العواقب في قوله ﷺ : «أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» .
* العوامل التي تساعد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
١- تذكر أنه أمر الله ورسوله، ولا يسع المسلم الصادق أمام أمر الله ورسوله إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا.
٢- النظر في الفوائد المترتبة على القيام به.
٣- دوام النظر في الكتاب والسنة لمعرفة مصير الأمم التي أعرضت عن القيام بهذا الواجب، وحسن عقبى الأمم التي قامت بهذا الواجب.
٤- دوام المطالعة لتاريخ الأمة الإسلامية للوقوف على مدى عناية هذه الأمة بهذا الواجب، وعدم توانيها أو تقصيرها فيه لحظة واحدة إلى عهد قريب جدا، ونظام الحسبة خير شاهد على ذلك.
٥- اليقين بأن هذا الواجب لن يقصر من عمر أو يضيع من رزق، كما أن القعود عنه لن يطيل من عمر أو يزيد في رزق،
стр. 142
فإن الاجال والأرزاق بيد الله ، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها.
٦- مجاهدة النفس لتتحلى بشروط واداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر الذي ييسر على النفس سبيل القيام بهذا الواجب من دون تقصير ودون توان.
* اعتماد أسلوب التخويف من العاقبة في التربية:
وهذا واضح في الحديث وفي القران الكريم، فإن مادة الإنذار تكررت في القران الكريم نحوا من مائة وعشرين مرة.
* عظم منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له منزلة عظيمة عند الله ورسوله، حتى إن الله ليغضب على المقصرين فيه، المتهاونين به، غضبا يتمثل في إنزال العقاب بهم، وعدم إجابة الدعاء لهم إذا هم دعوه. «١»
стр. 143
يا حنظلة! ساعة وساعة
الإسلام دين واقعي لا يحلّق في أجواء الخيال والمثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع، ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ولكنه يعاملهم بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
لذلك لم يفرض على الناس- ولم يفترض فيهم- أن يكون كل كلامهم ذكرا وكل صمتهم فكرا، وكل سماعهم قرانا، وكل فراغهم في المسجد، وإنما اعترف بهم وبفطرتهم وغرائزهم التي خلقهم الله عليها، وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون ويضحكون ويلعبون، كما خلقهم يأكلون ويشربون.
ولقد بلغ السمو الروحي ببعض أصحاب النبي ﷺ مبلغا ظنوا معه أنه الجد الصارم، والتعبد الدائم لا بد أن يكون ديدنهم، وأن عليهم أن يديروا ظهورهم لكل متاع الحياة، وطيبات الدنيا، فلا يلهون، ولا يلعبون بل تظل أبصارهم وأفكارهم متجهة إلى الاخرة ومعانيها بعيدة عن الحياة ولهوها. «١»
стр. 144
وسترى في هذا الموقف كيف أنه ﷺ صحح تلك المفاهيم، وفي نفس الوقت أكّد على الحقيقة التي يجب أن تغرس في النفوس وهي فضل الذكر، وفضل الإخلاص لله رب العالمين، وذلك بقوة اليقين وكذا صدق الالتجاء إلى الركن الركين جل وعلا، وأقسم أن الإنسان لو ظل على هذه الحالة لصافحته الملائكة لشدة اليقين والإيمان الذي عنده، وإلى الموقف النبوي الكريم.
عن حنظلة الأسيديّ ﵁ قال: - وكان من كتّاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة! قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنة، حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» قلت: يا رسول الله! نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على ما تكونون عندي،
стр. 145
وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة» ثلاث مرات «١»
إن في جنس الإنسان جانبا لا بد من مراعاته، وحاجة- غير حاجته إلى الجد والانضباط- لا بد من إشباعها، وأداء حقها، وإلا كانت النتيجة هي الفشل التام، والعجز والقعود المطلق عن أنه يحصل القليل الأقل في باب الجد والعمل.
ذلك الجانب هو الاستجمام والترويح والترفيه.
إن المواظبة على الحزم والجد في كل حال شاقة على النفس، وتورث الملل والضيق ذلك لأن النفس مجبولة على المراوحة بين الأشياء.
فهي تنتقل من عمل إلى اخر، ومن قول إلى قول، وتختلف فيما بين الجد والفكاهة، وتجد راحتها في عمل ما ترغب في القيام به، ولا تكاد تتقنه حتى تمله، وتبحث عن عمل اخر، ولا تزال مصغية إلى قول معين، فإذا ملّت طلبت حديثا من نوع اخر.
стр. 146
ولعل هذا التحول في النفس هو الذي يعنيه الرسول ﷺ من خلال هذا التوجيه لصحابته كما في الحديث السابق.
* ما يستفاد من الحديث
١- فعل الإنسان متوسط بين عالم الملائكة وعالم الشياطين:
قال الشيخ الأبّي ﵀ عقب هذا الحديث:
سنة الله تعالى في عالم الإنسان أن فعله متوسط بين عالم الملائكة وعالم الشياطين، فمكّن الملائكة من الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكّن الشياطين من الشر والإغواء بحيث لا يغافلون، وجعل عالم الإنسان متلونا، وإليه أشار صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه بقوله: «ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» «١» .
والرواية الثانية لمسلم- ﵀ لحديث حنظلة ﵁ أوضح ما يكون وأدقّ في الدلالة على جبلية الترويح في النفس الإنسانية مهما حاول الإنسان الانفلات من إنسانيته وطبيعته البشرية.
стр. 147
قال حنظلة: كنا عند رسول الله ﷺ فوعظنا فذكر النار، قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقيت أبا بكر.. الحديث.
فإقراره ﷺ لتلون نفس حنظلة ﵁ وتقلّبها بين مجالات الجسد وأنماط العبادات من جهة، وبين متطلبات النفس من مرح وانبساط من جهة أخرى؛ اعتراف شرعي ودليل سماوي على اعتبار الترويح والترفيه من كمالات النفس ولوازمها الأساسية لأداء حقوق الخالق والمخلوق بإيقاع ثابت مستمر على ممر الأيام.
٢- عدل الشريعة الإسلامية وكمالها:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه لهذا الحديث:
وهذا من عدل الشريعة الإسلامية وكمالها، أن الله له حق فيعطى حقه ، وكذلك للنفس حق فتعطى حقها، وللأهل حق فيعطون حقوقهم، وللزوار والضيوف حق فيعطون حقوقهم، حتى يقوم الإنسان بجميع الحقوق التي عليه على وجه الراحة، ويتعبد الله براحة، لأن الإنسان إذا أثقل على نفسه وشدد عليها تعب وملّ، وأضاع حقوقا كثيرة.
٣- والتنويع بين المطالعات أمر مهم:
стр. 148
فإذا طلب الإنسان العلم ورأى في نفسه مللا في مراجعة كتاب ما فلينتقل إلى كتاب اخر، وإذا رأى من نفسه مللا من دراسة فن معين فإنه ينتقل إلى دراسة فن اخر، وهكذا يريح نفسه، ويحصل علما كثيرا.
أما إذا أكره نفسه على الشيء حصل له من الملل والتعب ما يجعله يسأم وينصرف إلا ما شاء الله فإن بعض الناس يكره نفسه على المراجعة والمطالعة والبحث مع التعب، ثم يأخذ على ذلك ويكون هذا أمرا دائما له، ويكون ديدنا له. «١»
٤- ينبغي للعبد مراقبة نفسه وتفقد أحوالها:
وهذا ظاهر من فعل أبي بكر وحنظلة ﵄، فلقد ذهبا إلى النبي ﷺ يشكوان له ما ظنا أنه نفاق حتى جلّى لهم الحبيب ﷺ الأمور.
وهكذا يجب على المسلم أن يراقب نفسه في جميع الأحوال في يسرها وعسرها، وفي منشطها ومكرهها، ويجاهدها حتى تستقيم على
стр. 149
دين الله تعالى، كما قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [الشمس/ ٩- ١٠] .
٥- يجوز قول سبحان الله عند التعجب من شيء:
وهذا واضح في الحديث، فلقد استغرب أبو بكر ﵁ كثيرا من كلام حنظلة ﵁، كيف يتهم نفسه بالنفاق؟ فسبح الله تعالى!
وكذلك ينبغي للمرء أن يرد ما في نفسه من تعجب أو انبهار أو تردد أو تذمر إلى الله سبحانه، لا كما يفعل بعض الناس في البلاد التي انتشرت فيها صور الشرك من أضرحة يطاف حولها وغير ذلك، ترى بعضهم إذا ما تعجب من أمر قال ما ينبئ عن معتقده الرديء فتراه يردد أسماء بعض من يسمون بالأولياء وكأنه يستغيث بهم بل فعلا هي استغاثة فتراه يقول يا (بدوي) أو يا (دسوقي) أو يا (رفاعي) وهكذا فالله المستعان وعليه التكلان.
٦- ينبغي للعالم أن يكون حكيما في معالجة الأمور:
فأنت ترى النبي ﷺ لم ينهر ولم يزجر حنظلة ﵁ عند ما قال له ما قال، بل سأله واستفسر منه بتأن فقال: «وما ذاك؟» فلم يحكم عليه
стр. 150
مباشرة بما تستحقه هذه اللفظة، بل وقف على الحقيقة أولا ثم بين ما التبس عليهم.
٧- قلوب العباد تتغير من حال إلى حال:
نعم، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والقلوب أشد تقلّبا من غليان الماء في القدر.
فعلى المسلم ألايركن إلا إلى الله، ويسأل الله الثبات على كل، فلقد كان النبي ﷺ أكثر ما يدعو به قوله: «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك» .
وهاهم الصحابة رضوان الله عليهم، الواحد منهم ينكر قلبه أحيانا، ويذهب إلى طبيب القلوب ﷺ حتى يداوي جراحه، ويلملم أتراحه. فالقلب عند الموعظة في حال، وفي الصلاة في حال، وفي النوائب في حال، وفي الرخاء في حال وكذا في الشدة، والمكره والمنشط، فيا مثبت الإيمان ثبّت إيماننا، ويا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك.
стр. 151
ترهيب الزوجة من هجرها لفراش زوجها
لقد تضافرت الجهود العدائية ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان، ومن أشد هذه الهجمات الشرسة التي تريد النيل من شباب الأمة هذه اللوثة الفكرية، والحملة الفضائية التي تبث سمومها في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي.
حتى إن هذه الدشوش التي تبث إلينا الإعلام الغربي، والبرامج المنحلّة دمرت كثيرا من العقول التي يفترض لها أن تكون حصنا للأمة الإسلامية ضد أعدائها، حتى إن المرء أحيانا لا يكاد يفرق بين بعض الشباب والفتيات للتخنث الذي أصاب بعضهم والعياذ بالله تقليدا لهذا الغرب الكافر الملحد.
فالشهوات صارت هي الغاية عند فئة ليست بالقليلة من أبناء المجتمع الإسلامي، وتعرف هذه الحقيقة إذا ما رأيت وتأمّلت تلك الفئات وهي عاكفة حول شاشات هذه الأطباق الفضائية التي تدمر ولا تبني، فهي تهدم الأخلاق الحسنة جملة وتفصيلا، وتكسو من يعكف عليها القحة ومرذول الأخلاق جميعا.
стр. 152
فمن هنا كان على المرأة المسلمة التي رزقها الله بزوج أن تحافظ عليه، وأن تحاول جاهدة في غض طرفه عن الحرام وذلك بتمكينه مما أحل الله له حتى لا يسقط في مهب هذه الرياح الهوجاء، وعندها لا ينفع الندم.
فمن أجل هذا وغيره حذر النبي ﷺ المرأة المسلمة أن تهجر فراش زوجها لهذه العلة وغيرها ورهبها من مغبة هذا العصيان الاثم بقوله فانصتي أخيتي إلى كلام النبي ﷺ حتى تتجنبي العذاب واللعن من الملائكة ومغبة هذا اللعن هو الطرد من رحمة الله والعياذ بالله.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» «١»
وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» «٢»
المرأة المؤمنة الحصيفة العاقلة إذا ما تغير طبعها، وأرادت أن تهجر فراش زوجها، وتمتنع وتأبى عليه، فما عليها إلا أن تذكر لعنة الملائكة «١» ) مسلم: كتاب النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها، رقم (٣٥٢٥)(٣٥٢٦) (نووي/ ١٠/ ٢٤٩) .
стр. 153
التي تؤمن بها، وقبل ذلك عليها أن تستشعر غضب وسخط الذي في السماء ، فإن ذلك يزجرها، ويهيئها لطاعة زوجها، فإنه جنتها ونارها، فلتنظر أين هي من ذلك.
ويمكن أيضا أن يقال إن هناك أمورا تغضب الرجل أكثر من امتناع زوجته عليه، فعلى المرأة التقية أن تتجنب ذلك، وترجع عن كل ما يؤذي زوجها، وإلا فما الذي يؤمّنها سخط الله تعالى ولعنة الملائكة إياها والعياذ بالله.
* ما يستفاد من الحديث:
١- اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله:
معنى لعن الملائكة أنها تدعو على هذه المرأة باللعنة، واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإذا دعاها إلى فراشه ليستمتاع بها بما أذن الله له فيه فأبت أن تجيء، فإنها تلعنها الملائكة- والعياذ بالله- أي تدعو عليها باللعنة إلى أن تصبح.
٢- غضب الله تعالى على الهاجرة لفراش زوجها:
واللفظ الثاني: أنها إذا هجرت فراش زوجها، فإن الله تعالى يغضب عليها حتى يرضى عنها الزوج، وهذا أشد من الأول، لأن
стр. 154
الله تعالى إذا سخط فإن سخطه أعظم من لعنة الإنسان، نسأل الله العافية.
٣- الله يغضب حتى يرضى الزوج:
قال ﷺ : «إلا الذي كان في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» أي الزوج، وهناك قال: «حتى تصبح» .
أما هنا: فعله برضى الزوج، وهذا قد يكون أقل، وقد يكون أكثر، يعني ربما يرضى الزوج عنها قبل طلوع الفجر، وربما لا يرضى إلا بعد يوم أو يومين، المهم ما دام الزوج ساخطا عليها فإن الله ساخط عليها.
وفي هذا دليل على عظم حق الزوج على زوجته، ولكن هذا في حق الزوج القائم بحق الزوجة، أما إذا نشز ولم يقم بحقها، فلها الحق أن تقتصّ منه وألا تعطيه الحق كاملا، لقوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل/ ١٢٦] .
لكن إذا كان الزوج مستقيما قائما بحقها فنشزت هي وضيعت حقه فهذا جزاؤها إذا دعاها إلى فراشه فأبت أن تأتي.
стр. 155
٤- الله في السماء فوق عرشه، فوق سبع سموات:
في هذا الحديث: دليل صريح لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من أن الله في السماء هو نفسه جل وعلا، فوق عرشه، فوق سبع سموات، وليس المراد بقوله في السماء في ملكه في السماء، بل هذا تحريف للكلم عن مواضعه.
هذه جارية أمة مملوكة في عهد النبي ﷺ أراد سيدها أن يعتقها، فقال النبي ﷺ : «ادعها» فجاءت الجارية، فقال لها النبي ﷺ : «أين الله؟» قالت: الله في السماء. قال: «من أنا» قالت: أنت رسول الله، قال لسيدها: «اعتقها فإنها مؤمنة» .
المهم: أن من عقيدتنا التي ندين الله بها أن الله فوق كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وأنه على العرش استوى، وأن العرش على السموات مثل القبة، كأنه قبة، أي: خيمة مضروبة على السموات والأرض، والسموات والأرض بالنسبة للعرش ليست بشيء.
فهذه عقيدتنا التي نسأل الله تعالى أن نموت عليها ونبعث عليها، هذه العقيدة التي يعتقدها أهل السنة والجماعة بالاتفاق. «١»
стр. 156
٥- وجوب طاعة الزوجة لزوجها:
خاصة إذا دعاها لفراشه ولم يكن بها عذر، لأن أقوى الأمور التي تشوّش على الرجل داعية النكاح، ولذلك حضّ الشارع الحكيم النساء على مساعدة الرجل في ذلك، لغض بصره، وحفظ فرجه.
ما يباح به دم المسلم
من الضروريات التي جاء الدين بالمحافظة عليها، والعناية بها حفظ النفس، ومن ثم أوجب العناية بتوفير كل ما تتحقق به حمايتها وبقاؤها.
قال تعالى:
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء/ ٢٩]
وقال تعالى:
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام/ ١٥١]
وقال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ
стр. 157
جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة/ ٣٢]
وغير ذلك من الايات كثير في كتاب الله تعالى أما إذا كان في بقاء هذه النفس فساد الدين، أو إزهاق الأنفس الكثيرة، فيتعين حينئذ الخلاص منها تقديما للمصلحة الأعظم على المصلحة الأدون، وللمصلحة الأعم على المصلحة الأخص.
وهناك حالات ذكرها المعصوم ﷺ تبيح دم المسلم وتحلّها، وهي من الخطورة بمكان، لذلك حذّر النبي ﷺ بمفهوم المخالفة من بقاء هذه الفئات تسعى على وجه الأرض، وحض على الخلاص منها نشرا لكلمة الله، وتحقيقا للأمن والأمان بين المسلمين.
عن عبد الله قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «والذي لا إله غيره! لا يحل دم رجل مسلم يشهد ألاإله إلا الله، وأني رسول الله، إلا ثلاثة نفر: التارك الإسلام، المفارق للجماعة أو الجماعة- شك فيه أحمد- والثيّب الزاني، والنفس بالنفس» «١»
стр. 158
الإسلام ينشد مجتمعا طاهرا امنا خاليا من الفواحش والمنكرات والموبقات المهلكات، يأمن فيها المسلم على نفسه وأهله وماله ودينه، ويحيا حياة الطهر والعفاف، ويعيش هادئ النفس، مطمئن القلب، مرتاح البال.
وما ذكره الحبيب ﷺ باستحلال دماء من ذكرهم في الحديث إذا خلت منهم الأرض عمّ ما ذكرته انفا من الأمن والرخاء، وصفاء العقيدة وغير ذلك من مظاهر السعادة والسرور.
* ما يستفاد من الحديث:
١- حرمة دم المسلم:
وهذا ظاهر من قوله وقسمه ﷺ : «والذي لا إله غيره! لا يحل دم رجل مسلم يشهد ألاإله إلا الله، وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر ... » فما دام أن المسلم قد استقام على دينه ولم يقع فيه هذه الموبقات التي تسفك دمه فيجب الحفاظ عليه، والحذر ثم الحذر من قتله أو سفك دمه لأن الله نهى عن ذلك أشد النهي فقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [النساء/ ٩٣]
стр. 159
فهل سمعنا عن مثل هذا العقاب الإلهي لأي كبيرة مهما عظمت إلا في هذا الموطن؟
وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً. إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان/ ٦٨- ٧٠]
ومن قتل يقتل، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة/ ١٧٩] .
٢- قتل التارك لدينه المفارق للجماعة:
قال النووي: وهذا عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام.
قال العلماء: ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي أو غيرهما، وكذا الخوارج والله أعلم.
стр. 160
واعلم أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه، فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصدا إلا في هذه الثلاثة والله أعلم. اهـ
٣- الزاني الثيب يقتل رجما:
لحديث عمر ﵁ قال: " إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه اية الرجم فقرأتها، وعقلتها، ووعيتها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف: وقد قرأتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" متفق عليه.
والايات والأحاديث في الزجر عن الزنى كثيرة جدا تنظر في مظانها.
٤- القاتل عمدا يقتل إذا لم يعف عنه أولياء الدم:
لقوله تعالى:
стр. 161
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ [البقرة/ ١٧٨]
قال السعدي ﵀:
بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: ولكم في القصاص حياة أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رؤي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر.
فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل لم يحصل انكفاف الشر الذي يحصل بالقتل وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، وذكر (الحياة) لإفادة التعظيم والتكثير. اهـ
стр. 162
لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا
... رأيت الجنة والنار تأمل وتفكر في أهل الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل، ومحفوفة بالغلمان والولدان، مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن الياقوت والمرجان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، امنات من الهرم، مقصورات في الخيام، ثم يطاف عليهم وعليهن بأكواب وأباريق وكأس من معين بيضاء لذة للشاربين ويطوف عليهم خدام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون، في مقام أمين في جنات وعيون في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم، لا يرهقهم قتر ولا ذلة بل عباد مكرمون، وبأنواع التحف من ربهم يتعاهدون، فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يخافون فيها ولا يحزنون وهم من ريب المنون امنون، فهم يتنعمون ويأكلون من أطعمتها ويشربون من أنهارها لبنا وخمرا وعسلا.
стр. 163
فيا عجبا ممن يؤمن بدار هذه صفتها، ويوقن بأنه لا يموت أهلها، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها، كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها، ويهنأ بعيش دونها.
والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها وألايؤثر عليها ما التصرم والتنغّص من ضرورته، كيف وأهلها ملوك امنون وفي أنواع السرور متمتعون، لهم فيها ما يشتهون وهم بفناء العرش يحضرون، وإلى وجه الله الكريم ينظرون. اهـ «١»
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنة والنار» «٢»
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « ... والذي نفس محمد بيده، لقد أدننيت الجنة مني حتى لو بسطت يدي لتعاطيت من قطوفها، ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم، حتى رأيت فيها امرأة من حمير تعذّب في هرة ربطتها فلم
стр. 164
تدعها تأكل من خشاش الأرض، فلا هي أطعمتها ولا هي سقتها حتى ماتت، فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت وإذا ولّت تنهش أليتها ... » «١»
وفي رواية للبخاري قال رسول الله ﷺ : «.... إني رأيت الجنة، فتناولت عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع.» «٢»
يحذرنا الإمام الغزالي من النار التي راها النبي ﷺ ويصفها ﵀ بقوله: فأسكنوا- أي أهل النار- دارا ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم منها فكاك.
قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها، ويصيحون في نواحيها وأطرافها، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود.
стр. 165
فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان، ولا خروج لكم من دار الهوان، فاخسأوا فيها ولا تكلمون، ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون، فعند ذلك يقنطون، وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون، ولا ينجيهم الندم، ولا يغنيهم الأسف، بل يكبون على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم، فهم غرقى في النار، طعامهم نار، وشرابهم نار، ولباسهم نار، ومهادهم نار، فهم بين مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وضرب المقامع، وثقل السلاسل، فهم يتجلجلون في مضايقها، ويتحطمون في دركاتها، ويضربون بين غواشيها، تغلى بهم النار كغلي القدور، ويهتفون بالويل والعويل وهم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون. اهـ «١»
* ما يستفاد من الحديث:
١- خطورة أمر الجنة والنار:
وهذه الفائدة تظهر لنا من قول رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده!» فهذا قسم شديد على نفس الصالحين، وتلك الشدة، وهذا الهمّ الكبير في هذا القسم يتضح لنا فيما جاء بعد هذا القسم
стр. 166
من قوله ﷺ : «لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» فاهتم لذلك الصحابة، وثارت شجونهم فسارعوا بالسؤال: وما رأيت يا رسول الله؟
ما هذا الذي رأيته يجعلنا نقلّ من الضحك، ونكثر من البكاء لأجله!! فقال لهم النبي ﷺ : «رأيت الجنة والنار»
إذا، فأمر الجنة والنار يجب أن تهتم له النفس التوابة الأوابة، فشأنهما والله خطير وهذا يتضح فيما يأتي.
٢- صورة من نعيم الجنة:
وهذه الصورة التي تأخذ بلبّ عباد الله الصالحين هي التي ذكرها حبيب الله ﷺ بقوله: «والذي نفس محمد بيده، لقد أدنيت الجنة مني حتى لو بسطت يدي لتعاطيت من قطوفها» .
وهذا مما يزيد يقين المسلم بنعيم الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيعمل لها، ويأخذ بالأسباب لدخولها.
ووصف النبي ﷺ هذا النعيم الأبدي وجلّاه لنا بقوله: «إني رأيت الجنة فتناولت عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» .
стр. 167
٣- صورة من عذاب النار والعياذ بالله:
نسأل الله العافية منها قال ﷺ : «ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم» .
ولقد رأى النبي ﷺ امرأة تعذّب في النار في هرة ربطتها فلم تدعها تأكل حتى ماتت، فكان عقابها أن تصلى نارا ذات لهب، لا تموت فيها ولا تحيا.
ووصف النبي ﷺ منظر هذه النار بقوله: «وأريت النار، فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع..» .
وهذه الصورة من أقلّ وأخفّ الصور والمناظر في عذاب جهنم، فلقد سمعنا أخبارها، التي تشيب من هولها الرؤوس، وتتقطع من أحوالها أفئدة عباد الله الصالحين.
دع التفكير فيما أنت مرتحل عنه:
قال الغزالي ﵀:
يا أيها الغافل عن نفسه، المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة على الانقضاء والزوال، دع التفكير فيما أنت مرتحل عنه، واصرف الفكر إلى موردك، فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع، إذ
стр. 168
قيل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مريم/ ٧١، ٧٢]
فأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه. اهـ «١»
معجزة للنبي ﷺ وعلم من أعلام نبوته:
وهذه المعجزة الباهرة ظاهرة من دنوّ الجنة له ﷺ وأيضا دنوّ النار، وجميع ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا الخبر من المعجزات الباهرات والتي هي علم من أعلام نبوته.
إذ مد يده إلى قطف من قطوف الجنة وتناوله ولو أخذه لكان ما أخبر به، ورأى المرأة تعذّب في النار، ورأى أخا بني الدعداع يدفع بعصا ذات شعبتين في النار، ورأى فيها صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاجّ بمحجنه متكئا على محجنه في النار يقول: أنا سارق الحجيج، وهذا ثابت في هذا الحديث نفسه الذي عند النسائي.
стр. 169
الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان:
هذا الحديث وغيره كثير من الأدلة الدامغة والقاطعة على أن الجنة والنار مخلوقان الان.
قال ابن القيم ﵀:
لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته، مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة، وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى اخرهم فإنهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها..
ولهذا يذكر السلف في عقائدهم: أن الجنة والنار مخلوقتان. اهـ «١»
شفقة النبي ﷺ ورحمته بأمته:
قال ﷺ : «ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم» وهذا يدل على رحمته وشفقته على أمته في الدنيا والاخرة ف ﷺ .
стр. 170
وإني والله! لأنظر إلى حوضي الان
قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر]
قال الجزائري حفظه الله:
هذه الايات الثلاث مختصة برسول الله إذ هو المخاطب بها وأنها تحمل طابع التعزية لرسول الله ﷺ فقد روي أنه لما مات ابن النبي ﷺ القاسم قال العاص بن وائل السهمي بتر محمد أو هو أبتر، أي: لا عقب له بعده فأنزل الله تعالى هذه السورة تحمل الرد على العاص والتعزية للرسول ﷺ والبشرى له ولأمته بالكوثر الذي هو نهر في الجنة حافتاه من الذهب ومجراه على الدرر والياقوت وتربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج.
ومن الكوثر يملأ الحوض الذي في عرصات القيامة ولا يرده إلا الصالحون من أمته ﷺ .
فقوله تعالى: إنّا أعطينك أي: خصصناك بالكوثر الذي هو نهر في الجنة من أعظم أنهارها مع الخير الكثير الذي وهبه الله تعالى لك من النبوة والدين الحق ورفع الذكر والمقام المحمود. اهـ
стр. 171
والكوثر هو النهر الذي يصب في الحوض فهو مادة الحوض قاله ابن حجر في الفتح وهذا الحوض من خصائص نبينا ﵊ ومكرماته في الاخرة ولقد ورد أن لكل نبي حوضا، وجاء في الصحيح أنه ﷺ أخبر بوجود الحوض الان ومن هذا ما أقسم عليه في هذا الحديث، وذلك لعظم شأن الحوض، وأهمية تعريف الأمة به، حتى يأخذوا بأسباب الورود عليه.
عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ خرج يوما فصلّى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني، والله! لأنظر إلى حوضي الان، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله! ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها» «١»
عن أسماء بنت أبي بكر: قال رسول الله ﷺ : «إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول: يا رب! مني ومن أمّتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله! ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم» .
стр. 172
قال: فكان ابن مليكة يقول: اللهم! إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن عن ديننا. «١»
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: «إني على الحوض، أنتظر من يرد عليّ منكم، فوالله! ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي ربّ! مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم» «٢»
وعن أبي ذرّ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! ما انية الحوض؟ قال:
«والذي نفس محمد بيده! لانيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية، انية الجنة من شرب منها لم يظمأ اخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل» «٣»
стр. 173
في يوم القيامة، يوم الطامة، يوم الحاقة، يوم القارعة، يوم تشيب فيه رؤوس الولدان، يوم ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
في هذا اليوم العصيب يبعث الناس من قبورهم عطاشى فالشمس فوق الرؤوس قدر ميل، والعرق قد سال من الناس حتى لو أن السفن أجريت في هذا العرق لجرت.
ففي هذا اليوم، يوم العطش والمسكنة والجوع ترى العناية الإلهية بأهل التقوى والإيمان والاتباع للنبي ﷺ أظهر ما تكون في هذا اليوم شديد الحرّ والزحام، حتى إن البعض من أهل الموقف يتمنى الانطراف ولو إلى النار من هول هذا الموقف الرهيب.
يظهر النبي ﷺ وهو واقف على الحوض، يرد عليه أتباعه يشربون من حوضه ماء أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأعذب من كل عذب، يشربون فيرتوون، فيذهب عنهم الظمأ المحموم، وعطش المكلوم، فترى الناس تكاد تنقطع أعناقهم التي مالت من العطش، أما الذين لم يبدّلوا ولم يغيّروا ولم يرتدّوا على أعقابهم قد علتهم نضرة
стр. 174
الريّ من حوض الحبيب ﷺ ، فاللهم امنن علينا بفضلك في هذا اليوم العظيم.
* ما يستفاد من الأحاديث:
١- وجوب الإيمان بحوض النبي ﷺ وهو الحوض المورود:
ومن أنكر ذلك فهو فاسق مبتدع، وقد نفته المعتزلة، والأحاديث الصحيحة حجة عليهم.
قال القاضي عياض ﵀: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة.. وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرات، وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا. اهـ «١»
٢- خلاصة صفة الحوض كما في الأحاديث الصحيحة:
قال العلامة ابن أبي العز الحنفي ﵀ في الطحاوية:
стр. 175
والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وفي بعض الأحاديث: أنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع، وأنه ينبت في خلاله من المسك والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر.
فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء.
وقد ورد: أن لكل نبي حوضا، وأن حوض نبينا ﷺ أعظمها وأحلاها وأكثرها واردا. جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. اهـ «١»
٣- اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا:
رسول الله ﷺ يقف على الحوض يتقدمنا هناك، ينتظر أتباعه وأصحابه الذين طالما نصروه واووه، وفدوه بأرواحهم، وبالغالي والنفيس، يقل الحبيب ﷺ ينتظر الذين اتبعوه وآمنوا به ولم يروه، يتلهف لسقيا الذين تمنوا رؤيته في هذا اليوم العظيم، وفي هذا المقام الكبير، يتطلع النبي ﷺ وهو على حوضه المورود إلى أمته فإذ به ﷺ
стр. 176
يفاجأ بما يسوؤه ... يرى أناسا يؤخذون ويردّون من على الحوض فيشفق الحبيب ﷺ على هؤلاء فينادي، يا رب! يا رب! منّي ومن أمتي!
فهذا شيء غير متوقّع أن يحجز من أمة النبي ﷺ أحد يرد على الحوض ولكنه الردّ الحاسم، الردّ الذي يظهر الحقيقة في هذا اليوم، الردّ الذي يميّز بين الحق والباطل في هذا اليوم العظيم، فأما الزبد فيذهب جفاء، ينادي النبي ﷺ فيقول: «أي رب! أصيحابي، أصيحابي» فيأتي الردّ للنبي ﷺ : (والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم)
وفي رواية: (إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم)
وفي رواية: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)
عندئذ يجيب النبي ﷺ ويقول: «سحقا سحقا لمن بدّل بعدي»
فاللهم إنا نعوذ بك أن نبدّل، أو نغيّر، أو نرجع على أعقابنا.
٤- معجزة وعلم من أعلام النبوة:
стр. 177
وهذا ظاهر من قوله ﷺ : «وإني والله! لأنظر إلى حوضي الان، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض» .
٥- زهد النبي ﷺ :
يقول النبي ﷺ : «وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض» ومع ذلك نرى منه الإعراض التام عن الدنيا وزينتها، فلم تكن في قلبه يوما ما، بل حذر منها، وحذّر منها في عشرات الأحاديث الصحيحة والثابتة عنه ﷺ ، وصور زهده وإعراضه عن الحياة والزهد العظيم فيها شيء قد استفاض عنه وعلم به القاصي والداني، وشهد له بذلك الأعداء أنفسهم.
٦- الحذر من الدنيا وزخارفها:
قال ﷺ : «وإني والله! ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها»
وقد كان ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأين هذا الذي أعرض عن الدنيا ولم ينافس فيها- إلا من رحم الله- حتى جعلها إلهه ومعبوده شعر بذلك أولم يشعر.
فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم امين.
стр. 178
٧- من شرب من الحوض لن يظمأ بعد ذلك أبدا:
قال ﷺ : «فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا» وقال أيضا في حديث اخر: «من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا»
وتلك منّة من الله تعالى، وفضل منه عظيم، على أمة النبي ﷺ في هذا اليوم شديد الكرب والهول، أن يسقى أتباع النبي ﷺ في هذا الحر والقيظ الشديد، فتبرد جوارحهم، وتلين أعضاؤهم، وتترطب أشداقهم، فلا يقاسون ما يقاسيه الاخرون من شدة العطش، ويبس الشفاه، وتقطيع الأمعاء، فاللهم اسقنا من حوض نبينا ﷺ شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدا. اللهم امين.
٨- ليرج كل عبد أن يكون في جملة الواردين، وليحذر التمني الكاذب:
يقول الإمام الغزالي في الإحياء:
فليرج كل عبد أن يكون في جملة الواردين، وليحذر أن يكون متمنيا ومغترا وهو يظن أنه راج، فإن الراجي للحصاد من بثّ البذر، ونقّى الأرض، وسقاها الماء، ثم جلس يرجو فضل الله بالإنبات، ودفع الصواعق إلى أوان الحصاد.
стр. 179
فأما من ترك الحراثة أو الزراعة وتنقية الأرض وسقيها وأخذ يرجو من فضل الله أن ينبت له الحب والفاكهة فهذا مغتر ومتمنّ وليس من الراجين في شيء.
وهكذا رجاء أكثر الخلق وهو غرور الحمقى، نعوذ بالله من الغرور والغافلة فإن الاغترار بالله أعظم من الاغترار بالدنيا قال تعالى: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان/ ٣٣] . اهـ «١»
٩- من هم المطرودون عن الحوض المبعدون عنه ؟
يقول الإمام القرطبي في التذكرة:
قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشرهم طردا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون.
стр. 180
وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفّون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، ثم البعد قد يكون في حال ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد.
وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء يعرفون به ثم يقال لهم سحقا، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يظهرون الإيمان ويسرّون الكفر فيأخذهم بالظاهر، ثم يكشف لهم الغطاء فيقول لهم: سحقا سحقا، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد مبطل ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. وقد يقال: إن من أنفذ الله عليه وعيده من أهل الكبائر إنه وإن ورد الحوض وشرب منه فإنه إذا دخل النار بمشيئة الله تعالى لا يعذب بعطش والله أعلم.
اهـ «١»