وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر من اللّيل ...
وأمّا الكفاية من شرّ الأعداء- مثلا- والمأوى!! فالله تعالى يخصّ بهما من شاء من عباده؛ فإنّ كثيرا منهم من يتسلّط عليه أعداؤه، وكثير منهم ليس له مأوى! إمّا مطلقا، أو مأوى صالحا. انتهى.
وروى البخاريّ وغيره؛ عن حذيفة؛ ومسلم؛ عن البراء:
كان ﷺ إذا استيقظ؛ قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» .
وروى أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان إذا استيقظ من اللّيل؛ قال: «لا إله إلّا أنت، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهمّ زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب» .
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه؛ عن ربيعة بن كعب؛ أنّه سمع رسول الله ﷺ إذا قام من اللّيل يصلّي يقول: «الحمد لله ربّ العالمين القويّ» ، ثمّ يقول:
«سبحان الله وبحمده القويّ» .
وأمّا ما كان يقوله إذا أصبح وإذا أمسى!! فكثير ألّفت فيه تاليف كثيرة، يقال لها «عمل اليوم واللّيلة» والله أعلم.
(و) أخرج النّسائي في «عمل اليوم والليلة» ، والحاكم في «باب الدعاء» ، وقال: على شرطهما، وأقرّه الذّهبيّ، وقال الحافظ العراقي في «أماليه» : حديث صحيح، وأخرجه ابن حبّان أيضا: كلهم؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر) - بالتّشديد-؛ أي: تلوّى وتقلّب ظهرا لبطن؛ وقال الحفني: أي: استيقظ (من اللّيل) . «من» تبعيضيّة، أو بمعنى «في» ؛
стр. 912
قال: «لا إله إلّا الله الواحد القهّار، ربّ السّماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار» .
ومعنى (تضوّر) : تلوّى وتقلّب في فراشه.
وكان رسول الله ﷺ إذا تعارّ من اللّيل.. قال:
«ربّ اغفر وارحم، واهد للسّبيل الأقوم» .
(قال: «لا إله إلّا الله الواحد القهّار، ربّ السّماوات والأرض، وما بينهما العزيز الغفّار» ) ، هذا التسجيع في الدّعاء ليس مقصودا له ﷺ ، فلا بأس به حيث لم يكن متكلّفا.
(ومعنى تضوّر) - بفتح المثنّاة الفوقيّة والضّاد المعجمة، وشدّة الواو؛ فراء- (: تلوّى وتقلّب في فراشه) ؛ قاله العزيزي على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج محمد بن نصر في كتاب «فضل الصلاة» ؛ وقال في «العزيزي» : حديث حسن لغيره؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها، زوج النّبيّ ﷺ قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا تعارّ) - بفتح المثنّاة، الفوقيّة، والعين المهملة، وشدّة الرّاء- أي: انتبه (من اللّيل) . والتّعارّ: الانتباه في اللّيل مع صوت؛ من نحو تسبيح أو استغفار، وهذا حكمة العدول إليه عن التعبير بالانتباه، فإنّ من هبّ من نومه ذاكرا لله وسأله خيرا أعطاه، وإنّما يكون ذلك لمن تعوّد الذّكر واستأنس به؛ وغلب عليه حتّى صار حديث نفسه في نومه ويقظته!!
قالوا: وأصل التّعارّ: السّهر والتّقلّب على الفراش، ثمّ استعمل فيما ذكر، وقد ورد عند الانتباه أذكار؛ منها: أنّه كان إذا انتبه (قال: «ربّ اغفر وارحم واهد للسّبيل الأقوم» ) ؛ أي: دلّني على الطّريق الواضح الّذي هو أقوم الطّرق وأعظمها استقامة. وحذف المعمول! ليؤذن بالعموم.
стр. 913
ومعنى (تعارّ) : هبّ من نومه واستيقظ.
وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا عرّس بليل.. اضطجع على شقّه الأيمن، ...
وفيه جواز تسجيع الدّعاء إذا خلا عن تكلّف وقصد؛ كهذا.
فينبغي المحافظة على قول الذّكر عند الانتباه من النّوم، ولا يتعيّن له لفظ؛ لكنّه بالمأثور أفضل، ومنه ما ذكر في هذا الخبر. قاله المناوي.
(ومعنى تعارّ) - بتشديد الرّاء-: (هبّ من نومه واستيقظ) ، والتّاء زائدة؛ قاله في «النّهاية» .
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» ، والإمام أحمد، وابن حبّان، والحاكم؛ بأسانيد صحيحة، واللفظ ل «الشّمائل» ؛ (عن أبي قتادة) من أكابر الصّحب الكرام.
اسمه: الحارث بن ربعيّ- بكسر أوّله-، أو: النّعمان بن ربعيّ. أو النّعمان ابن عمرو، الأنصاري، الخزرجي، السّلمي، المدني.
فارس رسول الله ﷺ ؛ حضر المشاهد كلّها إلّا بدرا؛ ففيها خلف، وليس في الصّحب من يكنّى بكنيته.
مات بالمدينة المنوّرة سنة: ثمان وثلاثين، أو: أربع وخمسين؛ عن سبعين سنة (رضي الله تعالى عنه؛
أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا عرّس) - بشدّ الرّاء وعين وسين مهملات- أي: نزل وهو مسافر آخر الليل للنّوم والاستراحة (بليل) ؛ أي: في زمن ممتدّ منه، لقوله بعد:
«قبيل الصبح» ، (اضطجع على شقّه الأيمن) ؛ أي: نام على جنبه الأيمن، ووضع رأسه على لبنة، والشّقّ- بالكسر-: نصف الشّيء والجانب.
وهذه الحالة؛ وإن كانت تفضي إلى الاستغراق في النّوم؛ لكنّه لمّا كان الوقت متّسعا وثق من نفسه بالتّيقّظ وعدم فوات الصّبح.
стр. 914
وإذا عرّس قبيل الصّبح.. نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفّه.
ومعنى (التّعريس) : نزول القوم في السّفر آخر اللّيل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب..
توضّأ وضوءه للصّلاة، ...
(وإذا عرّس قبيل الصّبح) ؛ أي: قبل دخول وقته بقليل (نصب ذراعه) ؛ أي: اليمين، (ووضع رأسه على كفّه) ، وفي رواية أحمد وغيره: ووضع رأسه على كفّه اليمنى، وأقام ساعده. وذلك لأنّه أعون على الانتباه؛ لئلّا ينام طويلا؛ فيفوته الصّبح، فهو تشريع وتعليم لأمّته لئلّا يثقل نومهم فيفوتهم أوّل الوقت، فينبغي لمن قارب وقت الصّلاة أن يتجنب الاستغراق في النّوم، فينام على هيئة تقتضي سرعة يقظته؛ محافظة على تحصيل فضيلة أوّل الوقت؛ اقتداء به ﷺ .
(ومعنى التّعريس: نزول القوم في السّفر آخر اللّيل) للنّوم والاستراحة، هذا قول الأكثر؛ كما في الزّرقاني.
وقال المناوي: ظنّ بعضهم أنّ اللّيل قيد في مسمّاه، والأمر بخلافه!! فقد أطلقوا أن يقال: «عرّس» ؛ إذا نزل المسافر ليستريح نزلة ثمّ يرتحل.
بل قال أبو زيد وغيره: قالوا: عرّس القوم في المنزل تعريسا؛ إذا نزلوا أيّ وقت كان من ليل أو نهار، هكذا حكاه عنه بلفظ: «قالوا» . انتهى كلام المناوي على «الشّمائل» .
(و) أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام؛ وهو جنب توضّأ) ؛ أي: غسل أعضاءه الأربعة بالنّية، ولمّا كان الوضوء لغويّا وشرعيّا؛ دفع توهّم إرادة اللّغوي الّذي هو مطلق النّظافة بقوله: (وضوءه للصّلاة) ؛ احترازا عن الوضوء اللّغوي، فيسنّ وضوء الجنب للنّوم، ويكره تركه.
стр. 915
وإذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب.. غسل يديه ثمّ يأكل ويشرب.
وحكمة الوضوء: تخفيف الحدث، لا سيّما إذا قلنا بجواز تفريق الغسل؛ فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء.
ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة بسند قال فيه ابن حجر: رجاله ثقات؛ عن شدّاد رفعه: «إذا أجنب أحدكم من اللّيل؛ ثمّ أراد أن ينام فليتوضّأ؛ فإنّه نصف غسل الجنابة» .
وقيل: حكمته أنّه أحد الطّهارتين. وعليه؛ فيقوم التّيمم مقامه!! وقد روى البيهقي- بإسناد قال ابن حجر: هو حسن- عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضّأ أو تيمّم. أي: عند فقد الماء.
وقيل: حكمته أن ينشط إلى العود أو الغسل.
ونقل ابن دقيق العيد عن نصّ الشّافعي أنّه مثل الجنب: الحائض بعد الانقطاع، ومثلها النّفساء؛ وفيه ندب التّنظيف عند النّوم. قال ابن الجوزي:
وحكمته أنّ الملائكة تبعد عن الوسخ والرّيح الكريه؛ بخلاف الشّياطين!.
(وإذا أراد أن يأكل أو يشرب؛ وهو جنب؛ غسل يديه) ؛ أي: الأقلّ ذلك، والأكمل أن يتوضّأ؛ كما صرّح به الفقهاء، وغسل اليدين مطلوب عند الأكل؛ وإن لم يكن جنبا.
وإنما قيّد بالجنب! لتأكّد ذلك فيه أكثر من غيره. وقد ورد أنّه ﷺ كان يتوضّأ أيضا عند إرادة الأكل إذا كان جنبا، وقيس بالأكل الشّرب.
وكالجنب في ذلك الحائض والنّفساء إذا انقطع دمهما؛ قاله العزيزي والحفني.
(ثمّ يأكل ويشرب) ؛ لأنّ أكل الجنب بدون ذلك يورث الفقر؛ كما جاء في
стр. 916
وكان ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب.. غسل فرجه وتوضّأ.
وكان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه.
خبر الديلمي؛ عن شدّاد بن أوس يرفعه: «ثلاث تورث الفقر: أكل الرّجل وهو جنب قبل أن يغسل يديه، وقيامه عريا بلا مئزر وسترة، والمرأة تشتم زوجها في وجهه» .
(و) أخرج الشّيخان، وأبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ غسل فرجه) ، أي: ذكره (وتوضّأ) - تمامه- للصّلاة. أي: وضوءه للصّلاة؛ أي: توضّأ كما يتوضّأ للصّلاة، وليس معناه أنّه توضّأ لأداء الصّلاة! وإنّما المراد أنّه توضّأ وضوآ شرعيّا؛ لا لغويا. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الحاكم في «التفسير» - قال العزيزي: وهو حديث صحيح-؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله ﷺ تنام عيناه) بالتّثنية، وبالإفراد، على أنّه مفرد مضاف يعمّ، روايتان في البخاري.
(ولا ينام قلبه) ليعي الوحي الذي يأتيه، بل هو دائم اليقظة، لا يعتريه غفلة؛ ولا يتطرّق إليه شائبة نوم؛ لمنعه من إشراق الأنوار الإلهيّة الموجبة لفيض المطالب السّنيّة، ولذا كانت رؤياه وحيا، ولا تنتقض طهارته بالنّوم، وكذا الأنبياء؛ لقوله ﷺ : «إنّا معشر الأنبياء تنام أعيننا؛ ولا تنام قلوبنا» . رواه ابن سعد؛ عن عطاء مرسلا،
ورواه البخاري وغيره بمعناه؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ولفظها:
ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلي أربعا؛ فلا تسأل عن حسنهن
стр. 917
.........
وطولهنّ، ثمّ يصلي ثلاثا، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت: يا رسول الله؛ أتنام قبل أن توتر؟! فقال: «يا عائشة؛ إنّ عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» .
رواه الشّيخان، وأبو داود، والتّرمذي، والنّسائي.
وإنّما كان لا ينام قلبه! لأنّ القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحالة كان لنبيّنا محمد ﷺ ، ولباقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو من خصائصه على الأمم؛ لا على الأنبياء؛ بنصّ حديثه المارّ!
والفرق بيننا وبينهم: أنّ النّوم يتضمّن أمرين: راحة البدن، وهو الّذي شاركونا فيه. والثّاني: غفلة القلب، وقلوبهم مستيقظة إذا ناموا؛ سليمة من أضغاث الأحلام، مشتغلة في تلقّف الوحي والتّفكر في المصالح؛ على مثل حال غيرهم إذا كان يقظانا، ولذا كانت رؤياهم وحيا، ولا ينقض النّوم وضوءهم.
ويحصل لمن أحيا الله قلبه بمحبّته واتباع رسوله من ذلك الحال الّذي كماله للمصطفى جزء بحسب نصيبه من محبّته ﵊، ولكنّهم؛ ولو شاركوا الأنبياء في جزء ما من ذلك؛ ليسوا كهم! لانتقاض وضوئهم، ورؤياهم ليست وحيا بإجماع.
وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين حديث نومه ﵊ في الوادي؛ حيث كانوا قافلين من سفر عن صلاة الصّبح حتّى طلعت الشّمس وحميت حتّى أيقظه عمر رضي الله تعالى عنه بالتّكبير!! كما أخرجه البخاري ومسلم؛ عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما؛
فقال النّووي: له جوابان:
أحدهما: أنّ القلب إنّما يدرك الحسّيّات المتعلّقة به؛ كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلّق بالعين؛ لأنّها نائمة والقلب يقظان.
الثاني: أنّه كان له حالان؛ حال كان قلبه لا ينام؛ وهو الأغلب، وحال ينام
стр. 918
.........
فيه قلبه؛ وهو نادر، فصادف هذا- أي: قصّة النّوم عن الصلاة- قال: والصّحيح المعتمد هو الأوّل، والثاني ضعيف، بل شاذّ؛ لمخالفته لصريح «ولا ينام قلبي» الشّامل لسائر الأحوال؛ إذ الفعل المنفي يفيد العموم. قال في «فتح الباري» :
وهو كما قال.
ولا يقال: القلب؛ وإن كان لا يدرك ما يتعلّق بالعين من رؤية الفجر مثلا؛ لكنّه يدرك إذا كان يقظانا مرور الوقت الطّويل، فإنّ من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشّمس مدّة طويلة لا تخفى على من لم يكن مستغرقا!! لأنّا نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه ﷺ إذ ذاك مستغرقا بالوحي، ولا يلزم من ذلك وصفه بالنّوم، كما كان يستغرق ﷺ حالة إلقاء الوحي؛ فكان يستغرق بحيث يؤخذ عن النّاس إذا نزل عليه في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك الاستغراق: بيان التشريع بالفعل؛ لأنّه أوقع في النّفس، كما في قصّة سهوه في الصّلاة حين سلّم من ركعتين ... وغير ذلك.
وقريب من هذا جواب ابن المنير: أنّ القلب قد يحصل له السّهو في اليقظة لمصلحة التّشريع، ففي النّوم بطريق الأولى، أو على السّواء؛ حيث فرضنا أنّ نومه ويقظته سيّان.
وقال ابن العربي في «القبس» : النّبيّ ﷺ كيفما اختلفت حاله من نوم أو يقظة في حقّ وتحقيق، ومع الملائكة في كل طريق، إن نسي؛ فباكد من المنسيّ اشتغل، وإن نام؛ فبقلبه ونفسه على الله أقبل، ولهذا قالت الصّحابة الكرام رضوان الله عليهم: كان ﷺ إذا نام لا نوقظه حتّى يستيقظ، لأنّا لا ندري ما يحدث له!! أي: من الوحي؛ كانوا يخافون من إيقاظه قطع الوحي، فلا يوقظونه لاحتمال ذلك.
قال ابن العربي: فنومه عن الصّلاة أو نسيانه شيئا منها لم يكن عن آفة، وإنّما كان بالتّصرّف من حالة إلى حالة مثلها؛ لتكون لنا سنّة. انتهى. أي: كما قال
стр. 919
ولذلك كان ﷺ ينام حتّى ينفخ، ثمّ يقوم فيصلّي.
ﷺ : «لو أنّ الله أراد ألّا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم؛ فهكذا لمن نام أو نسي» . رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
(ولذلك) المذكور من كونه تنام عيناه ولا ينام قلبه (كان ﷺ ينام حتّى ينفخ) ؛ من النّفخ: وهو إرسال الهواء من الفم بقوّة، والمراد هنا ما يخرج من النائم حين استغراقه في نومه، وبيّن به أنّ النّفخ يعتري بعض النائمين؛ دون بعض، وأنّه ليس بمذموم ولا مستهجن.
(ثمّ يقوم فيصلّي) ، لفظ التّرمذي؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
أنّه ﷺ نام حتّى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فاذنه بالصّلاة، فقام وصلّى؛ ولم يتوضّأ!! أي: لأنّ نومه لا ينقض وضوءه مطلقا؛ ليقظة قلبه، فلو خرج منه حدث لأحسّ به!! وأمّا رواية: أنّه توضّأ! فإمّا للتجديد، أو وجود ناقض غير النّوم.
وفي البخاري؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: نام ﷺ حتّى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نام ﷺ حتّى استثقل، ورأيته ينفخ.
ولأحمد عنها: ما نام قبل العشاء، ولا سمر بعدها. انتهى «زرقاني» .
стр. 920
[الباب الخامس في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته]
الباب الخامس في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته وفيه ستّة فصول
(الباب الخامس) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب، ومقدّمة، وخاتمة (في) بيان ما ورد في (صفة خلق رسول الله ﷺ .
الخلق- بضم الخاء واللّام، - وقد تسكّن-: الطبع والسجيّة، وهو اسم للأوصاف الباطنة؛ بخلاف الخلق- بفتح الخاء وسكون اللام-!! فإنّه اسم للصفات الظّاهرة؛ وتعلّق الكمال بالصّفات الباطنة أكثر من تعلّقه بالصّفات الظّاهرة.
وعرّف الإمام حجّة الإسلام الغزاليّ الخلق- بضمتين- بأنّه: هيئة للنّفس تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن كانت تلك الأفعال جميلة؛ سمّيت الهيئة خلقا حسنا، وإلّا! سمّيت خلقا سيئا.
(وحلمه) - بكسر الحاء- قال في «الشّفاء» للقاضي عياض: هو حالة توقّر وثبات عند الأسباب المحركات، (وعشرته) - بكسر العين المهملة-: اسم من المعاشرة والتعاشر، وهي المخالطة (مع نسائه) ، وغيرهنّ، (وأمانته) في كلّ شيء يحفظه؛ قولا أو فعلا أو غير ذلك ممّا يجعل عنده، وكونه موثوقا به في أموال النّاس وأحوالهم، (وصدقه) ؛ وهو مطابقة خبره للواقع.
(وحيائه) قال القاضي عياض في «الشفاء» : الحياء رقّة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهته، أو ما يكون تركه خيرا من فعله.
стр. 921
.........
(ومزاحه) - بكسر أوّله- مصدر «مازحه» ؛ وهو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له؛ فيتولّد منه الضّحك.
(وتواضعه) - بضمّ الضّاد المعجمة-؛ هضم النّفس، قال الخفاجي:
التّواضع إظهار أنّه وضيع وهو أشرف النّاس؛ فالصيغة للتّكلف في الأصل. قال ملا علي قاري: وهو من الملكات المورّثة للمحبّة الرّبّانيّة والمودّة الإنسانيّة؛ ولا يبلغ أحد حقيقة التّواضع إلّا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه، فعند ذلك تذوب النّفس؛ وفي ذوبانها صفاؤها من غشّ الكبر والعجب؛ فتلين وتنطبع للحقّ والخلق؛ بمحو آثارها وسكون وهجها وغليانها، فالتواضع الحقيقيّ هو: ما كان ناشئا عن شهود عظمته تعالى، وتجلّي صفته .
ما المتواضع الّذي إذا اتّضع ... رأى بأنّ القدر فوق ما صنع
لكنّه الّذي إذا ما اتّضعا ... تكون نفسه لديه أوضعا
وما الحقيقيّ من التّواضع ... ما كان عن تصنّع من واضع
بل عن شهود هيبة العظيم ... وعن تجلّي وصفه القديم
(وجلوسه) ؛ من كونه على شبه الحبوة، وإلى القبلة، وجلوسه مع أصحابه، ونحو ذلك، (وكرمه) ؛ الكرم- بفتح أوّليه- قال القاضي عياض: هو الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه. انتهى. فلا يطلق على ما يحقر قدره ويقلّ نفعه.
(وشجاعته) - مثلّث الشين-: مصدر «شجع» - بالضم- شجاعة؛
وهي- كما قال الشامي-: انقياد النفس مع قوّة غضبيّة وملكة يصدر عنها انقيادها في إقدامها، متدرّبة على ما ينبغي، في زمن ينبغي، وحال ينبغي. انتهى.
والشّجاع- بالضم-: الشديد القلب عند البأس، المستهين بالحروب.
(وفيه) ؛ أي: هذا الباب فيه (ستّة فصول) سيأتي بيانها.
стр. 922
[الفصل الأوّل في صفة خلقه ﷺ وحلمه]
الفصل الأوّل في صفة خلقه ﷺ وحلمه (الفصل الأوّل) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة خلقه ﷺ .
في «النهاية» : الخلق- بالضّم والسكون، وبضمّتين-: السجيّة والطبيعة، والمروءة والدين. وحقيقته: أنّه صورة الإنسان الباطنة؛ وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصّة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلّقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكرّرت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع. انتهى.
واختلف: هل حسن الخلق غريزة طبيعية، أو مكتسبة اختيارية!؟.
فقيل بالأوّل؛ لخبر البخاري: «إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم» .
وقيل: بعضه مكتسب؛ لما صحّ في خبر الأشجّ: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله: الحلم، والأناة» قال: يا رسول الله؛ قديما كان فيّ أو حديثا؟! قال:
«قديما» . قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبّهما.
قال ابن حجر الهيتمي- رحمه الله تعالى-: فترديد السؤال عليه وتقريره يشعر بأنّ منه ما هو جبلّيّ، ومنه ما هو مكتسب؛ وهذا هو الحق.
ومن ثمّ قال القرطبيّ: هو جبلّة في نوع الإنسان؛ وهم متفاوتون فيه، فمن غلبه حسنه؛ فهو المحمود، وإلّا! أمر بالمجاهدة حتى يصير حسنا، وبالرياضة حتى يزيد حسنه.
стр. 923
.........
قلت: الأظهر أنّ الأخلاق كلّها باعتبار أصلها جبلّيّة؛ قابلة للزيادة والنقصان في الكميّة والكيفيّة والرياضات الناشئة عن الأمور العلمية والعملية، كما تدلّ عليه الأخبار النبوية.
منها حديث: «إنّما بعثت لأتمّم صالح الأخلاق» . رواه البخاري في «تاريخه» ، والحاكم، والبيهقي، وأحمد؛ عن أبي هريرة.
وأخرجه البزّار بلفظ: «مكارم الأخلاق» .
ومنها ما في «مسلم» ؛ عن علي كرّم الله وجهه في «دعاء الافتتاح» :
«واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلّا أنت» .
ومنها ما صحّ عنه ﷺ : «اللهمّ؛ كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي» .
فالمراد: زيادة تحسين الخلق على ما هو الظاهر؛ على طبق رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) [طه] .
ومنها حديث: «حسن الخلق نصف الدّين» رواه الديلمي؛ عن أنس.
ومنها حديث: «إنّ من أحبّكم إليّ أحسنكم أخلاقا» . رواه البخاري؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. انتهى. ذكره العلامة ملا علي القاري في «جمع الوسائل» .
(وحلمه) ﷺ وهو: ضبط النّفس والطبع عند هيجان الغضب وعدم إظهاره؛ قاله الخفاجي على «الشفاء» .
وفي «الابتهاج» للبلغيثي: واعلم أنّ الحلم من أصحّ السّمات على محمود الصفات، وهو يدرك بالتخلّق وحمل النفس عليه؛ فهو مكتسب، كما يدلّ عليه الحديث: «إنّما العلم بالتّعلّم، وإنّما الحلم بالتّحلّم» .
وقال عليّ رضي الله تعالى عنه: من حلم ساد، ومن تفهّم ازداد.
وللحلم عشرة أسباب: ١- رحمة الجهّال، و ٢- القدرة على المعفوّ عنه،
стр. 924
.........
و٣- الترفّع شرفا وعلوّ همّة، و ٤- الاستهانة أنفة وعجبا، و ٥- الحياء، و ٦- الفضل، و ٧- الاستكفاف؛ أي: جعل السكوت والصبر سببا لكفّ الجاهل، و ٨- خوف العقوبة؛ إمّا لضعف نفس، أو لرأي وحزم، و ٩- رعاية نعمة أو حرمة، و ١٠- توقّع الفرصة؛ دهاء ومكرا.
فإن خلا الحلم عن هذه الأسباب كلّها؛ كان ذلّا. وكلّ واحد منها يحمل على عدم الانتقام في الحال أو دواما.
فمن رحمة الجهّال: قول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه لرجل شتمه:
يا هذا؛ لا تغرق في سبّنا، ودع للصّلح موضعا، فإنّا لا نكافىء من عصى الله تعالى فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وقول الشافعي رضي الله تعالى عنه وقد شتمه رجل: إن كنت كما قلت غفر الله لي، وإلّا!! غفر الله لك.
وفي القدرة على المعفو عنه: ما جاء عن النّبيّ ﷺ : «إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا على القدرة عليه» . وقيل: أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر.
ومن الترفّع: قول ابن هبيرة وقد أعرض عن رجل سبّه وقال له «إيّاك أعني» :
وأنا عنك أعرض.
ولبعضهم:
أو كلّما طنّ الذّباب زجرته ... إنّ الذّباب إذن عليّ كريم
ولعمرو بن علي:
إذا نطق السّفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السّكوت
سكتّ عن السّفيه فظنّ أنّي ... عييت عن الجواب وما عييت
وفي الصفح لأجل الحياء قيل: احتمال أذى السفيه أيسر من التحلّي بحليته.
стр. 925
.........
ومن الفضل قول الإسكندر لما قيل له: فلان وفلان يتنقّصانك؛ فلو عاقبتهما! قال: هما بعد العقوبة أعذر في تنقّصي.
ومن الاستكفاف قول ضرار بن القعقاع- وقد قال له رجل: والله لئن قلت لي كلمة لتسمعنّ عشرا-؛ فقال ضرار: والله لو قلت لي عشرا ما سمعت كلمة واحدة.
وفي خوف العقوبة: قيل: الحلم حجاب الآفات.
وفي رعاية النعمة قيل: أكرم الشّيم أرعاها للذّمم.
وفي توقّع الفرصة قيل: غضب الأحمق في قوله، وغضب العاقل في فعله.
وقيل:
تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم
ومن المشهورين بالحلم: الأحنف بن قيس، ويضرب به المثل في الحلم، واسمه: «الضّحّاك» وقيل: «صخر» . وهو من الموصوفين ببشاعة الصورة.
وهو من كبار التابعين، وكان يقول: إنّي تعلّمت الحلم من خالي قيس بن عاصم المنقري. وقيس هذا صحابي رضي الله تعالى عنه.
ومن حلمه: ما حدّث به الأحنف قال: كنّا عند خالي قيس بن عاصم، فأتي بولد له قتيل؛ فقال: ادفنوه؛ وعظّم الله أجر أمّه فيه. وما رأيناه تغيّر ولا حلّ حبوته لذلك، فقالوا له: إنّ أخاك قد قتله. فقال متمثّلا:
أقول للنّفس تأساء وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
ومن حلم الأحنف: ما روي أنّ عمرو بن الأهتم جعل لرجل ألف درهم على أن يسفّه الأحنف؛ فأقبل الرجل عليه فسبّه سبّا ذريعا؛ والأحنف ساكت. فرجع الرجل يعضّ أنامله، ويقول: واسوأتاه؛ ما منعه من جوابي إلّا هواني عليه.
стр. 926
قال القاضي عياض في «الشّفا» : (قال وهب بن منبّه: ...
وفعل به آخر مثل ذلك وأطال في شتمه، إلى أن أراد الأحنف القيام إلى غدائه.
فقال للرجل: يا هذا؛ إنّ غداءنا قد حضر فقم بنا إليه.
وكان الأحنف يقول: ما عاداني أحد إلّا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال:
إن كان أعلى منّي؛ عرفت له قدره، أو دوني؛ رفعت عنه قدري، أو نظيري؛ تفضّلت عليه. انتهى.
وهذا كلام في غاية الحكمة، وقد نظمه الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب ... وإن عظمت منه عليّ الجرائم
فما النّاس إلّا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأمّا الّذي فوقي فأعرف قدره ... وأتبع فيه الحقّ والحقّ لازم
وأمّا الّذي دوني فحلمي تكرّما ... أصون به عرضي وإن لام لائم
وأمّا الّذي مثلي فإن زلّ أو هفا ... تفضّلت إنّ الفضل بالفخر حاكم
انتهى كلام «الابتهاج» .
(قال القاضي) التقيّ النقيّ الورع (عياض) بن موسى اليحصبي الأندلسي السبتي- وقد تقدّمت ترجمته تغمّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته آمين- (في) كتاب ( «الشفا) بتعريف حقوق المصطفى» ﷺ ؛ في الباب الثاني منه؛ في الفصل الثالث:
(قال) أبو عبد الله (وهب بن منبّه) - بضمّ الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشدّدة؛ بزنة اسم الفاعل- ابن كامل اليماني الصنعاني التابعي المشهور بمعرفة الكتب القديمة.
اتّفقوا على توثيقه وعبادته، روى له أصحاب الكتب الستة. توفي سنة:
- ١١٦- ست عشرة ومائة هجرية، وعمره ثمانون سنة، وقد تقدّمت ترجمته، وله ترجمة طويلة في كتاب «الميزان» رحمه الله تعالى.
стр. 927
قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها: أنّ النّبيّ ﷺ أرجح النّاس عقلا، وأفضلهم رأيا.
(قرأت في أحد وسبعين كتابا) من الكتب القديمة؛ إذ كان خبرها- وفي «معارف» ابن قتيبة: قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتابا- (فوجدت في جميعها أنّ النّبيّ ﷺ أرجح النّاس) - أي: الخلق- (عقلا) يعني: أنّ عقله أزيد من عقول الناس جميعا.
وقد اختلف في ماهيّة العقل اختلافا طويلا يطول استقصاؤه، والحقّ أنّه نور روحانيّ به تدرك النّفوس العلوم الضرورية والنظرية.
وابتداء وجوده؛ عند اجتنان الولد في بطن أمّه، ثم لا زال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ.
ومحلّه: القلب عند جمهور أهل الشرع؛ كالأئمة الثلاثة؛ لقوله تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [١٧٩/ الأعراف] ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [٣٧/ ق] وقوله ﷺ : «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت؛ صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت؛ فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» والدّماغ تابع له؛ إذ هو من جملة الجسد.
وقال عليّ: العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنّفس في الرئة. رواه البخاري في «الأدب المفرد» ، والبيهقي بسند جيد.
وذهب الحنفية وابن الماجشون وأكثر الفلاسفة: إلى أنّه في الدّماغ؛ لأنه إذا فسد فسد العقل. وأجيب: بأنّ الله أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ؛ مع أنّه ليس فيه! ولا امتناع في هذا. انتهى من شرح الزرقاني على «المواهب» .
(وأفضلهم رأيا) ؛ أي: تدبيرا ناشئا من العقل الكامل الذي ينظر في بدء الأمر ودبره، وأوّله وآخره.
وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا
стр. 928
وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها: أنّ الله تعالى لم يعط جميع النّاس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلّا كحبّة رمل من بين رمال الدّنيا) .
كانت معارفه عظيمة، وخصائصه جسيمة؛ حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبه لديه، وكلّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك؛ وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرّم ما وهبه الله من أسرار إلهيته، ومعرفة ربوبيّته، وتحقّق عبوديته!!. قاله الزرقاني على «المواهب» .
وهذا الذي قاله وهب «من أنّه ﷺ منوّه بذكره في الكتب القديمة» يعضده قوله تعالى النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [١٥٧/ الأعراف] .
(وفي رواية أخرى) ؛ عن وهب أيضا: (فوجدت في جميعها) ؛ أي: في جميع الكتب التي قرأها (أنّ الله تعالى لم يعط جميع النّاس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلّا كحبّة رمل من بين رمال الدّنيا) . رواه أبو نعيم في «الحلية» ، وابن عساكر. يعني: أنّ عقله ﷺ كجميع رمال الدنيا، وعقل جميع الناس كحبّة منها. وهذا على طريق التمثيل؛ لأن عقولهم لا تقاس بعقله ﷺ ، كما ضرب الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام مثلا بماء في منقار عصفور من ماء البحر بالنسبة لسائره؛ فشبّه به علم الله تعالى وعلم ما عداه.
وقد أورد على كونه أفضل الناس رأيا: أنّه ورد ما يخالفه في كثير من الوقائع الثابتة في الحديث، ورجوعه عن رأيه إلى رأي غيره؛
كما في قصة بدر ورجوعه إلى رأي الحباب بن المنذر؛ حيث نزل النّبيّ ﷺ بأدنى ماء من مياه بدر، فقال له الحباب: أهذا منزل أنزلكه الله؛ فلا تتقدّم ولا تتأخّر عنه، أو هو الرأي والمكيدة؟! فقال: «بل هو الرّأي والمكيدة» ، فقال: ليس هذا بمنزل؛ بل الرأي أن نسير حتى نأتي أدنى ماء من مياه بدر،
стр. 929
.........
فننزل، ثمّ نغوّر ما وراءه، ونبني عليه حوضا ونملؤه، ثم نقاتل؛ ونشرب ولا يشربون. فقال: «أشرت بالرّأي» ورجع ﷺ لما قاله؛
وكذا في قصة أسارى بدر والفداء، وكذا في قصة تأبير النخل، ونحوه مما لا حاجة للتطويل بذكره هنا!
وأجاب التجاني: بأنّ رجحان رأيه على من سواه مخصوص بما أمضاه من سنن الشرع؛ واجتهاداته في أمور الدين، فلا ينافي رجوعه في آراء الدنيا لغيره؛ كما صرّح به في قصة التأبير، إذ قال: «إنّما أنا بشر مثلكم؛ فإذا أمرتكم بشيء من دينكم؛ فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر أخطىء وأصيب» وهذا نصّ فيما ذكر.
وردّ بأنّ مختار أهل الأصول: أنّه ﷺ كان متعبّدا فيما لا وحي فيه بانتظار الوحي، ثم بالاجتهاد بعد وقت الانتظار. وقيل: له الاجتهاد مطلقا في الأمور الشرعية والدنيوية. وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي، وهو المنقول عن أبي يوسف وغيره.
واختلف في جواز خطئه في اجتهاده؛ فذهب الإمام الرازيّ وغيره إلى أنّه لا يجوز. وفي «التوضيح» : يجوز؛ لكن لا يقرّر عليه. وعدم الإقرار بالإجماع؛ لوجوب اتّباعه المقتضي لعصمته، وجواز الخطأ عقلا لا مانع منه؛ بمقتضى البشرية. وقوّة عقله ﷺ وكمال حدسه وسداد رأيه لا ينافيه؛ لأنه من لوازم الطبيعة البشرية، وإذا جاز سهوه في صلاته ومناجاته؛ ففي غيرها بالأولى! فقول التجاني «إنّ جميع أموره الدينية صواب» خلاف المختار عند علماء الأصول.
وحينئذ فمعنى كونه أفضل الناس رأيا واجتهادا مع جواز الخطأ أحيانا:
أنّ رأيه لو خلّي ونفسه؛ أصاب، مع رجحان رأيه بعدم التقرير عليه إذا خالف الأولى. وآراؤه ﷺ كلّها صواب بعد التقرير عليها، وقبله لا. إلا على قول من يقول: «كل مجتهد مصيب» .
стр. 930
وذكر القسطلّانيّ في «المواهب» ، عن «عوارف المعارف» :
(اللّبّ والعقل مئة جزء؛ تسعة وتسعون في النّبيّ ﷺ ، وجزء في سائر المؤمنين.
قال: ومن تأمّل حسن تدبيره للعرب الّذين ...
والحاصل: أنّ كون رأيه أفضل الآراء لا ينافي رجوعه لغيره ومشاورته له، فإنّ العبرة بما وقع عليه القرار؛ لا ببادىء الرأي! فافهم! انتهى. قاله جميعه الشهاب الخفاجيّ في كتابه «نسيم الرياض» شرح «الشفاء» للقاضي عياض رحمهم الله تعالى أجمعين. آمين.
(وذكر) الشهاب (القسطلّانيّ) رحمه الله تعالى (في) كتاب ( «المواهب) اللّدنّيّة» ؛ نقلا (عن) كتاب ( «عوارف المعارف» ) للعلّامة العارف بالله تعالى عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السّهرورديّ- بضمّ السين المهملة، وسكون الهاء، وضمّ الراء، وفتح الواو، وسكون الراء الثانية، ودال مهملة- نسبة إلى «سهرورد» :
بلد عند «زنجان» ، الإمام الورع الزاهد الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى.
ولد سنة: - ٥٣٩- تسع وثلاثين وخمسمائة، وأخذ عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف، ثم لازم الخلوة والصوم والذكر، ثم تكلّم على الناس لمّا أسنّ، ووصل إلى الله به خلق كثير، وتاب على يديه كثير من العصاة، وكفّ وأقعد؛ وما أخلّ بذكر ولا حضور جمع! ولازم الحج؛ فكانت محفّته تحمل على الأعناق من العراق إلى البيت الحرام.
ومات ببغداد مستهلّ محرّم الحرام سنة: - ٦٣٢- اثنتين وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى:
(اللّبّ والعقل مائة جزء؛ تسعة وتسعون في النّبيّ ﷺ ، وجزء في سائر المؤمنين) من أمّته وغيرهم.
(قال) - أي: صاحب «العوارف» - (: ومن تأمّل حسن تدبيره للعرب الّذين
стр. 931
هم كالوحش الشّارد، مع الطّبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحبّاءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سير الماضين.. تحقّق له أنّه أعقل العالمين.
ولمّا كان عقله ﵊ أوسع العقول.. لا جرم اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا، لا يضيق عن شيء) .
هم كالوحش الشّارد) النافر النادّ (مع الطّبع المتنافر المتباعد، و) تأمّل (كيف ساسهم) : ملكهم بحسن تصرّفه فيهم واستجلاب قلوبهم، (واحتمل جفاهم) :
غلظتهم وفظاظتهم، (وصبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم) - جمع وطن: مكانهم ومقرّهم- (وأحبّاءهم؛ من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب؛ يتعلّم منها سير الماضين: تحقّق له أنّه أعقل العالمين) ؛ جواب قوله: «ومن تأمّل ... الخ» .
(ولمّا كان عقله عليه [الصّلاة] والسّلام أوسع العقول؛ لا جرم) - أي: حقّا، و «لا جرم» في الأصل بمعنى: لا بدّ ولا محالة، ثم كثرت فحوّلت إلى معنى القسم، وصارت بمعنى حقّا؛ ولذا تجاب باللام، نحو: لا جرم لأفعلنّ كذا؛ قاله الفرّاء. كما في «المصباح» -.
(اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا لا يضيق عن شيء) ؛ إذ كان مجبولا على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكيّة النقيّة، ولم يحصل له ذلك برياضة؛ بل بجود إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى، والمقام الأسنى.
стр. 932
كان رسول الله ﷺ خلقه القرآن.
قال الإمام الغزاليّ ...
وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمال العقل، لأنّ به تقتبس الفضائل، وتجتنب الرذائل، فإنّ العقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان.
قال بعضهم: لكلّ شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر على المكاره.
وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» ، ومسلم في «صحيحه» ، وأبو داود في «سننه» ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت:
(كان رسول الله ﷺ خلقه القرآن) ؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه. قال ابن الأثير: أي كان متمسّكا بادابه وأوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن.
وقال البيضاوي: أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإنّ كلّ ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه قد تحلّى به، وكلّ ما استهجنه ونهى عنه تجنّبه وتخلّى عنه، فكان القرآن بيان خلقه.
وفي «الديباج» : معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدّب بادابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبّره وحسن تلاوته. انتهى. وهي متقاربة. انتهى «مناوي» .
(قال) حجّة الإسلام (الإمام) أبو حامد: محمد بن محمد بن محمد (الغزاليّ) - بتخفيف اللام في المشهور- ولد سنة: - ٤٥٠- خمسين وأربعمائة.
واشتغل في مبدأ أمره ب «طوس» ، ثمّ قدم «نيسابور» ، واختلف إلى دروس إمام الحرمين، وجدّ في الاشتغال حتى تخرّج في مدة قريبة، وصار من الأعيان في زمن أستاذه، وكان أستاذه يتبجّح به، ولم يزل ملازما له إلى أن توفي، فخرج من «نيسابور» .
стр. 933
في «الإحياء» : (قال سعد بن هشام: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أما تقرأ القرآن؟! قلت: بلى.
قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن.
ولقي الوزير نظام الملك، فأكرمه وعظّمه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل؛ فجرى بينه وبينهم الجدال والمناظرة فظهر عليهم، واشتهر اسمه، وفوّض إليه تدريس النظامية، وأعجب به أهل العراق، وارتفعت عندهم منزلته.
ثم ترك جميع ما كان عليه، وتصوّف وسلك طريق الزهد والانقطاع، واجتهد في العبادة، وزيارة المشاهد المعظّمة، ووزّع أوقاته على وظائف الخير؛ من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى، فتوفي سنة:
- ٥٠٥- خمس وخمسائة هجرية رحمه الله تعالى.
(في) كتابه ( «الإحياء» ) ؛ أي: «إحياء علوم الدين» : (قال سعد بن هشام) بن عامر الأنصاري المدني؛ ابن عمّ أنس بن مالك.
روى عن أبيه، وعائشة، وعنه: زرارة بن أوفى، والحسن، وجميل بن همال. قال النسائي: ثقة. وذكر البخاري أنّه قتل بأرض «بكران» على أحسن أحواله. روى له البخاريّ حديثا واحدا:
(دخلت على عائشة) ؛ الصّدّيقة بنت الصّدّيق (رضي الله تعالى عنها وعن أبيها) أبي بكر، (فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أما تقرأ القرآن؟! قلت: بلى) أقرأ القرآن، (قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن) ؛ أي: ما دلّ عليه القرآن؛ من أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده.
قال العارف السّهروردي في «عوارف المعارف» : ولا يبعد أنّ قول عائشة «كان خلقه القرآن» فيه رمز غامض، وإيماء إلى الأخلاق الرّبّانيّة؛ فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول «كان متخلّقا بأخلاق الله» ؛ فعبّرت عن هذا المعنى بقولها
стр. 934
وإنّما أدّبه القرآن بمثل قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] .
«كان خلقه القرآن» ؛ استحياء من سبحات الجلال، وسترا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها. انتهى.
فكما أنّ معاني القرآن لا تتناهى؛ فكذلك أوصافه الجميلة الدّالّة على خلقه العظيم لا تتناهى؛ إذ في كلّ حالة من أحواله يتجدّد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم وما يفيضه الله عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى!! فإذن:
التعرّض لحصر جزئيّات أخلاقه الحميدة تعرّض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته. انتهى؛ من «المواهب» .
وقال في «الإحياء» : (وإنّما أدّبه القرآن بمثل قوله تعالى) في سورة الأعراف (خُذِ الْعَفْوَ) من أخلاق الناس وأعمالهم؛ من غير تجسّس، وذلك مثل قبول الاعتذار منهم، وترك البحث عن الأشياء. والعفو: المساهلة في كلّ شيء (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) المعروف؛ يعني: وأمر بكلّ ما أمرك الله به، وهو كلّ ما عرفته بالوحي من الله ، وكل ما يعرف في الشرع حسنه، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)) .
وقد نظم هذا المعنى من قال:
خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكلّ الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين
والجاهلون في الآية!!
إن فسّروا بضعفاء الإسلام وجفاة الأعراب؛ كانت الآية محكمة، لأنّ المراد بالإعراض عنهم ألايعنّفهم، ولا يقابلهم بمقتضى غلظتهم في القول والفعل.
وإن فسّروا بالكفار؟ كانت الآية منسوخة باية السيف، ويكون المراد بالإعراض عنهم تركهم على ما هم عليه. وقد أشار القرطبي للقولين.
стр. 935
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ...
ويؤيد القول الأول: ما رواه البخاري من أنّ عيينة بن حصن استأذن له الحرّ بن قيس على عمر بن الخطاب في الدخول، فدخل عليه، وقال له: يا ابن الخطاب؛ ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله قال لنبيه ص خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف] وإنّ هذا من الجاهلين. فما جاوزها عمر رضي الله تعالى عنه؛ وكان وقّافا عند كتاب الله تعالى. فهذا يدلّ على أنّها غير منسوخة، وهو الذي يتبادر إليه كلام صاحب «الجلالين» .
قال جعفر الصادق: ليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية؛ روي أنّ النّبيّ ﷺ لما نزلت هذه الآية سأل جبريل عن تأويلها؟! فقال له: حتى أسأل العالم بها، ثم ذهب وأتاه، فقال: يا محمد؛ إنّ الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك.
قال السيوطي: رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ؛ في «تفاسيرهم» ، وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» ، ووصله ابن مردويه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وعزاه الشيخ قاسم الحنفي للبخاري؛ عن عبد الله بن الزبير في قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) أنّه قال:
ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وله في رواية أخرى تعليقا؛ عن عبد الله قال: أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أقوال الناس، أو من أخلاق الناس.
انتهى؛ قاله الخفاجي.
(و) أدّبه القرآن بمثل (قوله) تعالى في سورة النحل (. إِنَّ اللَّهَ) - أي:
فيما أنزله تبيانا لكل شيء وهدى وبشرى- (يَأْمُرُ) - آثر صيغة الاستقبال فيه وفي ما بعده لإفادة التجدّد والاستمرار- (بِالْعَدْلِ) ؛ أي: التوحيد، أو الإنصاف.
وفي «البيضاوي» : أي بالتوسّط في الأمور؛
стр. 936
وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] .
اعتقادا؛ كالتوحيد المتوسّط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر،
وعملا؛ كالتعبّد بأداء الواجبات المتوسّط بين البطالة والترهّب،
وخلقا؛ كالجود المتوسّط بين البخل والتبذير. انتهى.
(وَالْإِحْسانِ) قال ابن عباس: العدل: شهادة ألاإله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض. وفي رواية عنه؛ قال: العدل: خلع الأنداد، والإحسان: أن تعبد الله كأنّك تراه، وأن تحبّ للناس ما تحبّ لنفسك؛ إن كان مؤمنا تحبّ أن يزداد إيمانا، وإن كان كافرا تحبّ أن يكون أخاك في الإسلام.
انتهى.
(وَإِيتاءِ) : إعطاء (ذِي الْقُرْبى) القرابة، خصّه بالذكر! اهتماما به؛ فإن إيتاءه صدقة وصلة، وفي الحديث: «إنّ أعجل الطّاعة ثوابا صلة الرّحم» .
قال في «الخازن» : يعني ويأمر بصلة الرحم؛ وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك، فيستحبّ أن تصلهم من فضل ما رزقك الله تعالى، فإن لم يكن لك فضل! فدعاء حسن، وتودّد. انتهى.
(وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ) : الزنا (وَالْمُنْكَرِ) ؛ شرعا من الكفر والمعاصي، (وَالْبَغْيِ) : الظلم، خصّه بالذكر للناس!! اهتماما، كما بدأ بالفحشاء كذلك، ولم يذكر متعلّقات العدل والإحسان والبغي!! ليعمّ جميع ما يعدل فيه ويحسن به وإليه، ويبغى فيه؛ قاله الجمل.
قال بعضهم: إنّ أعجل المعاصي البغي، ولو أنّ جبلين بغى أحدهما على الآخر لدكّ الباغي.
стр. 937
وقوله: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧] .
وقال بعضهم: إنّ الله ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء؛ فذكر العدل؛ وهو الإنصاف والمساواة في الأقوال والأفعال، وذكر في مقابلته الفحشاء؛ وهي ما قبح من الأقوال والأفعال، وذكر الإحسان؛ وهو أن تعفو عمّن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك، وذكر في مقابلته المنكر؛ وهو أن تنكر إحسان من أحسن إليك، وذكر إيتاء ذي القربى؛ والمراد به: صلة القرابة والتودّد إليهم والشفقة عليهم، وذكر في مقابلته البغي؛ وهو أن يتكبّر عليهم أو يظلمهم حقوقهم. انتهى من «الخازن» .
قال النسفي: وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون؛ فإنّه قال: ما كنت أسلمت إلا حياء منه ﵊ لكثرة ما يعرض عليّ الإسلام، ولم يستقرّ الإيمان في قلبي حتى نزلت هذه الآية؛ وأنا عنده، فاستقرّ الإيمان في قلبي، فقرأتها على الوليد بن المغيرة، فقال: والله؛ إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
وقال أبو جهل: إنّ إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق.
وقال ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن للخير والشر. ولهذا يقرؤها كلّ خطيب على المنبر في آخر كل خطبة؛ لتكون عظة جامعة لكلّ مأمور؛ ولكل منهيّ. انتهى.
(و) أدّبه القرآن بمثل (قوله) تعالى في سورة لقمان
(وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) ؛ أي على الذي أصابك أي: في عبادتك وغيرها؛ من الأمر بالمعروف وغيره، سواء كان بواسطة العباد؛ كأذيّتهم، أو لا؛ كالمرض. انتهى «خطيب» .
(إِنَّ ذلِكَ) المذكور (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ؛ أي: مما عزمه الله من الأمور، أي قطعه قطع إيجاب؛ مصدر أطلق للمفعول.
стр. 938
وقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣] .
وقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ...
قال الخازن: يعني: إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى؛ من الأمور الواجبة التي أمر الله بها.
وهذه الآية من وصية لقمان لابنه؛ إذ قال له: يا بني؛ أقم الصلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر. كما قصّه الله تعالى في كتابه الكريم. وكلّ ما قصّه الله تعالى من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو إرشاد لنبينا ﷺ ولأمّته، فكأنّه مما أمر به ابتداء؛ فلا تتوهّم أنها ليست في حقّه.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة الشورى (وَلَمَنْ صَبَرَ) فلم ينتصر، (وَغَفَرَ) : تجاوز (إِنَّ ذلِكَ) الصبر والغفران منه (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ؛ أي: معزوماتها؛ بمعنى: المطلوبات شرعا، أي: من الأمور التي ندب إليها، أو مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخّص في تركه.
وفي القرطبي: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ أي: صبر على الأذى، وغفر: ترك الانتصار لوجه الله؛ وهذا فيمن ظلمه مسلم.
ويحكى أنّ رجلا سبّ رجلا في مجلس الحسن رحمه الله تعالى، فكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن:
عقلها والله وفهمها؛ إذ ضيّعها الجاهلون!!
وبالجملة فالعفو مندوب إليه، ثمّ قد ينعكس في بعض الأحوال؛ فيرجع ترك العفو مندوبا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كفّ زيادة البغي وقطع مادّة الأذى.
وعن النّبيّ ﷺ ما يدلّ عليه؛ وهو أنّ زينب أسمعت عائشة رضي الله تعالى عنها بحضرته، فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونك فانتصري» . خرّجه مسلم في «صحيحه» بمعناه، انتهى.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة المائدة (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) ؛
стр. 939
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] .
[وقوله وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) [النور] .
أي: فاعف عن زلّاتهم يا محمد، واصفح عن جرمهم ومؤاخذتهم. وهذا الأمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب منسوخ باية السيف؛ وهي قوله قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [٢٩/ التوبة] . قاله قتادة.
وقيل: إنها غير منسوخة؛ بل نزلت في قوم كان بينهم وبين النّبيّ ﷺ عهد؛ فغدروا ونقضوا ذلك العهد، فأظهر الله تعالى نبيّه ﷺ على ذلك، وأنزل هذه الآية؛ ولم تنسخ! وذلك أنّه يجوز أن يعفو عن غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربا؛ وما لم يمتنعوا من أداء الجزية والصّغار.
وعلى هذا القول بأنها غير منسوخة يكون معنى الآية: فاعف عن مؤمنيهم، أو عمّن تاب منهم، ولا تؤاخذهم بما سلف منهم قبل ذلك.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ؛ يعني: إذا عفوت عنهم فإنّك تحسن إليهم؛ والله يحب المحسنين.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة النور
(وَلْيَعْفُوا) ؛ أي: أولو الفضل، (وَلْيَصْفَحُوا) عن الخائضين في الإفك؛ أي: ليعرضوا عن لومهم، فإنّ العفو أن يتجاوز عن الجاني، والصفح أن يتناسى جرمه.
(أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم!! (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ؛ مع كمال قدرته، فتخلّقوا بأخلاقه.
نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين حلف ألاينفق على مسطح ابن خالته؛ لخوضه في الإفك على عائشة رضي الله تعالى عنها، وكان مسكينا بدريا مهاجرا، ولما قرأها النّبيّ ﷺ على أبي بكر؛ قال: بلى أحبّ أن يغفر
стр. 940
وقوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) [فصلت] .
الله لي، وردّ إلى مسطح ما كان ينفقه عليه.
وفي الآية أدلّة على فضل أبي بكر الصّدّيق، لأنّ الفضل المذكور في الآية ذكره تعالى في معرض المدح، وذكره بلفظ الجمع في قوله أُولُوا الْفَضْلِ، وقوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
وهذا يدلّ على علوّ شأنه ومرتبته؛
منها: أنّه احتمل الأذى من ذوي القربى، ورجّع عليه ما كان ينفقه عليه، وهذا من أشدّ الجهاد؛ لأنّه جهاد النّفس.
ومنها: أنّه تعالى قال في حقّ رسول الله ﷺ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ، وقال في حقّ أبي بكر: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فدلّ أنّ أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله ﷺ في جميع الأخلاق؛ قاله الخازن.
وهذه الآية وإن نزلت في أبي بكر؛ فالنبيّ ﷺ داخل في عمومها؛ كما في سائر الخطابات، فلا يرد على المصنّف أنّ هذه الآية ليست في حقه ﷺ !
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة فصّلت:
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ) السيئة (بِالَّتِي) أي: بالخصلة التي (هِيَ أَحْسَنُ) ؛ كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو؛ قاله في «الجلالين» .
وقال النسفي: يعني أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما؛ فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك؛ كما لو أساء إليك رجل إساءة؛ فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، ومثل أن يذمّك؛ فتمدحه، أو يقتل ولدك؛ فتفتدي ولده من يد عدوّه. (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ؛ أي: فيصير عدوّك كالصديق القريب في محبّته إذا فعلت ذلك.
стр. 941
وقوله وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ...
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة آل عمران (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) ؛ كظم الغيظ: هو أن يمتلىء غيظا فيردّه في جوفه؛ ولا يظهره بقول ولا فعل، ويصبر عليه ويسكت عنه. ومعنى الآية: أنّهم يكفّون غيظهم عن الإمضاء مع القدرة، ويردّون غيظهم في أجوافهم. وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم.
عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني؛ عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظا؛ وهو يستطيع أن ينفذه؛ دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق؛ حتّى يخيّره في أيّ الحور شاء» . أخرجه الترمذيّ، وأبو داود.
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما: «من كظم غيظا؛ وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» .
وأخرج الشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الشّديد بالصّرعة؛ إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» .
وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ خادما لها غاظها، فقالت: لله درّ التقوى؛ ما تركت لذي غيظ شفاء!!.
(وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) ممّن ظلمهم؛ أي: التاركين عقوبتهم. يعني:
إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه، فتكون الآية على العموم.
روي أنّه ﷺ قال: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الّذين كانت أجورهم على الله؟! فلا يقوم إلّا من عفا» .
وعن ابن عيينة أنّه رواه للرّشيد وقد غضب على رجل؛ فخلّاه.
وروي أنه ﷺ قال: «إنّ هؤلاء في أمّتي قليل؛ إلّا من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت» . وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون منقطعا؛ وهو ظاهر، وأن يكون متّصلا؛ لما في القلّة من معنى العدم؛ كأنّه قيل: إنّ هؤلاء في أمّتي لا يوجدون إلّا من عصم الله؛ فإنه يوجد في أمّتي. قاله الجمل على «الجلالين» .
стр. 942
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) ] «١» [آل عمران] .
وقوله: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ...
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) بهذه الأفعال؛ أي: يثيبهم.
(و) أدّبه القرآن بمثل (قوله) تعالى في سورة الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ) .
قيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا أو سافر ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين؛ يخدمهما ويتقدّمهما إلى المنزل؛ فيهيّىء لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضمّ سلمان إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدّم سلمان إلى المنزل؛ فغلبته عيناه، فنام؛ ولم يهيّىء لهما شيئا، فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟! قال: لا؛ غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاطلب لنا منه طعاما؛ فجاء سلمان إلى رسول الله ﷺ وسأل طعاما، فقال رسول الله ﷺ : انطلق إلى أسامة بن زيد؛ وقل له: «إن كان عنده فضل طعام وإدام فليعطك» . وكان أسامة خازن طعام رسول الله ﷺ وعلى رحله، فأتاه، فقال: ما عندي شيء. فرجع سلمان إليهما فأخبرهما، فقالا: كان عند أسامة؛ ولكن بخل! فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة؛ فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع؛ قالوا: لو بعثناك إلى بئر سمحة لغار ماؤها!!
ثم انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ ، فلما جاآ إلى رسول الله ﷺ قال لهما: «ما لي أرى خضرة اللّحم في أفواهكما!؟» . قالا:
والله يا رسول الله؛ ما تناولنا يومنا هذا لحما! قال: «ظلمتما بأكل لحم سلمان وأسامة!!» فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يعني: أن يظن بأهل الخير سوآ؛ فنهى الله المؤمن أن يظنّ بأخيه المؤمن شرّا. وقيل: هو أن يسمع من أخيه المسلم كلاما لا يريد به سوآ، أو يدخل مدخلا لا يريد به سوآ؛
стр. 943
.........
فيراه أخوه المسلم؛ فيظنّ به سوآ، لأنّ بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحا؛ وفي نفس الأمر لا يكون كذلك!! لجواز أن يكون فاعله ساهيا؛ ويكون الرّائي مخطئا!!.
فأمّا أهل السوء والفسق المتجاهرون بذلك! فلنا أن نظنّ فيهم مثل الذي يظهر منهم. انتهى «خازن» .
وفي القرطبي: قال علماؤنا: الظنّ في الآية هو التّهمة، ومحلّ التحذير والنهي إنّما هو تهمة لا سبب لها يوجبها؛ كمن يتّهم بالفاحشة، أو بشرب الخمر؛ ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك.
ودليل كون الظنّ هنا بمعنى التهمة: قوله بعد هذا وَلا تَجَسَّسُوا؛ وذلك أنّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء؛ فيريد أن يتجسّس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصّر ويتسمّع، ليتحقّق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النّبيّ ﷺ .
وإن شئت قلت: والذي يميّز الظّنون التي يجب اجتنابها عمّا سواها: أنّ كلّ ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر؛ كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممّن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد به والخيانة محرّم، بخلاف من أشهره الناس بتعاطي الريبة والتجاهر بالخبائث!!
وعن النّبيّ ﷺ : «حرم من المسلم دمه، وعرضه، وأن يظنّ به ظنّ السّوء» .
وعن الحسن: كنّا في زمن: الظنّ فيه بالنّاس حرام، وأنت اليوم: اعمل، واسكت، وظنّ بالناس ما شئت. انتهى.
وإبهام «الكثير» لإيجاب الاحتياط والتأمّل في كلّ ظنّ؛ حتى يعلم أنّه من أيّ قبيل!؟
فإنّ من الظّنّ ما يجب اتّباعه؛ كالظنّ فيما لا قاطع فيه من العمليّات، وحسن
стр. 944
إنّ بعض الظّنّ إثم ولا تجسّسوا ...
الظنّ بالله تعالى. ومنه ما يحرم؛ كالظنّ في الإلهيّات والنبوّات، وحيث يخالفه قاطع، وظنّ السوء بالمؤمنين. ومنه ما يباح؛ كالظن في الأمور المعاشية. انتهى «أبو السعود» .
(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) ؛ أي: مؤثم، وهو كثير، كظنّ السوء بأهل الخير من المؤمنين؛ وهم كثير، بخلافه بالفسّاق منهم! فلا إثم فيه في نحو ما يظهر منهم، كما تقدّم.
قال سفيان الثّوريّ: الظنّ ظنّان: أحدهما: إثم؛ وهو أن يظنّ ويتكلّم به، والآخر: ليس بإثم؛ وهو أن يظنّ ولا يتكلم به.
وقيل: الظنّ أنواع؛ فمنه واجب، ومأمور به؛ وهو الظنّ الحسن بالله ، ومنه مندوب إليه؛ وهو الظنّ الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة، ومنه حرام محظور؛ وهو سوء الظنّ بالله ، وسوء الظن بالأخ المسلم. انتهى «خازن» .
(وَلا تَجَسَّسُوا) - حذف منه إحدى التائين-: لا تتبّعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها.
وفي «القرطبي» : معنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبّعوا عورات المسلمين؛ أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه؛ حتى يطّلع عليه؛ بعد أن ستره الله.
وفي «كتاب أبي داود» عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّك إن اتّبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم» .
فقال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ فنفعه الله بها.
وعن المقدام بن معد يكرب؛ عن أبي أمامة؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الأمير إذا ابتغى الرّيبة في النّاس أفسدهم» . انتهى.
وفي «الخازن» : أخرج الشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ
стр. 945
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات: ١٢] ) .
رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والظّنّ!! فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا؛ كما أمركم، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التّقوى ها هنا! التّقوى ها هنا! التّقوى ها هنا! - ويشير إلى صدره-.
بحسب امرىء من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وعرضه، وماله.
إنّ الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر؛ فنادى بصوت رفيع: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه؛ لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيّروهم، ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته يفضحه؛ ولو في جوف رحله» .
قال نافع: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة؛ فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك!! أخرجه الترمذي؛ وقال: حديث حسن غريب.
وعن زيد بن وهب قال: أتي ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا!!. فقال عبد الله: إنّا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. أخرجه أبو داود.
وله؛ عن عقبة بن عامر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤودة» .
وأخرج مسلم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«لا يستر عبد عبدا في الدّنيا إلّا ستره الله يوم القيامة» . انتهى.
(وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ؛ لا يذكره بشيء يكرهه؛ وإن كان فيه!.
стр. 946
.........
وعن ابن عبّاس: الغيبة إدام كلام الناس.
وفي «القرطبي» : نهى عن الغيبة؛ وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه! فهو البهتان، ثبت معناه في «صحيح مسلم» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟!» قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» ، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول!؟ فقال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته! وإن لم يكن فيه!! فقد بهتّه» .
يقال: اغتابه اغتيابا: إذا وقع فيه. والاسم: «الغيبة» ؛ وهي: ذكر العيب بظهر الغيب.
قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلّها في كتاب الله تعالى: الغيبة، والإفك، والبهتان؛
فأمّا الغيبة! فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه.
وأمّا الإفك! فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه.
وأمّا البهتان! فهو أن تقول فيه ما ليس فيه.
ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأنّ على من اغتاب أحدا التوبة إلى الله .
وهل يستحلّ المغتاب!؟ فيه خلاف؛
فقالت فرقة: ليس عليه استحلاله، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه.
واحتجّت بأنّه لم يأخذ من ماله، ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك مظلمة يستحلّها منه، وإنّما المظلمة: ما يكون في المال والبدن.
وقالت فرقة: هي مظلمة؛ وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه.
стр. 947
وأمثال هذه التّأديبات في القرآن لا تنحصر.
وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب، ثمّ منه يشرق النّور على كافّة الخلق؛ فإنّه أدّب بالقرآن فتأدّب به،
واحتجّت بحديث يروى عن الحسن قال: «كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته» .
وقالت فرقة: هي مظلمة؛ وعليه الاستحلال منها.
واحتجّت بقول النّبيّ ﷺ : «من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال؛ فليتحلّله منها من قبل أن يأتي يوم ليس فيه هناك دينار ولا درهم، يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات! أخذ من سيّئات صاحبه فزيد على سيّئاته» .
أخرجه البخاري؛ من حديث أبي هريرة. وغير ذلك من الأحاديث.
وليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المتجاهر!! فإنّ في الخبر: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» . وقال ﷺ : «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره النّاس» . فالغيبة إذن في المرء الذي يستر نفسه.
وروي عن الحسن أنّه قال: ثلاثة ليست لهم حرمة؛ ١- صاحب الهوى، و ٢- الفاسق المعلن، و ٣- والإمام الجائر. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى.
(وأمثال هذه التّأديبات في القرآن) - وهي كثيرة- (لا تنحصر، وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب) في هذه الآيات وأمثالها، (ثمّ منه يشرق النّور) ؛ أي: نور العلم والأخلاق والهداية والإيمان (على كافّة الخلق) ؛ إذ جميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ ، واقتبس الناس منها كلّ على قدر حظّه ونصيبه الذي قسم له من الوهّاب، (فإنّه) ﷺ (أدّب بالقرآن) - بالبناء للمفعول-، أي: أدّبه الله بالقرآن أي: بما دلّ عليه القرآن (فتأدّب به) .
في «أدب الإملاء» لابن السمعاني من حديث ابن مسعود رفعه: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي، ثمّ أمرني بمكارم الأخلاق؛ فقال خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ الآية.
стр. 948
وأدّب الخلق به؛ ولذلك قال ﷺ : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» .
ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه.. أثنى عليه فقال ...
وأخرج القشيري نحوه في «التحبير» ؛ قاله في شرح «الإحياء» .
(وأدّب الخلق به. ولذلك قال ﷺ : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» ) .
قال ابن عبد البرّ: يدخل فيه الصلاح والخير كلّه والدين والفضل، والمروءة والإحسان والعدل، فبعث ليتمّمه.
وقال الباجيّ: كانت العرب أحسن الناس أخلاقا بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلّوا بالكفر عن كثير منها؛ فبعث ﷺ ليتمّم محاسن الأخلاق؛ ببيان ما ضلّوا عنه، وبما قضى به في شرعه. انتهى.
والحديث المذكور! قال العراقي: رواه الإمام أحمد، والحاكم، والبيهقيّ؛ من حديث أبي هريرة. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ورواه مالك في «الموطأ» ؛ بلاغا عن النّبيّ ﷺ بلفظ: «إنّما بعثت» .
وقال ابن عبد البرّ: هو متصل من وجوه صحاح؛ عن أبي هريرة مرفوعا؛ منها ما أخرجه أحمد في «مسنده» ، والخرائطي في أوّل «مكارم الأخلاق» ؛ من طريق محمد بن عجلان؛ عن القعقاع بن حكيم؛ عن أبي صالح؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا بلفظ: «صالح الأخلاق» ورجاله رجال الصحيح.
وللطبراني في «الأوسط» بسند ضعيف؛ عن جابر مرفوعا بلفظ: «إنّ الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال» .
(ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه) - بضمّ أوّليه-؛ أي: بما جمع فيه من صفات الكمال مما لا يحيط به حدّ، ولا يحصره عدّ (أثنى عليه) في كتابه الكريم؛ (فقال
стр. 949
تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .
تعالى) مقسما ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ؛ لاجتماع مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال فيك.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته؛ إلا قال: «لبّيك» . فلذلك أنزل الله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. رواه ابن مردويه، وأبو نعيم بسند واه.
وكلمة «على» للاستعلاء؛ فدلّ اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق، ومستول عليها؛ بمعنى أنّه متمكّن من الجري على مقتضاها؛ ببذل المعروف، واحتمال الأذى، وعدم الانتقام، فأشبه في تمكّنه من ذلك: المستعلي على الشيء المستقرّ عليه؛ فهو استعارة تبعيّة لجريانها في الحرف.
قال الحليمي: إنّما وصف خلقه بالعظم؛ مع أنّ الغالب وصف الخلق بالكرم! لأنّ كرم الخلق يراد به السماحة والدّماثة؛ ولم يكن خلقه ﷺ مقصورا على ذلك؛ بل كان رحيما بالمؤمنين؛ رفيقا بهم، شديدا على الكفّار؛ غليظا عليهم، مهيبا في صدور الأعداء؛ منصورا بالرّعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفه بالعظم أولى؛ ليشمل الإنعام والانتقام.
وقال الجنيد: وإنّما كان خلقه ﷺ عظيما!! لأنّه لم يكن له همّة سوى الله تعالى، وقد وصف الله تعالى نبيّه ﷺ بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العلمية فقال وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
(١١٣) [النساء] ، ووصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العمليّة؛ فقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ،
فدلّ مجموع هاتين الآيتين على أنّ روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة؛ كأنّها لقوّتها وشدّة كمالها من جنس أرواح الملائكة؛ إذ أعطاهم الله تعالى قوّة في العمل لا تصل إليها البشر، وفي العلم ما يصلون به إلى معرفة حقائق الأمور من اللوح المحفوظ، أو الإلهام والعلم الضروري بمعرفة الأمور على ما هي به في
стр. 950
ثمّ قال الغزاليّ: (وعن معاذ بن جبل، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» .
ومن ذلك: حسن المعاشرة، ذلك: حسن المعاشرة، ...
الواقع، وكذلك كان ﷺ .
(ثمّ قال) الإمام أبو حامد (الغزاليّ) في كتاب «إحياء علوم الدين» :
(وعن) أبي عبد الرحمن (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس بن عائذ- بالمعجمة- ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي الجشمي المدني، الفقيه الفاضل الصالح.
أسلم معاذ المذكور؛ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، ثم شهد بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وخمسون حديثا؛ اتّفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث.
روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي، وأبو قتادة، وجابر، وأنس، وأبو أمامة، وأبو ثعلبة، وعبد الرحمن بن سمرة، وآخرون من الصحابة والتابعين.
وتوفي شهيدا في طاعون عمواس سنة: ثماني عشرة؛ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقيل: أربع وثلاثين. وقيل: ثمان وثلاثين. رضي الله تعالى عنه
(عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال»
ومن ذلك) ؛ أي: محاسن الأعمال: (حسن المعاشرة) مع الناس إذا خالطهم؛ ولم يكن بدّ من مخالطتهم. وكلّ مخالط ففي مخالطته أدب، والأدب على قدر حقّه، وحقّه على قدر رابطته التي بها وقعت المخالطة.