٢- الضبع
(أ) الضبع فى اللغة:
الضّبع والضّبع: ضرب من السباع، أنثى، والجمع: أضبع، وضباع، وضبع، وضبع، وضبعات، ومضبعة، والذكر ضبعان «١» ، والجمع ضباعين، ويجمع الذكر والأنثى على «ضباع» ومن المسائل اللطيفة فى اللغة، أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر على المؤنث، فنقول فى التثنية: الأبوان، فى:
أب وأم، إلا فى موضعين.
الأول: عند تثنية الذكر والأنثى من الضباع، فنقول: ضبعان، ولا يثنى على لفظ المذكر فرارا لما يجتمع فيه من الزوائد.
الثانى: أنهم أرخوا بالليالى- وهى مؤنثة- دون الأيام، فقالوا: لخمس بقين أو مضين.
والضبع يضرب بها المثل فى الحمق، فيقال: «أحمق من ضبع» «٢» و «لا يخفى ذلك على ضبع» «٣» و «أحمق من أم عامر» «٤» ، ويروى عن الإمام على- كرم الله وجهه- أنه قال: «لا أكون مثل الضبع، تسمع اللّدم «٥» حتّى تخرج فتصاد» «٦» .
(ب) طبائع هذا الحيوان:
الضبع من الحيوانات التى تتمتاع بحاسة شم قوية، تمكنها من تحديد موقع طعامها بسهولة، ويكون بحثها عن الطعام أثناء الليل، وتتغذى عادة على ما تقتله
стр. 247
الحيوانات الاخرى، وقد تهاجم الحيوانات المجروحة، أو الصغيرة التى لا تقوى على الفرار، وقيل: إنها مولعة بنبش القبور لشهوتها للحوم بنى ادم «١» . ويمكنها أيضا أن تفترس الادمى إذا نام، بأن تأتيه من وجهه، فتحفر الأرض حتى يميل رأسه ويبرز حلقه فتهجم عليه بأنيابها.
وأنثى الضبع تتميز بأنها أضخم جسما من الذكر، ويعتبر «الضبع المنقط» أضخم أفراد عائلة الضباع، ويسمونه أيضا: الضبع الضاحك، لما يصدره من صوت يشبه ضحك الإنسان، وهو فى الواقع خليط من عواء حبيس ونقيق..
وللضبع جلد سيّئ لا يصلح للدباغة أو للصناعة، ولذا قال الشاعر «٢» :
يا ليت لى نعلين من جلد الضبع ... وشركا من استها لا تنقطع
كل الحذاء يحتذى الحافى الوقع «٣»
قال الجاحظ: وهذا يدل على أن جلدها جلد سوء.
والضبع توصف بالعرج، وليست بعرجاء، وإنما يخيل للناظر إليها ذلك..
وأنشد الشاعر:
القوم أمثال السباع فانشمر ... فمنهم الذئب ومنهم النمر
والضبع العرجاء والليث الهصر «٤»
(ج) الأحكام الفقهية:
قال الخطابى: اختلف الناس فى أكل الضبع، فروى عن سعد بن أبى وقاص أنه كان يأكل الضبع، وروى عن ابن عباس إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وكرهه الثورى وأصحاب الرأى ومالك، وروى ذلك عن سعيد بن المسيب «٥» .
стр. 248
وإليك طائفة من الأحاديث التى تناولت الضبع:
(د) الأحاديث الواردة فى الضبع:
[٣٦٥] عن ابن أبى عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هى؟
قال: نعم. قال: قلت: اكلها؟ قال: نعم. قال: قلت له: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم «١» .
[٣٦٦] عن خزيمة بن جزء قال: سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضبع، فقال: «أو يأكل الضبع أحد؟!!» وسألته عن أكل الذئب، فقال: «أو يأكل الذئب أحد فيه خير؟!!» «٢» .
[٣٦٧] عن زيد بن وهب عن رجل أن أعربيّا أتى النبى ﷺ فقال:
يا رسول الله أكلتنا الضبع. فقال رسول الله ﷺ : «غير الضبع عندى أخوف عليكم من الضبع، إن الدنيا ستصب عليكم صبا، فياليت أمتى لا تلبس الذهب» «٣» .
[٣٦٨] عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: «هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» «٤» .
[٣٦٩] عن عبد الله بن يزيد السعدى قال: أمرنى ناس من قومى أن
стр. 249
أسأل سعيد بن المسيب عن سنان «١» يحدّدونه «٢» ويركزونه «٣» فى الأرض فيصبح وقد قتل الضبع، أتراه ذكاته؟ «٤» قال: فجلست إلى سعيد بن المسيب فإذا عنده شيخ أبيض الرأس واللحية من أهل الشام، فسألته عن ذلك، فقال لى: وإنك لتأكل الضبع؟!! قال: قلت: ما أكلتها قط، وإن ناسا من قومى ليأكلونها، قال: فقال: إن أكلها لا يحل. قال: فقال الشيخ: يا عبد الله، ألا أحدثك بحديث سمعته من أبى الدرداء يرويه عن النبى ﷺ ؟ قال: فقلت: بلى. قال: فإنى سمعت أبا الدرداء يقول: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذى خطفة وعن كل نهبة، وعن كل مجثمة، وعن كل ذى ناب من السباع. قال:
فقال: سعيد بن المسيب: صدق «٥» .
стр. 250
٣- الضفدع
(أ) الضفدع فى اللغة:
واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة. وحكى بضم الضاد وكسرها مع فتح الدال وضمها.
وهو حيوان برمائى ذو نقيق، يقال للذكر والأنثى.
ويقال: «نقّت ضفادع بطنه» : إذا جاع.
وذكر الضفادع يقال له: العلجوم.
وفى الأمثال: «أنقّ من ضفدع» .
(ب) طبائع هذا الحيوان:
الضفادع أنواع كثيرة، ويقول الدميرى: وتكون من سفاد وغير سفاد، وتتوالد من المياه الراكدة، وعقب الأمطار الغزيرة، ومنها ما ينق وما لا ينق، وتوصف بحدة السمع إذا تركت النقيق، وكانت خارج الماء.
(ج) الحكم الشرعى:
قال ابن العربى: الصحيح فى الحيوان الذى يكون فى البر والبحر، منعه (تحريم أكله) لأنه تعارض فيه دليلان: دليل تحليل ودليل تحريم، فنغلب دليل التحريم احتياطيا.
والقول بتحريم الضفدع فيه نظر.. فمن حرم أكلها استدل بالنهى عن قتلها.. وأورد البخارى فى صحيحه، فى كتاب الذبائح، باب قول الله تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، قال الشعبى: لو أن أهلى أكلوا الضفادع لأطعمتهم.
قال ابن التين: لم يبين الشعبى هل تذكى أم لا.. ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما مأواه الماء وغير.. وعن الحنفية ورواية الشافعى: لا بد من التذكية*.
стр. 251
ومن أحكامه أنه: ينجس بالموت كغيره من الحيوان الذى لا يؤكل. وإذا ماتت فى ماء قليل، قال النووى: إن قلنا: لا تؤكل نجسته بلا خلاف. وحكى الماوردى فى نجاسته قولين.
(د) وإليك ما جاء عن الضفادع فى السنة الشريفة:
[٣٧٠] فى الكامل عن جابر أن النبى ﷺ قال: «من قتل ضفدعا فعليه شاة، محرما كان أو حلالا» «١» .
وفى ترجمة حماد بن عبيد قال:
[٣٧١] عن أبى هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الصّرد، والضفدع، والنملة، والهدهد «٢»
[٣٧٢] روى ابن عدى عن عبد الله بن عمرو- رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح» .
قال السلمى: سألت الدارقطنى فقال: إنه ضعيف. والصواب أنه موقوف على عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما «٣» .
[٣٧٣] عن عبد الرّحمن بن عثمان أنّ طبيبا سأل النّبىّ ﷺ عن ضفدع يجعلها فى دواء، فنهاه النّبىّ ﷺ عن قتلها «٤» .
стр. 252
[باب الطاء]
طامر ابن طامر: البرغوث (انظر القمل) .
١- الطائر
(أ) الطائر فى اللغة:
الطائر من الحيوان: كل ما يطير فى الهواء بجناحين، وما تطيرت به؛ أى:
تيمنت أو تشاءمت، والحظ من الخير والشر.
ويقال: «طار طائره» : غضب وأسرع.
و «هو ساكن الطائر» : حليم هادئ وقور.
و «هو ميمون الطائر» : مبارك.
ويقال فى الدعاء للمسافر: «على الطائر الميمون» . و «طائر الله لا طائرك» :
لينفذ حكم الله وأمره؛ لا ما تتخوفه وتحذره.
ويقال: طائر الله لا طائرك [بالنصب] أحب حكم الله لا حكمك.
وجمعه: طير وأطيار وطيور.
ويقال: «كأن على رءسهم الطير» : هادئون ساكنون ليس فيهم طيش ولا خفة.
وفى التنزيل العزيز: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ [الفيل: ٤]
والأبابيل: الجماعات من الناس، ويجئ فى موضع التكثير.
وهناك خلاف حول الواحد من لفظها، واختلفوا أيضا فى المراد بالطير الأبابيل؛ قال سعيد بن جبير: «هى طير تعشش بين السماء والأرض وتفرخ» .
وعن عكرمة: أنها طيور خضر خرجت من البحر.
وقال عبادة بن الصامت: أظنها الزرازير.
стр. 253
(ب) طبائع الطيور:
معظم الطيور مهيأة للطيران؛ فشكلها انسيابى، ووزنها خفيف بالنسبة لأحجامها، وترجع خفة وزنها إلى أن عظامها مفرغة من الداخل من ناحية، ومن ناحية أخرى لها جيوب هوائية منتشرة حول أجسامها، وهذه الجيوب الهوائية تعمل «كالبالونات» الصغيرة، والريش الذى يغطى أجنحة الطيور وذيولها يساعدها مساعدة كبيرة فى الطيران، كما يساعدها على ذلك أيضا أجنحتها القوية.
وتشبه الطيور الثدييات فى أن دمها دافئ؛ فأجسام الطيور أكثر دفئا من أجسامنا. وينتشر فى العالم كله حوالى ١٤٠٠٠ نوع من الطيور، منها ٨٠٠ نوع فى الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم أن كثيرا من الطيور لا تستطيع الطيران؛ فإن لجميعها أجنحة، ولا تستطيع كل الطيور أن تجرى هنا وهناك فوق الأرض، ولكن لكل الطيور- مع ذلك- أرجل. وبالإضافة إلى ذلك، فلكل الطيور مناقير.
وتساعدنا الطيور فى عدة أمور: فهى تأكل الديدان الضارة، والفيران وبذور الحشائش، والحيوانات الميتة، كما أنها تمدنا بالطعام، ويستخدم الحمام الزاجل فى نقل الرسائل، ويمكن تدريب غربان البحر على مساعدة صائدى السمك، كما يمكن تدريب طيور الباز لتساعد فى الصيد.
وبطبيعة الحال فإن الطيور تجعل حياتنا أكثر بهجة بألوانها الزاهية، وتغريدها العذب.
وأشهر الطيور الجارحة الصقر، والبوم، والنسور، وإن كانت الحدأة والباز والعقاب تنتمى إلى هذه المجموعة أيضا.
وهناك طيور الماء، والطيور المغردة، والطيور الطّنانة، وطيور الصيد، والطيور المنقرضة.. إنها أمم أمثالنا.
(ج) فروع من الفقه منثورة:
منها- كما قال الدميرى- لو ملك الإنسان طائرا أو صيدا وأراد إرساله فوجهان:
стр. 254
أحدهما: أنه يجوز ويزول عنه ملكه، كما لو أعتق عبدا، واختاره أبو هريرة.
والثانى: لا يجوز ذلك، واختاره الشيخ أبو إسحاق، والقفال، والقاضى أبو الطيب وهو الأصح فى «الروضة» و «الشرح» . ولو فعله عصى ولم يخرج عن ملكه بالإرسال؛ لأنه يشبه سوائب الجاهلية، وقياسا على ما لو سيب دابة.
واختار صاحب «الإيضاح» وجها ثالثا، وهو: إن قصد بعتقه التقرب إلى الله تعالى زال ملكه عنه، وإلا فلا.
وطير الماء حلال بجميع أنواعه إلا اللقلق فإنه يحرم أكله على الصحيح كما قال الرافعى.
وحكى الرويانى فى طير الماء وجهين عن الصيمرى، والأصح ما قاله الرافعى، ويدخل فيه البط والأوز ومالك الحزين.
قال أبو عاصم العبادى: وهى أكثر من مائة نوع، ولا يدرى لأكثرها اسم عند العرب؛ فإنها لم تكن ببلادهم.
(د) وإليك ما جاء فى الحديث الشريف عن الطير .
[٣٧٤] عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: «جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصّفاح «١» ، فجاءهم عبد المطلب، جدّ النبى ﷺ فقال:
إن هذا بيت الله تعالى لم يسلط الله عليه أحدا. قالوا: لا نرجع حتى نهدمه.
قال: وكانوا لا يقدّمون فيلهم إلا تأخّر. فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سودا عليها الطين، فلما حاذتهم رمتهم، فما بقى منهم أحد إلا أخذته الحكّة «٢» ، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه» «٣» .
[٣٧٥] عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: أقبل أصحاب الفيل، حتى إذا دنوا من مكة، استقبلهم عبد المطلب، فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا؟ ألا بعثت فنأتيك بكل شىء أردت؟ فقال: أخبرت بهذا البيت
стр. 255
الذى لا يدخله أحد إلا أمن، فجئت أخيف أهله. فقال: إنا نأتيك بكل شىء تريد، فارجع. فأبى إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلّف عبد المطلب، فقام على جبل، فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله.
ثم قال:
اللهم! إن لكلّ إله ... حلالا فامنع حلالك
لا يغلبنّ محالهم ... أبدا محالك
اللهم! فإن فعلت ... فأمر مّا بدا لك
فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طير أبابيل التى قال الله ﵎: تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال: فجعل الفيل يعجّ عجّا «١» فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «٢» .
[٣٧٦] روى الشافعى عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى يزيد، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: أتيت النبّى ﷺ فسمعته يقول:
«أقرّوا الطير على مكناتها» .
[٣٧٧] وفى رواية « ... فى وكناتها» «٣» .
стр. 256
وهذا بعض حديث رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان.
[٣٧٨] نفى الشرع التطيّر وأبطله بقوله ﷺ : «لا طيرة، خيرها الفأل» «١» .
[٣٧٩] وفى الحديث: قالوا: يا رسول الله، لا يسلم منّا أحد من الطّيرة والحسد والظن، فما نصنع؟ قال ﷺ : «إذا تطيّرت فامض وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق» «٢» (رواه الطبرانى وابن أبى الدنيا) .
[٣٨٠] فى «التمهيد» لابن عبد البر من حديث المقرئ، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو- رضى الله عنهما- عن رسول الله ﷺ قال: «من رجعته الطّيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ :
«أن يقول أحدكم: اللهمّ لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. ثم يمضى لحاجته» «٣» .
[٣٨١] روى الترمذى، وابن ماجه، والحاكم، وصححه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قال: «لو توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا» «٤» .
стр. 257
الفرخ: ولد الطائر، ثم استعمل فى كل صغير من الحيوان والنبات.
والأنثى فرخة.
وجمع القلة: أفرخ وأفراخ، وجمع الكثرة فراخ.
[٣٨٢] روى أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن جعفر أن النبى ﷺ أمهل ال جعفر ثلاثا، ثم أتاهم فقال:
«لا تبكوا على أخى بعد اليوم» ثم قال ﷺ : «ادعوا إلىّ بنى أخى» فجئ بنا كأننا أفرخ، فقال ﷺ : «ادعوا لى الحلاق» فأمره فحلق رؤسنا «١» .
[٣٨٣] وروى البزار عن عمر بن الخطاب أن النبى ﷺ كان فى بعض مغازيه، فبينما هم يسيرون إذ أخذوا فرخ طير، فأقبل أحد أبويه حتى سقط على أيدى الذين أخذوا الفرخ، فقال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون لهذا الطير، أخذ فرخه، فأقبل حتى سقط فى أيديهم» ! قالوا: بلى يا رسول الله! فقال ﷺ : «والله، لله أرحم بعباده من هذا الطير بفرخه» «٢» .
[٣٨٤] وفى «سنن أبى داود» فى أوائل كتاب الجنائز من حديث عامر الرام أخى الخضر، بضم الخاء وإسكان الضاد، وهو فرد فى الأسماء قال:
بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذا أقبل رجل على كساء، وفى يده شىء قد لف عليه طرف كسائه، فقال: يا رسول الله، إنى لما رأيتك أقبلت، فمررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر،
стр. 258
فأخذتهن فوضعتهن فى كسائى، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسى، فكشفت لها عنهن، فوقعت عليهن، فلففتها معهن، وهاهن فيه معى! فقال ﷺ : «ضعهن عنك» فوضعتهن، وأبت أمّهن إلا لزومهن. فقال النبى ﷺ : «أتعجبون لرحمة أم الفراخ فراخها؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال ﷺ : «فو الذى بعثنى بالحق نبيا لله أرحم بعباده من أم هؤلاء الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن» .
فرجع بهن وأمهن ترفرف عليهن «١» .
[٣٨٥] وروى مسلم عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله خلق، يوم خلق السموات والأرض، مائة رحمة. كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها فى الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» «٢»
[٣٨٦] وروى مسلم والنسائى والترمذى عن ثابت، عن أنس- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت، - وفى رواية الترمذى- قد جهد، فصار مثل الفرخ، فقال له النبى ﷺ : «هل كنت تدعو الله بشىء أو تسأله إياه؟!» قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبى به فى الآخرة فعجّله لى فى الدنيا.
فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! إنك لا تطيقه، ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم اتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة
стр. 259
حسنة وقنا عذاب النار» «١» قال: فدعا الله به فشفاه.
العاتق: فرخ الطائر فوق الناهض، يقال: أخذت فرخ قطاة عاتقا وذلك إذا طار واستقل.
قال أبو عبيدة: نرى أنه من السبق، كأنه يعتق؛ أى: يسبق.
قال ابن سيده: العاتق: الناهض من فرخ القطا، وهو أول ما ينحسر ريشه الأول، وينبت له ريش جديد.
وقيل: العاتق من الحمام ما لم يسن ويستحكم، والجمع عواتق.
والفرس العتيق: الرائع الكريم. والعتاق من الطير: الجوارح، ومن الخيل:
النجائب، وامرأة عتيقة: أى جميلة كريمة.
وفى صحيح البخارى عن ابن مسعود: أنه كان يقول فى سورة «بنى إسرائيل» و «الكهف» ، و «مريم» و «طه» و «الأنبياء» : (إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى) .
أراد بالعتاق: جمع عتيق، والعرب تسمى كل شىء بلغ الغاية فى الجود «عتيقا» ؛ يريد تفضيل هذه السور لما تتضمن من ذكر القصص، وأخبار الأنبياء، وأخبار الأمم.
والتلاد: ما كان قديما من المال؛ يريد: أنها من أوائل السور المنزلة فى أول الإسلام؛ لأنها مكية، وأنها من أول ما قرئ وحفظ من القران.
٢- ذو الطفيتين
حية خبيثة (انظر الزواحف) .
стр. 260
[باب الظاء]
١- الظّبى
(أ) الظبى فى اللغة:
الظبى: الغزال، والجمع أظب، وظباء، وظبىّ.
والأنثى ظبية. والجمع ظبيات، وظباء.
قال الكرخى: الظباء: ذكور الغزلان، والأنثى الغزال.
قال الإمام: وهذا وهم؛ فإن الغزال ولد الظبية إلى أن يشتد ويطلع قرناه.
قال الإمام النووى: الذى قاله الإمام هو المعتمد.
قال الجوهرى: وتكنى الظبية «أم الخشف، وأم شادن، وأم الطّلا» .
وفى الأمثال: «امن من ظباء الحرم» . وقالوا: «ترك الظبى ظلّه» .
يضرب للرجل النفور، وظله كناسه التى يستظل به من شدة الحر.
(ب) طبائع الظبى:
الظباء مختلفة الألوان، وهى ثلاثة أصناف:
صنف يقال له: «الارام» ، واحدها ريم، وهى ظباء بيض خالصة البياض ومساكنها الرمال.
ومنها صنف يسمّى «العفر» ، وألوانه حمر، وهى قصار الأعناق، وأضعف الظباء عدوا، تألف المواضع المرتفعة من الأرض، والأماكن الصلبة.
أما الصّنف الثالث فيسمّى الادم، طوال الأعناق، والقوائم، بيض البطون.
وتوصف الظباء بحدة البصر، وفيها نفور أشد من غيرها من الحيوان، وهى تلى النّمر فى سرعة العدو.
ويستطيب الحنظل، ويلتذّ بأكله، ويرد البحر فيشرب من المر الزعاق! والظباء
стр. 261
تعيش فى جماعات بخلاف الفهد الذى يعيش منفردا.
قال ابن قتيبة: ولد الظبية أول سنة «طلا» وخشف، ثم فى السنة الثانية جذع، ثم فى الثالثة ثنىّ، ثم لا يزال ثنيا حتى يموت.
وهناك «غزال المسك» ولونه أسود، ويشبه ما تقدم فى القدّ، ودقة القوائم، وافتراق الأخلاف، ولحم الظبى حارّ يابس، وهو أصلح لحوم الصيد، وأجوده الخشف.
(ج) الحكم الفقهى:
يحل أكلها بجميع أنواعها. والمسك طاهر إن انفصل من الظبى حال حياته، وهو مستثنى من القاعدة الفقهية المعروفة، أن ما قطع من الحى فهو ميتة.
(د) وإليك ما جاء فى السنة النبوية:
[٣٨٧] عن عائشة رضى الله عنها: أهدى للنبى ﷺ وشيقة ظبى وهو محرم، فردّها.
قال سفيان: الوشيقة: ما طبخ وقدد.
وفى رواية: فلم يأكله «١»
[٣٨٨] وروى الطبرانى عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت:
كان رسول الله ﷺ فى الصحراء، فإذا مناد ينادى: يا رسول الله:
فالتفت فلم ير أحدا، ثم التفت فرأى ظبية موثوقة، فقالت: ادن منى يا رسول الله! فدنا منها، فقال: ما حاجتك؟ فقالت: إن لى خشفين فى هذا الجبل؛ فحلنى حتى أذهب فأرضعهما، ثم أرجع إليك. فقال ﷺ : «وتفعلين؟» ، فقالت: عذبنى الله عذاب العشّار إن لم أفعل، فأطلقها. فذهبت وأرضعت خشفيها، ثم رجعت، فأوثقها، وانتبه الأعرابى، فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟ فقال: «نعم تطلق هذه»
стр. 262
فأطلقها، فخرجت تعدو، وتقول: أشهد ألاإله إلا الله، وأنك رسول الله! «١» .
[٣٨٩] وفى «دلائل النبوة» للبيهقى عن أبى سعيد قال: مر النبى ﷺ بظبية مربوطة إلى خباء فقالت: يا رسول الله، حلنى حتى أذهب فأرضع خشفىّ، ثم أرجع فتربطنى. فقال ﷺ : «صيد قوم، وربيطة قوم» فأخذ عليها فحلفت له، فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت، وقد نفضت ما فى ضرعها، فربطها رسول الله ﷺ ، ثم أتى إلى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم، فوهبوها له، ثم قال ﷺ : «لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا أبدا» «٢» .
[٣٩٠] روى الدارقطنى والطبرانى فى معجمه الأوسط عن أنس بن مالك، والبيهقى فى شعبه عن أبى سعيد الخدرى قال: مرّ رسول الله ﷺ على قوم قد صادوا ظبية، وشدوها إلى عمود فسطاط فقالت:
يا رسول الله؛ إنى وضعت ولى خشفان، فاستأذن لى أن أرضعهما ثم أعود إليهم. فقال ﷺ : «خلّوا عنها حتى تأتى خشفيها ترضعهما وتأتى إليكم» قالوا: ومن لنا بذلك يا رسول الله؟!، فقال ﷺ :
«أنا» . فأطلقوها، فذهبت، فأرضعتهما، ثم عادت إليهم فأوثقوها، فقال ﷺ : «أتبيعونيها؟» فقالوا: هى لك يا رسول الله، فخلوا عنها، فأطلقها.
وفى رواية عن زيد بن أرقم قال: «لما أطلقها رسول الله ﷺ رأيتها
стр. 263
تسبح فى البّريّة وهى تقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) » «١» .
[٣٩١] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أنه كان يقول: «لو رأيت الظّباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها «٢» ، قال رسول الله ﷺ : «ما بين لابتيها حرام «٣» » «٤» .
[٣٩٢] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: «إن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى ولا صفر ولا هامة «٥» ، فقال أعرابى: يا رسول الله، فما بال إبلى تكون فى الرمل كأنها الظباء فيأتى البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها فقال: فمن أعدى الأول؟!» «٦» .
[٣٩٣] عن زيد بن أرقم قال: كنت مع النّبىّ ﷺ فى بعض سكك المدينة فمررنا بخباء أعرابىّ، فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء «٧» ، فقالت:
يا رسول الله إنّ هذا الأعرابىّ صادنى قبيلا ولى خشفان فى البرّيّة وقد تعقّد هذا اللّبن فى أخلافى «٨» ، فلا هو يذبحنى فأستريح، ولا يدعنى فأذهب إلى خشفىّ فى البرّيّة، فقال رسول الله ﷺ : «إن تركتك ترجعين؟» قالت: نعم، وإلّا عذّبنى الله عذاب العشّار «٩» ، فأطلقها
стр. 264
رسول الله ﷺ ، فلم تلبث أن جاءت تلمّظ «١» ، فشدّها رسول الله ﷺ إلى الخباء، فأقبل الأعرابىّ ومعه قربة «٢» ، فقال له رسول الله ﷺ :
أتبيعنيها؟ قال: هى لك يا رسول الله، فأطلقها رسول الله ﷺ » «٣» .
[٣٩٤] عن قبيصة بن جابر قال: خرجنا حجاجا، فسنح لى ظبى، فرميته بحجر فمات. فلما قدمنا مكة سألنا عمر، فسأل عبد الرحمن بن عوف، فحكما فيه بعنز.. فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.. قال: فعلانى بالدرة.. فقال: أتقتل الصيد فى الحرم وتسفه الحكم؟! قال الله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ وهذا عبد الرحمن عوف وأنا عمر «٤» .
[٣٩٥] عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إنى أجريت أنا وصاحب لى فرسين، نستبق إلى ثغرة ثنية «٥» ، فأصبنا ظبيا ونحن محرمان.. فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت.. قال: فحكما عليه بعنز.. فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم فى ظبى حتى دعا رجلا يحكم معه!! فسمع عمر قول الرجل، فدعاه، فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟ قال: لا.. قال: فهل تعرف هذا الرجل الذى حكم معى؟ قال
стр. 265
: لا قال: لو أخبرتنى أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا.. ثم قال:
إن الله تعالى يقول فى كتابه: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ وهذا عبد الرحمن بن عوف «١» .
[٣٩٦] عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ أتى بظبية فيها خرز فقسمها للحرة والأمة.. قالت عائشة: كان أبى رضى الله عنه يقسم للحر والعبد «٢» .
[٣٩٧] عن هشام بن عروة عن أبيه، أن الزبير بن العوام كان يتزوّد صفيف الظباء وهو محرم. قال مالك: والصفيف: القديد «٣» .
[٣٩٨] عن عمير بن سلمة الضمرى، عن البهزى، أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء «٤» إذا حمار وحشى عقير «٥» ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «دعوه، فإنه يوشك أن يأتى صاحبه» .. فجاء البهزى، وهو صاحبه، إلى النبى ﷺ ، فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار. فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسّمه بين الرّفاق، ثم مضى، حتى إذا كان بالأثابة «٦» بين الرّويثة والعرج إذا ظبى حاقف «٧» فى ظل فيه سهم، فزعم أن رسول الله ﷺ أمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه «٨» أحد من الناس حتى يجاوزه «٩» .
стр. 266
[باب العين]
١- العاتق:
فرخ الطير (انظر الطير) .
٢- العتلة:
هى الناقة التى لا تلقح؛ فهى أبدا قوية (انظر الإبل) .
٣- العاضه:
العاضة والعاضهة حية يموت الذى تلسعه من ساعته (انظر الزواحف) .
٤- العاسل:
الذئب (انظر الذئب) .
٥- العافية:
كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر (انظر الدواب) .
٦- العائذ:
الناقة التى معها ولدها (انظر الإبل) .
٧- العبور:
الجذعة من الغنم (انظر الغنم) .
٨- العترفان:
الديك (انظر الدجاج) .
٩- العتود:
الصغير من أولاد الماعز (انظر الغنم والماعز) .
١٠- العثّة:
دويبة تلحس الثياب والصوف (انظر الأرضة) .
١١- العثمان:
فرخ الحبارى، وفرخ الثعبان والحية أو فرخها (انظر الزواحف) .
١٢- العجل:
ولد البقرة (انظر البقر والثور) .
١٣- العشراء:
الناقة التى أتى عليها فى حملها عشرة أشهر (انظر الإبل) .
١٤- العصافير والزرازير:
١٥- العقاب:
١٦- العقرب:
(انظر الزواحف) .
١٧- العكرشة:
الأرنب الأنثى (انظر الأرنب) .
١٨- العكرمة:
الأنثى من الحمام (انظر الحمام) .
١٩- العلق:
(انظر الدود) .
٢٠- العناق:
الأنثى من ولد المعز (انظر الغنم والماعز) .
٢١- العنبر:
سمكة بحرية كبيرة (انظر الحوت) .
٢٢- العنز:
الأنثى من المعز (انظر الغنم والماعز) .
٢٣- العنكبوت:
٢٤- العير:
الحمار الوحشى والأهلى أيضا (انظر الحمار) .
٢٥- العيس:
الإبل (انظر الإبل) .
٢٦- أم عزّة:
الظبية، وعزة ابنتها (انظر الظبى والغزال) .
стр. 267
١- العصفور
(أ) العصفور فى اللغة:
العصفور- بضم العين- وحكى ابن رشيق فى كتاب «الغرائب والشذوذ» عصفور بالفتح- والأنثى عصفورة. قال الشاعر:
كعصفورة فى كفّ طفل يسومها ... حياض الرّدى، والطفل يلهو ويلعب!
وكنية العصفور: أبو الصّعو، وأبو محرز، وأبو مزاحم، وأبو يعقوب.
وفى الأمثال: «أخف حلما من عصفور» . قال حسّان- رضى الله عنه-:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
وقالوا: «صاحت عصافير بطنه» .. إذا جاع.
قال الأصمعى: العصافير هنا: الأمعاء.
وقالوا: «أسفد من عصفور» .
(ب) طبائع العصافير:
ومن الطرائف ما قاله حمزة فى تسميته حيث قال:
وإنما سمى عصفورا، لأنه عصى وفرّ!
وهو أنواع: منه ما يطرب بصوته، ويعجب بصوته وحسنه. والعصفور الصّرّار، وهو الذى يجيب إذا دعى من الصيرورة، وعصفور الجنة وهو الخطاف.
ويقول الدميرى: وأما العصفور الدورى البيوتى فإن فى طباعه اختلافا، وذلك أن فيه من طبائع السباع، وهو أكل اللحم، ولا يزق فراخه.
وفيه من البهائم أنه ليس بذى مخلب، ولا منسر، وإذا سقط على عود قدم أصابعه الثلاثة وأخر الدابرة، وسائر أنواع الطير تقدم إصبعين، وتؤخر إصبعين، ويأكل الحب والبقول، ويتميز الذكر بلحية سوداء، كما للرجل والتيس والديك.
وليس فى الأرض طائر من سبع ولا بهيمة أحنّ من العصفور على ولده،
стр. 268
ولا أشد له عشقا، وذلك مشاهد عند أخذ أفراخها.
ووكره فى العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح، وإذا خلت مدينة من أهلها ذهبت العصافير منها، فإذا عادوا إليها عادت العصافير.
والعصفور لا يعرف المشى إنما يثب وثبا، وهو كثير «السّفاد» فربما سفد فى الساعة الواحدة مائة مرة، ولذلك قصر عمره؛ فإنه لا يعيش فى الغالب أكثر من سنة!!
ومن أنواعه القبّرة، وحسّون، والبلبل، والصعو، والحمّرة، والنغير، والعندليب، والمكاكى والزرزور، وسمى بذلك لزرزرته؛ أى تصويته؛ قال الجاحظ:
كل طائر قصير الجناح كالزرازير والعصافير إذا قطعت رجلاه لم يقدر على الطيران، كما إذا قطعت رجل الإنسان فإنه لا يقدر على العدو.
(ج) الحكم الشرعى:
وحكم العصافير والزرازير حل أكلها، ويحرم تعذيبها، وقتلها إلا لمنفعة، وهى على اختلاف أنواعها جنس واحد فى باب الربا.
(د) وإليك ما جاء فى الحديث الشريف بشأنها:
[٣٩٩] عن عبد الله بن عمر يرفعه قال: «من قتل عصفورا فما فوقها- بغير حقّها- سأله الله- يوم القيامة. قيل يا رسول الله، فما حقّها؟ قال: حقّها أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها، فيرمى بها» «١» .
[٤٠٠] عن عمرو بن الشريد قال: سمعت الشريد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل عصفورا عجّ «٢» إلى الله-
стр. 269
يوم القيامة يقول: يا ربّ، إن فلانا قتلنى عبثا، ولم يقتلنى لمنفعة» «١» .
[٤٠١] عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن عمر قال: الجنة مطويّة معلّقة بقرون الشّمس تنشر فى كلّ عام مرّة، وأرواح المؤمنين فى جوف طير خضر، كالزرازير، يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة» «٢» .
[٤٠٢] عن عبد الرحمن بن عبد الله قال: نزل رسول الله ﷺ منزلا، فانطلق إنسان إلى غيضة، فأخرج منها بيض حمّر فجاءت الحمّرة ترفّ على رأس الرسول ﷺ ورؤس أصحابه فقال: «ويحكم أيّكم فجع هذه؟» فقال رجل من القوم: أنا أصبت لها بيضا. فقال رسول الله ﷺ : «اردده» «٣» .
[٤٠٣] عن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا، وكان لى أخ يقال له: «أبو عمير» قال: - أحسبه قال- كان فطيما. قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فراه قال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟!» . قال: فكان يلعب به «٤» .
[٤٠٤] روى مسلم عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت:
دعى رسول الله ﷺ إلى جنازة صبىّ من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوا، ولم يدركه. فقال النبى ﷺ : «أو غير ذلك يا عائشة! إن الله تعالى خلق
стр. 270
للجنة أهلا. خلقهم لها وهم فى أصلاب ابائهم، وخلق للنار أهلا.
خلقهم لها وهم فى أصلاب ابائهم» «١» .
[٤٠٥] روى أن رجلا من أهل الصّفة استشهد، فقالت له أمه:
هنيئا لك، عصفور من عصافير الجنة، هاجرت إلى رسول الله ﷺ وقتلت فى سبيل الله! فقال النبى ﷺ : «وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا ينفعه، ويمنع ما لا يضره» «٢» .
[٤٠٦] وفى الصحيحين، وسنن النسائى، وجامع الترمذى من حديث ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما- عن أبى بن كعب، وأبى هريرة- رضى الله تعالى عنهما- أن النبى ﷺ قال: «قام موسى خطيبا فى بنى إسرائيل، فسئل: أى الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم.
فعتب الله تعالى عليه؛ إذ لم يردّ العلم إليه. فأوحى الله إلى موسى:
أن عبدا من عبادى بمجمع البحرين هو أعلم منك.
وفى الرواية الاخرى: أنه قيل له: «هل تعلم أحدا أعلم منك؟! قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بل عبدنا خضر. فقال موسى:
يا ربّ، وكيف لى به؟ فقال له: احمل حوتا فى مكتلك، فإذا فقدته فهو ثمّ. فانطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، وحملا حوتا فى مكتل، حتى إذا كانا عند الصخرة، وضعا رؤسهما فناما وانسلّ
стр. 271
الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله فى البحر سربا، وكان لموسى ولفتاه عجبا. فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما حتى أصبحا، فقال موسى لفتاه:
اتنا غداءنا؛ لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا! ولم يجد موسى شيئا من النّصب حتى جاوز المكان الذى أمر به، فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإنى نسيت الحوت. قال موسى: ذلك ما كنا نبغى فارتدا على اثارهما قصصا. فلما انتهيا إلى الصخرة إذا رجل مسجّى بثوب- أو قال: تسجّى بثوبه- فسلم عليه موسى» .
وفى الرواية الاخرى: «وكان يتبع أثر الحوت فى البحر، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام؟! فقال: أنا موسى. قال: موسى بنى إسرائيل؟ قال: نعم. ثم قال: هل أتبعك على أن تعلمن مما علّمت رشدا؟ قال: إنك لن تستطيع معى صبرا. يا موسى، إنى على علم من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه أنت، وإنك على علم من علم الله علّمكه الله لا أعلمه. قال: ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فرأيا سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول. فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين فى البحر. فقال الخضر:
يا موسى، ما نقص علمى وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور» .
وفى الرواية الاخرى: «إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر» «١» .
стр. 272
[٤٠٧] روى الحاكم عن خالد بن معدان، عن أبى عبيدة بن الجراح قال: إن النبى ﷺ قال: «إن قلب ابن ادم مثل العصفور، يتقلب فى اليوم سبع مرات» «١» .
[٤٠٨] عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم الجمعة فعقدت الملائكة على أبواب المسجد فيكتبون الناس، من جاء من الناس على منازلهم.. فرجل قدّم جزورا، ورجل قدّم بقرة، ورجل قدّم شاة، ورجل قدّم دجاجة، ورجل قدّم عصفورا، ورجل قدّم بيضة.. فإذا أذّن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر» «٢» .
[٤٠٩] عن عبد الله بن عبادة الزرقى أنه كان يصيد العصافير فى بئر إهاب، وكانت لهم، قال: فرانى عبادة بن الصامت، وقد أخذت العصفور، فينزعه منى، فيرسله، ويقول: أى بنى، إن رسول الله ﷺ حرّم ما بين لابتيها كما حرّم إبراهيم مكة «٣» .
[٤١٠] روى مالك فى الموطأ عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أنه قال: سمعت أبى يستحبّ العقيقة ولو بعصفور «٤» .
стр. 273
٢- العجل
(أ) العجل [في اللغة] :
ولد البقرة، والجمع: العجول، ويقال فى المفرد: عجّول، والجمع:
العجاجيل، والأنثى: عجلة، وبقرة معجل؛ أى: ذات عجل.
وقيل: سمى عجلا لاستعجال بنى إسرائيل عبادته، وكان مدة عبادتهم له أربعين يوما، فعوقبوا فى التيه أربعين سنة فجعل الله كل سنة فى مقابل يوم.
(ب) الحكم الفقهى:
ولد البقرة حلال أكله، وهو من أطيب اللحوم.
(ج) ما ورد فيه من الأحاديث الشريفة:
[٤١١] عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر لشىء قط يقول إنى لأظنه كذا إلا كان كما يظن.. بينما عمر جالس إذ مرّ به رجل جميل، فقال عمر: لقد أخطأ ظنى «١» ، أو إن هذا على دينه فى الجاهلية «٢» ، أو لقد كان كاهنهم، علىّ بالرجل.. فدعى له، فقال له ذلك «٣» .. فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم.. قال: فإنى أعزم عليك إلا ما أخبرتنى.. قال: كنت كاهنهم فى الجاهلية. قال:
فما أعجب ما جاءتك به جنّيّتك؟ قال: بينما أنا يوما فى السوق، جاءتنى أعرف فيها الفزع «٤» ، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها «٥» ، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.. قال عمر: بينما أنا
стр. 274
نائم عند الهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا أنت.. فوثب القوم.. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا.. ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله.. فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبى «١» .
[٤١٢] عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما صنع قومه فى العجل، فلم يلق الألواح. فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت» «٢» .
[٤١٣] عن معاذ بن جبل قال: أمرنى رسول الله ﷺ حين بعثنى إلى اليمن ألااخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع أو جذعة، حتى تبلغ أربعين.. فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة «٣» .
стр. 275
٣- العقاب
(أ) العقاب فى اللغة:
العقاب: طائر معروف، والجمع: أعقب، لأنها مؤنثة، وأفعل بناء يختص به جمع الإناث مثل: عناق وأعنق، وذراع وأذرع.
والكثير عقبان، وعقابين جمع الجمع. قال الشاعر:
* عقابين يوم الجمع تعلو وتسفل*
وكنيته: أبو الأشيم، وأبو الحجاج، وأبو حسّان، وأبو الدهر، وأبو الهيثم، والأنثى أم الهيثم.
والعرب تسمى العقاب الكاسر. وتسمى العقاب: «عنقاء مغرب» لأنها تأتى من مكان بعيد. ويقال لها: الخدارية، وهى مؤنثة اللفظ.
وقيل: العقاب يقع على الذكر والأنثى وتمييزه بالإشارة.
وقالوا فى الأمثال: «أمنع من عقاب الجو» .
وقالوا: أطير من عقاب الجو، وأبصر من عقاب وأحزم.
ويقال: «أسمع من فرخ عقاب» ، «وأعز من عقاب الجو» .
(ب) طبائع هذا الحيوان:
قال فى «الكامل» العقاب سيد الطيور، والنّسر عريفها.
والعقاب حادّ البصر، ولذلك قالت العرب: «أبصر من عقاب» .
قال البطليوسى فى «الشرح» : قال الخليل: اللّقوة واللّقوة- بالفتح والكسر- العقاب السريع الطيران.
ويقال: إنها صاحت تقول: «فى البعد عن الناس غنيمة» .
والعقاب تبيض ثلاث بيضات فى الغالب، وتحضنها ثلاثين يوما، وما عداها من الجوارح تبيض بيضتين، وتحضن عشرين يوما.
стр. 276
والعقاب إذا صادت شيئا لا تحمله على الفور إلى مكانها، بل تنقله من موضع إلى موضع، ولا تقعد إلا على الأماكن المرتفعة. وهى أشد الجوارح حرارة، وأقواها حركة، وأيبسها مزاجا، وهى خفيفة الجناح سريعة الطيران، تتغدى بالعراق، وتتعشّى باليمن. وريشها الذى عليها فروتها فى الشتاء، وحليتها فى الصيف.
وقيل لبشار بن برد: لو خيرك الله أن تكون حيوانا؛ ماذا كنت تختار؟ قال:
العقاب؛ لأنها تلبث حيث لا يبلغها سبع، ولا ذو أربع، وتحيد عنها سباع الطير، ولا تعانى الصيد إلا قليلا، بل تسلب كل ذى صيد صيده.
ومن شأنها أن جناحها لا يزال يخفق، وأول من صاد بها وأدبها أهل المغرب.
(ج) الحكم الفقهى:
يحرم أكل العقاب لأنه ذو مخلب، واختلف فى أنه هل يستحب قتله أم لا؟
فجزم الرافعى والنووى فى الحج باستحباب قتله، وجزم فى «شرح المهذب» بأنه من القسم الذى لا يستحب قتله ولا يكره، وهو الذى فيه نفع ومضرة، وهذا هو الذى جزم به القاضى أبو الطيب الطبرى، وهو المعتمد. ويحل أكل ما صاده إذا درب على الصيد وعلّم.
(د) ما ورد فى حكم صيد العقاب:
[٤١٤] عن مالك أنّه سمع بعض أهل العلم يقولون فى البازى والعقاب والصّقر وما أشبه ذلك: إنّه إذا كان يفقه كما تفقه الكلاب المعلّمة، فلا بأس بأكل ما قتلت ممّا صادت إذا ذكر اسم الله على إرسالها «١» .
стр. 277
٤- العنكبوت
(أ) العنكبوت فى اللغة:
العنكبوت دويبة تنسج فى الهواء، وجمعها عناكب. والذكر «عنكب» وكنيته: أبو خيثمة، وأبو قشعم، والأنثى: أم قشعم، ووزنه فعللوت.
وقالوا: «أغزل من عنكبوت» ، «وأوهى من بيت العنكبوت» .
(ب) طبائع العنكبوت:
وهى قصار الأرجل، كبار العيون، للواحد ثمانى أرجل وست عيون.
وقال الجاحظ: ولد العنكبوت يخرج إلى الدنيا كاسيا كاسبا؛ لأن ولد العنكبوت يقوى على النسج ساعة يولد من غير تلقين ولا تعليم، ويبيض ويحضن.
(ج) حكم العنكبوت:
وحكم العنكبوت تحريم الأكل؛ لاستقذارها.
(د) ما ورد فيها من أحاديث شريفة:
[٤١٥] فى «مراسيل أبى داود» عن يزيد بن مرثد أن النبى ﷺ قال: «إن العنكبوت شيطان فاقتلوه» «١» .
[٤١٦] عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فاثبتوه بالوثاق، يريدون النبى ﷺ .. وقال بعضهم:
بل أخرجوه.
стр. 278
فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علىّ على فراشه النبى ﷺ تلك الليلة، وخرج النبى ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبى ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليّا رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدرى..
فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه.. فمكث ثلاث ليال «١» .
[٤١٧] أسند الثعلبى وابن عطية وغيرهما عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه- أنه قال: «طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت؛ فإن تركه فى البيت يورث الفقر» «٢» .
[٤١٨] وفى «الحلية» للحافظ أبى نعيم عن عطاء بن ميسرة قال:
«نسجت العنكبوت مرتين على نبيين: على داود حين كان جالوت يطلبه.
وعلى النبى ﷺ فى الغار» «٣» .
стр. 279
[باب الغين]
(الغداف) هو الغراب (انظر الغراب) .
(الغذىّ) السخلة (انظر الغنم) .
١- الغراب
(أ) الغراب فى اللغة:
الغراب جنس طير من الجواثم يطلق على أنواع كثيرة: منها الأسود، والأبقع، والزاغ، والغداف، والأعصم.
والعرب يتشاءمون به إذا نعق قبل الرحيل، وقد أباح الإسلام لنا أن نتفاءل، ونهى عن التشاؤم؛ وعلمنا ماذا نقول عند رؤية الطير.
ويقال: «غراب البين» .
ويضرب به المثل فى السواد، والبكور، والحذر، والبعد؛ يقولون: «بكّر بكور الغراب» و «فلان أحذر من الغراب» ، و «دون هذا شيب الغراب» .
ويقال: «طار غرابه» : شاب، و «أرض لا يطير غرابها» : خصبة. والجمع غربان، وأغرب، وأغربة.
والغراب من كل شىء: أوله واحدّه؛ يقال: غراب الفأس، وغراب السيف ونحو ذلك.
والغداف- بضم الغين ودال مفتوحة- غراب أسحم ضخم كبير الجناحين، وينسب إليه فيقال: غدافى؛ أى: أسود. وليلة غدافية الإهاب: مظلمة. وجمعه غداف بكسر الغين.
ومن اللطائف أن ابن مالك صاحب الألفية فى النحو والصرف أشار فى بيت إلى جموع غراب فقال:
стр. 280
بالغرب جمع غرابا ثم أغربه ... وأغرب وغرابين وغربان
وكنيته: أبو حاتم، وأبو جحادف، وأبو الجراح، وأبو حذر، وأبو زيدان، وأبو زاجر، وأبو الشؤم، وأبو غياث، وأبو القعقاع، وأبو المر، وأبو المرقال.
ويقال له: ابن الأبرص، وابن بريح، وابن دأية.
(ب) طبائع الغربان:
الغراب الأعصم عزيز الوجود، ولذلك قالت العرب: «أعز من الغراب الأعصم» . وهو الذى إحدى رجليه بيضاء.
قال فى «الإحياء» الأعصم: أبيض البطن. وقال غيره: الأعصم أبيض الجناحين. وقيل أبيض الرجلين.
و «غراب الليل» : قال الجاحظ: هو غراب ترك أخلاق الغربان، وتشبه بأخلاق البوم؛ فهو من طير الليل.
وقال أرسطاطاليس فى «النعوت» : الغربان أربعة أجناس: أسود حالك، وأبلق، ومطرف ببياض لطيف الجرم يأكل الحب، وأسود طاوسى برّاق الريش، ورجلاه كلون المرجان يعرف ب «الزاغ» وفى الغراب كله الاستتار عند السفاد، وهو يسفد مواجهة ولا يعود إلى الأنثى بعد ذلك لقلة وفائه.
والأنثى تبيض أربع بيضات وخمسا، وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها، وعلى الأنثى أن تحضن، وعلى الذكر أن يأتيها بالمطعم.
وفى طبعه ألايتعاطى الصيد، بل إن وجد جيفة أكل منها وإلا مات جوعا، ويتقمقم كما يتقمقم ضعاف الطير، وفيه حذر شديد، وتنافر.
والغداف: يأكل البوم ويخطف بيضها ويأكله.
قال صاحب «منطق الطير» : الغراب من لئام الطير، وليس من كرامها، ولا من أحرارها، ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، ولما كانت العرب تتشاءم بالغراب اشتقوا من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب.
وغراب البين الأبقع؛ قال الجوهرى: هو الذى فيه سواد وبياض. ينوح نوح الحزين المصاب، وينعق بين الخلان والأحباب، إذا رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته،
стр. 281
وإن شاهد ربعا خالدا بشر بخرابه، يعرف النازل والساكن بخراب المساكن.
وسموه أعور تفاؤلا بالسلامة منه. كما سموا البرية بالمفازة، وقيل: لأنه يغمض إحدى عينيه من قوة بصره.
(ج) الأحكام الفقهية:
عرفت أن الغراب أنواع:
ويقول الدميرى: أباح الشعبى أكل الغراب الأسود الكبير الذى يأكل الحبوب والزرع فأشبه الحجل.
وقال أبو حنيفة: الغربان كلها حلال.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة- رضى الله تعالى عنها- أنها قالت: إنى لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن النبى ﷺ فى قتله للمحرم، وسماه فاسقا، والله ما هو من الطيبات.
وأما مذهب الشافعى، فالغداف يحرم أكله.
والذى فى الرافعى أنه حلال.
وخلاصة القول:
١- أن الجمهور على حرمة أكل الفواسق المأمور بقتلها.
٢- أن المالكية فى أشهر الروايتين أباحوا الغربان كلها.
٣- أن الغربان فيها ثلاثة أقوال:
(أ) قول الجمهور بحرمة أكل الغداف الكبير والأبقع، ويحل أكل غيرهما فى الأصح.
(ب) قول اخر يحل كل الغربان وهو للمالكية.
(ج) وقول ثالث بحرمة كل أنواع الغربان وهو قول الظاهرية.
والراجح: هو قول الجمهور الذى يحرم بعض أنواع الغربان، وهو الأسود الكبير، والغداف الكبير، وكذلك الأبقع، أما النوعان الاخران، وهما العقعق وغراب الزرع، فالعقعق يحل فى القول الراجح؛ لأنه يأكل الحب، ولا يأكل
стр. 282
الجيف. أما غراب الزرع فيحل مطلقا، لأنه لا يأكل إلا الحب والزرع.
وفى سنن ابن ماجه: قيل لابن عمر- رضى الله تعالى عنهما- أيؤكل الغراب؟ قال: ومن يأكله بعد قول الرسول ﷺ فيه: «إنه فاسق» .
والفواسق الخمس: لا ملك لأحد فيها ولا اختصاص، كذا نقله الرافعى فى كتاب «ضمان البهائم» عن الإمام، وأقره على هذا فلا يجب ردها على غاصبها.
(د) وإليك ما جاء بشأنه فى الحديث النبوى الشريف:
[٤١٩] قال النبى ﷺ : «مثل المرأة الصالحة فى النساء كمثل الغراب الأعصم فى مائة غراب» (رواه الطبرانى من حديث أبى أمامة)
وفى رواية ابن أبى شيبة: قيل: يا رسول الله؛ وما الغراب الأعصم؟
قال: «الذى إحدى رجليه بيضاء» «١» .
[٤٢٠] وروى الإمام أحمد والحاكم فى مستدركه، عن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران؛ فإذا بغربان كثيرة، فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين؛ فقال النبى ﷺ «لا يدخل الجنة من النساء إلا مثل هذا الغراب فى هذه الغربان» «٢» .
[٤٢١] وفى «السيرة» فى قصة «حفر زمزم» لما رأى عبد المطلب قائلا يقول له: «احفر طيبة» . قال: وما طيبة؟ قال: زمزم. قال: وما علامتها؟ قال: «بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم» .
قال السهيلى: فى ذلك إشارة إلى أن الذى يهدم الكعبة صفته كصفة الغراب الأعصم، وهو ذو السويقتين.
[٤٢٢] روى مسلم عن أبى هريرة- رضى الله عنه أن النبى ﷺ
стр. 283
قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين: رجل من الحبشة» «١» .
[٤٢٣] وفى البخارى عن ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما- عن النبى ﷺ أنه قال: «كأنى به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» «٢» .
يعنى الكعبة. (ذكره أبو الفرج بن الجوزى) .
وذكر الحليمى: أن هذا يكون فى زمان عيسى ﵇.
[٤٢٤] حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال:
«خمس من الدواب ليس على المحرم فى قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة، والحية، والكلب العقور» «٣» .
[٤٢٥] حديث عائشة- رضى الله عنها- عن النبى ﷺ قال:
«خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة والكلب العقور، والحدأة» «٤» .
[٤٢٦] عن حفصة- رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : «خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» «٥» .
[٤٢٧] عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: لما نزلت:
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ (الأحزاب: ٥٩) خرج نساء الأنصار كأن على رؤسهن الغربان من الأكسية» «٦» .
стр. 284
[٤٢٨] روى أبو داود أن النبى ﷺ غيّر اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسمّاه هشاما، وسمى حربا سلما» «١» .
[٤٢٩] عن عكرمة أن رفاعة طلّق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظى. قالت عائشة رضى الله عنها: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها، وأرتها خضرة بجلدها. فلما جاء رسول الله ﷺ والنساء ينصر بعضهن بعضا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات لجلدها أشد خضرة من ثوبها. قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ ، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لى إليه من ذنب، إلا أن ما معه ليس بأغنى عنى من هذه «٢» - وأخذت هدبة من ثوبها- فقال: كذبت والله يا رسول الله، إنّى لأنفضها نفض الأديم «٣» ، ولكنها ناشز تريد رفاعة، فقال رسول الله ﷺ : «فإن كان ذلك لم تحلّى له، أو تصلحى له حتى يذوق من عسيلتك» قال: وأبصر معه ابنين له، فقال: «بنوك هؤلاء؟» قال:
نعم.. قال: «هذا الذى تزعمين ما تزعمين؟! فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب» «٤» .
[٤٣٠] وفى الحديث أن النبى ﷺ «نهى عن نقرة الغراب» «٥» .
يريد بذلك تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.
[٤٣١] وروى البخارى فى «الأدب» ، والحاكم فى «المستدرك» ،
стр. 285
والبيهقى فى «الشعب» ، وابن عبد البر، وغيرهم عن عبد الله بن الحارث الأموى عن أمه ريطة بنت مسلم عن أبيها أنه قال: شهدت مع النبى ﷺ حنينا، فقال: ما اسمك؟ قلت: اسمى غراب. فقال ﷺ : «بل أنت مسلم» «١» .
[٤٣٢] وفى سنن أبى داود، والنسائى، وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن شبل أن النبى ﷺ «نهى المصلّى عن نقرات الغراب» «٢» .
[٤٣٣] ورواه الحاكم بلفظ «نهى عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان كما يوطنه البعير» «٣» .
[٤٣٤] وروى أبو يعلى الموصلّى والطبرانى فى معجمه الأوسط عن سلمة بن قيصر أن النبى ﷺ قال: «من صام يوما ابتغاء وجه الله باعده الله من النار كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما» «٤» .
[٤٣٥] وروى أبو هريرة- رضى الله عنه- مثله عن رسول الله ﷺ ، ورواه الإمام أحمد فى «المسند» ، والبزار، وفيه رجل لم يسمّ «٥» .
[٤٣٦] روى الطبرانى عن أبى أمامة قال: دعا النبى ﷺ بخفيه ليلبسهما، فلبس أحدهما، ثم جاء غراب فاحتمل الاخر، ورمى به، فخرجت منه حية، فقال النبى ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم