وكان ﷺ يأكل البطّيخ بالخبز وبالسّكّر، ...
قال ابن القيّم: وهذا من تدبير الغذاء الحافظ للصّحّة، لأنّه إذا كان في أحد المأكولين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدّلها بضدّها. انتهى.
قيل: وأراد البطّيخ قبل النّضج، فإنّه بعده حارّ رطب.
قال ابن القيّم: في البطّيخ عدّة أحاديث لا يصحّ منها شيء غير هذا الحديث.
انتهى. نقله المناوي. وقال في «المواهب» : وأمّا فضائل البطّيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النّوقاتي في جزء؛ كما قاله الحفّاظ، والله أعلم.
وقد كان محمد بن أسلم الطوسي، العالم الرّباني، الزّاهد الورع، المقتدي بالآثار، الذي وصفه ابن المبارك بأنّه ركن من أركان الإسلام، كان لا يأكل البطّيخ تورّعا؛ لأنّه لم ينقل كيفيّة أكل رسول الله ﷺ له، أي: هل بقشره ولبه؛ أو بدونهما. فلعلّ هذا مراده!! وإلّا! فقد ورد كيفيّة جمعه بين الرّطب والقثّاء أو البطّيخ؛ فيما رواه الطّبراني في «الأوسط» من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: رأيت في يمين رسول الله ﷺ قثّاء وفي شماله رطبا، وهو يأكل من ذا مرّة، ومن ذا مرّة!!. وفي سنده ضعف.
وقد تقدّم حديث أنس في أول هذا الفصل، وأنّه ﷺ كان يأخذ الرّطب بيمينه والبطّيخ بيساره، فيأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان البطّيخ أحبّ الفاكهة إليه.
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ يأكل البطّيخ بالخبز) . قال العراقي: لم أره! وإنّما وجدت أكله العنب بالخبز، في حديث عائشة عند ابن عدي بسند ضعيف.
(و) يأكل تارة (بالسّكّر) ، قال العراقيّ: إن أريد بالسّكّر نوع من التّمر والرّطب مشهور! فهو الحديث الآتي بعده. وإن أريد بالسّكّر الذي هو بطبرزد!! فلم أر له أصلا إلّا في حديث منكر معضل، رواه أبو عمر النّوقاتي في كتاب «البطيخ» ، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أنّ النّبيّ ﷺ أكل بطّيخا بسكّر، وفيه موسى بن إبراهيم المروزي؛ كذبه يحيى بن معين. انتهى.
стр. 842
وربّما أكله بالرّطب، ويستعين باليدين جميعا.
قلت: قال في «المصباح» : السّكّر نوع من الرّطب شديد الحلاوة؛ قال أبو حاتم في كتاب «النخلة» : نخل السّكر، الواحدة سكّرة.
وقال الأزهري: التّمر نخل السّكّر وهو معروف عند أهل البحرين، فإن كان المراد بالسّكّر هنا هو الطّبرزدي؛ فيتعيّن أن يكون المراد بالبطّيخ هو الأصفر، فإنّه الذي يؤكل به؛ مع احتمال إرادة الأخضر، إلّا أنّ ابن حجر ذكر في «شرح الشّمائل» أنّ النّبيّ ﷺ لم ير السّكّر، وما ورد بأنّه حضر ملاك بعض الأنصار فنثر على العروس بالسّكّر واللّوز!! فلا أصل له. انتهى؛ جميعه من «شرح الإحياء» .
(وربّما أكله بالرّطب) . قال الحافظ العراقي:
رواه التّرمذي والنّسائي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وحسنه الترمذي ولابن ماجه من حديث سهل بن سعد: كان يأكل الرّطب بالبطيخ وهو عند الدّارمي بلفظ: البطيخ بالرّطب وروى ابن عدي من حديث عائشة ﵂: كان أحبّ الفاكهة إلى رسول الله ﷺ الرّطب والبطّيخ. وهو ضعيف. انتهى.
قلت: ورواه الطّبراني في «الكبير» ؛ من حديث عبد الله بن جعفر بلفظ:
كان يأكل البطّيخ بالرّطب. وروى الطّيالسي؛ من حديث جابر بسند حسن:
كان يأكل الخربز بالرّطب، ويقول: «هما الأطيبان» . وهذا يؤيّد قول من قال: إنّ المراد بالبطّيخ هو الأصفر. انتهى من «شرح الإحياء» .
(ويستعين باليدين جميعا) ، قال العراقي: رواه الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن جعفر قال: آخر ما رأيت رسول الله ﷺ في إحدى يديه رطبات، وفي الآخرى قثّاء يأكل من هذه، ويعض من هذه.
وتقدم حديث أنس السّابق أوّل الفصل، في أكله بيديه.
وروى الطّبراني في «الأوسط» ؛ من حديث عبد الله بن جعفر: رأيت النّبيّ ﷺ في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة. وسنده ضعيف.
стр. 843
وأكل يوما الرّطب في يمينه، وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت شاة، فأشار إليها بالنّوى، فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب.
و (الخربز) : البطّيخ الأصفر.
(وأكل) ﷺ (يوما الرّطب في يمينه؛ وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت) به (شاة فأشار إليها بالنّوى؛ فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة) ، قال العراقي: هذه القصّة رويناها في «فوائد أبي بكر الشّافعي» من حديث أنس بإسناد ضعيف. انتهى.
(و) أخرج النّسائيّ والتّرمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب) .
وأخرج الطّيالسي بسند حسن؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه:
كان رسول الله ﷺ يأكل الخربز بالرّطب؛ ويقول: «هما الأطيبان» .
وأخرجه أبو الشّيخ أيضا.
(والخربز) - بكسر الخاء المعجمة وسكون الرّاء وكسر الموحّدة، بعدها زاي- (: البطّيخ) بالفارسيّة، والمراد به: (الأصفر) ؛ لا الأخضر كما وهم؛ لأنّه المعروف بأرض الحجاز.
واستشكل بأنّ الغرض التّعديل بين برودة البطّيخ وحرارة الرّطب- كما علمت- والأصفر حارّ، والبارد إنّما هو الأخضر، فالأصفر ليس بمناسب هنا!!.
وأجيب بأنّ المراد الأصفر غير النّضيج، فإنّه غير حارّ، والحارّ ما تناهى نضجه، وليس بمراد؛ كما ذكره بعض شرّاح «المصابيح» . انتهى «باجوري» .
стр. 844
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله ﷺ ؛ فما استقام لها ذلك حتّى أكلت الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة. أخرجه ابن ماجه، ...
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والتّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء) - بكسر القاف وتشديد المثلّثة ممدودا-: نوع من الخيار، وقيل: هو اسم جنس لما يشمل الخيار والعجّور والفقّوس؛ واحدته قثّاءة. (بالرّطب) ، أي: مصحوبا معه دفعا لضرر كلّ منهما، وإصلاحا له بالآخر.
وفي «الصّحيحين» : عن عبد الله بن جعفر: رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرّطب بالقثّاء.
والفرق بينهما: أنّ المقدّم أصل في المأكول كالخبز، والمؤخّر كالإدام.
ومن فوائد أكل هذا المركّب المعتدل تعديل المزاج وتسمين البدن؛
فقد (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله ﷺ فما استقام لها ذلك) .
وفي رواية: فلم أقبل عليها بشيء ممّا تريد (حتّى أكلت) .
وفي رواية: حتّى أطعمتني (الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة.
أخرجه) أبو داود، و (ابن ماجه) - بسكون الهاء وصلا ووقفا؛ لأنّه اسم أعجمي- وهو لقب ليزيد «والد الإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، صاحب «السّنن» ، وتقدمت ترجمته.
стр. 845
ورواه النّسائيّ: بإبدال (التّمر) مكان (الرّطب) .
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب وبالملح. وكان أحبّ الفواكه الرّطبة إليه [ ﷺ ] :
الرّطب والعنب.
(ورواه) الحافظ أبو عبد الرحمن؛ أحمد بن شعيب (النّسائيّ) نسبة إلى «نسأ» مدينة مثل سبأ، كما قال:
والنّسئيّ نسبة لنسإ ... مدينة في الوزن مثل سبإ
عنها رضي الله تعالى عنها قالت: لما تزوجني النّبيّ ﷺ عالجوني بكلّ شيء؛ فأطعموني القثّاء بالتّمر، فسمنت عليه كأحسن الشّحم.
(بإبدال التّمر مكان الرّطب) ، وإبدال الشّحم مكان السّمنة، وهو من اختلاف الرّواة لاتّحاد المخرج، وعند أبي نعيم في «الطب» عنها أنّ النّبيّ ﷺ أمر أبويها بذلك.
(و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب) ، وقد مرّ تخريجه قريبا؛ من حديث عبد الله بن جعفر.
ورواه الطّبراني في «الأوسط» بلفظ: رأيت النّبيّ ﷺ في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة، وسنده ضعيف، وقد تقدّم.
(و) كان ﷺ يأكل القثّاء (بالملح) ؛ لكونه يدفع ضرره.
قال العراقي: رواه أبو الشّيخ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه يحيى بن هاشم! كذّبه ابن معين وغيره، ورواه ابن عدي وفيه عباد بن كثير، متروك. انتهى.
(وكان) ﷺ (أحبّ الفواكه الرّطبة إليه: الرّطب) كذا في «كشف الغمّة» .
وفي «الإحياء» بدل الرّطب البطّيخ، (والعنب) .
قال العراقي: روى أبو نعيم في «الطب النّبوي» من رواية أمية بن زيد العبسي
стр. 846
وكان ﷺ يأكل العنب خرطا؛ يرى رؤاله على لحيته كخرز اللّؤلؤ.
أنّ النّبيّ ﷺ يحبّ من الفاكهة العنب والبطّيخ. وروى ابن عدي من حديث عائشة:
«فإنّ خير الفاكهة العنب» ، وسنده ضعيف. انتهى.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» ، والعقيلي في «الضعفاء» ، وأبو بكر الشّافعي في «الغيلانيات» : كلهم؛ من حديث داود بن عبد الجبّار عن أبي الجارود؛ عن حبيب بن يسار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
(كان) رسول الله ﷺ يأكل العنب خرطا) ، يقال: خرط العنقود واخترطه: إذا وضعه في فيه فأخذ حبّه، وأخرج عرجونه عاريا. وفي رواية- ذكرها ابن الأثير-: خرصا- بالصّاد بدل الطّاء- أي: من غير عدد.
لكن قال أبو جعفر العقيلي- بعد ما روى هذا الحديث في «كتاب الضعفاء والمتروكين» -: لا أصل لهذا الحديث، وداود ليس بثقة، ولا يتابع عليه.
وقال البخاري: داود منكر الحديث. وفي «الميزان» للذّهبي؛ عن النّسائي: إنّه متروك.
وأخرجه البيهقي في «الشّعب» من طريقين؛ ثمّ قال: ليس فيه إسناد قويّ، ورواه ابن عدي من طريق آخر؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
وقال العراقي: طرقه كلّها ضعيفة. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» .
وأقرّه السّيوطي في «مختصرها» ؛ فلم يتعقّبه، إلّا بأنّ الزّين العراقي اقتصر على تضعيفه، لكن قال في «شرح الإحياء» : لم يصب ابن الجوزي في كونه موضوعا، بل هو ضعيف، وقال الزرقاني على «المواهب» : ونوزع بأنّه ضعيف جدّا؛ لا موضوع. والله أعلم.
(يرى رؤاله على لحيته كخرز اللّؤلؤ) ، هذه الزّيادة موجودة في «الإحياء» ؛
стр. 847
ورؤاله «١» : ماؤه الّذي يتقطّر منه.
وعن الرّبيّع بنت معوّذ ابن عفراء رضي الله تعالى عنها قالت:
بعثني معاذ ...
ولم يتكلّم عليها شارحه!! ( [والرّؤال] ) - بالضمّ- (: ماؤه الّذي يتقطّر منه) كما فسّره في «الإحياء» .
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» ؛ (عن الرّبيّع) - براء مضمومة فموحّدة مفتوحة فتحتيّة مكسورة مشدّدة، وآخره عين مهملة على صيغة التصغير-
(بنت معوّذ) - بضمّ الميم وفتح العين المهملة، وكسر الواو وبعدها ذال معجمة؛ على صيغة الفاعل، هذا هو المشهور.
(ابن عفراء) - بعين مهملة مفتوحة، ثمّ فاء ساكنة ثمّ راء ثمّ ألف ممدودة؛ كحمراء- اسم أمه هي عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجاريّة، من صغار الصّحب، وأبوها من أكابرهم قتل يوم بدر، روى له السّتّة.
وعفراء هذه لها خصيصة لا توجد لغيرها، وهي أنّها تزوّجت بعد الحارث البكير بن ياليل اللّيثي، فولدت له أربعة: إياسا وعاقلا وخالدا وعامرا، وكلّهم شهدوا بدرا، وكذلك إخوتهم لأمّهم بنو الحارث، فانتظم من هذا أنّها امرأة صحابيّة لها سبعة أولاد؛ شهدوا كلّهم بدرا مع النّبيّ ﷺ . انتهى؛ ذكره في «الإصابة» .
واشتهر معوّذ باسم أمّه. واسم أبيه: الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، ومعوّذ لم يرو له شيء، وهو أحد الّذين قتلوا أبا جهل بن هشام عدو الله يوم بدر.
وأمّا الرّبيّع؛ فهي ممّن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة بيعة الرّضوان، روى عنها أهل المدينة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
بعثني معاذ) بن عفراء، «وهو عمّها» ، اشترك هو وأخوه معوّذ بن عفراء في
стр. 848
بقناع من رطب، وعليه أجر من قثّاء زغب.
وكان ﷺ يحبّ القثّاء، فأتيته به وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين، ...
قتل أبي جهل ببدر، وتمّ أمر قتله على يد ابن مسعود بأن حزّ رقبته وهو مجروح مطروح يتكلّم، حتّى قال له: لقد ارتقيت مرتقى صعبا؛ يا رويعي الغنم.
(بقناع) - بكسر القاف وتخفيف النّون- أي: بطبق يهدى عليه، وسمّي الطبق قناعا!! لأنّه أقنعت أطرافه إلى داخل أي: عطفت. انتهى «مناوي» .
(من رطب) بيان لجنس ما فيه؛ (وعليه) أي: على ذلك القناع (أجر) - بفتح الهمزة وسكون الجيم وكسر الرّاء منوّنة-؛ جمع جر وبتثليث أوّله- وهو الصّغير من كلّ شيء؛ حيوانا كان أو غيره-.
(من قثّاء) - بمثلّثة مشدّدة- (زغب) - بضمّ الزّاي وسكون المعجمة-: جمع أزغب، كأحمر وحمر، من الزّغب- بالفتح-: صغار الرّيش أوّل ما يطلع نبته، وصف به القثّاء تشبيها لزبره الّذي هو عليه بالرّيش الصّغير، روي مرفوعا على أنّه صفة لأجر، ومجرورا على أنّه صفة لقثّاء، قال شارح « ... » «١» : والأوّل أظهر.
قال الزّمخشري عن بعضهم: كنت أمرّ في بعض طرقات المدينة فإذا أنا بحمّال على رأسه طن، فقال: أعطني ذلك الجرو، فتبصّرت فلم أر كلبا؛ ولا جروا!! فقلت: ما هنا جرو، فقال: أنت عراقيّ، أعطني تلك القثّاءة.
(وكان ﷺ يحبّ القثّاء) ، أي: مع الرّطب، كما يؤيّده ما سبق من جمعه ﷺ بينهما، (فأتيته به) ، أي: بالقثّاء، (وعنده حلية) ، أي: والحال أنّ عنده حلية- بكسر أو فتح فسكون-: اسم لما يتزيّن به من نقد وغيره.
(قد قدمت عليه) - بكسر الدّال؛ كعلمت، أي: وصلت إليه تلك الحلية- (من) خراج (البحرين) على لفظ التّثنية: إقليم بين البصرة وعمان، وهو من بلاد
стр. 849
فملأ يده منها، فأعطانيه.
قوله (أجر) - جمع جرو- وهو: الصّغير من كلّ شيء. وهنا:
الصّغير من القثّاء.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بباكورة الثّمرة ...
نجد، ويعرب إعراب المثنّى، ويجوز أن تجعل النّون محل الإعراب مع لزوم الياء مطلقا؛ وهي لغة مشهورة، واقتصر عليها الأزهري؛ لأّنه صار علما مفرد الدّلالة؛ فأشبه المفردات، والنّسبة إليه بحرانيّ.
(فملأ يده) ، أي: إحدى يديه؛ لا كلتا يديه، ولو أريد ذلك لقيل يديه، فالحمل على اليدين معا بعيد. (منها) ؛ أي: من تلك الحلية، (فأعطانيه) ، أي: لعظيم سخائه ﷺ وفيه كمال المناسبة، فإنّ الأنثى يليق بها الحلية.
(قوله: أجر) - بفتح الهمزة فسكون الجيم فراء منوّن مكسورة: (جمع جرو) مثلّث الجيم- (وهو الصّغير من كلّ شيء) حتى الحنظل والبطّيخ ونحوه.
(و) المراد (هنا الصّغير من القثّاء) ، وقيل: الرّمّان، وقيل: المراد هنا القثّاء مطلقا.
(و) أخرج ابن السّنّي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والحكيم التّرمذي في «نوادر الأصول» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، والطّبراني في «الكبير» و «الصغير» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- ورجال «الصغير» رجال الصّحيح؛ كما قاله الهيثمي-:
(كان رسول الله ﷺ إذا أتي) - بالبناء للمجهول- أي: جيء له (بباكورة الثّمرة) - بالثّاء المثلّثة- أي: أوّل ما يدرك من الفاكهة بحيث يصلح للأكل منها، قال أبو حاتم: الباكورة، هي أوّل كلّ فاكهة، ما عجل الإخراج. وابتكرت
стр. 850
وضعها على عينيه، ثمّ على شفتيه، وقال: «اللهمّ؛ كما أريتنا أوّله.. فأرنا آخره» ، ثمّ يعطيه من يكون عنده من الصّبيان.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر ...
الفاكهة: أكلت باكورتها، ونخلة باكورة، وباكور، وبكور: أثمرات قبل غيرها؛ قاله المناوي.
(وضعها على عينيه ثمّ على شفتيه) ؛ جبرا لخاطر من أتى بها، وسرورا بها لقرب عهدها بتكوين الله تعالى، كما كان يخرج يغتسل من ماء المطر، ويقول:
«إنّه قريب عهد بربّه» ، أي: بتكوينه.
(وقال) في دعائه: ( «اللهمّ؛ كما أريتنا أوّله فأرنا آخره» ) ، أي: فأبقنا حتّى نرى آخره، وكان القياس أوّلها وآخرها، لكنه ذكره على إرادة النّوع، فيسنّ لنا قول ذلك الذّكر.
(ثمّ يعطيه من يكون عنده من الصّبيان) ؛ إيثارا على نفسه، وهو سيّد من يؤثر على نفسه!! وخصّ الصّبيان بالإعطاء! لكونهم أرغب فيه، ولكثرة تطلّعهم إلى ذلك، ولما بينهما من المناسبة في حداثة الانفصال عن الغيب.
فإن لم يكن عنده صبيان حينئذ احتمل أنّه يعطيه نحو الرّجال، وأن يدّخره للصّبيان إلى أن يأتوا، واحتمل أن يأكله؛ والله أعلم.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» ، والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» ، والنّسائي، وابن ماجه، وابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» بألفاظ مختلفة بالزّيادة والنّقص- وهذا لفظ «الشّمائل» - كلّهم يروونه؛
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر) - بالثّاء المثلّثة والميم المفتوحتين- ويسمّى الباكورة، أي: باكورة كلّ فاكهة.
قال ابن علّان: وظاهر أنّ المراد منه ثمر النّخل؛ لأنّه الّذي كان حينئذ بالمدينة.
стр. 851
جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ .. قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في ثمارنا، [وبارك لنا في مدينتنا] ، وبارك لنا في صاعنا، وفي مدّنا ...
(جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ ؛ إيثارا له على أنفسهم حبّا له وتعظيما لجنابه، ونظرا إلى أنه أولى النّاس بما سيق إليهم من الرّزق.
قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه ﷺ بالبركة في الثّمر والمدينة والصاع والمدّ، وطلبا لمزيد استدرار بركته فيما تجدّد عليهم من النّعم؛ وفي الحديث: أنّه يستحبّ الإتيان بالباكورة لأكبر القوم علما وعملا.
(فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال) مستقبلا للنّعمة المجددة بالتضرّع والمسألة والتوجّه والإقبال التّام إلى المنعم الحقيقي؛ طلبا لمزيد الإنعام، على وجه يعمّ الخاصّ والعامّ (: «اللهمّ؛ بارك لنا في ثمارنا) أي: زد فيها الخير بالنّموّ والحفظ من الآفات.
( [وبارك لنا في مدينتنا] ) بكثرة الأرزاق وبقائها على أصلها وإقامة شعائر الإسلام، وإظهاره على غاية لا توجد في غيرها، (وبارك لنا في صاعنا، و) بارك لنا (في مدّنا) - بضمّ الميم وتشديد الدّال المهملة- بحيث يكفي صاعنا ومدّنا من لا يكفيه صاع غيرنا ومدّه.
فالمراد به الطّعام الّذي يكال بالصّيعان والأمداد، فيكون دعاء لهم بالبركة في أقواتهم.
قال القاضي عياض: البركة تكون:
١- بمعنى النّماء والزّيادة، وتكون بمعنى الثّبات واللّزوم.
و٢- يحتمل أن تكون البركة المذكورة في الحديث دينيّة؛ وهي ما يتعلّق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزّكاة والكفّارات. فتكون بمعنى الثّبات والبقاء لها؛ كبقاء الحكم ببقاء الشّريعة وثباتها.
стр. 852
.........
و٣- يحتمل أن تكون دنيويّة من تكثير الكيل والقدر بها، حتى يكفي منه في المدينة ما لا يكفي منه في غيرها.
أو ١- ترجع البركة إلى التصرّف بها في التجارات وأرباحها.
أو ٢- إلى كثرة ما يكال بها من غلّاتها وثمارها، أو ترجع إلى الزّيادة فيما يكال بها؛ لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسّع من فضله لهم، وملّكهم من بلاد الخصب والرّيف بالشّام والعراق ومصر وغيرها، حتّى كثر الحمل إلى المدينة واتّسع عيشهم، وصارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدّهم مثل مدّ النّبيّ ﷺ مرّتين أو مرّة ونصفا.
ولا مانع من إرادة إحاطة البركة بالكلّ، وفي هذا كلّه ظهور إجابة دعاء النّبيّ ﷺ وقبوله.
واختار النّووي من تلك التوجيهات: البركة في نفس مكيل المدينة، بحيث يكفي المدّ فيها لمن لا يكفيه في غيرها كما تقدّم.
وقال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدّعوة، ولا يلزم دوامها في كلّ حين ولكلّ شخص. انتهى. ذكره في «جمع الوسائل» .
وقدّم الثّمار في الدّعاء!! قضاء لحق المقام، إذ هو مستدع لذلك، ثمّ ذكر الصّاع والمدّ؛ اهتماما بشأنهما؛ ففي كلامه إجمال بعد تفصيل، وتفصيل بعد إجمال، وهو من اللّطائف.
والصّاع: مكيال معروف، وصاع المصطفى ﷺ الّذي بالمدينة المشار إليه هنا: أربعة أمداد، وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.
وأمّا قول أبي حنيفة بأنّه ثمانية أرطال! فهو ممنوع بأنّ الزيادة عرف طارىء على عرف الشّرع، ولذلك لما اجتمع أبو يوسف بمالك رضي الله تعالى عنه بالمدينة المنورة حين حجّ مع الرّشيد، فقال أبو يوسف: الصّاع ثمانية أرطال. فقال
стр. 853
اللهمّ؛ إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيّك، وإنّي عبدك، ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وإنّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه» .
قال: ثمّ يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثّمر.
مالك: صاع المصطفى ﷺ خمسة أرطال وثلث، فأحضر مالك جماعة شهدوا بقوله، فرجع أبو يوسف عن قوله.
والمدّ: رطل وثلث، فهو ربع صاع؛ قاله المناوي.
(اللهمّ؛ إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيّك) ، والغرض من ذلك التوسّل في قبول دعائه بعبوديّة أبيه إبراهيم وخلّته ونبوّته؛ (وإنّي عبدك، ونبيّك) ، الغرض من ذلك التوسّل في قبول دعائه بعبوديّته ونبوّته.
وقدّم الأولى! لأّنّه لا شرف أعلى منها ولم يقل «وخليلك» وإن كان خليلا؛ كما ورد في عدّة أخبار!! لأنّه خصّ بمقام المحبّة الأرفع من مقام الخلّة، أو أدبا مع أبيه الخليل، مع كونه أشار إلى تميّزه عليه بقوله: «ومثله معه» ! على أنّ إبراهيم لم يبتد حرمة مكة بل أظهرها، وأمّا نبيّنا؛ فأوجد حرمة المدينة، إذ لم يكن بها قبل دعائه وحلوله بها ذلك الاحترام، وشتّان بين من كان سببا لإظهار موجود لكنّه كامن خفي، ومن كان سببا لإنشاء تعظيم وتحريم!!
(وإنّه دعاك لمكّة) بقوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [٣٧/ إبراهيم] فاكتفى ﷺ بدعاء إبراهيم لها ولم يدع لها مع كونها وطنه.
(وإنّي أدعوك للمدينة) المنوّرة (بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه) ، أي:
مثل ذلك المثل، أي: أدعوك ضعف ما دعاك به إبراهيم لمكّة.
(قال) أي أبو هريرة (: ثمّ يدعو) ، أي: ينادي (أصغر وليد يراه) ، أي:
أصغر مولود يراه من أهل بيته؛ إن صادفه، وإلّا فمن غيرهم، (فيعطيه) ، أي: فيعطي ذلك الوليد (ذلك الثّمر) الذي هو الباكورة لكثرة رغبة الولدان وشدّة تطلّعهم لها.
стр. 854
قال العلماء: وقد استجيبت دعوة الخليل لمكّة، والحبيب للمدينة، فصار يجبى إليهما من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كلّ شيء.
وإنّما لم يأكل ﷺ منه!! إشارة إلى أنّ النّفوس الزكية والأخلاق المرضيّة لا تتشوّف إلى شيء من أنواع الباكورة؛ إلّا بعد عموم الوجود، فيقدر كلّ أحد على تحصيله.
وفيه ١- أن الآخذ للباكورة يسنّ أن يدعو بهذا الدّعاء.
و٢- أنّ وقت رؤية الباكورة مظنّة إجابة الدّعاء.
(قال العلماء: وقد استجيبت دعوة الخليل لمكّة) المكرمة في قوله:
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) [إبراهيم] يعني: وارزقهم من الثّمرات بأن تجلب إليهم من البلاد الشّاسعة لعلّهم يشكرون النّعمة؛ في أن يرزقوا أنواع الثّمرات حاضرة في واد ليس لهم فيه نجم «١» ولا شجر؛ ولا ماء.
ولا جرم أنّ الله أجاب دعوته وجعله كما أخبر عنه بقوله أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص] :
(و) استجيبت دعوة (الحبيب) الأعظم ﷺ (للمدينة) المنورة بأنواره ﷺ ، وضوعف خيرها؛ (فصار يجبى إليهما) ، أي: إلى مكّة والمدينة من زمن الخلفاء الراشدين (من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كلّ شيء) .
وزاد عليها- استجابة لقوله: «ومثله معه» - شيئان:
أحدهما: في ابتداء الأمر؛ وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما؛ وإنفاقهما في سبيل الله على أهلها.
وثانيهما: في آخر الأمر؛ وهو أنّ الإيمان يأرز إليها من الأقطار.
стр. 855
وكان ﵊ يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها.
فائدة: قال القسطلّانيّ: وهذا من أكبر أسباب الصّحّة، فإنّ الله بحكمته جعل في كلّ بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم؛ إلّا وهو من أسقم النّاس جسما، وأبعدهم عن الصّحّة والقوّة.
فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الّذي ينبغي، على الوجه الّذي ينبغي.. كان له دواء نافعا.
(و) في «المواهب» : (كان ﵊ يأكل من فاكهة بلده) ، أي: ما يتجدّد منها؛ كخوخ ورمّان في أوانهما، لا بمعناها اللّغوي؛ وهو:
ما يتنعّم بأكله رطبا كان أو يابسا؛ كلوز وبندق يابسين، بدليل قوله (عند مجيئها) أي: وجودها وظهورها، (ولا يحتمي) : يمتنع (عنها) ﷺ .
(فائدة) تقدّم الكلام عليها: (قال) العلّامة (القسطلّانيّ) في «المواهب» :
(وهذا) أي: الأكل من فاكهة بلده عند مجيئها (من أكبر أسباب الصّحّة، فإنّ الله بحكمته جعل في كلّ بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية،
وقلّ) - بمعنى النّفي الصّرف- أي: انتفت الصّحّة عن (من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم) ، فلا يوجد أحد منهم (إلّا وهو من أسقم النّاس جسما، وأبعدهم عن الصّحّة والقوّة) . وليس المراد أن المحتمّين المصابين بالسّقم قليل.
(فمن أكل منها ما ينبغي؛ في الوقت الّذي ينبغي؛ على الوجه الّذي ينبغي؛ كان له دواء نافعا) .
стр. 856
.........
يؤخذ منه أنّ ما يجلب من الفاكهة؛ كتفّاح من الشّام إلى مصر، لا ينبغي تناوله إلّا بعد معرفة أنّه مما ينبغي تناوله ذلك الوقت، إذ ليس من فاكهة بلده، وجاز أنّ فيه خواصّ تليق بأكله في محلّه؛ دون ما جلب له.
خاتمة: روى ابن السّنّي وأبو نعيم؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه:
أهدي له ﷺ طبق من تين، فقال: «كلوا، فلو قلت «إنّ فاكهة نزلت من الجنّة بلا عجم» ؛ لقلت: هي التّين» ، وأنّه يذهب بالبواسير وينفع من النّقرس.
ولأحمد أنّه ﷺ دخل بيت سعد بن عبادة؛ فقرب إليه زبيبا فأكل.
وللطّبراني: أتي النّبيّ ﷺ بسفر جلة من الطّائف، فقال: «كلوه؛ فإنّه يذهب بطخاوة القلب، ويجلو الفؤاد، ويذهب طخاء الصّدر» .
ولابن حبان: أتي رسول الله ﷺ برمّان؛ يوم عرفة فأكل.
وللخطيب؛ عن البراء: رأيت رسول الله ﷺ يأكل توتا في قصعة؛ ذكره الزرقانيّ في «شرح «المواهب اللّدنيّة» للقسطلّاني» رحمهم الله تعالى أجمعين.
آمين.
стр. 857
[الفصل الخامس في صفة شرابه ﷺ وقدحه]
الفصل الخامس في صفة شرابه ﷺ وقدحه عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد.
(الفصل الخامس:) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد من الأخبار في (صفة شرابه) ﷺ ، والشّراب: ما يشرب من المائعات، يقال: شربت الماء وغيره؛ شربا- بتثليث الشّين لكنّه بالفتح مصدر قياسيّ، وبالضّمّ والكسر مصدران سماعيّان، خلافا لمن جعلهما اسمي مصدر-.
وفي هذا الفصل بيان الأحاديث الّتي فيها كيفية شربه ﷺ .
قال في «المصباح» : الشّرب: مخصوص بالمصّ حقيقة، ويطلق على غيره مجازا.
(و) في بيان الأخبار الواردة في (قدحه) ﷺ .
والقدح- بفتحتين-: ما يشرب فيه، وهو إناء لا صغير ولا كبير، وجمعه أقداح؛ كسبب وأسباب.
وكان له ﷺ قدح يسمّى الرّيان، وآخر يسمّى مغيثا، وقدح مضبّب بسلسلة من فضّة في ثلاثة مواضع، وآخر من زجاج، وآخر من عيدان- بفتح العين المهملة- والعيدانة: النّخلة السّحوق، وهو الّذي كان يوضع تحت سريره ليبول فيه باللّيل.
وقد تقدّم (عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد) ؛ برفع «أحبّ» على أنّه
стр. 858
.........
اسم «كان» ، ونصب «الحلو البارد» على أنّه خبرها، وقيل: بالعكس.
أخرجه الإمام أحمد والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» في «الأشربة» ؛ عن عائشة، والحاكم في «الأطعمة» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا.
وتعقّبه الذّهبيّ بأنّه من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. وعبد الله هالك! فالصّحيح إرساله. انتهى.
ولذا قال التّرمذيّ في «جامعه» : والصحيح ما روي عن الزّهري عن النّبيّ ﷺ مرسلا؛ ثمّ يحتمل أن تريد عائشة ب «الحلو البارد» : الماء الحلو العذب؛ كالعيون والآبار الحلوة، فإنّه كان يستعذب له الماء، ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل، أو الذي ينقع فيه التّمر أو الزّبيب.
قال ابن القيّم: والأظهر أنّه يعمّ الثّلاثة جميعا، لأنّه يصدق على الكلّ أنّه ماء حلو.
وكان ﷺ ينبذ له أوّل اللّيل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك واللّيلة التي تجيء والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم؛ أو أمر به فصبّ. رواه مسلم.
وهذا النّبيذ هو: ماء حلو يطرح فيه تمر يحلّيه، وله نفع عظيم في زيادة القوّة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث؛ خوفا من تغيره إلى الإسكار.
فإن لم يتغيّر سقاه الخادم، وإلّا صبّه.
ولا يشكل بأنّ اللّبن كان أحبّ إليه!! لأنّ الكلام في شراب هو ماء؛ أو فيه ماء.
وأمّا حديث عائشة: كان أحبّ الشّراب إليه العسل. رواه ابن السّنّي وأبو نعيم في «الطب» ؟! فالمراد: الممزوج بالماء، كما يأتي في الرواية الّتي بعد هذا.
وروى الإمام أحمد: سئل رسول الله ﷺ : أيّ الشّراب أطيب؟ قال: «الحلو البارد» ، فإذا جمع الماء الوصفين المذكورين- وهما الحلاوة والبرودة- حفظ
стр. 859
وكان رسول الله ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
الصّحّة، ونفع الأرواح والقوى، والكبد والقلب، وقمع الحرارة وحفظ على البدن رطوباته الأصليّة، وردّ إليه ما تحلّل منها، ورقّق الغذاء ونفّذه إلى العروق.
والماء الملح؛ أو السّاخن يفعل ضدّ هذه الأشياء، وتبريد الماء وتحليته لا ينافي كمال الزّهد!! لأنّ فيه مزيد الشّهود لنعم الله تعالى، وإخلاص الشّكر له، ولذلك كان سيّدي أبو الحسن الشّاذلي يقول: إذا شربت الماء الحلو أحمد ربّي من وسط قلبي. وليس في شرب الماء الملح فضيلة.
ويكره تطييبه بنحو مسك كتطييب الماكل، ولذلك كان ﷺ يستعمل أنفس الشّراب؛ لا أنفس الطّعام غالبا، وكان ﷺ يستعذب له الماء من بيوت صحبه، أي: يطلب له الماء العذب من بيوتهم.
(و) في «المواهب» : (كان رسول الله ﷺ يشرب العسل) : النحل، إذ هو المراد لغة وطبّا. وفي «القاموس» العسل- محرّكة-: لعاب النّحل.
(الممزوج بالماء البارد) .
وقال ابن القيّم: وفي هذا من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلّا أفاضل الأطبّاء، لما فيه من التّعديل، فإنّ شرب العسل ولعقه على الريق يزيل البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها «١» ، ويدفع عنها الفضلات، ويسخّنها باعتدال، ويفتح سددها «٢» ، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن، فجمعه مع العسل غاية في التّعديل. وإنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصّفراء!! لحدّته وحدّة الصّفراء، فربّما هيّجها، فدفع ضرره لصاحبها بالخلّ.
قال في «العارضة» : كان يشرب الماء البارد ممزوجا بالعسل، فيكون حلوا باردا، وكان يشرب اللّبن، ويصبّ عليه الماء حتّى يبرد أسفله.
стр. 860
وعن جابر: أنّه ﷺ دخل على رجل من الأنصار- ومعه صاحب له- فسلّم، فردّ الرّجل وهو يحوّل الماء في حائطه، فقال ﷺ : «إن كان عندك ماء بات في شنّة، وإلّا.. كرعنا» ،
وقال في «العارضة» أيضا: العسل واللّبن مشروبان عظيمان، سيّما لبن الإبل «١» ، فإنّها تأكل من كلّ الشّجر، وكذا النّحل لا تبقي نورا إلا أكلت منه، فهما مركبان من أشجار مختلفة، وأنواع من النّبات متباينة، فكأنّهما شرابان مطبوخان مصعدان، ولو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يركّبوا شيئين منهما لما أمكن، فسبحان جامعهما. انتهى نقله المناوي والزرقاني.
(و) أخرج البخاري في موضعين في «الأشربة» ، وأبو داود وابن ماجه في «الأشربة» أيضا؛ (عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أنّه ﷺ دخل على رجل من الأنصار) بستانه، وهو أبو الهيثم بن التّيّهان- جزم به الحافظ ابن حجر في «المقدمة» ، ومرّضه «٢» في «الشرح» ، لأنّ راويه الواقديّ، وهو متروك-.
(ومعه صاحب له) أبو بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه (فسلّم) ، أي: النّبيّ ﷺ وصاحبه- كما في رواية، أي: وسلّم صاحبه- على الرّجل، (فردّ الرّجل) السّلام عليهما- زاد في رواية للبخاري: وقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي- وهي ساعة حارة.
(وهو) - في رواية: والرجل- (يحوّل الماء في حائطه) ، أي: ينقله من عمق البئر إلى ظاهرها، أو يجري الماء من جانب إلى جانب من بستانه؛ ليعمّ أشجاره بالسّقي.
(فقال ﷺ للرجل (: «إن كان عندك ماء بات في شنّة) - بفتح الشّين المعجمة والنّون المشدّدة، وتاء تأنيث-: قربة خلق، وجواب الشّرط محذوف- صرّح به في رواية ابن ماجه، فقال-: فاسقنا منه، (وإلّا) يكن عندك (كرعنا» ) ، - بفتح
стр. 861
فقال: عندي ماء بات في شنّ، فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء، ثمّ حلب عليه من داجن [له] ؛ فشرب ﵊.
الكاف والرّاء؛ وتكسر- أي: شربنا من غير إناء ولا كفّ؛ بل بالفم.
(فقال: عندي ماء بات في شنّ) ، قال الجوهري: الشّن والشّنة: القربة الخلق، وقال الدّاودي: هي الّتي زال شعرها من البلى.
(فانطلق) - بفتحات- أي: النّبيّ ﷺ وصاحبه مع الرّجل بطلبه (إلى العريش) الموضع المسقف من البستان بالأغصان، وأكثر ما يكون في الكروم؛ وعليه عشب وثمام- وفي رواية للبخاري: فانطلق بكسر اللّام وإسكان القاف فانطلق بهما- (فسكب) أي: الرّجل (في قدح ماء، ثمّ حلب عليه) لبنا (من داجن [له] ) - بجيم ونون-: شاة تألف البيوت، كما سيأتي للمصنف.
(فشرب ﵊ ، ثمّ شرب الرّجل الذي جاء معه.
وفي رواية أحمد: وشرب النّبيّ ﷺ وسقى صاحبه، قال الحافظ ابن حجر:
وظاهره أنّه شرب فضلة النّبيّ ﷺ . لكن في رواية لأحمد أيضا وابن ماجه: ثمّ سقاه، ثمّ صنع لصاحبه مثل ذلك، أي: حلب له أيضا، وسكب عليه من الماء البائت؛ هذا هو الظّاهر، ويحتمل أنّ المثليّة في مطلق الشّراب. انتهى.
وعورض هذا الحديث بما أخرجه ابن ماجه؛ عن ابن عمر: مررنا على بركة، فجعلنا نكرع فيها، فقال ﷺ : «لا تكرعوا، ولكن اغسلوا أيديكم ثمّ اشربوا بها..» الحديث. وفي سنده ضعف، فإن كان محفوظا!! فالنّهي فيه للتّنزيه.
وقوله: وإلّا كرعنا!! لبيان الجواز، أو كان قبل النّهي، أو النّهي في غير حال الضّرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الّذي ليس ببارد، فشرب بالكرع لضرورة العطش؛ لئلّا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الرّي. أشار إلى هذا الأخير ابن بطّال.
وإنّما قيل للشّرب بالفم كرع!! لأنّه فعل البهائم لشربها بأفواهها، والغالب أنّها
стр. 862
و (الشّنّ) : الجلد البالي. و (الدّاجن) : ما يألف البيوت من الشّياه ونحوها.
وكان رسول الله ﷺ إذا استنّ.. أعطى السّواك الأكبر، ...
تدخل أكارعها حينئذ. وعند ابن ماجه من وجه آخر؛ عن ابن عمر: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب على بطوننا؛ وهو الكرع. وسنده ضعيف أيضا.
فإن ثبت! احتمل أنّ النّهي خاصّ بهذه الصّورة، وهي أن يكون الشّارب منبطحا على بطنه، ويحمل حديث جابر على الشّرب بالفم من مكان عال لا يحتاج إلى الانبطاح. انتهى «زرقاني» .
(والشّنّ) : - جمعه شنان؛ مثل سهم وسهام- هو (الجلد البالي.
(و) أمّا (الدّاجن) - بالدال المهملة والجيم المكسورة، وآخره نون؛ بوزن العاجن- فهي (: ما يألف البيوت من الشّياه) والدّجاج والحمام، (ونحوها) - والجمع دواجن.
(و) أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ؛ عن عبد الله بن كعب بن مالك السّلمي- قال في «التقريب» : يقال له رؤية؛ ولا رواية له اتفاقا، فالحديث مرسل. قال في العزيزي: وهو حديث حسن-:
(كان رسول الله ﷺ إذا استنّ) ؛ أي: تسوّك، أي: استعمل السّواك في أسنانه- من السّنّ؛ وهو إمرار شيء فيه خشونة على آخر، ومنه المسنّ- (أعطى السّواك الأكبر) ، الظّاهر أنّ المراد به: الأفضل، ويحتمل الأسنّ، أي: ناوله بعد تسوّكه به إلى أكبر القوم الحاضرين لأنّه توقير له، فيندب تقديم الأكبر في السّواك وغيره من سائر وجوه الإكرام والتّوقير، وفيه حلّ الاستياك بحضرة الغير؛ قاله المناوي.
وفي العزيزي: قال الشّيخ: وهذا يشعر بجواز دفع السّواك للغير، لكن ينبغي حمله على جواز بكراهة في شأن غير الشّارع، على أنّه كان يفعل مثل ذلك لبيان الجواز فلا ينافي حينئذ كراهة الاستياك بسواك الغير. انتهى.
стр. 863
وإذا شرب.. أعطى الّذي عن يمينه.
وكان ﷺ يمصّ الماء مصّا، ولا يعبّ عبّا.
وفي الحفني قوله: أعطى السّواك الأكبر، أي: أكبر الحاضرين؛ وإن لم يكن على يمينه، بخلاف الأكل والشّرب، فيسنّ البدء بمن على اليمين؛ ولو صغيرا ومفضولا.
ويؤخذ من هذا الحديث عدم كراهة الاستياك بسواك الغير إذا كان بإذنه، وهو كذلك، ففي «شرح محمد رملي» : ولا يكره سواك غيره بإذنه، ويحرم بدونه؛ إن لم يعلم رضاه به. انتهى.
قال علي الشّبراملسي: «قوله ولا يكره» ؛ أي: لكنّه خلاف الأولى إلّا للتّبرّك، كما فعلته عائشة رضي الله تعالى عنها. انتهى.
(وإذا شرب) ماء؛ أو لبنا (أعطى الّذي عن يمينه) ؛ ولو مفضولا صغيرا- كما مرّ-.
قال ابن حجر: وظاهر تخصيص الشّراب أنّ ذلك لا يجري في الأكل، لكن وقع في حديث أنس خلافه. انتهى «مناوي» .
(و) في «الإحياء» : (كان ﷺ يمصّ الماء) - بضمّ الميم وفتحها، ومنهم من يقتصر عليه- (مصّا) - مصدر مؤكّد لما قبله- أي: يأخذه في مهلة ويشربه شربا رفيقا.
(ولا يعبّ) - بضمّ العين- (عبّا) ، أي: لا يشرب بكثرة من غير تنفّس.
روى البغوي، والطّبراني، وابن عدي، وابن قانع، وابن منده، وأبو نعيم في «الصحابة» ، وابن السّنّي، وأبو نعيم في «الطّب» ؛ من حديث بهز: كان يستاك عرضا، ويشرب مصّا. وأسانيده كلّها ضعيفة مضطربة.
وروى الطّبراني؛ من حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها:
كان يبدأ بالشّراب إذا كان صائما، وكان لا يعبّ فيشرب مرّتين أو ثلاثا.
стр. 864
وكان يدفع فضل سؤره إلى من على يمينه، فإن كان من على يساره أجلّ رتبة.. قال للّذي على يمينه: «السّنّة أن تعطى، فإن أحببت..
آثرتهم» .
ولأبي الشّيخ؛ من حديث ميمونة: لا يعبّ ولا يلهث. وكلّها ضعيفة.
وروى سعيد بن منصور، وابن السّنّي، وأبو نعيم في «الطّب» ، والبيهقي في «الشّعب» ؛ من مرسل ابن أبي حسين: «إذا شرب أحدكم فليمصّ مصّا، ولا يعبّ عبّا، فإنّ الكباد من العبّ» . وروى أبو داود في «مراسيله» ؛ عن عطاء ابن أبي رباح: «إذا شربتم فاشربوا مصّا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا» .
وروى الدّيلمي من حديث علي: «إذا شربتم الماء فاشربوه مصّا، ولا تشربوه عبّا، فإنّ العبّ يورث الكباد» .
والكباد- بضمّ الكاف وتخفيف الباء-: وجع الكبد، لأنّ مجمع العروق عند الكبد، ومنه ينقسم إلى العروق ويتولّد منه السّدد فيقوى البلغم؛ فيورث كسلا عن القيام والعبادة، وهذا من محاسن حكمته ﵊.
قال ابن القيّم: وقد علم بالتجربة أنّ هجوم الماء دفعة واحدة يؤلم الكبد ويضعف حرارتها، بخلاف وروده بالتدريج، ألا ترى أنّ صبّ الماء البارد على القدر وهي تفور يضرّ، وبالتدريج لا. انتهى.
(وكان) ﷺ (يدفع فضل سؤره) ؛ أي: ما بقي من الشراب (إلى من على يمينه) .
قال العراقي: متفق عليه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
ومن ثم قال ﷺ : «الأيمن فالأيمن» ... أو «الأيمنون فالأيمنون» .
واستفيد منه تقديم الأيمن ندبا؛ ولو صغيرا مفضولا.
(فإن كان من على يساره أجلّ رتبة! قال) النّبيّ ﷺ (للّذي على يمينه:
«السّنّة أن تعطى) - بفتح الطّاء المهملة؛ مبنيا للمجهول- (فإن أحببت آثرتهم» ) - بفتح التّاء- قال العراقي: متّفق عليه؛ من حديث سهل بن سعد. انتهى.
стр. 865
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد ...
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» - وقال التّرمذيّ: هذا حديث حسن- وابن ماجه، وفي ألفاظهم اختلاف بالزّيادة والنّقص- وهذا لفظ «الشّمائل» -؛ كلهم
(عن) عبد الله (ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
دخلت مع رسول الله ﷺ أنا) - ضمير منفصل مؤكّد، أتى به لأجل العطف، كما قال ابن مالك في «الخلاصة» :
وإن على ضمير رفع متّصل ... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل
(وخالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي المخزومي.
أبو سليمان- وقيل: أبو الوليد- سيف الله.
أمّه لبابة الصّغرى بنت الحارث «أخت ميمونة: أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها» ؛ ولبابة الكبرى امرأة العبّاس.
أسلم بعد الحديبية، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة: ستّ من الهجرة.
وشهد غزوة مؤتة، وسمّاه النّبيّ ﷺ يومئذ «سيف الله» ، وشهد خيبر وفتح مكّة وحنينا. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية عشر حديثا اتفق البخاري ومسلم على حديث.
روى عنه ابن عبّاس، وجابر، والمقدام بن معدي كرب، وأبو أمامة بن سهل؛ الصّحابيّون رضي الله تعالى عنهم.
وروى عنه من التّابعين: قيس بن أبي حازم، وأبو وائل، وغيرهما.
وكان من المشهورين بالشّجاعة والشّرف والرّياسة، وممّن يوزن بألف من الرّجال:
стр. 866
على ميمونة، ...
ممّن بألف يوزن: المقداد ... خارجة، عبادة الآساد
كذا زبير، وعليّ منهم ... وخالد في العدّ أيضا معهم
وله الآثار العظيمة المشهورة في قتال المرتدّين باليمامة، وفي قتال الرّوم بالشّام، والفرس بالعراق، وافتتح دمشق.
ولما حضرته الوفاة؛ قال: لقد شهدت مائة زحف أو نحوها، وما في بدني موضع شبر؛ إلّا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء، وما لي من عمل أرجى من «لا إله إلّا الله» ؛ وأنا متترّس بها.
وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما سنة: إحدى وعشرين هجرية بحمص، وقبره مشهور على نحو ميل من حمص «١» ، وحزن عليه عمر والمسلمون حزنا شديدا رضي الله تعالى عنه وعنهم، وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين.
(على) أمّ المؤمنين (ميمونة) بنت الحارث بن حزن الهلالية العامريّة، تزوّجها النّبيّ ﷺ بمكّة سنة ستّ، وقيل: سنة سبع، وبنى بها «٢» في سرف- بسين مهملة مفتوحة، ثمّ راء مكسورة، ثم فاء-: موضع بين التّنعيم والوادي في طريق المدينة المنوّرة على عشرة أميال من مكّة، وقدّر الله أنّها ماتت عند قفولها من الحجّ ب «سرف» وهو المكان الّذي بنى بها فيه النّبيّ ﷺ سنة: - ٥١- إحدى وخمسين هجرية، ودفنت فيه، فاجتمع في ذلك المكان الهناء والعزاء.
وبني على قبرها مسجد يزار ويتبرّك به، ...
стр. 867
فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ ، وأنا على يمينه، وخالد عن شماله.
فقال لي: «الشّربة لك، ...
وكان الّذي صلّى إماما بالنّاس على جنازتها ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
وهي أخت أم الفضل: امرأة العبّاس، وأخت لبابة الصغرى: أمّ خالد، وأخت أسماء بنت عميس، فهي خالة خالد بن الوليد وخالة ابن عبّاس، وهي آخر أزواج النّبيّ ﷺ .
روى عنها جماعة؛ منهم عبد الله بن عبّاس.
روي لها عن النّبيّ ﷺ ستّة وأربعون حديثا رضي الله تعالى عنها.
(فجاءتنا بإناء) مملوء (من لبن، فشرب رسول الله ﷺ ؛ أي: منه (وأنا على يمينه، وخالد عن شماله) ، أي: والحال أنّي على يمينه وخالد عن شماله، وتعبيره ب «على» في الأوّل، وب «عن» في الثّاني!! للتّفنّن الّذي هو ارتكاب فنّين من التعبير مع اتّحاد المعنى، فهما هنا بمعنى واحد وهو مجرّد الحضور.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (لي) - بفتح الياء وتسكّن- (: «الشّربة لك) أي:
هذه المرّة من الشّرب حقّ لك لأنّك على اليمين، ومن على اليمين مقدّم على من على اليسار، فقد ورد: «الأيمن فالأيمن» . رواه مالك، وأحمد، وأصحاب الكتب السّتّة؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
والسّرّ في تقديم من على اليمين على من على اليسار!! أنّ من على اليمين مجاور لملك اليمين الّذي هو حاكم على ملك الشّمال، وتجرى هذه السّنّة- وهي تقديم من على اليمين- في غير الشّراب كالمأكول والملبوس وغيرهما؛ كما قاله المهلّب وغيره، خلافا لمالك حيث قال في الشراب خاصة. وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ عنه.
وأوّله القاضي عياض بأنّ مراده أنّه إنّما جاءت السّنّة بتقديم الأيمن في الشّرب خاصّة، وغيره إنّما هو بطريق القياس، فالسّنّة البداءة في الشّرب ونحوه بعد الكبير
стр. 868
فإن شئت آثرت بها خالدا» .
بمن على يمينه؛ ولو صغيرا مفضولا، وتأخير من على اليسار؛ ولو كبيرا فاضلا!! بل ذهب ابن حزم إلى وجوب ذلك، فقال: لا تجوز البداءة بغير الأيمن إلّا بإذنه.
فإن قيل: يعارض ما تقدّم ما رواه أبو يعلى؛ عن الحبر ابن عبّاس بإسناد صحيح: كان رسول الله ﷺ إذا سقى قال: «ابدأوا بالأكبر» أو قال: بالأكابر» .
أجيب: بأنّ ذلك محمول على ما إذا لم يكن عن يمينه أحد، بل كان الجميع أمامه؛ أو وراءه.
(فإن شئت آثرت بها خالدا» ) - بفتح التّاء فيها ومدّ الهمزة-؛ من آثرت.
يقال: آثرته- بالمدّ-: فضّلته وقدّمته، لأنّ الإيثار معناه: التّفضيل والتّقديم، وأما استأثر بالشّيء! فمعناه: استبدّ به؛ كما في «المصباح» وغيره.
وفي تفويض الإيثار إلى مشيئته تطييب لخاطره، وتنبيه على أنّه ينبغي له إيثار خالد؛ لكونه أكبر منه.
وهذا ليس من الإيثار في القرب المكروه، على أنّ الكراهة محلّها حيث آثر من ليس أحقّ منه؛ بأن كان مساويا له وأقلّ منه، أمّا إذا آثر من هو أحقّ منه!! كأن آثر من هو أحقّ منه بالإمامة!! فليس مكروها.
فإن قيل: قد استأذن رسول الله ﷺ الأيمن في هذا الخبر، ولم يستأذن أعرابيّا عن يمينه؛ والصّدّيق عن يساره في قصة نحو هذه!؟.
أجيب: بأنّه إنّما استأذن هنا ثقة بطيب نفس ابن عباس بأصل الاستئذان، لا سيّما وخالد قريبه، مع رياسته في قومه، وشرف نسبه بينهم، وقرب عهده بالإسلام، فأراد ﷺ تطييب خاطره، وتألّفه بذلك.
وأمّا الصّدّيق- رضي الله تعالى عنه- فإنّه مطمئنّ الخاطر؛ راض بكل ما يفعله المصطفى ﷺ ، لا يتغيّر ولا يتأثّر، ولا ينقص ذلك بمقام الصّدّيق، ولا يخرجه عن فضيلته الّتي أولاه الله إيّاها، لأنّ الفضيلة إنّما هي فيما بين العبد وربّه، لا فيما بينه وبين الخلق.
стр. 869
فقلت: ما كنت لأؤثر على سؤرك أحدا.
ثمّ قال رسول الله ﷺ : «من أطعمه الله طعاما.. فليقل: ...
(فقلت: ما كنت لأؤثر) - بكسر اللّام ونصب الفعل، كما في قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [٣٣/ الأنفال]-.
(على سؤرك أحدا) السؤر- بضمّ السّين وسكون الهمزة، وقد تبدل واوا-:
ما بقي من الشّراب. والمعنى: لا ينبغي أن أقدّم على ما بقي من شرابك أحدا غيري يفوز به؛ لما فيه من البركة، ولا يضرّ عدم إيثاره لذلك، ولهذا أقرّه المصطفى ﷺ .
وكذا نقل عن بعض الصّحابة أنّه لما أقرع النّبيّ ﷺ بين رجل وولده في الخروج للجهاد فخرجت القرعة للولد؛ فقال له أبوه: آثرني، فقال: يا أبت لا يؤثر بالجنّة أحد أحدا أبدا!! فأقرّه النّبيّ ﷺ على ذلك، مع أنّ برّ الوالدين متأكّد، لكن على ما أحكمته السّنة؛ دون غيره.
ويؤخذ من هذا الحديث: أنّ من سبق إلى مجلس عالم أو كبير وجلس بمجلس عال لا ينقل منه لمجيء من هو أفضل منه، فيجلس ذلك الجائي حيث ينتهي به المجلس؛ ولو دون مجلس من هو دونه.
(ثمّ قال رسول الله ﷺ : «من أطعمه الله طعاما؛ فليقل) ندبا مؤكّدا حال الشروع في الأكل، فإن لم يقل ذلك حال الشّروع في الأكل؛ فليأت به بعده، ويقدم عليه حينئذ صيغة الحمد، نحو قوله «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» ، كذا قاله الباجوري، تبعا للمناوي التّابع لابن حجر الهيتمي.
وقال ملّا علي قاري في «جمع الوسائل» : ليقل ندبا بعد أكله والحمد عليه.
وأما قول ابن حجر «فليقل حال الأكل، فإن أخّره إلى ما بعده! فالأولى أن يكون بعد الحمد كما هو ظاهر» !! فليس بظاهر، لأنّ حال الأكل لا يقال «أطعمنا خيرا منه، أو زدنا منه» ؛ كما هو ظاهر. انتهى.
стр. 870
(اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه) ، ومن سقاه الله لبنا..
فليقل: (اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وزدنا منه) .
ثمّ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيء يجزىء مكان الطّعام والشّراب غير اللّبن» .
وكان ﷺ يشرب قاعدا، وكان ذلك عادته ...
(: اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه) ، الظّاهر أنّه يأتي بهذا اللّفظ المذكور؛ وإن كان وحده، بل وإن كان امرأة؛ رعاية للّفظ الوارد، وملاحظة لعموم الإخوان من المسلمين.
(ومن سقاه الله لبنا؛ فليقل) حال الشّروع في الشّرب؛ كما تقدم
(: اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وزدنا منه» ) أي: من جنس اللّبن الّذي شربنا منه، ولم يقل- على قياس ما سبق- «واسقنا خيرا منه» !! لأنّه لا خير من اللّبن، بخلاف بقيّة الأطعمة؛ لأنّ اللّبن يجزي مكان الطّعام والشّراب؛ ولا كذلك غيره، فهو خير من سائر الأطعمة وليس فيها خير منه.
وأشار المصنّف إلى دليله بقوله: (ثمّ قال) أي: ابن عبّاس: (قال: رسول الله ﷺ : «ليس شيء يجزىء) - بضمّ أوّله وهمزة في آخره؛ من الإجزاء- أي:
لا يقوم، ولا يغني شيء (مكان الطّعام والشّراب؛ غير اللّبن» ) - بنصب «غير» على الاستثناء، أو بالرّفع على البدل- يعني: لا يكفي في دفع الجوع والعطش معا شيء واحد؛ إلا اللّبن، فإنّه يقوم مقام الطّعام والشّراب، لكونه يغذّي ويسكّن العطش.
وبذلك يعلم أنّ سائر الأشربة لا تلحق باللّبن في ذلك، بل بالطّعام.
وحكمة الدّعاء حين الطّعام والشّراب: إسناد ذلك إلى الله ، ورفع مدخليّة غيره في ذلك.
(وكان) رسول الله ﷺ يشرب قاعدا، وكان ذلك عادته) المستمرّة.
стр. 871
رواه مسلم. وفي رواية له أيضا: أنّه نهى عن الشّرب قائما.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ شرب من زمزم وهو قائم.
(رواه) الإمام (مسلم) في «صحيحه» .
(وفي رواية له أيضا) من حديث قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه (أنّه) ﷺ (نهى) - ولمسلم أيضا: زجر- (عن الشّرب قائما) .
قال قتادة: فقلنا: فالأكل!؟ قال: «ذلك أشرّ وأخبث» ؛ هذا بقيّته في «مسلم» .
وكذا رواه أبو داود والتّرمذي- وفي رواية لمسلم أيضا- عن عمر بن حمزة:
أخبرني أبو غطفان المرّي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ ﷺ :
«لا يشربنّ أحدكم قائما، فمن نسي فليستقىء» .
(و) في «الصحيحين» وغيرهما: (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ أنّ النّبيّ ﷺ شرب من) ماء (زمزم) - ولفظه: أتيت النّبيّ ﷺ بدلو من ماء زمزم في حجّة الوداع؛ فشرب- (وهو قائم) .
وفي حديث علي بن أبي طالب عند البخاريّ: أنّ عليّا شرب وهو قائم فضل وضوئه، وكان في رحبة الكوفة، ثمّ قال: إنّ أناسا يكرهون الشّرب قائما، وإنّ رسول الله ﷺ صنع مثل ما صنعت.
ولأحمد عن علي أنّه شرب قائما فرأى النّاس كأنّهم أنكروه؛ فقال: ما تنظرون أن أشرب قائما!! فلقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما، وإن شربت قاعدا؛ فقد رأيته يشرب قاعدا!!
وكلّ هذه الأحاديث صحيحة؛ خلافا لمن أشار إلى تضعيف أحاديث النّهي، ولا إشكال فيها، ولا تعارض.
стр. 872
.........
وغلط من زعم أنّ فيها نسخا، وكيف يصار للنّسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، والنّسخ إنّما يكون لو ثبت التّاريخ. وأنّى له بذلك!!
والصّواب أنّ النّهي محمول على كراهة التّنزيه.
وأمّا شربه ﷺ قائما! فلبيان الجواز، أو لأنّه لم يجد محلّا للقعود،؛ لازدحام النّاس على زمزم، أو ليرى النّاس أنّه غير صائم، أو لابتلال المحلّ.
فإن قلت: كيف يكون الشّرب قائما مكروها؛ وقد فعله ﷺ ؟!.
فالجواب: أنّ فعله ﷺ إذا كان بيانا للجواز لم يكن مكروها في حقّه؛ بل البيان واجب عليه، فيثاب عليه ﷺ ثواب الواجب.
قال النّوويّ: وقد ثبت أنّه توضّأ مرة مرّة، وطاف على بعيره؛ مع أنّ الإجماع على أنّ الوضوء ثلاثا والطواف ماشيا أكمل!! ونظائر هذا لا تنحصر.
وكان ينبّه على جواز الشّيء مرّة أو مرّات، ويواظب على الأفضل، ولذا كان أكثر وضوئه ثلاثا، وأكثر طوافه ماشيا، وأكثر شربه جالسا؛ وهذا واضح، فلا يتشكّك فيه من له نسبة إلى علم.
وأمّا قوله ﵊ «فمن نسي فليستقىء» !! محمول على الاستحباب والنّدب، فيستحبّ لمن شرب قائما أن يتقيّأ، لهذا الحديث الصّحيح؛ سواء كان ناسيا؛ أو لا. قاله النّووي.
وقالت: المالكيّة: يجوز الشّراب قائما؛ وبالجواز صرّح ابن رشد من أئمّتهم، لصحّة الأدلّة [ولأنها] أقوى من أحاديث النّهي!!
فإنّهم استدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم الصّحابي؛ قال: رأيت أبا بكر الصّديق يشرب قائما وهو من أشد النّاس بعدا عن المكروه.
واستدلّوا بقول مالك: إنّه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أنّهم كانوا يشربون قياما؛ وبلاغات مالك ليست من الضّعيف؛ لأنّها تتبعت كلّها فوجدت موصولة.
стр. 873
.........
وهذا يؤيّد الجواز بلا كراهة، وقد صحّ: «عليكم بسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنّواجذ» ، و «واقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر» !!.
قال صاحب «المفهم» : لم يذهب أحد إلى أنّ النّهي في الحديث للتّحريم، ولا التفات لابن حزم! وإنّما حمل على الكراهة؛ والجمهور على عدمها، فمن السّلف الخلفاء الأربعة، ثمّ مالك؛ تمسّكا بشربه [ ﷺ ] من زمزم قائما، وكأنّهم رأوه متأخّرا عن النّهي، فإنّه في حجّة الوداع؛ فهو ناسخ، وحقّق ذلك فعل خلفائه بخلاف النّهي، ويبعد خفاؤه عليهم مع شدّة ملازمتهم له وتشدّدهم في الدّين.
وهذا؛ وإن لم يصلح دليلا للنّسخ يصلح لترجيح أحد الحديثين!! انتهى.
وأجاب المالكية عن حديث أبي هريرة: «لا يشربنّ أحدكم قائما، فمن نسي فليستقىء» بأجوبة منها: قول المازري: قال بعض شيوخنا: «لعلّ النّهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء، فبادر لشربه قائما» !! قال: وأيضا فالأمر بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم أنّه ليس على أحد أن يستقيء، قال: والأظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدلّ على الجواز، وأحاديث النّهي تحمل على الاستحباب، والحثّ على ما هو أولى وأكمل؛ لأنّ في الشّرب قائما ضررا ما، فكره من أجله.
وفعله ﷺ !! لأمنه من الضّرر الحاصل لغيره، قال: وعلى هذا الثّاني يحمل قوله: «فمن نسي فليستقىء» على أنّ ذلك يحرّك خلطا يكون القيء دواءه، وعليه فالنّهي طبّي إرشاديّ.
ويؤيّده قول إبراهيم النّخعي: «إنّما نهى عن ذلك لداء البطن» !. انتهى كلام المازري.
قال ابن القيّم: وللشّرب قائما آفات عديدة؛
منها: أنّه ينزل بسرعة إلى المعدة؛ فيخشى منه أن يبرّد حرارتها.
ومنها: أنّه يسرع النّفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج؛ لعدم استقراره في المعدة، وكلّ هذا يضرّ بالشّارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضرّه، وكذا لحاجة!
стр. 874
وكان ﷺ إذا أراد أن يتحف الرّجل بتحفة..
سقاه من ماء زمزم.
قال- أعني ابن القيّم-: ولا يعترض على هذا بالعوائد، فإنّها لها طبائع ثوان وأحكام أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء. انتهى.
قال ابن العربي: وللمرء ثمانية أحوال: قائم، وماش، مستند، راكع، ساجد، متكىء، قاعد، مضطجع، كلّها يمكن الشّرب فيها. وأهنؤها وأكثرها استعمالا القعود، وأمّا القيام! فنهي عنه لأذيّته للبدن. انتهى.
وللحافظ ابن حجر- وقيل: للحافظ السيوطي- «١» :
إذا رمت تشرب فاقعد تفز ... بسنّة صفوة أهل الحجاز
وقد صحّحوا شربه قائما ... ولكنّه لبيان الجواز
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- قال «العزيزي» : قال الشّيخ حديث حسن. انتهى. قال المناويّ: وخرّجه الفاكهي في «تاريخ مكّة» : موقوفا بسند على شرط الشّيخين-:
(كان) رسول الله ﷺ إذا أراد أن يتحف) - بضمّ أوّله، من أتحف- (الرّجل بتحفة) - بسكون الحاء؛ وقد تفتح، قال العلقمي: التّحفة: طرفة الفاكهة، وتستعمل في غيرها. وقال في «المصباح» : التّحفة: ما أتحفت به غيرك- (سقاه من ماء زمزم) لجموم فضائله وعموم فوائده، ومدحه في الكتب الإلهيّة.
قال وهب: إنّكم لا تدرون ماء زمزم!! والله؛ إنّها لفي كتاب الله. - أي:
«التّوراة» -: «المضنونة، وبرة، وشراب الأبرار؛ لا تنزف ولا تذمّ، طعام من طعم، وشفاء من سقم، لا يعمد إليها امرؤ فيتضلّع منها إلّا نفت ما به من داء، وأحدثت له شفاء، والنّظر إلى زمزم عبادة، تحطّ الخطايا حطّا» «٢» . رواه عبد الرزّاق وابن منصور بسند فيه انقطاع.
стр. 875
وكان ﷺ يحمل ماء زمزم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال:
رأيت رسول الله ﷺ ...
(و) أخرج التّرمذي، والحاكم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
(كان) رسول الله ﷺ يحمل ماء زمزم) من مكّة إلى المدينة، ويهديه لأصحابه، وكان يستهديه من أهل مكّة، فيسنّ فعل ذلك.
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» ؛ (عن) أبي عبد الرحمن- وقيل:
أبي نصير؛ بضمّ النون- (عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سعيد- بضم السّين وفتح العين- ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السّهمي، الزّاهد العابد، الصّحابي بن الصّحابي (رضي الله تعالى عنهما) .
كان بينه وبين أبيه في السّن اثنتا عشرة سنة، - وقيل: إحدى عشرة سنة-.
وأمّه ريطة بنت منبّه، بن الحجّاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم.
أسلمت. وكان النّبيّ ﷺ يقول في حقه: «نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأمّ عبد الله» أخرجه أحمد، وأبو يعلى؛ عن طلحة رضي الله تعالى عنه؛
أسلم عبد الله قبل أبيه، وكان كثير العلم، مجتهدا في العبادة؛ تلّاء للقرآن.
وكان أكثر النّاس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ .
روي له عن رسول الله ﷺ سبعمائة حديث؛ اتّفق البخاريّ ومسلم على سبعة عشر منها، وانفرد البخاري بثمانية، وانفرد مسلم بعشرين، وشهد مع أبيه فتح الشّام، وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك، وتوفّي سنة: - ٦٣- ثلاث وستين.
وقيل غير ذلك، وكان عمره اثنتين وسبعين سنة.
(قال: رأيت) أي: أبصرت (رسول الله ﷺ مفعول «رأيت» ، وجملة
стр. 876
يشرب قائما وقاعدا.
وعن النّزّال بن سبرة قال: أتي عليّ بكوز من ماء وهو في الرّحبة، فأخذ منه كفّا فغسل يديه، ومضمض، ...
(يشرب) حال، و (قائما وقاعدا) حالان من فاعل «يشرب» .
والمراد أنّه رآه مرّة يشرب قائما ورآه مرّة يشرب قاعدا، لا أنّه رآه مرّة واحدة يشرب قائما وقاعدا، كما يوهمه ظاهر العبارة؛ فيكون قد جمع في مرّة واحدة بين القيام والقعود، وهو خلاف المراد.
وحيث كان الغالب من فعله ﷺ الشّرب قاعدا، وشربه قائما إنّما كان نادرا؛ لبيان الجواز!! كان تقديم القيام في نحو هذا الحديث للاهتمام بالردّ على المنكر لذلك؛ لا لكثرته كما وهم.
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» (عن النّزّال) - بفتح النّون وتشديد الزّاي- (بن سبرة) - بفتح السّين وسكون الباء الموحّدة وفتح الراء؛ آخره تاء تأنيث- الهلاليّ العامريّ الكوفي. قيل: له صحبة، خرّج له الجماعة غير مسلم، روى عن أبي بكر وعثمان وعلي، وعنه الشّعبي والضّحّاك. وثّقه العجلي.
(قال: أتي عليّ) رضي الله تعالى عنه (بكوز من ماء؛ وهو في الرّحبة) أي:
والحال أنّه في الرّحبة- أي: رحبة الكوفة- كان يقعد فيها للحكم أو للوعظ، أو في رحبة المسجد؛- وهي بفتح الرّاء والحاء المهملة، وقد تسكن-: المكان المتّسع، ورحبة المسجد منه؛ فلها حكمه ما لم يعلم حدوثها، وهي المحوط عليه لأجله؛ وإن لم يعلم دخولها في وقفه. بخلاف حريمه؛ فليس له حكمه، والحريم ما تلقى فيه قمامات المسجد؛ وليس منه.
(فأخذ منه) ، أي: من الماء الذي في الكوز (كفّا) ، أي: ملء كفّ من الماء (فغسل يديه) إلى رسغيه، (ومضمض) .
قال العصام: الظّاهر أنّه عطف على «غسل» ، فتكون المضمضة والاستنشاق
стр. 877
واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثمّ شرب وهو قائم، ثمّ قال: هذا ...
وغسل اليدين ومسح الوجه والذّراعين والرّأس، وكذا مسح الرّجلين- كما وقع في رواية- من كفّ واحدة. قال: ولا صارف عنه.
وتعقّب؛ بأنّه لا صارف أقوى من استبعاد ذلك من كفّ واحد من طريق النّقل الشّرعي والفعل العرفي، إذ ملء الكفّ لا يحصل منه ما ذكر؛ خصوصا مع قوله «فغسل يديه» ! لأنّه إذا غسلهما بما في كفّه لم يبق شيء يتمضمض به، ويفعل منه ما ذكر بعد المضمضة، فالصّواب أنّه عطف على «أخذ» .
وكذا قوله (واستنشق؛ ومسح وجهه وذراعيه) : يحتمل أنّ المراد بالمسح حقيقته، وهو: إمرار الماء من غير سيلان له على العضو، وعليه فالمراد بالوضوء: الوضوء اللّغوي، وهو مطلق التّنظيف.
ويؤيّده عدم ذكر الرّجلين في هذه الرّواية. ويحتمل أنّ المراد به: الغسل الخفيف، وعليه، فالمراد بالوضوء: الوضوء الشّرعي.
ويؤيّده ما في بعض الرّوايات الصّحيحة أنّه غسل الوجه والذّراعين مع ذكر الرّجلين. ويمكن الجمع بين الرّوايات على الاحتمال الأوّل بأنّ الواقعة تعدّدت منه رضي الله تعالى عنه.
(ورأسه) أي: مسح رأسه كلّه؛ أو بعضه، وفي رواية: ورجليه، أي:
ومسح رجليه. على الاحتمالين السّابقين- أعني: احتمال إرادة حقيقة المسح وإرادة الغسل الخفيف- وفي رواية: وغسل رجليه.
(ثمّ شرب) أي: منه، أي: من فضل ماء وضوئه.
وتعبيره ب «ثم» !! لإفادة التّراخي الرّتبي؛ لأنّ ما سبق وضوء، وهذا شرب ماء لدفع عطش.
(وهو قائم) حال. (ثمّ قال: هذا) - أي: ما ذكر، والإشارة لما عدا
стр. 878
وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل.
وعن كبشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ ، فشرب من في قربة ...
الشّرب- (وضوء من لم يحدث) . أي: بل أراد التّنظيف على احتمال إرادة حقيقة المسح، أو التّجديد على احتمال إرادة الغسل، وأما وضوء المحدث! فمعلوم بشرائط معلومة.
(هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل) ، أي: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا، ومن بعض المشار إليه الشّرب قائما، وهذا هو السّبب في إيراد الحديث في هذا الباب.
ويؤخذ من الحديث أنّ الشّرب من فضل وضوئه مستحبّ؛ أخذا من فعله ﷺ ، كما يدلّ له فعل عليّ رضي الله تعالى عنه، وإن كان الشّرب قائما لبيان الجواز؛ فليس سنّة، بل تركه أفضل، خلافا لمن زعم أنّه سنة.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشّمائل» - وقال: حديث حسن غريب صحيح- وابن ماجه، واللفظ ل «الشّمائل»
(عن كبشة) - بفتح الكاف وسكون الموحدة فشين معجمة- بنت ثابت بن المنذر بن حرام، أخت حسّان لأبيه، من بني مالك بن النجار، لها صحبة وحديث، ويقال فيها: كبيشة- بالتصغير- (رضي الله تعالى عنها؛
قالت: دخل عليّ) - بتشديد الياء- أي: في بيتي (النّبيّ ﷺ ، فشرب من في) ، أي: من فم (قربة) - بكسر القاف- معروفة.
ولا ينافي ذلك ١- ما ورد من نهيه ﷺ عن الشّرب من فم السّقاء- على ما رواه البخاري وغيره؛ عن أنس- و ٢- ما ورد من نهيه عن اختناث الأسقية- على ما رواه الشيخان وغيرهما؛ عن أبي سعيد- وهو أن يقلب رأسها ثمّ يشرب منه؛ لأنّ فعله ﷺ للشّرب من فم القربة لبيان الجواز أو للضّرورة، ونهيه عنه لبيان الأفضل
стр. 879
معلّقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته- أي: قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء.
ووقع مثل ذلك لأمّ سليم رضي الله تعالى عنها.
والأكمل، فهو للتّنزيه (معلّقة قائما) ، لبيان الجواز، أو لعدم إمكان الشّرب منها قاعدا.
(فقمت) قاصدة (إلى فيها) أي: إلى فمها، (فقطعته) . قال المصنف:
(أي: قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء) ، أو لعدم الابتذال، ولا مانع من الجمع.
قال النّووي في «شرح مسلم» في تفسير هذا الحديث؛ ناقلا عن التّرمذي:
وقطعها فم القربة لوجهين، أحدهما: أن تصون موضعا أصابه فم رسول الله ﷺ عن أن يبتذل، ويمسّه كلّ أحد.
والثاني: أن تحفظه للتّبرك به والاستشفاء.
وهذا الحديث يدلّ على أنّ النّهي ليس للتّحريم. انتهى.
(ووقع مثل ذلك) القطع للتبرّك والاستشفاء (لأمّ سليم) سهلة، وقيل:
رملة، وقيل: مليكة، وقيل: أنيسة، وقيل: رميثة، وقيل: الرّميصاء بنت ملحان- بكسر الميم- ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصاريّة؛ أم أنس بن مالك، «خادم رسول الله ﷺ » ؛
وكانت أم سليم هذه هي وأختها خالتين لرسول الله ﷺ من جهة الرضاع.
وكانت من فاضلات الصّحابيّات، وكانت تحت أبي طلحة.
روت عن النّبي ﷺ عدّة أحاديث، روى عنها: ابنها أنس، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون.
(رضي الله تعالى عنها) ، وذلك فيما أخرجه التّرمذي في «الشّمائل» ، وأبو الشّيخ في «الأخلاق» واللفظ له؛ عن أنس ﵁، قال:
стр. 880
وكان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفّس في الإناء.
وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس ثلاثا، ويقول:
«هو أهنأ، ...
دخل النّبيّ ﷺ على أمّ سليم؛ فرأى قربة معلّقة فيها ماء، فشرب منها- ولفظ «الشّمائل» : فشرب من فم القربة- وهو قائم، فقامت أمّ سليم إليها- ولفظ «الشّمائل» إلى رأس القربة- فقطعتها بعد شرب رسول الله ﷺ منها، وقالت:
لا يشرب منها أحد بعد شرب رسول الله ﷺ .
(و) أخرج ابن ماجه والطّبراني بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: (كان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب) .
بل إذا كان الطّعام حارا صبر حتّى يبرد، وإذا كان فيه نحو ذبابة أخرجها بنحو أصبعه أو عود، ولا ينفخ في الطّعام لإخراجها أو لتبريده؛ لأنّ ذلك مما تعافه الأنفس، ولربّما خرج من ريقه شيء في الطعام.
وذلك تعليم للأمّة، وإلّا! فنفسه الشّريف وريقه ممّا يستشفى به.
(و) كان (لا يتنفّس في الإناء) ، أي: لا يتنفّس في جوف الإناء؛ لأنّه يغير الماء: إمّا لتغيّر الفم بالمأكول، وإمّا لترك السّواك، وإمّا لأنّ النّفس يصعد ببخار المعدة.
(و) أخرج الشيخان والأربعة، وأحمد، بألفاظ مختلفة بالزيادة والنّقص، وهذا لفظ أبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال:
(كان) رسول الله ﷺ إذا شرب تنفّس) خارج الإناء (ثلاثا) من المرّات، كان يسمّي الله في أوّل كلّ مرّة ويحمده في آخرها؛ كما جاء مصرّحا به في رواية.
(ويقول: «هو) - أي: الشّرب بثلاث دفعات- (أهنأ) - بالهمز؛ من الهناء- وهو: خلوص الشّيء عن النّصب والنّكد، وفي رواية بدله: أروى من الرّي