لو لم تذنبوا
قال تعالى:
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر/ ٥٣]
قال العلامة السعدي ﵀:
لا تقنطوا من رّحمة الله" أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا، وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها، ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك والقتل والزنا والربا والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار.
إنّه هو الغفور الرّحيم أي: وصفة المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل اثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسبح يداه من الخيرات اناء الليل والنهار،
стр. 107
ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنح، والرحمة سبقت الغضب وغلبته.
ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجلّ، والطريق الأعظم. اهـ
لأن الله تعالى يحب المغفرة، والرحمة، ولا يريد أن يعذب عباده، فهو لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، وتأمل الحديث الاتي حتى تتضح لك عظمة رحمته ومغفرته تعالى.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم» «١»
القران مليء بالايات التي تحث على التعرض لرحمة الله تعالى، فعسى أن يرحم الله من يأخذ بأسباب النجاة.
стр. 108
والقران كذلك مليء بالايات التي تصف رحمة الله الواسعة بعباده ومنها قوله تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الحجر/ ٤٩، ٥٠] .
قال السعدي ﵀:
نبّئ عبادى أي أخبرهم خبرا جازما مؤيدا بالأدلة أنّى أنا الغفور الرّحيم فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته، سعوا في الأسباب الموصلة إلى رحمته، وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته.
ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال فنبئهم وأنّ عذابى هو العذاب الأليم أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله، الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ كنهه، نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه ... لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ [الفجر/ الاية ٢٥] حذروا، وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب.
стр. 109
فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها. اهـ
* ما يستفاد من الحديث:
الرسول ﷺ يقسم على أمر عظيم:
١- الذنوب والمعاصي شأنها خطير، فهي التي تكردس العبد في نار جهنم، وإذا تمادى العبد في المعصية ربما ختم له بما كان يألفه من المعاصي، ولكن مع ذلك على العبد المسلم أن لا ييأس من رحمة الله، ويعزف عن التوبة والاستغفار بحجة أن الذنوب صارت كثيرة وهي كفيلة بأن تطرده من رحمة الله تعالى.
وهنا يأتي قسمه ﷺ على نسف هذه الأوهام، فيؤكد بحلفه أن المرء مهما قوي إيمانه فلابد له من التقصير في بعض الجوانب، بل وارتكاب بعض المعاصي، ولو لم تكن هذه الحقيقة كائنة لذهب الله بنا، ولجاء بقوم يذنبون، حتى يستغفروا ويبكوا على ما قدمت
стр. 110
أيديهم، وما فرطوا بجنب الله، فيتوبون، ويستغفرون ربهم بكرة وعشيا.
فعلى المرء ألاييأس ولا يحزن فيقنط من رحمة الله.
٢- كل ابن ادم خطّاء:
نعم كل ابن ادم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، فعلى العبد أن يكثر من التوبة، ويجددها صباحا ومساء، ويعتبر بحال من مضى من هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والمعاصي فلما تابوا تاب الله عليه.
إن الله تعالى يقبل التوبة من جميع الذنوب والمعاصي بلا استثناء، فلا تستعظم ذنبا بجوار رحمة الله.
واعلم عبد الله، أن الله يحب التوابين، ويحب المستغفرين، ويحب المتطهرين، فأكثر من التوبة والاستغفار تطهر من الذنوب والمعاصي بإذن العزيز الرحيم الغفار.
٣- ليس في الحديث تحريض على فعل المعصية أو التهوين والتقليل من شأنها ولكن فيه تبشير بالمغفرة وإزالة لشدة الخوف واليأس من النفوس فلقد كان من أصحاب رسول
стр. 111
الله ﷺ من يفر إلى الجبال، ويعتزل الحياة ونعيمها من شدة خوفه من عقاب الله وأليم عذابه، فكان هذا الحديث وأمثاله طمأنينة ورجاء لعفو الله ورحمته ومغفرته.
٤- طائفة من الأحاديث في رحمة الله وعفوه ومغفرته: «١»
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» .
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوامّ فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة» .
عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي، تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.
стр. 112
فقال لنا رسول الله ﷺ : «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا، والله! وهي تقدر على ألاتطرحه، فقال رسول الله ﷺ : «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» .
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد» .
وحديث الذي أوصى أولاده إذا مات أن يحرقوه، وأيضا حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، وأيضا الحديث الذي يخبر بفرح الله بتوبة عبده وغير ذلك مشهور على الألسن يتداوله الناس فرحمة الله واسعة.
الذي لا يأمن جاره بوائقه
قال تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً [النساء/ ٣٦]
стр. 113
قال السعدي ﵀:
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أي: الجار القريب الذي له حقان، حق الجوار، وحق القرابة، فله على جاره حق وإحسان راجع إلى العرف.
وكذلك الجار الجنب أي: الذي ليس له قرابة، وكلما كان الجار أقرب بابا، كان اكد حقا.
فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة، والدعوة، واللطافة بالأقوال والأفعال، وعدم أذيته بقول أو فعل.
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قيل: الرفيق بالسفر، وقيل: الزوجة، وقيل:
الصاحب مطلقا، ولعله أولى، فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر ويشمل الزوجة.
فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على مجرد إسلامه، من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له، والوفاء معه في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وكلما زادت الصحبة تأكد الحق وزاد. اهـ
وليس هناك أقوى من صحبة الجار، وكلما قرب الجدار زاد الحق وثقلت المسؤولية، فإن كان ذا قرابة كان الحق اكد، والواجب أعظم.
стр. 114
عن أبي شريح أن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» «١» وفي حديث اخر: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه» «٢»
يهتم الإسلام بحماية الجار من أذى جاره وفي الحديث السابق يبين ﵊ خطورة من لا يأمن جاره بوائقه، لأن الأصل في الجار أن يأمن جاره، ولا يتصور في يوم من الأيام أن يخونه في شيء، لذا شدد ﵊ التحذير من خيانة الجار في غير ما حديث.
والمتأمل لحياة العرب في الجاهلية يجد الحرص على حفظ حقوق الجار والبعد عن خيانته، وكانوا يفتخرون بذلك دائما.
стр. 115
قال عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
قال الشيخ أبو جمرة:
وهو ما كانت الجاهلية ترعاه وتحافظ عليه وتفتخر بحفظه، وتعيب تارك ذلك وتذمه. اهـ
فكيف وقد جاء الإسلام وهذّب أخلاقهم أكثر مما كانوا عليه من مروءة وحفظ للجار وعدم خيانته.
وخيانة الجار من أخطر الأمور في المجتمع، فإذا كان الرجل يتخوف من جاره أو لا يأمن جاره فإنه لا يقر له قرار، ويعيش في قلق في كل لحظة بسبب هذا الهاجس المحزن، ولا يحس بهذا إلا من ذاق مرارة سوء الجار وابتلي بجار لا يأمن بوائقه نسأل الله السلامة والعافية. «١»
стр. 116
* ما يستفاد من الحديث:
بيان خطر خيانة الجار في المجتمع:
في قوله ﷺ : «والله لا يؤمن والله لا يؤمن ... إلخ» ما يدل على خطر خيانة الجار وعظم عقوبته عند الله، وأن من أعظم الذنوب أن يخون الجار جاره بهتك عرضه، وأي بائقة أعظم من هذه، أو يؤذيه بأي إيذاء.
روي بإسناد صحيح أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله: فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها قال: «هي في النار» قالوا:
يا رسول الله: فلانة تصلي المكتوبات، وتصدق بالأتوار من الإقط ولا تؤذي جيرانها قال: «هي في الجنة» . «١»
وقد سأل عبد الله بن مسعود ﵁ رسول الله عن أي الذي أعظم فقال ﷺ : «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» «٢»
الفصاحة والبلاغة أسلوب من أساليب البيان:
стр. 117
في الحديث ما يبين فصاحته ﵇.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
في المتن جناس بليغ من جناس التحريف وهو قوله: «لا يؤمن» و «لا يأمن» فالأول من الإيمان والثاني من الأمان.
حرص الإسلام على تهذيب أخلاق المدعوين:
وفي الحديث ما يدل على اهتمام الإسلام بتحلي المجاورين بالأخلاق الفاضلة فيما بينهم.
ومن أعظم الأخلاق بين الجيران أن يتحلى الجار بالأمانة مع جاره، إذ الأمانة صفة عظيمة من صفات المؤمنين حذر الله من خيانتها فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال/ ٢٧] .
اهتمام الإسلام باستتباب الأمن في المجتمع المسلم:
إن التمسك بدين الله وتحكيم شرع الله سبب لاستتباب الأمن في المجتمع المسلم، ومتى كان المتجاورون متمسكين بدين الله فإن الأمن يسود في المجتمع المسلم.
стр. 118
وإذا ضعف الإيمان اختل الأمن في المجتمع المسلم، وكثر الاعتداء على العرض والمال والنفس وفي الحديث تربية للمجتمع المسلم على حفظ الأمن والحذر من أسباب زعزعته واختلاله.
حث المسلمين على الفقه في الدين:
في قوله ﷺ : «والله لا يؤمن ... إلخ» وسؤال الصحابة عن المقصود ما يدل على حرص صحابة رسول الله ﷺ على تعلم أمور دينهم، وسماع الإجابة منه ﷺ عما أشكل عليهم، حيث أجابهم بأن المقصود هو الرجل الذي لا يأمن جاره بوائقه.
وهكذا صفة المسلم الحريص على الفائدة واداب طالب العلم الحريص على الفقه في الدين.
قال النووي ﵀:
ومن اداب المتعلم (ألا يسوف في اشتغاله، ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت له إذا تمكن منها، وإن أمن حصولها بعد ساعة، لأن للتأخير افات) . اهـ
نفي الإيمان الكامل:
قال ابن بطال ﵀:
стр. 119
وفيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول والفعل، ومراده الإيمان الكامل ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان. اهـ «١»
* رسول الله ﷺ يوصي بالجار خيرا «٢»
هذه طائفة نبوية من أقوال الرسول ﷺ يوصي فيها بالجار خيرا عسى أن تكون زادا لنا فيما بيننا:
قال رسول الله ﷺ :
«ثلاث خصال من سعادة المرء المسلم في الدنيا: الجار الصالح، والمسكن الواسع، والمركب الهنيء» .
«إن أحببتم أن يحبكم الله تعالى ورسوله فأدوا إذا ائتمنتم، واصدقوا إذا حدثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم» .
«أوصيكم بالجار» .
«خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» .
«لقد أوصاني جبريل بالجار، حتى ظننت أنه يورّثه» .
«ما امن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم» .
стр. 120
«من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليحسن إلى جاره» .
«من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذي جاره» .
«والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه» .
«لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» .
«لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جدار» .
«يا نساء المسلمات! لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فرسن شاة» . «١»
فوالله! لأنا أعلمهم بالله
قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «٢»
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى:
وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول ﷺ يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته،
стр. 121
وأن نص الرسول ﷺ على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه. اهـ
ويدخل في ذلك أمر الرسول ﷺ بما يظنه البعض دون قدرتهم، فهم يطيقون أكثر من ذلك فيجب علينا الامتثال لأمره ﷺ ، فالثواب على الأعمال من عند الله، ونحن مأمورون بامتثال أوامر رسول الله ﷺ ، والمداومة عليها وإن استقلها البعض، ومع تقدم العمر يعلم الإنسان قيمة ما يطاق من الأعمال.
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون. قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» «١» وفي رواية أخرى: «فوالله لأنا أعلمهم بالله» .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
والمعنى أنه كان ﷺ إذا أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق خشية أن يعجزوا عن الدوام عليه، وعمل ما هو بنظير ما يأمرهم به من التخفيف، طلبوا منه التكليف بما يشق لاعتقادهم احتياجهم إلى
стр. 122
المبالغة في العمل لرفع الدرجات دونه، فيقولون لسنا كهيئتك فيغضب من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير في العمل بل يوجب الازدياد شكرا للمنعم الوهاب، كما قال في الحديث الاخر: «أفلا أكون عبدا شكورا» «١» وإنما أمرهم بما يسهل عليهم ليداوموا عليه كما قال في الحديث الاخر: «أحب العمل إلى الله أدومه» «٢» . اهـ
وهذه قضية موجودة الان بالفعل، فكم من مسلم يتحمس لطاعة من الطاعات فيبدأ بما يشق عليه وبنشاط منقطع النظير ثم لا يلبث أن يفتر وينقطع بعد ذلك، ويصدق في حقه الحديث القائل «إن المنبّت- المجد في السير- لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» .
* ما يستفاد من الحديث:
١) إن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية من رفع الدرجات ومحو الخطيات، لأنه ﷺ لم ينكر عليهم استدلالهم ولا تعليلهم من هذه الجهة.
стр. 123
٢) إن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها كان ذلك أدعى له إلى المواظبة عليها، استبقاء للنعمة واستزادة لها بالشكر عليها.
قال تعالى:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ «١» وقال تعالى:
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ «٢»
فالحسنة ثوابها الحسنة بعدها نسأل الله تعالى الهداية التامة.
٣) الوقوف عند ما حد الشارع من عزيمة ورخصة، واعتقاد أن الأخذ بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له، والله ﵎ يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ولا يعني هذا أن الإنسان ينبغي عليه أن يتتبع رخص المذاهب كلها، والموفق من وفقه الله.
٤) الأولى في العبادة القصد والملازمة، لا المبالغة المفضية إلى الترك كما جاء في الحديث «المنبتّ- أي المجد في السير- لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» .
стр. 124
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟» فقلت: بلى يا رسول الله. قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإنّ لزورك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله، فشدّدت فشدّد عليّ» . قلت: يا رسول الله إني أجد قوة، قال:
«فصم صيام نبيّ الله داود ﵇ ولا تزد عليه» . قلت: وما كان صيام نبيّ الله داود ﵇؟ قال: «نصف الدهر» . فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ . «١»
٥) التنبيه على شدة رغبة الصحابة في العبادة وطلبهم الازدياد من الخير، وترى العجب العجاب عند ما تقرأ سيرهم وترى قدر اجتهادهم في فعل جميع أنواع الطاعات.
٦) مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي، والإنكار على الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم، تحريضا له على التيقظ.
стр. 125
٧) جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المباهاة والتعاظم، وكل امرئ أعلم بحقيقة نفسه.
٨) بيان أن لرسول الله ﷺ رتبة الكمال الإنساني لأنه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأولى بقوله «أعلمكم» وإلى الثانية بقوله: «أتقاكم» .
٩) رحمة النبي ﷺ وشفقته على أمته، فقد كان يخفف عليهم ويأمرهم بما يطيقون من الأعمال، والأمثلة على ذلك كثيرة والحمد لله وهي مشهورة من قوله وفعله.
فمن قوله هذا الحديث السابق" كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون.."
وأيضا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق.
ومن فعله أنه ﷺ ما خيّر بين أمرين إلا أختار أيسرهما، ونظائر هذا في السنة كثير.
١٠) منزلة النبي العظيمة عند الله ﵎ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
стр. 126
* والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه
قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ال عمران/ ١٣٥]
قال الشيخ أحمد فرح عقيلان ﵀:
ومن صفات المتقين: أنهم قد يقعون في الذنوب، أو يظلمون أنفسهم ببعض المعاصي لكن أنفسهم اللوامة وضمائرهم الحية تردهم حالا إلى التوبة النصوح، فيذكرون الله، ويستغفرون ربهم، ويندمون على الذنب ويقلعون عنه، ويتبعون السيئة الحسنة فتمحوها، فتغسل التوبة الحوبة، وتجبّ التوبة ما قبلها، ويبدل الله سيئاتهم حسنات لأنهم لجؤوا إلى رحاب الله الكريم، واثقين أنه ﷻ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [الشورى/ ٢٦] وما أجمل الاستفهام البليغ في قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ؟ إنه استفهام يفيد النفي، فما للذنوب من يغفرها، ولو كانت كالجبال إلا الله؟!
стр. 127
ومن كرم الله تعالى، أنه لا يكتفي بمغفرة ذنب التائب المستغفر المخلص في توبته، بل إنه يبدل سيئاته حسنات، ويفرح بتوبة عبده فرحة من أضل راحلته في صحراء وعليها زاده، ثم لما أعياه البحث إذا هي واقفة عند رأسه وعليها كامل زاده.
وبعد أن وعد الله هؤلاء التائبين الجنة، ختم الايات ختاما في غاية البلاغة بقوله: ونعم أجر العاملين" ليظل التائبون مواصلين للعمل الصالح بعد توبتهم، مستمرين في سلوك سبيل الهدى، إذ لا يكفي من التائب أن يتوب، ثم يعيش على الأماني بل لا بد من المضي قدما في طاعة ربه، وشكره على ما أكرمه به من قبول توبته يقول الله جل وعلا:
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [طه/ ٨٢] . «١» اهـ
وإذا علمنا أن رسول الله ﷺ والذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يتوب ويستغفر عشرات المرات كل يوم وليلة كان ذلك دافعا قويا، وسببا عظيما يدعونا إلى التوبة والاستغفار، والرجوع إلى الله
стр. 128
الواحد القهار، كيف لا وهذا هو حال رسولنا وحال نبينا محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» «١»
عن الأغرّ المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة» «٢»
إن المسلم في حياته بأمس الحاجة إلى الاستغفار من الذنوب التي يرتكبها في أعماله وتصرفاته، وما من مسلم إلا وهو معرض لارتكاب الذنوب والمعاصي صغيرة كانت أم كبيرة.
ومن فضل الله على عباده أن جعل لهم طريقا للرجوع عن الذنب، ويسر لهم سبل التوبة والاستغفار من الذنوب جميعا، وليست التوبة والاستغفار قاصران على بعض الذنوب دون بعض، بل إن الله تعالى يقبل التوبة من جميع المعاصي، ويغفر كل الذنوب بشرط صحة التوبة والاستغفار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على يسر هذه الشريعة الغرّاء، وعظم رحمة ومغفرة الله تعالى.
стр. 129
أسأل الله ﵎ أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرّنا وما أسررنا وما أعلنّا وما هو أعلم به منا، اللهم امين.
* ما يستفاد من الحديث:
١- المداومة على الاستغفار:
لقد أمر الله نبيه بالاستغفار فقال: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء/ ١٠٦] وقال تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر/ ٣] وأمر الله جل وعلا عباده المؤمنين بذلك فقال عز من قائل: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل/ ٢٠] .
وبين ﵊ محبة الله للمستغفرين فقال ﷺ :
«والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» «١»
وإذا كان رسول الله ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر من هديه أن يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، فكيف بغيره من المؤمنين المقصرين.
стр. 130
٢- دفع إشكال في استغفار النبي ﷺ وهو معصوم
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي ﷺ وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية.
وأجيب بعدة أجوبة منها: قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادا في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير. اهـ
وهذا ما يؤيده قوله ﷺ لعائشة ﵂: «أفلا أكون عبدا شكورا» . فعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا» .
وفي هذا العمل منه ﷺ تشريع لأمته بملازمة الاستغفار والإنابة إلى الواحد القهار.
стр. 131
* بعض فوائد الاستغفار:
١) حصول المغفرة من رب العالمين
، قال تعالى:
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[النساء/ ١١٠] .
٢) أنه سبب لسعة الرزق
قال نوح ﵊:
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً [نوح/ ١٠، ١٢] .
٣) أنه سبب لدفع المصائب ورفع البلايا
، فالمصيبة تنزل في كثير من الأحيان بذنب، فإذا أحدث العبد استغفارا وتوبة نصوحا ترفع المصيبة بإذن الله كما قال تعالى:
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً
стр. 132
٤) الحفظ من عذاب الله أو رفع العذاب
كما قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال/ ٣٣] .
٥) دخول الجنة
الذي وعد به رسول الله ﷺ كما في سيد الاستغفار ﷺ : «ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة» .
فالعبد بحاجة دائما إلى عون الله ورحمته مهما قدم من الأعمال الصالحة، وفي الاستغفار إثبات العجز عن الكمال في الطاعة والقربات. «١»
٦) أن يتذكر المسلم دور الاستغفار في تهذيب النفس
وتطهيرها وتزكيتها.
وأن يدرك أنه يكون سببا في تفريج أي هم أو كرب.
وأن يعلم أنه يكون سببا في بركة العمر أو الأجل.
стр. 133
- واقعية هذا الدين:
إذ ينظر الإنسان لا على أنه ملك، بل على أنه بشر يخطئ ويصيب، ودواء هذا الخطأ إنما يكون بالتوبة والاستغفار.
- اهتمام الإسلام بالجانب الروحي في الإنسان:
وذلك بتشريع ما يغذيه ويقويه، عكس المذاهب البشرية القائمة الان، التي أغفلت الروح من حسابها، فصارت الحياة أشبه بغابة ممتلئة بالوحوش والحيوانات المفترسة، والسيادة أو الغلبة فيها للأقوى. «١»
* استغفروا ربكم
قال رسول الله ﷺ : «٢»
«إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال:
باستغفار ولدك لك» .
«طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا» .
«كل بني ادم خطاء، وخير الخطائين التوابون» .
«ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله تعالى فيها مائة مرة» .
«من أحبّ أن تسرّه صحيفته، فليكثر فيها من الاستغفار» .
стр. 134
«يا معشر النساء تصدّقن وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال تعالى:
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ال عمران/ ١٠٤] .
قال السعدي ﵀:
أي: وليكن منكم أيها المؤمنون الذين منّ الله عليهم بالإيمان، والاعتصام بحبله أمة أي: جماعة يدعون إلى الخير وهم اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه ويأمرون بالمعروف وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه وينهون عن المنكر وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه. وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه.
ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون لتفقد أحوال الناس
стр. 135
وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج، وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد المكاييل والموازين، وتفقد أهل الأسواق، ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه الاية الكريمة في قوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ.. إلخ.
أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة، ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به، فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم ومساعدة النواب ومعاونتهم على تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين ولهذا قال تعالى عنهم: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالمطلوب الناجون من المرهوب. اهـ
стр. 136
ومن هنا يتضح للمسلم خطورة العزوف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه يترتب عليه جميع الخير المذكور في هذه الاية وغيرها وعكسه كذلك، لذلك شدد النبي ﷺ على إحياء هذه الشعيرة، وحذر بيمينه أننا إن لم نقم بهذه الفريضة فنحن معرضين للعذاب الشديد، وهذا ما نراه ظاهرا في هذا الموقف.
عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» «١»
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل عمله، لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد.
стр. 137
وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعزّ على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم.
فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسدّ هذه الثلمة، إما متكفلا بعملها أو متقلّدا لتنفيذها، مجدّدا لهذه السّنّة الدائرة، ناهضا بأعبائها ومتشمّرا في إحيائها كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنّة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدّا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها. «١»
* ما يستفاد من الحديث:
ماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
المعروف هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيشمل الاعتقاد من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر ونحوها.
стр. 138
ويشمل العبادات، والنظم والتشريعات، ويشمل الأخلاق، وسمي معروفا لأن الفطر المستقيمة، والعقول السليمة تعرفه، وتشهد بخيره وصلاحه.
ومعنى الأمر بالمعروف: الدعوة إلى فعله والإتيان به، مع الترغيب فيه، وتمهيد أسبابه وسبله بصورة تثبت أركانه، وتوطد دعائمه، وتجعله السمة العامة للحياة جميعا.
والمنكر: اسم جامع لكل ما يبغضه الله ولا يرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فيشمل الشرك بكل ألوانه وصوره، ويشمل الأمراض القلبية من الرياء والحقد والعداوة والبغضاء ونحوها.
فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
١) السلامة من العقاب الإلهي، والظفر برضوان الله وجنته، إذ يقول سبحانه فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف/ ١٦٥] .
стр. 139
٢) حماية الأرض من أن تتحول إلى بؤرة من الشر والفساد الذي يصعب معه تحقيق معنى العبودية لله ، إذ يقول سبحانه:
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة/ ٢٥١] .
٣) إقامة الحجة على المصرين والمعاندين، قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء/ ١٦٥] .
٤) للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثره التشريعي في حراسة جميع الشؤون العامة والخاصة في الأمة.
عواقب التقصير في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
١- التعرض للغضب والسخط الإلهي في الدنيا المتمثل في اللعن والطرد من رحمة الله مع التباغض والفرقة.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة، فنهاه الناهي تعزيرا، فإذا كان من الغد جالسه وواكله، وشاربه، كأنه لم يره على
стр. 140
خطيئة بالأمس، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض على لسان دواد وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على أيدي المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم» «١»
٢- تمكن الباطل وسيادته، الأمر الذي يؤدي إلى أن تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد.
٣- إعطاء الكسالى والمصرين من الناس المبرر للقعود، بدعوى أنهم لم يجدوا من يرشدهم ويأمرهم، وينهاهم ويدلهم على الله.
٤- فقدان الناس لمعنى الأمن في أنفسهم:
بل وفي أهليهم، وذويهم وأموالهم الأمر الذي يؤدي إلى الكسل والتواني بل والقعود عن أداء الواجب وقد أشار الحديث إلى كل هذه
стр. 141
العواقب في قوله ﷺ : «أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» .
* العوامل التي تساعد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
١- تذكر أنه أمر الله ورسوله، ولا يسع المسلم الصادق أمام أمر الله ورسوله إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا.
٢- النظر في الفوائد المترتبة على القيام به.
٣- دوام النظر في الكتاب والسنة لمعرفة مصير الأمم التي أعرضت عن القيام بهذا الواجب، وحسن عقبى الأمم التي قامت بهذا الواجب.
٤- دوام المطالعة لتاريخ الأمة الإسلامية للوقوف على مدى عناية هذه الأمة بهذا الواجب، وعدم توانيها أو تقصيرها فيه لحظة واحدة إلى عهد قريب جدا، ونظام الحسبة خير شاهد على ذلك.
٥- اليقين بأن هذا الواجب لن يقصر من عمر أو يضيع من رزق، كما أن القعود عنه لن يطيل من عمر أو يزيد في رزق،
стр. 142
فإن الاجال والأرزاق بيد الله ، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها.
٦- مجاهدة النفس لتتحلى بشروط واداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر الذي ييسر على النفس سبيل القيام بهذا الواجب من دون تقصير ودون توان.
* اعتماد أسلوب التخويف من العاقبة في التربية:
وهذا واضح في الحديث وفي القران الكريم، فإن مادة الإنذار تكررت في القران الكريم نحوا من مائة وعشرين مرة.
* عظم منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له منزلة عظيمة عند الله ورسوله، حتى إن الله ليغضب على المقصرين فيه، المتهاونين به، غضبا يتمثل في إنزال العقاب بهم، وعدم إجابة الدعاء لهم إذا هم دعوه. «١»
стр. 143
يا حنظلة! ساعة وساعة
الإسلام دين واقعي لا يحلّق في أجواء الخيال والمثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع، ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ولكنه يعاملهم بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
لذلك لم يفرض على الناس- ولم يفترض فيهم- أن يكون كل كلامهم ذكرا وكل صمتهم فكرا، وكل سماعهم قرانا، وكل فراغهم في المسجد، وإنما اعترف بهم وبفطرتهم وغرائزهم التي خلقهم الله عليها، وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون ويضحكون ويلعبون، كما خلقهم يأكلون ويشربون.
ولقد بلغ السمو الروحي ببعض أصحاب النبي ﷺ مبلغا ظنوا معه أنه الجد الصارم، والتعبد الدائم لا بد أن يكون ديدنهم، وأن عليهم أن يديروا ظهورهم لكل متاع الحياة، وطيبات الدنيا، فلا يلهون، ولا يلعبون بل تظل أبصارهم وأفكارهم متجهة إلى الاخرة ومعانيها بعيدة عن الحياة ولهوها. «١»
стр. 144
وسترى في هذا الموقف كيف أنه ﷺ صحح تلك المفاهيم، وفي نفس الوقت أكّد على الحقيقة التي يجب أن تغرس في النفوس وهي فضل الذكر، وفضل الإخلاص لله رب العالمين، وذلك بقوة اليقين وكذا صدق الالتجاء إلى الركن الركين جل وعلا، وأقسم أن الإنسان لو ظل على هذه الحالة لصافحته الملائكة لشدة اليقين والإيمان الذي عنده، وإلى الموقف النبوي الكريم.
عن حنظلة الأسيديّ ﵁ قال: - وكان من كتّاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة! قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنة، حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» قلت: يا رسول الله! نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ما تكونون عندي،
стр. 145
وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة» ثلاث مرات «١»
إن في جنس الإنسان جانبا لا بد من مراعاته، وحاجة- غير حاجته إلى الجد والانضباط- لا بد من إشباعها، وأداء حقها، وإلا كانت النتيجة هي الفشل التام، والعجز والقعود المطلق عن أنه يحصل القليل الأقل في باب الجد والعمل.
ذلك الجانب هو الاستجمام والترويح والترفيه.
إن المواظبة على الحزم والجد في كل حال شاقة على النفس، وتورث الملل والضيق ذلك لأن النفس مجبولة على المراوحة بين الأشياء.
فهي تنتقل من عمل إلى اخر، ومن قول إلى قول، وتختلف فيما بين الجد والفكاهة، وتجد راحتها في عمل ما ترغب في القيام به، ولا تكاد تتقنه حتى تمله، وتبحث عن عمل اخر، ولا تزال مصغية إلى قول معين، فإذا ملّت طلبت حديثا من نوع اخر.