد كما يشرع عند ابتداء الأمور يشرع عند اختتامها، ويشهد له قوله تعالى وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) [يونس] ، وقوله وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
(٧٥) [الزمر] .
(وكان) رسول الله ﷺ إذا رفعت مائدته؛ قال) يحتمل أن يكون قال ذلك جهرا، وهو ظاهر سياق حديث أبي أمامة الآتي، ويحتمل أنّه أسرّ به، ولما رآه أبو أمامة يحرّك شفتيه سأله فعلّمه؛ ثمّ السّنّة للآكل ألايجهر بالحمد إذا فرغ من الطّعام قبل جلسائه؛ كيلا يكون منعا لهم.
( «الحمد لله) لذاته وصفاته وأفعاله الّتي من جملتها الإنعام بالإطعام؛ (حمدا) - مفعول مطلق للحمد- (كثيرا) - صفة المفعول المطلق- والكثرة، المراد منها: عدم النّهاية، إذ لا نهاية لحمده تعالى كما لا نهاية لنعمه-.
(طيّبا) خالصا من الرّياء والسّمعة والأوصاف الّتي لا تليق بجنابه، تقدّس؛ لأنّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، أو خالصا عن أن يرى الحامد أنّه قضى حقّ نعمته.
(مباركا) بفتح الرّاء (فيه) ؛ أي في الحمد، وهو مفعول أقيم مقام فاعل «مبارك» أي: ما وقع فيه البركة واليمن والزّيادة والثّبات.
والمعنى: حمدا ذا بركة دائما لا ينقطع؛ لأنّ نعمه تعالى لا تنقطع، فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضا، ولو نيّة وقصدا.
(الحمد لله الّذي كفانا وآوانا غير) - بالنّصب- حال من الاسم الكريم، والرّفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو غير (مكفيّ) - بفتح الميم وسكون الكاف وشدّ التّحتيّة- أي: غير مردود ولا مقلوب.
والضّمير راجع للطّعام الدّال عليه السّياق، أو هو من الكفاية، فيكون من المعتلّ، يعني: أنّه تعالى هو المطعم لعباده، والكافي لهم، أي: أنّه تعالى غير
стр. 818
ولا مكفور ولا مودّع ولا مستغنى عنه ...
مكفيّ رزق عباده. أي: غير محتاج إلى أحد في كفايتهم، إذ لا يكفيهم أحد غيره ، فالضّمير راجع إلى الله تعالى.
ودليل هذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
دعا رجل من الأنصار من أهل قباء رسول الله ﷺ ؛ فانطلقنا معه، فلمّا طعم النّبيّ ﷺ وغسل يده قال:
«الحمد لله الّذي يطعم ولا يطعم، منّ علينا فهدانا وكلّ بلاء حسن أبلانا، الحمد لله؛ غير مكفور ولا مودّع ولا مكافا ولا مستغنى عنه، الحمد لله الّذي أطعم من الطّعام، وسقى من الشّراب، وكسا من العري، وهدى من الضّلالة، وبصّر من العماية، وفضّل على كثير ممّن خلق تفضيلا، الحمد لله ربّ العالمين» .
رواه النسائي واللفظ له، والحاكم، وابن حبّان في «صحيحيهما» ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقيل: إنّ الضّمير راجع إلى الحمد، أي: إنّ الحمد غير مكفيّ.
(ولا مكفور) أي: غير مجحود نعم الله فيه، بل مشكورة؛ غير مستور الاعتراف بها، والحمد عليها.
(ولا مودّع) - بضمّ الميم وفتح الواو والدّال المهملة المشدّدة- أي: غير متروك. وبكسر الدّال، أي: حال كوني غير تارك له، فمؤدّى الروايتين واحد؛ وهو دوام الحمد، واستمراره للكريم سبحانه.
(ولا مستغنى عنه) - بفتح النّون والتّنوين-؛ أي حمدا لا يكتفى به، بل يعود إليه كرّة بعد كرة، ولا يتركه، ولا يستغني عنه أحد، بل حمدا يحتاج إليه كلّ منهم لبقاء نعمه واستمرارها.
ولم يصب من جعله عطف تفسير؛ محتجّا بأنّ المتروك هو المستغنى عنه، لظهور أنّ فيه فائدة «لم يفدها ما قبله» هي أنّه لا استغناء لأحد عن الحمد، إذ لا فيض إلّا منه سبحانه، فيجب على كلّ مكلّف؛ إذ لا يخلو أحد عن نعمة، بل
стр. 819
ربّنا» . وكان إذا فرغ من طعامه.. قال: «اللهمّ؛ لك الحمد،..
نعم لا تحصى، وهو في مقابلة النّعم واجب، فالآتي به في مقابلتها يثاب عليه ثواب الواجب، ومن أتى به؛ لا في مقابلة شيء! أثيب ثواب المستحب، أمّا شكر المنعم بمعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ فواجب على كل مكلّف شرعا، ويأثم بتركه إجماعا.
(ربّنا» ) بالرّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربّنا.
وبالنّصب على المدح أو الاختصاص، أو إضمار: أعني.
أخرج البخاري من حديث أبي أمامة: كان إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الّذي كفانا، وأوانا، وأروانا، غير مكفيّ ولا مكفور» . وقال مرّة «لك الحمد ربّنا غير مكفيّ ولا مودّع ولا مستغنى عنه ربّنا» .
وروى الجماعة إلّا مسلما من حديث أبي أمامة: كان إذا رفع مائدته؛ قال:
«الحمد لله كثيرا طيّبا مباركا فيه غير مكفيّ، ولا مودّع، ولا مستغنى عنه ربّنا» .
وفي رواية الترمذيّ وابن ماجه، وإحدى روايات النّسائي «الحمد لله حمدا» ، وفي لفظ للنّسائي «اللهمّ لك الحمد حمدا» . ذكره في «شرح الإحياء» .
ورواه الترمذي في «الشمائل» عن أبي أمامة بلفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، غير مودّع ولا مستغنى عنه ربّنا» .
(و) أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات إلّا عبد الله بن عامر الأسلميّ ففيه ضعف من قبل حفظه؛ كما قال الحافظ ابن حجر عن رجل من بني سليم له صحبة، ولفظه:
(كان) رسول الله ﷺ (إذا فرغ من) أكل (طعامه قال: «اللهمّ؛ لك الحمد) ، لأنّ الطّعام نعمة، والحمد عقيب النّعم يقيّدها ويؤذن باستمرارها
стр. 820
أطعمت وسقيت، وأشبعت وأرويت، فلك الحمد غير مكفور ولا مودّع ولا مستغنى عنك» .
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: ...
وزيادتها، كما قيل: الحمد قيد للموجود صيد للمفقود. فلذلك أتى ﷺ بتلك الصّفات البليغة، تحريضا لأمّته على التّأسّي به في ذلك؛ فقال:
( «أطعمت وسقيت، وأشبعت وأرويت) - كلها بفتح التاء خطاب لله (فلك الحمد) - أي: على ما أعطيت- (غير مكفور) - أي: غير مجحود فضله ونعمته (ولا مودّع) - بتشديد الدال- (ولا مستغنى عنك» ) .
قال العراقي: رواه الطّبراني من حديث الحارث بن الحارث بسند ضعيف.
قلت: وهو صحابي أزدي. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) أخرج الإمام أحمد والأربعة والترمذي، في «الشمائل» وصححه الضياء في «المختارة» ؛ (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر- بالباء الموحدة وبالجيم- وهو؛ خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي (الخدريّ) - بضمّ الخاء المعجمة وإسكان الدّال المهملة- نسبة إلى خدرة؛ جدّه الّذي هو الأبجر- مرّ في نسبه-.
استصغر يوم أحد؛ فردّ، وغزا بعد ذلك مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وكان أبوه مالك صحابيّا، استشهد يوم أحد، وهو من المكثرين في الرّواية.
روي له عن النبيّ ﷺ ألف حديث ومائة وسبعون حديثا؛ اتّفق البخاريّ ومسلم على ستّة وأربعين منها، وانفرد البخاريّ بستّة عشر، ومسلم باثنين وخمسين.
قالوا: ولم يكن من أحداث الصّحابة أفقه من أبي سعيد الخدري. - وفي رواية: أعلم-! ومناقبه كثيرة.
وتوفي بالمدينة المنوّرة يوم الجمعة سنة: - ٦٤- أربع وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين. ودفن بالبقيع (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
стр. 821
كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من طعامه.. قال:
«الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» .
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب.. قال:
«الحمد لله الّذي أطعم وسقى، وسوّغه وجعل له مخرجا» .
كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من) أكل (طعامه) - سواء كان في بيته مع أهله؛ أو مع أضيافه؛ أو في منزل الضّيف. ولفظ التّرمذي في «جامعه» : كان النّبيّ ﷺ إذا أكل أو شرب- (قال:
«الحمد لله) - فائدة إيراد الحمد بعد الطّعام أداء شكر المنعم وطلب المزيد، قال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٧/ إبراهيم] .
ولمّا كان الباعث على الحمد هو الطّعام ذكره أوّلا لزيادة الاهتمام؛ فقال (الّذي أطعمنا) ، ولمّا كان السّقي من تتمّته أردفه به؛ فقال: (وسقانا) ، فإنّه يقارنه في الأغلب، إذ الأكل لا يخلو غالبا عن الشّرب في أثنائه.
وختم ذلك بقوله: (وجعلنا مسلمين» ) ؛ أي: منقادين لجميع أمور الدّين؛ للجمع بين الحمد على النّعم الدّنيويّة، والنّعم الآخرويّة. وإشارة إلى أنّ الأولى بالحامد ألايجرّد حمده إلى دقائق النّعم، بل ينظر إلى جلائلها، فيحمد عليها، لأنّها بذلك أحقّ، ولأنّ الإتيان بالحمد من نتائج الإسلام.
(و) أخرج أبو داود، والنّسائي، وابن حبّان، وغيرهم، بإسناد صحيح؛ عن أبي أيّوب الأنصاري؛ رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال) عقبه (: «الحمد لله الّذي أطعم وسقى، وسوّغه) - بتشديد الواو-: سهل كلّا من دخول اللّقمة ونزول الشّربة في الحلق، ومنه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ [١٧/ إبراهيم] . أي: يبتلعه، فالإفراد باعتبار المذكور. (وجعل له) أي: لما ذكر، (مخرجا) ؛ أي: السّبيلين.
стр. 822
وعن أبي أيّوب الأنصاريّ ...
قال الطيبي: ذكر نعما أربعا: الإطعام، والسّقي؛ والتّسويغ، ومكان الخروج؛ فإنّه خلق الأسنان للمضغ، والرّيق للبلع؛ وجعل المعدة مقسما للطّعام، ولها مخارج، فالصّالح منه ينبعث إلى الكبد، وغيره يندفع في الأمعاء، كلّ ذلك فضل ونعمة يجب القيام بواجبها؛ من الشّكر بالجنان، والبثّ باللّسان، والعمل بالأركان.
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» (عن أبي أيّوب) ؛ خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار (الأنصاريّ) ، الخزرجي النّجاري، المدني الصّحابي الجليل:
شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وبيعة الرّضوان وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجرا، وأقام عنده شهرا حتى بنيت مساكنه ومسجده.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثا؛ اتّفق البخاري ومسلم على سبعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة.
وروى عنه خلق كثير من الصّحابة والتابعين؛ منهم البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة الباهلي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر. وعروة بن الزّبير. وخرّج له السّتّة، وكان مع علي في حروبه كلّها.
ومات بأرض الروم غازيا سنة: إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية. لما أعطاه أبوه القسطنطينية؛ خرج معه فمرض، فلما ثقل عليه المرض؛ قال لأصحابه: إذا أنا متّ فاحملوني، فإذا صاففتم العدوّ فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا ودفنوه قريبا من سورها.
وقبره بالقسطنطينيّة معروف إلى اليوم، والنّاس يعظّمونه ويستشفون به؛
стр. 823
رضي الله تعالى عنه قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ يوما فقرّب طعام، فلم أر طعاما أعظم بركة منه أوّل ما أكلنا، ولا أقلّ بركة في آخره. فقلنا: يا رسول الله؛ كيف هذا؟ قال: «إنّا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا، ثمّ قعد من أكل؛ ولم يسمّ الله تعالى، فأكل معه الشّيطان» .
فيشفون، وهذا مصداق حديث: «من تواضع لله رفعه الله» . فلمّا قصد التواضع بدفنه تحت الأقدام رفعه الله بتعظيمهم له. (رضي الله تعالى عنه؛
قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ يوما فقرّب) ؛ أي: إليه (طعام، فلم أر طعاما) كان (أعظم بركة منه أوّل ما أكلنا) ؛ أي: أوّل أكلنا ف «ما» مصدريّة، وهو منصوب على الظّرفيّة مع تقدير مضاف؛ أي: في أوّل وقت أكلنا.
ويدلّ عليه قوله: (ولا أقلّ بركة) - منه- (في آخره) ؛ أي: في آخر وقت أكلنا إيّاه، (فقلنا: يا رسول الله، كيف هذا؟!) أي: بيّن لنا الحكمة والسّبب في حصول عظمة البركة وكثرتها في أوّل أكلنا هذا الطعام، وفي قلّتها في آخره؟.
(قال: «إنّا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا) ، فبسبب ذلك كثرت البركة في أوّل أكلنا، وفيه إشارة إلى حصول سنّيّة التّسمية ب «بسم الله»
وأمّا زيادة «الرّحمن الرّحيم» !! فهي أكمل؛ كما قاله الغزالي والنّووي وغيرهما، وإن اعتراضه الحافظ ابن حجر بأنّه لم ير لأفضليّة ذلك دليلا خاصّا
فتندب التّسمية على الطّعام حتى للجنب والحائض والنّفساء، ولكن لا يقصدون بها قرآنا، وإلّا حرمت.
ولا تندب في مكروه؛ ولا حرام لذاتهما، بخلاف المحرّم والمكروه لعارض.
(ثمّ قعد من أكل؛ ولم يسمّ الله تعالى، فأكل معه الشّيطان» ) . أي: فبسبب ذلك قلّت البركة في آخره.
стр. 824
.........
وأكل الشّيطان محمول على حقيقته عند جمهور العلماء سلفا وخلفا، لإمكانه شرعا وعقلا، والشارع إذا أثبت شيئا لا يخرج عن دائرة الإمكان وجب اعتقاد حقيقته، وهذا من هذا القبيل.
قال الإمام النّوويّ: الصواب الّذي عليه جماهير العلماء من السّلف والخلف؛ من المحدثين والفقهاء والمتكلمين: أنّ هذا الحديث وشبهه من الأحاديث الواردة في أكل الشّيطان محمولة على ظواهرها، وأنّ الشّيطان يأكل حقيقة، إذ العقل لا يحيله والشّرع لا ينكره؛ فوجب قبوله واعتقاده. انتهى.
وقال النّوويّ أيضا في «شرح مسلم» وغيره: وينبغي أن يسمّي كلّ واحد من الآكلين، فإن سمّى واحد منهم! حصل أصل السّنّة؛ نصّ عليه الشّافعي.
ويستدلّ له بأنّ النّبيّ ﷺ أخبر بأنّ الشّيطان إنّما يتمكّن من الطّعام إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه! وهذا قد ذكر اسم الله عليه.
ولأنّ المقصود يحصل بواحد؛ فهو شبيه بردّ السّلام، وتشميت العاطس، فإنّه يجزىء فيه قول أحد الجماعة. انتهى.
ولا يشكل هذا الحديث على ما قاله الإمام الشافعي!! لأنّا نقول: الحديث محمول على أنّ هذا الرّجل حضر بعد التّسمية؛ فلم تكن تلك التسمية مؤثّرة في عدم تمكّن الشّيطان من الأكل معه.. وأمّا حمله على أنّ هذا الرّجل حضر بعد فراغهم من الطّعام!. ففيه بعد؛ لأنّه خلاف ظاهر الحديث، وكلمة «ثمّ» لا تدلّ إلّا على تراخي قعود الرّجل عن أوّل اشتغالهم بالأكل؛ لا عن فراغهم منه، كما ادّعاه من حمله على هذا.
وكلام الشّافعي مخصوص بما إذا اشتغل جماعة بالأكل معا؛ وسمّى واحد منهم، فتسمية هذا الواحد تجزىء عن الحاضرين معه وقت التّسمية، لا عن شخص لم يكن حاضرا معهم وقت التّسمية، إذ المقصود من التّسمية عدم تمكّن الشّيطان من أكل الطّعام مع الإنسان، فإذا لم يحضر إنسان وقت التّسمية عند الجماعة؛ لم تؤثّر
стр. 825
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأكل الطّعام في ستّة من أصحابه، فجاء أعرابيّ فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : «لو سمّى.. لكفاكم» .
تلك التّسمية في عدم تمكّن شيطان ذلك الإنسان من الأكل معه فتأمّل. انتهى.
«شرح الأذكار» .
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» - واللّفظ له-، والنّسائيّ، وابن ماجه، وابن حبّان في «صحيحه» وغيرهم- وقال التّرمذي: حديث حسن صحيح-
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان النّبيّ ﷺ يأكل الطّعام في ستّة) ؛ أي: مع ستّة (من أصحابه، فجاء أعرابيّ) - بفتح الهمزة- نسبة إلى الأعراب، وهم سكّان البادية. وفي «المصباح» : الأعرابي الذي يكون صاحب نجعة وارتياد للكلأ. زاد الأزهري: سواء كان من العرب أو من مواليهم، فمن نزل البادية أو جاور البادين، وظعن بظعنهم فهو أعرابي.
وإخبارها بذلك! إمّا ١- عن رؤيتها قبل الحجاب أو بعده، واقتصرت في الرّواية على رؤية الإناء، ولا يلزم منه رؤية الأعرابي!
أو ٢- عن إخباره ﷺ أو من غيره، فإن كان الأخير! فالحديث مرسل صحابي، وهو حجّة، خلافا للإسفرايني.
(فأكله) ؛ أي: جاء ولم يذكر التّسمية، وشرع في الأكل فأكل الطّعام المذكور، (بلقمتين) ؛ أي: في لقمتين. وهذا يدلّ على أنّ الطّعام كان قليلا في حدّ ذاته، وكفاية ستّة نفر بذلك الطّعام مع قلّته من جملة معجزاته ﷺ .
(فقال رسول الله ﷺ : «لو سمّى) - وفي لفظ «أما إنّه لو سمّى» وفي لفظ «لو سمى الله» - (لكفاكم» ) وإياه، ببركة التّسمية، والمعنى: أنّ هذا الطّعام؛ وإن كان قليلا، لكن لو سمّى الأعرابي لبارك الله في الطّعام وكفاكم، لكن لمّا ترك
стр. 826
وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه..
فليقل: باسم الله أوّله وآخره» .
ذلك الأعرابيّ التّسمية انتفت البركة؛ لأنّ الشّيطان ينتهز الفرصة وقت الغافلة عن ذكر الله تعالى، وهذا تصريح بعظيم بركة التّسمية وفائدتها.
وفي هذا كمال المبالغة في زجر تارك التّسمية على الطّعام؛ لأنّ تركها يمحقه.
وفي الحديث: ما كان عليه النّبيّ ﷺ من التّواضع بالجلوس مع أصحابه والأكل معهم؛ بحيث يقدم الغريب فيأكل معه؛ (و) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» ؛ واللّفظ له، وابن ماجه، والحاكم، ورجاله ثقات، وهو من تتمة الحديث السابق. (عنها) ؛ أي: عن عائشة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: قال رسول الله ﷺ :
«إذا أكل أحدكم فنسي) - بفتح النّون وكسر السّين المخفّفة، أي: ترك نسيانا- (أن يذكر الله تعالى) ؛ أي: التّسمية، (على طعامه) - حين الشّروع في الأكل، ثمّ تذكّر في أثنائه أنّه ترك التّسمية- (فليقل:) ندبا (باسم الله) ؛ أي:
آكل (أوّله) - بفتح اللّام- (وآخره» ) - بفتح الرّاء، أي: عند أوّله وعند آخره، ويجوز الجرّ، أي: في أوّله وفي آخره.
ولا يقال: ذكر الأوّل والآخر يخرج الوسط!! لأنّا نقول: المراد بذلك التّعميم، فالمعنى: باسم الله على جميع أجزائه، فهو كقوله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) [مريم] فإنّ المراد به التّعميم، بدليل قوله تعالى أُكُلُها دائِمٌ [٣٥/ الرعد] .
على أنّه يمكن أن يقال: المراد بأوله: النّصف الأوّل، وباخره: النّصف الثّاني؛ فلا واسطة.
وألحق أصحابنا الشّافعية بالنّسيان ما إذا تعمّد أو جهل، ومثل الأكل فيما ذكر
стр. 827
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل عند قوم.. لم يخرج حتّى يدعو لهم، فكان يقول: «اللهمّ؛ بارك لهم وارحمهم» ،
في ندب الذّكر المذكور كلّ ما يشتمل على أفعال متعدّدة؛ من نحو اكتحال، وتأليف، وشرب، ما لم يكره الكلام أثناءه كجماع. انتهى «شرح الأذكار» .
واعلم أنّ هذا الحديث، والّذي قبله، كلاهما حديث واحد، ذكره ابن علّان في «شرح الأذكار» عن ابن حجر، ولفظه:
عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النّبيّ ﷺ كان يأكل طعاما في ستّة نفر من أصحابه، فجاء أعرابيّ فأكله بلقمتين، فقال النّبيّ ﷺ : «أما إنّه لو ذكر الله تعالى لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى؛ فليقل باسم الله أوّله وآخره» حديث حسن، أخرجه أحمد وابن ماجه ورجاله ثقات. انتهى.
ثمّ ذكر أنّ ابن حجر ذكره من طريق أخرى عن عائشة؛ وقال: أخرجه أحمد وأبو داود والتّرمذي والنّسائي والحاكم، وقال التّرمذي: حديث حسن صحيح، ثمّ ذكر أنّ بعض المحدّثين ذكر الحديث مقتصرا على القطعة الأولى، وبعضهم مقتصرا على القطعة الأخيرة؛ كما فعل المصنف النّبهاني.
ثمّ قال: قال الحافظ: لحديث عائشة شاهد من حديث ابن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: «من نسي أن يذكر الله تعالى في أوّل طعامه؛ فليقل حين يذكر «باسم الله أوّله وآخره» ؛ فإنّه يستقبل طعاما جديدا، ويمنع من كان يصيب منه» .
أخرجه الحافظ ابن حجر من طريق الطّبراني في «الأوسط» قال: وأخرجه ابن حبّان، قال الحافظ: ورجاله ثقات. انتهى.
(و) في «المواهب» و «الباجوري» : (كان رسول الله ﷺ إذا أكل عند قوم لم يخرج) من دارهم (حتّى يدعو لهم، فكان يقول) - حين دعا في منزل عبد الله بن بسر المازني- (: «اللهمّ بارك لهم) فيما رزقتهم، واغفر لهم (وارحمهم» ) .
стр. 828
وكان يقول: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة» .
رواه مسلم، قال: نزل النّبيّ ﷺ على أبي، فقرّبنا له طعاما ... الحديث.
وفيه: فقال أبي: ادع لنا ... فذكره.
وللنّسائي: قال أبي لأخي: لو صنعت لرسول الله ﷺ طعاما. الحديث.
وفي أبي داود وابن ماجه؛ عنه: دخل علينا رسول الله ﷺ فقدّمنا له زبدا وتمرا، وكان يحب زبدا وتمرا.
(وكان يقول) - حين دعا في منزل سعد لمّا أفطر عنده في رمضان- (: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم) ؛ أي: وشرب شرابكم (الأبرار) ؛ صائمين ومفطرين، فمفاد هذه الجملة أعمّ مما قبلها. (وصلّت عليكم الملائكة» ) ؛ أي:
استغفرت لكم الملائكة الموكّلون بخصوص ذلك إن ثبت، وإلّا! فالحفظة، أو المعقّبات، أو رافعو الأعمال، أو الكلّ، أو بعض غير ذلك.
وفيه ندب الدّعاء بذلك بناء على أنّ الجملة دعائيّة، وهو أقرب من جعلها خبريّة، وذلك مكافأة له على ضيافته إيّاه. رواه أبو داود؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي ﷺ : «أفطر عندكم الصّائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة» .
ورواه ابن ماجه وابن حبّان؛ عن عبد الله بن الزّبير رضي الله تعالى عنهما قال:
أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ فقال: «أفطر عندكم الصّائمون» ...
الحديث.
قال النّووي: قلت: هما قضيّتان جرتا لسعد بن عبادة؛ وسعد بن معاذ. وهو متّجه؛ لاختلاف المخرّجين!! وقد كثرت الأحاديث بدعائه ﷺ بذلك في عدّة مواضع، فمنها ما وقع في قصّة أبي الهيثم، وفي آخرها: فأخذ النّبيّ ﷺ بعضادتي
стр. 829
وكان ﷺ إذا أكل مع قوم.. كان آخرهم أكلا.
وروي عنه ﷺ أنّه قال: «إذا وضعت المائدة..
فلا يقوم «١» الرّجل ...
الباب، وقال: «أكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة، وذكركم الله فيمن عنده» وقد سبقت قصّة أبي الهيثم، مع بيان من خرّجها.
روى أبو داود في «سننه» عن رجل، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
صنع أبو الهيثم بن التّيّهان للنّبي ﷺ طعاما، فدعا النّبي ﷺ وأصحابه، فلمّا فرغوا قال: «أثيبوا أخاكم» . قالوا: يا رسول الله؛ وما إثابته؟ قال: «إنّ الرّجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه؛ فدعوا له، فذلك إثابته» .
وروى ابن السّنّي وغيره بإسناد فيه ضعف؛ عن عمرو بن الحمق رضي الله تعالى عنه أنّه سقى رسول الله ﷺ لبنا؛ فقال: «اللهمّ أمتعه بشبابه» . فمرّت عليه ثمانون سنة، لم ير شعرة بيضاء.
(و) روى البيهقي في «شعب الإيمان» ؛ عن جعفر الصّادق، عن أبيه محمد الباقر مرسلا: (كان) رسول الله ﷺ إذا أكل مع قوم) - في منزله أو غيره- (كان آخرهم أكلا) لئلّا يخجلهم فيقوموا قبل استيفاء حاجتهم.
(وروي عنه ﷺ ؛ في حديث ابن عمرو مرفوعا، عند ابن ماجه والبيهقي، وضعّفه بقوله: أنا أبرأ من عهدته؛ (أنّه) ﷺ (قال: «إذا وضعت المائدة فلا [يقوم] الرّجل) ، أي: أحد الآكلين؛ لا صاحب الطّعام فقط، أي: يندب أن لا يقوم والمصنّف اختصر الحديث تبعا للباجوري؛ التّابع لما في «جمع الوسائل» للقاري ك «المواهب» . ولفظه عند ابن ماجه والبيهقي: «إذا وضعت المائدة فليأكل الرّجل ممّا يليه، ولا يأكل ممّا بين يدي جليسه، ولا من ذروة القصعة،
стр. 830
وإن شبع حتّى يفرغ [القوم] ؛ فإنّ ذلك يخجل جليسه، وعسى أن يكون له في الطّعام حاجة» .
وعن عمر بن أبي سلمة- ربيب رسول الله ﷺ
فإنّما تأتيه البركة من أعلاها، ولا يقوم رجل حتّى ترفع المائدة، ولا يرفع يده» ؛
(وإن شبع) . فالقيام مكروه، أو خلاف الأولى قبل رفع المائدة، بل رفع اليد؛ وإن شبع كذلك، ولو لم يقم، كما هو صريح الحديث، خلاف ما يوهمه اختصار المصنّف له (حتّى يفرغ [القوم] ) - لفظه: حتّى يرفع القوم، وليقعد (فإنّ ذلك) القيام (يخجل جليسه) فيقوم؛ لما جبلت عليه النّفوس من كراهة نسبتها إلى الشّره، وزيادة الأكل على غيرها، (وعسى أن يكون له) ؛ أي: الجليس (في الطّعام حاجة» ) ، فيقوم قبل تمامها؛ خجلا، وذلك قد يؤذيه.
(و) أخرج الأئمّة السّتّة- كما قاله المناوي والزّرقاني، زاد الزرقاني ومالك في «الموطأ» : أي: بألفاظ مختلفة، بالزّيادة والنّقص. وكذا أخرجه التّرمذي في «الشّمائل» وهذا لفظه-:
(عن) أبي جعفر: (عمر بن أبي سلمة) ؛ عبد الله بن عبد الأسد القرشي، المخزومي (ربيب) - بالرّاء المفتوحة والباء الموحّدة بعدها ياء مثنّاة، وآخرها باء موحدة، بوزن حبيب- أي: ابن أمّ سلمة، زوج (رسول الله ﷺ الصّحابي بن الصّحابيّين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ولد بالحبشة حين هاجر بها أبوه في السّنة الثالثة من هجرة رسول الله ﷺ .
وتزوّج ﷺ أمّه بعد موت أبيه عنها، فنشأ في حجر المصطفى ﷺ ، وكان يوم الخندق هو وابن الزّبير في أطم حسّان بن ثابت، وكان عمره يوم قبض النّبيّ ﷺ تسع سنين.
شهد وقعة الجمل مع عليّ رضي الله تعالى عنه، واستعمله على البحرين.
روي له- فيما قيل- عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثا؛ روى له البخاري منها
стр. 831
أنّه دخل على رسول الله ﷺ وعنده طعام؛ فقال:
«ادن يا بنيّ.، فسمّ الله تعالى، [وكل بيمينك] ، ...
حديثين، وخرّج عنه الأربعة، وروى عنه عطاء وثابت.
ومات سنة: - ٨٣- ثلاث وثمانين، في خلافة عبد الملك.
(أنّه) أي: عمر بن أبي سلمة (دخل على رسول الله ﷺ وعنده طعام) ؛ أي:
والحال أنّ عنده ﷺ طعاما. (فقال: «ادن) بضمّ همزة الوصل عند الابتداء بها وبضمّ النّون أيضا؛ أمر من الدّنو، أي: اقرب إلى الطّعام، يقال: دنا منه وإليه:
قرب (يا بنيّ) - بصيغة التّصغير- شفقة منه ﷺ .
وفيه أنّه ينبغي للكبير ملاطفة الصّغير، لا سيّما على الطّعام؛ لشدّة الاستحياء حينئذ (فسمّ الله تعالى) ؛ طردا للشّيطان ومنعا له من الأكل، والخطاب وإن خصّ الغلام لكن الحكم عامّ، والأمر فيه للنّدب، وهي سنّة كفاية، ولا خلاف في أنّ التّسمية بدء كل أمر محبوب سنّة مؤكّدة.
ويسنّ للمبسمل الجهر ليسمع غيره فيقتدي به، وفيه حصول السّنّة بلفظ «باسم الله» ، لكن الأكمل إكمالها؛ كما صرّح به في «الأذكار» ، فقال ما حاصله:
الأفضل إكمالها، وتحصل السّنّة ب (باسم الله) .
قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى: ولم أر لما ادّعاه من الأفضليّة دليلا خاصّا!!. قال حجّة الإسلام الغزالي: يقول مع اللّقمة الأولى باسم الله، ومع الثّانية باسم الله الرحمن، ومع الثّالثة بسم الله الرحمن الرحيم. فإن سمّى مع كلّ لقمة فهو أحسن حتى لا يشغله الشّره عن ذكر الله، ويزيد بعد التّسمية:
«اللهمّ بارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النّار» .
قال الحافظ ابن حجر: ولا أصل لذلك كله، واستحب العبّادي الشّافعي أن يقول «بسم الله الّذي لا يضرّ مع اسمه شيء» .
( [وكل بيمينك] ) حمله أكثر الشّافعيّة وغيرهم على النّدب، وبه جزم
стр. 832
.........
الغزالي؛ ثمّ النّووي، فيجوز مع الكراهة الأكل بالشّمال.
لكن نصّ الشافعي في «الرّسالة» وفي مواضع من «الأم» على الوجوب!! وكذا نقله عنه الصّيرفي في «شرح الرّسالة» ، وانتصر له الإمام تقي الدّين السّبكي.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : ويدلّ على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشّمال؛
ففي «صحيح مسلم» من حديث سلمة بن الأكوع أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا يأكل بشماله فقال له: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع، فقال: «لا استطعت» . فما رفعها إلى فيه بعد.
وورد التّصريح باسم الرجل فيما رواه عبد بن حميد، والدّارمي وابن حبّان والطّبراني؛ عن سلمة أنّ النّبيّ ﷺ أبصر بسر- بضمّ الموحّدة وإسكان السّين المهملة- ابن راعي العير- بفتح العين وإسكان التحتيّة- الأشجعي، يأكل بشماله، فقال: «كل بيمينك» ، قال: «لا أستطيع» ، فما رفعها إلى فيه بعد. أي فما استطاع رفعها إلى فيه بعد. زاد في رواية ل «مسلم» : لم يمنعه إلا الكبر.
وبه استدلّ القاضي عياض في «شرح مسلم» على أنّه كان منافقا.
وزيّفه النّووي بأنّ ابن منده وأبا نعيم وابن ماكولا وغيرهم ذكروه في الصّحابة!! قال في «الإصابة» : وفيه نظر، لأنّ جميع من ذكره لم يذكر له سندا إلّا هذا الحديث، فالاحتمال قائم!؟ ويمكن الجمع بأنّه لم يكن في تلك الحالة أسلم، ثمّ أسلم بعد. انتهى.
وفي «الفتح» : إنّ النّووي ردّه أيضا بأنّ الكبر والمخالفة لا يقتضي النّفاق، لكنّه معصية إن كان الأمر للوجوب؟!.
وقد أجيب عن الاستدلال لوجوب الأكل باليمين بهذا الحديث بأنّ الدّعاء ليس لترك مستحبّ، بل لقصد المخالفة كبرا بلا عذر، فدعا عليه، فشلّت يمينه.
стр. 833
وكل ممّا يليك» .
وبهذا لا يرد أنّ دعاءه ﵊ المقصود به الزّجر؛ لا الحقيقي.
وقد زاد الحافظ تقوية للوجوب قوله: وأخرج الطّبراني ومحمد بن الرّبيع الجيزي بسند حسن؛ عن عقبة بن عامر أنّ النّبيّ ﷺ رأى سبيعة الأسلميّة تأكل بشمالها؛ فقال ﷺ : «أخذها داء غزّة» ! فقيل: إنّ بها قرحة، فقال: «وإن» ! فمرّت بغزّة فأصابها الطّاعون فماتت.
وثبت النهي عن الأكل بالشّمال، وأنّه من عمل الشّيطان، من حديث ابن عمر وجابر عند مسلم. ولأحمد بسند حسن؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها رفعته:
«من أكل بشماله أكل معه الشّيطان» . وهو على ظاهره.
وورد: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه، فإنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله» رواه الحسن بن سفيان في «مسنده» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
والظّاهر أنّه نهي عن التّشبّه، فيفيد الاستحباب، وحديث سبيعة حمله الجمهور على الزّجر والسّياسة؛ قاله ملّا علي قاري في «جمع الوسائل» .
قال المناوي: واليمين: مشتقّة من اليمن، كما ذمّ أهل النّار بنسبتهم إلى الشّمال، فقال وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) [الواقعة] .
فاليمين وما نسب إليها محمود ممدوح؛ لسانا وشرعا ودنيا وآخرة، وإذا كان كذلك فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق اختصاص اليمين بالأعمال الشّريفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشّمال! يكون بحكم التّبعيّة؛ وأمّا إزالة الأقذار ومباشرة الأعمال الخسيسة فبالشّمال.
(وكل ممّا يليك» ) ؛ لأنّ الأكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مودّة؛ لنفور النّفس منه، لا سيّما في الأمراق، ولما فيه من إظهار الحرص والنّهم وسوء الأدب وأشباهها.
стр. 834
.........
والأمر فيه للنّدب على الأصحّ، وقيل: للوجوب؛ لما فيه من إلحاق الضّرر بالغير، ومزيد الشّره. ونصّ عليه الشّافعي في «الرّسالة» ومواضع من «الأمّ» .
وانتصر له السّبكي- رحمه الله تعالى-! قال ولده العلّامة تاج الدّين السّبكيّ: جمع والدي نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه: «كشف اللّبس عن المسائل الخمس» : ١- الأكل مما يلي، و ٢- من رأس الثّريد، و ٣- التعريس على قارعة الطّريق؛ و ٤- اشتمال الصّمّاء؛ و ٥- القران بين تمرتين أكلا؛ ونصر القول بأنّ الأمر فيها للوجوب. انتهى. لكنه اختيار له، والمعتمد خلافه.
وفي «مختصر البويطي» : يحرم الأكل من رأس الثّريد، والقران في التّمر؛ والأصحّ أنّهما مكروهان، ومحلّ الخلاف إن لم يعلم رضا صاحبه، وإلّا! فلا حرمة ولا كراهة، فقد ورد أنّه ﷺ كان يتتبّع الدّباء من حوالي القصعة!!
والجواب بأنّه أكل وحده مردود بأنّ أنسا كان يأكل معه، على أنّه لو سلّم لا يجدي، لأنّ الأكل مما يلي الآكل سنّة؛ وإن كان وحده، كما اقتضاه إطلاق الشّافعيّة.
وقيل: الأولى حمل التتبّع المذكور على أنّه من يمينه وشماله بعد فراغ ما بين يديه، ولم يكن أحد في جانبيه ﷺ . والأوّل أولى، والله أعلم
على أنّ محلّ النّهي حيث كان الطّعام نوعا واحدا؛ وإلّا! كالثّريد والدّباء واللّحم، فيتعدى الأكل إلى غير ما يليه، ومحلّه أيضا في غير نحو الفاكهة، أمّا هي! فله أن يجيل يده فيها؛ كما في «الإحياء» .
ويشهد له ما جاء عند ابن ماجه رحمه الله تعالى؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّه ﷺ كان إذا أتي بطعام أكل ممّا يليه، وإذا أتي بالتّمر جالت يده فيه) .
وأورد في «الإحياء» أنّه ﷺ قال: «كل ممّا يليك» وكان يدور على الفاكهة.
فقيل له في ذلك! فقال: «ليس هو نوعا واحدا» . انتهى.
стр. 835
[وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت] : كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. أكل ممّا يليه، وإذا أتي بالتّمر.. جالت يده [فيه] .
وتوقّف فيه النّووي ﵀، لكنّ خبر ابن ماجه يشهد له.
وقضيّة ما رواه الغزالي أنّ محل الإجالة إذا كانت الفاكهة الحاضرة ذات أنواع، فإن كانت نوعا واحدا؟! فهي كغيرها في ندب الأكل مما يلي الآكل، وكراهته مما يلي غيره، وليس كذلك؛ بل كل ما يختلف أفراده فلا بأس بالإجالة فيه؛ نوعا كان أو أنواعا، وإن كان الأولى عدم الإجالة حينئذ لما فيه؛ مع وجود ذلك من الشّره، والتّطلّع إلى ما عند غيره، وترك الإيثار الّذي هو من شأن الأخيار. والله أعلم.
انتهى من «شرح الأذكار» .
ويؤخذ من هذا الحديث: أنّه يندب على الطّعام تعليم من أخل بشيء من آدابه، خلاف ما عليه النّاس في زعمهم أنّ فيه كسر نفس الآكل، فلا يعبأ بعادة النّاس المصادمة لما ثبت عن الصّادق المصدوق ﷺ من التّعليم لآداب الطّعام على الطّعام.
والله أعلم.
( [و) أخرج ابن ماجه والخطيب، وهو حديث ضعيف: (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت] : كان رسول الله ﷺ إذا أتي) - بالبناء للمجهول-، أي: جيء له- (بطعام أكل ممّا يليه) ؛ تعليما لأمّته آداب الأكل، فإنّ الأكل مما يلي الغير مكروه؛ لما فيه من مزيد الشّره والنّهمة، وإلحاق الأذى بمن أكل معه؛
وسببه: أنّ كلّ آكل كالحائز لما يليه من الطّعام، فأخذ الغير له تعدّ عليه؛ مع ما فيه من تقذّر النّفوس ممّا خاضت فيه الأيدي.
ثمّ هو سوء أدب من غير فائدة؛ إذا كان الطّعام لونا واحدا، أمّا إذا اختلفت أنواعه فيرخّص فيه، كما أشار إليه بقوله:
(وإذا أتي بالتّمر جالت) - بالجيم- (يده [فيه] ) ؛ أي: دارت في جهاته
стр. 836
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة.. فيحمده عليها،
وجوانبه، فيتناول منه ما شاء.
ومنه أخذ الغزاليّ أنّ محلّ ندب الأكل مما يلي إذا كان الطّعام لونا واحدا، وما إذا كان غير فاكهة، أمّا هي! فله أن يجيل يده فيها؛ لأنّها في معنى التّمر.
قال ابن العربي: إذا كان الطّعام صنفا واحدا؛ لم يكن للجولان فيه معنى إلّا الشّره والمجاعة. وإذا كان ذا ألوان؛ كان جولانها له معنى، وهو اختيار ما استطاب منه. انتهى «مناوي» .
قال الحفني: فيطلب الأكل ممّا يلي الآكل حيث لم يتنوّع الطّعام، وإلّا! فلا بأس بمدّ اليد إلى الآنية الّتي فيها الطّعام الّذي يشتهيه؛ وإن لم تكن تليه، كما لا بأس بمدّ اليد إلى التّمرة البعيدة عنه التي تشتهيها نفسه، ولذا كانت تجول يده ﷺ في التّمر، ويقاس عليه نحوه من مشمش وخوخ ... إلخ.
نعم؛ إن قامت قرينة على تخصيص قوم بنوع فلا يجوز لغيرهم الأكل من غير علمهم برضا صاحبه، والله أعلم. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» ، والنّسائي- واللّفظ ل «الشّمائل» - كلهم (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليرضى عن العبد) المؤمن، أي يرحمه ويثيبه؛ كما جاء في بعض الرّوايات: «يدخله الجنّة» - (أن) علّة ل «يرضى» ، أي:
لأجل أن (يأكل) - بفتح همزة- «أن» - أي: بسبب أن يأكل، أو وقت أكله (الأكلة) - بفتح الهمزة: المرّة الواحدة- من الأكل، أي: الغدوة أو العشوة، كذا اقتصر عليه جمع منهم النّووي في «رياضه» ، لكن ضبطه بعضهم بالضّمّ؛ وقال:
هي اللقمة. (فيحمده) بالنّصب؛ كما هو الظّاهر وفاقا لابن حجر، لكن رواية «الشّمائل» بالرّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو يحمده (عليها) ؛ أي:
стр. 837
أو يشرب الشّربة.. فيحمده عليها» .
يرضى أكله المتعقّب بالحمد، مع أنّ نفعه لنفسه، فكيف بالحمد على ما لا نفع له فيه؟!.
(أو) - للتّنويع، وليست للشّك- (يشرب الشّربة) - بفتح الشّين المعجمة، لا غير- وهذا يرجّح الوجه الأوّل في ضبط الأكلة، وكلّ من الأكلة والشّربة مفعول مطلق- (فيحمده عليها» ) ؛ يعني: يرضى عنه؛ لأجل أحد هذين الفعلين أيّا كان، وفيه أنّ أصل سنّيّة الحمد بعد كلّ من الطّعام والشّراب يحصل بأيّ لفظ اشتقّ من مادّة «ح م د» ، بل بما يدلّ على الثّناء على الله تعالى.
وما سبق من حمده ﷺ المشتمل على تلك الصّفات البليغة البديعة! إنّما هو لبيان الأكمل؛ وفي هذا تنويه عظيم بمقام الشّكر، حيث رتّب هذا الجزاء العظيم- الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [٧٢/ التوبة]- في مقابلة شكره بالحمد.
وعبّر بالمرّة! إشعارا بأنّ الأكل والشّرب يستحقّ الحمد عليه؛ وإن قلّ جدا، أو أنّه يتعيّن علينا ألانحتقر من الله شيئا؛ وإن قلّ.
ويسنّ خفض صوته به إذا فرغ؛ ولم يفرغ رفقته، لئلّا يكون منعا لهم.
стр. 838
[الفصل الرّابع في صفة فاكهته ﷺ ]
الفصل الرّابع في صفة فاكهته ﷺ (الفصل الرّابع) من الباب الرّابع (في) بيان الأخبار الواردة في (صفة فاكهته ﷺ والفاكهة: ما يتفكّه، أي: يتنعّم ويتلذّذ بأكله رطبا كان؛ أو يابسا كتين وبطيخ وزبيب ورطب ورمان، ومنه الفكاهة- بالضّمّ- للمزاح؛ لانبساط النّفس، وتفكّه بالشّيء: تمتّع به. وتفكّه: أكل الفاكهة، وقوله تعالى فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) [الرحمن] .
قال أهل اللّغة: إنّما خصّ ذلك بالذّكر!! لأنّ العرب تذكر الأشياء مجملة، ثمّ تخص منها شيئا بالتّسمية؛ تنبيها على فضل فيه، ومنه قوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [٧/ الأحزاب] وكذلك مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [٩٨/ البقرة] . فكما أنّ إخراج محمّد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى من النّبيين، وإخراج جبريل وميكائيل من الملائكة ممتنع؛ كذلك إخراج النّخل والرّمّان من الفاكهة ممتنع.
قال الأزهري: ولا أعلم أحدا من العرب قال: النّخل والرّمّان ليسا من الفاكهة» ، ومن قال ذلك من الفقهاء!! فلجهله بلغة العرب وبتأويل القرآن «١» .
وكما يجوز ذكر الخاص بعد العام للتّفضيل؛ كذلك يجوز ذكر الخاصّ قبل
стр. 839
كان رسول الله ﷺ يأخذ الرّطب بيمينه، والبطّيخ بيساره؛ ويأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان أحبّ الفاكهة إليه.
وكان ﷺ يأكل الرّطب، ويلقي النّوى على الطّبق.
العامّ للتفضيل، قال تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) [الحجر] . انتهى «مصباح» .
أخرج الطّبراني في «الأوسط» ، وأبو نعيم في «الطب» ، وأبو الشيخ في «الأخلاق» ، والحاكم في «الأطعمة» ؛ من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، بسند ضعيف قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا أكل رطبا وبطّيخا معا (يأخذ الرّطب بيمينه) ؛ أي:
بيده اليمين، (والبطّيخ بيساره؛ ويأكل الرّطب بالبطّيخ) للتّعديل.
(وكان) أي: البطّيخ (أحبّ الفاكهة إليه) ، وفيه: جواز الأكل باليدين جميعا.
ويشهد له ما رواه الإمام أحمد؛ عن عبد الله بن جعفر قال:
آخر ما رأيت رسول الله ﷺ في إحدى يديه رطبات، وفي الآخرى قثّاء؛ فيأكل بعضا من هذه وبعضا من هذه.
لكن لا يلزم منه لو ثبت أكله بشماله، فلعلّه كان يأخذ بيده اليمنى من الشّمال فيأكلها مع ما في يمينه، إذ لا مانع من ذلك!!.
وأمّا أكله البطّيخ بالسّكّر!! فلم أر له أصلا إلّا في خبر معضل ضعيف. رواه النّوقاتي: وأكله بالخبز، لا أصل له، إنّما ورد في أكل العنب بالخبز حديث رواه ابن عدي بسند ضعيف؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قاله جميعه الحافظ زين الدّين العراقي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج الحاكم في «مستدركه» ؛ «باب الأطعمة» ، وقال: على شرطهما، وأقره الذّهبي؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال:
(كان) رسول الله ﷺ يأكل الرّطب؛ ويلقي النّوى على الطّبق) ، يعارضه
стр. 840
وكان ﷺ يأكل البطّيخ بالرّطب، ويقول:
«يكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا» .
حديث: نهى أن تلقى النّواة على الطّبق الّذي هو يؤكل منه الرّطب والتّمر.
ولعلّ المراد هنا الطّبق الموضوع تحت إناء الرّطب؛ لا الطّبق الّذي فيه الرّطب، فإن وضعه مع الرطب في إناء واحد ربما تعافه النّفوس؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج أبو داود في «الأطعمة» ، والبيهقيّ كلاهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: (كان) رسول الله ﷺ يأكل البطّيخ) - بتقديم الباء على الطّاء، وبتقديم الطّاء على الباء الطّبّيخ؛ لغة في البطيخ بوزنه، وكلاهما روايتان ثابتتان في الحديث- والمراد به: الأصفر، بدليل ثبوت لفظ الخربز بدل البطّيخ في الرّواية الآتية، وكان يكثر وجوده بالحجاز، بخلاف الأخضر.
وقال ابن القيّم: المراد الأخضر. قال زين الحفّاظ العراقي، وفيه نظر.
والحديث دالّ على أنّ كلّ واحد منهما فيه حرارة وبرودة، لأنّ الحرارة في أحدهما والبرودة في الآخر.
قال بعض الأطبّاء: البطّيخ بارد رطب، فيه جلاء، وهو أسرع انحدارا إلى المعدة من القثّاء والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط صادفه في المعدة، وإذا أكله محرور نفعه جدا، وإذا كان مبرودا عدّله بقليل زنجبيل. أو يفعل كما كان ﷺ يعدّله (بالرّطب) : ثمر النّخل إذا أدرك قبل أن يتتمّر؛ (ويقول: «يكسر حرّ هذا) أي: الرّطب (ببرد هذا) ، أي: البطّيخ، (وبرد هذا بحرّ هذا» ) . قال الزرقاني: كذا وقع للمصنّف- يعني القسطلّانيّ-: ببرد ... بحرّ- بالباء فيهما- تبعا لشيخه في «المقاصد» ؛ تبعا لشيخه في «الفتح» !! فيحتمل أن أوّله [نكسر] بنون مبنيّ للفاعل، وأنّه [يكسر] بتحتيّة مبنيّ للمجهول. وساقه «الجامع» بدون موحّدة فيها، وكل عزاه لأبي داود. انتهى.
стр. 841
وكان ﷺ يأكل البطّيخ بالخبز وبالسّكّر، ...
قال ابن القيّم: وهذا من تدبير الغذاء الحافظ للصّحّة، لأنّه إذا كان في أحد المأكولين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدّلها بضدّها. انتهى.
قيل: وأراد البطّيخ قبل النّضج، فإنّه بعده حارّ رطب.
قال ابن القيّم: في البطّيخ عدّة أحاديث لا يصحّ منها شيء غير هذا الحديث.
انتهى. نقله المناوي. وقال في «المواهب» : وأمّا فضائل البطّيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النّوقاتي في جزء؛ كما قاله الحفّاظ، والله أعلم.
وقد كان محمد بن أسلم الطوسي، العالم الرّباني، الزّاهد الورع، المقتدي بالآثار، الذي وصفه ابن المبارك بأنّه ركن من أركان الإسلام، كان لا يأكل البطّيخ تورّعا؛ لأنّه لم ينقل كيفيّة أكل رسول الله ﷺ له، أي: هل بقشره ولبه؛ أو بدونهما. فلعلّ هذا مراده!! وإلّا! فقد ورد كيفيّة جمعه بين الرّطب والقثّاء أو البطّيخ؛ فيما رواه الطّبراني في «الأوسط» من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: رأيت في يمين رسول الله ﷺ قثّاء وفي شماله رطبا، وهو يأكل من ذا مرّة، ومن ذا مرّة!!. وفي سنده ضعف.
وقد تقدّم حديث أنس في أول هذا الفصل، وأنّه ﷺ كان يأخذ الرّطب بيمينه والبطّيخ بيساره، فيأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان البطّيخ أحبّ الفاكهة إليه.
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ يأكل البطّيخ بالخبز) . قال العراقي: لم أره! وإنّما وجدت أكله العنب بالخبز، في حديث عائشة عند ابن عدي بسند ضعيف.
(و) يأكل تارة (بالسّكّر) ، قال العراقيّ: إن أريد بالسّكّر نوع من التّمر والرّطب مشهور! فهو الحديث الآتي بعده. وإن أريد بالسّكّر الذي هو بطبرزد!! فلم أر له أصلا إلّا في حديث منكر معضل، رواه أبو عمر النّوقاتي في كتاب «البطيخ» ، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أنّ النّبيّ ﷺ أكل بطّيخا بسكّر، وفيه موسى بن إبراهيم المروزي؛ كذبه يحيى بن معين. انتهى.
стр. 842
وربّما أكله بالرّطب، ويستعين باليدين جميعا.
قلت: قال في «المصباح» : السّكّر نوع من الرّطب شديد الحلاوة؛ قال أبو حاتم في كتاب «النخلة» : نخل السّكر، الواحدة سكّرة.
وقال الأزهري: التّمر نخل السّكّر وهو معروف عند أهل البحرين، فإن كان المراد بالسّكّر هنا هو الطّبرزدي؛ فيتعيّن أن يكون المراد بالبطّيخ هو الأصفر، فإنّه الذي يؤكل به؛ مع احتمال إرادة الأخضر، إلّا أنّ ابن حجر ذكر في «شرح الشّمائل» أنّ النّبيّ ﷺ لم ير السّكّر، وما ورد بأنّه حضر ملاك بعض الأنصار فنثر على العروس بالسّكّر واللّوز!! فلا أصل له. انتهى؛ جميعه من «شرح الإحياء» .
(وربّما أكله بالرّطب) . قال الحافظ العراقي:
رواه التّرمذي والنّسائي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وحسنه الترمذي ولابن ماجه من حديث سهل بن سعد: كان يأكل الرّطب بالبطيخ وهو عند الدّارمي بلفظ: البطيخ بالرّطب وروى ابن عدي من حديث عائشة ﵂: كان أحبّ الفاكهة إلى رسول الله ﷺ الرّطب والبطّيخ. وهو ضعيف. انتهى.
قلت: ورواه الطّبراني في «الكبير» ؛ من حديث عبد الله بن جعفر بلفظ:
كان يأكل البطّيخ بالرّطب. وروى الطّيالسي؛ من حديث جابر بسند حسن:
كان يأكل الخربز بالرّطب، ويقول: «هما الأطيبان» . وهذا يؤيّد قول من قال: إنّ المراد بالبطّيخ هو الأصفر. انتهى من «شرح الإحياء» .
(ويستعين باليدين جميعا) ، قال العراقي: رواه الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن جعفر قال: آخر ما رأيت رسول الله ﷺ في إحدى يديه رطبات، وفي الآخرى قثّاء يأكل من هذه، ويعض من هذه.
وتقدم حديث أنس السّابق أوّل الفصل، في أكله بيديه.
وروى الطّبراني في «الأوسط» ؛ من حديث عبد الله بن جعفر: رأيت النّبيّ ﷺ في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة. وسنده ضعيف.
стр. 843
وأكل يوما الرّطب في يمينه، وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت شاة، فأشار إليها بالنّوى، فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب.
و (الخربز) : البطّيخ الأصفر.
(وأكل) ﷺ (يوما الرّطب في يمينه؛ وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت) به (شاة فأشار إليها بالنّوى؛ فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة) ، قال العراقي: هذه القصّة رويناها في «فوائد أبي بكر الشّافعي» من حديث أنس بإسناد ضعيف. انتهى.
(و) أخرج النّسائيّ والتّرمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب) .
وأخرج الطّيالسي بسند حسن؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه:
كان رسول الله ﷺ يأكل الخربز بالرّطب؛ ويقول: «هما الأطيبان» .
وأخرجه أبو الشّيخ أيضا.
(والخربز) - بكسر الخاء المعجمة وسكون الرّاء وكسر الموحّدة، بعدها زاي- (: البطّيخ) بالفارسيّة، والمراد به: (الأصفر) ؛ لا الأخضر كما وهم؛ لأنّه المعروف بأرض الحجاز.
واستشكل بأنّ الغرض التّعديل بين برودة البطّيخ وحرارة الرّطب- كما علمت- والأصفر حارّ، والبارد إنّما هو الأخضر، فالأصفر ليس بمناسب هنا!!.
وأجيب بأنّ المراد الأصفر غير النّضيج، فإنّه غير حارّ، والحارّ ما تناهى نضجه، وليس بمراد؛ كما ذكره بعض شرّاح «المصابيح» . انتهى «باجوري» .
стр. 844
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله ﷺ ؛ فما استقام لها ذلك حتّى أكلت الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة. أخرجه ابن ماجه، ...
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والتّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء) - بكسر القاف وتشديد المثلّثة ممدودا-: نوع من الخيار، وقيل: هو اسم جنس لما يشمل الخيار والعجّور والفقّوس؛ واحدته قثّاءة. (بالرّطب) ، أي: مصحوبا معه دفعا لضرر كلّ منهما، وإصلاحا له بالآخر.
وفي «الصّحيحين» : عن عبد الله بن جعفر: رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرّطب بالقثّاء.
والفرق بينهما: أنّ المقدّم أصل في المأكول كالخبز، والمؤخّر كالإدام.
ومن فوائد أكل هذا المركّب المعتدل تعديل المزاج وتسمين البدن؛
فقد (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله ﷺ فما استقام لها ذلك) .
وفي رواية: فلم أقبل عليها بشيء ممّا تريد (حتّى أكلت) .
وفي رواية: حتّى أطعمتني (الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة.
أخرجه) أبو داود، و (ابن ماجه) - بسكون الهاء وصلا ووقفا؛ لأنّه اسم أعجمي- وهو لقب ليزيد «والد الإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، صاحب «السّنن» ، وتقدمت ترجمته.
стр. 845
ورواه النّسائيّ: بإبدال (التّمر) مكان (الرّطب) .
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب وبالملح. وكان أحبّ الفواكه الرّطبة إليه [ ﷺ ] :
الرّطب والعنب.
(ورواه) الحافظ أبو عبد الرحمن؛ أحمد بن شعيب (النّسائيّ) نسبة إلى «نسأ» مدينة مثل سبأ، كما قال:
والنّسئيّ نسبة لنسإ ... مدينة في الوزن مثل سبإ
عنها رضي الله تعالى عنها قالت: لما تزوجني النّبيّ ﷺ عالجوني بكلّ شيء؛ فأطعموني القثّاء بالتّمر، فسمنت عليه كأحسن الشّحم.
(بإبدال التّمر مكان الرّطب) ، وإبدال الشّحم مكان السّمنة، وهو من اختلاف الرّواة لاتّحاد المخرج، وعند أبي نعيم في «الطب» عنها أنّ النّبيّ ﷺ أمر أبويها بذلك.
(و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب) ، وقد مرّ تخريجه قريبا؛ من حديث عبد الله بن جعفر.
ورواه الطّبراني في «الأوسط» بلفظ: رأيت النّبيّ ﷺ في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة، وسنده ضعيف، وقد تقدّم.
(و) كان ﷺ يأكل القثّاء (بالملح) ؛ لكونه يدفع ضرره.
قال العراقي: رواه أبو الشّيخ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه يحيى بن هاشم! كذّبه ابن معين وغيره، ورواه ابن عدي وفيه عباد بن كثير، متروك. انتهى.
(وكان) ﷺ (أحبّ الفواكه الرّطبة إليه: الرّطب) كذا في «كشف الغمّة» .
وفي «الإحياء» بدل الرّطب البطّيخ، (والعنب) .
قال العراقي: روى أبو نعيم في «الطب النّبوي» من رواية أمية بن زيد العبسي