.........
وعن ابن عبّاس: الغيبة إدام كلام الناس.
وفي «القرطبي» : نهى عن الغيبة؛ وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه! فهو البهتان، ثبت معناه في «صحيح مسلم» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟!» قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» ، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول!؟ فقال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته! وإن لم يكن فيه!! فقد بهتّه» .
يقال: اغتابه اغتيابا: إذا وقع فيه. والاسم: «الغيبة» ؛ وهي: ذكر العيب بظهر الغيب.
قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلّها في كتاب الله تعالى: الغيبة، والإفك، والبهتان؛
فأمّا الغيبة! فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه.
وأمّا الإفك! فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه.
وأمّا البهتان! فهو أن تقول فيه ما ليس فيه.
ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأنّ على من اغتاب أحدا التوبة إلى الله .
وهل يستحلّ المغتاب!؟ فيه خلاف؛
فقالت فرقة: ليس عليه استحلاله، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه.
واحتجّت بأنّه لم يأخذ من ماله، ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك مظلمة يستحلّها منه، وإنّما المظلمة: ما يكون في المال والبدن.
وقالت فرقة: هي مظلمة؛ وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه.
стр. 947
وأمثال هذه التّأديبات في القرآن لا تنحصر.
وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب، ثمّ منه يشرق النّور على كافّة الخلق؛ فإنّه أدّب بالقرآن فتأدّب به،
واحتجّت بحديث يروى عن الحسن قال: «كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته» .
وقالت فرقة: هي مظلمة؛ وعليه الاستحلال منها.
واحتجّت بقول النّبيّ ﷺ : «من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال؛ فليتحلّله منها من قبل أن يأتي يوم ليس فيه هناك دينار ولا درهم، يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات! أخذ من سيّئات صاحبه فزيد على سيّئاته» .
أخرجه البخاري؛ من حديث أبي هريرة. وغير ذلك من الأحاديث.
وليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المتجاهر!! فإنّ في الخبر: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» . وقال ﷺ : «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره النّاس» . فالغيبة إذن في المرء الذي يستر نفسه.
وروي عن الحسن أنّه قال: ثلاثة ليست لهم حرمة؛ ١- صاحب الهوى، و ٢- الفاسق المعلن، و ٣- والإمام الجائر. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى.
(وأمثال هذه التّأديبات في القرآن) - وهي كثيرة- (لا تنحصر، وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب) في هذه الآيات وأمثالها، (ثمّ منه يشرق النّور) ؛ أي: نور العلم والأخلاق والهداية والإيمان (على كافّة الخلق) ؛ إذ جميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ ، واقتبس الناس منها كلّ على قدر حظّه ونصيبه الذي قسم له من الوهّاب، (فإنّه) ﷺ (أدّب بالقرآن) - بالبناء للمفعول-، أي: أدّبه الله بالقرآن أي: بما دلّ عليه القرآن (فتأدّب به) .
في «أدب الإملاء» لابن السمعاني من حديث ابن مسعود رفعه: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي، ثمّ أمرني بمكارم الأخلاق؛ فقال خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ الآية.
стр. 948
وأدّب الخلق به؛ ولذلك قال ﷺ : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» .
ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه.. أثنى عليه فقال ...
وأخرج القشيري نحوه في «التحبير» ؛ قاله في شرح «الإحياء» .
(وأدّب الخلق به. ولذلك قال ﷺ : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» ) .
قال ابن عبد البرّ: يدخل فيه الصلاح والخير كلّه والدين والفضل، والمروءة والإحسان والعدل، فبعث ليتمّمه.
وقال الباجيّ: كانت العرب أحسن الناس أخلاقا بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلّوا بالكفر عن كثير منها؛ فبعث ﷺ ليتمّم محاسن الأخلاق؛ ببيان ما ضلّوا عنه، وبما قضى به في شرعه. انتهى.
والحديث المذكور! قال العراقي: رواه الإمام أحمد، والحاكم، والبيهقيّ؛ من حديث أبي هريرة. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ورواه مالك في «الموطأ» ؛ بلاغا عن النّبيّ ﷺ بلفظ: «إنّما بعثت» .
وقال ابن عبد البرّ: هو متصل من وجوه صحاح؛ عن أبي هريرة مرفوعا؛ منها ما أخرجه أحمد في «مسنده» ، والخرائطي في أوّل «مكارم الأخلاق» ؛ من طريق محمد بن عجلان؛ عن القعقاع بن حكيم؛ عن أبي صالح؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا بلفظ: «صالح الأخلاق» ورجاله رجال الصحيح.
وللطبراني في «الأوسط» بسند ضعيف؛ عن جابر مرفوعا بلفظ: «إنّ الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال» .
(ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه) - بضمّ أوّليه-؛ أي: بما جمع فيه من صفات الكمال مما لا يحيط به حدّ، ولا يحصره عدّ (أثنى عليه) في كتابه الكريم؛ (فقال
стр. 949
تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .
تعالى) مقسما ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ؛ لاجتماع مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال فيك.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته؛ إلا قال: «لبّيك» . فلذلك أنزل الله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. رواه ابن مردويه، وأبو نعيم بسند واه.
وكلمة «على» للاستعلاء؛ فدلّ اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق، ومستول عليها؛ بمعنى أنّه متمكّن من الجري على مقتضاها؛ ببذل المعروف، واحتمال الأذى، وعدم الانتقام، فأشبه في تمكّنه من ذلك: المستعلي على الشيء المستقرّ عليه؛ فهو استعارة تبعيّة لجريانها في الحرف.
قال الحليمي: إنّما وصف خلقه بالعظم؛ مع أنّ الغالب وصف الخلق بالكرم! لأنّ كرم الخلق يراد به السماحة والدّماثة؛ ولم يكن خلقه ﷺ مقصورا على ذلك؛ بل كان رحيما بالمؤمنين؛ رفيقا بهم، شديدا على الكفّار؛ غليظا عليهم، مهيبا في صدور الأعداء؛ منصورا بالرّعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفه بالعظم أولى؛ ليشمل الإنعام والانتقام.
وقال الجنيد: وإنّما كان خلقه ﷺ عظيما!! لأنّه لم يكن له همّة سوى الله تعالى، وقد وصف الله تعالى نبيّه ﷺ بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العلمية فقال وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
(١١٣) [النساء] ، ووصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العمليّة؛ فقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ،
فدلّ مجموع هاتين الآيتين على أنّ روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة؛ كأنّها لقوّتها وشدّة كمالها من جنس أرواح الملائكة؛ إذ أعطاهم الله تعالى قوّة في العمل لا تصل إليها البشر، وفي العلم ما يصلون به إلى معرفة حقائق الأمور من اللوح المحفوظ، أو الإلهام والعلم الضروري بمعرفة الأمور على ما هي به في
стр. 950
ثمّ قال الغزاليّ: (وعن معاذ بن جبل، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» .
ومن ذلك: حسن المعاشرة، ذلك: حسن المعاشرة، ...
الواقع، وكذلك كان ﷺ .
(ثمّ قال) الإمام أبو حامد (الغزاليّ) في كتاب «إحياء علوم الدين» :
(وعن) أبي عبد الرحمن (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس بن عائذ- بالمعجمة- ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي الجشمي المدني، الفقيه الفاضل الصالح.
أسلم معاذ المذكور؛ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، ثم شهد بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وخمسون حديثا؛ اتّفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث.
روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي، وأبو قتادة، وجابر، وأنس، وأبو أمامة، وأبو ثعلبة، وعبد الرحمن بن سمرة، وآخرون من الصحابة والتابعين.
وتوفي شهيدا في طاعون عمواس سنة: ثماني عشرة؛ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقيل: أربع وثلاثين. وقيل: ثمان وثلاثين. رضي الله تعالى عنه
(عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال»
ومن ذلك) ؛ أي: محاسن الأعمال: (حسن المعاشرة) مع الناس إذا خالطهم؛ ولم يكن بدّ من مخالطتهم. وكلّ مخالط ففي مخالطته أدب، والأدب على قدر حقّه، وحقّه على قدر رابطته التي بها وقعت المخالطة.
стр. 951
وكرم الصّنيعة، ...
والرابطة: ١- إما القرابة؛ وهي أخصّها. أو ٢- أخوّة الإسلام؛ وهي أعمّها. وينطوي في معنى الأخوّة الصداقة، والصحبة. وإمّا ٣- الجوار. وإمّا ٤- صحبة السفر والمكتب والدرس.
ولكلّ واحد من هذه الروابط درجات؛ فالقرابة لها حقّ؛ ولكن حقّ الرّحم المحرم آكد، وللمحرم حقّ؛ ولكن حقّ الوالدين آكد.
وكذلك حقّ الجار؛ ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده، ويظهر التفاوت عند النسبة، حتى أنّ البلديّ في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن؛ لاختصاصه بحق الجوار في البلد.
وكذلك حقّ المسلم يتأكّد بتأكّد المعرفة.
وللمعارف درجات، فليس حقّ الذي عرف بالمشاهدة كحق الذي عرف بالسماع، بل آكد منه! والمعرفة بعد وقوعها تتأكّد بالاختلاط.
وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها؛ فحقّ الصحبة في الدرس والمكتب آكد من حقّ صحبة السفر.
وكذلك الصداقة تتفاوت، فإنّها إذا قويت! صارت أخوّة؛ فإن ازدادت! صارت محبّة. وتفاوت درجات الصداقة لا تخفى بحكم المشاهدة والتجربة.
وكلّ ذلك مفصّل في كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي شكر الله مسعاه، وجعل الجنّة متقلّبه ومثواه. آمين.
فينبغي أن يخالق الجميع بخلق حسن، ويعامل كلّا منهم بحسب طريقته؛ فإنّه إن أراد لقاء الجاهل بالعلم، والأميّ بالفقه، والعييّ بالبيان؛ آذى غيره وتأذّى بنفسه.
(و) من محاسن الأعمال: (كرم الصّنيعة) ؛ أي: حسنها.
قال في «المصباح» : الصنيعة: ما اصطنعته من خير. انتهى.
стр. 952
ولين الجانب، وبذل المعروف، وإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، ...
وفي «القاموس مع الشرح» : والصنيع: الإحسان والمعروف، واليد يرمي بها إلى كل إنسان. وقيل: هو كلّ ما اصطنع من خير؛ كالصنيعة. انتهى.
(ولين الجانب) ؛ هو كناية عن التواضع. قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا؛ حتّى لا يفخر أحد على أحد» .
قال العراقيّ: رواه أبو داود، وابن ماجه؛ واللفظ له؛ من حديث عياض بن حمار، ورجاله رجال الصحيح.
(وبذل المعروف) ؛ هو اسم عامّ جامع للخير كلّه، وبذله: إعطاؤه. وقيل:
المراد به القرض.
عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «اصنع المعروف إلى من هو أهله؛ وإلى غير أهله، فإن أصبت أهله! أصبت أهله، وإن لم تصب أهله!؟ كنت أنت أهله» . ذكره الدارقطني في «العلل» ؛ وهو ضعيف. ورواه ابن النجار في «تاريخه» ، ورواه الخطيب؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
وأخرج البيهقيّ من طريق علي بن موسى الرضا؛ عن آبائه؛ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «رأس العقل بعد الدّين: التّودّد إلى النّاس، واصطناع المعروف إلى كلّ برّ وفاجر» .
(و) من محاسن الأعمال: (إطعام الطّعام) ؛ وهو من شعب الإيمان؛ ففي «الصحيحين» أنّ رجلا سأل رسول الله ﷺ : أيّ الإسلام خير؟! قال:
«تطعم الطّعام، وتقرأ السّلام على من عرفت ومن لم تعرف» .
(وإفشاء السّلام) ؛ أي: إشاعته وإكثاره، وبذله لكلّ مسلم؛ من عرفت ومن لم تعرف. ويكون قبل الكلام؛ ففي الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال:
«من بدأ بالكلام قبل السّلام فلا تجيبوه؛ حتّى يبدأ بالسّلام» . ذكره في
стр. 953
وعيادة المريض المسلم؛ برّا كان أو فاجرا، ...
«الإحياء» . قال العراقي: رواه الطبراني في «الأوسط» ، وأبو نعيم في «اليوم والليلة» واللفظ له؛ من حديث ابن عمر بسند فيه لين.
وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا مرّ على النّبيّ ﷺ وهو في مجلس؛ فقال: السلام عليكم، فقال: «عشر حسنات» . قال: ثمّ مرّ رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: «عشرون حسنة» . قال: فمرّ رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: «ثلاثون حسنة» .
وأخرج أبو داود؛ عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله تعالى عنه أنّ رجلا أتى إلى مجلس فيه رسول الله ﷺ ؛ فقال: السلام عليكم، فردّ عليه وقال:
«عشر حسنات» . ثمّ جاء رجل آخر؛ فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردّ عليه وقال: «عشرون حسنة» . ثم جاء آخر؛ فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: «ثلاثون» وجاءه آخر فقال: ومغفرته، فقال: «أربعون» ، ثمّ قال: «هكذا تكون الفضائل» !.
(و) من محاسن الأعمال: (عيادة المريض المسلم؛ برّا كان أو فاجرا) . قال ابن علان في «شرح «الأذكار» » : أصلها: «عوادة» فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، كما في «صيام» ، و «قيام» .
وعيادة المريض سنّة بالإجماع؛ سواء فيه من تعرفه وغيره، والقريب والأجنبي. وما ورد عند مسلم بلفظ: «يجب للمسلم على المسلم سبع» وذكر منها العيادة وغيرها مما ظاهره الوجوب!! محمول على الندب المتأكّد؛ كحديث: «غسل الجمعة واجب على كلّ محتلم» . وهي من حقّ المسلم على المسلم. انتهى.
وقال في «الإحياء» : والمعرفة والإسلام كاف في إثبات هذا الحقّ.
стр. 954
.........
قال في «شرحه» : والظاهر أنّ كلا منهما شرط؛ فإذا عدم أحدهما! سقط حقّ العيادة. انتهى:
ومن أدب العائد: تخفيف الجلوس عنده؛ لئلّا يملّ المريض منه؛ فقد روى الدّيلمي؛ من حديث أبي هريرة: «من تمام العيادة: خفّة القيام عند المريض» . انتهى.
ومن أدب العائد: قلّة السؤال عن أحواله؛ فإنّ كثرته ربّما تضجره.
ومنها: إظهار الرّقّة والدعاء له بالعافية.
قال في «الإحياء» : وآدابه عند الاستئذان: ألايقابل الباب في وقوفه؛ فإنّه ربّما يقع بصره عند فتحه على ما لا يحلّ له النظر إليه، بل يقف في طرف منه. وإذا دقّ الباب يدقّ برفق ولين؛ لا بإزعاج! ولا يقول: «أنا» ؛ إذا قيل: «من بالباب» !! فقد ورد النهي عن ذلك؛ بل يقول: «فلان» باسمه المعروف. ففي الحديث عنه ﷺ أنّه قال: «من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته- أو قال: على يده- ويسأله كيف هو؟!، وتمام تحيّاتكم المصافحة» .
وفي لفظ: «وتمام تحيّتكم بينكم المصافحة» . رواه الإمام أحمد، والترمذي وضعّفه.
ورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقيّ؛ من حديث أبي أمامة بلفظ: «من تمام» .
ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقيّ بلفظ: «من تمام عيادة أحدكم أخاه: أن يضع يده عليه؛ فيسأله كيف أصبح، كيف أمسى!؟» .
وعند الطبراني في «الكبير» ؛ من حديث أبي رهم: «وإنّ من الحسنات:
عيادة المريض، وإنّ من تمام عيادته أن تضع يدك عليه؛ وتسأله كيف هو؟!» .
стр. 955
وتشييع جنازة المسلم، ...
وروى أصحاب «السنن» ، والحاكم؛ من حديث علي: «من أتى أخاه المسلم عائدا مشى في خرافة الجنّة حتّى يجلس، فإذا جلس! غمرته الرّحمة، فإن كان غدوة! صلّى عليه سبعون ألف ملك حتّى يمسي، وإن كان مساء! صلّى عليه سبعون ألف ملك حتّى يصبح» .
وهذا لفظ ابن ماجه، وصحّحه الحاكم، وحسّنه الترمذي.
ولمسلم؛ من حديث ثوبان: «من عاد مريضا لم يزل في خرافة الجنّة» .
وللبيهقي؛ من حديث علي: «من عاد مريضا قعد في خراف الجنّة، فإذا قام من عنده! وكّل به سبعون ألف ملك يصلّون عليه حتّى اللّيل» .
وفي لفظ عنده من حديثه أيضا: «من عاد مريضا مشى في خراف الجنّة، فإذا جلس عنده! استنقع في الرّحمة، فإذا خرج من عنده! وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، ويحفظونه ذلك اليوم» .
(و) من محاسن الأعمال: (تشييع جنازة المسلم) ؛ أي: الذهاب مع الجنازة حتى تدفن. أخرج الشيخان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
«من تبع جنازة فله قيراط من الأجر، فإن وقف حتّى تدفن؛ فله قيراطان» ، وأخرج الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه وأبو عوانة وأبو داود الطيالسي من حديث ثوبان: «من تبع جنازة حتى يصلي عليها، كان له من الأجر قيراط، ومن مشى مع الجنازة حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان، والقيراط مثل أحد» .
وأخرج البخاريّ، والنسائي، وابن حبّان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معها حتّى يصلّى عليها ويفرغ من دفنها؛ فإنّه يرجع من الأجر بقيراطين؛ كلّ قيراط مثل أحد!! ومن صلّى عليها ثمّ رجع قبل أن تدفن؛ فإنّه يرجع بقيراط من الأجر» .
стр. 956
وحسن الجوار لمن جاورت؛ مسلما كان أو كافرا، ...
والمشي أمامها بقربها أفضل؛ فإنّه شفيع لها، والشفيع يتقدّم.
هذا مذهب الشافعي. ويدلّ له حديث ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يمشي بين يديها، وأبو بكر، وعمر.
وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل؛ لما رواه البراء بن عازب؛ قال:
أمرنا رسول الله ﷺ باتّباع الجنازة. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حقّ المسلم على المسلم خمس ... » وذكر منها اتّباع الجنازة؛ والاتّباع لا يقع إلّا على التوالي.
وآداب تشييع الجنازة: دوام الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة الميت والاعتبار به، والتفكّر في الموت والاستعداد له.
(و) من محاسن الأعمال: (حسن الجوار) ؛ أي: المجاورة (لمن جاورت؛ مسلما كان) الجار؛ (أو كافرا) ؛ لأنّك مأمور بالإحسان إلى جارك مطلقا، إلّا أنّ للمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض؛ على الترتيب المذكور في قوله ﷺ : «الجيران ثلاثة؛ فجار له حقّ واحد؛ وهو أدنى الجيران حقّا، وجار له حقّان، وجار له ثلاثة حقوق.
فأمّا الّذي له حقّ واحد؛ فجار مشرك لا رحم! له حقّ الجوار.
وأمّا الّذي له حقّان! فجار مسلم له حقّ الإسلام وحقّ الجوار.
وأمّا الّذي له ثلاثة حقوق! فجار مسلم وذو رحم؛ له حقّ الإسلام وحقّ الجوار وحقّ الرّحم» .
رواه الحسن بن يوسف، والبزّار في «مسنديهما» ، وأبو الشيخ في «كتاب الثواب» ، وأبو نعيم في «الحلية» ؛ من حديث جابر.
ورواه ابن عديّ؛ من حديث عبد الله بن عمرو وكلاهما ضعيف، وكذلك رواه الديلميّ والطبراني؛ من حديث جابر. وله طرق متّصلة ومرسلة، وفي الكلّ مقال.
стр. 957
.........
فانظر كيف أثبت للمشرك حقّا بمجرّد الجوار! وقد قال ﷺ : «أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا» ... الحديث بطوله الذي رواه الترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا أعمّ من أن يجاور مسلما أو مشركا.
وقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . متّفق عليه؛ من حديث أبي شريح.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما؛ من حديث عائشة، وابن عمر:
«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه» .
وأخرج الطبرانيّ؛ عن معاوية بن حيدة: قلت يا رسول الله؛ ما حقّ الجار على جاره؟! قال: «إن مرض عدته، وإن مات شيّعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعور سترته» .
وفي رواية لأبي الشيخ: «وإن استعانك أعنته، وإن احتاج أعطيته، هل تفقهون ما أقول لكم!؟ لن يؤدّي حقّ الجار إلّا قليل ممّن رحم الله» .
وفي رواية للخرائطي: «وإن أصابه خير هنّأته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، وإن مات اتّبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء؛ فتحجب عنه الرّيح إلّا بإذنه، ولا تؤذه بفائح قدرك؛ إلّا أن تفرغ له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل! فأدخلها سرّا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده» .
قال في «الإحياء» : واعلم أنّه ليس حقّ الجوار كفّ الأذى فقط! بل احتمال الأذى، فإنّ الجار أيضا قد كفّ أذاه، فليس في ذلك قضاء حقّ، ولا يكفي احتمال الأذى؛ بل لا بدّ من الرّفق وإسداء الخير والمعروف إليه؛ إذ يقال: إنّ الجار الفقير يتعلّق بجاره الغنيّ يوم القيامة؛ فيقول: يا ربّ؛ سل هذا لم منعني معروفه وسدّ بابه دوني!؟.
وبلغ ابن المقفّع أنّ جارا له يبيع داره في دين ركبه- وكان يجلس في ظلّ
стр. 958
وتوقير ذي الشّيبة المسلم، ...
داره- فقال: ما قمت إذا بحرمة ظلّ داره إن باعها معدما! فدفع إليه ثمن الدار؛ وقال: لا تبعها.
وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره! فقيل له: لو اقتنيت هرّا! فقال: أخشى أن يسمع الفأر صوت الهرّ؛ فيهرب إلى دور الجيران؛ فأكون قد أحببت لهم ما لا أحبّ لنفسي!!.
وبالجملة: فالذي يشمل جميع حقوق الجار هو: إرادته الخير لجاره، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الأذى وترك الإضرار على اختلاف أنواعه؛ إلّا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار بالقول؛ أو الفعل.
فإن كان كافرا! يعظه بعرض الإسلام عليه، وإظهار محاسنه برفق، والترغيب فيه، فيعظ الفاسق بما يناسبه أيضا، ويستر عليه زلله عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد، وإلّا! هجره؛ قاصدا تأديبه مع إعلامه بالسبب ليكفّ. قاله ابن أبي جمرة. ذكره في شرح «الإحياء» .
(و) من محاسن الأعمال: (توقير) - أي: تعظيم- (ذي الشّيبة المسلم) بما يستحقّه من التبجيل والتعظيم؛ ففي الحديث عنه ﷺ : «من إجلال الله:
إكرام ذي الشّيبة المسلم» ... الحديث؛ أي: تعظيم الشيخ الكبير صاحب الشيبة البيضاء الذي عمّر في الإسلام، وتوقيره في المجالس، والرّفق به، والشفقة عليه.
وهذا الحديث قال العراقي: رواه أبو داود؛ من حديث أبي موسى الأشعري بإسناد حسن. وقد سكت عليه أبو داود. أي: فهو عنده حسن! وهكذا قال ابن القطّان، والحافظ ابن حجر.
وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» بهذا اللفظ؛ من حديث أنس، ونقل عن ابن حبّان أنه لا أصل له!
стр. 959
.........
ولم يصب ابن الجوزي؛ ولا ابن حبّان!! بل له أصل من حديث أبي موسى.
وأما حديث أنس الذي قال ابن حبّان «لا أصل له!» فلفظه: «إنّ من إجلال الله توقير الشّيخ من أمّتي» ؛ قاله في شرح «الإحياء» .
أخرج الطبراني في «الأوسط» بسند ضعيف؛ عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا» .
وهو عند أبي داود، والبخاري في «الأدب المفرد» ؛ من حديث عبد الله ابن عمر بسند حسن؛ قاله العراقي.
فيتعيّن أن يعامل كلّا منهما بما يليق؛ فيعطي الصغير حقّه من الرّفق به والرحمة والشفقة عليه، ويعطي الكبير حقّه من الشرف والتوقير.
ومن تمام توقير المشايخ وتعظيمهم: ألايتكلّم بين أيديهم إلا بإذن منهم.
روى أبو الشيخ في «التوبيخ» من حديث جابر: «ثلاثة لا يستخفّ بحقّهم إلّا منافق بيّن النّفاق: ١- ذو الشّيبة في الإسلام، و ٢- الإمام المقسط، و ٣- معلّم الخير» .
ورواه الطبراني في «الكبير» ؛ من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه نحوه.
وفي الخبر عنه ﷺ : «ما أكرم شابّ شيخا لسنّه! إلّا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه!!» . رواه الترمذي؛ من حديث أنس، وقال: حديث غريب، وفيه أبو الرجال وهو ضعيف.
قال الغزالي: وهذه بشارة بدوام الحياة فليتنبّه لها! فلا يوفّق لتوقير المشايخ إلّا من قضى الله له بطول العمر. وهكذا ذكره ابن العربي في «شرح الترمذي»
стр. 960
وإجابة دعوة الطّعام، والدّعاء عليه، والعفو، والإصلاح بين النّاس، ...
عن العلماء أنّ فيه دليلا على طول العمر لمن أكرم المشيخة. انتهى. من «الإحياء» و «شرحه» .
(و) من محاسن الأعمال: (إجابة) داعي (دعوة الطّعام) ؛ وجوبا في وليمة العرس، وندبا في غيرها من الولائم؛ بشرطه!
(والدّعاء عليه) ؛ أي: على الطعام وبعده، فقد كان ﷺ إذا أكل عند قوم لم يخرج حتّى يدعو لهم؛ فكان يقول: «اللهمّ؛ بارك لهم وارحمهم» . وكان يقول: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة» . كما تقدّم.
(والعفو) عمّن اجترأ عليه. قال ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلّا عزّا، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه» . رواه مسلم؛ من حديث أبي هريرة.
ورواه كذلك الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبّان.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قطّ إلّا أن تنتهك حرمة الله! فينتقم لله. رواه البخاري ومسلم.
وقال ابن عباس: ما عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله بها عزّا. أي: في الدنيا؛ فإنّ من عرف بالعفو والصفح عظم في القلوب، أو في الآخرة؛ بأن يعظم ثوابه. وهو معنى حديث أبي هريرة السابق آنفا.
(و) من محاسن الأعمال: (الإصلاح بين النّاس) ، ففي الحديث عنه ﷺ : «أفضل الصّدقة: إصلاح ذات البين» رواه الطبراني في «الكبير» ، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» ؛ من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه راو ضعيف.
стр. 961
والجود، والكرم، والسّماحة، ...
وعنه ﷺ : «اتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإنّ الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» . رواه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» ؛ عن أنس من حديث طويل، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وضعّفه البخاري وابن حبّان.
وقال ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّلاة والصّيام والصّدقة؟!» قالوا: بلى! قال: «إصلاح ذات البين. وفساد ذات البين هي الحالقة» .
رواه أبو داود، والترمذي وصحّحه؛ من حديث أبي الدرداء.
ورواه كذلك الإمام أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد» ، قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح.
فينبغي للشخص الاعتناء بإصلاح ذات البين بين المسلمين ما وجد لذلك سبيلا. وقد قال ﷺ : «ليس بكذّاب من أصلح بين اثنين؛ فقال خيرا أو نمى خيرا» . رواه الشيخان؛ من حديث أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكذلك رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن جرير؛ كلهم من حديث حميد بن عبد الرحمن؛ عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة. ورواه الطبراني في «الكبير» من حديث شدّاد بن أوس.
وليس المراد من الحديث نفي ذات الكذب! بل نفي إثمه. فالكذب كذب؛ لإصلاح أو غيره.
وهذا الحديث يدلّ على وجوب الإصلاح، لأنّ ترك الكذب واجب، ولا يسقط الواجب إلّا بواجب آكد منه. انتهى جميعه من «الإحياء» و «شرحه» والله أعلم.
(و) من محاسن الأعمال: (الجود، والكرم، والسّماحة) ومعانيها متقاربة.
стр. 962
والابتداء بالسّلام، ...
وقد فرّق بعضهم بينها بفروق دقيقة؛
فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم قدره ونفعه. أي: فيما يكثر الانتفاع به؛ فلا يطلق على ما يحقر قدره ويقلّ نفعه. وقال بعضهم: الأظهر أن يقال: الكرم إنما هو عطاء ابتداء؛ من غير ملاحظة عوض وغرض انتهاء.
وأمّا السماحة! فهي التجافي عمّا يستحقّه المرء عند غيره؛ من أداء عين، أو قضاء دين؛ بطيب نفس. وقال العلّامة ملّا علي قاري: بعض الأحاديث يدلّ على أنّ المراد بالسماحة السخاوة الخاصة؛ وهي المساهلة في المعاملة؛ كما ورد:
«رحم الله من سمح في البيع والشّراء، والقضاء والاقتضاء» . وفي حديث:
«السّماح رباح» . انتهى.
والسخاء: سهولة الإنفاق على الأقارب والأجانب، والفقير والغني، وسائر المراتب، وتجنبّ اكتساب ما لا يحمد. وهو مرادف للجود.
وقيل: الجود إعطاء الموجود، وانتظار المفقود، والاعتماد على المعبود.
وقيل: الجود هو بذل المجهود، ونفي الموجود.
وقد يقال: من أعطى البعض؛ فهو سخي، ومن بذل الأكثر؛ فهو جواد، ومن أعطى الكلّ؛ فهو كريم. انتهى.
(و) من محاسن الأعمال: (الابتداء بالسّلام) ؛ وهو سنّة عين من الواحد؛ ولو صبيا! ولو على من ظنّ أنّه لا يردّ، ومن الجماعة سنّة كفاية.
وردّه فرض عين على الواحد عند إقباله وانصرافه، وكذا لو علمه واحد فقط من الجماعة، ولو كان المسلّم صبيا مميّزا.
وفرض كفاية؛ إن كان على جماعة اثنين فأكثر، مسلمين مكلفين، أو سكارى؛ لهم نوع تمييز، عالمين به، ولو نساء.
ولو أسقط المسلّم حقّه؛ لم يسقط، لأن الحقّ لله تعالى، ولو ردّوا كلّهم؛
стр. 963
.........
ولو مرتّبا؟ أثيبوا ثواب الفرض، كالمصلّين على جنازة.
وشرطه إسماع واتصال كاتصال الإيجاب بالقبول، فإن شكّ في سماعه؛ زاد في الرفع، فإن كان عنده نيام، خفض صوته ندبا.
ولا يكفي ردّ صبي مع وجود مكلّف، ولا ردّ غير المسلّم عليهم.
ولو سلّم على جماعة؛ فيهم امرأة فردّت؛ هل يكفي؟ قال الزركشي: ينبغي بناؤه على أنّه هل يشرع لها الابتداء بالسّلام؛ بأن كانت محرما له، أو غير مشتهاة مثلا؛ فحيث شرع لها؛ كفى جوابها، وإلّا فلا.
قال الشّبراملّسي: ومحلّ ذلك ما لم يخصّ الرجال، وإلّا فلا يكفي ردّها.
انتهى.
ويجب الجمع بين اللفظ والإشارة على من ردّ على أصمّ، وسنّ لمن يسلّم عليه أن يجمع بينهما.
نعم؛ لو علم أنّه فهم بقرينة الحال والنظر إلى فمه؟ لم تجب الإشارة.
وتجزىء إشارة الآخرس ابتداء وردّا.
وقال الشّبراملّسي: محلّ ذلك إن فهمها كلّ أحد، وإلّا كانت كناية، فتعتبر النيّة معها، لوجوب الردّ والكفاية في حصول السّنّة منه. انتهى.
وصيغته: «السلام عليكم» ، أو «سلامي عليكم» ، ويجزىء مع الكراهة «عليكم السلام» . ويجب فيه الردّ.
وك «عليكم السلام» ، «عليكم سلامي» ، ولو قال «وعليكم السلام» ؟ لم يكن سلاما، فلا يجب ردّه «١» .
стр. 964
وكظم الغيظ، ...
وندب صيغة الجمع في الواحد لأجل الملائكة، ويكفي الإفراد فيه، بخلافه في الجمع! فلا يكفي في أداء السّنة، ولا يجب الردّ حيث لم يعيّن واحدا.
والإشارة بيد ونحوها من غير لفظ! خلاف الأولى، والجمع بينها وبين اللفظ أفضل، وصيغة ردّه «وعليكم السلام وعليك السلام» للواحد، لا لجمع سلّموا عليه؛ كما في الشبراملسي، ومع ترك الواو، وإن كان ذكرها أفضل، فإن عكس؛ بأن قال: «والسلام عليكم» ، أو «السلام عليكم» ؟ جاز وكفى، فإن قال «وعليكم» وسكت؟ لم يجز.
والتعريف ابتداء وجوابا أفضل، وزيادة «ورحمة الله وبركاته» أكمل منهما.
انتهى ملخصا من كتاب «فتح العلام» للسيّد العلامة علوي بن أحمد السّقّاف ﵀، ثم قال فيه:
وهل لنا سنّة كفاية غير السلام من الجماعة؟! ذهب فخر الإسلام الشاشي إلى نفي ذلك. وردّ بأن منها تشميت العاطس، والتسمية للأكل، والأذان والإقامة، وما يفعل بالميّت؛ مما ندب إليه من جماعته، وتضحية الواحد من أهل البيت بالشاة الواحدة، لتأدّي شعار التضحية. وقد نظم بعضهم ذلك في قوله:
أذان وتشميت وفعل بميّت ... إذا كان مندوبا وللأكل بسملا
وأضحية من أهل بيت تعدّدوا ... وبدء سلام والإقامة فاعقلا
فذي سبعة إن جا بها البعض يكتفى ... ويسقط لوم عن سواه تكمّلا
زاد في «التحفة» و «النهاية» : إجابة تشميت العاطس. انتهى.
(و) من محاسن الأعمال: (كظم الغيظ) الكظم: هو الكفّ؛ إمّا بكفّ النفس؛ أو بالصفح.
والغيظ: هو الغضب الكامن في القلب.
أخرج ابن أبي الدنيا في «ذمّ الغضب» ؛ عن ابن عمر ﵄ أنّ
стр. 965
والعفو عن النّاس، ...
رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظا، ولو شاء أن يمضيه أمضاه؛ ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا» . وفي رواية: «من كتم غيظا؛ وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» . رواه ابن أبي الدنيا؛ من حديث أبي هريرة.
وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : «ما جرع عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى» . رواه ابن ماجه بإسناد جيد، وقال المنذريّ: رواته محتجّ بهم في «الصحيح» .
ورواه الإمام أحمد بلفظ: «ما تجرّع عبد أفضل منه عند الله من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى» .
وقال ابن عبّاس: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لجهنّم بابا لا يدخله إلّا من شفى غيظه بمعصية الله» . رواه ابن أبي الدنيا في «ذم الغضب» .
وقال ﷺ : «من كظم غيظا؛ وهو يقدر على أن ينفذه؛ دعاه الله على رؤوس الخلائق، ويخيّره من أيّ الحور العين شاء» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ؛ وقال: حسن غريب، وابن ماجه، والطبرانيّ، والبيهقيّ، وابن أبي الدنيا في «ذم الغضب» ؛ وفي «الصمت» من حديث معاذ بن أنس.
وذكر أنّه كان عند ميمون بن مهران الجزري «كاتب عمر بن عبد العزيز» ضيف، فاستعجل جاريته بالعشاء؛ فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة من الثريد، فعثرت في ذيلها وأراقتها على رأس سيّدها ميمون، فقال: يا جارية أحرقتيني! قالت: يا معلّم الخير ومؤدّب الناس؛ ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال لها: وما قال الله تعالى؟! قالت: قال وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ قال: قد كظمت غيظي؛ أي كففته. قالت وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: قد عفوت عنك. قالت:
زد، فإنّ الله يقول وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) [آل عمران] قال: أنت حرّة لوجه الله تعالى.
(والعفو عن النّاس) تقدّم الكلام على العفو.
стр. 966
واجتناب ما حرّمه الإسلام من اللهو، والباطل، والغناء، والمعارف كلّها، ...
(واجتناب) كلّ (ما حرّمه الإسلام؛ من اللهو والباطل والغناء) - بكسر الغين والمدّ-: الصوت. وغنّى- بالتشديد-: إذا ترنّم بالغناء، والغنى- بالكسر والقصر- بالمال، وأما الغناء- بفتح الغين والمدّ-!! فهو النفع، وعلى ذلك قول بعضهم:
الغنا بالمدّ صوت ... والغنى بالمال مقصور
والجميع الغين منه ... عند أهل العلم مكسور
والغنا بالمدّ والفت ... ح اسمه للنّفع مشهور
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (المعازف كلّها) : آلات يضرب بها.
الواحد عزف؛ مثل فلس. وقال الجوهريّ: المعازف الملاهي.
قال ابن حجر الهيتميّ: صحّ من طرق عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ليكوننّ في أمّتي أقوام يستحلّون الحر والحرير، والخمر والمعازف» . أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو نعيم بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها، وصحّحه جماعة آخرون من الأئمة؛ كما قاله بعض الحفّاظ؛ خلافا لما وهم فيه ابن حزم! فقد علّقه البخاريّ؛ ووصله الإسماعيلي.
وهو صريح ظاهر في تحريم جميع آلات اللهو المطربة.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النبي ﷺ قال: «إيّاكم وسماع المعازف والغناء، فإنّهما ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» . رواه ابن صصري في «أماليه» .
وأخرج الدّيلميّ أنّه ﷺ قال: «الغناء واللهو ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده؛ إنّ القرآن والذّكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب» .
стр. 967
.........
وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النبي ﷺ قال: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع إلى صوت الرّوحانيّين في الجنّة» . رواه الحكيم الترمذي.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ أنّه سئل عن قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان/ ٦] ؛ قال: «الغناء، والذي لا إله إلّا هو؛ لا غيره» .
رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وأخرجه الحاكم وصحّحه والبيهقيّ وغيره.
ثمّ قال ابن حجر الهيتميّ: يحرم سماع الغناء من حرّة وأمة أجنبيّة؛ بناء على قول عندنا «أنّ صوت المرأة عورة» ، سواء أخاف فتنة بها؛ أم لا!! وكلام الشيخين في «الروضة» و «أصلها» في ثلاثة مواضع يقتضي أنّ هذا هو الراجح في المذهب، ونقل القاضي أبو الطيّب إمام أصحابنا عن الأصحاب: ولو من وراء حجاب.
وصرّح بالتحريم القاضي الحسين أيضا. وادّعى أنّه لا خلاف فيه؛ مستدلا بالحديث الصحيح: «من استمع إلى قينة صبّ في أذنيه الآنك» . أي: الرصاص المذاب.
قال الأذرعيّ: ولو لم يكن المغنّي والمغنّية محلّ الفتنة، ولكن استماع الغناء منه يبعث على الافتتان بغيره من الناس؛ فهو حرام، لما فيه من الخبث؛ وتحريك القلب الخرب إلى ما يهواه، لا سيّما أهل العشق والشغف، ومن يشتغل بصورة خاصّة! وهذا واضح ولا ينازع فيه منصف. انتهى.
وأمّا على قول «أنّ صوت المرأة غير عورة» وهو الأصحّ!! فلا يحرم؛ إلّا إن خشي فتنة.
قال الأذرعيّ: ومحلّه في غير الغناء الملحّن بالنغمات الموزونة مع التخنّث والتغنّج؛ كما هو شأن المغنّيات.
أما هذا!! ففيه أمور زائدة على مطلق سماع الصوت؛ فيتّجه التحريم هنا؛ وإن
стр. 968
وكلّ ذي وتر، وكلّ ذي ذحل، والغيبة، ...
قلنا «إنّ صوتها غير عورة» .
ويجب أن يكون محلّ الخلاف في صوت غير مشتمل على ذلك؛ بخلاف المشتمل عليه، لأنّه يحثّ على الفسوق؛ كما هو مشاهد، ويظهر أنّ سماعه من الأمرد محرّم أيضا؛ إن خشي فتنة به، كسماعه من المرأة.
ثم رأيت الرافعي صرّح بذلك. والأذرعيّ نقل عن القرطبي: أنّ جمهور من أباح سماع الغناء حكموا بتحريمه من الأجنبيّة على الرّجال والنساء، وأنّه لا فرق بين إسماع الشعر والقرآن، لما فيه من تهيّج الشهوة وخوف الفتنة؛ لا سيما إذا لحّنته، فسماعه كالاطلاع على محاسن جسدها، بل الحاصل بغنائها من المفسدة أسرع من ذلك!؛ لأنّ السماع يؤثّر في النفس قبل رؤية الشخص، وأمّا تهييجه للشهوة وإيقاعه في الفتنة!! فلا شكّ فيه.
والحاصل: أنّ سماعهنّ مظنّة للشهوة قطعا. وأطال في تقريره وهو كما قال.
انتهى كلام الأذرعي؛ نقله ابن حجر رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (كلّ ذي وتر) - بفتح الواو وسكون التاء المثنّاة فوق، آخره راء-: هو الذّحل- بالذال المعجمة والحاء المهملة- المذكور في قوله (وكلّ ذي ذحل) الحقد وهو بفتح الذال المعجمة. وتفتح الحاء المهملة، فيجمع على أذحال؛ مثل سبب وأسباب، وتسكّن الحاء المهملة، فيجمع على ذحول؛ مثل فلس وفلوس، وطلب بذحله أي بثأره. انتهى «مصباح» وسيأتي تفسيرهما في كلام المصنف، والمراد منهما اجتناب الحقد وإضمار الشرّ للمسلمين.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (الغيبة) - بكسر الغين المعجمة-: ذكرك أخاك بما يكره؛ ولو بما فيه؛ ولو بحضوره، لكن ظاهر المادّة تؤيّد ما قيل «من أن ما في الحضور لا يسمّى غيبة بل بهتان» . وإذا ذكره بما ليس فيه فقد زاد على ذلك إثم الكذب.
стр. 969
.........
ومن الضلال قول بعض العامّة «ليس هذا غيبة، إنّما هو إخبار بالواقع» ، فربّما جرّه ذلك لكفر الاستحلال- والعياذ بالله تعالى-.
وليست الغيبة مختصّة بالذكر، بل ضابطها: كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم، بلفظك؛ أو كتابتك؛ أو أشرت إليه بعينك؛ أو يدك؛ أو رأسك؛ أو نحو ذلك، سواء كان ذلك في بدنه؛ أو دينه؛ أو دنياه؛ أو ولده؛ أو والده؛ أو زوجته؛ أو خادمه؛ أو حرفته؛ أو لونه؛ أو مركوبه؛ أو عمامته؛ أو ثوبه؛ أو غير ذلك ممّا يتعلّق به.
ومن ذلك قول المصنفين في كتبهم «قال فلان كذا وهو غلط؛ أو خطأ.. أو نحو ذلك» فهو حرام، إلّا إن أرادوا بيان غلطه؛ أو خطئه، لئلا يقلّد؛ لأنّ ذلك نصيحة؛ لا غيبة.
وقولهم «قال مصنف، أو قال جماعة أو قوم كذا؛ وهو غلط أو خطأ» أو نحو ذلك؟! ليس غيبة، لأنّ الغيبة لا تكون إلّا في إنسان معين؛ أو جماعة معينين.
وقولك «فعل كذا بعض الناس» ، أو: «بعض الفقهاء» ، أو: «من يدّعي العلم» ، أو: «بعض المفتين» أو نحو ذلك غيبة محرّمة إذا كان المخاطب يفهمه بعينه.
وقضيّة ذلك: أنّك إذا ذكرت شخصا تعرفه أنت دون المخاطب؛ لا يكون غيبة.
ويشكل عليه حرمة الغيبة في الخلوة؛ دون حضور أحد، وكذا بالقلب فقط، فإنّها بالقلب محرّمة كهي باللسان، ومحلّ ذلك في غير من شاهد، وأمّا من شاهد!! فيعذر في الاعتقاد حينئذ؛ نعم؛ ينبغي أن يحمله على أنّه تاب.
وحكم الغيبة التحريم بالإجماع.
وهل هي كبيرة؛ أو صغيرة؟!
стр. 970
.........
قال القرطبي من المالكية: إنها كبيرة بلا خلاف- يعني في مذهبه-، وإليه ذهب كثير من الشافعية، وذكر صاحب «العدة» منهم: أنها صغيرة. وأقرّه عليه الرافعيّ ومن تبعه، لعموم البلوى بها، فقلّ من يسلم منها!! وفي التعليل نظر لا يخفى، لأنّ ذلك لا يقتضي كونها من الصغائر، والذي جزم به ابن حجر الهيتمي في «شرح الشمائل» أنّ غيبة العالم وحامل القرآن كبيرة، وغيبة غيرهما صغيرة؛ وهو المعتمد.
وكما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة يحرم على السامع استماعها وإقرارها، فيجب على كلّ من سمع إنسانا يذكر غيبة محرّمة أن ينهاه، إن لم يخف ضررا ظاهرا.
وقد ورد: «من ردّ غيبة مسلم ردّ الله عن وجهه النّار يوم القيامة» . فإن لم يستطع باليد؛ ولا باللسان؟! فارق ذلك المجلس. فإن قال بلسانه «اسكت» وهو يشتهي بقلبه استمراره؟! فذلك نفاق؛ كما قاله الغزالي!! فلا بدّ من كراهته بقلبه.
وربّما ألحق مجلس الغيبة بمظانّ الإجابة، فيقول «الله يلطف بنا، وبفلان؛ فعل كذا وكذا» !!.
ومن ذلك غيبة المتفقّهين والمتعبّدين؛ فيقال لأحدهم «كيف حال فلان» فيقول «الله يصلحنا.. الله يغفر لنا.. الله يصلحه؛ نسأل الله العافية! الله يتوب علينا» ... وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقيصه. فكلّ ذلك غيبة محرّمة، وكذلك إذا قال «فلان ماله حيلة؛ كلنا نفعل ذلك.» .
واعلم أنّ العلماء ذكروا أنّ الغيبة تباح في أحوال للمصلحة؛ وهي ستّة نظمها العلامة ابن أبي شريف رحمه الله تعالى؛ فقال:
القدح ليس بغيبة في ستّة ... متظلّم ومعرّف ومحذّر
ولمظهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر
стр. 971
والكذب، ...
فالأوّل: المتظلّم، كأن يقول المظلوم لمن له الولاية كالقاضي «فلان ظلمني» .. مثلا.
والثاني: المعرّف، كأن يقول «فلان الأعمش.. أو الأعرج.. أو نحو ذلك» فيمن كان معروفا بذلك؟! بشرط أن يكون بنيّة التعريف، فإن كان بقصد التنقيص!! حرم.
والثالث: المحذّر، كأن تذكر عيوب شخص لمن يريد الاجتماع عليه إذا لم ينكفّ بدون ذكرها، وإلّا!! حرم.
والرابع: مظهر الفسق؛ أي: المجاهر بفسقه، كالمجاهر بشرب الخمر وأخذ المكس.. وغير ذلك، فيجوز ذكره بما فسق به؛ لا بغيره من العيوب، بشرط أن يقصد أن تبلّغه لينزجر.
والخامس: المستفتي؛ كأن يقول للمفتي «ظلمني فلان» ؛ فهل له ذلك؟
وما طريقي في الخلاص منه.
والسادس: الطالب للمعاونة على إزالة المنكر؛ كأن يقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر «فلان يعمل كذا فأعنّي على منعه» ، بشرط أن يكون قصده التوصّل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك؟ كان حراما.
والتوبة تنفع في الغيبة من حيث الإقدام، وأمّا من حيث الوقوع في حرمة من هي له؟! فلا بدّ فيها- مع التوبة- من طلب العفو من صاحبها عنه؛ إذا بلغته. وإذا لم تبلغه؟ كفى الاستغفار له. وإن بلغته بعد ذلك؟ بلغته ممحوّة. انتهى جميع ذلك ملخصا من الباجوري رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (الكذب) لغير مصلحة شرعية، فإن كان لمصلحة شرعيّة؟ جاز، كالكذب للزوجة؛ تطييبا لنفسها، بل قد يجب كالكذب لإنقاذ مسلم، أو لإصلاح ذات البين.
стр. 972
والبخل، والشّحّ، ...
قال في «الإحياء» : كلّ مقصود محمود يمكن التوصّل إليه بالصدق والكذب جميعا؛ فالكذب فيه حرام. وإن أمكن التوصّل إليه بالكذب؛ دون الصدق! فالكذب فيه مباح؛ إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا. كما أنّ عصمة دم المسلم واجبة؛ فمهما كان في الصدق سفك دم امرىء مسلم قد اختفى من ظالم؛ فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتمّ مقصود الحرب؛ أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجنيّ عليه إلّا بكذب؟! فالكذب مباح، إلّا أنّه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن. انتهى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (البخل، والشّحّ) . قال في «الجمل» «١» : الشحّ: اللؤم؛ وهو غريزة، والبخل: المنع نفسه. فهو أعمّ، لأنّه قد يوجد البخل ولا شحّ له، ولا ينعكس.
وفي النسائي؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجتمع الشّحّ والإيمان في قلب عبد أبدا» .
فإذن الشحّ صفة راسخة يصعب معها على الرّجل تأتّي المعروف؛ وتعاطي مكارم الأخلاق، ويفتقر في التخلّص منه إلى معونة الله وتوفيقه.
وفي «الجامع الصغير» : «الشّحيح لا يدخل الجنّة» . رواه الخطيب في كتاب «البخلاء» ؛ عن ابن عمر.
وفي «الصحاح» : الشحّ: البخل مع حرص. انتهى.
وفي «الإحياء» : قال عبد الله بن عمرو: الشحّ أشدّ من البخل، لأن الشحيح هو الذي يشحّ على ما في يد غيره حتى يأخذه، ويشحّ بما في يده فيحبسه، والبخيل هو: الذي يبخل بما في يده. انتهى.
стр. 973
.........
وقال في «الاحياء» أيضا: أما حدّ البخل الذي يوجب الهلاك؛!
فقال قائلون: هو منع الواجب، فكلّ من أدّى ما وجب عليه؛ فليس ببخيل.
وهذا غير كاف. ثم أطال في تقرير حدّ البخل، ... إلى أن قال: السخيّ هو:
الذي لا يمنع واجب الشرع؛ ولا واجب المروءة، فإن منع واحدا منها؟! فهو بخيل، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل، كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة، أو يؤدّيها؛ ولكنه يشقّ عليه، فإنّه بخيل بالطبع، وإنّما يتسخّى بالتكلّف، أو الذي يتيمّم الخبيث من ماله؛ ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله، أو من وسطه. فهذا كلّه بخل.
وأمّا واجب المروءة!! فهو ترك المضايقة، والاستقصاء في المحقّرات، فإنّ ذلك مستقبح. واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص؛
١- فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة. ويستقبح من الرّجل المضايقة مع أهله؛ وأقاربه؛ ومماليكه ما لا يستقبح مع الأجانب. ويستقبح مع الجار ما لا يستقبح مع البعيد، ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح أقلّ منه في المبايعة والمعاملة، فيختلف ذلك بما فيه من المضايقة في ضيافة؛ أو معاملة.
٢- أو بما فيه المضايقة؛ من طعام؛ أو ثوب، إذ يستقبح في الأطعمة ما لا يستقبح في غيرها، ويستقبح في شراء الكفن مثلا؛ أو شراء الأضحية، أو شراء خبز الصدقة ما لا يستقبح في غيره من المضايقة.
٣- وكذلك بمن معه المضايقة؛ من صديق؛ أو أخ؛ أو قريب؛ أو زوجة؛ أو ولد؛ أو أجنبي. وبمن معه المضايقة؛ من صبي؛ أو امرأة، أو شيخ؛ أو شاب، أو عالم؛ أو جاهل، أو موسر؛ أو فقير.
فالبخيل هو: الذي يمنع حيث ينبغي ألايمنع؛ إمّا بحكم الشرع، وإمّا بحكم المروءة، وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره.
ولعل حدّ البخل هو: إمساك المال عن غرض، ذلك الغرض هو أهمّ من حفظ
стр. 974
والجفاء، والمكر، والخديعة، ...
المال!! فإنّ صيانة الدين أهمّ من حفظ المال، فمانع الزكاة والنفقة بخيل، وصيانة المروءة أهمّ من حفظ المال، والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحبّ المال؛ فهو بخيل. انتهى كلام الإمام الغزاليّ رحمه الله تعالى.
وهو الذي استقرّ رأيه عليه في تقرير البخيل وحدّ البخل؛ بعد أن أطال الكلام في ذلك رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (الجفاء) أي: الغلظة والفظاظة. قال الأزهريّ: الجفاء ممدود؛ عند النحويين، وما علمت أحدا أجاز فيه القصر. وفي الحديث: «البذاء من الجفاء، والجفاء في النّار» . وفي الحديث الآخر: «من بدا جفا» أي: غلظ طبعه، لقلّة مخالطة الناس.
والجفاء يكون في الخلقة والخلق؛ يقال: رجل جافي الخلقة، وجافي الخلق أي: كزّ غليظ العشرة، خرق في المعاملة، متحامل عند الغضب والسورة على الجليس،
وفي صفته ﷺ : «ليس بالجافي المهين» أي: ليس بالغليظ الخلقة والطبع، أي: ليس بالذي يجفو أصحابه. انتهى من شرح «القاموس» .
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (المكر، والخديعة) ؛ وهما من الكبائر. قال ابن حجر في «الزواجر» : المكر- لغة-: الستر، يقال مكر الليل؛ أي: ستر بظلمته ما هو فيه، ويطلق أيضا على الاحتيال والخداع والخبث، وبهذا الاعتبار عبّر عنه بعض اللغويين: بأنّه السعي بالفساد، وبعضهم: بأنّه صرف الغير عما يقصد بحيلة.
وهذا الأخير؛ إمّا محمود بأن يتحيّن في أن يصرفه إلى خير، وعليه يحمل قوله تعالى وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال] .
وإمّا مذموم بأن يتحيّل به في أن يصرفه إلى شرّ، ومنه وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا
стр. 975
والنّميمة، ...
بِأَهْلِهِ [٤٣/ فاطر] انتهى.
ثم قال ابن حجر أيضا: أخرج الطبرانيّ في «الكبير» و «الصغير» بإسناد جيد، وابن حبّان في «صحيحه» ؛ عن ابن مسعود ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «من غشّنا فليس منّا، والمكر والخداع في النّار» .
ورواه أبو داود؛ عن الحسن مرسلا مختصرا؛ قال: «المكر، والخديعة، والخيانة في النّار» .
وفي حديث: «لا يدخل الجنّة خبّ- أي: مكّار- ولا بخيل، ولا منّان» .
وفي آخر: «المؤمن غرّ كريم، والفاسق خبّ لئيم» .
وقال تعالى عن المنافقين يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[النساء/ ١٤٢] أي:
مجازيهم بما يشبه الخداع على خداعهم له، وذلك أنّهم يعطون نورا؛ كما يعطى المؤمنون، فإذا مضوا على الصراط أطفىء نورهم؛ وبقوا في الظّلمة.
وفي حديث: «أهل النّار خمسة ... ، وذكر منهم ... رجلا لا يصبح ولا يمسي؛ إلّا وهو مخادعك عن أهلك ومالك» . انتهى كلام ابن حجر رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (النّميمة) وهي: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، كقوله «فلان يقول فيك كذا» .. لكن قال أبو حامد الغزاليّ: وليست النميمة مختصّة بذلك!!. بل حدّها كشف ما يكره كشفه، سواء كان الكشف بالقول؛ أو بالكتابة؛ أو الرمز، أو نحوها، وسواء كان المنقول من الأعمال؛ أو من الأحوال! وسواء كان عيبا؛ أو غيره!!.
قال النّوويّ: فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه.
قال: وكلّ من حملت إليه نميمة لزمه ستّة أمور:
الأوّل: ألايصدّقه، لأن النمام فاسق. والفاسق مردود الخبر.
стр. 976
وسوء ذات البين، ...
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه.
الثالث: أن يبغضه، فإنّه بغيض عند الله. ويجب بغض من أبغضه الله تعالى.
الرابع: ألايظنّ بالمنقول عنه السوء، لقوله تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات/ ١٢] .
الخامس: ألايحمله ما حكي له على التجسّس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات/ ١٢] .
السادس: ألايحكى نميمة عنه، فيقول «فلان حكى لي كذا» فيصير بذلك نمّاما.
والنميمة محرّمة بالإجماع، والمذاهب متفقة على أنّها كبيرة، لحديث «الصحيحين» : «لا يدخل الجنّة نمّام» . وفي رواية لمسلم: «قتّات» ؛ أي:
نمّام.
وكلّ ذلك ما لم تدع الحاجة إليها، وإلّا! جازت، لأنّها حينئذ ليست نميمة؛ بل نصيحة كما إذا أخبرك شخص: بأنّ فلانا يريد البطش بمالك؛ أو بأهلك؛ أو نحو ذلك! لتكون على حذر، فليس ذلك بحرام؛ لما فيه من دفع المفاسد.
وقد يكون بعضه واجبا، كما إذا تيقّن وقوع ذلك لو لم يخبرك بهذا الخبر.
وقد يكون بعضه مستحبّا، كما إذا شكّ في ذلك؛ ذكره النووي رحمه الله تعالى.
نقله الباجوري عنه رحمهم الله تعالى. آمين.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (سوء ذات البين) أخرج أبو داود، والترمذيّ وصحّحه، والإمام أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد» - قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح- عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ أنّه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام والصّلاة والصّدقة» ؟ قالوا: بلى.
стр. 977
وقطيعة الأرحام، ...
قال: «إصلاح ذات البين. وفساد ذات البين هي الحالقة» أي: الخصلة التي شأنها أن تحلق: أي: تهلك، وتستأصل الدين كما يستأصل المزيّنون الشعر، أو المراد المزيلة لمن وقع فيها، لما يترتّب عليه من الفساد والضغائن. انتهى.
«شرح «الإحياء» » .
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (قطيعة الأرحام) ؛ وهم كلّ قريب:
وارثا؛ أو غير وارث، محرما؛ أو غير محرم.
قال العلّامة ابن حجر في «الفتاوى الفقهية» ؛ كتاب السير: المراد بالأرحام الذين يتأكّد برّهم، وتحرم قطيعتهم جميع الأقارب، من جهة الأب أو الأم؛ وإن بعدوا.
وقال في «الزواجر» : وظاهر أن الأولاد والأعمام من الأرحام، وكذا الخالة؛ خلافا للزركشي في قوله «إنّ الخالة والعمّ مثل الأب والأم؛ حتى في العقوق» .
انتهى.
والمراد بقطع الرحم: قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإحسان لغير عذر شرعي، لأن قطع ذلك يؤدّي إلى إيحاش القلوب ونفرتها وتأذّيها، ويصدق عليه حينئذ أنّه قطع وصلة رحمه، وما ينبغي لها من عظيم الرعاية، فلو فرض أنّ قريبه لم يصل إليه منه إحسان؛ ولا إساءة! قط، لم يفسق بذلك.
ولا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفه؛ منه القريب؛ مالا، أو مكاتبة، أو مراسلة، أو زيارة، أو غير ذلك. فقطع ذلك كلّه بعد فعله لغير عذر كبيرة. قاله ابن حجر في «الزواجر» .
قال: وينبغي أن يراد بالعذر في المال فقد ما كان يصله به؛ أو تجدّد احتياجه إليه، أو أن يندبه الشارع إلى تقديم غير القريب عليه، لكون الأجنبي أحوج أو أصلح، فعدم الإحسان إليه، أو تقديم الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه الفسق؛
стр. 978
وسوء الخلق ...
وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب، لأنه إنّما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبي على القريب. وواضح أن القريب لو ألف منه قدرا معيّنا من المال يعطيه إيّاه كل سنة مثلا فنقصه؛ لا يفسق بذلك، بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر.
فإن قلت: يلزم على ذلك امتناع القريب من الإحسان إلى قريبه أصلا؛ خشية أنه إذا أحسن إليه يلزمه الاستمرار على ذلك؛ خوفا من أن يفسق لو قطعه، وهذا خلاف مراد الشارع من الحثّ على الإحسان إلى الأقارب؟!.
قلت: لا يلزم ذلك، لما تقرّر أنه لا يلزمه أن يجري على تمام القدر الذي ألفه منه، بل اللازم له ألايقطع ذلك من أصله. وغالب الناس يحملهم شفقة القرابة ورعاية الرّحم على وصلتها، فليس في أمرهم بمداومتهم على أصل ما ألفوه منهم تنفير عن فعله، بل حثّ على دوام أصله، وإنما يلزم ذلك لو قلنا «إنه إذا ألف منه شيئا بخصوصه يلزمه الجريان على ذلك الشيء المخصوص دائما؛ ولو مع قيام العذر الشرعي» !!، ونحن لم نقل ذلك.
وأما عذر الزيارة! فينبغي ضبطه بعذر الجمعة «١» ، بجامع أن كلّا فرض عين؛ وتركه كبيرة، وأما عذر ترك المكاتبة والمراسلة! فهو ألايجد من يثق به في أداء ما يرسله معه، والظاهر أنه إذا ترك الزيارة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت، فتأمّل جميع ما قررته واستفده، فإني لم أر من نبّه على شيء منه مع عموم البلوى به وكثرة الاحتياج إلى ضبطه. انتهى كلام ابن حجر؛ شكر الله مسعاه ورضي الله عنه وأرضاه. آمين.
(و) اجتناب (سوء الخلق) وهو خلاف حسن الخلق.
والخلق؛ بضمتين: هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال بيسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا وشرعا
стр. 979
والتّكبّر، ...
بسهولة! سميت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة؛ سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا، وليس الخلق عبارة عن الفعل، فربّ شخص خلقه السخاء؛ ولا يبذل!! إما لفقد مال أو لمانع، ولا يسمى خلقا ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ واستقرار.
(و) من محاسن الأعمال اجتناب (التّكبّر) اعلم أنّ الكبر اسم لحالة يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وأن يرى نفسه أعظم من غيره.
وهو ينقسم إلى ظاهر وباطن، فالباطن: هو خلق في النفس. والظاهر: هو أعمال تصدر من الجوارح، واسم الكبر بالخلق الباطن أحقّ، لأنه منشأ الإعجاب والرؤية، وأما الأعمال فإنّها ثمرة لذلك الخلق ونتائج له، وخلق الكبر موجب للأعمال، ولذلك إذا ظهر أثره على الجوارح يقال: تكبر واستكبر، وإذا لم يظهر يقال: فلان في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق الذي في النفس، وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبّر عليه، ويسمّى الكبر أيضا «عزّة» و «تعظّما» ، ولذلك قال ابن عبّاس في قوله تعالى إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [غافر/ ٥٦] ؛ قال: عظمة لم يبلغوها، ففسر الكبر بتلك العظمة.
والأعمال الصادرة عن خلق الكبر كثيرة، وفيه يهلك الخواصّ من الخلق، وقلّما ينفكّ عنه العباد والزهّاد والعلماء؛ فضلا عن عوامّ الخلق، وهو من الكبائر وآفته عظيمة، وكيف لا تعظم آفته؛ وقد قال ﷺ : «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر» ... الحديث!! رواه مسلم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وإنما صار حجابا دون الجنة!! لأنّه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلّها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة. والكبر وعزّة النفس يغلق تلك الأبواب كلّها؛ لأنه لا يقدر أن يحبّ للمؤمنين ما يحبّ لنفسه؛ وفيه شيء من العزّ!! ولا يقدر على التواضع- وهو رأس أخلاق المتقين- وفيه العزّ!! ولا يقدر على ترك
стр. 980
والفخر، والاختيال، والاستطالة، ...
الحقد؛ وفيه العزّ! ولا يقدر أن يدوم على الصّدق؛ وفيه العزّ! ولا يقدر على ترك الغضب؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على كظم الغيظ؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على ترك الحسد؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على النصح اللطيف؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على قبول النصح؛ وفيه العزّ، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم؛ وفيه العزّ، ولا معنى للتطويل.
فما من خلق ذميم إلّا وصاحب العزّ والكبر مضطرّ إليه، ليحفظ به عزّه!! وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه؛ خوفا من أن يفوته عزّه!!
فمن هذا المعنى لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبّة منه.
والأخلاق الذميمة متلازمة، والبعض منها داع إلى البعض لا محالة.
وشرّ أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم؛ وقبول الحق، والانقياد إليه. وفيه وردت الآيات التي فيها ذمّ الكبر والمتكبرين. انتهى ملخصا من «الإحياء» وشرحه.
(و) اجتناب (الفخر) : ادّعاء العظم والكبر والشرف. والتفاخر: التعاظم والتفخّر التكبّر.
(و) اجتناب (الاختيال) - بالخاء المعجمة-، قال النووي: قال العلماء الخيلاء والمخيلة والبطر والزّهوّ والتبختر كلّها بمعنى واحد، وهو حرام، ويقال:
خال الرجل خالا، واختال اختيالا: إذا تكبّر، وهو رجل خال؛ أي: متكبر، وصاحب خال، أي: صاحب كبر. انتهى.
وقال العراقي في «شرح الترمذي» : كأنه مأخوذ من التخيّل إلى الظّنّ، وهو أن يخيّل له أنه بصفة عظيمة بلبسه لذلك اللباس أو لغير ذلك. انتهى نقله في «شرح الإحياء» .
(و) اجتناب (الاستطالة) في عرض المسلم أي: وصفه بأوصاف قبيحة،
стр. 981
والبذخ، والفحش، والتّفحّش، ...
واحتقاره والترفّع عليه، والوقيعة فيه؛ بنحو قذف أو سبّ، لأن العرض أعزّ على النّفس من المال.
(و) اجتناب (البذخ) - بالموحدة المفتوحة والذال المعجمة المفتوحة، والخاء المعجمة آخره-؛ وهو تطاول الرجل بكلامه وافتخاره.
(و) اجتناب (الفحش) اسم لكلّ ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فتتفق في حكمه آيات الله الثلاث؛ من الشرع، والعقل، والطبع.
(و) اجتناب (التّفحّش) : تكلّف ذلك وتعمّده، وكلّ ذلك مذموم ومنهيّ عنه، ومصدره الخبث واللؤم في أصل الطبع، قال رسول الله ﷺ : «إيّاك والفحش؛ فإنّ الله تعالى لا يحبّ الفحش ولا التّفحش» رواه النسائي في «سننه الكبرى» ، والحاكم وصحّحه؛ من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه ابن حبّان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.
وقال ﷺ : «ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء» .
رواه الترمذي بإسناد صحيح؛ من حديث ابن مسعود، والحاكم وصحّحه، ورواه البخاري في «الأدب المفرد» ، وأحمد وأبو يعلى، وابن حبّان، والطبراني، والبيهقي: كلّهم؛ من حديث ابن مسعود مرفوعا.
والطّعّان: هو الوقّاع في أعراض الناس بنحو ذمّ، أو غيبة.
واللّعّان: الذي يكثر لعن الناس، والفاحش: ذو الفحش في كلامه وأفعاله، والبذيء الفاحش في منطقه؛ وإن كان الكلام صدقا.
وعنه ﷺ : «الجنّة حرام على كلّ فاحش أن يدخلها» رواه ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم في «الحلية» ؛ من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد فيه لين. انتهى. شرح «الإحياء» .
стр. 982
والحقد، ...
(و) اجتناب (الحقد) وهو: الانطواء على العداوة والبغضاء وهو ثمرة الغضب ونتيجته، لأن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفّي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه؛ فصار حقدا، فيلزم قلبه حينئذ استثقاله والبغضة له والنّفار عنه.
والحقد يثمر ثمانية أمور:
الأول: الحسد؛ وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنّى زوال النعمة عنه، فتغتمّ بنعمة؛ إن أصابها، وتسرّ بمصيبة؛ إن نزلت به.
الثاني: أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن، فيشمت بما يصيبه من البلاء.
الثالث: أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه؛ وإن طلبك وأقبل عليك.
الرابع: وهو دونه بأن تعرض عنه استصغارا له.
الخامس: أن تتكلّم فيه بما لا يحلّ؛ من كذب، أو غيبة، وإفشاء سرّ، وهتك ستر وغيره.
السادس: أن تحاكيه استهزاء وسخرية منه.
السابع: إيذاؤه بالضرب؛ وما يؤلم بدنه.
الثامن: أن تمنعه حقّه؛ من قضاء دين، أو صلة رحم، أو ردّ مظلمة! وكلّ ذلك حرام.
وأقلّ درجات الحقد: أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة، ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما تعصي الله به، ولكن تستثقله في الباطن، ولا ينتهي قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوّع به؛ من البشاشة والرفق والعناية، والقيام بحاجاته، والمجالسة معه على ذكر الله تعالى، والمعاونة على المنفعة له. أو بترك الدعاء له والثناء عليه، أو التحريض على برّه ومواساته، فهذا كلّه مما ينقص درجتك في الدين، ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل؛ وإن كان
стр. 983
والحسد، ...
لا يعرّضك لعقاب الله تعالى.
(و) اجتناب (الحسد) ؛ وهو: تمنّي زوال نعمة الغير، سواء تمنّاها لنفسه؛ أو لا، بأن تمنّى انتقالها عن غيره لغيره، وهذا أخسّ الأخسّاء، لأنه باع آخرته بدنيا غيره، بخلاف ما إذا تمنّى مثل نعمة الغير؛ فإنّه غبطة محمودة في الخير، كما ورد: «لا حسد إلّا في اثنتين» ... الحديث.
ودليل تحريمه الكتاب والسنّة والإجماع.
قال الله تعالى وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) [الفلق] ، وقال ﷺ : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» رواه أبو داود؛ من حديث أبي هريرة، وابن ماجه؛ من حديث أنس.
وقال ﷺ : «لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا» أخرجه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم.
وفي رواية لمسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم» ... الحديث بطوله.
وقال ﷺ : «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول «حالقة الشّعر» ، ولكن حالقة الدّين، والّذي نفس محمّد بيده؛ لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتّى تحابّوا، ألا أنبّئكم بما يثبّت ذلك لكم!! أفشوا السّلام بينكم» .
رواه الطيالسي، وابن منيع، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذيّ، وابن أبي الدنيا، والشّاشيّ، وابن قانع، وابن عبد البرّ في «جامع العلم» ، والبيهقيّ، والضّياء المقدسي: كلّهم؛ من طريق مولى للزبير، عن الزّبير بن العوّام مرفوعا.
والأحاديث الدالّة على تحريم الحسد كثيرة، وهو من «الكبائر» كما ذكره ابن
стр. 984
والطّيرة، والبغي، ...
حجر في «الزواجر» ﵀.
(و) اجتناب (الطّيرة) - بالطاء المهملة؛ وزان عنبة- أي: التطيّر؛ وهو التّشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضيّ لمهمّ مرّت بمجاثم الطّير وأثارتها لتستفيد: هل تمضي؛ أو ترجع؟! فنهى الشارع عن ذلك، وقال: «لا هام ولا طيرة» ، وقال: «أقرّوا الطّير في وكناتها» . أي: على مجاثمها.
وقال ﷺ : «ثلاث لا ينجو منهنّ أحد: الظّنّ والطّيرة والحسد، وسأحدّثكم بالمخرج من ذلك» . قالوا: أخبرنا يا رسول الله! قال: «إذا ظننت فلا تحقّق، وإذا تطيّرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ» أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذمّ الحسد» ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه راويان ضعيفان.
ورواه أبو الشيخ في «التوبيخ» ، والطبراني في «الكبير» ؛ من حديث حارثة بن النعمان: «ثلاث لازمات لأمّتي: سوء الظّنّ، والحسد، والطّيرة، فإذا ظننت فلا تحقّق، وإذا حسدت فاستغفر الله، وإذا تطيّرت فامض» ذكره في شرح «الاحياء» .
وقد نظم ذلك بعضهم؛ فقال:
ثلاثة لم ينج منها أحد ... طيرة والظّنّ ثمّ الحسد
لا تبغ لا ترجع ولا تحقّق ... وقد سلمت خذ كلام مشفق
أعني كلام المصطفى الرّؤوف ... بالمؤمنين المجتبى العطوف
(و) اجتناب (البغي) : التعدّي عن الحقّ، والاستطالة.
قال الفرّاء في قوله تعالى وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف/ ٣٣] : إن البغي الاستطالة على النّاس.
وقال الأزهريّ: معناه الكبر، وقيل: هو الظلم والفساد.
وقال الرّاغب: البغي على ضربين: أحدهما: محمود؛ وهو: تجاوز العدل
стр. 985
والعدوان، والظّلم.
إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع.
والثاني: مذموم؛ وهو: تجاوز الحقّ إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبهة، ولذلك قال الله تعالى إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [النور/ ٢٤] . فخصّ العقوبة بمن يبغيه بغير الحق.
قال: والبغي في أكثر المواضع مذموم.
قال الأزهري: وأما قوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة/ ١٧٣] !! فغير باغ أكلها تلذّذا، وقيل: غير طالب مجاوزة قدر حاجته، وقيل: غير باغ على الإمام.
وقال الرّاغب: أي غير طالب ما ليس له طلبه.
قال الأزهري: ومعنى البغي قصد الفساد، وفلان يبغي على الناس؛ إذا ظلمهم وطلب أذاهم.
وقال الجوهري: كلّ مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بغي.
انتهى شرح «القاموس» .
(و) اجتناب (العدوان) - بضمّ العين المهملة وكسرها- وهو: الظلم المجاوز للقدر، فكأنه تجاوز في الإخلال بالعدالة، ومنه قوله تعالى فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) [البقرة] ؛ أي: لا سبيل، وقيل: العدوان سوء الاعتداء؛ في قول، أو فعل، أو حال ومنه قوله تعالى وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً [النساء] ، وقوله تعالى بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) [الشعراء] أي: معتدون.
قال الراغب: الاعتداء مجاوزة الحقّ، وقد يكون على سبيل الابتداء؛ وهو المنهيّ عنه، ومنه قوله تعالى وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) [البقرة] ، وقد يكون على سبيل المجازاة.
ويصحّ أن يتعاطى مع من ابتدأ، كقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ