وإن شاهد ربعا خالدا بشر بخرابه، يعرف النازل والساكن بخراب المساكن.
وسموه أعور تفاؤلا بالسلامة منه. كما سموا البرية بالمفازة، وقيل: لأنه يغمض إحدى عينيه من قوة بصره.
(ج) الأحكام الفقهية:
عرفت أن الغراب أنواع:
ويقول الدميرى: أباح الشعبى أكل الغراب الأسود الكبير الذى يأكل الحبوب والزرع فأشبه الحجل.
وقال أبو حنيفة: الغربان كلها حلال.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة- رضى الله تعالى عنها- أنها قالت: إنى لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن النبى ﷺ فى قتله للمحرم، وسماه فاسقا، والله ما هو من الطيبات.
وأما مذهب الشافعى، فالغداف يحرم أكله.
والذى فى الرافعى أنه حلال.
وخلاصة القول:
١- أن الجمهور على حرمة أكل الفواسق المأمور بقتلها.
٢- أن المالكية فى أشهر الروايتين أباحوا الغربان كلها.
٣- أن الغربان فيها ثلاثة أقوال:
(أ) قول الجمهور بحرمة أكل الغداف الكبير والأبقع، ويحل أكل غيرهما فى الأصح.
(ب) قول اخر يحل كل الغربان وهو للمالكية.
(ج) وقول ثالث بحرمة كل أنواع الغربان وهو قول الظاهرية.
والراجح: هو قول الجمهور الذى يحرم بعض أنواع الغربان، وهو الأسود الكبير، والغداف الكبير، وكذلك الأبقع، أما النوعان الاخران، وهما العقعق وغراب الزرع، فالعقعق يحل فى القول الراجح؛ لأنه يأكل الحب، ولا يأكل
стр. 282
الجيف. أما غراب الزرع فيحل مطلقا، لأنه لا يأكل إلا الحب والزرع.
وفى سنن ابن ماجه: قيل لابن عمر- رضى الله تعالى عنهما- أيؤكل الغراب؟ قال: ومن يأكله بعد قول الرسول ﷺ فيه: «إنه فاسق» .
والفواسق الخمس: لا ملك لأحد فيها ولا اختصاص، كذا نقله الرافعى فى كتاب «ضمان البهائم» عن الإمام، وأقره على هذا فلا يجب ردها على غاصبها.
(د) وإليك ما جاء بشأنه فى الحديث النبوى الشريف:
[٤١٩] قال النبى ﷺ : «مثل المرأة الصالحة فى النساء كمثل الغراب الأعصم فى مائة غراب» (رواه الطبرانى من حديث أبى أمامة)
وفى رواية ابن أبى شيبة: قيل: يا رسول الله؛ وما الغراب الأعصم؟
قال: «الذى إحدى رجليه بيضاء» «١» .
[٤٢٠] وروى الإمام أحمد والحاكم فى مستدركه، عن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران؛ فإذا بغربان كثيرة، فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين؛ فقال النبى ﷺ «لا يدخل الجنة من النساء إلا مثل هذا الغراب فى هذه الغربان» «٢» .
[٤٢١] وفى «السيرة» فى قصة «حفر زمزم» لما رأى عبد المطلب قائلا يقول له: «احفر طيبة» . قال: وما طيبة؟ قال: زمزم. قال: وما علامتها؟ قال: «بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم» .
قال السهيلى: فى ذلك إشارة إلى أن الذى يهدم الكعبة صفته كصفة الغراب الأعصم، وهو ذو السويقتين.
[٤٢٢] روى مسلم عن أبى هريرة- رضى الله عنه أن النبى ﷺ
стр. 283
قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين: رجل من الحبشة» «١» .
[٤٢٣] وفى البخارى عن ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما- عن النبى ﷺ أنه قال: «كأنى به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» «٢» .
يعنى الكعبة. (ذكره أبو الفرج بن الجوزى) .
وذكر الحليمى: أن هذا يكون فى زمان عيسى ﵇.
[٤٢٤] حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال:
«خمس من الدواب ليس على المحرم فى قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة، والحية، والكلب العقور» «٣» .
[٤٢٥] حديث عائشة- رضى الله عنها- عن النبى ﷺ قال:
«خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة والكلب العقور، والحدأة» «٤» .
[٤٢٦] عن حفصة- رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : «خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» «٥» .
[٤٢٧] عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: لما نزلت:
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ (الأحزاب: ٥٩) خرج نساء الأنصار كأن على رؤسهن الغربان من الأكسية» «٦» .
стр. 284
[٤٢٨] روى أبو داود أن النبى ﷺ غيّر اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب فسمّاه هشاما، وسمى حربا سلما» «١» .
[٤٢٩] عن عكرمة أن رفاعة طلّق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظى. قالت عائشة رضى الله عنها: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها، وأرتها خضرة بجلدها. فلما جاء رسول الله ﷺ والنساء ينصر بعضهن بعضا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات لجلدها أشد خضرة من ثوبها. قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ ، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لى إليه من ذنب، إلا أن ما معه ليس بأغنى عنى من هذه «٢» - وأخذت هدبة من ثوبها- فقال: كذبت والله يا رسول الله، إنّى لأنفضها نفض الأديم «٣» ، ولكنها ناشز تريد رفاعة، فقال رسول الله ﷺ : «فإن كان ذلك لم تحلّى له، أو تصلحى له حتى يذوق من عسيلتك» قال: وأبصر معه ابنين له، فقال: «بنوك هؤلاء؟» قال:
نعم.. قال: «هذا الذى تزعمين ما تزعمين؟! فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب» «٤» .
[٤٣٠] وفى الحديث أن النبى ﷺ «نهى عن نقرة الغراب» «٥» .
يريد بذلك تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.
[٤٣١] وروى البخارى فى «الأدب» ، والحاكم فى «المستدرك» ،
стр. 285
والبيهقى فى «الشعب» ، وابن عبد البر، وغيرهم عن عبد الله بن الحارث الأموى عن أمه ريطة بنت مسلم عن أبيها أنه قال: شهدت مع النبى ﷺ حنينا، فقال: ما اسمك؟ قلت: اسمى غراب. فقال ﷺ : «بل أنت مسلم» «١» .
[٤٣٢] وفى سنن أبى داود، والنسائى، وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن شبل أن النبى ﷺ «نهى المصلّى عن نقرات الغراب» «٢» .
[٤٣٣] ورواه الحاكم بلفظ «نهى عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان كما يوطنه البعير» «٣» .
[٤٣٤] وروى أبو يعلى الموصلّى والطبرانى فى معجمه الأوسط عن سلمة بن قيصر أن النبى ﷺ قال: «من صام يوما ابتغاء وجه الله باعده الله من النار كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما» «٤» .
[٤٣٥] وروى أبو هريرة- رضى الله عنه- مثله عن رسول الله ﷺ ، ورواه الإمام أحمد فى «المسند» ، والبزار، وفيه رجل لم يسمّ «٥» .
[٤٣٦] روى الطبرانى عن أبى أمامة قال: دعا النبى ﷺ بخفيه ليلبسهما، فلبس أحدهما، ثم جاء غراب فاحتمل الاخر، ورمى به، فخرجت منه حية، فقال النبى ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم
стр. 286
الاخر، فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما» «١» .
[٤٣٧] وروى الإمام أحمد فى الزهد عن ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما- أنه كان إذا نعب الغراب قال: «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك» «٢» .
[٤٣٨] عن عتبة بن عبد السلمى قال: جاء أعرابى إلى النبى ﷺ ، فسأله عن الحوض وذكر الجنة.. ثم قال الأعرابى: فيها فاكهة؟ قال:
نعم، وفيها شجرة تدعى طوبى.. فذكر شيئا لا أدرى ما هو.. قال:
اى شجرة أرضنا تشبه؟ قال: ليست تشبه شيئا من شجر أرضك، فقال النبى ﷺ : «أتيت الشام؟» قال: لا. قال: «تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد وينفرش أعلاها» . قال: ما عظم أصلها؟ قال: «لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما» قال: فيها عنب؟ قال: «نعم» قال: فما عظم العنقود؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يعتر» قال: فما عظم الحبة؟ قال: «هل ذبح أبوك تيسا من غنمه قط عظيما؟» قال: نعم. قال: «فسلخ إهابه فأعطاه أمك قال: اتخذى لنا منه دلوا؟» قال: نعم. قال الأعرابى: فإن تلك الحبة لتشبعنى وأهل بيتى؟ قال: «نعم وعامة عشيرتك» «٣» .
الغزال: (انظر الظبى)
[٤٣٩] عن ابن عباس أن النبى ﷺ اضطبع فاستلم وكبّر، ثم رمل
стр. 287
ثلاثة أطواف، وكانوا إذا بلغوا الركن اليمانى وتغيبوا من قريش مشوا ثم يطلعون عليهم يرملون. تقول قريش: كأنهم الغزلان.
قال ابن عباس: فكانت سنة «١» .
[٤٤٠] عن أبى الزبير أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قضى فى الضبع بكبش، وفى الغزال بعنز، وفى الأرنب بعناق، وفى اليربوع بجفرة «٢» .
стр. 288
٢- الغنم
(أ) الغنم فى اللغة:
الغنم: القطيع من المعز والضّأن، لا واحد له من لفظه، والجمع أغنام وغنوم، وأغانم.
والكبش: فحل الضأن فى أى سنّ كان.
والشاة: الواحدة من الضأن والمعز والظباء، والبقر، والنعام، وحمر الوحش (يقال للذكر والأنثى) . والجمع شاء وشياه.
وقالوا فى الأمثال: «كل شاة برجلها معلقة» .
والخروف: الذكر من الضأن، وهى خروفة، والجمع خراف، وأخرفة، وخرفان.
وفى المثل: «كالخروف أينما أتّكأ اتّكأ على صوف» . (يضرب للرفاهية) .
وقال الدميرى: الغنم على ضربين: ضائنة وما عزة.
والماعز: الواحد من المعز (للذكر والأنثى) ، أو الأنثى ما عزة، والجمع:
مواعز، ومعاز.
والبهمة: الصغير من الضأن (الذكر والأنثى فى ذلك سواء) .
جمعها: بهم وبهام.
فائدة: قال أبو زيد: يقال لأبناء الغنم ساعة وضعها من الضأن والمعز جميعا:
ذكرا كانت أو أنثى: سخلة، ثم هى بهمة، بفتح الباء المواحدة للذكر والأنثى جميعا، وجمعها بهم. فإذا بلغت أربعة أشهر، وفصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فهو جفار، وواحدها جفر، والأنثى جفرة. فإذا رعى، وقوى فهو عريض وعتود، وجمعها: عرضان وعتدان، وهو فى ذلك كله جدى.
والأنثى عناق، ما لم يأت عليها الحول، وجمعها عنوق.
والذكر تيس إذا أتى عليه حول، والأنثى عنز. ثم تجذع فى السنة الثانية، فالذكر جذع، والأنثى جذعة.
стр. 289
أما الكبش فهو فحل الضأن فى أى سن كان، والجمع أكبش وكباش.
وقالوا فى الأمثال: «عند النّكاح يظهر الكبش الأجمّ» وهو الذى لا قرن له. يضرب لمن غلبه صاحبه بما أعدّ له.
وقالوا فى أمثالهم: «تغدّ بالجدى قبل أن يتعشى بك» يضرب للأخذ بالحزم.
والحمل: الخروف إذا بلغ ستة أشهر. وقيل هو ولد الضأن الجذع فما دونه، والجمع حملان، وأحمال.
والجذع: من الضأن ما له سنة تامة.
والجذع: من الماعز ما له سنتان على الأصح.
والعناق: الأنثى من ولد المعز قبل استكمال الحول.
(ب) طبائع الأغنام:
تروى السجلات المدونة منذ بضعة الاف من السنين أشياء كثيرة عن الرعاة وقطعانهم، وقد استؤنست الأغنام قبل أن يعرف الإنسان الكتابة، وإن كنا لا نعرف- على التحقيق- ما استؤنس من أنواعها البرية، وما تزال بعض الأغنام البرية تعيش إلى اليوم، ولكن ليس بينها ما يشبه كثيرا أى نوع من الأنواع التى نربيها؛ فالأغنام المستأنسة فى أمريكا لها سيقان قصار، وأذيال طوال فى الغالب؛ كما أن لها فروة كثيفة من الصوف*.
أما قرونها- إن كان لها قرون- فهى قصيرة، وهى وديعة، وعلى جانب من الغباوة.
أما الأغنام البرية فهى طويلة السيقان قصيرة الأذناب، ولها شعر طويل خشن، كما أن لمعظمها قرونا طويلة، ثم إنها تتصف بالجرأة، وخفة الحركة، ولا شك أن الإنسان قد أدخل كثيرا من التحسين على تربية الأغنام منذ شرع فى استئناسها.
وتربى الأغنام لأصوافها ولحومها، وكذلك لدهنها، ولبنها فى بعض مناطق العالم.
стр. 290
فأغنام «المرينو» مثلا تربى أصلا للأصواف الممتازة. بينما تنتج أغنام «شرو بشير» لحما طيبا، وصوفا جيدا أيضا. وهناك سلالات «شفيوت» وغيرها.
وفى اسيا وشمال أفريقيا توجد سلالات ذوات أذيال سمان، وذلك لأنها تختزن الدهن فى أذيالها، كما تختزن الجمال الدهن فى أسنمتها. وقد يصل «ذيل الخروف» الواحد منها خمسين رطلا، حتى إن بعض رعاة الأغنام السمينة الأذيال يزودونها بعربات صغيرة تريحها من حمل ذلك الذيل.
وتعيش الأغنام البرية فى المناطق الجبلية، ومن أشهر أنواعها الكباش القرناء (كبيرة القرون) المعروفة باسم «البجهورن» ، وهى تستوطن «جبال روكى» .
وفى جمهورية مصر العربية أصناف مختلفة من الأغنام نجد منها فى الوجه البحرى:
١- البلدى أو الفلاحى: وهى صغيرة الحجم، ويغلب عليها اللون البنى، والقليل منها أسود.
٢- الرحمانى: وهى أكبر الأغنام المصرية حجما، ولونها بنى.
ثم نجد فى الوجه القبلى:
١- الأوسيمى: وهى كثيرة الانتشار فى مصر، ولون شعر الجسم أبيض، أما الرأس فيغلب أن تكون فروته حمراء بنية.
٢- العبيدى: ولونها أبيض، والرأس بنى، وتوجد فى محافظة المنيا.
٣- الصنباوى: وتوجد فى منطقة «صنبو» وما حولها، ويغلب فيها اللون الأبيض.
ويعتبر «الأوسيمى» والرحمانى من أفضل الأنواع من حيث الإنتاج.
وتربى الأغنام فى مصر أصلا لإنتاج لحم الضأن الذى يفضله الشعب على باقى اللحوم الاخرى.
ومدة حمل النعاج ١٥٢ يوما، وتفطم الحملان فى سن أربعة أشهر غالبا.
وقد تباع ذكور الحملان فى هذه السن لذبحها، وتسمى بالأوازى.
والمعز: توصف بالحمق، وتفضل على الضأن بغزارة اللبن، وثخانة الجلد، وما نقص من ألية المعز زاد فى شحمه، ولذلك قالوا: «ألية المعز فى بطنه» ويسمى الذكر تيسا.
стр. 291
(ج) الأحكام الفقهية:
تكون الأضحية من الإبل والبقر والغنم، ويجزئ من الضأن ما له سنة ونصف، ومن الماعز ما له سنتان، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس ... يستوى فى ذلك الذكر والأنثى.
١- النية شرط فى الأضحية، ويجوز تقديمها على الذبح فى الأصح.
٢- ويستحب أن يأكل منها الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدى الثلث.
٣- تنحر الإبل، وتذبح الغنم، وكمال الذبح أن يقطع الحلقوم والمرئ والودجين.
٤- يحل أكل الغنم وبيعها بالنص والإجماع.
٥- ويجب فى سائمتها الزكاة، ففى كل أربعين شاة: جذعة ضأن، أو ثنية معز. وفى مائة وإحدى وعشرين: شاتان. وفى مائتين وواحدة: ثلاث شياه.
وفى أربعمائة: أربع شياه. ثم فى كل مائة شاة.
وتكفى الأضحية الواحدة عن البيت الواحد.. فقد كان الرجل من صحابة رسول الله ﷺ يضحى بالشاة عن نفسه وعن أهل بيته، فهى سنة كفاية.
وتجوز الأضحية بالخصى.. روى أحمد عن أبى رافع قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجوءين خصيين، ولأن لحمه أطيب وألذ.
(د) ما جاء فى السنة الشريفة عن الغنم والمعز:
[٤٤١] فى سنن البيهقى وغيره أن النبى ﷺ كان يكره من الشاة إذا ذبحت سبعا: «الذكر والأنثيين، والدم، والمرارة، والحيا، والعذرة، والمثانة» . وكان أحب الشاة إلى رسول الله ﷺ «مقدّمها» «١» .
[٤٤٢] وقالت أم سلمة- رضى الله تعالى عنها- كان عندى
стр. 292
رسول الله ﷺ ، فدخلت شاة، فأخذت قرصا تحت دنّ لنا، فقمت إليها فأخذته بين لحييها. فقال رسول الله ﷺ : «ما كان ينبغى لك أن تعنقيها (أى تأخذى بعنقها) وتعصريها» «١» .
[٤٤٣] وروى مسلم عن سهل بن سعد الساعدى- رضى الله عنه- قال: «كان بين مصلّى رسول الله ﷺ وبين الحائط ممرّ الشاة» «٢» .
وهذا يدل على استحباب القرب من السترة، كما جاء عنه أيضا:
«إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته» [رواه أبو داود] «٣» .
[٤٤٤] فى سنن أبى داود وغيرها: أن النبى ﷺ أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمّتها، فأكل منها، وأكل معه رهط من أصحابه، فمات بشر بن البراء بن معرور. فأرسل إلى اليهودية وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» قالت: إن كان نبيّا فلن يضرّه، وإن لم يكن نبيّا استرحنا منه. فأمر النبى ﷺ بها فقتلت «٤» .
كذا رواه وهو مرسل؛ فإن الزهرى لم يسمع من جابر شيئا، والمحفوظ أنه ﷺ قيل له: ألا تقتلها؟ فقال: «لا» كذا رواه البخارى ومسلم.
وجمع البيهقى بينهما بأنه لم يقتلها فى الابتداء، فلما مات بشر أمر بقتلها.
стр. 293
[٤٤٥] وفى صحيح البخارى وسنن أبى داود والترمذى وابن ماجه أن النبى ﷺ أعطى عروة بن الجعد (وقيل: ابن أبى الجعد) البارقى دينارا ليشترى به شاة، فاشترى شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاء بشاة ودينار.. وذكر ما كان من أمره. فقال: «بارك الله لك فى صفقة يمينك» «١» .
[٤٤٦] روى البزار وابن قانع أن النبى ﷺ قال: «أحسنوا إلى المعزى، وأميطوا عنها الأذى؛ فإنها من دواب الجنة» «٢» .
[٤٤٧] وفى الحديث: «استوصوا بالمعزى خيرا؛ فإنه مال رقيق، وأنقوا عطنه» .
أى: نقوا مرابضها مما يؤذيها من حجارة وشوك وغير ذلك «٣» .
[٤٤٨] روى أحمد بن صالح السهمى عن ابن لهيعة، عن موسى بن وردان عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: مرت بالنبى ﷺ نعجة فقال:
«هذه التى بورك فيها وفى خروفها» . لكنه حديث منكر جدّا.
[٤٤٩] روى الجماعة إلّا الترمذى عن أنس بن مالك- رضى الله تعالى عنه- قال: «ضحى الرسول ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما» «٤» .
стр. 294
[٤٥٠] وروى أبو داود وابن ماجه عن جابر- رضى الله عنه- قال: ذبح النبى ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال النبى ﷺ : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٩] . اللهم منك وإليك، ومن محمد وأمته باسم الله والله أكبر» ثم ذبح «١» .
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وفى الحديث الاخر لمسلم: «يطأ فى سواد، ويبرك فى سواد، وينظر فى سواد» «٢» .
ومعناه: أن قوائمه، وبطنه، وما حول عينيه أسود.
[٤٥١] وروى ابن سعد فى طبقاته: أن النبى ﷺ أهدى له ترس فيه تمثال كبش، فوضع يده عليه، فأذهب الله ذلك التمثال.
[٤٥٢] وفى رواية أنه كان له ﷺ ترس فيه تمثال كبش (وفى رواية تمثال عقاب) فكره النبى ﷺ مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى «٣» .
[٤٥٣] وعن أبى الدرداء- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قال:
«أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون للناس صوف الكباش، وقلوبهم كقلوب الذئاب. ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياى يخادعون، وبى يستهزئون، لأتيحن لهم
стр. 295
فتنة تدع الحكيم حيرانا» «١» .
[٤٥٤] وروى البيهقى فى الشعب عن عمر- رضى الله تعالى عنه- قال: نظر النبى ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلا، وعليه إهاب كبش قد تمنطق به، فقال ﷺ : «انظروا إلى هذا الذى نور الله قلبه، فقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلة بمائتى درهم فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون» «٢» .
[٤٥٥] روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله تعالى عنه- عن النبى ﷺ أنه قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جئ بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» ثم قرأ ﷺ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ [مريم: ٣٩] «٣» .
وفى رواية الترمذى: «فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. فيضجع، فيذبح، فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة بالحياة لماتوا فرحا. ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار بالحياة والبقاء لماتوا ترحا» .
وإنما جئ بالموت على هيئة كبش لما جاء: «أن ملك الموت أتى ادم- ﵇ فى صورة كبش أملح قد نشر من أجنحته أربعمائة جناح» «٤» .
[٤٥٦] وروى زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: كنت
стр. 296
غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن معيط، فجاء النبى ﷺ ، وأبو بكر، وقد نفرا من المشركين، فقالا: يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا؟
فقلت: إنى مؤتمن، ولست بساقيكما. فقال النبى ﷺ : هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل؟ قلت: نعم. قال: «فائتنى بها» قال:
فأتيتهما بها، فاعتقلها النبى ﷺ ، ومسح الضرع ودعا، فجعل الضرع يحفل، ثم أتاه أبو بكر بصخرة منقعرة فاحتلب فيها، وشرب رسول الله ﷺ ، وشرب أبو بكر، ثم شربت. ثم قال رسول الله ﷺ للضرع:
«اقلص» فقلص؛ أى: اجتمع. قال: فأتيته بعد ذلك، فقلت: علمنى من هذا القول: قال: إنك عليم معلم. قال: فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعنى فيها أحد» «١» .
[٤٥٧] وفى سنن أبى داود، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: «إن النبى ﷺ صلّى إلى جدار اتخذه قبلة، ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال ﷺ يدرؤها، حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه» «٢» .
[٤٥٨] فى صحيح مسلم، وسنن أبى داود، والنسائى، وابن ماجه من حديث يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبى ﷺ كان إذا سجد جافى بين يديه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر بين يديه مرت «٣» .
[٤٥٩] روى أبو داود عن ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما-
стр. 297
«أن النبى ﷺ كان يصلّى فذهب جدى يمر بين يديه، فجعل يتقيه» «١» .
[٤٦٠] وروى الطبرانى والبزار بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو ابن العاص- رضى الله عنهما- أن النبى ﷺ قال: «كان جدى فى غنم كثيرة ترضعه أمه فترويه، فانفلت يوما، فرضع الغنم كلها ثم لم يشبع، فقيل: إن مثل هذا مثل قوم يأتون من بعدكم، فيعطى الرجل منهم ما يكفى القبيلة أو الأمة، ثم لم يشبع» «٢» .
[٤٦١] وروى ابن ماجه من حديث أبى زيد الأنصارى- رضى الله عنه- قال: مرّ النبى ﷺ بدار من دور الأنصار، فوجد ريح قتار، فقال: «من هذا الذى ذبح؟» فخرج إليه رجل منا فقال: أنا يا رسول الله، ذبحت قبل أن أصلّى لأطعم أهلى وجيرانى. فأمره ﷺ أن يعيد؛ فقال: لا، والله الذى لا إله إلا هو ما عندى إلا جذع أو حمل من الضأن، فقال النبى ﷺ : «اذبحه ولن تجزئ جذعة عن أحد بعدك» «٣» .
[٤٦٢] عن أبى صعصعة الأنصارى عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدرى قال له: «إنى أراك تحبّ الغنم والبادية، فإذا كنت فى غنمك- أو باديتك- فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى «٤»
стр. 298
صوت المؤذن جنّ ولا إنس ولا شىء «١» إلا شهد له يوم القيامة» «٢» .
قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ .
[٤٦٣] عن عائشة رضى الله عنها قالت: «أهدى النبى ﷺ مرة إلى البيت غنما» «٣» .
[٤٦٤] عن أنس قال: «قدم النبى ﷺ المدينة فنزل أعلى المدينة فى حى يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبى ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بنى النجار فجاؤا متقلدى السيوف، كأنّى أنظر إلى النبى ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بنى النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبى أيوب، وكان يحبّ أن يصلّى حيث أدركته الصلاة، ويصلّى فى مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بنى النجار فقال: يا بنى النجار.. ثامنونى «٤» بحائطكم هذا.. قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.. فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبى ﷺ بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل إلى قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه «٥» الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون «٦» ، والنبى ﷺ معهم وهو يقول:
стр. 299
«اللهمّ لا خير إلّا خير الاخره ... فاغفر للأنصار والمهاجرة «١»
[٤٦٥] عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران نجتنى «٢» الكباث «٣» وإن رسول الله ﷺ قال:
«عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه. قالوا: أكنت ترعى الغنم «٤» ؟ قال:
وهل من نبى إلا وقد رعاها «٥» » «٦» .
[٤٦٦] عن أنس قال: «كان النبى ﷺ يصلّى- قبل أن يا بنى المسجد- فى مرابض الغنم» «٧» .
[٤٦٧] عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» «٨» .
[٤٦٨] عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى- رضى الله عنهما- قال: «جاء أعرابى فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. فقام خصمه فقال: صدق. اقض بيننا بكتاب الله، فقال الأعرابى: إن ابنى
стр. 300
كان عسيفا «١» على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا لى: على ابنك الرجم، ففديت ابنى بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك الوليدة، والغنم فردّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام «٢» ، فقال النبى ﷺ : لأقضين بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فرد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأمّا أنت يا أنيس- لرجل- فاغد على امرأة هذا فارجمها فغدا عليها أنيس فرجمها» «٣» .
[٤٦٩] عن أبى هريرة رضى الله عنه: عن النبى ﷺ قال:
«ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم «٤» ، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال:
نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» «٥» .
[٤٧٠] عن عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما قال: كنا مع النبى ﷺ ثم جاء رجل مشرك مشعانّ «٦» طويل بغنم يسوقها فقال النبى ﷺ بيعا أم عطية- أو قال: أم هبة- قال: لا بل بيع، فاشترى منه شاة «٧» .
стр. 301
[٤٧١] عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
«غزا نبىّ «١» من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعنى رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يا بنى بها ولمّا يبن بها «٢» ، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقفها، ولا اخر اشترى غنما أو خلفات «٣» وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية حين صلاة العصر، أو قريبا من ذلك، فقال للشمس:
أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علىّ شيئا فحبست حتى فتح الله عليه. فجمع الغنائم، فجاءت- يعنى النار- لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا «٤» ، فليبايعنى من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعنى قبيلتك، فبايعته، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول فجاؤا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثم أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» «٥» .
[٤٧٢] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العواف «٦» - يريد عوافى السّباع والطّير- واخر من يحشر راعيان
стр. 302
من مزينة يريدان المدينة ينعقان «١» بغنمهما فيجدانها وحشا «٢» ، حتى إذا بلغا ثنيّة الوداع خرّا على وجوههما» «٣» .
[٤٧٣] عن جندب بن سفيان قال: «شهدت الأضحى مع رسول الله ﷺ فلما قضى صلاته بالناس نظر إلى غنم قد ذبحت فقال: «من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله «٤» » «٥» .
[٤٧٤] عن البراء قال: «ضحّى خالى أبو بردة قبل الصلاة فقال رسول الله ﷺ تلك شاة لحم «٦» ، فقال يا رسول الله إن عندى جذعة من المعز، فقال: ضحّ بها ولا تصلح لغيرك، ثم قال: من ضحّى قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين» «٧» .
[٤٧٥] عن أنس بن مالك قال: «افتتحنا مكة، ثم إنّا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت الناس من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة الاف، وعلى مجنّبة «٨» خيلنا
стр. 303
خالد بن الوليد، قال فجعلت خيلنا تلوى «١» خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ : يا للمهاجرين يا للمهاجرين، ثم قال يا للأنصار يا للأنصار، قال: قال أنس [هذا حديث عمّيّة] قال: قلنا لبيك يا رسول الله. قال: فتقدم رسول الله ﷺ قال: فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة.. ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطى الرجل المائة من الإبل» «٢» .
[٤٧٦] عن معاوية بن الحكم السلمى قال: «كانت لى جارية ترعى غنما لى قبل أحد، والجوّانيّة «٣» ، فاطّلعت ذات يوم فإذا الذّئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى ادم اسف كما يأسفون لكنى صككتها صكّة «٤» فأتيت رسول الله ﷺ فعظّم ذلك علىّ قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتنى بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟
قالت: فى السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنّها مؤمنة» «٥» .
[٤٧٧] عن البراء قال: «لما أقبل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة فاتّبعه سراقة بن مالك بن جعشم، قال: فدعا عليه رسول الله ﷺ
стр. 304
فساخت فرسه «١» ، فقال: ادع الله لى ولا أضرك، قال: فدعا الله، قال:
فعطش رسول الله ﷺ فمروا براعى غنم. قال أبو بكر: فأخذت قدحا فحلبت فيه لرسول الله ﷺ كثبة من لبن «٢» فأتيته به فشرب حتى رضيت» «٣» .
[٤٧٨] عن سفيان بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعثه مصدّقا، فكان يعدّ على الناس بالسّخل، فقالوا: أتعدّ علينا بالسخل ولا تأخذ منه شيئا؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك، فقال عمر: نعم تعد عليهم بالسخلة، يحملها الراعى ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة ولا الرّبّى ولا الماخض ولا فحل الغنم.. وتأخذ الجذعة والثنيّة، ذلك عدل بين غذاء الغنم وخياره.
قال مالك: والسخلة الصغيرة حين تنتج.. والرّبّى التى قد وضعت فهى تربى ولدها. والماخض هى الحامل.. والأكولة هى شاة اللحم التى تسمن لتؤكل «٤» .
[٤٧٩] عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: أتيت النبى ﷺ فذبح لنا شاة، وقال: «لا تحسبن ولم يقل لا يحسبن، إنما ذبحناها لك، ولكن لنا غنم، فإذا بلغت مائة ذبحنا شاة» «٥» .
[٤٨٠] روى البيهقى فى «الشعب» عن عمر- رضى الله تعالى عنه- قال: نظر النبى ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب
стр. 305
كبش قد تمنطق به؛ فقال ﷺ : انظروا إلى هذا الذى نور الله قلبه؛ لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب. ولقد رأيت عليه حلة اشتريت بمائة درهم؛ فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون» «١» .
[٤٨١] وروى البيهقى فى «البعث والنشور» من حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فدى إسحاق بالكبش، قال الله- إن لك دعوة مستجابة، فقال له إبراهيم تعجل دعوتك لا يدخل الشيطان فيها. قال إسحاق: اللهم من لقيك من الأولين والاخرين لا يشرك بك شيئا فاغفر له» «٢» .
[٤٨٢] وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس رضى الله عنه «أن النبى ﷺ كان يصف من (عرق النّسا) ألية كبش عربى أسود، ليس بالعظيم ولا بالصغير، تجزأ ثلاثة أجزاء، فيذاب ويشرب منه كل يوم جزء» «٣» .
[٤٨٣] وروى الحاكم وابن ماجه، ولفظهما أن النبى ﷺ قال:
«شفاء (عرق النّسا) أن يؤخذ ألية كبش فتذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق ثلاثة أيام، فى كل يوم جزء «٤» .
стр. 306
[باب الفاء]
الفاختة: واحدة الفواخت من ذوات الأطواق، ويقال لها أيضا: «الصّلصل» (انظر الحمام) .
١- الفأر
(أ) الفأر فى اللغة:
حيوان تنسب إليه الفصيلة الفأرية، من رتبة القوارض، وهو يشمل الجرذ والفأرة؛ أى: الكبير والصغير، وتسهّل الهمز، فيقال: فار.
والجمع: فئران، وفيران، وفئرة. ويكنى بقلة الفأر فى البيت عن الفقر.
وتطلق الفأرة على الواحد من فصيلة الفأرة. وقيل: يطلق الفأر على المذكر، والفأرة على المؤنث. وكنية الفأرة: أم خراب، وأم راشد. والفويسقة.
وفى الأمثال: قالوا: «ألصّ من فأرة» ، و «أسرق من زبابة» وهى الفأرة البرية تسرق كل ما تحتاج إليه، وما تستغنى عنه.
(ب) طبائع هذا الحيوان:
قال الدميرى: والفأر نوعان: جرذ وفئران، وكلاهما له حاسة السمع والبصر، وليس فى الحيوانات أفسد من الفأر، ولا أعظم أذى منه؛ لأنه لا يبقى على حقير ولا جليل، ولا يأتى على شىء إلا أتلفه وأهلكه. ومن الطريف أن القارورة الضيقة الرأس لا تسلم من أذاه، فإنه يحتال حتى يدخل فيها ذنبه، فكلما ابتل بما فيها، أخرجه وامتصه حتى لا يدع فيها شيئا.
(ج) الحكم الفقهى:
يحرم أكل جميع أنواع الفأر إلا اليربوع. ويكره سؤر الفأر.
والعلماء مجمعون على أن حكم السمن الجامد تقع فيه الميتة أنها تلقى
стр. 307
وما حولها، ويؤكل بقيته، وأما المائع كالخل والزيت، والسمن المائع، واللبن والشيرج، والعسل المائع، فلا خلاف فى أنه لا يؤكل. والمشهور جواز الاستصباح به، وكل هذا فى غير المساجد، فأما فى المساجد فلا يستصبح به جزما.
واتفق جماهير العلماء على جواز قتل الفأر فى الحل والحرم.
(د) ما جاء فى السنة الشريفة من الأحاديث الواردة فى الفأر:
[٤٨٤] عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبى ﷺ أمر بقتل الوزغ، وسمّاه فويسقا «١» .
[٤٨٥] روى البخارى وأبو داود والترمذى عن جابر عن عبد الله رضى الله تعالى- عنه أن النبى ﷺ قال: «خمروا الانية، وأوكئوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وأكفئوا صبيانكم عند المساء فإن للجن انتشارا وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما اجترّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» «٢» .
[٤٨٦] وفى سنن أبى داود عن ابن عباس- رضى الله تعالى عنهما- قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدى رسول الله ﷺ على الخمرة التى كان قاعدا عليها، فأحرقت منها موضع درهم» «٣» .
[٤٨٧] وروى الحاكم: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فذهبت الجارية تزجرها، فقال النبى ﷺ : «دعيها» . فجاءت بها فألقتها بين يدى النبى ﷺ على الخمرة التى كان قاعدا عليها، فأحرقت منها موضع
стр. 308
درهم، فقال- ﵊ «إذا نمتم فأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم» «١» .
[٤٨٨] وفى صحيح مسلم وغيره: أن النبى ﷺ أمر بإطفاء النار عند النوم. وعلل ذلك بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم نارا.
[٤٨٩] وفى البخارى ومسلم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال:
«فقدت أمة من بنى إسرائيل، ولا يدرى ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر؛ ألا تراها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاة شربته» «٢» .
[٤٩٠] عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: «فقدت أمّة من بنى إسرائيل لا يدرى ما فعلت وإنى لا أراها إلا الفأر إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشّاة شربت «٣» فحدثت كعبا فقال: أنت سمعت النبى ﷺ يقوله؟ قلت: نعم. قال لى مرارا فقلت: أفأقرأ التّوراة؟ «٤» » «٥» .
[٤٩١] عن أبى سعيد الخدرى: «أن أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا نبى الله إنا حى من ربيعة. وبيننا وبينك كفّار مضر، ولا نقدر «٦» عليك إلا فى أشهر الحرم.. فمرنا بأمر نأمر به
стр. 309
من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به، فقال رسول الله ﷺ : امركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم، وأنهاكم عن أربع: عن الدّبّاء «١» والحنتم «٢» والمزفّت «٣» والنقير «٤» .
قالوا: يا نبى الله، ما علمك بالنّقير؟ قال: بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء «٥» . قال سعيد: أو قال من التمر- ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم أو أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف «٦» . قال: وفى القوم رجل أصابته جراحة كذلك، قال: وكنت أخبؤها حياء من رسول الله ﷺ فقلت:
ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: فى أسقية الادم التى يلاث على أفواهها «٧» . فقالوا: يا رسول الله، إن أرضنا كثيرة الجرذان «٨» ، ولا تبقى بها أسقية الادم، فقال نبى الله ﷺ : وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان. قال: وقال نبى الله ﷺ لأشج عبد القيس: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» «٩» .
[٤٩٢] عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ،
стр. 310
فلما برزنا من المدينة إذ راكب يوضع نحونا، فقال رسول الله ﷺ :
«هذا الراكب إياكم يريد» .. قال: فانتهى الرجل إلينا، فسلّم، فرددنا عليه، فقال له النبى ﷺ : «من أين أقبلت؟» قال: من أهلى وولدى وعشيرتى.. قال: «فأين تريد؟» قال: أريد رسول الله ﷺ .. قال:
«فقد أصبته» .. قال: يا رسول الله، علّمنى ما الإيمان؟ قال: «تشهد ألاإله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» قال: قد أقررت. قال: ثم إن بعيره دخلت يده فى شبكة جرذان، فهوى بعيره، وهوى والرجل فوقع على هامته فمات. فقال رسول الله ﷺ : «علىّ بالرجل» .. فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة فأقعداه، فقالا: يا رسول الله قبض الرجل..
فأعرض عنهما رسول الله ﷺ ثم قال لهما: «أما رأيتما إعراضى عن الرجلين، فإنى رأيت ملكين يدسان فى فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعا» .. ثم قال رسول الله ﷺ : «هذا والله من الذين قال الله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» «١» الحديث.
[٤٩٣] عن ميمونة رضى الله عنها أنّ رسول الله ﷺ : سئل عن فأرة وقعت فى سمن فماتت فقال: «ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم» . وفى رواية سئل عن الفأرة تقع فى السّمن فقال: «إن كان جامدا فألقوها، وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه» «٢» .
стр. 311
[٤٩٤] عن أبى هريرة- رضى الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ قال:
«إذا وقعت الّفأرة فى السّمن، فإن كان جامدا فالقوها وما حولها، وإن كان مائعا، فلا تقربوه» «١» .
стр. 312
٢- الفحل
(أ) الفحل فى اللغة:
الفحل: الذكر من ذى الحافر، والظلف، والخف، وغير ذلك من ذى الروح، وجمعه أفحل، وفحول، وفحولة، وفحال، وفحالة.
وجاء فى المعجم الوسيط: هو الذكر القوى من كل حيوان، والجمع: فحول وأفحل.
ومن الأمثال المستحسنة قولهم: «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» .
وقد تمثل به ورقة بن نوفل فى النبى ﷺ حين خطب خديجة بنت خويلد رضى الله عنها.
ويقال: بل تمثل به أبو سفيان بن حرب حين خطب النبى ﷺ ابنته أم حبيبة رضى الله عنها.
قال العسكرى: وأصحاب الحديث يروونه: «الفحل لا يقرع أنفه» بالراء.
ويقال: قدع أنفه. بالدال. عن كذا؛ أى: منع.
وقالوا: «الفحل يحمى شوله معقولا» .
والشّول: النوق التى جف لبنها، وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، والشول: جمع على غير قياس. و «معقولا» نصب على الحال؛ أى: أن الحر يحتمل الأمر الجليل فى حفظ أهله وحريمه، وإن كانت به علة.
(ب) طبائع الفحل:
فيه قوة، وقال البخارى فى الجهاد، وقال راشد بن سعد: كان السلف يستحبون الفحولة من الخيل، لأنها أجرى، وأجرأ؛ أى أسرع وأجسر.
(ج) من أحكام الفحل:
أن من غصب فحلا وأنزاه على شاته، فالولد للغاصب، ولا شىء عليه
стр. 313
للإنزاء؛ لكن إذا نقص الفحل بذلك غرم أرش (ما يقابل) نقصه.
وإن غصب شاة، وأنزى عليها فحلا، فالولد لصاحب الشاة.
ولا يجوز بيع عسب الفحل، وهو ماؤه، والفحل الذكر من كل حيوان فرسا أو جملا أو تيسا، وقد نهى النبى ﷺ عن ذلك، لأن ماء الفحل غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى تحريمه بيعا وإجارة، ولا بأس بالكرامة، وهى ما يعطى على عسب الفحل من غير اشتراط شىء عليه.. وقيل: يجوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة، وبه قال الحسن وابن سيرين، وهو مروى عن مالك ووجه للشافعى والحنابلة.
(د) ما جاء فى السنة الشريفة عن الفحل:
[٤٩٥] روى الحافظ أبو نعيم عن طريق غيلان بن سلمة الثقفى قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره، فرأينا منه عجبا: جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ إنه كان لى حائط (حديقة) فيه عيشى وعيش عيالى، ولى فيه ناضحان فحلان، وقد منعانى أنفسهما، وحائطى وما فيه، فلا يقدر أحد أن يدنو منهما. فنهض نبى الله ﷺ حتى أتى الحائط، فقال لصاحبه: «افتح» فقال: إن أمرهما عظيم!! فقال ﷺ :
«افتح» فلما حرك الباب أقبلا، ولهما رغاء وجلبة. فلما انفرج الباب، ونظرا إلى رسول الله ﷺ بركا، ثم سجدا، فأخذ النبى ﷺ برؤسهما، ثم دفعهما إلى صاحبهما، وقال: «استعملهما، وأحسن علفهما» .
فقال القوم: تسجد لك البهائم!، أفلا تأذن لنا بالسجود لك؟! فقال رسول الله ﷺ : «إن السجود لا ينبغى إلا للحى القيوم الذى لا يموت، ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «١» .
стр. 314
[٤٩٦] وفى الصحيحين وغيرهما: «يعضّ أحدكم أخاه كما يعضّ الفحل» «١» .
[٤٩٤] وفى السنن: «يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل» «٢» .
* عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاء أعرابى إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد جئتك من عند قوم ما يتزوّد لهم راع «٣» ، ولا يخطر لهم فحل «٤» ، فصعد المنبر، فحمد الله، ثم قال: «اللهم اسقنا غيثا مغثيا مريئا طبقا مريعا غدقا «٥» ، عاجلا غير رائث» .. ثم نزل، فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قال: قد أحيينا «٦» .
[٤٩٨] عن أنس بن مالك أى رسول الله ﷺ نهى أن يبيع الرجل فحلة فرسه «٧» .
[٤٩٩] عن جابر بن عبد الله عن النبى ﷺ قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدى حقها، إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات الظّلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذ جمّاء ولا مكسورة القرن» قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟
قال: «إطراق فحلها «٨» ، وإعارة دلوها، ومنيحتها «٩» ، وحلبها على الماء، وحمل عليها فى سبيل الله ... » «١٠» الحديث.
стр. 315
٣- الفراش
(أ) الفراش فى اللغة:
جنس حشرات من الفصيلة الفراشية، ورتبة حرشفيات الأجنحة، تتهافت حول السراج فتحترق. واحدتها: فراشة.
ومنه المثل: «أطيش من فراشة» ، وأضعف، وأذل، وأجهل، وأخف، وأخطأ من فراشة؛ لأنها تلقى نفسها فى النار.
(ب) طبائع الفراش:
قال الدميرى: الفراش دواب مثل البعوض، واحدتها فراشة، وهى التى تطير وتتهافت فى السّراج لضعف إبصارها؛ فهى بسبب ذلك تطلب ضوء النهار، فإذا رأت فتيلة السراج بالليل ظنت أنها فى بيت مظلم، وأن السراج كوّة فى البيت المظلم إلى الموضع المضئ، فلا تزال تطلب الضوء، وترمى بنفسها إلى النار، فإذا جاوزتها، ورأت الظلام، ظنت أنها لم تصب الكوّة، ولم تقصدها على السداد، فتعود إليها مرة بعد أخرى حتى تحترق.
وكم تغنى الشعراء بجمال الفراشات فى الربيع، وهى تحوم حول الأزهار، تقبل الورد وتشمه، ثم تحمل عطره فتعطر الجو وهى تحلق!.
وقد ورد ذكر الفراش فى القران. فقال سبحانه: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] .
شبههم بالفراش فى الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعى من كل جانب كما يتطاير الفراش.
(ج) الحكم الفقهى:
تحريم الأكل.
стр. 316
(د) ما ورد فى السنة النبوية الشريفة عن الفراش:
[٥٠٠] عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنما مثلى ومثل أمّتى، كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا اخذ بحجزكم، وأنتم تقتحمون فيه» «١» .
[٥٠١] وروى مسلم عن جابر- رضى الله تعالى عنه- قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مثلى ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبّهن عنها، وأنا اخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تتفلتون من يدى» «٢» .
[٥٠٢] وروى مسلم- أيضا- عن ابن مسعود قال: لما أسرى برسول الله ﷺ انتهى إلى سدرة المنتهى. وهى فى السماء السادسة إليها ينتهى ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهى ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال ﵎: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: ١٦] قال: فراش من ذهب «٣» .
[٥٠٣] وروى البيهقى فى «الشّعب» عن النواس بن سمعان- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قال: «ما لى أراكم تتهافتون فى الكذب تهافت الفراش فى النار؟! كل الكذب مكتوب إلا الكذب فى الحرب، والكذب فى إصلاح ذات البين، وكذب الرجل على امرأته ليرضيها» «٤» .
стр. 317
[٥٠٤] عن أبى بكرة عن النبى ﷺ قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتقادع بهم جنبة الصراط تقادع الفراش فى النار..
قال: فينجى الله ﵎ برحمته من يشاء. قال: ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا، فيشفعون ويخرجون، ويشفعون ويخرجون، ويشفعون ويخرجون [وزاد عفان مرة فقال أيضا: ويشفعون ويخرجون] من كان فى قبله ما يزن ذرة من إيمان» «١» .
стр. 318
٤- الفرا
الفرا: الحمار الوحشى والجمع الفراء مثل: جبل وجبال.
وفى المثل: «كل الصيد فى جوف الفرا» «١» .
[٥٠٥] قاله النبى ﷺ لأبى سفيان بن الحارث: وقيل: لأبى سفيان ابن حرب يتألفه به. وذلك أنه استأذن على النبى ﷺ فحجب قليلا، ثم أذن له، فلما دخل قال: ما كدت تأذن لى حتى تأذن لحجارة الجلهمتين، وهما جانبا الوادى. فقال النبى ﷺ : «يا أبا سفيان، أنت كما قيل: «كل الصيد فى جوف الفرا» قال النبى ﷺ ذلك يتألفه على الإسلام «٢» .
стр. 319
٥- الفرس
(أ) طبائع الفرس:
وفى الفرس الزهو والخيلاء والسرور بنفسه، والمحبة لصاحبه. ومن أخلاقه الدالة على شرف نفسه وكرمه أنه لا يأكل بقية علف غيره. ومن علو همته أن أشقر مروان كان سائسه لا يدخل عليه إلا بإذن؛ وهو أن يحرك له المخلاة، فإن حمحم دخل، وإن دخل ولم يحمحم شد عليه!
والأنثى من الخيل ذات شبق شديد، ولذلك تطيع الفحل من غير نوعها وجنسها.
قال الجاحظ: والحيض يعرض للإناث منهن، ولكنه قليل. والذكر ينزو إلى تمام أربعين سنة، وربما عمّر إلى تسعين.
(ب) ما جاء بشأنها فى الحديث الشريف:
[٥٠٦] روى أبو داود والحاكم عن أبى هريرة- رضى الله تعالى عنه- «أن رسول الله ﷺ كان يسمى الأنثى من الخيل فرسا» «١» .
[٥٠٧] عن مجاهد قال: شهد ابن عمر الفتح وهو ابن عشرين سنة، ومعه فرس حرون ورمح ثقيل، فذهب ابن عمر يختلى لفرسه، فقال رسول الله ﷺ : «إن عبد الله ... إن عبد الله» «٢» .
[٥٠٨] عن أبى بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: كان للنبى ﷺ فى حائطنا فرس يقال له اللّحيف. وقال بعضهم: اللّخيف «٣» .
[٥٠٩] وفى سنن البيهقى، فى كتاب البيوع أن عبد الرحمن بن
стр. 320
عوف اشترى من عثمان بن عفان- رضى الله تعالى عنهما- فرسا بأربعين ألفا.
[٥١٠] والفرس الذى اشتراه النبى ﷺ من الأعرابى وشهد له به خزيمة اسمه «المرتجز» ، واسم الأعرابى: سواد بن الحارث المحاربى.
وكان النبى ﷺ ابتاعه منه، فاستتبعه ليقبض ثمنه منه، فأسرع النبى ﷺ المشى، وأبطأ الأعرابى، فساومه رجال لا يشعرون أن النبى ﷺ ابتاعه منه. فنادى الأعرابى، إن كنت مبتاعا هذا الفرس، وإلا بعته. فقال النبى ﷺ : «أو ليس قد ابتعته منك؟» فقال الأعرابى: لا والله. وطفق الأعرابى يقول: هلم بشهيد. فقال خزيمة: أنا أشهد. فأقبل النبى ﷺ على خزيمة فقال: «بم تشهد؟» قال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين» [رواه أبو داود، والنسائى] .
وفى رواية فى الحديث: «هلا حضرتنا يا خزيمة؟» . قال: لا.
قال: «فكيف تشهد بذلك؟» . فقال خزيمة: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، أصدقك على أخبار السماء، وما يكون فى غد، ولا أصدقك فى ابتياعك هذا الفرس! فقال- ﵊: «إنك لذو الشهادتين يا خزيمة» «١» .
[٥١١] وفى مسند الإمام أحمد عن روح بن زنباع أنه روى عن تميم الدارى- رضى الله عنه- أنه قال: إن النبى ﷺ قال: «من نقّى لفرسه شعيرا ثم جاءه حتى يعلفه، كتب الله له بكل شعيرة حسنة» ورواه ابن ماجه بمعناه «٢» .