نفس عمرو إذ خاطبه بهذا الخطاب، وأنذره بالحرب والهلاك في محل ملكه، بحضرة أعوانه مع أنه واقف بين يديه، لم يتمكن من الجلوس. وانظر قصته في الشرح المذكور وغيره.
وفي طبقات ابن سعد؛ أنه ﵇ كتب إلى يحنة بن رؤبة وسروات أهل أيلة:
إن أردتم أن يأمن البر والبحر فأطع الله ورسوله، وإنك إن رددتهم يعني رسله ولم ترضهم، لا آخذ منكم شيئا حتى أقاتلكم فأسبي الصغير وأقتل الكبير فإني رسول الله بالحق لخ.
باب في الترجمان الذي كان يترجم لرسول الله ﷺ ذكر من كان يترجم له باللسان العجمي
«في العمدة للتلمساني: زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، كان يكتب للملوك، ويجيب بحضرة النبي ﷺ ، وكان ترجمانه بالفارسية والرومية، والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن وذكر ابن هشام في البهجة نحوه.
ونحوه في التعريف برجال مختصر ابن الحاجب لابن عبد السلام في ترجمة زيد، وفي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس: لسمينا «١» أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي، أن بعض الصحابة كزيد بن ثابت، قد كان تعلم اللسان العجمي والرومي والحبشي وعيرها من الألسنة، كما صرح به في الإعلام بسيرة النبي ﵊ وغيره من كتب الإعلام اهـ.
وفي ص ١٤٤ من الجزء الثاني من العقد الفريد لابن عبد ربه وقيل: إنه أي زيدا تعلم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب النبي ﷺ ، والحبشية من خادم النبي ﷺ ، والقبطية من خادمته ﵇ اهـ منه.
وفي صحيح البخاري لدى باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد من كتاب الأحكام؟ وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، إن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود. [انظر كتاب الأحكام باب ٣٩ ج ٨/ ١٢٠] .
ذكر من كان يترجم له ﷺ بالكتاب كتاب السريانية
«في الإستيعاب: كانت ترد على رسول الله ﷺ كتب بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت بتعلمها، فتعلمها في بضعة عشر يوما. وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت قال لي رسول الله ﷺ : أتحسن السريانية، إنه تأتيني كتب؟ قال: قلت: لا. قال: فتعلمها. قال:
فتعلمتها في سبعة عشر يوما.
стр. 177
وفي الأحكام الصغرى: ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن ثابت قال:
قال رسول الله ﷺ : إنّه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأهن كل واحد «١» فهل تستطيع أن تتعلم السريانية! قال: قلت نعم. فتعلمتها في سبعة عشر يوما» .
وفي بهجة المحافل لابن عبد البر: أنه تعلمها في ثمانية عشر يوما.
كتاب اليهود
«في صحيح البخاري في شواهده، والتاريخ، والنص له عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ قال له «٢» : تعلم كتاب اليهود، فإني ما آمن يهوديا على كتابة، فتعلمته في نصف شهر، حتى كتبت له إلى يهود، وأقرأته إذا كتبوا إليه، وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت أنه قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم كتاب يهود، فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمت، وقال لي رسول الله ﷺ : والله ما آمن يهوديا على كتابي، ولما تعلمت كنت أكتب إلى يهود إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم» .
خرّجه البخاري معلقا في باب ترجمة الحكام. وهل يجوز ترجمان واحد! من كتاب الأحكام ولفظه: وقال خارجة بن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا له، قال الحافظ في الفتح: وصله مطولا في كتاب التاريخ، ثم ساق وصله من طرق.
وبوّب عليه الترمذي في كتاب الأدب من جامعه فقال:
باب في تعليم السريانية
حدثنا علي بن حجر، أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود، وقال:
إني والله لا آمن يهود على كتابي. قال فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمت كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتبهم، وقال حديث حسن صحيح. قال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن زيد بن ثابت، وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم السريانية.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كان زيد بن ثابت يتعلم مدراس ماسكة فتعلم كتبهم في خمس عشرة ليلة، حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا.
стр. 178
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله ﷺ : إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية؟ أو قال السريانية فقلت نعم فتعلمتها في ١٧ يوما. وأخرج أبو يعلى وابن أبي داود في المصاحف وابن عساكر عن زيد بن ثابت قال قال لي النبي ﷺ أتحسن السريانية؟ فإنها تأتيني كتب قلت لا قال: فتعلمها فتعلمتها في سبعة عشر يوما. وأخرج الإمام أحمد عن زيد بن ثابت رفعه: يا زيد تعلم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهوديا على كتابي، وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت رفعه: إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا أو ينقصوا فتعلم السريانية.
أقول وبهذا يعلم حكم تعلم اللغات الأجنبية .
وفي الجزء الثالث من صبح الأعشى: ينبغي للكاتب أن يتعلم لغة من يحتاج إلى مخاطبته، أو مكاتبته من اللغات غير العربية، فكذلك ينبغي أن يتعلم من الخطوط غير العربية، ما يحتاج إليه من ذلك فقد قال محمد بن عمر المدائني في كتاب القلم والدواة: إنه يجب عليه أن يتعلم الهندية وغيرها من الخطوط العجمية، ويؤيد ذلك ما تقدم في الكلام على اللغة أن النبي ﷺ ، أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود من السريانية، أو العبرانية، وكان يقرأ على النبي ﷺ كتبهم ويجيبهم عنه اهـ.
وقد استفسر ابن رشد ما جاء عن مالك وعن سيدنا عمر من ذم تعاطي لغة الأعاجم.
فتبين من كلامه في كتاب البيان والتحصيل أن الذي كره مالك من تعلم خط العجم ولسانهم هو ما لا يكون في تعلمه منفعة، وأما ما فيه منفعة كتعلمه لترجمة ما يحتاجه الإمام كما تعلمه زيد بأمر النبي ﷺ ، أو لما يحتاج إليه القاضي للفصل بين الخصوم، وإثبات الحقوق، أو العاشر الذي يعشر أهل الذمة وتجار الحربيين، لطلب ما يعشر عندهم لبيت المال، أو لما يحتاج إليه من فكاك أسير، وما أشبه ذلك مما تدعو إليه الضرورة فغير مكروه.
وقال ابن يونس حين تكلم على قول المدونة ونهي عمر عن رطانة الأعاجم أي تكلمهم بلسانهم فقيل: معنى النهي عن ذلك أنها يتكلمون بها في المساجد، وقيل: معنى النهي أنهم إذا تكلموا بها بحضرة من لا يفهمها، فيكون من تناجي الإثنين دون واحد. وقد كره ذلك. قال الشيخ أبو الحسن عليها «١» : والتاويل الآخر أسدّ. وأما الأول فلماذا كرهه هل لأنها من اللغو الذي تنزه المساجد عنه؟ اهـ وكأنه توقف في ذلك وقال في التوضيح:
إنما كرهها في المساجد لأن مالكا كره أن يتكلم في المساجد بألسنة العجم وإليه ذهب ابن يونس اهـ.
وفي المدخل لابن الحاج: قد كره مالك ما هو أخف من هذا يعني الأكل في
стр. 179
المسجد، وهو التكلم بغير لسان العرب سيما لمن يحسن العربية اهـ انظر المجاجي على مختصر بن أبي جمرة لدى الحديث الثالث.
قلت: فظهر أن نهي عمر وكراهة مالك التكلم برطانة العجم لمن في المسجد لا في غيره، أو حتى في غيره بالنسبة لمن لم تدعه لها ضرورة، أو كان تعليمه اللغة الأجنبية مع ازدرائه للغته وآدابها وعلومها، هذا مع اعترافنا اليوم بأن لغات العجم صارت اليوم مفتاح العلوم الكونية، التي أصبحت ضرورية لمجارات العجم والترقي بين الأمم وصارت أيضا مفتاحا للتعارف الذي أصبح ضروريا للعيش وأمن الإنسان على حقوقه حين الإختلاط، وللشيخ صفي الدين الحلي وهو ممن كان يحفظ عدة لغات:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه ... وتلك له عند الملمات أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا ... فكل لسان في الحقيقة إنسان
نسبهما له صاحب الجوهر المحسوس في ترجمة شارح القاموس.
ومن أغرب ما يذكر في هذا الباب، ما وجدته في طبقات ابن سعد من أن جفنة النصراني أحد المشاركين لغلام المغيرة في قتل سيدنا عمر، كان ظئرا لسعد بن أبي وقاص، وكان يعلم الكتاب بالمدينة انظر ص ٢٥٨ من الجزء الثالث. فربما يقال كان يعلم في الكتاب لغة أجنبية أما العربية مثلا أو القرآن فمن المحال أن يحتاجوا في تعلمها إذ ذاك لنصراني فليتأمل، ومن أحسن ما يذكر في هذا الباب ما رأيته في تفسير الشيخ محمد نووي الجاوي المكي المسمى مراح لبيد في كشف معنى قرآن مجيد على قوله تعالى: عن يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] قال عليم بوجوه التصرف في الأموال، وبجميع ألسن الغرباء الذين يأتوني اهـ منه ص ٤٠٣.
وقد ترجم البخاري في الصحيح «١» باب من تكلم بالفارسية والرطانة قال: في الفجر الساطع أي الكلام الغير العربي، فهو من عطف الأعم أي جواز ذلك عند الحاجة إليه كما دلت عليه الآيتان، وأشار إلى ضعف ما ورد من الأحاديث في كراهة الكلام بالفارسية، ووجه إدخال هذه الترجمة في الجهاد أن ذلك يحتاج إليه المسلمون مع رسل العجم وأمرائهم اهـ.
ومن أغرب ما يتعين ذكره في هذا الباب ما قرأته في مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي حين تكلم على موالي عبد الله بن الزبير قال: قال هشام كان له مائة غلام كل غلام يتكلم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كل أحد بلغته اهـ وفي ص ٨٣ من تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي عزو ما ذكر لابن عساكر عن عمر بن قيس انظره فهذا أعجب ما سمعت في معرفة اللغات وتعدادها عن الصحابة وتابعيهم.
стр. 180
وقد جاء أنه كان لوالد ابن الزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فلا يستغرب مثل هذا القدر عن ابنه لأنه لا أجل من بيتهم في الإسلام بعد الهاشميين وراجع تأليف ابن خالنا العلامة المحدث أبي عبد الله «١» بن جعفر الكتاني نزيل دمشق الآن المسمى بالمطالب العزيزة الوافية في تكلمه ﵇ بغير اللغة العربية. ورسالة الشرنبلالي الحنفي المسماة، بالنفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية. ورسالة العلامة أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس. وانظر أيضا فتح الباري في كتاب الجهاد على قول البخاري باب من تكلم بالفارسية ونصه: كأنه أشار إلى أن النبي ﷺ كان يعرف الألسنة، لأنه أرسل إلى الأمم كلها، على اختلاف ألسنتهم، فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته، فاقتضى أن يعرف ألسنتهم، ليفهم عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة، لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم اهـ وانظر أيضا إتحاف نجباء العصر بالجواب عن المسائل العشر. لخالنا العلامة ﵀ «١» .
(تكملة) في انموذج اللبيب من خصائص المصطفى ﵇، أن القرآن نزل بكل لغة، عدّ هذا ابن النقيب. وقال السيوطي أيضا في الإتقان: قال أبو بكر الواسطي في الإرشاد: في القرآن من اللغات خمسون لغة منها لغة قريش وهذيل، وكنانة، وخثعم، والخزرج، ومذحج، وخزاعة، وغطفان، ومزينة، وثقيف، وهوازن، وأشعر ونمير وقيس، وعيلان، وجرهم وأيمن، وأزدشنوءة، وكندة، وتميم، وحمير، ومدين، ولخم، وسعد العشيرة، وحضرموت، وسدوس، والعمالقة، وأنمار، وغسان، وسبأ، وعمان، وبني حنيفة، وتغلب، وطيء، وعامر بن صعصعة، وأوس، وجذام، وعروة والنّمر، واليمامة.
ومن غير العربية: الفرس، والروم، والقبط، والحبشة، والبربر، والسريانية، والعبرانية، والقبط اهـ.
وفي مكتبتنا رسالة للحافظ السيوطي سماها: المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب رتبها على حروف المعجم، وهي في نحو كراسة، ورسالة له أخرى في الباب. وفي شرح الانموذج للروضي؛ فائدة. استنبط العلماء من هذه الآية وهي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] وقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] أنه ﵇ كان يعرف جميع اللغات، انظر شرح البلقيني لمجلس الشيخ الشوني رحمهما الله اهـ وفي شرح الشفا للخفاجي أنه ﷺ علمه الله جميع اللغات قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] وهو ﷺ مرسل للجميع اهـ. انظر ص ٤٨٠ من الجزء الأول.
стр. 181
وفي فصل: إحتياج الكاتب إلى معرفة اللغات العجمية، من صبح الأعشى ص ١٦٥ نقلا عن محمد بن عمر المدائني قيل: إنه ﷺ ، كان يفهم اللغات كلها، وإن كان عربيا لأن الله بعثه إلى الناس كافة، ولم يكن الله بالذي يبعث نبيا إلى قوم لا يفهم عنهم، ولذلك كلم سلمان بالفارسية، وساق بسنده إلى عكرمة، قال: سئل ابن عباس: هل تكلم رسول الله ﷺ بالفارسية؟ قال: نعم. دخل عليه سلمان فقال درسته وسادته، قال محمد بن إميل أظنه مرحبا وأهلا «١» . وحسّنه، فيكون النبي ﷺ إنما أمر زيدا أن يتعلم كتابة السريانية، أو العبرانية لتحريم الكتابة عليه، لا أنه أمره بتعلم لغتهم.
وفي رحلة الحافظ ابن عبد السلام الناصري الكبرى في ترجمة شيخه: الإمام محمد بن محمد النجاري النابلسي الأثري: أنه ذاكره في كونه ﵇ هل تكلم بالفارسية، وأن صاحب القاموس أنكر ذلك في سفر السعادة فقال: الصواب ثبوت كلامه ﷺ بالفارسية، وأوقفني على كراسين له، في الرد على صاحب القاموس. أملاه في سفره هذا لما سئل عنه اهـ.
باب في الشاعر وفيه فصول فصل في ذكر شعراء النبي ﷺ
«في الإستيعاب قال ابن سيرين: كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وأما شعراء المشركين فعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث، قال أبو عمر بن عبد البر: قيل: لعلي بن أبي طالب أهج عنا القوم الذين يهجوننا، فقال إن أذن لي النبي ﷺ فعلت، فقالوا: يا رسول الله إيذن له فقال رسول الله ﷺ : إن عليا ليس عنده ما يراد في ذلك منه، أو ليس في ذلك هنالك، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم أن ينصرونه بألسنتهم؟ قال ابن سيرين: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان، وكعب، وعبد الله بن رواحة، فكان حسان وكعب يعرضان بهم في الوقائع الأيام والماثر، ويذكران مثالبهم. وكان عبد الله بن رواحة يعيّرهم بعبادة ما لا ينفع، فكان قوله أهون عليهم يومئذ. وكان قول حسان وكعب أشدّ القول عليهم، فلما أسلموا وفقهوا كان أشدّ القول عليهم قول عبد الله بن رواحة» .
قلت: في ترجمة حسان من الإصابة: قال أبو عبيدة فضّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاثة: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ ، في أيام النبوة. وشاعر اليمن كلها في الإسلام.
وفي الشرح الجلي للشهاب البربير: الصحابة كانوا معدن الشعر ومنبعه، وكان
стр. 182
أشعرهم الخلفاء الأربعة، وكان أشعر الخلفاء الصديق وقد رأيت شيخ مشايخنا السيد مصطفى البكري الصديقي، جمع لجده الصديق من كلامه ديوانا تعجز عن تقريظه أفواه المحابر، والسنة الأقلام رتبه على حروف المعجم، وكان ابنته عائشة أشعر من الخنساء، وكانت تروي من كلام الشعراء ما لا يحفظه الرجال، فضلا عن النساء. ولا يخفى أن من شعراء الصحابة حسان بن ثابت، الذي كان إذا مد لسانه بلغ انفه وكان يحلف بالله أنه لو أمره على شعر [لحلقه] . أو على صخر لخرقه، ومنهم النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، والزبرقان، والعباس بن مرداس، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، وضرار بن الخطاب، والعباس عمه ﵇، وابنه عبد الله بن عباس، ولبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، والمغيرة بن شعبة وغيرهم.
وكان يحث حسان على إنشاء الشعر وهجو المشركين ويقول: إنه أنكى [بهم] من وقع الحسام، وكان يستنشد أصحابه الأشعار. وثبت أنه ﷺ حقن بالشعر دم كعب بن زهير بعد الإهدار، وأنه أجاز حسان بسيرين القبطية جاريته اهـ.
قلت: الشعراء من الصحابة الذين مدحوه ﷺ ، بين رجال ونساء جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسي، المعروف بابن سيد الناس، المتوفى عام ٧٣٤ في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلد سماه منح المدح أو فتح المدح، ورتبهم على حروف المعجم قارب بهم المائتين «١» ، ولعصرينا الأديب أبي الحسن علي بن شاكر الموستاري، المعروف بجابي زاده نزيل الآستانة «٢» كتاب نفيس سماه: حسن الصحابة في شرح أشعار الصحابة، طبع الجزء الأول منه في ص ٣٦٢ رتبه على القوافي يترجم الصحابي ويذكر أشعاره في التوحيد، والثناء على الله، ومدح المصطفى ﵇، وبيان معجزاته ونحو ذلك أثبت فيه لأكثر من مائتي صحابي، ما بين بيت مفرد وقصيد. ثم شرح مفردات الجميع.
وأما ما مدح به ﵇ من شعراء أمته بعد الصحابة فشيء يجل عن الحصر، ولو جمع له الناس في كل بلد أو مصر، إذ قلّ أن يجمع مسلم ديوانا إلا وصدّره أو كل حرف منه بالإمداح النبوية، وفي الرحلة العياشية أن صاحبها وقف في مكة على السفر السابع من كتاب منتهي السول في مدح الرسول، كتب سنة ٦٧٣ قال أبو سالم: هذا التأليف لم يقصد به جامعة جمع كلامه أو كلام مخصوص، بل ما انتهى إليه علمه من الإمداح النبوية، وما شاكلها والله أعلم كم بقي لتمام الكتاب اهـ وفي عصرنا هذا جمع صديقنا نادرة العصر وحسّانه الشيخ أبو المحاسن [يوسف بن إسماعيل] النبهاني الشامي مجموعة في الامداح
стр. 183
النبوية رتبها على حروف المعجم، وقد طبعت في أربع مجلدات، وهي على كل حال قلّ من كثر ونقطة من بحر.
باب في استنشاده ﷺ شعر الهالكين في غير موضع
خرّج مسلم «١» والبخاري في الأدب المفرد عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال:
استنشدني النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشدته مائة قافية أو بيت. وفي مسلم أيضا من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه؛ ردفت النبي ﷺ يوما فقال: هل معك من شعر أمية؟ قلت: نعم. قال: هيه فأنشدته بيتا. قال: هيه، فأنشدته بيتا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: إن كاد ليسلم «٢» . قال القرطبي فيه دليل على حفظ الأشعار والإعنتاء بها إذا تضمنت حكما ومعاني مستحسنة شرعا وطبعا.
قلت: استنشاده ﵇ شعر الكفار يؤخذ مما سبق، لأن أمية بن أبي الصلت هو الذي قال فيه المصطفى: آمن شعره وكفر قلبه.
سماعه ﵇ الشعر المتضمن التشبيب والغزل
كتشبيه الريق بالراح، وغير ذلك من أنواع التشبيبات.
قصة إنشاد كعب بن زهير للنبي ﷺ قصيدته: بانت سعاد. مشهورة فحقن ﷺ دمه بها بعد الإهدار، وأجازه بعد بمائة من الإبل. ومنّ عليه ببردته، وقد اشترى تلك البردة منه معاوية بثلاثين ألف درهم وكانت عنده من أجلّ ملكه وأعظم، وكانت أمراء بني أمية يتبركون بلبسها في الأعياد والمواسم، ويعدّونها أفخر لباس حتى وصلت مع الدولة لبني العباس، وكان للأمة الإسلامية كبير إعتناء بهذه القصيدة اللامية البديعة؛ حفظا واستنشادا وشرحا ومعارضة.
قال الشيخ الأديب أبو جعفر البصير الألبيري الأندلسي لما ذكر الكعبية هذه: وهذه القصيدة لها الشرف الراسخ، والحكم الذي لم يوجد له ناسخ، أنشدها كعب في مسجده ﵇ بحضرته، وحضرة أصحابه وتوسل بها، فوصل إلى العفو عن عقابة، فسدّ ﷺ خلّته، وخلع عليه حلّته، وكفّ عنه كفّ من أراده، وأبلغه في نفسه وأهله مراده، وذلك بعد إهدار دمه، وما سبق من هذر كلمه محت حسناتها تلك الذنوب، وسترت محاسنها وجه تلك العيوب، ولولاها لمنع المدح والغزل، وقطع من أخذ الجوائز على الشعراء الأمل، فهي حجة الشعراء فيما سلكوه، وملاك أمرهم فيما ملكوه، حدثني بعض شيوخنا بالإسكندرية، أن بعض العلماء كان لا يفتتح مجلسه إلا بقصيدة كعب. فقيل له في ذلك.
стр. 184
فقال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، قلت: يا رسول الله قصيدة كعب أنشدها بين يديك؟
فقال: نعم. أنا أحبها وأحب من يحبها. قال: فعاهدت الله أن لا أخلو من قراءتها كل يوم ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن، ينسجون على منوالها، ويقتدون بأقوالها، تبركا بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها إليه.
ولما صنع القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، قصيدة في مدح النبي ﷺ على وزن بانت سعاد قال:
لقد قال كعب في النبي قصيدة ... وقلنا: عسى في مدحه نتشارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك
اهـ بواسطة نفح الطيب للمقري.
الشعراء من الصحابة والصحابيات الذين رثوه ﵇ بعد موته
أثبت الحافظ العزفي في آخر مولده عدّة مراثي للصحابة فيه ﵇ بعد موته، منهم أبو بكر وعمر وعلي وصفية بنت عبد المطلب، وأم حكيم بنت عبد المطلب، وهند بنت المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وحسان، وكعب بن مالك، وأبو الهيثم بن التيهان، وعبد الله بن أنيس، وعمرو بن سالم الخزاعي، والزبرقان بن بدر، وعبد الله بن مالك الأرحبي، وابن ذي مدان من سادات همدان، وعبد الله بن سلمة الهمداني، وسواد بن قارب الدوسي، وعبد الحارث بن أنس بن الريان، وغيرهم وذلك مقدار كراسة من المولد المذكور، وقد عقد الحافظ الشامي في السبل أبوابا منها قوله: جماع أبواب سيرته ﵇ في الشعر، الباب الأول في مدحه ﷺ حسن الشعر، وذمه لقبيحه، وتنفيره من الإكثار منه. الباب الثاني: في استماعه ﷺ لشعر بعض أصحابه في المسجد وخارجه. الباب الثالث في أمره ﵇ بعض أصحابه بهجاء المشركين. الباب الرابع فيما تمثل به رسول الله ﷺ من الشعر. الباب الخامس فيما طلب استنشاده من غيره فانظرها.
باب تكرمه ﵇ بأعظم سبي سبي له بسبب أبيات شعرية قدمت له ﵇
هذه القصة غريبة في بابها، عزيز إسنادها، افتتن المحدثون وتهافتوا على روايته، لأنه أعلى ما حصل للمتأخرين؛ كالحافظين السيوطي، والسخاوي، وأمثالهما، ممن أدرك المائة العاشرة وروياه عشاريا بينهم وبين النبي ﷺ فيه عشرة وسائط. قال السخاوي في فتح المغيث: تقع لي العشاريات بالسند المتماسك، من المعجم الصغير للطبراني وغيره، ولا يكون في الدنيا أقل من هذا العدد اهـ.
وقال السيوطي في التدريب: أعلى ما يقع لنا ولأضرابنا في هذا الزمان من الأحاديث
стр. 185
الصحاح، المتصلة بالسماع، ما بيننا وبين النبي ﷺ فيه اثنا عشر رجلا، وبالإجازة في الطريق أحد عشر، وذلك كثير، وبضعف يسير غير واه عشرة. ولم يقع لنا بذلك إلا أحاديث قليلة جدا في معجم الطبراني الصغير اهـ.
قلت: حبب إلي أن أسوقها هنا بأعلى ما حصل لنا ولأقراننا في قرننا هذا الرابع عشر، وذلك ما أخبرنا به مسند الدنيا، البدر عبد الله بن درويش بن إبراهيم السكري الدمشقي بها عام ١٣٢٤ قال: أخبرنا مسند الدنيا الوجيه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الكزبري، أنا المعمر مصطفى الرحمتي الدمشقي، عن العارف عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الصالحي، عن نجم الدين محمد بن محمد الغزي عن أبيه البدر محمد بن محمد الغزي العامري الدمشقي، أنا الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي قال: أنا مسند الدنيا محمد بن مقبل الحلبي إجازة مكاتبة عام ٨٦٩ عن محمد بن إبراهيم بن أبي عمر المقدسي، وهو آخر من حدث عنه بالإجازة، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن البخاري، وهو آخر من حدث عنه، عن أبي القاسم الصيدلاني وهو آخر من حديث عنه، أتنا أم إبراهيم بنت عبد الله، وأبو الفضل الثقفي سماعا، عليهما قالا، أنا أبو بكر بن ربدة، أنا أبو القاسم الطبراني، ثنا بن عبد الله بن رما حسن عام ٢٧٤، ثنا أبو عمرو زياد بن طارق، وكان قد أتت عليه مائة وعشرون سنة قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم هوازن ذهب يفرق السبي فأتيته، فقلت:
أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر
أمنن على بيضة قد عاقها قدر ... مشتت شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس علما حين يختبر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنّا معشر زهر
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك، إنّ العفو مشتهر
يا خير من مرحت كمت الجيادبه ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاعف عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
قال فلما سممع النبي ﷺ هذا الشعر قال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم «١» ، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ورسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله
стр. 186
ورسوله، قال السيوطي في التدريب: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، عشاري أخرجه أبو سعيد الأعرابي في معجمه عن ابن رمّاحسن وابن قار عن عبيد الله بن علي الخواص، عن ابن رماحسن وله شاهد من رواية ابن إسحاق في المغازي، وأخرجه الضياء المقدسي في المختارة من حديث زهير، واستشهد له بحديث عمرو بن شعيب فهو عنده على شرط الحسن، ثم أتى السيوطي بكلام الذهبي وابن عبد البر، واقتصر عليه كما اقتصر عليه قبله شيخ شيوخه الحافظ العراقي في كتابه الأربعين العشاريات الإسناد، وغفلوا جميعا عن طرقه التي جمعها له سيد الحفاظ ابن حجر في لسان الميزان. انظر ترجمة عبد الله بن رماحسن منه ص ٩٦ من الجزء الرابع تر عجبا، وقد انفصل على كون الحديث حسن الإسناد، وفي فتح الباري له: هو حديث حسن وقد وهم من زعم أنه منقطع. وفي الإصابة أيضا وهّن ابن عبد البر إسناده من غير قادح، وقد أوضحته في لسان الميزان في ترجمة زياد بن طارق. وانظر غنيمة الواجد لأبي زيد الثعالبي. وكان عدد السبي الذي رده ﵇ على هوازن، لما استشفعوا له بهذه الأبيات، كما في المنح المكية للشهاب ابن حجر: من النساء والذراري ٦٠٠٠ رأس، والإبل ٢٤٠٠، والغنم ٤٠٠٠٠، و ٤٠٠٠ أوقية فضة.
باب في ذكر الخطيب في غير الصلوات ذكر من كان خطيب رسول الله ﷺ
«في الجمهرة [ص ٣٦٤] لابن حزم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي ﷺ ، وفي الاستيعاب: كان ثابت خطيب النبي ﷺ ، وخطيب الأنصار، كما يقال لحسان بن ثابت: شاعر رسول الله ﷺ » .
قلت: ألف أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية كتاب: طبقات الخطباء ذكر ذلك الحافظ في ترجمة سحبان من الإصابة. وفي ترجمة أبي بكر الصديق من تاريخ الخلفاء عن ابن كثير: وكان أي أبو بكر من أفصح الناس وأخطبهم. قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب اهـ منه.
هل خطب ﵇ أو خطب الصحابة بغير اللغة العربية
وقال عالم الهند أبو الحسنات اللكنوي في رسالته «آكام النفائس» . النبي ﷺ وأصحابه خطبوا دائما باللغة العربية، ولم ينقل عن أحد منهم أنهم خطبوا خطبة ولو غير الجمعة بغير العربية، وكان يحضر في مجالس الخطب النبوية رجال من الفرس، والروم والحبش، والعجم، لم يبدل النبي ﷺ خطبته أبدا ولا علمه أحد، ومن المعلوم أن منهم من لم يكن يفهم لسان العرب مطلقا، ومنهم من لا يقدر على فهم الكثير منه، وإن فهم قدرا. ولا يتوهم أنه لم يكن النبي ﷺ يعلم اللغة العجمية وغيرها من اللغات العربية، ولو كان علمها
стр. 187
لخطب بها، لأنا نقول بعد تسليم ذلك: أن بعض الصحابة كزيد قد كان يعلم اللسان العجمي، والرومي، والحبشي، وغيرها من الألسنة فلم لم يأمره النبي ﷺ بأن يخطبهم ويعظهم بألسنتهم.
وبالجملة فالاحتياج إلى الخطبة بغير العربية لتفهيم أصحاب العجمية كان موجودا في القرون الثلاثة، ومع ذلك فلم يرد أحد من أحد في تلك الأزمنة «١» اهـ منه ص ٣٣ طبعة سنة ١٣٠٣ الهندية.
وفي غاية المقصود على سنن أبي داود: لا بد للخطيب أن يقرأ القرآن ويعظ به في خطبته، فإن كان السامعون عجما يترجم بلسانهم، فإن أثر التذكير والوعظ في غير بلاد العرب لا يحصل ولا يفيد إلا بالترجمة بلسانهم، وقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] قال في جامع البيان: أي يبين لهم ما أمروا به فيفهموه بلا كلفة، ورسول الله ﷺ بعث إلى الأحمر والأسود، لكن الأولى أن يكون بلغة من هو منهم حتى يفهموه ثم ينقلوه ويترجموه اهـ.
فلا بد للخطيب أن يفهم معاني القرآن بعد قراءته، ويذكر السامعين بلسانهم، وإلا فيفوت مقصود الخطبة، هكذا قاله شيخنا نذير حسين المحدث الدهلوي اهـ مختصرا.
قلت: سيأتي أن الدولة الموحدية كان خطباؤها في جامع القرويين بفاس وغيرها، يخطبون باللسان البربري والله أعلم.
فوائد: الأولى: في طبقات الحنفية، للحافظ قاسم بن قطلوبغا، لدى ترجمة جعفر بن محمد بن المعز بن المستغفر النسفي المستغفري، المولود سنة خمسين وأربعمائة، أن من مصنفاته كتاب: خطب النبي ﷺ انظر ص ١٠.
الثانية: خطبه ﵇ كانت عارية عن السجع وهي الأصل الأصيل، واقتفى آثارها الخلفاء الراشدون، وأكثر السلف وإنما التزمت الإسجاع في هذه الأزمان التي كثر تكلفاتها، وضلت من الخير والرشاد صفاتها، قاله أبو عبد الله بن الطيب الشرقي في حواشيه على القاموس.
الفائدة الثالثة: حضر ﵇ خطبة قس بن ساعدة الايادي «٢» ، قبل النبوة وقال: كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أحمر الحديث. قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: إن له ولقومه بذلك فضيلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول
стр. 188
الله ﷺ روى كلامه وموقفه على جمله بعكاظ، وموعظته وعجب من حسن كلامه، وأظهر تصويبه فهذا أشرف تعظيم، تعجز عنه الأماني وتنقطع دون الآمال. وإنما وفق الله ذلك لقس لاحتجاجه للتوحيد، وإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قس خطيب العرب قاطبة اهـ.
باب في كتاب الجيش وفيه فصول
فصل: في أمر النبي ﷺ بكتب الناس، وثبوت العمل بذلك في عصره ﷺ .
«في صحيح البخاري «١» بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : أكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس، فكتبت له ألفا وخمسمائة رجل، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال ارجع فحجّ مع امرأتك، وهو في الصحيح أيضا بلفظ إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة» [قال فانطلق فحج مع امرأتك. كتاب الحج باب ٧٤ ج ١/ ٩٧٨] .
قلت: قال الحافظ في الفتح على ترجمة باب كتابة الإمام الناس، أي من المقاتلة وغيرهم، والمراد ما هو أعم من كتابته هو نفسه أو بأمره، ثم قال: وفي الحديث مشروعية كتابة دواوين الجيوش. وقال على قول الرجل: إني كتبت في كذا مشعر بأنه كان من عادتهم كتابة من يتعين للخروج في المغازي اهـ.
قال التقي المقريزي في الخطط: إعلم أن كتابة الديوان على ثلاثة أقسام: كتابة الجيوش، وكتابة الإنشاء والمكاتبات، ولا بدّ لكل دولة من استعمال هذه الأقسام الثلاثة، وقد أفرد العلماء في كتابة الخراج، وكتابة الإنشاء عدة مصنفات، ولم أر أحدا جمع شيئا في كتابة الجيوش والعساكر، وكانت كتابة الديوان في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه صحفا مدرجة اهـ منها.
فصل في البيعة ومعناها المعاقدة والمعاهدة
وهي شبيهة بالبيع الحقيقي، قال ابن الأثير في النهاية: كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره. والأصل في ذلك:
أنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على صاحبه، وقد عظم الله شأن البيعة، وحذّر من نكثها فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ، فَسَيُؤْتِيهِ
стр. 189
أَجْراً عَظِيماً [الفتح: ١٠] «١» وأمر بمبايعة المؤمنات في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة: ١٢] وبايع النبي ﷺ الصحابة بيعتين، قال المرجاني: ومعنى البيعة في عرف اللغة ومقصود الشرع: العهد على الطاعة، على أنهم يسلمون لربها النظر في أمور أنفسهم، لا ينازعونه في شيء من ذلك، ويطيعونه فيما يكلفهم به من الأمر، على المنشط والمكره شبهت حالهم في مصافحتهم بأيديهم، تأكيدا لعهدهم بفعل البائع والمشتري، وسميت بيعة. وعلى هذا النحو؛ كانت بيعة النبي ﷺ ليلة العقبة وعند الشجرة، وحيثما وردت هذه اللفظة.
وقد ترجم البخاري: كيف يبايع الإمام الناس؛ والمراد الصيغ القولية لا الفعلية، فذكر فيها البيعة على السمع والطاعة، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، وعلى الصبر، وعلى عدم الفرار، ولو وقع الموت، وعلى بيعة النساء، وعلى الإسلام، وكل ذلك وقع عند البيعة بينهم فيه بالقول.
وقال الحافظ بن الجوزي: جملة من أحصي من المبايعات له ﵇ من النساء أربعمائة وسبع وخمسون امرأة، لم يصافح على البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام اهـ.
ثم إنه ﵇ لم يكن يشترط في المبايعين البلوغ، فقد بايع النبي ﷺ عبد الله بن الزبير، وهو ابن سبع سنين. قال القرطبي: كانت مبايعته ﷺ لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر اهـ.
وكان أول ما يشترط في البيعة بعد التوحيد إقامة الصلاة، ثم الزكاة، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمسّ.
وفي الصحيح عن جابر «٢» : بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وإنما بايع جابرا على النصيحة لأنه كان سيد قومه، فأرشده إلى تعليمهم، والنصح لهم. وقد بوّب البخاري باب من بايع مرتين، وباب بيعة الاعراب، وباب بيعة الصغير، وباب من بايع ثم استقال البيعة، وباب من بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا، وباب بيعة النساء، وباب من نكث بيعته فانظره.
وكان الخلفاء من بني أمية وبني العباس يؤكدون البيعة بالاستحلاف، واستيعاب أنحاء الإيمان، وربما كانت على الإكراه، ولما أفتى مالك بسقوط يمين المكره ناله من المحنة ما
стр. 190
ناله، ثم صارت البيعة كسروية من تقبيل الأرض، أو الرجل أو الذيل استغناء عن المصافحة، لما فيها من التنزل والابتذال المنافيين للرياسة، وصون الرتبة السلطانية إلا للخواص، وهي اليوم عبارة عن وضع المبايع خطه في صك يتضمن الاعتراف للمبايع بالسلطنة، وذلك فيمن يحسن الكتابة وإلا أشهد عليه في صك يبقى بيد المبايع، وفي فوائد الدرر قال القاضي أبو بكر: إن البيعة كانت في صدر الإسلام مقولة، وهي اليوم مكتوبة، إذ كان في ذلك العصر لا يكتب إلا القرآن، وقد اختلفت في السنة وكان ﵇ لا يكتب أصحابه ولا يجمع لهم ديوانا، إلا أنه يوما قال: اكتبوا من تلفظ بالإسلام، لأمر عرض له، وأما اليوم فيكتب إسلام الكفرة كما يكتب سائر معالم الدين والتوابع، لضرورة حفظها حين فسد الناس وخفت أمانتهم ومرج أمرهم الخ كلامه فانظره في الفوائد فإنه نفيس.
وفي ترجمة سلمة بن الأكوع منها عن عبد الرحمن بن زيد العراقي قال: أتيت سلمة بن الأكوع فأخرج إلينا يده ضخمة كأنها خف البعير، قال: بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه فأخذنا يده فقبلناها.
فصل فيمن تولى ذلك على عهد رسول الله ﷺ
«متوليه في زمن رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان، كما سبق عند البخاري، وفي الاستيعاب: كان حذيفة من كبار الكتاب مع رسول الله ﷺ ، وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله ﷺ » .
فصل في ثبوت العطاء في عهد رسول الله ﷺ
«خرّج أبو داود عن عوف بن مالك أن رسول الله ﷺ : كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى صاحب الأهل حظين، وأعطى الأعزب حظا فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا.
وفي الموطأ أن أبا بكر كان إذا أعطى الناس أعطياتهم سأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك. فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم. أخذ من عطائه زكاة ذلك المال وإن قال: لا.
أسلم إليه عطاءه ولم يأخذ منه شيئا» .
وقال الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج: لم يكن في حياة رسول الله ﷺ مرتبة معينة للجنود الذين كانوا يتألفون من جميع أمراء المسلمين، وإنما كانوا يأخذون مالهم في أربعة أخماس ما يغنمون، وفيما يرد من خراج الأرض التي أبقيت في أيدي أهلها كأرض خيبر، ولما ولي أبو بكر أعطى الناس وسوّى بينهم في العطاء، قائلا: هذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما ولي عمر رأى في ذلك غير رأي أبي بكر، وقسم العطاء مفضلا الأسبق فالأسبق الخ كلامه. وفي ترجمة عمرو بن الفغواء؛ من طبقات ابن سعد عنه قال: دعاني رسول الله ﷺ ، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان، يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال: إلتمس صاحبا الخ القصة.
стр. 191
فصل في وضع عمر الديوان والسبب في ذلك
الديوان: دفتر يكتب فيه أسماء أهل العطاء والعساكر، على القبائل والبطون. وفي النهاية: الديوان دفتر يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. ذكر أبو هلال العسكري في الأوائل، والماوردي في الأحكام السلطانية، أن أول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب ﵁. انظر صبح الأعشى ص ١٠٦ من الجزء الثالث عشر.
وفي ترجمة عمر في تهذيب الأسماء للنووي: وكان عمر هو أول من دوّن الديوان للمسلمين، ورتب الناس على سابقتهم في العطاء، وفي الإذن، والإكرام، فكان أهل بدر أوّل الناس دخولا عليه، وكان علي بن أبي طالب أوّلهم. وأثبت أسماءهم في الديوان، على قربهم من رسول الله ﷺ ، فبدأ ببني هاشم، وبني المطلب، ثم الأقرب فالأقرب اهـ.
وفي ص ٤١٣ من ج ١ من صبح الأعشى أيضا ما نصه: هو- أي عمر- أول من رتّب بيت المال فيما ذكره العسكري، لكنه ذكر في موضع آخر؛ أن عمر كان على بيت المال من قبل أبي بكر، فيكون أبو بكر قد سبقه إلى ذلك اهـ.
وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي، في فصل أولياته ومنها: أنه أول من اتخذ بيت المال، أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة وغيره: أن أبا بكر كان له بيت مال بالسّنح ليس يحرسه أحد. فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل، فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة حوّله فجعله في داره، فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس، فيسوي بين الناس في القسم. وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله، واشترى قطائف أتي بها من المدائن، ففرقها في أرامل المدينة، فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت أبي بكر، منهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، ففتحوا بيت المال، فلم يجدوا فيه شيئا، لا دينارا ولا درهما.
وبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل: إن أول من اتخذ بيت المال عمر، وقد رددت عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل، ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر، من كتابه فقال: إن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر ص ٣١.
ويمكن الجمع بأن أبا بكر أوّل من اتخذ بيت المال، من غير إحصاء ولا تدوين، وعمر أوّل من دوّن مثلا.
«وفي تاريخ الكامل لابن الأثير: وفي سنة ١٥ من الهجرة فرض عمر الفروض، ودوّن الدواوين، وأعطى العطايا. وفي الأحكام السلطانية للماوردي أقوال في السبب الذي حمل عمر على ذلك منها: أن أبا هريرة قدم إليه بمال من البحرين، فقال عمر: ماذا جئت به؟ قال خمسمائة ألف درهم. فاستكثره عمر وقال أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات، فصعد عمر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم
стр. 192
كلناه لكم كيلا، وإن شئتم عددناه لكم عدا. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدونون لهم ديوانا فدوّن أنت ديوانا، فاستشار عمر ﵁ الناس في تدوين الديوان، فقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا، حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر، فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشام فرأيت ملوكا لهم دواوين، وجندوا أجنادا فدوّن ديوانا وجنّد جنودا. فأخذ عمر بقوله، ودعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم، وكانوا من شبّان قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم» .
وفي وفيات الأسلاف للشهاب المرجاني ص ٣٦٨: وأول من وضع ديوان العساكر في الدولة الإسلامية عمر، في محرم سنة عشرين. أمر عقيل بن أبي طالب، ومخرمة وجبيرا من كتاب قريش، فكتبوا ديوان الجيش، بالابتداء من رسول الله ﷺ ، وما بعدها «١» ، على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب اهـ وقد استظهر الخزاعي هنا، وفصّل أن كتابة الناس في عصر النبي ﷺ وتدوينهم، إنما كانت في أوقات مخصوصة؛ نحو كتبهم حين أمر حذيفة بإحصاء الناس، وكذلك العطاء في عصره ﵇ لم يكن له وقت معين، ولا مقدار معين. فلما كثر الناس في خلافة عمر، وجبيت الأموال، وتأكدت الحاجة إلى ضبطهم وضع الديوان بعد مشاورة الصحابة، على ترتيب الأنساب الأقرب فالأقرب اهـ ولكن وجدت في كتاب بدائع الصنائع: للإمام علاء الدين الكاساني الحنفي، حين تكلم على ما كان يعطيه رسول الله ﷺ لرؤساء قريش، وصناديدهم مثل: أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس التميمي وأمثالهم، وذكر أن أبا بكر وعمر ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا. قال: فإنه روى أنه لما قبض رسول الله ﷺ ، جاؤوا إلى أبي بكر، واستبدلوا الخط منه لسهامهم، فبدل لهم الخط. ثم جاؤوا إلى عمر وأخبروه بذلك فأخذ الخط من يدهم ومزقه. وقال إن رسول الله ﷺ كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعز الله دينه. فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه ما صنع عمر، وقالوا: أنت الخليفة أم هو؟
فقال: إن شاء الله هو، فلم ينكر أبو بكر قوله وفعله، وبلغ الصحابة فلم ينكروا اهـ انظر ص ٤٥ من الجزء الثاني.
وهذا يدل على أن الناس في زمنه ﵇ كانوا يأخذون العطاء بالضبط والتقييد، فيدل ذلك على وقوع التدوين، وجعل قوائم للمعطون، وهذا هو الديوان بعينه. فتأمل ذلك.
وفي صبح الأعشى ص ١١ من ج ١، بعد أن نقل عن القضاعي، أن الزبير بن العوام، وجهم بن الصلت، كانا يكتبان له ﵇ أموال الصدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص النخل ما نصه: فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين قد وضعت في زمانه ﵇ اهـ.
стр. 193
وانظر الفصل الأول من باب كتاب الجيش، وما نقل فيه عن الحافظ في الفتح: مما يؤول جميعه بخلاف ما للمتأخرين في هذه الترجمة.
وفي الأحكام لابن العربي: وأما ولاية الديوان؛ فهي الكتابة، وقد كان للنبي ﷺ كتاب، وللخلفاء بعد؛ وهي ضبط الجيوش لمعرفة أرزاقهم، والأموال لتحصيل فوائدها لمن يستحقها اهـ منها. وفي ترجمة عبد الرحمن بن عبد القاري من الإصابة، أنه كان على بيت المال لعمر. وأخرج البزار قال السيوطي في الجمع: وضعف عن عمر قال: كتب إلى رسول الله ﷺ . فقال لعبد الله بن أرقم: أجب هؤلاء، فأخذه عبد الله بن أرقم فكتبه، ثم جاء بالكتاب فعرضه على رسول الله ﷺ ، فقال: أحسنت. فما زال ذلك في نفسي حتى وليت فجعلته في بيت المال.
وأخرج البيهقي في السنن عن أبي وائل أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال.
وذكر المناوي في شرح الشمائل، في ترجمة أبي جحيفة وهب السوائي؛ أن عليا كان يحبه ويسميه وهب الخير وجعله على بيت المال اهـ وفي الخطط للتقى المقريزي أن معاوية جعل على كل قبيلة من قبائل العرب بمصر رجلا يصبح كل يوم فيدور على المجالس فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام، ولفلان جارية. فيكتب أسماءهم. ويقال: نزل بهم رجل من أهل كذا بعياله فيسميه وعياله، فإذا فرغ من القبيلة أتى إلى الديوان ليثبت ذلك اهـ.
تسامح المسلمين في صدر الإسلام
مما يدل على تسامح الأمراء الأمويين والعباسيين في أول الإسلام، أن الدواوين كانت بغير اللغة العربية، ففي صبح الأعشى ص ٤٢٣ من ج ١: أن أول من نقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية الحجاج بن يوسف، في خلافة عبد الملك بن مروان، نقله له صالح بن عبد الرحمن، وفيه أيضا: أوّل من نقل ديوان الشام من الرومية إلى العربية عبد الملك بن مروان، نقله له سليمان بن سعيد، مولى الحسين كاتب رسائل عبد الملك. فولاه عبد الملك جميع دواوين الشام. وفيه أيضا: أول من نقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية عبد العزيز بن مروان في إمارته على مصر. ذكره صاحب المنهاج في صنعة الخراج اهـ.
وقال الشهاب المرجاني في الوفية: وأما ديوان الجبايات بعد الإسلام فديوان العراق بقي على الفارسية، وديوان الشام على الرومية، على ما كان عليه قبله، وكتاب الدواوين كان من أهل العهد من الفريقين، إلى أن أمر عبد الملك بن مروان سليمان بن سعد، أن ينقل ديوان الشام إلى العربية، فأكمله لسنة من يوم ابتدائه، وأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن، أن ينقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية اهـ منه ص ٣٦٨.
وكأن العرب لتسامحهم كانوا يتخذون كتابا لتدوين الدواوين بلغتهم، أو للغة السائدة
стр. 194
في البلاد التي يدونون أمورها، ونظير هذا في الغرابة ما في الروض القرطاس «١» لدى كلامه على القرويين وخطبائها ص ٤٥؛ أن الدولة الموحدية لما حكم رجالها فاس، عزلوا خطيبها وقدموا غيره؛ لأجل حفظه اللسان البربري، قال ابن أبي زرع: لأنهم كانوا لا يقدمون للخطابة والإمامة إلا من يحفظ التوحيد باللسان البربري اهـ منه.
وعبارة ابن القاضي في الجذوة ص ٣٣ ثم دخل الموحدون المدينة؛ يعني فاس.
فصرفوه أي الخطيب الذي وجدوه عن الخطبة، وقدموا مكانة أبا الحسن بن عطية، لأجل حفظه اللسان البربري فخطب به اهـ.
تنبيه: قد سبق العرب علماء أوروبا في حل رموز الخطوط القديمة، وترجمة كتبها إلى اللغة العربية، وبواسطة كتب العرب في ذلك وصلت أوروبا إلى ما وصلت إليه، في معرفة اللغات والخطوط القديمة، وقد ألف في القرن الرابع أو أواخر الثالث أحمد بن وحشية النبطي المتوفى سنة ٣٢٢ كتابه شوق المستهام إلى معرفة رموز الأقلام، وهو كتاب عجيب جمع فيه مؤلفه صور الخطوط القديمة التي تداولتها الأمم الماضية، وترجم جميعها إلى اللغة العربية، ووضعها بطريقة تسهل للمطلع عليها، أن يترجم ما على الآثارات من الكتابة، على اختلاف أنواعها إلى اللغة العربية، في زمن لا يتجاوز للنبيه أربع ساعات، وقد ترجم الإنكليز هذا الكتاب منذ مائة وثلاثين سنة، وبانتشاره سهل الإطلاع على ما كان مجهولا من أخبار وأحوال وعلوم الأمم الماضية لأهل القرون الخالية.
فصل في أي سن يجيز الإمام من يرسم في الديوان
«خرّج الترمذي عن نافع عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله ﷺ في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني، ثم عرضت عليه من قابل في جيش وأنا ابن خمسة عشر فقبلني، فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث فقال: هذا حد ما بين الصغير والكبير:
ثم كتب أن يفرض لمن بلغ الخامسة عشرة» .
قلت: ترجم في الإصابة نافع بن خديج فقال: عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره، وأجازه يوم أحد، وترجم أيضا لزيد بن حارثة الأنصاري، فذكر أن ابن منده روى أن المصطفى استصغر ناسا يوم أحد، منهم زيد بن حارثة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم وسعد بن جبية «٢» ، وابن عمر، وجابر، وترجم فيها أيضا لعمرو بن أبي وقاص القرشي، فذكر أن الحاكم أخرج من طريق إسماعيل بن محمد بن سعد عن عمه عامر بن سعد عن أبيه قال: عرض رسول الله ﷺ جيش يوم بدر، فرد عمرو بن أبي وقاص فبكى عمرو، فأجازه معه وعليه حمائل سيفه، وأخرج ابن سعد عن سعد قال: رأيت أخي عمرو بن أبي وقاص قبل أن يعرض رسول الله ﷺ يوم بدر متواريا فقلت: مالك يا أخي؟ قال:
стр. 195
إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال فعرض على رسول الله ﷺ فاستصغره فرده فبكى فأجازه. فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفي من صغري فقتل وهو ابن ست عشرة سنة.
فصل في عرض الناس كل سنة
«ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب، عند ذكره سمرة بن جندب أن النبي ﷺ ، كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بن جندب من بعده فرده، قال سمرة: فقلت يا رسول الله، لقد أجزت غلاما، ورددتني ولو صارعته لصرعته، قال: فصارعه فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث» .
نحوه في الإصابة نقلا عن ابن إسحاق. وقال الإمام الشافعي: رد ﷺ سبعة عشر صحابيا عرضوا عليه، وهم أبناء أربع عشرة سنة، لأنه لم يرهم بلغوا وعرضوا عليه، وهم أبناء خمس عشرة فأجازهم.
قال البرهان: ويحتمل أن يريد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذا السن في غزواته وفي كل منهما فائدة، وظاهر الشامي احتمال الأول فإنه عدّ من رده في أحد سبعة عشر ثم أجاز منهم اثنين. وأوصلهم شارح المواهب إلى عشرين. انظر ص ٢٤ من الجزء الثاني، وكان ﷺ في الاستعراض يقف الناس أمامه صفوفا صفوفا. ففي طبقات ابن سعد في قصة قدوم العباس بن مرداس السّلمي على رسول الله ﷺ في تسعمائة من قومه على الخيول والقنا والدروع الظاهرة، ليحضروا معه غزو الفتح. قال العباس: فصففنا لرسول الله ﷺ وإلى جنبه أبو بكر وعمر، انظر ص ١٥ من ج ٤ من الطبقات.
باب في رده ﵇ في الإستعراض من لم يستأذن أبويه
روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رجلا هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن فقال:
هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي. قال: أذنا لك؟ قال: لا قال إرجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرّهما.
وأخرج أحمد والنسائي عن معاوية السّلمي أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: إلزمها، فإن الجنة عند رجلها «١» . انظر السيرة الشامية.
فصل في العريش يا بنى للرئيس يشرف منه على عسكره
«كان أبو بكر مع رسول الله ﷺ في العريش، يعني العريش يوم بدر» .
стр. 196
وفي سيرة ابن إسحاق وتهذيب ابن هشام: أن سعد بن معاذ قال لرسول الله ﷺ في بدر يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الآخرة جلست على ركابك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له بخير ثم بنى رسول الله ﷺ عريشا فكان فيه هـ ص ٦٦ من الجزء الثاني قال ابن باديس: العريش شبه الهودج وليس به وهو أيضا خيمة من خشب، والجمع عرّش. كقليب وقلب ومنه قيل لبيوت مكة: العرش لأنه عيدان تنصب ويظلل عليها، وقال السهيلي: ذكر أبو حنيفة أن العريش أربع نخلات أو خمس في أصل واحد هـ.
باب في تكليف الإمام من يجلس برئيس ليرى جنود الإسلام (وهو الإستعراض الذي يراد منه اليوم إظهار القوة)
في قصة الفتح «١» قال المصطفى للعباس: يا عباس إحبسه، يعني أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، وهو ما تضايق منه، حتى تمر به جنود الله فكان كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول بنو فلان. فيقول: ما لي ولبني فلان، حتى مر به النبي ﷺ في كتيبته الخضراء، أي لكثرة الحديد، وظهوره فيها. والمهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: من هؤلاء؟ قلت: رسول الله في المهاجرين والأنصار، قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. والقصة معروفة في السير. قوله: ما لي ولبني فلان قال صاحب الصلة هو كلام يقوله الرجل: إذا خاف من شيء أو شعر منه ضررا، وهو من باب البلاغة، والأصل فيه ما السبب الباعث على إضراري. قال في الفوائد: فيه إرهاب العدو بنظره لجيش المسلمين، وإن كان قد أسلم ودخل فيهم ليكون أقوى لإيمانه وأبلغ فيما يتحدث به إلى قومه عن معاينة، وليعلم أن الله نصر دينه وأعز رسوله، وصدق وعده، ومن هذا الباب أمر النبي ﷺ وسلم بإيقاد النيران ليلة الدخول لمكة في قصة الفتح هذه.
باب في ذكر العرفاء وهم رؤساء الأجناد وقوادهم
«ولعلهم سموا بذلك لأنّ بهم يتعرف أحوال الجيش. قاله الباجي في المنتقى» .
وقال غيره: العريف بوزن عظيم، وفي النهاية: العريف القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس، يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم هـ قال الحافظ: وسمي بذلك لكونه يتعرف أحوالهم حتى يعرف بها من فوقه عند الإحتياج هـ.
«في الصحيح «٢» في قصة مجيء وفد هوازن مسلمين فسألوا أن يرد إليهم أموالهم
стр. 197
وسبيهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يرد إليهم السبي دون المال، فخطب في الناس لأجل ذلك فقال الناس: قد رضينا ذلك. فقال لهم رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن لكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه برضاهم» .
ترجم أبو داود في سننه في كتاب الخراج والإمارة: باب في العرافة وذكر حديث المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبه ثم قال له: أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا، ثم عقبه بحديث إن العرافة حق، ولا بد للناس من العرفاء ولكن العرفاء في النار «١» ، قال الفنجابي في عون الودود: فيه أن الخبر الوارد في ذمّ العرفاء لا يمنع إقامة العرفاء. وقال ابن بطال: في حديث الصحيح دليل على مشروعية إقامة العرفاء، لأن الإمام لا يمكنه أن بياشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه هـ.
وقال أيضا على قوله: العرفاء في النار، يشعر بأن العرافة على خطر، ومن باشرها غير آمن [من] الوقوع في المحذور، فينبغي للعامل أن يتقي الله، وأما قوله: العرافة حق، فالمراد به أصل نصبهم، فإن المصلحة تقتضيه لما يحتاج إليه الأمير من المعاونة على ما يتعاطاه بنفسه، ويكفي في الاستدلال لذلك وجودهم في العهد النبوي، كما دلّ عليه حديث البخاري هـ.
وأصله في الفتح على قول البخاري «٢» : باب العرفاء للناس. ترجم في الإصابة جندب بن النعمان الأزدي فنقل عن تاريخ ابن عساكر قال: قدم أبو عزيز على النبي ﷺ فأسلم، وحسن إسلامه وجعله عريف قومه، وترجم فيها أيضا رافع بن خديج الأنصاري فذكر أنه كان عريف قومه، وترجم فيها أيضا رافع بن خديج الأنصاري فذكر أنه كان عريف قومه بالمدينة، وقد أخذ بعض من ذاكرناه في مراكش من حديث الترجمة: الأصل لتحمل الكبار بالصغار والرؤساء بالمرؤوسين في الحروب والضمانات وسائر المعاملات. وهو تفقه ظاهر.
باب في النقباء
ترجم في الإصابة [٣٤/ ١] ، لأسعد بن زرارة فخرج في ترجمته من طريق الحاكم، أنه لما مات جاء بنو النجار فقالوا: يا رسول الله مات نقيبنا، فنقب عليها قال: أنا نقيبكم الخ، ونحوه في ترجمته من «الإستبصار في أنساب الأنصار» لإبن قدامة المقدسي.
стр. 198
باب في المحاسب
ذكر محاسبة النبي ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية.
«خرّج مسلم عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه فقال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ : فهلا جلست في بيت أبيك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا. ثم خطب ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل، فيأتيني فيقول هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه، إلا لقي الله يحمله يوم القيامة الحديث» «١» .
وفي الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ص ٢٢٧: وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على عمله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي، ثم ذكر قصة ابن اللتبية المذكورة. فأغفل الخزاعي عزوها للبخاري، وهي فيها ترجم عليها في كتاب الأحكام بقوله: باب محاسبة الإمام عماله، وخرّجه أيضا مستوفى في باب هدايا العمال فانظرهما. وقد كان الخلفاء بعده ﵇ على طريقته في ذلك.
قال ابن قتيبة في عيون الأخبار: قدم معاذ من اليمن بعد وفاة النبي ﷺ على أبي بكر فقال: ارفع حسابك فقال له: أحسابان؟ حساب الله وحساب منكم والله لا ألي لكم عملا أبدا.
وفي الإكتفاء للكلاعي: كان عمر في كل سنة ملازما للحج في سني خلافته كلها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله لموافاته لكل سنة في موسم الحج، ليحجزهم بذلك من الرعية، ويحجز عنهم الظلم، ويتعرّف أحوالهم من قرب، وليكون للرّعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم.
باب في الأوصياء والوصاية
أخرج الحاكم من طريق السراج في تاريخه، ثم من طريق محمد بن عمارة عن زينب بنت نبيط، أن المصطفى حلّى أمها وخالتها أثاثا من تبر وذهب فيه لؤلؤ، وكان أبوها أسعد بن زرارة أوصى بهما إلى رسول الله ﷺ . انظر ترجمة أسعد من الإصابة، والإستبصار لأبن قدامة المقدسي. قال وزينب بنت نبيط، قد ذكرت في الصحابة من أجل روايتها لهذا
стр. 199
الحديث. وفي نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، للقلقشندي صاحب صبح الأعشى لدى كلامه على الجعافرة، أبناء سيدنا جعفر بن أبي طالب قال: كان له أولاد محمد وعبد الله، مسح النبي ﷺ على رؤوسهم حين جاء نعي أبيهم جعفر، وقال أنا وليهم في الدنيا والآخرة هـ.
وترجم في سمط الجوهر الفاخر لذكر الأيتام الذين كان ﷺ وصيا عليهم فكانوا في حجره، وهم محمد بن عبد الله بن جحش، مات أبوه في أحد، وأوصى به للنبي ﷺ ، فاشترى له مالا بخيبر وأقطعه دارا بسوق الرقيق بالمدينة، ثم ذكر قصة بنات أبي أمامة اسعد بن زرارة السابقة وقال: وكان في حجره ﷺ امرأة من بني ليث بن بكر يقال لها: الصمينة بضم الصاد المهملة على وزن جهينة الليثية، وكانت عائشة استوهبت عبد الله بن الزبير من أبويه فكان في حجرها، يدعوها أما، وتقدم أن علي بن أبي طالب ضمه إليه فلم يزل معه إلى أن زوّجه بنته فاطمة بالمدينة. وروى يعقوب بن سفيان عن مطيع بن الأسود أنه أوصى إلى الزبير فأبى، فقال أسألك بالله والرحم إلا قبلت، فإني سمعت عمر يقول: الزبير ركن من أركان الدين.
وروى الحميدي في النوادر أنه أوصي إليه عثمان وأوصى إلى الزبير سبعة من أصحاب النبي ﷺ ، منهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف، والمقداد، وابن مسعود، وابن عوف، وغيرهم. فكان يحفظ أموالهم وينفق على أولادهم من ماله. ونحوه في أسد الغابة عن هشام بن عروة وزاد الزبير بن بكار كما في الإصابة مطيع بن الأسود وأبو العاص بن الربيع. ووقع في شرح أبي عبد الله زنيبر السلوي على الهمزية ما نصه: وأوصى إليه سبعون من الصحابة بأموالهم وأولادهم، فحفظها وكان ينفق عليهم من ماله هـ منه.
تنبيه: خرّج البخاري «١» عن أبي هريرة وأحمد وأبو داود عن رسول الله ﷺ قال: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته. وكان ﷺ يؤتى في أول الإسلام بالرجل المتوفى فيسأل: هل عليه دين؟ وهل له وفاء؟ فإن قالوا له؛ عليه دين وليس له وفاء قال: صلوا على صاحبكم وإلا صلى عليه.
فلما فتح الله بالفتوح والغنائم قال ﵇: من مات وعليه دين فعلي قضاؤه. فقيل: إنه كان واجبا عليه. وارتضى إمام الحرمين والماوردي أنه لم يكن واجبا عليه، وإنما كان يفعله تكرما. وهل كان ﷺ يقضيه من الغنائم أو من خالص ماله؟ احتمالان.
قاله: في نسيم الرياض.
стр. 200
القسم الرابع في العمليات الأحكامية وما ينضاف إليها وفيه عدة أبواب
стр. 201
العمليات الإحكامية
باب في الإمارة العامة على النواحي ذكر من ولاه النبي ﷺ على النواحي
قال الزرقاني في شرح المواهب: أمراؤه ﵇ ولاته الذين ولا هم على البلاد والقضاء والصدقات هـ. الأمراء الذين وجههم رسول الله ﷺ على الجهات كثيرون.
«منهم أمير مكة عتّاب بن أسيد. قال ابن جماعة: أمّر رسول الله ﷺ عتّاب بن أسيد على مكة وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان» .
قال ابن القيم في الهدى: وهو دون العشرين سنة. «ونقل الثعلبي في تفسيره على قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: ٨٠] قال الكلبي إنه قال:
سلطانا نصيرا عتّاب بن أسيد، وذكر توليته ﷺ له على مكة» .
في الإصابة؛ أورد العقيلي في ترجمة هشام بن محمد بن السائر الكلبي، بسنده إليه، عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً قال هو عتاب بن أسيد هـ وفي كتاب «صلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الإعلام والتكميل، للحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الأوسي الشهير بالبلنسي ابن عسكر، على الآية: خرّج أبو بكر الذهبي في تاريخه بسنده إلى ابن عباس قال: هو عتّاب بن أسيد هـ «ومنهم باذان ويقال باذام ملك اليمن» .
وفي صبح الأعشى: لما أسلم باذان نائب كسرى ولّاه النبي ﷺ على جميع مخاليف اليمن، وكان منزله بصنعاء مملكة التبابعة، وبقي حتى مات بعد حجة الوداع، فولي النبي ﷺ ابنه شهر بن باذان على صنعاء، وولي على كل جهة واحدا من أصحابه.
«وذكر الثعلبي في باذام أنه أول من أسلم من ملوك العجم، وأول أمير للإسلام على اليمن» .
قلت: نحوه نقل الزرقاني على المواهب عن الثعلبي وأقره، وانظره مع ما سبق في الإمارة على الحج، من أن أبا بكر كان أولّ أمير في الإسلام وقيل: عتّاب بن أسيد.
وفي ترجمة عبد الله بن جحش من الإصابة عن البغوي: أنه أول أمير في الإسلام، ويحتمل أن يكون ذلك باعتبار ما ذكر من الجهات.
стр. 202
ولما مات باذان استعمل النبي ﷺ على صنعاء ابنه شهر. ذكره الواقدي وابن إسحاق والطبري.
وترجم في الإصابة لعامر بن شهر الهمذاني أنه أحد عمال النبي ﷺ على اليمن.
وترجم فيها أيضا لعبد الله بن عمرو بن سبيع الثعلبي، فذكر عن الشّعبي أن المصطفى استعمله على بني ثعلبة وعبس، وبني عبد الله بن غطفان.
وفي ترجمة أبي موسى الأشعري أنه ﵇ استعمله على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما. وترجم في الإصابة للحارث بن بلال المزني، فنقل عن سيف في الفتوح أنه كان عامل رسول الله ﷺ على نصف جديلة بني طيء، وترجم أيضا للحرث بن نوفل الهاشمي، فذكر عن ابن حبان في الصحابة ولاه المصطفى ﷺ بعض أعمال مكة. قال:
وكذا قال: الزبير بن بكار ثم نقل عن ابن سعد: صحب الحارث المصطفى ﵇ فاستعمله على بعض عمله بمكة، وأقره أبو بكر، وعمر، وعثمان.
وترجم أيضا لحصين بن نيار فقال: كان أحد عمال النبي ﷺ ، ذكره سيف، والطبري، واستدركه ابن فتحون، وترجم فيها أيضا للحارث بن عبد المطلب، فذكر عن ابن أبي حازم: أنه صحب المصطفى ﷺ ، واستعمله على بعض أعمال مكة، وولاه أبو بكر وعثمان هـ ثم حرر أن الترجمة لحفيده الحارث بن نوفل السابق.
وترجم أيضا لرافع بن عمرو الطائي فذكر أن الحاكم خرج أنه لما كانت غزوة السلاسل، استعمل رسول الله ﷺ عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر، وترجم فيها لزياد الباهلي والد الهرماس فذكر عن الدارقطني عن الهرماس قال: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي فولاه على عشيرته من باهلة، وترجم أيضا للسائب بن عثمان، عن ابن إسحاق: أنه استعمله النبي ﷺ على المدينة، في غزوة بواط. وترجم لسعد الدوسي، فذكر أن أحمد وابن أبي شيبة خرّجا عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ أسلمت فاستعملني على قومي، وجعل لهم ما أسلموا عليه من أموالهم. الحديث.
وترجم أيضا لسعيد بن خفاف التميمي فقال: ذكره سيف في الفتوح، وأنه كان عاملا للنبي ﷺ على بطون تميم، وأقرّه أبو بكر.
وترجم أيضا لسعد بن عبد الله بن ربيعة، فذكر عن ابن أبي شيبة أنه ﵇ استعمله على الطائف. وترجم أيضا لسلمة بن يزيد الجعفي، فذكر أنه ﵇ استعمله على الطائف. وترجم أيضا لسلمة بن يزيد الجعفي، فذكر أنه ﵇ استعمله على بني مروان وكتب له كتابا. وترجم أيضا لصيفي بن عامر من بني ثعلبة فقال: أمّره النبي ﷺ على قومه. وترجم أيضا للضحاك بن قيس فقال فيه: عامل النبي ﷺ .
وترجم لامرىء القيس بن الأصبغ الكلبي فقال: كان زعيم قومه، وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 203
عاملا على كلب في حين إرساله إلى قضاعة، ونقل عن سيف في الفتوح: لما مات رسول الله ﷺ ، كانت عماله على قضاعة من كلب، امريء القيس بن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله. وترجم أيضا للحارث بن بلال المزني فقال: عامل رسول الله ﷺ في ص ٣٨٨، وترجم فيها أيضا لعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، فنقل عن ابن السكن فقال: استعمله النبي ﷺ على خراسان «١» وترجم أيضا عثمان بن أبي العاص، فقال: استعمله ﵇ على الطائف، وأقره أبو بكر وعمر. وفي عكاشة بن ثور أنه كان عامل المصطفى على السكاسك والسكون. وفي العلاء بن الحضرمي أنه ﵇، استعمله على البحرين.
وفي عمرو بن حزم الأنصاري استعمله ﵇ على نجران، وروى عنه كتابا كتبه له في الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والدارمي وغير واحد. وفي أسد الغابة: استعمله ﵇ على أهل نجران وهو ابن سبع عشرة سنة، بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا هـ ونحوه للنووي في ترجمته من التهذيب.
وفي عمرو بن الحكم القضاعي أنه ﵇ بعثه عاملا على بني القيس، وفي عمرو بن سعيد بن العاص كان النبي ﷺ استعمله على وادي القرى وغيرها، وقبض (أي توفي النبي ﷺ وهو عليها. وفي عمرو بن محجوب العامري، أنه كان من عمال النبي ﷺ ، وفي عوف الوركاني أنه كان من عمال رسول الله ﷺ . وفي عبد الله بن زيد الكندي أنه كان عامل المصطفى على اليمن. وفي عبد الله بن سوار أنه من عمال المصطفى على البحرين. وفي فروة بن مسيك استعمله المصطفى على مراد ومذحج وزبيد كلها.
وفي قردة بن نفاثة السلولي أنه قدم على النبي ﷺ ، في جماعة من بني سلول، فأسلموا وأمّره عليهم. وترجم السيوطي في در السحابة لأبي جديع المرادي فقال: ذكره ابن وزير وعبد العزيز بن ميسرة، أنه كان عاملا النبي ﷺ ، وأنه كان من أهل مصر هـ.
وفي ترجمة قضاعة بن عامر الدوسي، أنه كان عامل النبي ﷺ على بني أسد. وفي الترجمة بعدها: أنه ولي عليهم أيضا سنان بن أبي سنان، وفي ترجمة قيس بن مالك الأرحبي أنه لما أسلم وأسلم قومه، كتب له ﵇ عهدا على قومه همذان عربها ومواليها، وخلائطها أن يسمعوا له ويطيعوا، أن لهم ذمة الله ما أقاموا الصلاة، وساق فيها أيضا أن المصطفى كتب إلى قيس بن مالك: سلام عليك. أما بعد: فإني استعملتك على قومك الحديث وفي مالك بن عوف النصري، استعمله ﵇ على من أسلم من قومه، ومن تلك القبائل من أعماله فكان يقاتل بهم ثقيفا، فكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى يصبح.
وفي المنذر بن ساوى الدارمي قال ابن منده: كان عامل النبي ﷺ على هجر، وفي
стр. 204
ترجمة أبي هيضم المزني نقلا عن الزبير بن بكار، عن أبيه محمد قال: دعا رسول الله ﷺ فقال: اللهم إني مستعمله على هذا الوادي، فمن جاءك «١» من هاهنا وهاهنا فامنعه. قال سعد: فراجعه فعمل عليه. وفي ترجمة سواد بن غزية البلوي الأنصاري من الإستبصار لابن قدامة: كان عامل رسول الله ﷺ على خيبر، فأتاه بتمر جنيب قد أخذ منه صاعا بصاعين من الجمع، وفي ترجمة عمر بن أبي ربيعة الشاعر من تهذيب النووي، أن المصطفى ﷺ ، ولّى والده عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي الجند بفتح الجيم والنون بلد باليمن- ومخاليفها، فلم يزل عليها حتى قتل عمر بن الخطاب، ثم ولاه عثمان. وأنه كان من أحسن الناس وجها، وهو الذي بعثته قريش مع عمرو بن العاص، إلى النجاشي.
وفي السيرة الشامية تراجم تضمنت تأمير النبي ﷺ خالد بن الوليد على صنعاء وأعمالها، وتأميره للمهاجر بن أبي أمية المخزومي على كندة، وتأميره زياد بن لبيب على حضرموت، وتأميره لأبي موسى الأشعري على زبيد وعدن [وتوابعهما] ، ومعاذ بن جبل على الجند وأبا سفيان على نجران، وأبا زيد بن سفيان على غيرها.
وفي ألفيه الحافظ العراقي ذكر أمرائه ﵇. قال ابن كيران: المراد الولاة الذين ولا هم المصطفى ﷺ على البلاد والقضاء والصدقات والحج:
أمّر باذان بلاد اليمن ... ثم ابنه شهرا بصنعا يمن
وابن أبي أمية المهاجرا ... كندة والصدق فقبل أن سرى
لعمله قضى النبي بالموت ... كذا زياد بن لبيد حضر موت
كذا أبو موسى زبيدا وعدن ... ونافع الساحل من أرض اليمن
كذاك قد ولّى معاذا الجند ... كذاك عتابا على خير البلد
كذاك قد ولى أبا سفيانا ... صخر بن حرب بعد ذا نجرانا
كذا ابنه يزيد أي تيماء ... وابن سعيد خالدا صنعاء
كذاك عمرا أخذوا وادي القرى ... وحكما أخاهما على قرى
عرينه كذاك أيضا أعطى ... أخاهما أبان منه الخطّا
كذاك ابن العاص عمرا بعمان ... كذا على الطائف ولّى عثمان
ابن أبي العاصي كذاك وليا ... محمية الأخماس ثم وليا
عليّ القضاء والأخماسا ... بيمن، وكان فيه راسا
كذاك أمّر ابن حاتم عدي ... في صدقات طي وأسد
وغيره من أمراء الصّدقه ... تجمع من قبائل مفرقه
وأمر الصديق في الحج لدى ... سنة تسع، وعلي في الندا
стр. 205
ألّا يحجّ بعد عام مشرك ... فقرأ السورة خاب المشرك
أما الألى أمرهم بالبعث ... فذكروا في كل بعث بعث
باب كيف كان يوصي ﵇ (عماله في صفة البريد الذي يبردون إليه)
صرّح السهيلي في الروض ونقله عنه ابن باديس: أنه ﵇ كان يكتب إلى أمرائه: إذا أبردتم إليّ بريدا فابردوه حسن الوجه حسن الإسم. وقال: ذكره البزار من رواية بريدة مرفوعا. وقد أورد الحديث المذكور في الجامع الصغير، وعزاه لمن ذكر قال المناوي في التيسير: وطرقه كلها ضعيفة كما قال الهيثمي، لكن له شواهد قوية، وقال العلقمي في الكوكب بجانبه علامة الحسن، وقال في الكبير: وصحح. ولعله عند الشيخ حسن. نقل التصحيح غيره هـ منه.
وقال المناوي في كبيره قوله: إذا أبردتم إلي بريدا أي أرسلتم إلي رسولا.
قال الزمخشري: البريد الرسول المستعجل، وفي محل آخر: فارسية، وهي في الأصل البغلة أصلها بريدة [دم] أي محذوفة الذنب لأن بغال البريد كانت كذلك، فعربت وخففت ثم سمي الرجل الرسول الذي يركبه بريدا.
باب في اشتراطه ﵇ مثل ذلك في عماله
قال ابن باديس: وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به ويرى بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه. وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإذا أعجبه فرح به، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه.
وفي طبقات ابن سعد: أنه ﵇ كتب إلى الحارث ومسروح ونعيم بن عبد كلال من حمير، وبعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وقال: إذا جئت أرضهم فلا تدخل ليلا حتى تصبح، ثم تطهر فأحسن طهورك وصل ركعتين، وسل الله النجاح والقبول، واستعد لذلك، وخذ كتابي بيمينك، وادفعه بيمينك في أيمانهم فإنهم قابلون.
باب في كيفية عهد رسول الله ﷺ إلى أمرائه
ترجم القلقشندي لأصل مشروعية عهود الخلفاء في ص ٣٩٨ من الجزء التاسع فقال:
الأصل فيها ما رواه ابن إسحاق وغيره، أنه لما رجع وفد بني الحارث بن كعب إلى قومهم باليمن، بعد وفودهم على رسول الله ﷺ ، بعث إليهم رسول الله ﷺ ، بعد أن ولّى عليهم عمرو بن حزم، يفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم
стр. 206
وكتب له كتابا عهد فيه عهده وأمره فيه أمره على ما سيأتي، ذكره في أول نسخ العهود الواردة في هذا الكتاب، فقد فوض ﷺ أمر اليمن في حياته إلى عمرو بن حزم، وذلك أصرح دليل وأقوى شاهد لما نحن فيه هـ.
ونص كتاب النبي ﷺ في المحل الذي أحال عليه، وهو في ص ٨ من الجزء العاشر، بعد البسملة فيما ذكر ابن هشام:
هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهدا من محمد النبي، رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: ألا لعنة الله على الظالمين، ويبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفريضته، وما أمر الله به من الحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة، وينهى الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير، إلّا أن يكون ثوبا يثني طرفيه على عاتقيه، وينهى الناس أن يحتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله وحده، لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر، فليقطعوا «١» بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وارجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلّس بالصبح ويهجّر بالظهر حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي إليها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة، في العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «٢» نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر، بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة. وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة. ة فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه
стр. 207
مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
تنبيه هذا المكتوب وأمثاله، هو أصل كتب الظهير للمتولي، يستظهر به لدى من ولّي عليهم ليطيعوا أمره، وكانوا في القديم يعبرون عما يكتب بذلك بالظهائر والصكوك، فالظهائر جمع ظهير، وهو المعين سمي «١» مرسوم الخليفة، أو السلطان ظهيرا لما يقع به من المعاونة لما كتب له، والصكوك جمع صك وهو الكتاب. قال الجوهري: وهو فارسي معرب والجمع: أصك، وصكاك وصكوك، ثم تحامي المتأخرون منهم لفظ الصك لما جرى به عرف العامة من غلبة الإستعمال في أحد معني الإشتراك فيه وهو الصفع، واقتصروا على استعمال لفظ الظهير هـ أنظر ص ٢٢٩ من الجزء العاشر من صبح الأعشى.
باب في القاضي وفيه فصول
فصل في قضاء رسول الله ﷺ بين الناس
«في الموطا «٢» عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار، قوله: ألحن بحجته أي افطن لها» .
فائدة- في الشهاب على الشفا ص ٣٠١ من الجزء الرابع عن السيوطي، أنه ﵇ كان له حكم الباطن كالظاهر، وحكمه في الظاهر كان تارة في القضاء، وتارة بالسياسة والسلطنة، أي الإمارة العظمى، وتارة بالفتوى. كما فصله ابن السبكي في قواعده هـ من الفواكه الجنوية.
وفي الأنموذج: وجمع له بين الشريعة والحقيقة، ولم يجمع للأنبياء ﵈ إلا أحدها، بدليل قصة موسى مع الخضر، وقوله: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه هـ.
قال الروضي في شرحه: المراد بالشريعة والحقيقة الحكم بالظاهر والباطن، وقد اعترض العلامة القسطلاني قول المؤلف: وجمع له بين الشريعة والحقيقة الخ. ما نصه:
стр. 208
هذه غفلة عظيمة، وجرأة على الأنبياء، إذ يلزم منه خلوّ بعض أهل العزم ﵈ من علم الحقيقة، الذي لا يجوز خلو بعض آحاد الأولياء عنه، وخلو الخضر بل بقية بعض الأنبياء عن علم الحقيقة، وأعجب من ذلك أنه بين له وجه الخطأ فأجاب بقوله: مرادي الجمع بين الحكم والقضاء هـ.
وقد أجاب المؤلف الجلال عن هذا الإعتراض في مؤلف له سماه: الباهر في حكم النبي ﷺ بالباطن والظاهر، ثم أتى بملخص التأليف وأمثلة حكمه ﵇ بالظاهر والباطن، وبأحدهما فقط.
ذكر من دوّن في النوازل التي نزلت في حياته ﵇ وحكم فيها
أفرد النوازل التي نزلت في حياته ﵇، وحكم فيها جماعة من الأئمة بالتأليف أشهرها شيخ الفقهاء في عصره، الإمام محمد بن فرج، مولى ابن الطلاع الأندلسي المتوفى سنة ٤٩٧، وهو ممن رحل إليه الناس من كل قطر، واستجازه الحافظ أبو علي الصدفي، وأبو الربيع الكلاعي، وترجمه ابن فرحون في الديباج ص ٢٧٥. ويعرف كتاب ابن الطلاع في الموضوع: بكتاب أقضية رسول الله ﷺ ، وهو كتاب عظيم الشأن نادر الوجود، ظفرت بنسخة منه في تونس في غاية التصحيف، ثم ظفرت منه بنسخة أخرى عتيقة بفاس صحيحة، إلا أنها مخروقة وهو في مجلدة متوسطة في أوله بعد الفاتحة: هذا كتاب أذكر فيه ما انتهى إليّ من أقضية رسول الله ﷺ ، التي قضي فيها أو أمر بالقضاء فيها، إذ لا يحل لمن تقلد الحكم بين الناس، أن يحكم إلا كما أمر الله في كتابه، أو بما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه حكم به، أو بما أجمع العلماء عليه، أو بدليل من هذه الوجوه الثلاثة الخ.
ورأيي في هذا الكتاب أن مطالعته متعينة على كل مسلم، وبالأسف: أن أكثر من يمكنه أن يطالعه إذا طالعه اليوم لا ليحكم بما فيه، ولكن يعتبر به كما يعتبر بسائر الماجريات القديمة، وقد ذكر في آخره؛ أن الذي حمله على جمعه أنه وجد لأبي بكر بن أبي شيبة صاحب المسند، كتابا ترجمه بكتاب: أقضية رسول الله ﷺ ولم يذكر فيه، إلا أقضية قليلة وهو كتاب صغير، ثم نقل عن ابن أبي شيبة قوله: نظرت فيما قضى فيه رسول الله ﷺ أو أمر بالقضاء فيه، فلم نجد إلا نحو مائة حديث، فرأيت أن أتتبع أقضيته ﵇ تبركا ومحبة فيها، وحرصا على الاقتداء بها ووقوفا عند أوامره ونواهيه، ثم عدد الكتب التي استمد منها، وهي أربعة وثلاثون مصنفا، فأنت تراه وقع له مع ابن أبي شيبة مثل ما وقع لي مع الخزاعي في التخريج، وفي النية إن شاء الله الإلتفات إلى كتابة ابن الطلاع هذه، وتقديمها للعالم الإسلامي هدية بعد تحرير القول فيها، وجمع ما يصح استدراكه عليه، كما فعلنا في هذا الموضوع نسأل الله التيسير.
стр. 209
ومنهم ظهير الدين علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق المرغيناني الحنفي، المتوفى سنة ٥٠٦ له كتاب أقضية الرسول ﵊ ذكره في كشف الظنون وقال: وله شروح، ومنهم الإمام أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن محمد بن إبراهيم الأنصاري، المعروف بابن أبي مروان الاشبيلي، المتوفى سنة ٥٤٩ بلبلة شهيدا ترجمه ابن الأبّار في تكملة الصلة، فقال: تأليف مفيد وسماه المنتخب المنتقى، جمع فيه ما افترق في أمهات المسندات، من نوازل الشرع. وعليه بنى كتابه أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي، في الأحكام، ومنه استفاد وكان صاحبا لأبي جعفر هذا وملازما له اهـ ص ٧٢.
ومنهم العلامة أبو علي حسين بن المبارك بن يوسف الموصلي، المتوفي سنة ٧٤٢ له الفتاوى النبوية في المسائل الدينية والدنيوية انتخب فيه من الفتاوى النبوية، مسائل سئل عنها المصطفى ﵇، فأجاب عنها بأجوبة قطعية، ورتبها على ترتيب الكتب الفقهية، وهو في مجلد توجد منه نسخة بالمكتبة الخديوية بمصر، ومنهم الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر الزرعي، المعروف بابن القيم الحنبلي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٥١ استوعب ما ورد من فتاويه ﷺ وأجوبته وأحكامه، ختم بها كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين، وقد جردها منه، وأفردها بتأليف الأمير الطيب الذكر السيد صديق حسن خان ملك بهوبال من أرض الهند المتوفى سنة ١٣٠٧ سماه بلوغ السول في أقضية الرسول، وقد طبع بالهند، هو وتفسير آيات الأحكام، المسمى نيل المرام بايات الأحكام، للأمير المذكور وجمعا في مجلدة واحدة. لو لم تنشر الأمة الهندية أثرا غير هذه المجموعة المقدسة لكان كافيا، وأرى أن التأبط بها على كل مسلم متعين.
باب في ذكر تراجم وأصول الأبواب التي قضى فيها ﵇ وأفتى
ترجم لهذا الفصل الحافظ الشامي في سيرته فقال: جماع أبواب سيرته ﷺ في أحكامه وأقضيته وقال: ليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت أقضيته الخاصة شرعا عاما، وإنما الغرض ذكر سيرته ﷺ في الأحكام الجزئية، التي فصل فيها بين الخصوم، وكيف كانت سيرته ﷺ بين الناس، ولنذكر تراجم أبوابه وفصوله المتعلقة بهذا الفصل، وذلك أنه عقد أولا ترجمة جماع أبواب سيرته ﷺ في أحكامه وأقضيته وفتاويه، ثم الباب الأول في أحكامه ﵇ وأقضيته في المراسلات، وما يلحق به، وفيه أبواب:
الأول في تحذيره ﷺ من القضاء بين الناس.
الثاني في تقسيمه ﷺ القضاء إلى ثلاثة أقسام.
الثالث في نهيه ﷺ عن الحكم في حال الغضب والجوع.
الرابع في وعظه ﷺ الخصمين.
стр. 210
الخامس في حبسه ﷺ في تهمة.
السادس في أمره ﷺ بملازمة غريمة.
السابع في نفيه ﷺ أهل الريب.
الثامن في امتناعه ﷺ من كلام المجذومين وأهل المعاصي.
التاسع في سيرته ﷺ في التحكيم.
العاشر في حجره ﷺ على المفلس.
الحادي عشر في سيرته ﷺ في المعاملات؟
الباب الثاني في أحكامه وأقضيته ﵇ في الوصايا والفرائض.
الباب الثالث في أحكامه ﷺ في النكاح والطلاق والخلع والرجعة، والإيلاء واللعان وإلحاق الولد وغير ذلك.
الباب الرابع في أحكامه، وأقضيته في الحدود وفيه أنواع: الأول في الشفاعة وفي الحدود الثاني في درء الحدود وسرها الثالث في حكمه ﵇ في التعزير الرابع في نهيه ﵇ عن إقامة الحدود في المسجد الخامس فيمن ذكر ﷺ أنه لا حد عليه السادس في كيفية إقامته ﷺ على الضعيف السابع في إشارته ﷺ لمن أتى ما يوجب الحد بالرجوع عن الإقرار أو الإنكار الثامن في عدم إقامة الحد على من اعترف به ولم يذكر ما سبب الحد التاسع في حكمه ﵇ في المرتدين والمحاربين العاشر في حكمه ﵇ في الزاني الحادي عشر في حكمه في المكره الثاني عشر في حكمه ﵇ في وصل السفيه الثالث عشر في حكمه ﷺ فيمن تزوج امرأة أبيه الرابع عشر في الذين حدهم ﵇ الخامس عشر في حكمه ﵇ فيمن عمل عمل قوم لوط السادس عشر في حكمه في حد القذف السابع عشر في حكمه في حد السرقة الثامن عشر في حكمه في السكران.
الباب الخامس في أحكامه ﵇ وأقضيته في الجنايات والقصاص والديات والجراحات وفيه فصول.
الباب السادس في سيرته ﷺ في الدعاوي والبينات والخصومات.
الباب السابع في قضايا شتى غير ما سبق.
الباب الثامن في فتاويه ﵇ وفيه أنواع وذكر فيه اثني عشر بابا من أبواب الأمور الدينية.
الحادي والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الكسب والمعاش.
الثاني والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في البيوع والمعاملات وما يتعلق بهما.
الثالث والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في اللقيط واللقطة والهبة والهدية والوصية.
الرابع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الفرائض والمواريث.
стр. 211
الخامس والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في العتق وما يتعلق به.
السادس والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في النكاح وما يتعلق به.
السابع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان وإلحاق الولد وما يتعلق بذلك.
الثامن والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الجنايات والحدود.
التاسع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الأيمان والنذور.
الثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الصيد والذبائح.
الحادي والثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الأشربة وما يحل منها وما يحرم.
الثاني والثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الإمارة وما يتعلق بها.
الثالث والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الجهاد والغزو وما يتعلق به.
الرابع والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الحب في الله والصحبة وملاحظة الناس.
الخامس والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في المرض والطب وما يتعلق بهما.
السادس والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الرقائق.
السابع والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في التفسير.
فصل في قضاة رسول الله ﷺ
«منهم عمر بن الخطاب، ففي سنن الترمذي أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافني يا أمير المؤمنين قال وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي» «١» .
ساقه الشامي في سيرته في باب قضاته ﷺ عازيا له لأحمد وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن حبان قال ابن العربي في العارضة: قول عثمان لعبد الله: إن أباك كان قاضيا يعني لرسول الله ﷺ ، وكذلك روى عنه ولم يرد به عثمان قضاءه في خلافته ولا فهم ذلك عنه عمر ﵁.
«ومنهم علي بن أبي طالب في الاستيعاب بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وهو شاب يقضي بينهم، وقال له: إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضي بينهم حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد. وروي أن المغيرة بن شعبة حلف بالله ما أخطأ في قضاء قط» «٢» .
أخرج الحاكم في المستدرك أوائل كتاب الأحكام من طريق ابن عباس قال: بعث
стр. 212
النبي ﷺ عليا إلى اليمن فقال: علمهم الشرائع، واقض بينهم. فقال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره وقال: اللهم اهده للقضاء. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقصة بعثه ﵇ عليا قاضيا لليمن خرجها أبو داود في سننه وأحمد وإسحاق بن راهواه، وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم وغيرهم، انظر نصب الراية، وتلخيص الحبير.
وبوّب عليه الحافظ محب الدين الطبري، في كتابه «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» باب: ذكر دعاء رسول الله ﷺ له رضوان الله عليه؛ حين ولاه قضاء اليمن، ثم ساق عن علي قال: لما بعثني رسول الله إلى اليمن قاضيا، وأنا حديث السن فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء، فقال ﷺ : إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك، قال فما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه أحمد. قال الطبري: والمراد بالأحداث: الأمور الحادثة اهـ.
وفي أحكام ابن العربي: وأما ولايته القضاء؛ فقدم النبي ﷺ في حياته علي بن أبي طالب، حين بعثه إلى اليمن. وقدم النبي ﷺ غيره من ولاته اهـ منها.
وقد قال القرافي في الفروق: يقدم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية، وأشد تفطنا لحجج الخصوم وخدعهم، وهو معنى قوله ﵇: أقضاكم علي. أي هو أشد تفطنا لحجج الخصوم وخدع المتحاكمين. وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله ﵇ أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وإذا كان معاذ أعرف بالحلال والحرام كان أقضى الناس، غير أن القضاء لما كان يرجع إلى معرفة الحجج والتفطن لها كان أمرا زائدا على معرفة الحلال والحرام، فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام، وهو يخدع بأيسر الشبهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن اهـ.
«ومنهم معاذ بن جبل بعثه النبي ﷺ كما في الاستيعاب إلى الجند، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل له قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وذلك عام فتح مكة» .
أخرج الطبراني؛ قال الشامي برجال الصحيح عن مسروق قال: كان أصحاب القضاء على عهد رسول الله ﷺ ستا عمر، وعليا وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري.
وأخرج أحمد «١» والحاكم عن معقل بن يسار: أمرني رسول الله ﷺ أن أقضي [بين قوم فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله] . قال: إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدا، وجاءه ﷺ خصمان فقال لعمر: إقض بينهما، وكذا قال لعقبة في خصمين جاآه: إقض
стр. 213
بينهما. رواه أحمد وغيره. وفي ترجمة معاذ بن جبل من الاستبصار لابن قدامة المقدسي:
بعثه رسول الله ﷺ قاضيا على اليمن، وأميرا وجابيا للصدقات الخ.
وقال ابن إبراهيم الوزير اليمني في الزهر الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: النبي ﷺ ولى أبا موسى الأشعري على اليمن، مصدقا أي جامعا للصدقات، وقاضيا. وكان يقضي ويفتي في حياة رسول الله ﷺ في زمنه، وفي أيام الخلفاء الراشدين اهـ منه.
وفي درّ السحابة في ترجمة المغيرة بن شعبة قال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى. وبذلك كله تعلم ما في قول الحافظ الشامي وتبعه شارح هب أنه ﷺ : لم يستقض شخصا معينا للقضاء بين الناس، وإنما استقضى جماعة في أشياء خاصة اهـ وفي صبح الأعشى: القاضي عبارة عمن يتولى فصل الأمور بين المتداعيين في الأحكام الشرعية، وهي وظيفة قديمة كانت في زمن النبي ﷺ ، فقد ذكر القضاعي أنه ﷺ : ولّى القضاء باليمن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري، وأن أبا بكر ولّى القضاء عمر اهـ.
وفي وفيات الأسلاف ص ٣٦٦ أول من نصب القاضي رسول الله ﷺ حين بعث عليا ومعاذا إلى اليمن، وأول من دفعه إل غيره من الخلفاء عمر، فولى أبا الدرداء بالمدينة، وأبا موسى الأشعري بالكوفة، وشريحا بالبصرة، تخفيفا لنفسه في القيام بأعباء الخلافة والسياسة اهـ.
وفي طبقات ابن سعد: أول من استقضى القضاة في الأمصار عمر، ولما ذكر أبو عمر بن عبد البر في ترجمة زيد بن الخطاب من الاستيعاب قول مالك: أول من استقضى معاوية، وأنه كان ينكر أن يكون أوّل من استقضى أحد من الخلفاء الأربعة. قال: وهذا عندنا محمول على حضرتهم لا على من نأى عنهم، وأمروا عليهم من أعمالهم غيرهم، لأن استقضاء عمر لشريح على الكوفة أشهر عند علمائها من كل شهرة وحجة اهـ منه، ولما وقع في العتبية عن مالك: ما استقضى أبو بكر ولا عمر ولا عثمان قاضيا وما كان ينظر في أمور الناس غيرهم؛ كتب عليها ابن رشد: هذا أصل ما تقدم أن أول من استقضى معاوية يريد أنه أول من استقضى في موضعه الذي كان فيه، لاشتغاله بما هو سوى ذلك من أمور المسلمين، كبعث البعوث وسد الثغور، وفرض العطاء، فقد ولّى عمر بن الخطاب على قضاء البصرة أبا شريح الحنفي «١» وولّى كعب بن سور اللقيطي، فلم يزل قاضيا ختى قتل عمر، وولّى شريحا قضاء الكوفة يدل على صحة ما تأولناه، إذ لا يصح أن ينظروا بأنفسهم إلا في مواضعهم، لا فيما بعد من البلاد اهـ منه.
وفي فتح الباري: أن البيهقي خرج بسند قوي؛ أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولّى عمر
стр. 214
القضاء، قال: وبسند آخر قوي أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء. وكتب عمر إلى عماله استعملوا صالحيكم على القضاء، واكفوهم. قال وبسند آخر لين أن معاوية سأل أبا الدرداء. وكان يقضي بدمشق من لهذا الأمر بعدك؟ فقال: فضالة بن عبيد. قال:
وهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم اهـ انظر باب أجر من قضى بالحكمة من كتاب الأحكام.
وفي المدونة قال مالك: وليس علم القضاء كغيره من العلوم، ولم يكن بهذ البلد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء عن أبان بن عثمان، وأخذ ذلك أبان من أبيه عثمان اهـ.
هل كان ﵇ يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء
خرّج أبو داود عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضينّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء من بعد «١» هذا. ونحوه أخرج أحمد والحاكم وصححه والترمذي وابن ماجه وغيرهم جاء أن يحيى بن أكثم، لما ولّي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة قيل له: كم سن القاضي؟ قال مثل عتّاب بن أسيد حين ولّاه النبي ﷺ إمارة مكة وقضاءها يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل، حين وجّه به رسول الله ﷺ قاضيا على اليمن، قال الحافظ العراقي في المغني: خرجه الخطيب في التاريخ بإسناد فيه نظر، وما ذكره ابن أكثم صحيح بالنسبة إلى عتّاب بن أسيد، فإنه كان حين الولاية ابن عشرين سنة. ففي منحة واهب الهبات البهية:
عشرين حولا كان سن أسامة ... لما توفي خاتم الأمناء
في الصفوة الجوزي يرويه كذا ... ك الواقديّ الحبر في الأنباء
وأما بالنسبة إلى معاذ، فإنه لم يتم له ذلك على قول يحيى بن سعد الأنصاري ومالك وابن أبي حاتم، أنه كان حين مات ابن ثلاث وثلاثين سنة في الطاعون سنة ثمانية عشر والله أعلم، وفي باب أخذ الصدقة من الأغنياء وردّها على الفقراء من فتح الباري ما نصه:
اختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول اهـ منه.
وفي ترجمة أسامة بن زيد من أسد الغابة: استعمله النبي ﷺ وهو ابن ١٨ سنة اهـ.
وقال القسطلاني في الإرشاد على قصة بعث أسامة على جيش فيه جماعة من الكبار:
стр. 215
في الحديث جواز تولية المولى وتولية الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل اهـ.
وقد رأيت لبعض المعتنين من أصحابنا بفاس رسالة في بعض من ورد تقديمه في الأمور الشرعية، قبل الإبّان الذي الشأن فيه أن لا توجد فيه الأهلية، وذكر فيه ما جاء في ترجمة إبراهيم بن النبي ﷺ وعلي، وابن عباس، وزيد بن حارثة، وابنه أسامة، وعتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وكعب بن سور، وباذان بن ساسان وابنه شهر، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عامر بن كريز، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن عبادة، وزيد بن قنفذ بن زيد بن جدعان. وغالب اعتماده في تراجمهم على الأسد والإصابة فقف عليه.
وهاهنا غريبة: في تاريخ مصر لابن أبي إياس الحنفي المصري ص ٣٠٦ من الجزء الثاني: وفيها من الحوادث أن الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز عهد للشيخ جلال الدين السيوطي بوظيفة لم يسمع بها قط وهو أنه جعله على القضاة قاضيا كبيرا يولي منهم من يشاء ويعزل منهم من يشاء مطلقا في سائر ممالك الإسلام، وهذه الوظيفة لم يلها قط سوى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز في دولة بني أيوب، فلما بلغ القضاة ذلك شق عليهم واستخفوا عقل الخليفة في ذلك. وقالوا: ليس للخليفة مع وجود السلطان حل ولا ربط، ولا ولاية ولا عزل، ولكن الخليفة استخف بالسلطان لكونه صغيرا، فلما قامت الدائرة والألسنة على الخليفة رجع عن ذلك، وبعث أخذ العهد الذي كان كتبه لجلال الدين السيوطي، وكادت أن تكون فتنة كبيرة بسبب ذلك. ووقعت أمور يطول شرحها. ثم سكن الحال بعد مدة اهـ.
وفي قوله: لم يسمع بمثلها قط نظر؛ ففي تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء لجميع الأقاليم، والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم، وفي كل بلد، ولهذا كان يلقب بقاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط، أو قاضي بلد كذا اهـ.
ومن خط ابن الطيب القادري نقلت، وفي ترجمة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من طبقات الحنفية للحافظ قاسم بن قطلوبغا ص ٦٥: أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء:
المهدي، والهادي، والرشيد، وكان إليه توليه القضاء بالمشرق والمغرب، وأنه أول من خوطب بقاضي القضاة، وذلك كله في خلافة الرشيد اهـ وعبارة غيره في حق أبي يوسف:
وهو أوّل من دعي في الإسلام بقاضي القضاة. وكان أيضا يقال له: قاضي قضاة الدنيا؛ لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم، التي يحكم بها الخليفة، وفي منظومة الشيخ عبد الغني النابلسي في الشطرنج:
ولا بأس بالشطرنج وهو رواية ... عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر