القسم الثالث في العمليات الكتابية
وما يشبهها وما يضاف إليها وفيه أبواب:
الباب الأول في كتّاب الوحي وفيه فصول:
стр. 142
العمليات الكتابية
«في كتاب «١» «أنباء الأنبياء، وتواريخ الخلفاء، وولايات الملوك والأمراء» : كان عثمان بن عفان وعلي يكتبان الوحي لرسول الله ﷺ ، فإن غابا كتب أبي بن كعب وزيد بن ثابت اهـ وفي الإستيعاب ص ٢٦ ج ١ وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله ﷺ الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، وكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ﷺ اهـ» .
ونحوه في العقد الفريد لابن عبد ربه انظر ص ١٤٣ من الجزء الثاني قال القضاعي:
فإن لم يحضر أحد منهم، كتب الوحي من حضر من الكتاب وهم: معاوية، وجابر بن سعيد بن العاصي، وابان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، وحنظلة بن الربيع، وكان عبد الله بن أبي سرح يكتب الوحي أيضا، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان، فأمّنه رسول الله ﷺ وحسن اسلامه.
باب كتابه ﵇ مطلقا
ذكرهم الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فأوصلهم إلى ثلاث وعشرين، وترجم لهم في بهجة المحافل، فأوصلهم إلى خمسة وعشرين، فذكر منهم عليا وأبا بكر وعمر وعثمان وعامر بن فهيرة وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاصي، وأخاه حبان «٢» وحنظلة بن أبي عامر الأسدي وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول والزبير بن العوام ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي والمغيرة بن شعبة وخالد بن الوليد والعلاء بن الحضرمي وعمرو بن العاصي وجهيم بن الصلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكأنه قلد في ذلك ابن عبد البر، فقد أوصلهم إلى العدد المذكور في ترجمة زيد من الإستيعاب، وأوصلهم القرطبي في تفسيره إلى ستة وعشرين، وأوصلهم الشبراملسي في كتاب القضاء، من حاشيته على المنهج في
стр. 143
فقه الشافعية إلى أربعين، وأوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين فقال:
كتّابه؛ اثنان وأربعونا ... زيد بن ثابت وكان حينا
كاتبه، وبعده، معاوية ... ابن أبي سفيان كان واعيه
كذا أبو بكر، كذا علي، ... عمر، عثمان، كذا أبي
وابن سعيد خالد، وحنظله ... كذا شرحبيل حسنه «١»
وعامر وثابت بن قيس ... كذا ابن ارقم بغير لبس
واقتصر المزيّ مع عبد الغني ... منهم على ذا العدد المبيّن
وزدت من مفترقات السير ... جمعا كثيرا فاضبطنه واحصري
طلحة والزبير وابن الحضرمي ... وابن رواحة وجهما فاضمم
وابن الوليد خالدا وحاطبا ... هو ابن عمرو وكذا حويطبا
حذيفة بريدة أبان ... ابن سعيد وأبا سفيان
كذا ابنه يزيد بعض مسلمه ... الفتح مع محمد بن مسلمه
عمرو هو ابن العاصي مع مغيرة ... كذا السجل مع أبي سلمه
كذا أبو أيوب الأنصاريّ ... كذا معيقيب هو الدوسي
وابن أبي الارقم فيهم أعدد ... كذاك ابن سلول المهتدي
كذا ابن زيد إسمه عبد الله ... والجد عبد ربه بلا اشتباه
واعدد جهيما والعلا ابن عتبة ... كذا حصين ابن نمير أثبت
وذكروا ثلاثة قد كتبوا ... وارتدّ كل منهم وانقلبوا
ابن أبي سرح مع ابن خطل ... وآخر أبهم لم يسمّ لي
ولم يعد منهم إلى الدين سوى ... ابن أبي سرح وباقيهم غوى
اهـ وعدهم البرهان الحلبي في الحواشي الشفا فأوصلهم إلى ثلاثة وأربعين، قال الهوريني في المطالع النصرية: ولكن لم يكونوا كلهم كتاب وحي؛ وإنما كان أكثرهم مداومة على ذلك بعد الهجرة؛ زيد بن ثابت، ثم معاوية بعد الفتح اهـ وأصله للنووي قال في التهذيب: قالوا: وكان أكثرهم كتابة زيد بن ثابت، ومعاوية اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر في بهجة المجالس: كتب لرسول الله ﷺ جماعة، وكان كاتبه المواظب على الرسائل والأجوبة، والذي كتب الوحي كله زيد بن ثابت اهـ.
وقد ترجم البخاري في كتاب الأحكام «٢» باب: ما يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا، وذكر فيها قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر، في جمع القرآن، وقول أبي بكر
стр. 144
لسيدنا زيد: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن واجمعه، قال الحافظ في الفتح: لأنه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله لما استكتبه النبي ﷺ الوحي، وإنما وصفه بالعقل وعدم الإتهام دون ما عداهما إشارة إلى إستمرار ذلك له اهـ.
باب في خليفة كل كاتب من كتّابه ﵇
ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد، أن حنظلة بن الربيع كان خليفة كل كاتب من كتّابه ﵇ إذا غاب عن عمله اهـ انظر ص ١٤٤ من الجزء الثاني.
فائدة: شرحبيل بن حسنة هو أول كاتب لرسول الله ﷺ ، قاله في المواهب. وفيها أيضا نقلا عن الحافظ بن حجر: أول من كتب له ﵇ بالمدينة أبيّ بن كعب قبل زيد وغيره، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري. قال الزرقاني: خرج شرحبيل بن حسنة لأنه كندي فلا يرد على قوله: إنه أول من كتب اهـ.
وفي صبح الأعشى ص ٨٩ من الجزء الأول في الباب الرابع من المقدمة في التعريف بحقيقة ديوان الإنشاء: واصل وضعه في الإسلام- بعد أن بين أن الديوان اسم الموضع الذي يجلس فيه الكتّاب- قال: الفصل الثاني في أصل وضعه في الإسلام، وتفرقه بعد ذلك في الممالك ما نصه: إعلم أن هذا الديوان أول ديوان وضع في الإسلام، وذلك أن النبي ﷺ كان يكاتب أمراءه، وأصحاب سراياه من الصحابة ويكاتبونه، وكتب إلى من قرب من ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وبعث إليهم رسله بكتبه، وكتب لعمرو بن حزم عهدا حين وجهه إلى اليمن، وكتب لتميم الداري وإخوته بإقطاع بالشام، وكتب كتاب القضية بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، وكتب الأمانات أحيانا إلى غير ذلك، مما سيأتي ذكره في الاستشهاد به في مواضع، وهذه المكتوبات كلها متعلّقها ديوان الإنشاء، بخلاف ديوان الجيش، فإن أول من وضعه ورتبه عمر بن الخطاب في خلافته اهـ.
وفي كتاب مفتاح السعادة ومصباح السيادة للشيخ عصام الدين أحمد بن مصطفى المعروف بطاشكبري زاده: علم الشروط والسجلات وهو العلم ١٥ منه قال: وهو من فروع الفقه، وهو علم باحث عن كيفية إثبات الأحكام الثابتة عند القاضي في الكتب والسجلات، على وجه يصح الاحتجاج به عند اقتضاء شهود الحال، وموضوعه تلك الأحكام من حيث الكتابة، وبعض مباديه مأخوذ من الفقه وبعضها من علم الإنشاء، وبعضها من الرسوم والعادات والأمور الاستحسانية، ولمحمد بن الصافي تأليف حسن في هذا العلم، والذي يوافق عرف هذا الزمن تأليف محمد بن أفلاطون، واعلم أن هذا العلم من فروع علم الأدب؛ باعتبار تحسين الألفاظ وإخراجها على مقتضى الحال، وقد يجعل من فروع علم الفقه من حيث تراتيب معانيه على وجه يوافق قوانين الشرع، وهذا أوردناه في القسم الأدبي. وفي القسم العلمي أخرى فلا تأخذ في نفسك شيئا قبل أن تقف على حقيقة
стр. 145
الحال اهـ ونحوه في كشف الظنون، بعد أن ذكر من ألف فيه، ومنهم؛ أبو زيد أحمد بن زيد الشروطي الحنبلي، وذكر الجرجاني في ترجيح مذهب أبي حنيفة؛ أن الشروطي لم يسبقه أحد، وأجاب أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي في رده بأن النبي ﷺ أول من أملى كتب العهود والمواثيق؛ منها عهده لنصارى أيلة بخط علي بن أبي طالب اهـ ص ٥٦ الجزء الثاني.
باب في كتاب السر
قال المقريزي في الخطط: كتّاب السر رتبة قديمة لها أصل في السنة، فقد خرج أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلّم كتاب العبرانية أو قال السريانية؟ فقلت: نعم فتعلمتها في سبع عشرة ليلة «١» .
فصل في ذكر كتاب الرسائل والإقطاع
«في الاستيعاب ص ٢٦ من ج ١، والإصابة عن الواقدي: أول من كتب لرسول الله ﷺ الوحي مقدمه المدينة أبي بن كعب وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتبه فلان.
وكان إذا لم يحضر دعا زيد بن ثابت فكتب، وكان أبي وزيد يكتبان بين يديه ﷺ ويكتبان كتبه للناس وما يقطع وغير ذلك، قال أبو عمر: كان من المواظبين على كتب الرسائل عبد الله بن الأرقم الزهري، وذكر عن ابن إسحاق أنه قال: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضا. وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أمراء الأجناد والملوك، أو إلى إنسان بقطيعة أمر من حضر أن يكتب له. والإقطاع كما في المشارق: تسويغ الإمام من مال الله لمن يراه أهلا لذلك.
وفي الاستيعاب: وكتب زيد بعد رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر. وكان على بيت المال في خلافة عثمان، وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير؛ أن رسول الله ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم، فكان يجيب عنه إلى الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطيّنه ويختمه وما يقرؤه لأمانته عنده» .
وما نقله عن ابن إسحاق في حق عبد الله بن الأرقم خرّجه البيهقي.
قال الحافظ في كتاب الأحكام من الفتح بإسناد حسن وخرّجه أيضا البغوي وقال
стр. 146
مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال عمر: كتب إلى رسول الله كتاب فقال لعبد الله بن الأرقم الزهري: أجب هؤلاء عني، فأجابهم ثم جاء به فعرضه عليه ﵇ فقال:
أصبت بما كتبت. قال عمر فما زالت في نفسي حتى جعلته على بيت المال، وذكر هذه القصة في العتبية وزاد: قال عمر: ما رأيت أخشى لله منه، حاشا رسول الله ﷺ .
وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم، - وكان له على بيت المال- بثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها. وروي أنه بلغ من أمانته عند رسول الله ﷺ أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ويأمره أن يطيّنه ويختمه ما يقرؤه لأمانته عنده اهـ من البيان والتحصيل لابن رشد.
باب فيمن كان يكتب عن النبي ﷺ للبوادي
كان يكتب له للبوادي معاوية، فقد قال المدائني كما في شرح المواهب: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ومعاوية يكتب للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب انظر ص ٣٦٩ من الجزء الثالث.
تنبيه: في الشفا؛ أن رجلا قال للمعافى بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ يعني أيهما أفضل وخصهما بالسواء لأنهما أمويان، فغضب المعافى على السائل وقال: لا يقاس بأصحاب النبي ﷺ أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحيه، لأنه لو لم يستأمنه ما استكتبه الوحي، وكفاه بهذا مرتبة لم يصل إليها عمر بن عبد العزيز وأضرابه، قال الشهاب في نسيم الرياض: والمعافى رجل منطق فما صح عنه يرد ما قيل:
إنه لم يكتب له شيئا من الوحي، وإنما كان يكتب له إلى القبائل والجهات اهـ.
فصل في كتابته ﵇ في الجلد ومقداره
ترجم في الإصابة لمالك بن أحمر الجذامي العوفي، فذكر أن ابن شاهين أخرج بسنده عنه؛ أنه لما بلغهم مقدم النبي ﷺ تبوك، وفد إليه مالك بن أحمر فأسلم، وسأله أن يكتب له كتابا يدعوه إلى الإسلام فكتب له في رقعة من أدم (جلد) . وفي طريق آخر:
عرضها أربعة أصابع وطولها قدر شبر، وقد انمحى ما فيها، وكذا أخرجه البغوي والطبراني في الأوسط.
وهاهنا تنبيه: ترجم في صبح الأعشى لما نطق به القرآن مما يكتب فيه فذكر اللوح، وذلك قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١- ٢٢] الثاني:
الرق بفتح الراء قال تعالى: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ والرق ما يرقق من الجلد ليكتب فيه، الثالث: القرطاس والصحيفة، وهو الكاغذ. ثم عقد فصلا آخر لما كانت الأمم السالفة تكتب فيه، فذكر أن أهل الصين كانوا يكتبون في رق مصنوعة من الحشيش، وعنهم أخذ الناس صناعة الورق، وأهل الهند يكتبون في خرق الحرير الأبيض، والفرس يكتبون
стр. 147
في الجلود المدبوغة من جلود الجواميس والبقر والغنم والوحوش، وكذلك كانوا يكتبون في اللخاف بالخاء المعجمة وهي حجارة بيض رقاق، وفي النحاس والحديد ونحوهما.
وفي عسيب النخل وهي الجريد الذي لا خوص فيه. وفي عظم أكتاف الإبل والغنم، وعلى هذا الأسلوب، كانت العرب لقربهم منهم. واستمر ذلك إلى أن بعث النبي ﷺ ، ونزل القرآن والعرب على ذلك. وربما كتب النبي ﷺ بعض مكاتباته في الأدم. وأجمع الصحابة على كتابة القرآن في الرق لطول بقائه، أو لأنه الموجود عندهم حينئذ إلى زمن الرشيد، فأمر أن لا يكتب الناس إلا في الكاغد اه.
فصل في كتّاب العهود والصلح
«قال أبو عمر: كان الكاتب لعهوده ﷺ إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب، وكتب له في قصة الهجرة عامر بن فهيرة عهدا في رقعة من أدم لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وفي بعض الروايات إن الذي كتب له أبو بكر» .
فصل فيمن كان يكتب لرسول الله ﷺ أموره الخصوصية
ترجم في الإصابة لحصين بن نمير، فنقل عن أبي علي بن مسكويه في كتابه «تجارب الأمم» : الحصين بن نمير في جملة من كان يكتب لرسول الله ﷺ ، وقال: كذا ذكره العباس بن محمد الأندلسي في التاريخ الذي جمعه للمعتصم بن صمادح. قال: وكان هو والمغيرة بن شعبة يكتبان في حوائجه، وكذا ذكره جماعة من المتأخرين منهم القرطبي المفسر في المولد النبوي، والقطب الحلبي في شرح السيرة، وأشار إلى أن ذلك مأخوذ من كتاب القضاعي الذي صنفه في كتاب النبي ﷺ ، وفيه أنهما كانا يكتبان المداينات والمعاملات، فلا أدري هل أراد هذا أو الذي قبله؟ وانظر من كان يكتب للمصطفى أموال الصدقات وخرص النخل. وفي المحاضرات للشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي: كان الزبير العوام وجهم بن الصلت يكتبان أموال الصدقات، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتب المداينات والمعاملات، وكان شرحبيل بن حسنة يكتب التوقيعات إلى الملوك اهـ ص ٢٩.
نظرة إجمالية في الكتّاب
قال في المواهب: أما كتابه ﷺ فجمع كثير وجمّ غفير، ذكر بعض المحدثين في تأليف له بديع استوعب فيه جمّا من أخبارهم، ونبذا من سيرهم وآثارهم، وصدّر فيه بالخلفاء الأربعة الكرام خواص حضرته ﵇ اهـ.
قلت: وممن ألف فيهم القضاعي، ذكر ذلك الحافظ في ترجمة حصين بن نمير من الإصابة. وممن ألف فيهم أيضا عمر بن شبة؛ نقل عنه ابن عبد البر في الاستيعاب. وللإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري «المصباح المضيء
стр. 148
في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي» وجعله على قسمين الأول في كتابه ﵇، الثاني: في رسله ومكاتباته إلى الملوك فرغ من تأليفه سنة ٦٧٩ بمصر بالخانقاه الصالحة «١» . وممن ألف فيهم أيضا الجمال الأنصاري، ذكر ذلك تلميذه البرهان الحلبي في حواشيه على الشفا، ولعله المذكور قبله ويحتمل أنه غيره. وممن ألف فيهم أيضا ابن أبي الجعد، وقف عليه الشهاب الخفاجي كما في شرحه على الشفا وقال: كأنه لم يقف عليه البرهان الحلبي.
فائدة: وبعد أن تكلم في نور النبراس على كتّابه ﵇ قال: المداوم على الكتابة معاوية وزيد بن ثابت، قال غير واحد من الحفاظ: كذا قالوا. وينبغي أن يقيد: بما بعد الفتح لأن معاوية من مسلمة الفتح، وأما زيد فقبل الفتح وبعده اهـ وفي المواهب:
وممن كتب في الجملة أكثر من غيره الخلفاء الأربعة وأبان وخالد ابنا سعيد بن العاصي بن أمية اهـ.
باب في تعليم المصطفى لكتّابه أدب وضع القلم ومحل وضعه ورسم الحروف وتقويمها نحو ذلك
خرّج الحافظ السيوطي في آخر طبقات اللغويين والنحاة حديثا مسلسلا بالكتّاب، فساقه من طريق عبد الحميد الكاتب قال: حدثني سالم بن هشام الكاتب، حدثنا عبد الملك بن مروان الكاتب، حدثنا زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كتبتم بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه، قال السيوطي إثره: هذا حديث مسلسل بالكتاب في أكثره اهـ.
وفي صبح الأعشى نقلا عن محمد بن علي المدائني: يستحب للكاتب في كتابته؛ إذا فكر في حاجته أن يضع القلم على أذنه، وساق بسنده إلى أنس بن مالك، أن معاوية بن أبي سفيان كان يكتب للنبي ﷺ ، فكان إذا رأى من النبي ﷺ إعراضا وضع القلم في فيه. فنظر إليه ﷺ وقال: يا معاوية إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك، فإنه أذكر لك وللمملي.
وساق بسنده أيضا إلى زيد بن ثابت، أن رسول الله ﷺ نظر إليه وهو يكتب في حوائجه فقال له: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك.
وأخرج أيضا من رواية أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ﷺ لكاتبه: ضع القلم على أذنك يكن أذكر لك. وفي رواية عن أنس: كان معاوية كاتبا للنبي ﷺ ، فرآه يوما قد وضع القلم على الأرض، فقال: يا معاوية إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك اهـ.
قلت: ساق في الجامع الصغير حديث: ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي،
стр. 149
وعزاه «١» للترمذي عن زيد بن ثابت. قال دخلت على المصطفى ﷺ ، وبين يديه كاتب فذكره.
وأورده الحافظ السيوطي في الجامع الكبير أيضا وعزاه للترمذي أيضا. وقال: ضعيف وابن سعيد وسمويه عن زيد ثابت اهـ.
قلت: خرّجه الترمذي في الاستئذان في باب تتريب الكتاب «٢» ومن طريق زيد أيضا أخرجه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة عنبسة. وفي فيض القدير: زعم ابن الجوزي وضعه، ورده ابن حجر بأنه ورد من طريق أخرى، ووروده بسندين مختلفين يخرجه عن الوضع اهـ.
قال المناوي في التيسير: ضع ندبا أو إرشادا القلم على أذنك حال الكتابة فإنه أذكر للمملي، أي أسرع تذكرا سيما فيما يريد إنشاءه من العبارة والمقاصد، لأن القلم أحد اللسانين المعبرين عما في القلب اهـ وزاد في الفيض قال عياض: وفي هذا الخبر وشبهه دلالة على معرفته ﷺ حروف الخط وحسن تصويرها اهـ.
وقال القاضي في الشفا «٣» ، إثر حديث ضع القلم المذكور: هذا مع أنه ﷺ كان لا يكتب ولكنه أوتي علم كل شيء، حتى وردت آثار بمعرفته حروف الخط، ثم حسن تصويرها، كقوله: لا تمد بسم الله الرحمان الرحيم. رواه ابن شعبان من طريق عن ابن عباس. وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه فقال له:
ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسّن الله. ومد الرحمان وجوّد الرحيم. وهذا وإن لم تصح الرواية أنه ﵇ كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة اهـ.
باب في ندب المصطفى ﵇ الكتبة إلى تتريب الكتابة
ترجم لذلك القلقشندي ص ٢٧١ من الجزء السادس قائلا: لا نزاع أن تتريب الكتابة بعد الفراغ منه، بإلقاء الرمل ونحوه عليه مطلوب، وفيه معنيان: المعنى الأول التبرك طلبا لنج المقاصد، فقد روى محمد بن عمر المدائني في كتابه القلم والدواة، بسنده إلى إسماعيل بن محمد بن وهب عن هشام بن خالد، وهو أبو مروان الأزدي عن بقية بن الوليد عن عطاء عن ابن جريج، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ترّبوا الكتاب ونحوه من أسفله فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة. وفي حديث: إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه مبارك وهو أنجح لحاجته رواه الترمذي في كتاب الاستئذان باب ٢٠ ص ٦٦/ ٥.
ومن كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: ترّبوا الكتاب. ويؤيد ذلك ما روي أن النبي ﷺ ؛
стр. 150
كتب كتابين إلى أهل قريتين فترب إحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي ترّب كتابها.
وهذا المعنى موجود في المكاتبات والولايات وغيرهما، لطلب البركة والنجاح في جميع ذلك؛ ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكتوب قد جفّ أم لا؛ لأن القصد إنما هو للنجح والبركة. المعنى الثاني: التجفيف لما كتبه بطرح التراب عليه كي لا ينمحي بما يصيبه قبل الجفاف، وهذا المعنى أضعف من الأول. ومقتضاه إذا جفّ الكتاب لا يترب.
وعليه عمل كتاب الزمان، ومن هنا يضعون التراب على آخر الكتاب من حيث إنه أقرب عهدا بالكتابة إلى التجفيف بخلاف أول الكتاب، فإنه يكون قد جفّ عند نهاية الكتابة غالبا، لا سيما في الزمن الحار أو مع طول الكتابة وامتداد زمن كتابته. على أن صاحب مواد البيان وغيره من قدماء الكتاب قد صرّحوا بأنه: يستحب وضع التراب على البسملة، ثم يمره الكاتب منها على سائر المكتوب لتعم الكتابة بركة البسملة اهـ «١» .
فصل في اصطلاح المكاتيب النبوية «٢»
عنون عن هذا الفصل القلقشندي فقال: ذكر ترتيب كتبه ﷺ في الرسائل على سبيل الإجمال. كان ﷺ يفتتح أكثر كتبه بلفظ: (من محمد رسول الله) إلى فلان. وربما افتتحها بلفظ: أما بعد. وربما افتتحها بلفظ: هذا كتاب. وربما افتتحها بلفظ: سلم أنت. وكان يصرح في الغالب باسم المكتوب في أول المكاتبات. وربما اكتفى بشهرته (أي بما اشتهر به كالقيصر ونحوه) فإن كان المكتوب إليه ملكا كتب بعد ذكر اسمه عظيم القوم الفلانيين.
وربما كتب ملك القوم الفلانيين. وربما كتب: صاحب مملكة كذا. وكان يعبر عن نفسه ﷺ في أثناء كتبه بلفظ الافراد مثل: إني ولي وجاءني ووفد علي وما أشبه ذلك. وربما أتى بلفظ الجمع مثل بلغنا وجاءنا ونحو ذلك، وكان يخاطب المكتوب إليه عند الافراد بكاف الخطاب مثل لك وعليك وتاء المخاطب مثل أنت قلت كذا وكذا وجعلت كذا وعند التثنية بلفظها مثل أنهما ولكما وعليكما. وعند الجمع بلفظة مثل: أنتم ولكم وعليكم وما أشبه ذلك. وكان يأتي في صدور كتبه بالسلام فيقول في خطاب المسلم: سلام عليك. وربما قال: السلام على من ابتع الهدى. وربما أسقط السلام في صدر الكتاب، وكان يأتي في صدور المكاتب بالتحميد بعد السلام فيقول: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.
وربما تركه. وقد يأتي بعد التحميد بالتشهد، وقد لا يأتى به وكان يتخلص في صدر الكتاب إلى المقصود تارة بأما بعد، وتارة بغيرها، وكان يختم كتابه بالسلام تارة فيقول في خطاب
стр. 151
المسلم: والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وربما اقتصر على السلام، ويقول في خطاب الكافر: والسلام على من اتبع الهدى، وربما أسقط السلام في آخر كتبه اه ثم عقد فصلا مهما في كتبه ﵇ إلى أهل الإسلام، وجعلها على ثلاثة أساليب:
الأسلوب الأول: أن يفتتح الكتاب بلفظ من محمد رسول الله إلى فلان، ثم مثّل لهذا القسم عدة كتب نبوية بنصها.
الأسلوب الثاني: أن يفتتح المكاتبة بلفظ: هذا كتاب ويذكر المقصد فيما بعد، قال وهو قليل الوقوع في المكاتبات.
الأسلوب الثالث: أن تفتتح المكاتبة بلفظ هذا كتاب.
ثم عقد فصلا آخر في كتبه ﵇ إلى أهل الكفر للدعاية إلى الإسلام، قال وهو على ثلاثة أساليب:
الأسلوب الأول: أن يفتتح الكتاب بلفظ: من محمد رسول الله إلى فلان كما في الأسلوب الأول من كتبه إلى أهل الإسلام.
الأسلوب الثاني: أن يفتتح بلفظ: أما بعد وهو أقل وقوعا مما قبله.
الأسلوب الثالث: أن يفتتح الكتاب بلفظ هذا كتاب. ثم مثّل لكل- راجع ص ٣٦٥ إلى ٣٨٢ من الجزء السادس.
قلت: ومن تتبّع نصوص المكاتيب النبوية المذكورة في طبقات ابن سعد، وجد الكاتب يسمي نفسه آخرها، لعله ليكون شاهدا على صدورها منه ﵇.
فصل في كيفية مخاطبة الملوك وغيرهم من المعاصرين له ﵇ في زمانه)
ترجم لذلك القلقشندي إثر ما سبق ص ٤٦٤ من الجزء السادس فقال: كانت أمراء سراياه ﷺ ، ومن أسلم من الملوك، تفتتح المكاتبة إليه ﷺ باسمه، ويثنّون بأنفسهم، ويأتون بالتحميد والسلام عليه ﷺ ، ويتخلصون إلى المقصود بأما بعد أو بغيرها ويختمون بالسلام. وملوك الكفر يبتدئون بأنفسهم وربما بدأوا باسمه ﷺ ، وكان المكتوب عنه منهم يعبر عن نفسه بنون الجمع إن كان المكتوب عنه مسلما خاطبه ﵇ بلفظ الرسالة والنبوءة مع كاف الخطاب وتاء المخاطب، وإن كان كافرا خاطبه بالكاف والتاء المذكورين، وربما خاطبه باسمه فإن كان المكتوب عنه مسلما ختم الكتاب بالسلام عليه ﷺ .
فصل في عنوان المكاتب إليه ﵇ في ذلك الزمن
قال في صبح الأعشى: أما عنونة هذه الكتب، فيظهر أنها إن فتحت باسمه ﵇ وثنى باسم المكتوب إليه عنونته كذلك، فيكتب في الجانب الأيمن محمد رسول الله
стр. 152
أو نحو ذلك وفي الجانب الآخر من فلان. وإن كانت ممن يفتتح الكتابة باسم نفسه، عنونته على العكس من ذلك اه.
فصل في عنوان كتبه ﵇
قال القلقشندي لم أقف على نص صريح في ذلك، والذي يظهر أنه ﷺ كان يعنون كتبه بلفظ: من محمد رسول الله إلى فلان على نحو ما في الصدر، وتكون كتابته من محمد رسول الله عن يمين الكاتب وإلى فلان عن يساره، وعليه يدل ما تقدم من كلام صاحب مواد البيان في الأصل الثاني عشر من أصول المكاتبات، حيث ذكر الكلام على العنوان:
الأصل أن يبتدأ باسم المكتوب عنه، ويثني باسم المكتوب إليه، ثم قال: وعلى هذا كانت كتب رسول الله ﷺ .
فصل بما كان يفتتح كتبه ﵇
المقرّر في السير أنه ﵇ كان يفتتح مكاتيبه كلها من عقد أو صلح ونحوه بالبسملة، وهي مشروعة في الإسلام في ابتداء الأمور من قول أو فعل؛ تبركا واستنجاحا، وذكر الغافقي عن أبي عبيد أن الشعبي قال: باسمك اللهم. ذاك الكتاب الأول، كتب به النبي ﷺ ما شاء أن يجري، ثم نزل بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: ٤١] فكتب بسم الله ما شاء الله ثم نزلت قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: ١١٠] فجرت بذلك ما شاء الله ثم نزلت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: ٣٠] فكتب بذلك.
وعن ابن المسيب لما أتى قيصر كتاب النبي ﷺ ؛ وفيه البسملة قرأه وقال: هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود يعني البسملة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:
لم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد، وقد جمعت كتبه ﵇ إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في شيء منها البداءة بالحمد بل بالبسملة اه من باب قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ [آل عمران: ٦٤] في تفسير سورة آل عمران من التفسير.
وقال القاضي ابن باديس على قصة افتتاحه ﵇ بالبسملة كتابه إلى يوحنّه بن رؤبة صاحب أيلة، وكان نصرانيا: فيه جواز كتب البسملة فيما يحصل بأيدي الكفار، فإن الكفار استقر بأيديهم وتداولوه، ففيه دليل على جواز النقوش في الدنانير والدراهم، التي تستقر بأيديهم ويحملونه إلى بلادهم من أرض المسلمين اه.
فصل في التزامه ﵇ أما بعد في صدور كتبه وخطبه
قال الشمس السفاريني في شرح منظومة الآداب: يستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات، لأنه ﵇ كان يقولها في خطبه ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم، كما هو
стр. 153
معروف مثل؛ كتابه إلى قيصر، وكسرى، والمقوقس، وغيرهم، وذكر الإمام القاضي علي بن سليمان المرداوي في شرح التجريد؛ أنه نقل إتيانه ﷺ بأما بعد في خطبه ونحوها خمسة وثلاثون صحابيا اه.
وقال الزرقاني في شرح المواهب: ثبت أنه ﷺ كان يقول: أما بعد في خطبه وشبهها، كما روى ذلك أربعون صحابيا، كما أفاده الرهاوي في أربعينه المتباينة الأسانيد.
وما أدري وجه اقتصار كثيرين على الظرف، ولا يكفي الاعتذار أن المدار عليه أو روما للاختصار، لأن المدار على اتباع ما جاءت به السنة، لا سيما والاطناب مطلوب في الخطب، وكون المدار عليه يحتاج إلى وحي يسفر عنه اه منه [كذا] .
وفي شرح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي السوسي على منظومته في أحكام الوزيعة: وقع لأخينا العلامة الدراكة أبي العباس أحمد بن إبراهيم الكتّاني المراكشي مع العلامة الشربيني أحد أئمة الشافعية بمصر، عام حجنا. كان يدرس مع تلاميذه شرح السعد على العقائد النسفية فقال: أصل وبعد: أما بعد. فحذفت كلمة أما، وعوض عنها الواو.
فقال له أبو العباس أحمد المذكور: أين الدليل على أن الواو تعوض عن أما، ولم يقع في كلامه ﵇ الذي هو أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء فيما رأينا إلا أما بعد. وكذا رسائل أصحابه، وكان الشافعي المذكور ضيّق الصدر، فخاطب أبا العباس المذكور خطابا لا ينبغي أن يصدر من مثله، ولم يجب بشيء غير السب والثلب، ولو أجابه بأن استعمال المحققين من المصنفين ذلك طوالع [مقدمة] تواليفهم يكفي دليلا على جوازه لكان كافيا اه.
قلت: السنة حجة على الجميع، وقد أومأ إلى ذلك الزرقاني، بما سبق عنه من أن المدار على اتباع ما جاءت به، فانظره.
احتياطه ﵇ في مكاتيبه الرسمية
قال الشيخ زروق في حواشيه على الصحيح: إنما قال ﷺ في كتابه لهرقل: عظيم الروم، ولم يقل ملك الروم. لئلّا يكون تقريرا لملكه اه وقال الخفاجي في شرح الشفا:
وقال ﷺ عظيم الروم وعظيم القبط، لم يقل ملك الروم ولا ملك القبط؛ لأنه لا يستحق ذلك العنوان إلا من كان مسلما، ومع ذلك فلم يخل يتعظيمهما، تليينا لقلوبهما في أول الدعوة إلى الحق اه.
باب اتخاذه ﵇ أما بعد لفصل من فصول الكتاب ورؤوس المسائل
ترجم البخاري في الأدب المفرد باب: أما بعد، فذكر فيها عن هشام بن عروة قال:
رأيت رسائل من رسائله ﷺ ، كلما انقضت قصة قال: أما بعد اه.
стр. 154
فصل في أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه ﵇
أصح كتاب حفظ لنا التاريخ عينه من كتبه ﵇ كتابه إلى هرقل، وهو في الصحيح ونصه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين، يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ؛ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «١» [آل عمران: ٦٤] اه من أصح المصادر وهو صحيح البخاري ساقه فيه هكذا مكررا في مواضع.
آخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ عينه لنا من كتبه ﵇ لأهل الإسلام وتحافظهم عليه
آخر مكتوب حفظ التاريخ جلده المكتوب فيه بعينه له ﵇ الكتاب الذي أقطع به تميم الداري أرضا بالشام، وهو مكتوب مشهور معروف في العصور السابقة، تكلم عليه أهل الحديث والتاريخ والفقه وغيرهم.
ففي ترجمة تميم من تاريخ ابن عساكر بسنده إلى أبي هند الداري قال: قدمنا على رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر، - وفي سيرة ابن هشام عدهم ثمانية: تميم بن أوس، ونعيم بن أوس أخوه، ويزيد بن قيس، وأبو هند بن عبد الله، وهو صاحب الحديث وأخوه الطيب بن عبد الله، كان اسمه برا فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان، وسألنا رسول الله ﷺ أن يقطعنا أرضا من أرض الشام، فقال رسول الله ﷺ : حيث شئتم. فقال: تميم أرى أن نسأله بيت المقدس وكورها، فقال أبو هند هذا محل ملك العجم، وكذلك يكون فيه ملك العرب، وأخاف أن لا يتم لنا هذا. فقال تميم: بيت جرين وكورها. فقال أبو هند: هذا أكبر وأكبر، فقال: فأي شيء نسأله؟ فقال: أرى أن نسأله القرى التي يقع بها تل مع آثار إبراهيم، فقال تميم: أصبت ووفقت. قال: فقال رسول الله ﷺ : لتميم: أتحب أن تخبرني بما كنتم فيه أو أخبرك؟ فقال تميم: بل أخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانا. فقال رسول الله ﷺ : أردتم أمرا فأراد هذا غيره. ونعم الرأي رأى، قال: فدعا رسول الله ﷺ بقطعة جلد من أدم فكتب لنا كتابا نسخته:
стр. 155
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب ذكر فيه ما وهب رسول الله للداريين، إذا أعطاه الله الأرض وهب لهم بيت عيون وحبرون والمرطوم، وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى الأبد شهد عباس بن عبد المطلب، وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنة. وكتب قال ثم دخل بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة، وغشه بشيء لا يعرف وعقده من خارج الرقعة بسير أو عقدتين وخرج به إلينا مطويا وهو يقول: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا بأني قد هاجرت، قال أبو هند انصرفنا، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، قدمنا عليه فسألناه أن يجدد لنا كتابا، فكتب لنا كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه، إني أعطيتكم عينون وجيرون والرطومة، وبيت إبراهيم برمته، وجميع ما فيه عطية بت وسلمت ذلك لهم، ولأعقابهم من بعدهم، أبد الأبد فمن آذاهم فيها آذاه الله. شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان «١» .
وقد تعرض بعض الولاة لآل تميم وأراد انتزاع الأرض منهم ورفع أمرهم إلى القاضي أبي حاتم الهروي الحنفي قاضي القدس الشريف فاحتج الداريون بالكتاب فقال القاضي هذا الكتاب ليس بلازم، لأن النبي ﷺ أقطع تميما ما لم يملك فاستفتى الوالي الفقهاء وكان أبو حامد الغزالي ﵀ حينئذ ببيت المقدس قبل استيلاء الفرنج عليه فقال: هذا القاضي كافر لأن النبي ﷺ قال: زويت لي الأرض كلها، وكان يقطع في الجنة فيقول: قصر كذا لفلان، فوعده ﷺ صدق، وعطاؤه حق. فخزي القاضي والوالي وبقي آل تميم على ما بأيديهم وكانت هذه الحادثة لما كان القاضي أبو بكر بن العربي بالشام اه.
ولا زالت ذرية الداريين هؤلاء بالقدس وجهاته وهم إلى الآن أهل علم وفضل، وممن لقيته منهم ببلد الخليل لما زرته عام ١٣٢٤ في رحلتنا الحجازية الشامية خطيب الحرم الخليلي الشيخ عبد الحي بن الخطيب الحاج عبد الفتاح التميمي الداري، وكان عالم الخليل قريبا من ذلك التاريخ ومفتيه الشيخ خليل الداري الأزهري من مشاهير ذلك العصر في الجهات الفلسطينية.
стр. 156
فصل في آخر كتاب حفظ التاريخ لنا عينه من كتبه ﵇ (لأهل الكفر ومحافظتهم عليه)
آخر مكتوب نبوي حفظ التاريخ لنا عينه، مكتوبه ﵇ إلى هر قل السابق نصه، وأول ما رأيته تكلم على بقائه ووجوده إلى زمانه الحافظ السهيلي في الروض ص ٣٢١ من الجزء الثاني ونصه: وقد روي أن هرقل وضع كتاب النبي ﷺ الذي كتب إليه في قصبة من ذهب تعظيما له، وهم لم يزالوا يتوارثونه كابرا عن كابر، في أرفع صوان وأعز مكان، حتى كان عند الأدفونش الذي تغلب على طليطلة، وما أخذ من بلاد الأندلس، ثم كان عند ابن بنته المعروف بابن السليطن.
حدثني بعض أصحابنا أنه حدثه من سأله رأيته من قواد أجناد المسلمين كان يعرف بعبد الملك بن سعيد قال: فأخرجه إليّ فاستعرته وأردت تقبيله، وأخذه بيدي فمنعني من ذلك صيانة له وضنا به علي اه وقد كانت وفاة السهيلي بمراكش سنة ٥٨١ وقد نقل كلامه هذا ملخصا الكرماني في الكواكب الدراري والحافظ ابن حجر في فتح الباري، والبرهان الحلبي في نور النبراس، وابن غازي في حاشية الصحيح، والشيخ أبو زيد الفاسي في تشنيف المسامع، والعلامة الجماع الشيخ قويسم التونسي في سمط اللآلي وغيرهم، وقوله عبد الملك بن سعيد كذا هو في النسخة المطبوعة من الروض ونحوه بخط الشيخ قويسم في سمط اللآلي، ووقع في فتح الباري نقلا عن السهيلي عبد الملك بن سعد بسكون العين «١» .
فصل في أجمع وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه من كتبه ﵇ الأحكامية)
أجمع وأوعب وأطول كتاب حفظ التاريخ نصه كتابه ﵇ لعمرو بن حزم وهو كتاب جليل فيه من أنواع الفقه، في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والإحتباء فيه ومس المصحف وغير ذلك.
قال النووي في التهذيب في ترجمة عمرو المذكور: استعمله النبي ﷺ على نجران باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وبعث معه كتابا فيه الفرائض، والسنن والصدقات والجروح والديات، وكتابه هذا مشهور في كتب السنن رواه أبو داود والنسائي وغير هما مفرقا، وأكملهم له رواية النسائي في الديات ولم يستوفه أحد منهم في موضع اه.
وقد ذكر طرقه الحافظ ابن كثير في إرشاده وقال: بعد ذكر الإختلاف في بعض
стр. 157
طرقه: وعلى كل تقدير فهذا الكتاب متداول بين أيمة الإسلام قديما وحديثا يعتمدون عليه يرجعون في مهمات هذا الباب إليه كما قال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم، كان الصحابة والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم، وصح أن عمر ترك رأيه ورجع إليه. قال ابن كثير: رواه الشافعي والتابعون بإسناد صحيح إلى ابن المسيب، قال ابن إبراهيم الوزير في الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم إثر كلام ابن كثير: ظاهر كلام الحافظين يعقوب بن سفيان وابن كثير، دعوى إجماع الصدر الأول على قبول حديث عمرو بن حزم، وذلك يقتضي دعوى الإجماع على جواز العمل بالوجادة اه.
وقال القسطلاني في المواهب: واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات، وقد رواه النسائي متصلا، ورواه أبو حاتم في الصحيح وغيره متصلا، وقد وقع في الموطأ ذكره في مواضع في كتاب العقول، وفي كتاب الصلاة، قال الباجي: هو أصل في كتابة العلم وتحصينه في الكتب، وقال أبو عمر بن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم، معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد اهـ وقال أيضا: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روي مسندا من وجه صالح. ورواه معمر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده. ورواه الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن، كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم به على أهل اليمن، وهذه نسخته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن كلال قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان أما بعد
قلت: وأنا أسوقه هنا معتمدا سياق الحافظ السيوطي في حواشيه على الموطأ، ففيها:
أخرج البيهقي في دلائل النبوة، من طريق بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيهم أمره، فكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، عهدا من رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق، كما أمره أن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلمهم القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمسّ أحد القرآن إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، قال: ألا لعنة الله على الظالمين، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين،
стр. 158
ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغيرا، إلّا أن يكون واسعا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ويفضي إلى السماء بفرجه، ولا يعقد شعر رأسه إذا غفا في قفاه، وينهى الناس إذا كان بينهم هيج أن يدعو إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى العشائر والقبائل فليقطفوا بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله، وأمره بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلس بالصبح ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر- والشمس في الأرض مدبرة- والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل، وأمرهم بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله، وما كتبه الله على المؤمنين في الصدقة، من العقار فيما سقت السماء العشر، وفيما سقت الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين أربع وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة شاة، فإنها فريضة الله التي افترضها على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه فدان دين الإسلام، فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يغيّر عنها وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه من الثياب، فمن أدّى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» .
قال البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري، عن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث، موصولا بزيادات كثيرة في الزكاة والديات وغير ذلك، ونقصان عن بعض ما ذكرناه، قلت وسأسوقه في كتاب العقول اهـ كلام السيوطي.
قلت: يستفاد من طبقات ابن سعد أن كاتب كتاب عمرو بن حزم هذا أبي بن كعب ﵁ [انظر ص ٢٠٧ من كتاب الوثائق السياسية] .
ما كتبه ﵇ ولم يخرجه
خرّج أبو داود عن ابن عمر أن المصطفى ﵇ كتب كتاب الصدقات ولم يخرجه، فعمل به أبو بكر ثم عمر. «تتمة» أخرج ابن سعد في الطبقات عن مسلم بن الحارث التميمي الصحابي، نزيل الشام أن النبي ﷺ قال له بعد رجوعه من سرية: تلطف إلى أن لم يرق فيها دم فشكر ذلك له المصطفى، وقال له؛ أكتب لك كتابا أوصي بك أيمة المسلمين بعدي، فكتب لي كتابا وختمه، فلما قبض النبي ﷺ أتيت أبا بكر بالكتاب، ففضه
стр. 159
وأعطاني شيئا ثم ختمه، فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب ففضه وقرأه وأعطاني شيئا، ثم ختمه فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب ففضه وقرأه وأعطاني شيئا، ثم ختمه فلما استخلف عمر بن عبد العزيز بعث إلى ولده الحارث بن مسلم، فأتاه فأعطاه شيئا وقال: لو أردت لوصلت إليك، ولكني أردت أن تحدثني بحديثك عن أبيك عن النبي ﷺ ، فحدثته به، وانظر ترجمة سندر مولى رسول الله ﷺ من طبقات بن سعد ص ١٩٦ من الجزء السابع.
فصل هل كتب ﵇ بنفسه شيئا وامضى بعض كتبه (بيمينه الشريفة أم لا)
وقع في قصة صلح الحديبية من الصحيح وغيره، أنه لما عقد مع كفار قريش ما عقد دعا عليّا وقال: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: لا أعرف هذا ولكن اكتب:
باسمك اللهم فقال: أكتب فكتبها ثم قال: أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو شهدت إنك رسول لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله ﷺ : أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي أمح محمد رسول الله قال: لا والله لا أمحوك فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب هذا: ما قاضى محمد بن عبد الله، ولفظ الصحيح. كتب وهو لا يحسن الكتابة، فتمسك بظاهره الإمام أبو الوليد الباجي وجزم بأنه ﷺ كتب، وذكر الحافظ ابن دحية، كما في خصائص القطب الخيضري، أن جماعة من العلماء وافقوه على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري، وآخرون من علماء إفريقية وغيرها، وقد سبقهم إلى ذلك جميعا عمر بن شبة فقال في كتاب الكتاب له؛ كتب النبي ﷺ بيده يوم الحديبية، ومما استدل به الباجي ومن وافقه ما أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: ما مات النبي ﷺ حتى كتب وقرأ. قال عجالة فذكرت ذلك للشافعي فقال: صدق سمعنا قوما يذكرون ذلك اهـ.
وفي فيض القدير على حديث: «ضع القلم على أذنك فإنه اذكر للمملي وأخذ القاضي من قصة الحديبية أنه ﷺ كتب بعد أن لم يحسن الكتابة، ثم إنه أشار لمذهب الباجي ومن عارضه، قال: والنصر له بأن الأمية لا تنافيه، بل يقتضي تقييده النفي بما قبل ورود القرآن، وبعد ما تحققت أميته وتقررت معجزته، لا مانع من كتابته بالتعليم فتكون معجزة أخرى، وروى ابن أبي شيبة عن عوف: ما مات ﷺ حتى كتب وقرأ اهـ كلام المناوي في الفيض، وهو ملخص من كلام القاضي أبي بكر بن العربي في «سراج المريدين» فإنه لما تكلم على الغربة قال: وأشد أنواعها فقد النظير، وعدم المساعد، والإضطرار إلى صحبة الجاهل، ثم نظّر ببقي بن مخلد، ومحمد بن موهب، وما لقيا من أهل بلدهما بعد الرجوع من الرحلة حسدا على ما رجعا به. قال: وهذا أبو الوليد الباجي رحل وأبعد وجلب علما جمّا وقرىء عليه البخاري، وفيه أن النبي ﷺ محا وكتب فقيل له:
على من يعود قوله: وكتب. فقال: على النبي فقيل له: وكتب بيده؟ قال: نعم. ألا ترونه
стр. 160
يقول في الحديث: فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن الكتابة فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقوّلوا عليه، وحملوا كل تكذيب وتعطيل عليه، وانتدب جاهل من المقرئين، فأخبرني أبو محمد عبد الله بن أبي عصام بالمسجد الأقصى قال: رأيته يصيح في المسجد الجامع، ويعلن بالزندقة إليه بيد أن الأمير كان متثبتا فدعا بالفقهاء، فاتفقوا على أن هذا القول كفر، فاستظهر الباجي ببعض الحجة في ذلك وقال للأمير:
هؤلاء جهلة ولكن اكتب إلى علماء الآفاق، فكتب إلى إفريقية وصقلية، فجاء الجواب: إن يكتب بعد أميته فيكون ذلك من معجزته، لا يطعن أحد بذلك عليه، لأنهم تحققوا أميته ثم شاهدوا معجزته، فوقفوا ولم يطعنوا اهـ كلام ابن العربي. ومن نسخة عندي عليها خطه نقلت.
وفي ترجمة الباجي من «الديباج المذهب» للبرهان بن فرحون أن الذي أنكر على الباجي وكفره أبو بكر بن الصائغ الزاهد، قال ابن فرحون: وتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه اللعن، فلما رأى ذلك الباجي، ألف رسالته المسماة بتحقيق المذهب، بين فيها المسألة لمن يفهمها، وأنها لا تقدح في المعجزة، كما لا تقدح القراءة في ذلك، فوافقه أهل التحقيق بأسرار العلم، وكتب بها لشيوخ صقلية فأنكروا على ابن الصائغ ووافقوا أبا الوليد على ما ذكره اهـ كلام ابن فرحون.
وقد ساق قصة الباجي هذه الحافظ الذهبي في ترجمته من تذكرة الحفاظ، وذكر أن الباجي لما ألف رسالته التي بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، رجع بها جماعة. ثم قال: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن كونه أميا، لأنه لا يسمى كاتبا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة العلامة وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة النادرة، فقد قال ﵇ إنا أمة أمية أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] اهـ كلام الذهبي. وهو وجيه لا غبار عليه.
وخرّج الذهبي في التذكرة أيضا في ترجمة ابن مندة ص ٣٥ من الجزء الثاني، بسنده إلى عوف بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب، ثم قال الذهبي عقبه: قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي ﷺ يسير الكتابة، بعد أن كان أميا لا يدري ما الكتابة؟ فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي، وكتاب السنن والكتب إلى الملوك، عرف من الخط وفهمه وكتب الكلمة والكلمتين، كما كتب اسمه الشريف يوم الحديبية (محمد بن عبد الله) وليست كتابته لهذا القدر اليسير، مما يخرجه عن كونه أميّا، ككثير من الملوك أميين ويكتبون العلامة اهـ من التذكرة بلفظها. وما أشار إليه الذهبي أقوى صدمة للمعارض من كون كتابته ﵇ كانت معجزة، وإن سبق إليها ابن العربي كما تقدم، ثم الحافظ ابن الجوزي في المشكل فإنه قال: إطلاق يده بالكتابة ولم يحسنها
стр. 161
كالمعجزة له، ولا ينافي هذا كونه أميا لا يحسن الكتابة، لأنه ما حرّك يده تحريك من يحسن الكتابة، إنما حركها فجاء المكتوب صوابا. اهـ.
قال ابن باديس إثره في الفرائد: هذا تأويل منه حسن يجمع بين المذهبين من غير تناقض في الخبر اهـ.
وقال ابن التلمساني في شرح الشفا بعد ذكر مذهب الباجي: وصوّب أهل الحق مقالته، أنه لا يقدح في المعجزة كونه كتب مرة، وفي البخاري في باب عمرة القضاء:
فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب، قال القرطبي في مختصره: قوله فأخذ الكتاب فكتب، ظاهر قوي في أنه ﵇ كتب بيده. وقد أنكر قوم تمسكا بقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨] قال: ولا نكرة فيه فإن الخط المنفي الخط المكتسب عن التعليم، وهذا خط خارق للعادة، أجراه الله على أنامل النبي ﷺ مع بقائه لا يحسن الكتابة المكتسبة وهذا زيادة في صحة نبوته. قلت: احسن منه ما سبق عن الذهبي في ترجمة ابن منده فاعتبره «١» .
(فائدة) في الخطط للمقريزي أن آل بلال بن الحارث جاؤا لعمر بن عبد العزيز بكتاب النبي ﷺ لهم بإقطاع في جريدة فقبلها عمر وفتح ومسح بها عينيه انظر ص ١٥٥ من الجزء الأول طبع مصر.
فصل في ذكر صاحب الخاتم ومن أي شيء كان وما كان نقشه
«أخرج البخاري «٢» عن أنس قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم فقيل له إنهم لن يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقشه (محمد رسول الله) فكأنما أنظر إلى بياضه في يده ﷺ . وأخرج الترمذي في الشمائل:
بل هو في الصحيح أيضا، فكان الأولى أن ينسب إليه عن أنس كان خاتم النبي ﷺ :
محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، قال المهلب: كان ﵇ لا يستغنى عن الختم به في الكتب إلى البلدان وأجوبة العمال وقواد السرايا» .
وفي أوائل السيوطي: أول من ختم الكتاب من قريش وأهل الحجاز رسول الله ﷺ ، حين أراد مكاتبه الملوك فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما اهـ «٣» .
فصل فيمن كان صاحب خاتمه ﷺ
قال الشبراملسي في حواشي المواهب: قوله: وخاتمه أي من كان يتولاها إذا قلعها
стр. 162
النبي ﷺ ، من يحفظها، ويعيدها إليه عند إرادتها اهـ «خرج البخاري في التاريخ من طريق محمد بن بشار عن إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده معيقيب قال: كان خاتم رسول الله ﷺ من حديد ملون عليه فضة، فربما كان بيدي، وكان المعيقيب على خاتم رسول الله ﷺ » .
وفي الإصابة أنه كان على بيت المال لعمر، ثم كان على خاتم عثمان.
وفي العقد الفريد لابن عبد ربه أنه ﵇ كان يضع خاتمه عند حنظلة بن الربيع بن صيفي، ابن أخي اكثم بن صيفي الأسدي انظر ص ١٢٢ من الجزء الثاي وفي العقد الفريد أيضا ص ١٧٤ من الجزء الثاني أنه كان على خاتمه ﵇ معيقيب بن أبي فاطمة نحو ما سبق وعرف لغيره.
باب في عمله ﵇ إذا لم يحضره الخاتم
في ترجمة عبد الملك بن أكيدر من الإصابة عنه قال: كتب لرسول الله ﷺ كتاب ولم يكن معه خاتم فختمه بظفره، وفي الإصابة أيضا لدى ترجمة وهب بن أكيدر دومه أن ابن عساكر أخرج من طريقه قال كتب رسول الله ﷺ كتابا ولم يكن معه خاتمه فختمه بطينة.
قلت: وبذلك تعلم ما في قول القلقشندي في صبح الأعشى: أول من اتخذ الطين لختم الكتاب عمر بن الخطاب، قاله الثعالبي في لطائف المعارف اهـ.
باب في مسائل تتعلق بالخاتم النبوي
كان ﵇ اتخذ خاتما من ذهب حين كان مباحا ثم نبذه، ولم يراجعه وكان له خاتم من ورق، أي من فضة وكان فصّه حبشيا كما في مسلم، عن أنس والحبشي حجر من جزع أو عقيق، فإن معدنهما بالحبشة واليمن، وقيل: لونه حبشي أي أسود. وفي البخاري عن أنس، أن فصه كان منه، ففيه جواز جعل الخاتم فصا من فضة وكره من الذهب. ولأبي داود والنسائي أن خاتمه كان من حديد ملونا عليه فضة، وهو محمول على التعدد. وكان نقشه (محمد رسول الله) وهو في الصحيح. ففيه جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحبه ونقش اسم الله تعالى. وذكر الزبير بن بكار أن نقش خاتم أبي بكر: (نعم القادر الله) وقال غيره كان نقش خاتمه (عبد ذليل لرب جليل) . وفي طبقات ابن سعد عن ابن سيرين مرسلا أن نقش الخاتم كان: (بسم الله محمد رسول الله) ، ولم يتابع على هذه الزيادة. ولأبي الشيخ من حديث أنس (لا إله إلا الله محمد رسول الله) قال الحافظ السيوطي في التوشيح على الجامع الصحيح: وهي زيادة شاذة.
وفي الصحيح أن صفة النقش: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. قال الأسنوي في المهمات: وفي حفظي أنها كانت تقرأ من أسفل فصاعدا ليكون اسم الله فوق الجميع. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث. وفي الصحيحين وغيرهما: النهي عن أن ينقش أحد على نقش خاتمه ﷺ وسبب النهي أنه إنما
стр. 163
اتخذ الخاتم ونقش فيه ليختم به كتبه، فلو نقش غيره مثله لدخلت المفسدة وحصل الخلل.
قال في التوشيح: وهذا يفهم اختصاص ذلك بحياته ﷺ . وفي الديباج: النهي تحريم مؤبدا إلى يوم القيامة، وليس ذلك بظاهر. وجاء فيها أنه كان يجعل فصه مما يلي كفه أي ليكون أبعد من التزين. وفي رواية لأبي داود وجعل فصه في ظهر كفه، فإن صحت قلعله كان يعمل هذا لبيان الجواز نادرا وجاء أنه كان يتختم به في اليد اليمنى وفي أحاديث أخر أنه في اليسار.
باب في وضع التاريخ وأصله
المعروف أن التاريخ بالهجرة النبوية حدث في خلافة عمر بن الخطاب، ولكن حكى أبو جعفر بن النحاس في كتابه صناعة الكتابة، وحكاه عنه القلقشندي في صبح الأعشى ٢٤٠ من الجزء السادس عن محمد بن جرير، أنه روى بسنده إلى ابن شهاب أن النبي ﷺ ، لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الأول أمر بالتاريخ. قال القلقشندي: وعلى هذا يكون ابتداء التاريخ في عام الهجرة هـ.
وفي المواهب وأمر ﷺ بالتاريخ. فكتب من حين الهجرة قال الزرقاني: رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري معضّلا، والمشهور خلافه، وأن ذلك في زمن عمر كما قال الحافظ اهـ.
وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي: رأيت في مجموع بخط ابن القماح عن ابن الصلاح أنه قال: ذكر أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي في تاريخ الشروط: أن رسول الله ﷺ أرّخ بالهجرة حين كتب الكتاب لنصارى نجران، وأمر عليا أن يكتب فيه حين كتب عنه أنه كتب لخمس من الهجرة. قال فالمؤرخ بهذا إذا رسول الله ﷺ وعمر تبعه في ذلك، قال: وقد أشبعت الكلام على ذلك في مؤلف مستقل مختصر بهذه المسألة اهـ (قلت) سماه «الشماريخ في علم التاريخ» .
قال السخاوي: فإن ثبت فيكون عمر متبعا لا مبتكرا اهـ وقال الإمام السهيلي في الروض، ص ١١ من الجزء الثاني: تأسيس مسجد قبا كان أول يوم من حلول رسول الله ﷺ دار هجرته، والبلد الذي هو مهاجره، وفي قوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ٨- ١٠] وقد علم أنه ليس أول الأيام كلها، ولا إضافة إلى شيء في اللفظ الظاهر. ففيه من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر، حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عام الهجرة، لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والذي أمر فيه النبي ﷺ ، وأسس المساجد وعبّد الله آمنا، كما يحبه. فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل. وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله سبحانه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: ٨٠] أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن، فإن كان أصحاب رسول الله ﷺ أخذوا هذا من الآية، فهو الظن
стр. 164
بأفهامهم، فهم أعلم الناس بكتاب الله وبتأويله، وافهمهم بما في القرآن من اشارات وافصاح، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد، فقد علم ذلك قبل أن يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم، أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم، وليس هاهنا إضافة في المعنى، إلا إلى هذا التاريخ المعلوم، لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ، أو قرينة حال. فتدبره ففيه معتبر لمن ادّكر، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر والحمد الله اهـ.
وقد نقل كلامه ملخصا الحافظ في الفتح وقال عقبه: كذا قال: والمتبادر أن معنى قوله: من أول يوم، أي دخل النبي ﷺ وأصحابه المدينة اهـ وقال ابن المنير: كلام السهيلي كلام تكلف وتعسف وخروج عن تقدير الأقدمين فإنهم قدروه من تأسيس أول يوم كأنه قيل: من أول يوم وقع فيه التأسيس، وهذا تأسيس تقتضيه العربية وتشهد له الآية اهـ.
قلت: كلام السهيلي ظاهر المأخذ، جلي الإستنتاج والذين استبشعوه كأنهم لم يذوقوه، فتأمله بإنصاف، ترى الحق مع ما أملاه الأعمى لا ما كتبه البصراء «١» ، ولذا اقتصر عليه معجبا به المولى شهاب الملة والدين الخفاجي في عناية الراضي وكفاية القاضي فانظرها فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [الإسراء: ٨٤] .
واختيرت الهجرة للإبتداء بها دون وقت الولادة والبعثة، لإختلافهم فيها دونها، ووقت الوفاة وإن شارك الهجرة في الإتفاق، لا يحسن الإبتداء بها عقلا لما ينشأ عنه من تهيج الحزن والأسف بخلاف وقت الهجرة، فإنه يتبرك به لكونه وقت استقامة ملة الإسلام، واختير لإفتتاح السنة المحرم دون غيره لكونه شهر الله، وأحد الأشهر الحرم، وفيه تنصرف الناس من الحج.
باب في الرسول (السفير) وفيه فصول فصل في صفات رسله ﵇ من وفور العقل وطلاقة اللسان وقوة الحجة المقنعة للخصم
قال السهيلي في الروض ص ٣٥٥ من الجزء الثاني: لما قدم دحية على قيصر قال:
يا قيصر أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع بذل ثم أجب بنصح. فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي قال: نعم قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من دبّر خلق السموات والأرض، والمسيح في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى ابن مريم بعده، وعندك من ذلك أثارة من علم، تكفي
стр. 165
عن العيان، وتشفي من الخبر. فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة، وشوركت في الدنيا، واعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة، ويغير النعم.
فأخذ قيصر الكتاب ووضعه على عينيه ورأسه وقبله ثم قال: أما والله ما تركت كتابا إلا وقرأته، ولا عالما إلّا وسألته، فما رأيت إلا خيرا فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم، بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه، فأرجع عنه فيضرني ذلك، ولا ينفعني، أقم حتى أنظر. فلم يلبث أن أتاه وفاة النبي ﷺ .
وفي الروض أيضا: أن حاطبا لما قدم على المقوقس ملك مصر قاله له: إنه قد كان رجل قبلك يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك، قال: هات قال: إن لك دينا لن تدعه إلا لمن هو خير منه، وهو الإسلام إليه الكافي به الله فقد ما سواه.
إن هذا النبي ﷺ دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى. ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا، كبشارة عيسى بمحمد. وما دعاؤنا إياك للقرآن، إلّا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل. وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكن نأمرك به.
وفيه أيضا أن العلاء بن الحضرمي لما قدم على المنذر بن ساوى بكتابه ﵇ قال له: يا منذر، إنك عظيم في الدنيا، فلا تصغرنّ عن الآخرة، إن هذه المجوسية ليس فيها تكرم العرب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكره عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، هل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه؟ ولمن لا يخون أن لا تأمنه؟ ولمن لا يخلف ألا تثق به؟ فإن كان هذا هكذا؛ فهو هذا النبي الأمي، الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه أو نقص من عقابه إنّ كلّ ذلك منه على أمنية أهل العقل، وفكر أهل البصر.
وفيه أيضا أن عمرو بن العاص لما قدم على على الجلندى قال له: يا جلندى، إنك وإن كنت منا بعيدا؛ فإنك من الله غير بعيد، إن الذي تفرّد بخلقك أهل أن تفرد بعبادتك، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك، واعلم أنه يميتك الذي أحياك، ويعيدك الذي بدأك.
فانظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة، (فإن كان ما يريد به أجرا فامنعه، أو يميل به هوى فدعه ثم ينظر فيما يجيء به يشبه ما تجيء به الناس فإن كان يشبهه فسله العيان وتخيّر عليه في الخير) وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، وخف ما وعد.
وفيه أيضا أن شجاع بن وهب لما قدم على جبلة بن الأيهم قال له: يا جبلة إن قومك
стр. 166
نقلوا هذا النبي الأمي من داره إلى دارهم، - يعني: الأنصار- فاووه ومنعوه، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك، ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق، وقد أقر بهذا النبي الأمي من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك، وإن فضلناك عليه لم يضرك، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والقبلة بالصليب. وكان ما عند الله خير وأبقى.
وفيه أيضا أن المهاجر بن أبي أمية، لما قدم على الحارث بن عبد كلال قال له: يا حارث، إنك كنت أوّل من عرض عليه المصطفى نفسه، فخطأت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرّا، فإذا نظرت في غلبة الملوك فانظر في غالب الملوك، وإذا سرّك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا وأمّلوا بعيدا، وتزودوا قليلا. منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وأنا أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.
ومما قاله دحية في قدومه على قيصر:
ألا هل أتاها على نابها ... فإني قدمت على قيصر
فقدرته بصلاة المسيح ... وكانت من الجواهر الأحمر
وتدبير ربك أمر السما ... ء والأرض فأغضى ولم ينكر
وقلت تقر ببشري المسي ... ح فقال: سأنظر، قلت: انظر
فكاد يقرّ بأمر الرسو ... ل، فمال إلى البدل الأعور
فشك وجاشت له نفسه ... وجاشت نفوس بني الأصفر
على وضعه بيديه الكتا ... ب على الرأس والعين والمنخر
فأصبح قيصر من أمره ... بمنزلة الفرس الأشقر
يريد بالفرس الأشقر مثلا للعرب فيمن يتردد عن الشيء، لا يريد ما يرجح فيه انظر ص ٣٥٥ من الجزء الثاني من الروض.
وفي ص ٣٥٩ من الجزء السادس من صبح الأعشى من غريب ما يروى، ما ذكره ابن عبد الحكم، أن النبي ﷺ لما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وبلغه كتاب النبي ﷺ قال له: ما منعه أن يدعو عليّ فيسلط علي؟ قاله له حاطب: ما منع عيسى أن يدعو على من أبي عليه أن يفعل ويفعل. فوجم ساعة ثم استعادها فأعادها عليه حاطب، فسكت.
ويروى أنه حين سأله عن أمر النبي ﷺ في حروب قومه وذكر له أن الحرب تكون
стр. 167
بينهم سجالا تارة له وتارة عليه، قال له المقوقس: النبي يغلب؟ فقال له حاطب: فالإله يصلب؟ يشير بذلك إلى ما تزعمه النصارى من أن المسيح ﵇ صلب مع دعواهم فيه أنه إله؟
وفي ترجمة سيدنا عبادة بن الصامت من الاستبصار للموفق بن قدامة، روي أن المقوقس صاحب مصر بعث إلى عمرو أن أبعث لي رسلا أكلمهم، فبعث إليه نفرا منهم عبادة بن الصامت، وأمره أن يكون هو المتكلم، وكان عبادة أسود شديد السواد، فلما دخلوا على الملك تقدم عبادة، فقال الملك: ما فيكم من يتكلم غير هذا؟ فقال القوم: هو أفضلنا وأقدمنا صحبة لنبينا، ومع هذا فقد أمره أميرنا. هو المتكلم قال: فليتقدم إذا. فإنما هبته لسواده. فقال عبادة: فإن كنت هبتني لسوادي وقد ولى شبابي، وذهبت قوتي فكيف بك لو رأيت عسكرنا وفيه أكثر من ألف أشد مني سوادا، وأقوى أبدانا وأعظم أجسادا؟
فطلب منه الملك الصلح. فقال عبادة: إنا لا نقبل منكم إلا إحدى خلال ثلاث: إما أن تسلموا، فتكونوا إخواننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإما أن تؤدوا الجزية إلينا،.
وتعتقدوا منا الذمة، فنقبل منكم ونكف عنكم، وإما أن تبرزوا لنا حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فقال الملك: لا تقبلوا غير هذه الخلال الثلاث؟ فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب السماء، لا ورب هذه الأرض، لا نقبل منكم غيرها. فقال الملك لأصحابه: ما ترون فيما قال؟ فأبوا. فقال الملك: والله لئن لم تقبلوا منهم إحدى هذه الخلال قبل قتل الرجال وسبي الحريم، لتقبلنه منهم بعد ذلك وأنتم راغمون فصالحهم.
ووجه عمر عبادة إلى الشام قاضيا ومعلما اهـ.
ثم استطرد القلقشندي، أن بعض ملوك الروم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النصرانية عنده، فإن قطعهم أسلموا، فوجه إليهم بالقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني المالكي، فلما حضر المجلس، واجتمع لديه علماء النصارى قال له بعضهم: إن معتقدكم أن الأنبياء معصومون في الفراش، وقد رميت عائشة بما رميت به، فإن كان ما رميت به حقا كان ناقضا لأصلكم الذي أطلقتموه في عصمة الأنبياء في الفراش. وإن كان غير حق كان مؤثرا في إيمان من وقع منه. فقال له القاضي، أبو بكر: امرأتان حصينتان رميتا بالفرية؛ إحداهما لها زوج ولا ولد لها. والآخرى لها ولد ولا زوج لها. يشير بالأولى إلى عائشة، وبالثانية إلى مريم فسجدوا له على عادة تحيتهم في ذلك. وقد رأيت في ترجمة الباقلاني من تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي هذه القصة على وجه آخر؛ وذلك أنه ذكر أنه جرت له أمور منها؛ أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعا للملك، ففطن لها ودخل بظهره ومنها أنه قال لراهبه: كيف الأهل والأولاد فقال له الملك: أما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا؟ فقال: تنزهونه عن هذا ولا تنزهون الله عن الصاحبة والولد؟
وقيل: إن طاغية الروم سأله كيف جرى لعائشة. وقصد توبيخه فقال: كما جرى
стр. 168
لمريم وبرأ الله المرأتين، ولم تأت عائشة بولد، فأفحمه ولم يدر جوابا اهـ من تاريخ الإسلام.
وأحفظ أيضا أن الباقلاني سأله ملك الروم أيضا. قال له: تزعمون أن القمر انشق لنبيكم، فهل للقمر قرابة حتى ترونه دون غيركم؟ فقال: وهل بينكم وبين المائدة إخوة ونسب إذ رأيتموها، ولم ترها اليهود واليونان والمجوس، الذين أنكروها وهم في جواركم؟
فأفحم ولم يدر جوابا.
وقد ذكر القصة مبسوطة ابن التلمساني في شرح الشفا قائلا: ذكر بعضهم أن الإمام العالم الأعرف أبا بكر بن الطيب، لما وجهه صاحب الدولة سفيرا إلى ملك الروم، ليظهر به رفعة الإسلام، وبغض النصرانية. وجرت في تلك الوجهة، في القسطنطينية بينه وبين ملكها، مع بطارقته ونبلاء ملته مناظرات ومحاورات، منها: أن الملك قال له هذا الذي تدّعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قال: هو صحيح عندنا.
انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رآه الناس، وإنما رآه من الحضور من اتفق نظره إليه في تلك الحال. فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟ قال: الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لحضوره. قال. وهذا القمر بينكم وبينه قرابة لأي شيء لم يعرفه الروم وغيرهم من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة؟ قال: فهذه المائدة بينكم وبينها نسب، وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة واهل الإلحاد واليونان جيرانكم؛ فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن فتحير الملك وقال في كلامه: سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه، فلم أشعر إذ جاؤا بالرجل كالدب أشقر الشعر، فقعد وحكيت له المسألة فقال: الذي قال المسلم لازم لا أعرف له جوابا إلا ما ذكره، فقلت:
له: إن الكسوف إذا كان يراه جميع أهل الأرض أم يراه أهل الإقليم الذي في محاذاته؟
فقال: لا يراه إلا من كان في محاذاته. قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر كذلك إذا كان من ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن تأهب للنظر. وأما من أعرض عنه، أو كان في الأمكنة التي لا يرى القمر فيها فلا يراه فقال: هو كما قلت. لا يدفعك عنه دافع. وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوا. فأما الطعن في هذه الوجه فليس بصحيح، فقال الملك:
وكيف يطعن في النقلة؟ فقال النصراني: شبه هذا من الآيات إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير، حتى يتصل بنا العلم به، ولو كان كذلك لوقع لنا العلم الضروري به، فلما لم يقع دلّ على أنه أكبر مفتعل باطل، فالتفت الملك إلي وقال: الجواب. فقلت: يلزمه في نزول الملائكة بالمائدة ما لزمني في انشاق القمر. ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحا لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة، دل أن الخبر كذب فبهت النصراني والملك ومن ضمه المجلس وانفصل للوطن على هذا اهـ.
стр. 169
اختياره ﵇ لرسله أن يكونوا أحسن الناس وجها
سيأتي أمره لعماله أن يبردوا له البريد كذلك، ومن أشهر رسله ﵇ للملوك دحية الكلبي. قال العيني: في عمدة القاري ص ٩٣ من الجزء الأول: كان دحية من أجمل الصحابة وجها، وكان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورته، وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، وروي أنه كان إذا قدم إلى الشام لم تبق مخدرة إلا خرجت لتنظر إليه اهـ.
وفي الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي أن دحية كان أجمل أهل زمانه، وبلغ من أثر جماله في الخلق، أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس، ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها اهـ وذكر العيني في العمدة أيضا: أن دحية هذا كان يمشي متلثما خشية أن تفتتن به النساء اهـ.
وصايته ﵇ لكل من بعثه لجهة من الجهات من سفرائه وأمرائه ورسله
في سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر بعث رسول الله ﷺ إلى البلدان وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه وفيه: أن رسول الله ﷺ ، خرج على أصحابه فقال لهم: إن الله بعثني رحمة فأدّوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم. قالوا: وكيف يا رسول الله كان اختلافهم؟ قال: دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأما من قرب به فأحب وسلّم، ومن بعد به فكره وأبى، فشكى ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكلّ رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم اهـ.
وفي باب صب الماء على البول في المسجد؛ أنه ﵇ قال للصحابة لما تناولوا الأعرابي الذي بال في المسجد: إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسّرين. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وكان ذلك شأنه ﵇، في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات، يقول: يسروا ولا تعسروا اهـ ص ٢٧٩ من الجزء الأول.
وقع ذلك في مسلم عن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ ؛ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا» ، وأخرج البزار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، أرسل معاذا وأبا موسى فقال: تشاورا وتطاوعا ويسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا.
стр. 170
اتّخاذ البريد في زمن الخلفاء الراشدين
البريد «١» اسم للمسافة التي بين كل محطة وأخرى من محطات البريد، وهي أربعة فراسخ «٢» ، أو اثنا عشر ميلا، ثم أطلق على حامل الرسائل، وتوسعوا فيه الآن فأطلقوه على أكياس البريد، وأصله من وضع الفرس، ثم استعمل في الإسلام وأقيم له عامل مخصوص يسمى عامل البريد، ينقل أخبار الولاة والبلاد لدار الخلافة والعكس.
والمشهور أن أول من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، ولعله أول من رتبه على طرق ومناهج مخصوصة، رتب له الخيل والمحطات، وإلا فالبريد معروف عند من قبله من الخلفاء الراشدين، واشتهر أمره في مدة سيدنا عمر بن الخطاب، وفي الصحيح «٣» لدى باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، وصلى أبو موسى في دار البريد قال الحافظ: دار البريد المذكورة موضع بالكوفة؛ كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من الأمراء إلى الخلفاء، وكان أبو موسى أميرا على الكوفة في زمن عمر، وفي زمن عثمان وكانت الدار في طرف البلد، وقال المطرزي: البريد في الأصل الدابة المرتبة في الرباط، ثم سمي به الرسول المحمول عليها، ثم سميت به المسافة المشهورة.
وفي سيرة عمر للحافظ ابن الجوزي في الباب الرابع والثلاثين في ذكر عسسه بالمدينة، وبعض ما جرى له في ذلك، أن عمر لما أبعد نصر بن الحجاج عن المدينة إلى البصرة، وكتب عمر إلى عاملة عتبة بن فرقد كتابا وأقام أياما ثم نادى مناديه: ألا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج فمن كانت له حاجة فليكتب فكتب إليه نصر بن الحجاج كتابا إلى أمير المؤمنين انظر ص ١٠٥.
وفي القصة الآتية وهي عند ابن جرير في تاريخه عن الرسول الذي أتى بالعقد هدية من عند امرأة قيصر الروم إلى زوج عمر أنه بريد المسلمين. وفي كتاب الطائر الغريد في وصف البريد: للعرب في نظام البريد فضل مثل مالهم في غيره، ولذلك قد شرح المؤرخون عن أحواله عندهم أكثر من باقي البريد، وأول ما استعمل العرب لنقل البريد الإبل، ثم استبدلوها بالبغال، ثم بالخيل لسرعتها، وكان لكل سفر بريد يتولى قيادة المسافرين، وميل العرب للتنقل بالأسفار وكان أعظم مساعد على اطراد سير البريد الطويل ما بين البلاد الشاسعة بكل ضبط، وهذه الوظيفة كانت عندهم من الوظائف
стр. 171
العالية، التي لا يوليها إلا الخليفة نفسه، ولا يتولاها إلا ذو الأهلية.
وجاء في كتب الإفرنج أن ابتداء ترتيب البريد عند العرب بعد الهجرة النبوية بأمر أول خليفة، وكان يتسع باتساع فتوحاتهم، التي بلغت مسافات شاسعة، وأعظم اتساع ونظام في بريد العرب تمّ في عهد الخلفاء العباسيين، بلغت محطات البريد نحو ألف محطة، كانت تسمى عندهم بالسكك، ومع هذا الاتساع كانت الأشغال سائرة بكل دقة، في مواعيد السفر والوصول والأمنية، فقد كان لكل محطة رئيس لملاحظة سير السعاة، والخيالة وحالة المحطات، وكان جميع هؤلاء الرؤساء مضطرين أن يقدموا تقاريرهم عن كل ما يحدث في الخطوط إلى عموم الإدارة في بغداد، التي كانت النقطة المركزية والرئيس العالي يعرض ذلك على الخليفة نفسه، الذي كان يهتم بالبحث عن أحوال البريد، وكان للبريد لائحة عمومية، تحتوي على قوانين البريد، في سيره وجغرافية الطرق، وكان ينفق على البريد مبالغ وافرة، قيل: إن نفقة فرع اليمن فقط؛ كانت تبلغ نحو أربعة ملايين درهم سنويا، وهي عبارة عن أربعة ملايين ونصف من الفرنكات، ومن ذلك يعلم قدر نفقات باقي الخطوط، وما كان يبذله العرب لتنظيم البريد وقدر أهميته عندهم، وفي ص ٩٥ من الكتاب المذكور اتخذ العرب العلامات لرسل البريد، وفي عهد الخلفاء العباسيين كانت علاماتهم قطعة من الفضة بقدر الكف، قد كتب على أحد صفحتيها البسملة واسم الخليفة، وعلى الصفحة الثانية هذه الآية: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب: ٤٥] هـ.
«مهمّة» في الخطط للتقي المقريزي، أن إبراهيم بن الأغلب لما ولي على أفريقية سنة ٢٦١، كانت القوافل والتجار تسير في الطرق وهي آمنة، والحصون والمحارس على ساحل البحر، حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية، فيصل الخبر منها إلى الاسكندرية في ليلة واحدة وبينهما مسيرة أشهر هـ منها ص ٢٨٠ من الجزء الأول.
قلت: لعمري إن هذه الطريقة في التعجيل بالإخبار أغرب وأعجب من التلغراف والتلفون. ولله في خلقه شؤون.
فصل في الرسول يبعث يدعو إلى الإسلام
«بعث دحية بن خليفة الكلبي، وبعثه بكتابه وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس. وبعث عمرو بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية. وبعث سليط بن عمرو واحد بني سليط عامر بن لؤي إلي ثمامة بن أثال.
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلي الحرث بن أبي شمر الغساني. وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلي الحارث ملك اليمن. قال ابن جماعة بعث رسول الله ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع» .
стр. 172
قلت: وفي شرح الزرقاني على المواهب وشرح الألفية لابن كيران: وبعث ستة نفر في يوم واحد، إلى الملوك وأصبح كل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم، كذا لابن سعد وغيره، وهذه معجزة أخرى هـ منهما.
فصل في بعث الرسول في الصلح
بعث رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش «١» بمكة، وحمله على بعير له، وأمره أن يبلغ أشرافهم ما جاء به، فعقروا به جمل رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله. ثم أرسل المصطفى ﷺ في ذلك عثمان بن عفان بإشارة عمر فنجا.
فصل في بعث الرسول بالأمان ذكر من بعثه المصطفى ﷺ في ذلك من الرجال
«في السير في خبر فتح مكة قال ابن إسحاق: خرج صفوان بن أمية يوم فتح مكة يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا رسول الله؛ إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد خرج هاربا منك ليقذف بنفسه في البحر. فأمّنه ﷺ وقال: هو آمن. قال يا رسول الله فأعطني آية ليعرف بها أمانك، فأعطاني رسول الله ﷺ عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي، الله الله في نفسك، أن تهلك، فهذا أمان من رسول الله ﷺ ، قد جئتك به، قال: ويحك أبعد عني فلا تكلمني إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع معه حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال صدق. قال فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان عمير بن وهب بن خلف قد استأذن له رسول الله ﷺ حين هرب يوم الفتح هو وابنه وهب بن عمير فأمنه رسول الله ﷺ لهما، وبعث له وهب بن عمير بردائه الكريم أمانا له وجاء به بنحو ما ذكر لمن قبله» .
ذكر من توجه في ذلك من النساء
«قال ابن عبد البر في الاستيعاب: أم حكيم بنت الحارث بن هشام زوج عكرمة بن أبي جهل بن عمها، أسلمت يوم الفتح واستأمنت النبي ﷺ لزوجها عكرمة، حين فر إلى اليمن وخرجت في طلبه، فردته حتى أسلم وثبتا على نكاحهما، وقال له رسول الله ﷺ ، حين رآه لما أتت به: مرحبا بالراكب المهاجر، وقال لأصحابه: إن عكرمة يأتيكم فإذا رأيتموه فلا تسبوا أباه، فإن سبّ الميت يؤذي الحي» .
стр. 173
فصل في الرسول يبعث إلى الملوك (ليبعث من عنده في بلاده من المسلمين)
«قال ابن إسحاق: كان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى بعث فيهم رسول الله ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم عليه، وهو بخيبر بعد الحديبية ستة عشر رجلا منهم جعفر بن أبي طالب» .
في الرسول يبعث إلى الملك ليزوج الإمام المرأة من المسلمين (تكون ببلاده ويبعثها)
«ذكر ابن جماعة في مختصر السير: أن المصطفى ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، واسمه أصحمة وكتب له كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذه النجاشي فوضعه على عينيه ونزل عن سريره، فجلس على الأرض ثم أسلم، وشهد شهادة الحق وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة، وأمره أن يبعث بمن قبله من أصحابه ويحملهم، ففعل ودعا بحق من عاج، فجعل فيه كتاب النبي ﷺ وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها» .
وفي ترجمة عمرو من الإصابة: بعثه النبي ﷺ إلى النجاشي في زواج أم حبيبة، وإلى مكة فحمل خبيبا من خشبته، وذكر الحافظ في ترجمة أم حبيبة من الإصابة: أن النجاشي أرسل إليها جارية له يقال لها أبرهة فقالت: إن الملك يقول لك: وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن الوليد فوكلته، وأعطت لأبرهة سوارين من فضة، فلما كان العشي أمر النجاشي بإحضار جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: أما بعد فإن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة فأجبت، وقد، أصدقتها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير، فخطب خالد فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وزوجته أم حبيبة وقبض الدنانير، وعمل لهم النجاشي طعاما فأكلوا. قالت أم حبيبة: فلما وصل إلي المال أعطيت أبرهة خمسين دينارا قال: فردتها علي. وقالت: إن الملك عزم علي بذلك وردت علي ما كنت أعطيتها. أولا، ثم جاءتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد، عنبر، فقدمت به على رسول الله ﷺ .
وفي شرح ابن باديس على مختصر ابن فارس وفي اللباب: هي أول امرأة أوثرت في الإسلام بهذا المبلغ اهـ.
وفي ظل الغمامة لأبي عبد الله الغافقي في حق أم حبيبة المذكورة: حاز رضي الله ورضى رسوله ﷺ في أداء مهرها العبد الصالح أصحمة، وقد كتب في قلبه الإيمان والمرحمة، وألقى عليها الصون والأمنة حتى أداها إليه ﷺ شرحبيل بن حسنة، يكلؤها في
стр. 174
زفافها ويغدق عليها قناعة الإيمان، ويتقارب بمراحلها على بعد الزمان، فحمدت عند الصباح سراها، وجرت السوانح ببشراها، وأهدت سواريها وخواتمها لمن أعلمها بنكاح رسول الله ﷺ لها. اهـ.
في الرسول يبعث بالهدية
«قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة، وخرّج أبو عبيد القاسم بن سلام أن هذه الهدية كانت تمر عجوة، وكتب إليه ﷺ يستهديه أدما فأهداه إليه أبو سفيان. وكانت في الهدنة بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة قبل فتحها» .
وقد أفرد رسل رسول الله ﷺ إلى الجهات أبو الحسن المدائني؛ ذكر ذلك الحافظ في ترجمة الحارث بن عبد كلال من الإصابة وغيرها، وأشار إليهم الحافظ العراقي في ألفيته فقال:
ذكر رسله ﵊ إلى الملوك:
أول من أرسله النبي ... لملك عمرو هو الضمري
إلى النجاشي فلما قدّم ... نزل عن فراشه فأسلم
فأركب المهاجرين البحرا ... إليه في سفينتين طرّا
زوّجه رملة عمرو قبله ... له ومهرها النجاشي بذله
ودحية أرسله لقيصرا ... وهو هرقل فعصى واستكبرا
وابن حذافة مضى لكسرى ... فمزّق الكتاب غيّا نكرا
وحاطب أرسل للمقوقس ... فقال: خيرا ودنا لم يؤيس
أهدى له مارية القبطية ... وأختها سيرين مع هدية
من ذهب وقدح ومن عسل ... وطرف من مصر من بنها العسل
وأرسل ابن العاصي حتى أدّى ... كتابه إلى ابني الجلندا
فأسلما وصدّقا وخلّيا ... ما بين عمرو، والزكاة أهديا
وأرسل السليط لليمامة ... لهوذة ملك بني حنيفة
فأكرم الرسول إذ أنزله ... وقال: ما أحسن ما يدعو له
وسال أن يجعل بعض الأمر ... له فلم يعط مضى في الكفر
كذا شجاع الأسدي يلقى ... الحارث الغساني ملك البلقا
رمى الكتاب قال: إني سائرّ ... إليه، رده هرقل قيصر
وقيل: بل أرسله لجبله ... فقارب الأمر ولكن شغله
الملك، ثم في زمان عمر! ... أسلم، ثم ارتدّ حتى كفرا
стр. 175
وابن أبي أمية المهاجرا ... أرسله للحارث بن حميرا
عبد كلال أبه فرددا ... أنظر في أمري وبعد وفدا
على النبي مسلما، فاعتنقه ... وفرش الردا له، وومقه
وأرسل العلاء بن الحضرمي ... لمنذر وهو ابن ساوى الدارمي
كان مع العلاء أبو هريرة ... فانقاد منذر لخير ملة
ووفد المنذر عام الفتح أو ... في عام تسعة خلافا قد حكوا
كذاك أرسل معاذا وأبا ... موسى إلى مخالف فاقتربا
وقال: يسّرا ولا تعسّرا ... وبشّرا طوعا، ولا تنفّرا
كذا جرير نحو ذي الكلاع ... ونحو ذي عمرو ونعم الداعي
وعمرو الضمري إلى مسيلمه ... فلم يؤب عن كذبه ولزمه
أرسل له كتابه مع سائب ... ثانية، فلم يكن بالتائب
وبعده عياشا أيضا أرسلا ... إلى بني عبد كلال قبلا
كلهم كتابه، وأسلموا ... نعيم والحار ومسروح هم
وأرسل النبي أيضا إذ كتب ... لعدة لم يسم من بها ذهب
لفروة بن عامر الجذامي ... أفلح إذ أقر بالإسلام
ولبني عمرو وهم من حمير ... كذا لمعدي كرب المشتهر
ولأساقف بنجران كتب ... كذا لمن أسلم من حدس عرب
وابن ضماد خالد الأزدي ... ولابن حزم عمرو الرضي
ولأخي تميم أوس كتبا ... وهو لدى أولاده ما ذهبا
وليزيد بن الطفيل الحارث ... ولبني زياد بن الحارث
باب في جائزة المصطفى لرسول غيره له
ترجم في الإصابة ٤١١/ ٣ لمسعود بن سعد الجذامي، رسول فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمّان، فذكر أنه ورد عليه ﵇ بإسلامه وهديته، فقبل ذلك المصطفى ﷺ وأجاز رسوله بخسمائة درهم.
باب في الرسول يتوجه إلى الملك منذرا له بالحرب إن هو لم يؤمن
في سيرة ابن إسحاق أنه ﵇ بعث عمرو بن العاص إلى الجلندى بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون والقصر كذا في فتح الباري اسم ملك عمان، يدعوه إلى الإسلام، ومحاورة عمرو بن العاص له طويلة، ساقها أصحاب السير، وفيها خطابا للملك: ما أعلم أحدا بقي غيرك، وإن لم تسلم اليوم يوطئك الخيل، وتبيد خضراؤك، فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك. قال الشيخ الطيب بن كيران في شرح الألفية: قلت في هذا قوة
стр. 176
نفس عمرو إذ خاطبه بهذا الخطاب، وأنذره بالحرب والهلاك في محل ملكه، بحضرة أعوانه مع أنه واقف بين يديه، لم يتمكن من الجلوس. وانظر قصته في الشرح المذكور وغيره.
وفي طبقات ابن سعد؛ أنه ﵇ كتب إلى يحنة بن رؤبة وسروات أهل أيلة:
إن أردتم أن يأمن البر والبحر فأطع الله ورسوله، وإنك إن رددتهم يعني رسله ولم ترضهم، لا آخذ منكم شيئا حتى أقاتلكم فأسبي الصغير وأقتل الكبير فإني رسول الله بالحق لخ.
باب في الترجمان الذي كان يترجم لرسول الله ﷺ ذكر من كان يترجم له باللسان العجمي
«في العمدة للتلمساني: زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، كان يكتب للملوك، ويجيب بحضرة النبي ﷺ ، وكان ترجمانه بالفارسية والرومية، والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن وذكر ابن هشام في البهجة نحوه.
ونحوه في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب لابن عبد السلام في ترجمة زيد، وفي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس: لسمينا «١» أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي، أن بعض الصحابة كزيد بن ثابت، قد كان تعلم اللسان العجمي والرومي والحبشي وعيرها من الألسنة، كما صرح به في الإعلام بسيرة النبي ﵊ وغيره من كتب الإعلام اهـ.
وفي ص ١٤٤ من الجزء الثاني من العقد الفريد لابن عبد ربه وقيل: إنه أي زيدا تعلم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب النبي ﷺ ، والحبشية من خادم النبي ﷺ ، والقبطية من خادمته ﵇ اهـ منه.
وفي صحيح البخاري لدى باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد من كتاب الأحكام؟ وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، إن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود. [انظر كتاب الأحكام باب ٣٩ ج ٨/ ١٢٠] .
ذكر من كان يترجم له ﷺ بالكتاب كتاب السريانية
«في الإستيعاب: كانت ترد على رسول الله ﷺ كتب بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت بتعلمها، فتعلمها في بضعة عشر يوما. وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت قال لي رسول الله ﷺ : أتحسن السريانية، إنه تأتيني كتب؟ قال: قلت: لا. قال: فتعلمها. قال:
فتعلمتها في سبعة عشر يوما.
стр. 177
وفي الأحكام الصغرى: ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن ثابت قال:
قال رسول الله ﷺ : إنّه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأهن كل واحد «١» فهل تستطيع أن تتعلم السريانية! قال: قلت نعم. فتعلمتها في سبعة عشر يوما» .
وفي بهجة المحافل لابن عبد البر: أنه تعلمها في ثمانية عشر يوما.
كتاب اليهود
«في صحيح البخاري في شواهده، والتاريخ، والنص له عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ قال له «٢» : تعلم كتاب اليهود، فإني ما آمن يهوديا على كتابة، فتعلمته في نصف شهر، حتى كتبت له إلى يهود، وأقرأته إذا كتبوا إليه، وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت أنه قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم كتاب يهود، فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمت، وقال لي رسول الله ﷺ : والله ما آمن يهوديا على كتابي، ولما تعلمت كنت أكتب إلى يهود إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم» .
خرّجه البخاري معلقا في باب ترجمة الحكام. وهل يجوز ترجمان واحد! من كتاب الأحكام ولفظه: وقال خارجة بن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا له، قال الحافظ في الفتح: وصله مطولا في كتاب التاريخ، ثم ساق وصله من طرق.
وبوّب عليه الترمذي في كتاب الأدب من جامعه فقال:
باب في تعليم السريانية
حدثنا علي بن حجر، أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود، وقال:
إني والله لا آمن يهود على كتابي. قال فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمت كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم، وقال حديث حسن صحيح. قال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن زيد بن ثابت، وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم السريانية.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كان زيد بن ثابت يتعلم مدراس ماسكة فتعلم كتبهم في خمس عشرة ليلة، حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا.
стр. 178
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله ﷺ : إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية؟ أو قال السريانية فقلت نعم فتعلمتها في ١٧ يوما. وأخرج أبو يعلى وابن أبي داود في المصاحف وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال قال لي النبي ﷺ أتحسن السريانية؟ فإنها تأتيني كتب قلت لا قال: فتعلمها فتعلمتها في سبعة عشر يوما. وأخرج الإمام أحمد عن زيد بن ثابت رفعه: يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهوديا على كتابي، وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت رفعه: إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا أو ينقصوا فتعلم السريانية.
أقول وبهذا يعلم حكم تعلم اللغات الأجنبية .
وفي الجزء الثالث من صبح الأعشى: ينبغي للكاتب أن يتعلم لغة من يحتاج إلى مخاطبته، أو مكاتبته من اللغات غير العربية، فكذلك ينبغي أن يتعلم من الخطوط غير العربية، ما يحتاج إليه من ذلك فقد قال محمد بن عمر المدائني في كتاب القلم والدواة: إنه يجب عليه أن يتعلم الهندية وغيرها من الخطوط العجمية، ويؤيد ذلك ما تقدم في الكلام على اللغة أن النبي ﷺ ، أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود من السريانية، أو العبرانية، وكان يقرأ على النبي ﷺ كتبهم ويجيبهم عنه اهـ.
وقد استفسر ابن رشد ما جاء عن مالك وعن سيدنا عمر من ذم تعاطي لغة الأعاجم.
فتبين من كلامه في كتاب البيان والتحصيل أن الذي كره مالك من تعلم خط العجم ولسانهم هو ما لا يكون في تعلمه منفعة، وأما ما فيه منفعة كتعلمه لترجمة ما يحتاجه الإمام كما تعلمه زيد بأمر النبي ﷺ ، أو لما يحتاج إليه القاضي للفصل بين الخصوم، وإثبات الحقوق، أو العاشر الذي يعشر أهل الذمة وتجار الحربيين، لطلب ما يعشر عندهم لبيت المال، أو لما يحتاج إليه من فكاك أسير، وما أشبه ذلك مما تدعو إليه الضرورة فغير مكروه.
وقال ابن يونس حين تكلم على قول المدونة ونهي عمر عن رطانة الأعاجم أي تكلمهم بلسانهم فقيل: معنى النهي عن ذلك أنها يتكلمون بها في المساجد، وقيل: معنى النهي أنهم إذا تكلموا بها بحضرة من لا يفهمها، فيكون من تناجي الإثنين دون واحد. وقد كره ذلك. قال الشيخ أبو الحسن عليها «١» : والتاويل الآخر أسدّ. وأما الأول فلماذا كرهه هل لأنها من اللغو الذي تنزه المساجد عنه؟ اهـ وكأنه توقف في ذلك وقال في التوضيح:
إنما كرهها في المساجد لأن مالكا كره أن يتكلم في المساجد بألسنة العجم وإليه ذهب ابن يونس اهـ.
وفي المدخل لابن الحاج: قد كره مالك ما هو أخف من هذا يعني الأكل في
стр. 179
المسجد، وهو التكلم بغير لسان العرب سيما لمن يحسن العربية اهـ انظر المجاجي على مختصر بن أبي جمرة لدى الحديث الثالث.
قلت: فظهر أن نهي عمر وكراهة مالك التكلم برطانة العجم لمن في المسجد لا في غيره، أو حتى في غيره بالنسبة لمن لم تدعه لها ضرورة، أو كان تعليمه اللغة الأجنبية مع ازدرائه للغته وآدابها وعلومها، هذا مع اعترافنا اليوم بأن لغات العجم صارت اليوم مفتاح العلوم الكونية، التي أصبحت ضرورية لمجارات العجم والترقي بين الأمم وصارت أيضا مفتاحا للتعارف الذي أصبح ضروريا للعيش وأمن الإنسان على حقوقه حين الإختلاط، وللشيخ صفي الدين الحلي وهو ممن كان يحفظ عدة لغات:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه ... وتلك له عند الملمات أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا ... فكل لسان في الحقيقة إنسان
نسبهما له صاحب الجوهر المحسوس في ترجمة شارح القاموس.
ومن أغرب ما يذكر في هذا الباب، ما وجدته في طبقات ابن سعد من أن جفنة النصراني أحد المشاركين لغلام المغيرة في قتل سيدنا عمر، كان ظئرا لسعد بن أبي وقاص، وكان يعلم الكتاب بالمدينة انظر ص ٢٥٨ من الجزء الثالث. فربما يقال كان يعلم في الكتاب لغة أجنبية أما العربية مثلا أو القرآن فمن المحال أن يحتاجوا في تعلمها إذ ذاك لنصراني فليتأمل، ومن أحسن ما يذكر في هذا الباب ما رأيته في تفسير الشيخ محمد نووي الجاوي المكي المسمى مراح لبيد في كشف معنى قرآن مجيد على قوله تعالى: عن يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] قال عليم بوجوه التصرف في الأموال، وبجميع ألسن الغرباء الذين يأتوني اهـ منه ص ٤٠٣.
وقد ترجم البخاري في الصحيح «١» باب من تكلم بالفارسية والرطانة قال: في الفجر الساطع أي الكلام الغير العربي، فهو من عطف الأعم أي جواز ذلك عند الحاجة إليه كما دلت عليه الآيتان، وأشار إلى ضعف ما ورد من الأحاديث في كراهة الكلام بالفارسية، ووجه إدخال هذه الترجمة في الجهاد أن ذلك يحتاج إليه المسلمون مع رسل العجم وأمرائهم اهـ.
ومن أغرب ما يتعين ذكره في هذا الباب ما قرأته في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي حين تكلم على موالي عبد الله بن الزبير قال: قال هشام كان له مائة غلام كل غلام يتكلم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كل أحد بلغته اهـ وفي ص ٨٣ من تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي عزو ما ذكر لابن عساكر عن عمر بن قيس انظره فهذا أعجب ما سمعت في معرفة اللغات وتعدادها عن الصحابة وتابعيهم.
стр. 180
وقد جاء أنه كان لوالد ابن الزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فلا يستغرب مثل هذا القدر عن ابنه لأنه لا أجل من بيتهم في الإسلام بعد الهاشميين وراجع تأليف ابن خالنا العلامة المحدث أبي عبد الله «١» بن جعفر الكتاني نزيل دمشق الآن المسمى بالمطالب العزيزة الوافية في تكلمه ﵇ بغير اللغة العربية. ورسالة الشرنبلالي الحنفي المسماة، بالنفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية. ورسالة العلامة أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس. وانظر أيضا فتح الباري في كتاب الجهاد على قول البخاري باب من تكلم بالفارسية ونصه: كأنه أشار إلى أن النبي ﷺ كان يعرف الألسنة، لأنه أرسل إلى الأمم كلها، على اختلاف ألسنتهم، فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته، فاقتضى أن يعرف ألسنتهم، ليفهم عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة، لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم اهـ وانظر أيضا إتحاف نجباء العصر بالجواب عن المسائل العشر. لخالنا العلامة ﵀ «١» .
(تكملة) في انموذج اللبيب من خصائص المصطفى ﵇، أن القرآن نزل بكل لغة، عدّ هذا ابن النقيب. وقال السيوطي أيضا في الإتقان: قال أبو بكر الواسطي في الإرشاد: في القرآن من اللغات خمسون لغة منها لغة قريش وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، ومذحج، وخزاعة، وغطفان، ومزينة، وثقيف، وهوازن، وأشعر ونمير وقيس، وعيلان، وجرهم وأيمن، وأزدشنوءة، وكندة، وتميم، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضرموت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، وسبأ، وعمان، وبني حنيفة، وتغلب، وطيء، وعامر بن صعصعة، وأوس، وجذام، وعروة والنّمر، واليمامة.
ومن غير العربية: الفرس، والروم، والقبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، والقبط اهـ.
وفي مكتبتنا رسالة للحافظ السيوطي سماها: المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب رتبها على حروف المعجم، وهي في نحو كراسة، ورسالة له أخرى في الباب. وفي شرح الانموذج للروضي؛ فائدة. استنبط العلماء من هذه الآية وهي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] وقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] أنه ﵇ كان يعرف جميع اللغات، انظر شرح البلقيني لمجلس الشيخ الشوني رحمهما الله اهـ وفي شرح الشفا للخفاجي أنه ﷺ علمه الله جميع اللغات قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] وهو ﷺ مرسل للجميع اهـ. انظر ص ٤٨٠ من الجزء الأول.