المائلة «١» ، لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» «٢» .
[١٢٣] عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك إن طالت بك مدّة أن ترى قوما فى أيديهم مثل أذناب البقر يغدون فى غضب الله ويروحون فى سخط الله» «٣» .
[١٢٤] عن ابن عمر- رضى الله عنهما- عن النّبىّ ﷺ قال:
«خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا فى غار فى جبل، فانحطّت عليهم صخرة. قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، فقال أحدهم: اللهمّ إنّى كان لى أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى ثمّ أجئ فأحلب فأجئ بالحلاب، فاتى به أبوىّ فيشربان، ثمّ أسقى الصّبية وأهلى وامرأتى، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما والصّبية يتضاغون «٤» عند رجلى، فلم يزل ذلك دأبى ودأبهما حتّى طلع الفجر.. اللهمّ إن كنت تعلم أنّى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنّا فرجة نرى منها السّماء. قال: ففرج عنهم، وقال الاخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّى كنت أحبّ امرأة من بنات عمّى كأشدّ ما يحبّ الرّجل النّساء، فطلبت إليها فأبت حتّى اتيها بمائة دينار، فسعيت فيها حتّى جمعتها «٥» فلمّا قعدت بين رجليها قالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلّا
стр. 107
بحقّه فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أنّى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنّا فرجة. قال: ففرج عنهم الثّلثين. وقال الاخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّى استأجرت أجيرا بفرق «١» من ذرة فأعطيته، وأبى ذاك أن يأخذ فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتّى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثمّ جاء فقال: يا عبد الله أعطنى حقّى فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنّها لك. فقال: أتستهزئ بى! قال: فقلت ما أستهزئ بك، ولكنّها لك، اللهمّ إن كنت تعلم أنّى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج فكشف عنهم» «٢» .
[١٢٥] عن جابر قال: «حججنا مع رسول الله- ﷺ فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة» «٣» .
[١٢٦] عن جابر قال: «ذبح رسول الله- ﷺ عن عائشة بقرة يوم النّحر» «٤» .
[١٢٧] عن معاذ بن جبل قال: «بعثنى رسول الله- ﷺ إلى اليمن وأمرنى أن اخذ من البقر، من كلّ أربعين مسنّة، ومن كلّ ثلاثين تبيعا أو تبيعة «٥» » «٦» .
стр. 108
[١٢٨] عن ابن عمر عن النّبىّ ﷺ قال: «لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة «١» ، ليلزمنّكم الله مذلّة فى رقابكم، لا تنفكّ عنكم حتّى تتوبوا إلى الله، وترجعوا على ما كنتم عليه» «٢» .
[١٢٩] عن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ :
«لا عقر «٣» فى الإسلام» قال عبد الرّزّاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة «٤» أو شاة «٥» .
(د) ما ورد فى البهائم:
[١٣٠] عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما- فى حديث له- أنّ النّبىّ ﷺ قال: «لم ينقص قوم المكيال والميزان، إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلّا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا» «٦» .
[١٣١] وعن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ : «أمر أن تحدّ الشّفار، وأن توارى عن البهائم، وقال: إذا ذبح أحدكم فليجهز» «٧» .
[١٣٢] عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما رجل
стр. 109
يسوق بقرة له قد حمل عليها، فالتفتت إليه البقرة فقالت: إنى لم أخلق لهذا، ولكنّى إنما خلقت للحرث!» .
فقال الناس: سبحان الله تعجبا وفزعا! أبقرة تكلّم؟! فقال رسول الله ﷺ : «فإنى أومن به وأبو بكر وعمر» «١» .
[١٣٣] عن أبى واقد اللّيثى- رضى الله عنه- قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وبها ناس: يعمدون إلى أليات «٢» الغنم، وأسنمة الإبل:
يجبّونها «٣» ، فقال: «ما قطع من البهيمة- وهى حيّة- فهو ميتة) «٤» .
[١٣٤] حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس، فيما قرئ عليه، عن سمىّ مولى أبى بكر، عن أبى صالح السّمّان، عن أبى هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشى بطريق، اشتدّ عليه العطش.
فوجد بئرا فنزل فيها فشرب. ثمّ خرج، فإذا كلب يلهث «٥» يأكل الثّرى «٦» من العطش. فقال الرّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الّذى كان بلغ منّى، فنزل البئر فملأ خفّه ماء، ثمّ أمسكه بفيه «٧» حتّى رقى. فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له» قالوا: يا رسول
стр. 110
الله! وإنّ لنا فى هذه البهائم لأجرا؟ فقال: «فى كلّ كبد رطبة أجر» «١» .
[١٣٥] عن ميمونة قالت: «كانت النبى- ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمرّ بين يديه لمرّت» «٢» .
[١٣٦] عن عاصم بن لقيط عن أبيه وافد بنى المنفق- وقال عبد الرّزّاق: المنتفق- أنّه انطلق هو وصاحب له إلى النّبىّ ﷺ فلم يجداه فأطعمتهما عائشة تمرا وعصيدة «٣» ، فلم نلبث أن جاء النّبىّ ﷺ يتقلّع «٤» يتكفّأ فقال: «أطعمتهما؟» قلنا: نعم، قلت: يا رسول الله أسألك عن الصّلاة، قال: «أسبغ الوضوء، وخلّل الأصابع، وإذا استنشقت فأبلغ إلّا أن تكون صائما» قلت: يا رسول الله إنّ لى امرأة، فذكر من بذائها، قال: «طلّقها» قلت: إنّ لها صحبة وولدا، قال:
«مرها أو قل لها فإن يكن فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربك أميّتك» فبينا هو كذلك إذ دفع الرّاعى الغنم فى المراح على يده سخلة فقال: «أولدت؟» قال: نعم، قال: «ماذا؟» قال: بهمة.
قال: «اذبح مكانها شاة ثمّ أقبل علىّ» «٥» .
стр. 111
باب التاء
أولا: التبيع. (ولد البقرة) . (مع البقر) .
ثانيا: التّتفل. (ولد الثعلب) . (مع الثعلب) .
ثالثا: التّنّين.
стр. 112
[باب التاء]
١- التنين
(أ) التنين فى اللغة:
التنين: حيوان أسطورى يجمع بين الزواحف والطير يقال: له مخالب أسد ونسر، وذنب أفعى. ويعد التنين من أشهر الحيوانات الأسطورية، والتى تتخذ منها الأساطير الشعبية مادة خصبة للإثارة.
(ب) طبائع التنين:
والتنين فى الأصل: الأفعى العظيمة، وتتميز مناطق الشرق بوجود الأفاعى المميتة الكبيرة، فى بلاد الكلدان واشور والفينيقيين، والتى تعتبر مصدرا للشر، ولذلك اقترن التنين بالشر أيضا، ويلاحظ ذلك بصفة خاصة فى مصر.. ويرتبط التنين فى مصر بالأسطورة اليونانية عن «أوديب» ملك طيبة، وتقول الرواية: إنه عندما وصل «أوديب» إلى طيبة وجد الناس يتحدثون عن وحش خرافى يقطع الطريق على المارة، وهناك من يقول بأن هذا الوحش هو التنين، فصمم «أوديب» على قتله ليخلص الناس من شره ... إلخ.
أما فى الصين، فيعتبرون التنين مصدرا للخير والبركة، وكان رسم التنين- إلى وقت قريب- شعارا للعائلة المالكة فى الصين، ولقد لعب دورا هاما فى الفنون والزخارف الصينية..
وللتنين ذكر فى العديد من المصادر العربية، فذكره الدميرى فى «حياة الحيوان الكبرى» وذكر أن كنيته (أبو مرداس) ، وذكر أيضا أن النبى موسى ﵇ كان قد حارب التنين بعصا عندما ظهر فى طريقه.. وقال الجاحظ فى «الحيوان» «١» :
«ولم يزل أهل البقاع يتدافعون أمر التنين، ومن العجب أنك تكون فى مجلس وفيه
стр. 113
عشرون رجلا، فيجرى ذكر التنين، فينكره بعضهم، وأصحاب التثبت يدعون العيان» «١» اهـ ... وذكره أيضا القزوينى والمسعودى وغيرهم..
حقيقة التنين:
ولكن.. ما هى حقيقة التنين؟!
إن وجود ذكر له فى الأساطير والحكايات القديمة عند المصريين والأشوريين والبابليين والهنود وغيرهم، بل والعرب أيضا، يدل على أن له أصلا!! ..
قال الدكتور صباح محمود محمد «٢» : «فى الواقع إن التنين ظاهرة مناخية، أى تدخل ضمن ما يسمى بعلم المناخ أو الأرصاد الجوية، باعتبار أن التنين ما هو إلا تلك الرياح المدمرة والتى تسمى بالأعاصير أو العواصف الدوارة.. ويمكن أن نلتمس حقيقة ما ذكرناه من أن التنين نوع من أنواع الأعاصير المدمرة، مما ذكره بعض الرحالة والمؤرخين، فقد أشار المسعودى إلى ذلك فقال: «وقد اختلف الناس فى التنين: فمنهم من رأى أنه ريح سوداء تكون فى قعر البحر، فتظهر إلى النسيم وهو الجو- فتحلق السحب كالزوبعة فى الهواء ذاهبة الصعداء، توهم الناس أنها حيات سود، وقد ظهرت من البحر، لسواد السحاب، وذهاب الضوء وقد أوردت كلام المسعودى بالنص لأن تفسيره أقرب إلى الحقيقة» اهـ.
وإليك ما جاء فى الحديث الشريف عن التنين:
[١٣٧] عن أبى سعيد قال دخل رسول الله ﷺ مصلّاه فرأى ناسا كأنّهم يكتشرون قال: «أما إنّكم لو أكثرتم ذكر هادم اللّذّات لشغلكم عمّا أرى الموت، فأكثروا، من ذكر هادم اللّذّات الموت، فإنّه لم يأت على القبر يوم إلّا تكلّم فيه، فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الواحدة، وأنا بيت التّراب، وأنا بيت الدّود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا أما إن كنت لأحبّ من يمشى على
стр. 114
ظهرى إلىّ فإذ ولّيتك اليوم وصرت إلىّ فسترى صنيعى بك، قال:
فيتّسع له مدّ بصره، ويفتح له باب إلى الجنّة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال القبر: لا مرحبا ولا أهلا، أما إن كنت لأبغض من يمشى على ظهرى إلىّ فإذ ولّيتك اليوم وصرت إلىّ فسترى صنيعى بك، قال: فيلتئم عليه حتّى تلتقى عليه وتختلف أضلاعه، قال: قال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها فى جوف بعض قال ويقيّض الله له سبعين تنّينا لو أنّ واحدا منها نفخ فى الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدّنيا، فينهشنه ويخدشنه حتّى يفضى به الحساب. قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّما القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار» «١» .
[١٣٨] عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : «ليسلّط على الكافر فى قبره تسعة وتسعون تنّينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن تنينا منها نفخ فى الأرض ما نبتت خضراء» «٢» .
стр. 115
٢- التّيس
التيس: الذكر من المعز، والظّباء، والوعول إذا أتى عليه حول، والجمع:
تيوس، وأتيس، وأتياس.
وانظره مع الأغنام، والمعاعز.
ما ورد فيه من الحديث الشريف:
[١٣٩] عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: هو المحلّل لعن الله المحلّل والمحلّل له» «١» .
[١٤٠] عن عكرمة مولى ابن عباس، زعم أن ابن عباس أخبره أن النبى ﷺ قسّم غنما يوم النحر فى أصحابه، وقال: «اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزئ عنكم» ، فأصاب سعد بن أبى وقاص تيس «٢» .
[١٤١] عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جىء به إلى النبى ﷺ ، رجل قصر أعضل «٣» ، ليس عليه رداء فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى. فقال رسول الله ﷺ «فلعلّك؟!» قال: لا «٤» ..
والله إنه قد زنى الاخر «٥» . قال: فرجمه.. ثم خطب فقال: «ألا كلما
стр. 116
نفرنا غازين «١» فى سبيل الله، خلف أحدهم «٢» له نبيب كنبيب التيس «٣» ، يمنح أحدهم الكثبة «٤» .. أما والله إن يمكنّى من أحدهم لأنكّلنّه عنه «٥» » «٦» .
стр. 117
[باب الثّاء]
١- الثعلب
الثعلب فى اللغة:
الثعلب من الفصيلة الكلبية، ورتبته اللواحم. والأنثى ثعلبة، والجمع ثعالب وأثعل، والثّعلبان: الثعلب الذكر. وكنية الثعلب: أبو الحصين.
وثعالة: اسم للثعلب، ويقال: أرض مثعلة: أى كثيرة الثعالب.
ويقال فى الأمثال: «أروغ من ثعالة» ، قال الشاعر:
والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعالة
كما قيل:
كلّهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة!
وقالوا: «أذلّ ممّن بالت عليه الثعالب!» .
(ب) طبائع هذا الحيوان:
الثعلب سبع جبان مستضعف، ذو مكر وخديعة، ولكنه لفرط الخبث والخديعة يجرى مع كبار السباع!
ومن حيلته فى طلب الرزق أنه يتماوت، وينفخ بطنه، ويرفع قوائمه حتى يظن أنه قد مات! فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده، ولكن حيلته هذه يعرفها كلب الصيد ويكشف أمره فلا يتركه يفلت من يديه!
قيل للثعلب: ما لك تعدو أكثر من الكلب؟
قال: لأنّنى أعدو لنفسى، والكلب يعدو لغيره.
قال الجاحظ: ومن أشد سلاح الثعلب عندهم الرّوغان، والتماوت؛ وسلاحه سلحه (فضلاته) فإن سلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى!
قالت العرب: «أدهى وأنتن من سلاح الثعلب!!» .
стр. 118
وقال الجاحظ أيضا: ومن العجب فى قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزنابير فيأكلها، والزنبور يصيد النحلة فيأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها!
ومن طريف ما يحكى عنه أن البراغيث إذا كثرت فى صوفه، تناول صوفة منه بفيه، ثم يدخل النهر قليلا قليلا، والبراغيث تصعد فرارا من الماء حتى تجتمع فى الصوفة التى فى فيه، فيلقيها فى الماء ثم يهرب!
وفروه أفضل الفراء، ومنه الأبيض والأسود.
(ج) الأحكام الفقهية:
اختلف الفقهاء فى حل أكله على قولين:
القول الأول: وهو للشافعية، وبعض المالكية، ورواية عن الحنابلة، قالوا: إن أكله مباح، لأنه لا يتقوى بنابه، ولأنه من الطيبات، كما أنه يفدى فى الحرم والإحرام لمن صاده والفدية لا تكون إلا عن حيوان برى مأكول.
ويضيف بعض المالكية إلى ذلك أنه ليس داخلا فى المحرمات المذكورة فى اية الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ... [الأنعام الاية: ١٤٥] .
القول الثانى: وهو للأحناف، وفريق اخر من المالكية والرواية المشهورة عن الحنابلة قالوا: «إن أكل لحم الثعلب حرام؛ لأنه من السباع حيث إن له نابا يتقوى به، فيدخل فى عموم أدلة النهى عن أكل السباع» .
(د) ما جاء فى الحديث النبوى عن الثعلب:
[١٤٢] عن أبى هريرة قال: «كنّا قعودا حول رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر، فى نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا، فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغى رسول الله ﷺ حتّى أتيت حائطا للأنصار، لبنى النّجار، فدرت به هل أجد له بابا، فلم أجد، فإذا ربيع يدخل فى جوف حائط من بئر
стр. 119
خارجة- والربيع الجدول- «١» فاحتفزت «٢» كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول الله ﷺ فقال: «أبو هريرة؟» فقلت: نعم يا رسول الله، فقال: ما شأنك؟ فقمت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أوّل من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائى!! فقال: يا أبا هريرة- وأعطانى نعليه، وقال: اذهب بنعلى هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط «٣» يشهد ألاإله إلا الله مستيقنا بها قلبه- فبشره بالجنّة» . فكان أوّل من لقيت عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثنى بهما من لقيت يشهد ألاإله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة. قال: فضرب عمر بيده بين ثديىّ «٤» فخررت لاستى «٥» فقال: ارجع يا أبا هريرة فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت «٦» بكاء وركبنى عمر «٧» فإذا هو على أثرى فقال لى رسول الله ﷺ : «مالك يا أبا هريرة؟» قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذى بعثتنى به، فضرب بين ثديىّ ضربة خررت لاستى فقال: ارجع. قال رسول الله ﷺ : يا عمر ما حملك على ما فعلت؟
قال: يا رسول الله بأبى أنت وأمى «٨» ، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقى يشهد ألاإله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشّره بالجنة؟ قال: نعم. قال:
стр. 120
فلا تفعل فإنى أخشى أن يتكل النّاس عليها؛ فخلّهم يعملون. قال رسول الله ﷺ «فخلّهم» «١» .
[١٤٣] عنّ حبّان بن جزء، عن أخيه خزيمة بن جزء قال: قلت:
يا رسول الله جئتك لأسألك عن أحناش الأرض «٢» ، ما تقول فى الثّعلب؟ قال: «ومن يأكل الثّعلب» «٣» ؟ قلت: يا رسول الله! ما تقول فى الذّئب؟ قال: «ويأكل الذّئب أحد فيه خير؟» «٤» .
[١٤٤] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- نهانا رسول الله ﷺ فى الصلاة عن ثلاثة: «نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب» «٥» .
[١٤٥] عن الحسن عن سمرة عن النبى ﷺ «مثل الذى يفر من الموت كالثعلب تطلبه الأرض بدين، فجعل يسعى حتى إذا أعيا، وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب دينى دينى! فخرج فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات!» «٦» .
стр. 121
٢- الثّور
هو الذكر من البقر، وانظر البقر.
ما ورد فى الثور من الحديث الشريف:
[١٤٦] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: «أرسل ملك الموت إلى موسى- ﵉ فلمّا جاءه صكّه «١» ، فرجع إلى ربّه فقال: أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت، فردّ الله عليه عينه وقال:
ارجع فقل له يضع يده على متن «٢» ثور فله بكلّ ما غطّت به يده بكلّ شعرة سنة، قال: أى ربّ ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ الموت، قال: فالان، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر قال: قال رسول الله ﷺ فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطّريق عند الكثيب الأحمر» «٣» .
[١٤٧] عن عبد الله قال: «كنّا مع النّبىّ فى قبّة فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟ قلنا نعم. قال: والّذى نفس محمّد بيده إنّى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنّة؛ وذلك أنّ الجنّة لا يدخلها إلّا نفس مسلمة، وما أنتم فى أهل الجنة؛ وذلك أن الجنّة لا يدخلها إلّا نفس مسلمة، وما أنتم فى أهل
стр. 122
الشّرك إلّا كالشّعرة البيضاء فى جلد الثّور الأسود أو كالشعرة السّوداء فى جلد الثّور الأحمر» «١» .
[١٤٨] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أنّ النّبىّ ﷺ قال:
«أوّل من يدعى يوم القيامة ادم، فتراءى ذرّيّته. فيقال: هذا أبوكم ادم، فيقول لبّيك وسعديك فيقول: أخرج بعث جهنّم من ذرّيّتك فيقول: يا ربّ كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كلّ مائة تسعة وتسعين.
فقالوا: يا رسول الله إذا أخذ من كلّ مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى منا؟ .. قال: إنّ أمّتى فى الأمم كالشّعرة البيضاء فى الثّور الأسود» «٢» .
[١٤٩] عن أبى أسماء أنّ ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدّثه قال:
كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر «٣» من أحبار اليهود فقال:
السّلام عليك يا محمّد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها. فقال: لم تدفعنى؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله! فقال اليهودىّ: إنّما ندعوه باسمه الّذى سمّاه به أهله. فقال رسول الله ﷺ : «إن اسمى محمّد الّذى سمّانى به أهلى» فقال اليهودىّ: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ : «أينفعك شىء إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذنى. فنكت رسول الله ﷺ بعود معه «٤» . فقال: «سل» فقال اليهودىّ: أين يكون النّاس يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسّماوات؟ فقال رسول الله
стр. 123
صلّى الله عليه وسلم: «هم فى الظّلمة دون الجسر «١» » قال: فمن أوّل النّاس إجازة «٢» ؟ قال: «فقراء المهاجرين» قال اليهودىّ: فما تحفتهم حين يدخلون الجنّة؟ قال: «زيادة كبد النّون» «٣» قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنّة الّذى كان يأكل من أطرافها» قال:
فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمّى سلسبيلا «٤» » قال:
صدقت. قال: وجئت أسألك عن شىء لا يعلمه أحد من أهل الأرض.
إلّا نبى أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدّثتك؟» قال أسمع بأذنىّ. قال جئت أسألك عن الولد؟ قال: «ماء الرّجل أبيض وماء المرأة أصفر. فإذا اجتمعا، فعلا منىّ الرّجل منىّ المرأة، أذكرا بإذن الله. وإذا علا منىّ المرأة منىّ الرّجل، انثا بإذن الله» قال اليهودىّ:
لقد صدقت. وإنّك لنبىّ. ثمّ انصرف فذهب.
فقال رسول الله ﷺ : «لقد سألنى هذا عن الّذى سألنى عنه.
وما لى علم بشىء منه. حتّى أتانى الله به» «٥» .
стр. 124
[باب الجيم]
١- الجراد
(أ) الجراد فى اللغة:
الجراد: فصيلة من الحشرات المستقيمات الأجنحة، واحده جرادة للذكر والأنثى.
وفى المثل: «ما أدرى أى الجراد عاره» .
يضرب للشىء يذهب ولا يوقف له على أثر!
والدّبى: الجراد قبل أن يطير، أو أصغر ما يكون من الجراد.
والجراد مشتق من الجرد، قال تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [سورة القمر اية: ٧]
والجراد إذا خرج من بيضه يقال له: الدّبى، فإذا طلعت أجنحته فهو الغوغاء، الواحدة غوغاة، وذلك حين يموج بعضه فى بعض، فإذا بدت فيه الألوان، واصفرت الذكور، واسودت الإناث سمى جرادا حينئذ.
(ب) طبائع الجراد:
قالوا فى الجراد: «خلقة عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه: وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيّل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجلا نعامة، وذنب حية» .
وللجرادة ستة أرجل: يدان فى صدرها، وقائمتان فى وسطها، ورجلان فى مؤخرها، وطرفا رجليها منشاران كما يقول الدميرى.
والجراد من الحيوان الذى ينقاد لرئيسه فيجتمع كالعسكر، إذا ظعن أوله (سار وطار) تتابع جميعه ظاعنا، وإذا نزل أوله نزل جميعه، ولعابه سم ناقع للنبات لا يقع على شىء منه إلا أهلكه!
стр. 125
(ج) الأحكام الفقهية:
أجمع المسلمون على إباحة أكله سواء مات بالاصطياد أو مات حتف أنفه.
وقال الجمهور: يحل أكل الجراد بدون تذكيته وهو الراجح لأن ما تحل ميتته لا تشترط تزكيته.
عود على بدء:
قالت العرب فى أمثالهم:
«تمرة خير من جرادة» .
و «أطيب من جرادة» .
و «جاء القوم كالجراد المنتشر» .
و «أجرد من الجراد» .
و «أغوى من غوغاء الجراد» .
وقالوا: «كالجراد لا يبقى ولا يذر» .
وقالوا: «أحمق من مجير الجراد» . وهو مدلج بن سويد الطائى، وكان من حديثه فيما ذكر ابن الأعرابى عن الكلبى أنه خلا ذات يوم فى خيمته، فإذا هو بقوم من طيئ ومعهم أوعيتهم فقال: ما خطبكم؟ قالوا: جراد وقع بفنائك، فجئنا لنأخذه، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وقال: والله لا يتعرض له أحد منكم إلا قتلته! أيكون فى جوارى، ثم تريدون أخذه؟ ولم يزل يحرسه حتى حميت عليه الشمس فطار، فقال: شأنكم الان به، فقد تحول عن جوارى!.
(د) وإليك ما جاء بشأنه فى الحديث الشريف:
[١٥٠] عن ابن أبى أوفى. رضى الله عنهما- قال: «غزونا مع النّبىّ ﷺ سبع غزوات- أو ستّا: كنّا نأكل معه الجراد» «١» .
[١٥١] عن سلمان قال: «سئل رسول الله- ﷺ
стр. 126
عن الجراد «١» فقال: «أكثر جنود الله. لا اكله ولا أحرّمه» «٢» .
[١٥٢] عن أنس بن مالك أن النّبىّ ﷺ كان إذا دعا على الجراد قال: «اللهمّ أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهها عن معايشنا وأرزاقنا إنّك سميع الدّعاء» فقال رجل: يا رسول الله كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟
قال: «إن الجراد نثرة الحوت «٣» فى البحر» «٤» .
[١٥٣] عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: «بينا أيّوب يغتسل عريانا، فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثى «٥» فى ثوبه، فناداه ربّه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عمّا ترى؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بى عن بركتك» «٦» .
[١٥٤] عن زيد بن أسلم أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال:
стр. 127
يا أمير، إنّى أصبت جرادات بسوطى وأنا محرم.. فقال له عمر: أطعم قبضة من طعام «١» .
[١٥٥] عن يحيى بن سعيد أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فسأله عن جرادات قتلها وهو محرم، فقال عمر لكعب: تعال حتى تحكم ... فقال كعب: درهم. فقال عمر لكعب: إنك لتجد الدراهم، لثمرة خير من جرادة «٢» .
[١٥٦] عن عطاء بن يسار أن كعب الأحبار أقبل من الشام فى ركب، حتى إذا كانوا ببعض الطريق وجدوا لحم صيد، فأفتاهم كعب بأكله.. فلما قدموا على عمر بالمدينة، وذكروا ذلك له، فقال: من أفتاكم بهذا؟ قالوا: كعب. قال: إنّى قد أمّرته عليكم حتى ترجعوا..
ثم لما كانوا ببعض طريق مكة مرّت بهم رجل «٣» من جراد، فأفتاهم كعب أن يأخذوه فيأكلوه.. فلما قدموا على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك. فقال: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال: هو من صيد البحر. قال: وما يدريك؟ قال: يا أمير المؤمنين، والذى نفسى بيده إن هى إلا نثرة حوت ينثره فى كل عام مرتين «٤» .
стр. 128
٢- الجمال (يرجع إلى الإبل)
الجمال جمع جمل، والجمل: الذكر من الإبل، أو زوج الناقة، وجمعه أيضا أجمال، وجمائل، وجمالات.
(د) وإليك ما جاء بشأن الجمال فى الحديث النبوى الشريف .
[١٥٧] قال ابن عمر- رضى الله عنهما- «اشترى النّبىّ- ﷺ جملا من عمر» «١» .
[١٥٨] وقال عبد الرحمن بن أبى بكر- رضى الله عنهما-:
«جاء مشرك بغنم فاشترى النّبىّ- ﷺ منه شاة واشترى من جابر جملا» «٢» .
[١٥٩] عن جرير قال: قال لى رسول الله ﷺ : «ألا تريحنى من ذى الخلصة- وهو نصب كانوا يعبدونه يسمى الكعبة اليمانية» قلت:
يا رسول الله إنى رجل لا أثبت على الخيل، فصكّ فى صدرى فقال:
«اللهم ثبّته واجعله هاديا مهديا» . قال: فخرجت عن خمسين من أحمس من قومى، فانطلقت فى عصبة من قومى فأتيتها فأحرقتها ثم أتيت النبى ﷺ فقلت: يا رسول الله، والله ما أتيتك حتى تركتها مثل
стр. 129
الجمل الأجرب، فدعا لأحمس وخيلها «١» » «٢» .
[١٦٠] عن جابر بن عبد الله- رضى الله عنهما- قال: كنت مع النّبىّ ﷺ فى غزاة فأبطأ جملى وأعيا «٣» فأتى علىّ النبى ﷺ فقال:
«جابر» فقلت: نعم.. قال: «ما شأنك؟» قلت: أبطأ علىّ جملى وأعيا فتخلفت، فنزل يحجنه بمحجنه، ثم قال: «اركب» فركبت فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله ﷺ قال: «تزوجت؟» .. قلت: نعم. قال:
«بكرا أم ثيبا؟» قلت: بل ثيبا. قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قلت: إن لى أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن. قال: «أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس» ثم قال: «أتبيع جملك؟» قلت: نعم، فاشتراه منى بأوقية، ثم قدم رسول الله ﷺ قبلى وقدمت بالغداة، فجئنا إلى المسجد، فوجدته على باب المسجد قال: «الان قدمت؟» قلت: نعم. قال: «فدع جملك فادخل فصلّ ركعتين» فدخلت فصليت، فأمر بلالا أن يزن له أوقية فوزن لى بلال فأرجح فى الميزان، فانطلقت حتى ولّيت فقال:
«ادع لى جابرا» قلت: الان يردّ علىّ الجمل ولم يكن شىء أبغض إلىّ منه. قال: «خذ جملك ولك ثمنه» «٤» .
стр. 130
[١٦١] عن أبى نضرة عن قيس قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذى صنعتم فى أمر علىّ أرأيا رأيتموه أو شيئا عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟
فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرنى عن النبى ﷺ قال: قال النبى ﷺ : «فى أصحابى اثنا عشر منافقا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل فى سمّ «١» الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدّبيلة «٢» ، وأربعة» لم أحفظ ما قال شعبة فيهم. «٣» .
[١٦٢] عن جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيّبه قال: فلحقنى النبى ﷺ فدعا لى وضربه فسار سيرا لم يسر مثله، قال: «بعنيه بوقيّة» قلت: لا، ثم قال: «بعنيه» فبعته بوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلى، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدنى ثمنه، ثم رجعت فأرسل فى أثرى فقال: «أترانى ماكستك لاخذ جملك، خذ جملك ودراهمك فهو لك» «٤» .
[١٦٣] عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف «٥» فطمثت فدخل علىّ
стр. 131
رسول الله ﷺ وأنا أبكى فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: والله لوددت أنّى لم أكن خرجت العام.. قال: «مالك، لعلك نفست» قلت: نعم.
قال: «هذا شىء كتبه الله على بنات ادم، افعلى ما يفعل الحاج غير ألاتطوفى بالبيت حتّى تطهرى» قالت: فلما قدمت مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «اجعلوها عمرة» فأحلّ النّاس إلا من كان معه الهدى، قالت: فكان الهدى مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وذوى اليسارة ثم أهلّوا حين راحوا. قالت: فلما كان يوم النحر طهرت فأمرنى رسول الله ﷺ فأفضت. قالت: فأتينا بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر، فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بحجة وعمرة، وأرجع بحجة؟
قالت: فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر فأردفنى على جمله. قالت: فإنى لأذكر وأنا جارية حديثة السن أنعس فتصيب وجهى مؤخرة الرحل، حتى جئنا إلى التّنعيم فأهللت فيها بعمرة جزاء بعمرة الناس التى اعتمروا» «١» .
[١٦٤] عن بريدة أن رجلا نشد فى المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر «٢» فقال النبى ﷺ : «لا وجدت.. إنّما بنيت المساجد لما بنيت له» «٣» .
стр. 132
[١٦٥] عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى دفعنا إلى حائط فى بنى النجار فإذا فيه جمل لا يدخل الحائط «١» أحد إلا شد عليه، فذكروا ذلك للنبى ﷺ فأتاه فدعاه فجاء واضعا مشفره «٢» على الأرض حتى برك بين يديه، فقال: «هاتوا خطاما» «٣» فخطمه ودفعه إلى صاحبه، ثم التفت، فقال: «ما بين السماء إلى الأرض أحد إلا يعلم أنى رسول الله إلا عاصى الجن والإنس» «٤» .
[١٦٦] عن جابر قال: خرجت مع النبى ﷺ فى سفر وكان لا يأتى البراز حتى يتغيب فلا يرى، فنزلنا بفلاة من الأرض ليس فيها شجر ولا علم «٥» ، فقال: «يا جابر اجعل فى إداوتك ماء، ثم انطلق بنا» .
قال: فانطلقنا حتى لا نرى، فإذا هو بشجرتين بينهما أربع أذرع، فقال:
«يا جابر انطلق إلى هذه الشجرة فقل: يقل لك رسول الله الحقى بصاحبتك حتى أجلس خلفكما» فرجعت إليها، فجلس رسول الله ﷺ خلفهما، ثم رجعتا إلى مكانهما، فركبنا مع رسول الله ﷺ ورسول الله بيننا كأنما علينا الطير تظلنا، فعرضت له امرأة معها صبى لها، فقالت: يا رسول الله: إن ابنى هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات، قال: فتناول الصبى فجعله بينه وبين مقدم الرحل، ثم قال:
«اخسأ عدو الله أنا رسول الله ﷺ » ثلاثا ثم دفعه إليها، فلما قضينا
стр. 133
سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا المرأة معها صبيها، ومعها كبشان تسوقهما، فقالت: يا رسول الله: اقبل منى هديته فو الذى بعثك بالحق ما عاد إليه بعد، فقال: «خذوا منها واحدا وردوا عليها الاخر» قال:
ثم سرنا ورسول الله ﷺ بيننا كأنما علينا الطير تظلنا، فإذا جمل نادّ حتى إذا كان بين سماطين «١» خر ساجدا، فجلس رسول الله ﷺ وقال على الناس: «من صاحب الجمل؟» فإذا فتية من الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول الله. قال: «فما شأنه؟» قالوا: استنينا عليه «٢» منذ عشرين سنة، وكانت به شحيمة، فأردنا أن ننحره فنقسمه بين غلماننا، فانفلت منا. قال: «بيعونيه» ، قالوا: بل هو لك يا رسول الله. قال: «أما لى فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله» . قال المسلمون عند ذلك: يا رسول الله نحن أحق بالسجود لك من البهائم، قال: «لا ينبغى لشىء أن يسجد لشىء، ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن» «٣» .
[١٦٧] عن عبد الله بن جعفر قال: أردفنى «٤» رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسرّ إلىّ حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل، قال:
فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبى ﷺ حنّ
стр. 134
وذرفت عيناه فأتاه النبى ﷺ فمسح ذفراه «١» فسكت، فقال: «من ربّ «٢» هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار، فقال:
لى يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقى الله فى هذه البهيمة التى ملّكك الله إياها فإنه شكا إلىّ أنك تجيعه وتدئبه «٣» » «٤» .
[١٦٨] عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يعمد أحدكم فى صلاته فيبرك كما يبرك الجمل» «٥» .
[١٦٩] عن يحيى «سمعت مالكا يقول: الأمر عندنا فيمن أصاب شيئا من البهائم أن على الذى أصابها قدر ما نقص من ثمنها. قال يحيى:
وسمعت مالكا يقول فى الجمل يصول على الرّجل «٦» فيخافه على نفسه فيقتله أو يعقره «٧» ؛ فإنه إن كانت له بينه، على أنه أراده وصال عليه فلا غرم عليه «٨» ، وإن لم تقم له بينة إلا مقالته، فهو ضامن للجمل» «٩» .
[١٧٠] عن عدى بن زيد قال: «حمى رسول الله ﷺ كلّ ناحية من المدينة بريدا بريدا: لا يخبط شجره ولا يعضد، إلا ما يساق به الجمل» «١٠» .
стр. 135
[١٧١] عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع رسول الله ﷺ هوازن، قال فبينما نحن نتضحى، وعامتنا مشاة فينا ضعفة، إذ جاء رجل على جمل أحمر فانتزع طلقا عن حقبه فقيّد به جمله رجل شاب، ثم جاء يتغدى مع القوم فلما رأى ضعفهم ورقة ظهرهم خرج إلى جمله فأطلقه ثم أناخه فقعد عليه، فخرج يركض وتبعه رجل من أسلم من صحابة النبى ﷺ على ناقة ورقاء، هى أمثل ظهر القوم فاتبعه، قال:
وخرجت أعدو فأدركته ورأس الناقة عند ورك الجمل، وكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته إلى الأرض اخترطت سيفى فأضرب به رأسه فندر فجئت براحلته وما عليها أقوده فاستقبلنى رسول الله ﷺ مقبلا، قال: «من قتل الرجل؟» قالوا: ابن الأكوع، قال:
«له سلبه أجمع» «١» .
стр. 136
٣- الجندب
والجندب: نوع من الجراد يصرّ ويقفز ويطير وجمعه جنادب.
ومن أمثال العرب: «صرّ الجندب» : اشتد الأمر حتى يقلق صاحبه.
و «أم جندب» الداهية والغدر والظلم. ويقال: «ركب أمّ جندب» : غدر أو ظلم. و «وقع بأمّ جندب» : ظلم وقتل غير قاتل.
وقيل هو ذكر الجراد. مثلث الدال.
قال الجاحظ: إنه يحفر بذراعيه، ويغوص فى الطين وفى الأرض إذا اشتد الحر أيضا.
وقد جاء ذكر الجنادب فى السنة النبوية الشريفة.
[١٧٢] عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلى ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبّهنّ عنها «١» ، وأنا اخذ بحجزكم «٢» عن النّار، وأنتم تفلّتون «٣» من يدى» «٤» .
стр. 137
[باب الحاء]
١: الحدأة
(أ) الحدأة فى اللغة:
كنيتها: «أبو الخطّاف» و «أبو الصّلت» .
طائر من الجوارح ينقضّ على الجرذان والدواجن والأطعمة ونحوها.
وفى الأمثال يقال: «هو أخطف من الحدأة» .
ولا تقل «حدأة» - بفتح الحاء- لأنها الفأس التى له رأسان.
وقد جاء فى الحديث: «الحديّا و «الحديّاة» و «الحديئة» .
وقال الأصمعىّ: جمع الحدأة حدأ، وزاد ابن قتيبة: حدان.
(ب) طبعها:
أخسّ الطير، ومن طبعها أن تقف فى الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر.
ويقال: إنها أحسن الطير مجاورة لما جاورها من الطير!، فلو ماتت جوعا لا تعدو على فراخ جارها.
ولو كانت مما يصاد بها لما كان من الكواسر أحسن صيدا منها ولا أجل ثمنا.
ومن طبعها أنها لا تخطف إلا من يمين من تخطف منه دون شماله!
والحدأة تتمتاع بنظرها الثاقب، وسرعة طيرانها مما يتيح لها سرعة الانقضاض على الفريسة.
وللحدأة سمع مرهف، وعيون كبيرة مستديرة تكون فى مقدمة الرأس مما يتيح لها أيضا مجالا أوسع فى الرؤية.
والحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاثا، وخرج منها ثلاثة أفرخ.
стр. 138
وتحضن البيض عشرين يوما، وهى لا تصيد وإنما تخطف.
(ج) الأحكام الفقهية:
ويحرم أكلها؛ لأنها من الفواسق الخمس المأمور بقتلها وفى الصحيحين: أن النبى ﷺ قال: «خمس فواسق يقتلن فى الحلّ والحرم- وفى رواية-: ليس على المحرم فى قتلهن جناح- الحدأة، والغراب الأبقع، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» .
وقد نبه النبى ﷺ بذكر هذه الخمسة على جواز قتل كل مضرّ.
(د) ما جاء فى الحديث الشريف عن الحدأة:
[١٧٣] عن عائشة: «أن وليدة «١» كانت سوداء لحىّ من العرب، فأعتقوها فكانت معهم.
قالت: فخرجت صبيّة لهم عليها وشاح «٢» أحمر من سيور. قالت:
فوضعته- أو وقع منها- فمرّت به حديّاة وهو ملقى، فحسبته لحما فخطفته. قالت: فالتمسوه فلم يجدوه. قالت: فاتّهمونى به. قالت:
فطفقوا يفتّشون حتى فتّشوا قبلها. قالت: والله إنى لقائمة معهم إذ مرّت الحديّاة فألقته. قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذى اتّهمتمونى به. زعمتم، وأنا منه بريئة وهو ذا هو! قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت.
قالت عائشة: «فكان لها خباء «٣» فى المسجد أو حفش «٤» .
стр. 139
قالت: فكانت تأتينى فتحدّث عندى. قالت: فلا تجلس عندى مجلسا إلا قالت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربّنا ... ألا إنه من ظلمة الكفر أنجانى
قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معى مقعدا إلا قلت هذا؟! قالت: فحدثتنى بهذا الحديث» » .
[١٧٤] فى الصحيحين أن النبى ﷺ قال: «خمس فواسق يقتلن فى الحلّ والحرم» .
وفى رواية- ليس على المحرم فى قتلهن جناح- «الحدأة، والغراب الأبقع، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» «٢» .
[١٧٥] عن وبرة قال: سمعت ابن عمر يقول: أمر رسول الله ﷺ يقتل الذئب، للمحرم يعنى، والفأرة والغراب والحدأة. فقيل له: فالحية والعقرب؟ فقال: قد كان يقال ذلك «٣» .
стр. 140
٢- الحمام
(أ) الحمام فى اللغة:
الحمام جنس طير من الفصيلة الحمامية، وهو أنواع.
قال الجوهرى: هو عند العرب ذوات الأطواق نحو: الفواخت والقمارىّ وساق حرّ، والقطا، والوراشين، وأشباه ذلك.
يقع على الذكر والأنثى؛ لأن الهاء إنّما دخلته على أنه واحد من جنس لا للتأنيث.
وعند العامة أنها الدواجن فقط، الواحدة حمامة.
وجمع الحمامة: حمام، وحمائم، وحمامات، وربما قالوا: حمام للمفرد.
ونقل الأزهرى عن الشافعى أن الحمام كل ما عبّ وهدر، وإن تفرقت أسماؤه (والعبّ: شدة جرع الماء من غير تنفس) .
قال ابن سيده: يقال فى الطائر عبّ ولا يقال: شرب.
والهدير: (ترجيع الصوت ومواصلته من غير تقطيع له) .
وجاء فى أمثالهم:
«امن من حمام الحرم» و «الف من حمام مكة» .
وقالوا: «تقلّدها طوق الحمامة» : كناية عن الخصلة القبيحة، أى تقلّدها كطوق الجمامة، لأنه لا يزايلها ولا يفارقها كما لا يفارق الطوق الحمامة.
ويقال: «طوّق فلان عمله طوق الحمامة» أى: ألزم جزاء عمله. والمراد بالطوق: الحمرة أو الخضرة، أو السواد المحيط بعنق الحمامة فهو طوقها.
وقالوا: «أخرق من حمامة» ؛ لأنها لا تحكم عشّها، وذلك لأنها ربما جاءت إلى الغصن من الشجرة، فتبنى عليه عشّها فى الموضع الذى تذهب به الريح فينكسر من بيضها أكثر مما سلم.
стр. 141
(ب) طبائع الحمام:
ومن طبائع الحمام أنه يطلب عشه ولو أرسل من ألف فرسخ فى يوم واحد.
وسباع الطير تطلب الحمام أشد الطّلب.
ومن عجيب الطبيعة فيه ما حكاه ابن قتيبة فى عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه قال: لم أر شيئا قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته فى الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، وذكرا لا يريد إلا أنثاه إلا أن يهلك أحدهما أو يفقد.
وأيت حمامة تتزيّن للذكر ساعة يريدها!
ورأيت حمامة لها زوج وهى تمكن اخر ما تعدوه!
وليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل إلا الإنسان والحمام!
وتبيض الأنثى بيضتين: إحداهما ذكر والاخرى أنثى! كما يقول الدميرى، وبين الأولى والثانية يوم وليلة.
والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزا من النهار، والأنثى بقية النهار، وكذلك فى الليل.
ولحم الحمام جيد للكلى، ويزيد فى الدم.
والحمام فى المنام رسول أمين، أو حبيب أنيس.
(ج) الأحكام الفقهية:
يحل أكله بجميع أنواعه.
(د) وإليك ما جاء فى السنة عن الحمام:
[١٧٦] عن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله ﷺ قد شمط «١» مقدّم رأسه ولحيته، وكان إذا ادّهن لم يتبيّن، وإذا شعث «٢» رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجهه مثل السّيف:
стр. 142
قال: لا بل كان مثل الشّمس والقمر وكان مستديرا، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده» «١» .
[١٧٧] عن ابن عباس قال: «مرّ النّبىّ ﷺ برهط من الأنصار وقد نصبوا «٢» حمامة يرمونها. فقال: «لا تتّخذوا شيئا فيه الرّوح غرضا» «٣» .
[١٧٨] عن عثمان بن عفّان أنّ رسول الله ﷺ «رأى رجلا وراء حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة» «٤» .
[١٧٩] عن سعيد بن المسيب: «أنّه كان يقول فى حمام مكّة إذا قتل، شاة» «٥» .
[١٨٠] كان النبى ﷺ يعجبه النظر إلى الأترجّ والحمام الأحمر، وكان فى منزله حمام أحمر يقال له: وردان» «٦» .
[١٨١] شكا علىّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه- إلى رسول الله ﷺ الوحشة؛ فقال له: «اتخذ زوجا من حمام تؤنسك، وتصيب من
стр. 143
فراخها، وتوقظك للصلاة بتغريدها، أو اتخذ ديكا يؤنسك، ويوقظك للصلاة» «١» .
[١٨٢] وروى البزار فى مسنده أن الله تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين؛ فوقفتا على فم الغار، وأن ذلك مما صد المشركين عنه ﷺ ، وأن حمام الحرم من نسل تيناك الحمامتين «٢» .
стр. 144
٣- حمر النّعم (ارجع إلى الإبل)
حمر النّعم: المال السائم، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. وهو أجود من السود عند العرب.
وحمر النعم: أجود الإبل، وأحسنها.
ما ورد فى الحديث عن حمر النّعم:
[١٨٣] عن عمرو بن تغلب «أن رسول الله ﷺ أتى بمال- أو سبى- فقسمه فأعطى رجالا وترك رجالا. فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فو الله إنى لأعطى الرجل، والذى أدع أحب إلىّ من الذى أعطى، ولكن أعطى أقواما لما أرى فى قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله فى قلوبهم من الغنى والخير- فيهم عمرو بن تغلب- فو الله ما أحب أن لى بكلمة رسول الله ﷺ حمر النّعم «١» » «٢» .
[١٨٤] عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر:
لاعطينّ هذه الرّاية رجلا يفتح الله على يديه. يحبّ الله ورسوله.
ويحبّه الله ورسوله» قال فيات النّاس يدوكون «٣» ليلتهم أيّهم يعطاها.
قال فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول الله ﷺ . كلّهم يرجون أن
стр. 145
يعطاها. فقال: «أين علىّ بن أبى طالب؟» فقالوا: هو، يا رسول الله! يشتكى عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ فى عينيه. ودعا له فبرأ. حتّى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الرّاية. فقال علىّ: يا رسول الله! أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا. فقال ﷺ : «انفذ على رسلك. حتّى تنزل بساحتهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام. وأخبرهم بما يحب عليهم من حقّ الله فيه فو الله! لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم» «١» .