← Сира

Сира · id 23683

منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول

عبد الله عبادى اللحجى

Полный текст (2 342 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

يشرب قائما وقاعدا. وعن النّزّال بن سبرة قال: أتي عليّ بكوز من ماء وهو في الرّحبة، فأخذ منه كفّا فغسل يديه، ومضمض، ... (يشرب) حال، و (قائما وقاعدا) حالان من فاعل «يشرب» . والمراد أنّه رآه مرّة يشرب قائما ورآه مرّة يشرب قاعدا، لا أنّه رآه مرّة واحدة يشرب قائما وقاعدا، كما يوهمه ظاهر العبارة؛ فيكون قد جمع في مرّة واحدة بين القيام والقعود، وهو خلاف المراد. وحيث كان الغالب من فعله ﷺ الشّرب قاعدا، وشربه قائما إنّما كان نادرا؛ لبيان الجواز!! كان تقديم القيام في نحو هذا الحديث للاهتمام بالردّ على المنكر لذلك؛ لا لكثرته كما وهم. (و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» (عن النّزّال) - بفتح النّون وتشديد الزّاي- (بن سبرة) - بفتح السّين وسكون الباء الموحّدة وفتح الراء؛ آخره تاء تأنيث- الهلاليّ العامريّ الكوفي. قيل: له صحبة، خرّج له الجماعة غير مسلم، روى عن أبي بكر وعثمان وعلي، وعنه الشّعبي والضّحّاك. وثّقه العجلي. (قال: أتي عليّ) رضي الله تعالى عنه (بكوز من ماء؛ وهو في الرّحبة) أي: والحال أنّه في الرّحبة- أي: رحبة الكوفة- كان يقعد فيها للحكم أو للوعظ، أو في رحبة المسجد؛- وهي بفتح الرّاء والحاء المهملة، وقد تسكن-: المكان المتّسع، ورحبة المسجد منه؛ فلها حكمه ما لم يعلم حدوثها، وهي المحوط عليه لأجله؛ وإن لم يعلم دخولها في وقفه. بخلاف حريمه؛ فليس له حكمه، والحريم ما تلقى فيه قمامات المسجد؛ وليس منه. (فأخذ منه) ، أي: من الماء الذي في الكوز (كفّا) ، أي: ملء كفّ من الماء (فغسل يديه) إلى رسغيه، (ومضمض) . قال العصام: الظّاهر أنّه عطف على «غسل» ، فتكون المضمضة والاستنشاق

стр. 877

واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثمّ شرب وهو قائم، ثمّ قال: هذا ... وغسل اليدين ومسح الوجه والذّراعين والرّأس، وكذا مسح الرّجلين- كما وقع في رواية- من كفّ واحدة. قال: ولا صارف عنه. وتعقّب؛ بأنّه لا صارف أقوى من استبعاد ذلك من كفّ واحد من طريق النّقل الشّرعي والفعل العرفي، إذ ملء الكفّ لا يحصل منه ما ذكر؛ خصوصا مع قوله «فغسل يديه» ! لأنّه إذا غسلهما بما في كفّه لم يبق شيء يتمضمض به، ويفعل منه ما ذكر بعد المضمضة، فالصّواب أنّه عطف على «أخذ» . وكذا قوله (واستنشق؛ ومسح وجهه وذراعيه) : يحتمل أنّ المراد بالمسح حقيقته، وهو: إمرار الماء من غير سيلان له على العضو، وعليه فالمراد بالوضوء: الوضوء اللّغوي، وهو مطلق التّنظيف. ويؤيّده عدم ذكر الرّجلين في هذه الرّواية. ويحتمل أنّ المراد به: الغسل الخفيف، وعليه، فالمراد بالوضوء: الوضوء الشّرعي. ويؤيّده ما في بعض الرّوايات الصّحيحة أنّه غسل الوجه والذّراعين مع ذكر الرّجلين. ويمكن الجمع بين الرّوايات على الاحتمال الأوّل بأنّ الواقعة تعدّدت منه رضي الله تعالى عنه. (ورأسه) أي: مسح رأسه كلّه؛ أو بعضه، وفي رواية: ورجليه، أي: ومسح رجليه. على الاحتمالين السّابقين- أعني: احتمال إرادة حقيقة المسح وإرادة الغسل الخفيف- وفي رواية: وغسل رجليه. (ثمّ شرب) أي: منه، أي: من فضل ماء وضوئه. وتعبيره ب «ثم» !! لإفادة التّراخي الرّتبي؛ لأنّ ما سبق وضوء، وهذا شرب ماء لدفع عطش. (وهو قائم) حال. (ثمّ قال: هذا) - أي: ما ذكر، والإشارة لما عدا

стр. 878

وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. وعن كبشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ ، فشرب من في قربة ... الشّرب- (وضوء من لم يحدث) . أي: بل أراد التّنظيف على احتمال إرادة حقيقة المسح، أو التّجديد على احتمال إرادة الغسل، وأما وضوء المحدث! فمعلوم بشرائط معلومة. (هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل) ، أي: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا، ومن بعض المشار إليه الشّرب قائما، وهذا هو السّبب في إيراد الحديث في هذا الباب. ويؤخذ من الحديث أنّ الشّرب من فضل وضوئه مستحبّ؛ أخذا من فعله ﷺ ، كما يدلّ له فعل عليّ رضي الله تعالى عنه، وإن كان الشّرب قائما لبيان الجواز؛ فليس سنّة، بل تركه أفضل، خلافا لمن زعم أنّه سنة. (و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشّمائل» - وقال: حديث حسن غريب صحيح- وابن ماجه، واللفظ ل «الشّمائل» (عن كبشة) - بفتح الكاف وسكون الموحدة فشين معجمة- بنت ثابت بن المنذر بن حرام، أخت حسّان لأبيه، من بني مالك بن النجار، لها صحبة وحديث، ويقال فيها: كبيشة- بالتصغير- (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: دخل عليّ) - بتشديد الياء- أي: في بيتي (النّبيّ ﷺ ، فشرب من في) ، أي: من فم (قربة) - بكسر القاف- معروفة. ولا ينافي ذلك ١- ما ورد من نهيه ﷺ عن الشّرب من فم السّقاء- على ما رواه البخاري وغيره؛ عن أنس- و ٢- ما ورد من نهيه عن اختناث الأسقية- على ما رواه الشيخان وغيرهما؛ عن أبي سعيد- وهو أن يقلب رأسها ثمّ يشرب منه؛ لأنّ فعله ﷺ للشّرب من فم القربة لبيان الجواز أو للضّرورة، ونهيه عنه لبيان الأفضل

стр. 879

معلّقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته- أي: قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء. ووقع مثل ذلك لأمّ سليم رضي الله تعالى عنها. والأكمل، فهو للتّنزيه (معلّقة قائما) ، لبيان الجواز، أو لعدم إمكان الشّرب منها قاعدا. (فقمت) قاصدة (إلى فيها) أي: إلى فمها، (فقطعته) . قال المصنف: (أي: قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء) ، أو لعدم الابتذال، ولا مانع من الجمع. قال النّووي في «شرح مسلم» في تفسير هذا الحديث؛ ناقلا عن التّرمذي: وقطعها فم القربة لوجهين، أحدهما: أن تصون موضعا أصابه فم رسول الله ﷺ عن أن يبتذل، ويمسّه كلّ أحد. والثاني: أن تحفظه للتّبرك به والاستشفاء. وهذا الحديث يدلّ على أنّ النّهي ليس للتّحريم. انتهى. (ووقع مثل ذلك) القطع للتبرّك والاستشفاء (لأمّ سليم) سهلة، وقيل: رملة، وقيل: مليكة، وقيل: أنيسة، وقيل: رميثة، وقيل: الرّميصاء بنت ملحان- بكسر الميم- ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصاريّة؛ أم أنس بن مالك، «خادم رسول الله ﷺ » ؛ وكانت أم سليم هذه هي وأختها خالتين لرسول الله ﷺ من جهة الرضاع. وكانت من فاضلات الصّحابيّات، وكانت تحت أبي طلحة. روت عن النّبي ﷺ عدّة أحاديث، روى عنها: ابنها أنس، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون. (رضي الله تعالى عنها) ، وذلك فيما أخرجه التّرمذي في «الشّمائل» ، وأبو الشّيخ في «الأخلاق» واللفظ له؛ عن أنس ﵁، قال:

стр. 880

وكان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفّس في الإناء. وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس ثلاثا، ويقول: «هو أهنأ، ... دخل النّبيّ ﷺ على أمّ سليم؛ فرأى قربة معلّقة فيها ماء، فشرب منها- ولفظ «الشّمائل» : فشرب من فم القربة- وهو قائم، فقامت أمّ سليم إليها- ولفظ «الشّمائل» إلى رأس القربة- فقطعتها بعد شرب رسول الله ﷺ منها، وقالت: لا يشرب منها أحد بعد شرب رسول الله ﷺ . (و) أخرج ابن ماجه والطّبراني بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: (كان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب) . بل إذا كان الطّعام حارا صبر حتّى يبرد، وإذا كان فيه نحو ذبابة أخرجها بنحو أصبعه أو عود، ولا ينفخ في الطّعام لإخراجها أو لتبريده؛ لأنّ ذلك مما تعافه الأنفس، ولربّما خرج من ريقه شيء في الطعام. وذلك تعليم للأمّة، وإلّا! فنفسه الشّريف وريقه ممّا يستشفى به. (و) كان (لا يتنفّس في الإناء) ، أي: لا يتنفّس في جوف الإناء؛ لأنّه يغير الماء: إمّا لتغيّر الفم بالمأكول، وإمّا لترك السّواك، وإمّا لأنّ النّفس يصعد ببخار المعدة. (و) أخرج الشيخان والأربعة، وأحمد، بألفاظ مختلفة بالزيادة والنّقص، وهذا لفظ أبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا شرب تنفّس) خارج الإناء (ثلاثا) من المرّات، كان يسمّي الله في أوّل كلّ مرّة ويحمده في آخرها؛ كما جاء مصرّحا به في رواية. (ويقول: «هو) - أي: الشّرب بثلاث دفعات- (أهنأ) - بالهمز؛ من الهناء- وهو: خلوص الشّيء عن النّصب والنّكد، وفي رواية بدله: أروى من الرّي

стр. 881

وأمرأ، وأبرأ» . وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس مرّتين، وربّما كان يشرب بنفس واحد حتّى يفرغ. - بكسر الرّاء-؛ أي: أكثر ريّا. (وأمرأ) - بالهمز-: أقمع للظّمأ، وأقوى على الهضم، (وأبرأ» ) - بالهمز- من البراءة، أو البراء، أي: أكثر صحّة للبدن. (و) أخرج التّرمذي؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا شرب تنفّس مرّتين) . وإسناده ضعيف- كما في «الفتح» - لكن له شواهد، وفعله في بعض الأحيان! لجواز النّقص عن ثلاث. وللتّرمذيّ بسند ضعيف أيضا- كما قال الحافظ- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: لا تشربوا واحدة كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم. قال التّرمذي: فيه أنّه لا بأس بالشّرب في نفسين؛ وإن كان الأولى كونه ثلاثا. وقال العراقيّ: فيه الاقتصار على مرّتين إذا حصل الاكتفاء بهما، لكن ينبغي أن يزيد ثالثة؛ وإن اكتفى بمرّتين. وأجاب الحافظ ابن حجر عن الحديثين بأنّهما ليسا نصّا في الاقتصار على مرّتين، بل يحتمل أنّه أراد مرّتي التّنفّس الواقعتين أثناء الشّرب، وأسقط الثّالثة! لأنّها بعد الشّرب، فهي من ضرورة الواقع. (و) في «الإحياء» : (ربّما كان يشرب بنفس واحد حتّى يفرغ) . رواه أبو الشّيخ بسند ضعيف؛ عن زيد بن أرقم أنّه ﷺ كان شربه بنفس واحد. وللحاكم، وصحّحه؛ عن أبي قتادة مرفوعا: «إذا شرب أحدكم فليشرب بنفس واحد» . لكن قال الزّين العراقي: هذان الحديثان محمولان على ترك التّنفّس في الإناء.

стр. 882

وكان ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، وإذا أدنى الإناء إلى فيه.. سمّى الله تعالى، وإذا أخّره.. حمد الله تعالى. (يفعل ذلك ثلاثا) . وكان ﷺ لا يتنفّس في الإناء، بل ينحرف عنه. (و) أخرج الطّبراني في «الكبير» و «الأوسط» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، وإذا أدنى) ؛ أي قرّب (الإناء إلى فيه سمّى الله تعالى، وإذا أخّره) عن فيه (حمد الله تعالى. يفعل ذلك ثلاثا) . أي: ثلاث مرّات. وروى عبد بن حميد؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، فقلت: تشرب الماء في ثلاثة أنفاس؟! فقال: «هو الشّفاء، وأبرأ وأمرأ» . وروى البزّار والطّبراني؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب تنفّس في الإناء ثلاثا؛ يحمد الله على كلّ نفس، ويشكره عند آخرهنّ. قوله: «تنفّس في الإناء ثلاثا» ؛ معناه: أنّه يشرب ثمّ يزيله عن فمه ويتنفّس، ثمّ يشرب؛ ثمّ يفعل كذلك، ثمّ يشرب، ثمّ يفعل كذلك. وروى الطّبراني، وابن السّنّي؛ عن نوفل بن معاوية أنّه ﷺ كان يشرب في ثلاثة أنفاس؛ يسمّي الله في أوّله، ويحمد الله في آخره. قال الإمام ابن القيّم: للتّسمية في الأوّل والحمد في الآخر تأثير عجيب في نفع الطّعام والشّراب، ودفع مضرّته. قال الإمام أحمد: إذا جمع الطّعام أربعا فقد كمل: ١- إذا ذكر الله في أوّله، و ٢- حمد في آخره، و ٣- كثرت عليه الأيدي، و ٤- كان من حل. (و) في «الإحياء» و «كشف الغمة» : (كان) رسول الله ﷺ لا يتنفّس في الإناء) أي: في جوفه، (بل ينحرف عنه) ؛ لأنّه يغيّر الماء، إمّا لتغيّر الفم

стр. 883

وأتوه مرّة بإناء فيه عسل ولبن، فأبى أن يشربه، وقال: «شربتان في شربة، وإدامان في إناء واحد؟!» ، ثمّ قال ﷺ : «لا أحرّمه، ولكنّي أكره الفخر والحساب بفضول الدّنيا [غدا] ، وأحبّ التّواضع [لربّي ] ؛ فإنّ من تواضع لله.. رفعه [الله] » . بالمأكول، وإمّا لترك السّواك، وإمّا لأنّ النّفس يصعد ببخار المعدة. قال العراقي: روى الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: لا يتنفّس أحدكم في الإناء إذا شرب منه، ولكن إذا أراد أن يتنفّس فليؤخّره عنه، ثم يتنفّس. قال: حديث صحيح الإسناد. (وأتوه مرّة بإناء فيه عسل ولبن، فأبى أن يشربه، وقال: شربتان في شربة، وإدامان في إناء واحد، ثمّ قال ﷺ : «لا أحرّمه، ولكنّي أكره الفخر والحساب بفضول الدّنيا [غدا] ، وأحبّ التّواضع [لربّي ] ؛ فإنّ من تواضع لله رفعه [الله] [١] » .) قال العراقي: رواه البزّار من حديث طلحة بن عبيد الله، دون قوله: «شربتان في شربة» ... إلى آخره، وسنده ضعيف. ورواه الطّبراني في «الأوسط» ، والحاكم في «المستدرك» في «الأطعمة» من حديث أنس؛ قال: أتي النّبيّ ﷺ بقعب فيه لبن وعسل؛ فأبى أن يشربه، وقال: «إدامان في إناء!! لا آكله ولا أحرّمه» . وقال الحاكم: صحيح. وردّه الذّهبيّ في «التّلخيص» ، وقال: بل منكر واه. وقال الهيثميّ عقب عزوه للحاكم: فيه عبد الكبير بن شعيب! لم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات. وقال الحافظ ابن حجر: في طريق الطّبراني راو مجهول.

стр. 884

وكان يستعذب له ﷺ الماء من بيوت السّقيا. وأمّا قوله: «من تواضع لله رفعه» !! فرواه أبو نعيم في «الحلية» من حديث أبي هريرة. ورواه ابن النجّار بزيادة: «ومن اقتصد أغناه الله» . وروى ابن منده وأبو عبيد من حديث أوس بن خولي بزيادة: «ومن تكبّر وضعه الله» . وروى أبو الشّيخ من حديث معاذ بلفظ: «من تواضع تخشّعا لله رفعه الله» . وروى تمّام، وابن عساكر: من حديث ابن عمر في أثناء حديث: «إنّي قد أوحي إليّ أن تواضعوا، ولا يبغي أحد على أحد، فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضع نفسه رفعه الله» الحديث. انتهى من شرح «الإحياء» . (و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم- وقال: على شرط مسلم؛ وأقرّه الذّهبي- وبه ختم أبو داود «كتاب الأشربة» ساكتا عليه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان يستعذب له الماء) ؛ أي: يطلب له الماء العذب ويحضر إليه لكون أكثر مياه المدينة مالحا، وهو كان يحبّ الماء الحلو البارد (من بيوت السّقيا) - بضمّ السّين المهملة وسكون القاف وتحتيّة؛ مقصورة-: عين بينها وبين المدينة يومان؛ كذا قاله المناوي كصاحب «المواهب» ؛ تبعا لما نقله أبو داود في «سننه» عقب روايته الحديث المذكور؛ عن شيخه: فيه قتيبة بن سعيد. قال السّمهودي: وهو صحيح لكنّها ليست المراد هنا، وكأنّه لم يطّلع على أنّ بالمدينة بئرا تسمّى بذلك!! وقد اغترّ به المجد «١» ؛ فقال: السّقيا: قرية جامعة من عمل الفرع. ثم أورد حديث أبي داود. وأورد قول «النّهاية» : السّقيا منزل بين مكّة والمدينة، قيل: على يومين منها، ومنه حديث: كان يستعذب له الماء من بيوت السّقيا.

стр. 885

وفي لفظ: يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا. وقول أبي بكر بن موسى: «السّقيا: بئر بالمدينة، أي: على بابها، وكان يستسقى لرسول الله ﷺ منها» !! محمول على هذا. ثم لو سلّم أنّ المراد الاستعذاب من العين التي ذكرها قتيبة! فمحمول على أنّه كان يستعذب له منها إذا نزل قربها في سفر حجّ أو غزو، وأمّا استعذابه منها إلى المدينة! فلا أراه وقع أصلا. انتهى. ويؤيّده زيادة ابن حبّان، وأبي الشّيخ: من بيوت السّقيا من أطراف الحرّة عند أرض بني فلان، فإنّ الحرة بظاهر المدينة؛ وليس بينهما يومان!. وروى أيضا أنّه كان يستعذب له الماء من بئر غرس، ومنها غسّل، ولمّا نزل عند أبي أيوب؛ كان يستعذب له من بئر مالك «والد أنس» ، ثمّ كان أنس وهند وجارية «أبناء أسماء» ، يحملون الماء إلى بيوت نسائه من السّقيا، وكان رباح الأسود يستقي له من بئر غرس مرّة؛ ومن بيوت السّقيا مرّة. رواه ابن سعد، والواقديّ، عن سلمى أمّ رافع. وغرس- بفتح الغين المعجمة وإسكان الرّاء- كما قيّده أبو عبيد وياقوت وغيرهما. وبه تعقّب الحافظ ضبط الذّهبي للغين بالضمّ قائلا: ذكره لي المطرّزي؛ وقد قال المجد: الصّواب الّذي لا محيد عنه الفتح ثمّ السّكون. وقطع به ابن الأثير، انتهى «زرقاني» . (وفي لفظ) للحاكم وغيره: كان (يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا) ؛ لأنّ الشّراب كلّما كان أحلى وأبرد؛ كان أنفع للبدن وينعش الرّوح والقوى والكبد، وينفذ الطّعام إلى الأعضاء أتمّ تنفيذ، لا سيّما إذا كان بائتا، فإنّ الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والّذي يشرب لوقته كالفطير. وسمّيت سقيا!! لأنّ النّبيّ ﷺ استنبطها، وقال: «هذه سقيا» .

стр. 886

قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولم يكن رسول الله ﷺ يشرب على طعامه؛ لئلّا يفسده، ولا سيّما إن كان الماء حارّا، أو باردا، فإنّه رديء جدّا. وكان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء.. قال: «الحمد لله الّذي سقانا عذبا ... أخرج الطّبراني، وابن شاهين؛ عن بريح بن سدرة بن علي السّلمي، عن أبيه، عن جدّه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتّى نزلنا القاح، فنزل بصدر الوادي، فبحث بيده في البطحاء؛ فنديت، فانبعث الماء، فسقى وأسقى كلّ من كان معه؛ وقال: «هذه سقيا سقاكم الله» ؛ فسمّيت «السّقياء» . قال ابن عبد البر: علي السّلمي صحابيّ من أهل قباء. قال ابن بطّال: واستعذاب الماء لا ينافي الزّهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السّرف، وأما شرب الماء الحلو وطلبه! فمباح كلّ منهما. وقد فعله الصّالحون، وسيّدهم ﷺ ، وليس في شرب الماء المالح فضيلة حتّى يكون اختياره والإعراض عن العذب مطلوبا؛ بل قد يترتب على استعماله ضرر؛ فيكره، أو يحرم. (قال) العلامة: محمد بن أبي بكر (ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولم يكن رسول الله ﷺ يشرب على طعامه لئلّا يفسده، ولا سيّما إن كان الماء حارّا أو باردا، فإنّه رديء جدّا) ، وهو حسن إن صحّ. (و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» من حديث الفضل، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرسلا. ورواه أيضا كذلك الطّبراني في «الدعاء» !! قال ابن حجر: وهذا الحديث- مع إرساله- ضعيف. من أجل جابر الجعفي. (كان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء؛ قال: «الحمد لله الّذي سقانا عذبا

стр. 887

فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا» . وأمّا قدح رسول الله ﷺ : فقد روي عن ثابت ... فراتا) ، قال المناوي: الفرات: العذب، فالجمع بينهما للإطناب، وهو لائق في مقام السّؤال والابتهال. وقال المحلي؛ في تفسير قوله تعالى هذا عَذْبٌ فُراتٌ [٥٣/ الفرقان] : شديد العذوبة. وقال البيضاوي: قامع للعطش؛ من فرط عذوبته. وقال البغوي: الفرات: عذب المياه. انتهى «نقله العزيزي» . (برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا) - بضمّ الهمزة-: مرّا شديد الملوحة (بذنوبنا» ) ، أي: بسبب ما ارتكبناه من الذّنوب. (وأمّا قدح رسول الله ﷺ ... - القدح؛ بفتحتين-: ما يشرب فيه؛ كما في «المغرب» وغيره. وقال ابن الأثير: هو إناء بين إناءين؛ لا صغير ولا كبير، وربّما وصف بأحدهما. وقال المجد: آنية تروي الرّجلين، أو اسم يجمع الكبار والصّغار؛ جمعه: أقداح. قال في «المصباح» : كسبب وأسباب. (فقد) جاء فيه ما ذكره بقوله: (روي) ، أي: روى التّرمذي بسنده في «الشّمائل» (عن ثابت) البناني بن أسلم أبو محمّد البصري؛ الإمام الحجّة القدوة، كان محدّثا من الثّقات المأمونين، صحيح الحديث. قال أبو حاتم: أتيت أصحاب أنس بن مالك: الزّهريّ، ثم ثابت البناني، ثمّ قتادة. روى عن أنس، وعبد الله بن الزبير، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل المزني، وأبي برزة الأسلمي، وعمر بن أبي سلمة، وجماعة. وروى عنه حمّاد بن زيد، وحماد بن سلمة، وحميد الطّويل، وشعبة بن

стр. 888

قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظا مضبّبا ... بسطام، وهمام بن يحيى، وجعفر بن سليمان، وخلق. مات سنة: - ١٢٧- سبع وعشرين ومائة من الهجرة، وعمره: ست وثمانون سنة- ٨٦-. قال بكر بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه؛ فلينظر إلى ثابت البناني. فما أدركنا الّذي هو أعبد منه. وكان يقرأ القرآن في كلّ يوم وليلة، ويصوم الدّهر، وبكى حتى كادت عينه تذهب، وكان يصلّي كلّ ليلة ثلثمائة ركعة. كان يقول له أنس بن مالك: ما أشبه عينيك بعيني رسول الله ﷺ !! فما زال يبكي حتى عمشت عيناه، وكان يقوم اللّيل ويصوم النّهار. وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام اللّيل! وكان يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعّمت بها عشرين سنة. وكان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السّحر؛ قال في دعائه «اللهمّ؛ إن كنت أعطيت أحدا من خلقك الصّلاة في قبره فأعطنيها» ، فلما مات وسوي عليه اللبن في قبره سقطت لبنة؛ فإذا به قائم يصلّي في قبره، رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه. آمين. (قال: أخرج إلينا أنس بن مالك) ، خادم رسول الله ﷺ (قدح خشب) أي: قدحا من خشب، فالإضافة بمعنى «من» ، وهو من جملة أقداح خمسة ذكرت في أوّل الفصل الخامس. واقتصر هنا على الخشب! لأنّه الذي كان عند أنس رضي الله تعالى عنه. (غليظا مضبّبا) - بالنّصب، على أنّه صفة قدح- والضبّة: ما تشعّب به الإناء، وجمعها ضبّات؛ كجنّة وجنّات، وضبّبته- بالتّشديد-: جعلت له ضبّة، فمعنى مضبّبا: مشعّبا.

стр. 889

بحديد، فقال: يا ثابت؛ هذا قدح رسول الله ﷺ ، لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشّراب كلّه: الماء والنّبيذ، والعسل واللّبن. (بحديد) كما في رواية التّرمذي؛ ورواية «الصحيح» : بفضة. وهي أصحّ، اللهمّ إلا أن يكون تجوّز بضبّة الحديد عن الحلقة الّتي كانت فيه، ونهى أبو طلحة أنسا عن تغييرها، أو كانت ضبّة الحديد فيه أوّلا، ثمّ لمّا صدع سلسل بفضّة، فصار فيه الضبّتان؛ قاله الزرقاني. (فقال) ، أي: أنس (يا ثابت، هذا قدح رسول الله ﷺ المشار إليه هو القدح بحالته الّتي هو عليها، فالمتبادر من ذلك أنّ التّضبيب كان في زمانه ﷺ . وتجويز كون التّضبيب من فعل أنس حفظا للقدح غير مرضيّ؛ قاله الباجوري. ويؤخذ من الحديث: أنّ حفظ ما ينفع وإصلاحه مستحبّ وإضاعته مكروهة؛ واشتري هذا القدح من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف درهم. وعن البخاري أنّه رآه بالبصرة، وشرب منه، هكذا في «شرح المناوي» . والذي في «شرح القاري» : أنّ الذي اشتري من ميراث النّضر وشرب منه البخاريّ كان مضبّبا بفضّة، ويمكن الجمع بأنّه كان مضبّبا بكلّ من الفضّة والحديد. انتهى باجوري على «الشّمائل» . وأخرج مسلم والتّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح) المذكور، أي: فيه؛ وهو الخشب الغليظ المضبّب بحديد، فالتّضبيب من فعله ﷺ ، لما تقرّر أنّ الإشارة ترجع للمذكور بجميع خصوصيّاته. (الشّراب) وهو: ما يشرب من المائعات. (كلّه) أي: أنواعه كلّها: (الماء والنّبيذ) : ماء حلو يجعل فيه تمرات ليحلو، (والعسل) النّحل، (واللّبن) الحليب. والأربعة بدل مفصّل من مجمل، أو بدل بعض من كلّ؛

стр. 890

قال الباجوريّ: (قوله: (النّبيذ) - أي: المنبوذ فيه- وهو: ماء حلو يجعل فيه تمرات ليحلو. وكان ينبذ له ﷺ أوّل اللّيل، ويشرب منه إذا أصبح يومه ذلك وليلته الّتي يجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء.. سقاه الخادم إن لم يخف منه إسكارا، وإلّا.. أمر بصبّه، وهو له نفع عظيم في زيادة القوّة) انتهى. اهتماما بها؛ لكونها أفضل المشروبات، أو لأنّه إنّما سقاه الأربعة. وسمّاها كلّ الشراب!! لأنّها أشهر أنواعه، أو لكثرة تناولها. (قال) العلّامة شيخ الإسلام: إبراهيم (الباجوريّ) في حاشية «الشّمائل» كالمناوي، والقاري، و «المواهب» : (قوله: النّبيذ، أي: المنبوذ فيه. وهو) : كلّ ما ينبذ من غير العنب؛ من تمر أو زبيب أو قمح، والمراد هنا: (ماء حلو يجعل) أي: يطرح (فيه تمرات ليحلو) ، أي: لتزيد حلاوته. (و) قد روى مسلم أنّه (كان ينبذ له ﷺ أوّل اللّيل) التمر في الماء، (ويشرب منه إذا أصبح يومه ذلك، وليلته الّتي يجيء) بعد اليوم، (والغد إلى العصر. فإن بقي منه شيء؛ سقاه الخادم) لاستغنائه عنه، ورفقا بالخادم على عادته ﷺ ؛ (إن لم يخف منه إسكارا) بأن كان لم يتغيّر، (وإلّا! أمر بصبّه) ، أي: إذا ظهر له أنّه وصل إلى حالة لا يشرب معها بعد ذلك الوقت؛ خوف الإسكار أمر بصبّه، لأنّه صار في حكم العدم، فلا يقال: «صبّه إضاعة مال» ؛ وقد نهى عنه!! ولم يكن يشربه ﷺ بعد ثلاث خوفا من تغيّره إلى الإسكار. (وهو) أي: هذا النبيذ الّذي كان يشربه ﷺ (له نفع عظيم في زيادة القّوّة) . لملاءمته للمزاج. (انتهى) أي: كلام الباجوري رحمه الله تعالى.

стр. 891

وعند البخاريّ: من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النّبيّ ﷺ عند أنس بن مالك- وكان قد انصدع- فسلسله بفضّة؛ ... (وعند) الإمام الحافظ أبي عبد الله؛ محمد بن إسماعيل (البخاريّ) في «صحيحه» في «كتاب الأشربة» ، (من حديث عاصم) بن سليمان (الأحول) أبي عبد الرحمن البصري، الحافظ الثّقة، من رجال الجميع، مات سنة: أربعين ومائة. (قال: رأيت قدح النّبيّ ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع) أي: انشق (فسلسله) أي: وصل بعضه ببعض (بفضّة) ، وظاهره أنّ الذي وصله أنس، ويحتمل أنّه النّبيّ ﷺ ، وهو ظاهر رواية أبي حمزة عند البخاري في الخمس بلفظ: إنّ قدح النّبيّ ﷺ انكسر فاتّخذ مكان الشّعب سلسلة من فضّة. لكن رواه البيهقي من هذا الوجه بلفظ: انصدع فجعلت مكان الشعب سلسلة من فضّة. قال- يعني أنسا-: هو الذي فعل ذلك. قال البيهقي: كذا في سياق الحديث فلا أدري من قاله من رواته! هل هو موسى بن هارون، أو غيره؟! وتعقّبه الحافظ بأنّه لم يتعيّن من هذه الرّواية ما قاله، وهو «جعلت» - بضمّ التّاء؛ على أنّه ضمير القائل، وهو أنس-، بل يجوز أن يكون «جعلت» - بضمّ أوّله؛ على البناء للمجهول- فيساوي رواية «الصّحيح» . ووقع عند أحمد من رواية شريك؛ عن عاصم: رأيت عند أنس قدح النّبيّ ﷺ فيه ضبّة من فضّة، وهذا يحتمل أيضا. والشّعب- بفتح المعجمة وسكون العين-: هو الصدع، وكأنّه سدّ الشّقوق بخيوط من فضّة، فصارت مثل السلسلة. انتهى. وحاصله تساوي احتمال أنّ المضبّب له النّبيّ ﷺ ، لأنّه ظاهر رواية «الصّحيح» في فرض الخمس، واحتمال أنّه أنس؛ لأنّه ظاهر روايته في «الأشربة» .

стр. 892

قال: وهو قدح جيّد عريض من نضار. قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا. قال: وقال ابن سيرين: إنّه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة.. فقال أبو طلحة: ... ففيه ردّ على ترجيح ابن الصّلاح أنّه أنس، وقوله ما يوهمه بعض الرّوايات أنّه النّبيّ ﷺ ليس كذلك، وتبعه النّووي، وقال: قد أشار إليه البيهقي وغيره. انتهى «زرقاني» . (قال) عاصم؛ راويه (: وهو قدح جيّد عريض) ، أي: ليس بمتطاول؛ بل يكون طوله أقصر من عمقه؛ كما في «الفتح» وغيره (من نضار) ، سيأتي معناه أنّه الخالص من العود. (قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا) . ولمسلم من طريق ثابت عن أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشّراب كلّه: العسل والنّبيذ والماء واللّبن. (قال) أي: عاصم (: وقال) محمد (ابن سيرين) العالم، العامل، الزّاهد، العابد- تقدّمت ترجمته- رحمه الله تعالى: (إنّه كان فيه حلقة) - بسكون اللّام، والفتح لغة فيه؛ حكاها أبو عمرو-. (من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة) بالشكّ من الرّاوي، أو هو تردّد من أنس عند إرادة ذلك؛ قاله القسطلاني. (فقال) له (أبو طلحة) ؛ زيد بن سهل بن الأسود بن حزام- بالزّاي- ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجّار، الأنصاري، المدني؛ شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .

стр. 893

لا تغيّرنّ شيئا صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه. وهو أحد النّقباء رضي الله تعالى عنهم. روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا، اتّفق البخاريّ ومسلم منها على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم باخر. روى عنه جماعات من الصّحابة؛ منهم: ابن عباس، وأنس وآخرون، وجماعات من التّابعين. توفّي بالمدينة سنة: ثنتين وثلاثين. وقيل: أربع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة، وصلّى عليه عثمان بن عفان، وهو زوج أمّ سليم «والدة أنس بن مالك» ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. (: لا تغيّرنّ) - بفتح الرّاء ونون التأكيد الثّقيلة، وفي رواية: لا تغيّر؛ بالنّهي بلا تأكيد- (شيئا صنعه رسول الله ﷺ ! فتركه) بلا تغيير. وفي الحديث جواز اتّخاذ ضبّة الفضّة والسلسلة والحلقة!! واختلف فيه! فمنع ذلك مطلقا جمع من الصّحابة والتّابعين، وبه قال مالك واللّيث. وعن مالك أيضا: يجوز من الفضّة إذا كان يسيرا، وكرّهه الشّافعي لئلّا يكون شاربا على فضّة. وخصّ أحمد والحنفية الكراهة بما إذا كانت الفضّة موضع الشّرب. والمقرّر عند الشّافعيّة تحريم ضبّة الفضّة؛ إذا كانت كبيرة للزينة، وجوازها إذا صغرت لحاجة أو زينة، أو كبيرة لحاجة، وتحريم ضبّة الذّهب مطلقا. والمراد بالحاجة غرض الإصلاح؛ دون التّزيين، لا العجز عن غير الذّهب والفضّة، إذ العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الّذي كلّه ذهب أو فضّة؛ فضلا عن المضبّب. قاله القسطلّانيّ في «شرح البخاري» .

стр. 894

ومعنى (النّضار) : الخالص من العود، ومن كلّ شيء، ويقال: أصل ذلك القدح من شجر النّبع، وقيل: من الأثل. ولونه يميل إلى الصّفرة. وكان لرسول الله ﷺ قدح قوارير يشرب فيه. وكان ﷺ يعجبه أن يتوضّأ من ... (ومعنى النّضار) - بضمّ النّون أشهر من كسرها، وبالضّاد المعجمة- (: الخالص من العود، ومن كلّ شيء) ؛ تبر أو خشب أو أثل أو غيرهما. (ويقال: أصل ذلك القدح من شجر النّبع) ، - بنون فمهملة-: الشّجر للقسيّ وللسّهام؛ ينبت في الجبال، كما في «القاموس» . وفي «النهاية» : قيل: إنّه شجر كان يطول ويدلو، فدعا عليه النّبيّ ﷺ فقال: «لا أطالك الله من عود» فلم يطل بعد. (وقيل: من الأثل) - بمثلّثة- (ولونه يميل إلى الصّفرة) . وفي «شرح البخاري» للعلّامة القسطلّانيّ: قيل: إنّه عود أصفر يشبه لون الذّهب. وفي «القاموس» : النّضار- بالضمّ-: الجوهر الخالص من التّبر والخشب والأثل، أو: ما كان عذيا، أي: شجرا على غير ماء أو: الطّويل منه المستقيم الغصون، أو: ما نبت منه في الجبل، وخشب للأواني، ويكسر، ومنه كان منبر النّبيّ ﷺ . (و) أخرج ابن ماجه- وقال في العزيزي: حديث حسن- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ قال: (كان لرسول الله ﷺ قدح) ، قال بعضهم بالتّنوين. انتهى. ويحتمل أنّه [قدح] مضاف إلى (قوارير) ؛ أي: زجاج (يشرب فيه) ؛ أهداه إليه النّجاشي. (و) أخرج ابن سعد في «الطّبقات» ؛ عن زينب بنت جحش، «أم المؤمنين» ، رضي الله تعالى عنها؛ أنّه (كان ﷺ يعجبه أن يتوضّأ من

стр. 895

مخضب من صفر. و (المخضب) : إناء. و (الصّفر) : النّحاس الأصفر. وكان له ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه باللّيل. (٠ مخضب) - بكسر الميم وسكون المعجمة- أي: إجّانة (من صفر) . وفيه ردّ على من كره الوضوء من إناء النّحاس. (والمخضب) - بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الضّاد المعجمتين، بعدها موحّدة- (: إناء) . قال ابن حجر: المشهور أنّه الإناء الّذي يغسل فيه الثياب من أيّ جنس كان، وقد يطلق على الإناء؛ صغر أو كبر، والقدح أكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فيه. (والصّفر) - بضمّ المهملة وسكون الفاء- (: النّحاس) - مثلّث النّون- (الأصفر) . وفي «المناوي» : إن الصّفر صنف من جيد النّحاس. انتهى. (و) أخرج أبو داود، والنّسائي في «الطهارة» ، والحاكم وصحّحه، وكذا ابن حبّان في «صحيحه» بإسناد حسن؛ عن أميمة بنت رقيقة- بضمّ أوّلهما وفتح ثانيهما وتخفيفهما، ورقيقة: بقافين- بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى، «أخت خديجة؛ أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها» ، قالت: (كان له ﷺ قدح من عيدان) - بفتح العين المهملة، وسكون المثنّاة التّحتيّة، ودال مهملة، قال في «الصّحاح» : العيدان الطّوال من النخل؛ الواحدة عيدانة. وكان يجعل (تحت سريره) السّرير: مأخوذ من السّرور؛ لأنّه في الغالب لأولي النّعمة، وسرير الميت تشبيه به في الصّورة، وللتّفاؤل بالسرور. (يبول فيه باللّيل) ، تمامه كما عند الطّبراني- بسند؛ قال الهيثمي: رجاله رجال «الصحيح» - فقام وطلبه فلم يجده! فسأل، فقالوا: شربته برة «خادم أمّ سلمة الّتي قدمت معها من أرض الحبشة» !! فقال: «لقد احتظرت من النّار بحظار» انتهى.

стр. 896

......... قال الشّيخ وليّ الدّين: وهذا الخبر يعارضه ما رواه الطّبراني في «الأوسط» بسند جيّد؛ عن عبد الله بن مرثد؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا ينقع بول في طست في البيت، فإنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع» . وروى ابن أبي شيبة؛ عن ابن عمر قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول!! قال: ويجاب بأنّ المراد بانتقاعه: طول مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه، بل تريقه الخدم عن قرب، ثمّ يعاد تحت السّرير لما يحدث. والظّاهر أنّ هذا كان قبل اتّخاذ الكنف وبيوت الأخلية، فإنّه لا يمكنه التّباعد باللّيل للمشقّة، أمّا بعد اتخاذها! فكان يقضي حاجته فيها ليلا ونهارا. وأخذ من تخصيص البول أنّه كان لا يفعل الغائط فيه؛ لغلظه بالنّسبة للبول، ولكثافته وكراهة ريحه. وأخذ من تخصيص اللّيل أنّه كان لا يبول فيه نهارا. وفيه حلّ اتّخاذ السّرير، وأنّه لا ينافي التّواضع؛ لمسيس الحاجة إليها، سيّما الحجاز؛ لحرارته. وحلّ القدح من خشب النّخل، ولا ينافيه حديث: «أكرموا عمّاتكم النّخلة» !! لأنّ المراد بإكرامها سقيها وتلقيحها، فإذا انفصل منها شيء وعمل إناء؛ أو غيره؟ زال عنه اسم النّخلة، فلم يؤمر بإكرامه. وفيه حلّ البول في إناء في البيت الّذي هو فيه ليلا بلا كراهة، حيث لم يطل مكثه فيه، كما تقرّر، وأما نهارا! فهو خلاف الأولى حيث لا عذر، لأنّ اللّيل محلّ الأعذار، بخلاف النّهار. وفيه حلّ بول الرّجل بقرب أهل بيته للحاجة. انتهى «مناوي» و «عزيزي» . فائدة: قال ابن قتيبة: كان سريره خشبات مشدودة باللّيف، بيعت في زمن بني أميّة؛ فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم. انتهى «مناوي» .

стр. 897

وكان لرسول الله ﷺ مطهرة من فخّار يتوضّأ ويشرب منها، وكان النّاس يرسلون أولادهم الصّغار الّذين عقلوا فيدخلون عليه ﷺ فلا يدفعون، فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه، ومسحوا على وجوههم، وأجسامهم، يبتغون بذلك البركة. وكان ﷺ إذا صلّى الغداة.. [جاءه] خدم أهل المدينة بانيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء.. إلّا غمس يده فيه. (و) في «كشف الغمة» للشّعراني: (كان لرسول الله ﷺ مطهرة) - بكسر الميم وفتحها-: إناء يتطهّر به ويتوضّأ به، كالإبريق ونحوه. (من فخّار) : الطين المشوي، وقبل الطبخ هو خزف وصلصال؛ (يتوضّأ) منها ﷺ (ويشرب منها) أي: المطهرة. (وكان النّاس) أي: أهل المدينة (يرسلون أولادهم الصّغار الّذين عقلوا) ؛ ولم يبلغوا الحلم، (فيدخلون عليه ﷺ بلا استئذان، (فلا يدفعون) - بضمّ أوّله- أي: لا يردّون عن الدخول عليه ﷺ ، (فإذا وجدوا) ؛ أي: الصّبيان (في المطهرة ماء شربوا منه، ومسحوا على وجوههم، وأجسامهم) من فضل وضوئه؛ (يبتغون بذلك) الشّرب ومسح أجسامهم (البركة) ، أي: حصول البركة. وفيه التبرّك باثاره ﷺ ! (و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا صلّى الغداة) أي: الصبح ( [جاءه] خدم أهل المدينة بانيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلّا غمس يده فيه) ؛ للتبرّك بيده الشّريفة. وفيه: بروزه للنّاس، وقربه منهم ليصل كلّ ذي حقّ لحقّه، وليعلّم الجاهل ويقتدي بأفعاله، وكذا ينبغي للأئمة بعده.

стр. 898

وكان ﷺ يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه، يرجو بركة أيدي المسلمين. (و) أخرج الطّبراني في «الأوسط» ، وأبو نعيم في «الحلية» ؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ يبعث إلى المطاهر) جمع مطهرة: كل إناء يتطهّر به، والمراد هنا نحو الحياض والفساقي والبرك المعدّة للوضوء. (فيؤتى) إليه (بالماء) منها، (فيشربه) ، وكان يفعل ذلك (يرجو بركة أيدي المسلمين) أي: يؤمل حصول بركة أيدي الّذين تطهّروا من ذلك الماء. وهذا فضل عظيم، وفخر جسيم للمتطهّرين، فياله من شرف ما أعظمه!!، كيف وقد نصّ الله في التّنزيل على محبتهم صريحا حيث قال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) [البقرة] !!. وهذا يحمل من له أدنى عقل على المحافظة على إدامة الوضوء، ومن ثمّ صرّح بعض أجلّاء الشّافعيّة بتأكّد ندبه، وأمّا الصوفية فعندهم إدامة الوضوء واجبة، لأنّه يرى نور على أعضائه، والله أعلم؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.

стр. 899

[الفصل السّادس في صفة نومه ﷺ ] الفصل السّادس في صفة نومه ﷺ قال في «المواهب» : (كان ﵊ ينام أوّل اللّيل، (الفصل السّادس) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد في (صفة نومه) ؛ من كونه على اليمين أو غيره، وقدره، ووقته، وما يرقد عليه، وما كان يفعله ﷺ قبل النّوم وبعده، وغير ذلك. والنّوم: غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، فهو آفة، ومن ثمّ قيل «إنّ النّوم أخو الموت» . وأمّا السّنة! ففي الرّأس، والنّعاس! في العين، وقيل: السّنة هي النّعاس، وقيل: السّنة: ريح النوم يبدو في الوجه؛ ثمّ ينبعث إلى القلب، فيحصل النّعاس ثمّ النّوم، والله أعلم. ثمّ اعلم أنّ تعريف النّوم بما ذكر بالنّسبة إلينا دونه ﷺ ؛ فإنّه تنام عينه ولا ينام قلبه! كما في «الصّحيح» وسيأتي. (قال) العلّامة القسطلّانيّ في ( «المواهب» ) ؛ في النوع الرّابع من المقصد الثّالث: (كان ﵊ ينام أوّل اللّيل) بعد صلاة العشاء وما يتّصل بها، فالأولية نسبيّة. وفي «الصحيح» ؛ عن أبي برزة: كان ﷺ يكره النّوم قبل العشاء، والحديث بعدها.

стр. 900

ويستيقظ في أوّل النّصف الثّاني، فيقوم فيستاك، فيتوضّأ، ولم يكن يأخذ من النّوم فوق القدر المحتاج إليه منه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج منه، ... وروى الشّيخان، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان ينام أوّل اللّيل ويحيي آخره. وسيأتي. (ويستيقظ في أوّل النّصف الثّاني) غالبا، وفي «الصّحيحين» وغيرهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يقوم إذا سمع الصّارخ. قال الحافظ ابن حجر: أي: الدّيك. ووقع في «مسند الطّيالسي» في هذا الحديث: والصّارخ: الدّيك، والصّرخة: الصّيحة الشّديدة. وجرت العادة أنّ الدّيك يصيح عند نصف اللّيل غالبا، قاله محمد بن نصر، قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده. وقال ابن بطّال: الصّارخ يصرخ عند ثلث اللّيل، فكان يتحرّى الوقت الّذي ينادى فيه: هل من سائل كذا!؟ وفي «البخاري» ؛ عن أنس: كان لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلّا رأيته، ولا نائما إلا رأيته. قال الحافظ: أي: أنّ صلاته ونومه كان يختلف باللّيل، ولا يرتّب وقتا معيّنا، بل بحسب ما تيسّر له القيام، ولا يعارضه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها؛ لأنّها أخبرت عمّا اطّلعت عليه، فإنّ صلاة اللّيل كانت تقع منه غالبا في البيت. وخبر أنس محمول على ما وراء ذلك. انتهى. وحاصله أنّ كلا من عائشة وأنس أخبر بما اطّلع عليه. (فيقوم فيستاك) ؛ كما روى أحمد؛ عن ابن عمر: كان لا ينام إلّا والسّواك عند رأسه، فإذا استيقظ بدأ بالسّواك. ولابن عساكر؛ عن أبي هريرة: كان لا ينام حتى يستنّ؛ (فيتوضّأ) ، كما في حديث ابن عباس وغيره. (ولم يكن يأخذ من النّوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج منه) ؛ فتنازع فيه الأمران.

стр. 901

وكان ينام على جنبه الأيمن؛ ذاكرا الله تعالى حتّى تغلبه عيناه، غير ممتلىء البطن من الطّعام والشّراب. قال: وكان ﵊ ينام على الفراش تارة، وعلى النّطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة. وكان فراشه أدما؛ حشوه ليف، وكان له مسح ينام عليه) انتهى. (وكان ينام على جنبه الأيمن) ؛ لأنّه كان يحبّ التّيامن في شأنه كلّه، ومن جملته النّوم، وليرشد أمّته إلى النّوم على الجانب الأيمن؛ (ذاكرا الله تعالى حتّى تغلبه عيناه) بأن يأخذه النّوم، (غير ممتلىء البطن من الطّعام والشّراب) لضرره بالبدن وتثقيله النّوم. (قال) ؛ أي: القسطلّانيّ بعد ذلك بأسطر: (وكان ﵊ - كما علم من مجموع الأحاديث- (ينام على الفراش تارة، وعلى النطع) - بفتح النّون وكسرها مع فتح الطّاء وسكونها-: ما اتّخذ من جلد، والجمع: أنطاع ونطوع (تارة، وعلى الحصير تارة) ؛ كما في حديث عمر، (وعلى الأرض تارة) أخرى. (وكان فراشه) ؛ كما في «الصحيحين» والتّرمذيّ؛ عن عائشة قالت: إنّما كان فراش رسول الله ﷺ الّذي ينام عليه (أدما) - بفتحتين-: جلدا مدبوغا؛ أو أحمر، أو مطلق الجلد؛ جمع أديم، وصف به المفرد!! لأنّه أجزاء من الجلد مجتمعة، فهو نظير قوله تعالى مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [٧٦/ الإنسان] ، فوصف المفرد بالجمع؛ إذ «أمشاج» : أخلاط؛ جمع «مشيج» (حشوه ليف) من النّخل. (وكان) ؛ كما رواه التّرمذيّ؛ عن حفصة- (له مسح) - بكسر فسكون-: فراش خشن غليظ (ينام عليه) ؛ من شعر أو صوف. وتقدّم هذا في فراشه. (انتهى) المقصود نقله من كلام «المواهب» .

стр. 902

وكان ﷺ ينام أوّل اللّيل ويحيي آخره. وكان ﷺ لا ينام حتّى يستنّ. وكان ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ.. إلّا تسوّك. (و) أخرج الشّيخان في «كتاب الصلاة» وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ ينام أوّل اللّيل) بعد صلاة العشاء إلى تمام نصفه الأوّل؛ لأنّه كره النّوم قبلها. (ويحيي آخره) ؛ لأنّ ذلك أعدل النّوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوّة، فإنّه ينام أوّله ليعطي القوّة حظّها من الرّاحة، ويستيقظ آخره ليعطيها حظّها من الرّياضة والعبادة، وذلك غاية صلاح القلب والبدن والدّين. (و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» - قال العزيزي: وهو حديث حسن لغيره-؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله ﷺ لا ينام حتّى يستنّ) من الاستنان؛ وهو تنظيف الأسنان بدلكها بالسواك. ورواه أيضا أبو نعيم في «المعرفة» بلفظ: ما نام ليلة حتى يستنّ. (و) أخرج أبو داود، وابن أبي شيبة، والطّبراني في «الأوسط» - قال العزيزي: وهو حديث حسن لغيره-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ لا يرقد) ؛ أي: لا ينام (من ليل ولا نهار) «من» بمعنى «في» كما في قوله إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [٩/ الجمعة] ، (فيستيقظ) - بالرفع- عطف على «يرقد» ، وليس جوابا للنّفي!! وإنّما جوابه قوله (إلّا تسوّك) . وتمام الحديث: قبل أن يتوضّأ. انتهى. وهذا السّواك غير سنّة الاستياك للوضوء!! قاله الحفني على «الجامع» .

стр. 903

وكان ﷺ لا ينام.. إلّا والسّواك عند رأسه، فإذا استيقظ.. بدأ بالسّواك. وكان ﷺ يستاك في اللّيل مرارا. وكان ﷺ إذا أراد أن يرقد.. وضع يده اليمنى تحت خدّه، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ قني عذابك يوم تبعث عبادك» (ثلاث مرّات) . (و) أخرج الإمام أحمد، ومحمد بن نصر في «كتاب الصلاة» - قال العزيزي: وهو حسن لغيره-؛ عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ لا ينام إلّا والسّواك عند رأسه) ؛ ليسهل تناوله، (فإذا استيقظ بدأ بالسّواك) ؛ أي: عقب استيقاظه، لشدّة حرصه عليه؛ فيندب ذلك، وهذا غير الاستياك عند إرادة الوضوء!! (وكان) رسول الله ﷺ يستاك في اللّيل مرارا) . لم أقف على تخريجه. (و) أخرج أبو داود، والنّسائي في «اليوم واللّيلة» كلاهما؛ عن حفصة أمّ المؤمنين، ورواه الترمذي؛ عن حذيفة؛ لكن بدون التّثليث؛ وحسّنه: (كان) رسول الله ﷺ إذا أراد أن يرقد) - في رواية بدل: ينام- (وضع يده اليمنى تحت خدّه) الأيمن- وفي رواية: رأسه- (ثمّ يقول: «اللهمّ؛ قني عذابك) ؛ أي: أجرني منه (يوم تبعث) ؛ أي: تحيي- وفي رواية: تجمع- (عبادك» ) من القبور إلى النّشور للحساب يوم القيامة، فلا تبعثني كريه المنظر؛ على وجهي غبرة، ترهقها قترة. يقول ذلك الدّعاء (ثلاث مرّات) ؛ أي: يكرّره ثلاثا. والظّاهر حصول أصل السّنّة بمرّة، وكمالها باستكمال الثّلاث، وإنّما قال ذلك مع عصمته ﷺ !! تواضعا لله وإجلالا له، وتعليما لأمّته أن يقولوا ذلك عند النّوم،

стр. 904

وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل.. وضع يده تحت خدّه، ثمّ يقول: «باسمك اللهمّ أحيا، وباسمك أموت» . وإذا استيقظ.. قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» . لاحتمال أنّه آخر العمر؛ فيكون خاتمة عملهم ذكر الله، مع الاعتراف بالتّقصير الموجب للفوز والرّضا. (و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، والنّسائي؛ عن البراء بن عازب. وأحمد، والبخاري، والأربعة؛ عن حذيفة بن اليمان. وأحمد، والشّيخان؛ عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: (كان ﷺ إذا أخذ مضجعه) - بفتح الميم والجيم، وحكي كسرها- أي: استقرّ فيه لينام (من اللّيل) «من» : للتبعيض، أو بمعنى «في» ، وقيّد باللّيل؛ لأنّه الأغلب، وإلّا! فمثله النّهار!! (وضع يده) ؛ يعني: اليمنى (تحت خدّه) الأيمن، (ثمّ يقول: «باسمك) ؛ أي: بذكر اسمك (اللهمّ أحيا) ، قال الشّيخ: بالبناء للفاعل، (وباسمك أموت» ) ؛ أي: وعليه أموت. وقال الحفني: باسمك، لفظ «اسم» مقحم؛ أي: بك، أي: بقدرتك أحيا، أي: أتيقظ، وبك أموت. أي: أنام. انتهى. (وإذا استيقظ) من نومه؛ (قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا) ؛ أي: أيقظنا بعد ما أنامنا، أطلق الموت على النّوم!! لأنّه يزول معه العقل والحركة، ومن ثمّ قالوا: النّوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل: وقالوا: النّوم أخو الموت. والمعنى: الحمد لله الّذي ردّ أنفسنا بعد قبضها عن التّصرّف بالنّوم؛ شكرا لنيل نعمة التصرّف في الطّاعات بالانتباه من النّوم الّذي هو أخو الموت، وزوال المانع عن التّقرّب بالعبادات. (وإليه النّشور» ) : الإحياء للبعث، أو المرجع في نيل الثّواب ممّا نكسب في

стр. 905

وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل.. قال: «باسم الله وضعت جنبي، اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني، وفكّ رهاني، وثقّل ميزاني، ... حياتنا هذه، وفيه إشارة بإعادة اليقظة بعد النّوم إلى البعث بعد الموت. وحكمة الدّعاء عند النّوم: أن يكون خاتمة عمله العبادة، فالدّعاء هو العبادة وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] . وحكمة الدّعاء عند الانتباه: أن يكون أوّل ما يستيقظ يعبد الله بدعائه وذكره وتوحيده؛ قاله المناوي. (و) أخرج أبو داود في «الأدب» ، والحاكم بإسناد حسن؛ عن أبي الأزهر- ويقال: أبو زهير- الأنماري الشّامي قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل؛ قال: «باسم الله) - وفي رواية: «باسمك اللهمّ» - (وضعت جنبي) ؛ أي: بإقدارك إيّاي وضعت جنبي؛ ففيه الإيمان بالقدر، وفي رواية أنّه قال: «باسمك اللهمّ وضعت جنبي وبك أرفعه» . (اللهمّ، اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني) ؛ أي: اجعله خاسئا، أي: مطرودا، وهو بوصل الهمزة، يقال: خسأت الكلب؛ أي: طردته، و «خسىء» يتعدّى، ولا يتعدى. (وفكّ رهاني) ؛ أي: نفسي المرهونة في سجن المخالفة، أي: خلّصني من عقال ما اقترفت نفسي من الأعمال الّتي لا ترتضيها بالعفو عنها. و «الرّهان» ك «سهام» . الرّهن: وهو ما يجعل وثيقة بالدّين، والمراد هنا: نفس الإنسان، لأنّها مرهونة بعملها كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) [الطور] . (وثقّل ميزاني) يوم توزن الأعمال؛ وهذا تشريع للأمّة، وإلّا! فالأنبياء

стр. 906

واجعلني في النّديّ الأعلى» . وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه.. قرأ (قل يا أيها الكافرون) حتّى يختمها. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة.. جمع كفّيه فنفث فيهما ... لا سيّئات لهم، ولا توزن لهم أعمال! (واجعلني في النّديّ) - بفتح النّون وكسر الدّال وتشديد الياء؛ كما في «الأذكار» -: هم القوم المجتمعون في مجلس، ومنه: النّادي؛ لمكان الاجتماع؛ أي: الملأ (الأعلى» ) من الملائكة. وهذا دعاء يجمع خير الدنيا والآخرة، فتتأكّد المواظبة عليه كلّما أريد النّوم، وهو من أجلّ الأدعية المشروعة عنده؛ على كثرتها! (و) أخرج الطّبراني في «الكبير» ؛ عن عبّاد بن عبّاد- بتشديد الباء مع فتح العين المهملة فيهما- ابن أخضر المازني المصري، قال العلقمي: بجانبه علامة الحسن. قال: (كان) رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه) من اللّيل؛ (قرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)) ؛ أي: سورتها (حتى يختمها) ، ثمّ ينام على خاتمتها؛ لأنّها براءة من الشّرك، كما جاء به معلّلا في خبر آخر. (و) أخرج الإمام مالك، والإمام أحمد، والشّيخان، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» ؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى) - بالقصر، وقد يمدّ- أي: وصل (إلى فراشه) وأراد النّوم فيه (كلّ ليلة؛ جمع كفّيه) ، أي: ضمّ إحداهما للآخرى، (فنفث) ؛ أي: نفخ (فيهما) نفخا لطيفا بلا ريق؛ على ما يلوح من ظواهر

стр. 907

وقرأ فيهما (قل هو الله أحد) ، و: (قل أعوذ برب الفلق) ، و: (قل أعوذ برب الناس) ، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده؛ يصنع ذلك ... الأحاديث، وإن اختلف أهل اللّغة في أنّ النّفث بريق أو بدونه!! فيكون النّفث أقلّ من التّفل؛ لأنّ التّفل لا يكون إلّا ومعه شيء من الرّيق، وكان ﷺ ينفث مخالفة لليهود لأنّهم يقرؤون ولا ينفثون. (وقرأ فيهما) وفي رواية «فقرأ» - بالفاء-. مقتضى الرّواية الأولى: أنّ تقديم النّفث على القراءة وعكسه سيّان؛ حيث كانا بعد جمع الكفّين. ومقتضى الرّواية الثّانية: أنّ النّفث يكون قبل القراءة، وبه جزم بعضهم، وعلّل ذلك بمخالفة السّحرة؛ فإنّهم ينفثون بعد القراءة. (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) ، (وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)) (وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)) ؛ أي: قرأ السّور الثّلاث بكمالها، (ثمّ مسح بهما) ؛ أي: بكفّيه (ما استطاع) مسحه- فالعائد محذوف- (من جسده) ؛ وهو ما تصل إليه يده من بدنه. وظاهره أنّ المسح فوق الثّوب (يبدأ بهما) ؛ أي: بكفّيه (رأسه) . فصله!! لأنّه بيان لجملة «مسح» ، أو بدل منه، أو استئناف (ووجهه وما أقبل من جسده) ؛ الجسد أخص من الجسم؛ لأنّه لا يقال إلّا لبدن الإنسان والملائكة والجن، كما ذكره في «البارع» وغيره. ولا يرد قوله تعالى فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [٨٨/ طه] ؛ لأنّ إطلاق الجسد فيه على سبيل المجاز لتشبيهه بالعاقل!! وأمّا الجسم؛ فيشمل سائر الحيوانات والجمادات. انتهى «باجوري» . وكان (يصنع ذلك) ؛ أي: المذكور؛ من جمع الكفّين والنّفث فيهما والقراءة

стр. 908

ثلاث مرّات. وكان لا ينام حتّى يقرأ: (بني إسرائيل) و: (الزمر) . وكان ﷺ لا ينام حتّى يقرأ: (ألم تنزيل) السّجدة، و: (تبارك الذي بيده الملك) . والمسح (ثلاث مرّات) ، كما هو كمال السّنّة، وأمّا أصلها؛ فيحصل بمرّة، كما يفيده رواية أخرى. (و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي، والحاكم، وقال التّرمذي: حسن غريب؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان لا ينام حتّى يقرأ) سورة (بني إسرائيل) ، ويقال لها سورة «الإسراء» . (و) يقرأ سورة (الزّمر) ، قال الطيبي: «حتّى» غاية لقوله: «لا ينام» ، ويحتمل كون المعنى: إذا دخل وقت النّوم لا ينام حتّى يقرأ، وكونه لا ينام مطلقا حتّى يقرأ؛ يعني: لم يكن عادته النّوم قبل قراءتهما، فتقع القراءة قبل دخول وقت النوم؛ أيّ وقت كان!! ولو قيل: كان يقرؤهما باللّيل! لم يفد ذلك. انتهى. (و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي في «فضائل القرآن» ، والنّسائي في «اليوم والليلة» ، والحاكم في «التفسير» ؛ وقال: على شرطهما؛ كلهم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله ﷺ لا ينام حتّى يقرأ الم (١) تَنْزِيلُ السّجدة، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) [١/ الملك] فيه التّقرير المذكور فيما قبله. وعن العرباض بن سارية: كان ﷺ يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد، وقال: «إنّ فيهنّ آية أفضل من ألف آية» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والتّرمذي؛ وحسّنه، والنّسائي، ورواه ابن الضّريس؛ عن يحيى بن أبي كثير مرسلا، وزاد: قال يحيى: فنراها الآية الّتي في آخر «الحشر» . وقال ابن كثير: الآية هي قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) [الحديد] .

стр. 909

وكان ﷺ يأمر نساءه إذا أرادت إحداهنّ أن تنام.. أن تحمد ثلاثا وثلاثين، وتسبّح ثلاثا وثلاثين، وتكبّر ثلاثا وثلاثين. وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه ... والمسبّحات ست: الحديد، والحشر، والصفّ، والجمعة، والتغابن، وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) [الأعلى] . (و) في «الجامع الصّغير» وقال: أخرجه ابن منده؛ عن حابس قال: (كان) رسول الله ﷺ يأمر نساءه إذا أرادت إحداهنّ أن تنام) ؛ ظاهره شمول نوم اللّيل والنّهار، (أن تحمد) - بفتح الميم-؛ أي: تحمد الله تعالى (ثلاثا وثلاثين) ؛ أي: تقول «الحمد لله» ، وتكرّرها ثلاثا وثلاثين مرّة. (وتسبّح ثلاثا وثلاثين) ؛ أي: تقول «سبحان الله» ؛ وتكرّرها ثلاثا وثلاثين مرّة. (وتكبّر ثلاثا وثلاثين) ؛ أي: تقول «الله أكبر» ، وتكرّره كذلك، وهي «الباقيات الصّالحات» في قول ترجمان القرآن الحبر: عبد الله بن عباس. فيندب ذلك عند إرادة النّوم ندبا مؤكّدا للنّساء، ومثلهن الرّجال، فتخصيصهنّ بالذّكر ليس لإخراج غيرهن! (و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» ، والنّسائي: كلهم؛ (عن أنس) أي: ابن مالك (رضي الله تعالى عنه؛ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه) أي: دخل فيه. قال الإمام النّوويّ في آخر «باب الحج» من «شرح مسلم» ؛ نقلا عن القاضي عياض: يقال: آوى وأوى- بالمدّ والقصر في الفعل الّلازم والمتعدّي جميعا- لكن

стр. 910

قال: «الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممّن لا كافي له ولا مؤوي له» . القصر في الّلازم أشهر وأفصح، والمدّ في المتعدّي أشهر وأفصح. انتهى. قلت: وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين، قال تعالى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ [٦٣/ الكهف] . وقال تعالى في المتعدّي وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ [٥٠/ المؤمنون] . انتهى. (قال: «الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا) ، إنّما ذكرهما هنا!! لأنّ الحياة لا تتمّ إلّا بهما؛ كالنّوم، فالثّلاثة من واد واحد، وأيضا النّوم فرع الشّبع والرّيّ، وفراغ الخاطر من المهمّات، والأمن من الشرور والآفات؛ فلذلك ذكر ما بعده أيضا بقوله: (وكفانا) ؛ أي: دفع عنّا شرّ خلقه، (وآوانا) ؛ في كنّ نسكن فيه يقينا الحرّ والبرد، ونحرس فيه متاعنا، ونحجب به عيالنا، وهو بالمدّ، ويجوز القصر، وعلّل الحمد مبيّنا لسببه الحامل عليه؛ إذ لا يعرف قدر النّعمة إلّا بضدّها؛ بقوله: (فكم ممّن لا كافي له) - بدون همز- (ولا مؤوي له!!) - بميم مضمومة، فهمزة ساكنة، فواو مكسورة؛ اسم فاعل من «آوى» بالمدّ- أي: كثير من خلق الله لا يكفيهم الله شرّ الأشرار، ولا يجعل لهم مسكنا؛ بل تركهم يتأذّون في الصّحاري بالبرد والحرّ؛ قاله المناوي على «الجامع» . وقال الباجوري: والمعنى: فكم من الخلق؛ أي: كثير منهم لا كافي لهم ولا مؤوي لهم على الوجه الأكمل عادة، فالله تعالى كاف لجميع خلقه ومؤو لهم؛ ولو من بعض الوجوه، وإن كان لا يكفيهم ولا يؤويهم من بعض آخر! فلا يكفيهم شرّ أعدائهم؛ بل يسلّطهم عليهم، ولا يؤويهم إلى مأوى، بل يتركهم يتأذّون ببرد الصّحاري وحرّها. وفي الحديث إشارة إلى عموم الأكل والشّرب لشمول الرّزق، كما يقتضيه قوله تعالى. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [٦/ الأنعام] .

стр. 911

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر من اللّيل ... وأمّا الكفاية من شرّ الأعداء- مثلا- والمأوى!! فالله تعالى يخصّ بهما من شاء من عباده؛ فإنّ كثيرا منهم من يتسلّط عليه أعداؤه، وكثير منهم ليس له مأوى! إمّا مطلقا، أو مأوى صالحا. انتهى. وروى البخاريّ وغيره؛ عن حذيفة؛ ومسلم؛ عن البراء: كان ﷺ إذا استيقظ؛ قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» . وروى أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان إذا استيقظ من اللّيل؛ قال: «لا إله إلّا أنت، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهمّ زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب» . وروى الإمام أحمد، وابن ماجه؛ عن ربيعة بن كعب؛ أنّه سمع رسول الله ﷺ إذا قام من اللّيل يصلّي يقول: «الحمد لله ربّ العالمين القويّ» ، ثمّ يقول: «سبحان الله وبحمده القويّ» . وأمّا ما كان يقوله إذا أصبح وإذا أمسى!! فكثير ألّفت فيه تاليف كثيرة، يقال لها «عمل اليوم واللّيلة» والله أعلم. (و) أخرج النّسائي في «عمل اليوم والليلة» ، والحاكم في «باب الدعاء» ، وقال: على شرطهما، وأقرّه الذّهبيّ، وقال الحافظ العراقي في «أماليه» : حديث صحيح، وأخرجه ابن حبّان أيضا: كلهم؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر) - بالتّشديد-؛ أي: تلوّى وتقلّب ظهرا لبطن؛ وقال الحفني: أي: استيقظ (من اللّيل) . «من» تبعيضيّة، أو بمعنى «في» ؛

стр. 912

قال: «لا إله إلّا الله الواحد القهّار، ربّ السّماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار» . ومعنى (تضوّر) : تلوّى وتقلّب في فراشه. وكان رسول الله ﷺ إذا تعارّ من اللّيل.. قال: «ربّ اغفر وارحم، واهد للسّبيل الأقوم» . (قال: «لا إله إلّا الله الواحد القهّار، ربّ السّماوات والأرض، وما بينهما العزيز الغفّار» ) ، هذا التسجيع في الدّعاء ليس مقصودا له ﷺ ، فلا بأس به حيث لم يكن متكلّفا. (ومعنى تضوّر) - بفتح المثنّاة الفوقيّة والضّاد المعجمة، وشدّة الواو؛ فراء- (: تلوّى وتقلّب في فراشه) ؛ قاله العزيزي على «الجامع الصغير» . (و) أخرج محمد بن نصر في كتاب «فضل الصلاة» ؛ وقال في «العزيزي» : حديث حسن لغيره؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها، زوج النّبيّ ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا تعارّ) - بفتح المثنّاة، الفوقيّة، والعين المهملة، وشدّة الرّاء- أي: انتبه (من اللّيل) . والتّعارّ: الانتباه في اللّيل مع صوت؛ من نحو تسبيح أو استغفار، وهذا حكمة العدول إليه عن التعبير بالانتباه، فإنّ من هبّ من نومه ذاكرا لله وسأله خيرا أعطاه، وإنّما يكون ذلك لمن تعوّد الذّكر واستأنس به؛ وغلب عليه حتّى صار حديث نفسه في نومه ويقظته!! قالوا: وأصل التّعارّ: السّهر والتّقلّب على الفراش، ثمّ استعمل فيما ذكر، وقد ورد عند الانتباه أذكار؛ منها: أنّه كان إذا انتبه (قال: «ربّ اغفر وارحم واهد للسّبيل الأقوم» ) ؛ أي: دلّني على الطّريق الواضح الّذي هو أقوم الطّرق وأعظمها استقامة. وحذف المعمول! ليؤذن بالعموم.

стр. 913

ومعنى (تعارّ) : هبّ من نومه واستيقظ. وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا عرّس بليل.. اضطجع على شقّه الأيمن، ... وفيه جواز تسجيع الدّعاء إذا خلا عن تكلّف وقصد؛ كهذا. فينبغي المحافظة على قول الذّكر عند الانتباه من النّوم، ولا يتعيّن له لفظ؛ لكنّه بالمأثور أفضل، ومنه ما ذكر في هذا الخبر. قاله المناوي. (ومعنى تعارّ) - بتشديد الرّاء-: (هبّ من نومه واستيقظ) ، والتّاء زائدة؛ قاله في «النّهاية» . (و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» ، والإمام أحمد، وابن حبّان، والحاكم؛ بأسانيد صحيحة، واللفظ ل «الشّمائل» ؛ (عن أبي قتادة) من أكابر الصّحب الكرام. اسمه: الحارث بن ربعيّ- بكسر أوّله-، أو: النّعمان بن ربعيّ. أو النّعمان ابن عمرو، الأنصاري، الخزرجي، السّلمي، المدني. فارس رسول الله ﷺ ؛ حضر المشاهد كلّها إلّا بدرا؛ ففيها خلف، وليس في الصّحب من يكنّى بكنيته. مات بالمدينة المنوّرة سنة: ثمان وثلاثين، أو: أربع وخمسين؛ عن سبعين سنة (رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا عرّس) - بشدّ الرّاء وعين وسين مهملات- أي: نزل وهو مسافر آخر الليل للنّوم والاستراحة (بليل) ؛ أي: في زمن ممتدّ منه، لقوله بعد: «قبيل الصبح» ، (اضطجع على شقّه الأيمن) ؛ أي: نام على جنبه الأيمن، ووضع رأسه على لبنة، والشّقّ- بالكسر-: نصف الشّيء والجانب. وهذه الحالة؛ وإن كانت تفضي إلى الاستغراق في النّوم؛ لكنّه لمّا كان الوقت متّسعا وثق من نفسه بالتّيقّظ وعدم فوات الصّبح.

стр. 914

وإذا عرّس قبيل الصّبح.. نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفّه. ومعنى (التّعريس) : نزول القوم في السّفر آخر اللّيل. وكان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب.. توضّأ وضوءه للصّلاة، ... (وإذا عرّس قبيل الصّبح) ؛ أي: قبل دخول وقته بقليل (نصب ذراعه) ؛ أي: اليمين، (ووضع رأسه على كفّه) ، وفي رواية أحمد وغيره: ووضع رأسه على كفّه اليمنى، وأقام ساعده. وذلك لأنّه أعون على الانتباه؛ لئلّا ينام طويلا؛ فيفوته الصّبح، فهو تشريع وتعليم لأمّته لئلّا يثقل نومهم فيفوتهم أوّل الوقت، فينبغي لمن قارب وقت الصّلاة أن يتجنب الاستغراق في النّوم، فينام على هيئة تقتضي سرعة يقظته؛ محافظة على تحصيل فضيلة أوّل الوقت؛ اقتداء به ﷺ . (ومعنى التّعريس: نزول القوم في السّفر آخر اللّيل) للنّوم والاستراحة، هذا قول الأكثر؛ كما في الزّرقاني. وقال المناوي: ظنّ بعضهم أنّ اللّيل قيد في مسمّاه، والأمر بخلافه!! فقد أطلقوا أن يقال: «عرّس» ؛ إذا نزل المسافر ليستريح نزلة ثمّ يرتحل. بل قال أبو زيد وغيره: قالوا: عرّس القوم في المنزل تعريسا؛ إذا نزلوا أيّ وقت كان من ليل أو نهار، هكذا حكاه عنه بلفظ: «قالوا» . انتهى كلام المناوي على «الشّمائل» . (و) أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام؛ وهو جنب توضّأ) ؛ أي: غسل أعضاءه الأربعة بالنّية، ولمّا كان الوضوء لغويّا وشرعيّا؛ دفع توهّم إرادة اللّغوي الّذي هو مطلق النّظافة بقوله: (وضوءه للصّلاة) ؛ احترازا عن الوضوء اللّغوي، فيسنّ وضوء الجنب للنّوم، ويكره تركه.

стр. 915

وإذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب.. غسل يديه ثمّ يأكل ويشرب. وحكمة الوضوء: تخفيف الحدث، لا سيّما إذا قلنا بجواز تفريق الغسل؛ فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء. ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة بسند قال فيه ابن حجر: رجاله ثقات؛ عن شدّاد رفعه: «إذا أجنب أحدكم من اللّيل؛ ثمّ أراد أن ينام فليتوضّأ؛ فإنّه نصف غسل الجنابة» . وقيل: حكمته أنّه أحد الطّهارتين. وعليه؛ فيقوم التّيمم مقامه!! وقد روى البيهقي- بإسناد قال ابن حجر: هو حسن- عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضّأ أو تيمّم. أي: عند فقد الماء. وقيل: حكمته أن ينشط إلى العود أو الغسل. ونقل ابن دقيق العيد عن نصّ الشّافعي أنّه مثل الجنب: الحائض بعد الانقطاع، ومثلها النّفساء؛ وفيه ندب التّنظيف عند النّوم. قال ابن الجوزي: وحكمته أنّ الملائكة تبعد عن الوسخ والرّيح الكريه؛ بخلاف الشّياطين!. (وإذا أراد أن يأكل أو يشرب؛ وهو جنب؛ غسل يديه) ؛ أي: الأقلّ ذلك، والأكمل أن يتوضّأ؛ كما صرّح به الفقهاء، وغسل اليدين مطلوب عند الأكل؛ وإن لم يكن جنبا. وإنما قيّد بالجنب! لتأكّد ذلك فيه أكثر من غيره. وقد ورد أنّه ﷺ كان يتوضّأ أيضا عند إرادة الأكل إذا كان جنبا، وقيس بالأكل الشّرب. وكالجنب في ذلك الحائض والنّفساء إذا انقطع دمهما؛ قاله العزيزي والحفني. (ثمّ يأكل ويشرب) ؛ لأنّ أكل الجنب بدون ذلك يورث الفقر؛ كما جاء في
следующие страницы →