← Сияса и кади

Сияса и кади · id 23688

التراتيب الإدارية = نظام الحكومة النبوية

عبد الحي الكتاني المغربي

Полный текст (682 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخامس والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في العتق وما يتعلق به. السادس والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في النكاح وما يتعلق به. السابع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان وإلحاق الولد وما يتعلق بذلك. الثامن والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الجنايات والحدود. التاسع والعشرون في بعض فتاويه ﷺ في الأيمان والنذور. الثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الصيد والذبائح. الحادي والثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الأشربة وما يحل منها وما يحرم. الثاني والثلاثون في بعض فتاويه ﷺ في الإمارة وما يتعلق بها. الثالث والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الجهاد والغزو وما يتعلق به. الرابع والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الحب في الله والصحبة وملاحظة الناس. الخامس والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في المرض والطب وما يتعلق بهما. السادس والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في الرقائق. السابع والثلاثون في بعض فتاويه ﵇ في التفسير. فصل في قضاة رسول الله ﷺ «منهم عمر بن الخطاب، ففي سنن الترمذي أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: اذهب فاقض بين الناس، قال: أو تعافني يا أمير المؤمنين قال وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي» «١» . ساقه الشامي في سيرته في باب قضاته ﷺ عازيا له لأحمد وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن حبان قال ابن العربي في العارضة: قول عثمان لعبد الله: إن أباك كان قاضيا يعني لرسول الله ﷺ ، وكذلك روى عنه ولم يرد به عثمان قضاءه في خلافته ولا فهم ذلك عنه عمر ﵁. «ومنهم علي بن أبي طالب في الاستيعاب بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وهو شاب يقضي بينهم، وقال له: إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضي بينهم حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد. وروي أن المغيرة بن شعبة حلف بالله ما أخطأ في قضاء قط» «٢» . أخرج الحاكم في المستدرك أوائل كتاب الأحكام من طريق ابن عباس قال: بعث

стр. 212

النبي ﷺ عليا إلى اليمن فقال: علمهم الشرائع، واقض بينهم. فقال: لا علم لي بالقضاء، فدفع في صدره وقال: اللهم اهده للقضاء. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقصة بعثه ﵇ عليا قاضيا لليمن خرجها أبو داود في سننه وأحمد وإسحاق بن راهواه، وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم وغيرهم، انظر نصب الراية، وتلخيص الحبير. وبوّب عليه الحافظ محب الدين الطبري، في كتابه «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» باب: ذكر دعاء رسول الله ﷺ له رضوان الله عليه؛ حين ولاه قضاء اليمن، ثم ساق عن علي قال: لما بعثني رسول الله إلى اليمن قاضيا، وأنا حديث السن فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء، فقال ﷺ : إن الله سيهدي لسانك، ويثبت قلبك، قال فما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه أحمد. قال الطبري: والمراد بالأحداث: الأمور الحادثة اهـ. وفي أحكام ابن العربي: وأما ولايته القضاء؛ فقدم النبي ﷺ في حياته علي بن أبي طالب، حين بعثه إلى اليمن. وقدم النبي ﷺ غيره من ولاته اهـ منها. وقد قال القرافي في الفروق: يقدم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية، وأشد تفطنا لحجج الخصوم وخدعهم، وهو معنى قوله ﵇: أقضاكم علي. أي هو أشد تفطنا لحجج الخصوم وخدع المتحاكمين. وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله ﵇ أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وإذا كان معاذ أعرف بالحلال والحرام كان أقضى الناس، غير أن القضاء لما كان يرجع إلى معرفة الحجج والتفطن لها كان أمرا زائدا على معرفة الحلال والحرام، فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام، وهو يخدع بأيسر الشبهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن اهـ. «ومنهم معاذ بن جبل بعثه النبي ﷺ كما في الاستيعاب إلى الجند، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل له قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وذلك عام فتح مكة» . أخرج الطبراني؛ قال الشامي برجال الصحيح عن مسروق قال: كان أصحاب القضاء على عهد رسول الله ﷺ ستا عمر، وعليا وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري. وأخرج أحمد «١» والحاكم عن معقل بن يسار: أمرني رسول الله ﷺ أن أقضي [بين قوم فقلت: ما أحسن أن أقضي يا رسول الله] . قال: إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدا، وجاءه ﷺ خصمان فقال لعمر: إقض بينهما، وكذا قال لعقبة في خصمين جاآه: إقض

стр. 213

بينهما. رواه أحمد وغيره. وفي ترجمة معاذ بن جبل من الاستبصار لابن قدامة المقدسي: بعثه رسول الله ﷺ قاضيا على اليمن، وأميرا وجابيا للصدقات الخ. وقال ابن إبراهيم الوزير اليمني في الزهر الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: النبي ﷺ ولى أبا موسى الأشعري على اليمن، مصدقا أي جامعا للصدقات، وقاضيا. وكان يقضي ويفتي في حياة رسول الله ﷺ في زمنه، وفي أيام الخلفاء الراشدين اهـ منه. وفي درّ السحابة في ترجمة المغيرة بن شعبة قال الشعبي: القضاة أربعة أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى. وبذلك كله تعلم ما في قول الحافظ الشامي وتبعه شارح هب أنه ﷺ : لم يستقض شخصا معينا للقضاء بين الناس، وإنما استقضى جماعة في أشياء خاصة اهـ وفي صبح الأعشى: القاضي عبارة عمن يتولى فصل الأمور بين المتداعيين في الأحكام الشرعية، وهي وظيفة قديمة كانت في زمن النبي ﷺ ، فقد ذكر القضاعي أنه ﷺ : ولّى القضاء باليمن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبا موسى الأشعري، وأن أبا بكر ولّى القضاء عمر اهـ. وفي وفيات الأسلاف ص ٣٦٦ أول من نصب القاضي رسول الله ﷺ حين بعث عليا ومعاذا إلى اليمن، وأول من دفعه إل غيره من الخلفاء عمر، فولى أبا الدرداء بالمدينة، وأبا موسى الأشعري بالكوفة، وشريحا بالبصرة، تخفيفا لنفسه في القيام بأعباء الخلافة والسياسة اهـ. وفي طبقات ابن سعد: أول من استقضى القضاة في الأمصار عمر، ولما ذكر أبو عمر بن عبد البر في ترجمة زيد بن الخطاب من الاستيعاب قول مالك: أول من استقضى معاوية، وأنه كان ينكر أن يكون أوّل من استقضى أحد من الخلفاء الأربعة. قال: وهذا عندنا محمول على حضرتهم لا على من نأى عنهم، وأمروا عليهم من أعمالهم غيرهم، لأن استقضاء عمر لشريح على الكوفة أشهر عند علمائها من كل شهرة وحجة اهـ منه، ولما وقع في العتبية عن مالك: ما استقضى أبو بكر ولا عمر ولا عثمان قاضيا وما كان ينظر في أمور الناس غيرهم؛ كتب عليها ابن رشد: هذا أصل ما تقدم أن أول من استقضى معاوية يريد أنه أول من استقضى في موضعه الذي كان فيه، لاشتغاله بما هو سوى ذلك من أمور المسلمين، كبعث البعوث وسد الثغور، وفرض العطاء، فقد ولّى عمر بن الخطاب على قضاء البصرة أبا شريح الحنفي «١» وولّى كعب بن سور اللقيطي، فلم يزل قاضيا ختى قتل عمر، وولّى شريحا قضاء الكوفة يدل على صحة ما تأولناه، إذ لا يصح أن ينظروا بأنفسهم إلا في مواضعهم، لا فيما بعد من البلاد اهـ منه. وفي فتح الباري: أن البيهقي خرج بسند قوي؛ أن أبا بكر لما ولي الخلافة ولّى عمر

стр. 214

القضاء، قال: وبسند آخر قوي أن عمر استعمل عبد الله بن مسعود على القضاء. وكتب عمر إلى عماله استعملوا صالحيكم على القضاء، واكفوهم. قال وبسند آخر لين أن معاوية سأل أبا الدرداء. وكان يقضي بدمشق من لهذا الأمر بعدك؟ فقال: فضالة بن عبيد. قال: وهؤلاء من أكابر الصحابة وفضلائهم اهـ انظر باب أجر من قضى بالحكمة من كتاب الأحكام. وفي المدونة قال مالك: وليس علم القضاء كغيره من العلوم، ولم يكن بهذ البلد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وكان قد أخذ شيئا من علم القضاء عن أبان بن عثمان، وأخذ ذلك أبان من أبيه عثمان اهـ. هل كان ﵇ يشترط السن المديد فيمن يوليه القضاء خرّج أبو داود عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضينّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء من بعد «١» هذا. ونحوه أخرج أحمد والحاكم وصححه والترمذي وابن ماجه وغيرهم جاء أن يحيى بن أكثم، لما ولّي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة قيل له: كم سن القاضي؟ قال مثل عتّاب بن أسيد حين ولّاه النبي ﷺ إمارة مكة وقضاءها يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل، حين وجّه به رسول الله ﷺ قاضيا على اليمن، قال الحافظ العراقي في المغني: خرجه الخطيب في التاريخ بإسناد فيه نظر، وما ذكره ابن أكثم صحيح بالنسبة إلى عتّاب بن أسيد، فإنه كان حين الولاية ابن عشرين سنة. ففي منحة واهب الهبات البهية: عشرين حولا كان سن أسامة ... لما توفي خاتم الأمناء في الصفوة الجوزي يرويه كذا ... ك الواقديّ الحبر في الأنباء وأما بالنسبة إلى معاذ، فإنه لم يتم له ذلك على قول يحيى بن سعد الأنصاري ومالك وابن أبي حاتم، أنه كان حين مات ابن ثلاث وثلاثين سنة في الطاعون سنة ثمانية عشر والله أعلم، وفي باب أخذ الصدقة من الأغنياء وردّها على الفقراء من فتح الباري ما نصه: اختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول اهـ منه. وفي ترجمة أسامة بن زيد من أسد الغابة: استعمله النبي ﷺ وهو ابن ١٨ سنة اهـ. وقال القسطلاني في الإرشاد على قصة بعث أسامة على جيش فيه جماعة من الكبار:

стр. 215

في الحديث جواز تولية المولى وتولية الصغير على الكبير، والمفضول على الفاضل اهـ. وقد رأيت لبعض المعتنين من أصحابنا بفاس رسالة في بعض من ورد تقديمه في الأمور الشرعية، قبل الإبّان الذي الشأن فيه أن لا توجد فيه الأهلية، وذكر فيه ما جاء في ترجمة إبراهيم بن النبي ﷺ وعلي، وابن عباس، وزيد بن حارثة، وابنه أسامة، وعتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وكعب بن سور، وباذان بن ساسان وابنه شهر، وعمرو بن حزم، وعبد الله بن عامر بن كريز، وزيد بن ثابت، وقيس بن سعد بن عبادة، وزيد بن قنفذ بن زيد بن جدعان. وغالب اعتماده في تراجمهم على الأسد والإصابة فقف عليه. وهاهنا غريبة: في تاريخ مصر لابن أبي إياس الحنفي المصري ص ٣٠٦ من الجزء الثاني: وفيها من الحوادث أن الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز عهد للشيخ جلال الدين السيوطي بوظيفة لم يسمع بها قط وهو أنه جعله على القضاة قاضيا كبيرا يولي منهم من يشاء ويعزل منهم من يشاء مطلقا في سائر ممالك الإسلام، وهذه الوظيفة لم يلها قط سوى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز في دولة بني أيوب، فلما بلغ القضاة ذلك شق عليهم واستخفوا عقل الخليفة في ذلك. وقالوا: ليس للخليفة مع وجود السلطان حل ولا ربط، ولا ولاية ولا عزل، ولكن الخليفة استخف بالسلطان لكونه صغيرا، فلما قامت الدائرة والألسنة على الخليفة رجع عن ذلك، وبعث أخذ العهد الذي كان كتبه لجلال الدين السيوطي، وكادت أن تكون فتنة كبيرة بسبب ذلك. ووقعت أمور يطول شرحها. ثم سكن الحال بعد مدة اهـ. وفي قوله: لم يسمع بمثلها قط نظر؛ ففي تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء لجميع الأقاليم، والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم، وفي كل بلد، ولهذا كان يلقب بقاضي القضاة، ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة، ومن عداه بالقاضي فقط، أو قاضي بلد كذا اهـ. ومن خط ابن الطيب القادري نقلت، وفي ترجمة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من طبقات الحنفية للحافظ قاسم بن قطلوبغا ص ٦٥: أنه ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء: المهدي، والهادي، والرشيد، وكان إليه توليه القضاء بالمشرق والمغرب، وأنه أول من خوطب بقاضي القضاة، وذلك كله في خلافة الرشيد اهـ وعبارة غيره في حق أبي يوسف: وهو أوّل من دعي في الإسلام بقاضي القضاة. وكان أيضا يقال له: قاضي قضاة الدنيا؛ لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم، التي يحكم بها الخليفة، وفي منظومة الشيخ عبد الغني النابلسي في الشطرنج: ولا بأس بالشطرنج وهو رواية ... عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر

стр. 216

قال في شرح البيت المذكور: وهو أبو يوسف، لأن ولايته شملت المشارق والمغارب، لأنه كان قاضي الخليفة الرشيد اهـ انظر الحديقة الندية له ص ٢٩٦ ج ٢. وفي ترجمة أبي شجاع نجم الدين التركي؛ مولى الإمام الناصر لدين الله المهدي بعد الخمس وستمائة، من طبقات ابن قطلوبغا أيضا: أنه عرض عليه الخليفة المنتصر قضاء القضاة فامتنع اهـ. وفي وفية الأسلاف وتحية الأخلاف لعالم قازان شهاب الدين المرجاني في ص ٢٧٧ لدى كلامه على قاضي القضاة: وأنه أطلق على خلق كثير، من أجلة القضاة ولم يوجد حقيقة معناه كوجوده في اثنين، وليا قضاء جميع البلاد الإسلامية من مشارقها ومغاربها، وكان جميع قضاة الدنيا في عصرهما يحكمان بحكم النيابة عنهما، أولهما أبو يوسف في خلافة الرشيد، وثانيهما أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد بن مالك الايادي في خلافة المعتصم «١» . هل كان للولاة والقضاة راتب في الهداية روي عنه ﵇ أنه بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة وفرض له. قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية: غريب. ثم ذكر عن ابن سعد في الطبقات أن عتّاب قال: ما أصبت منذ وليت عملي هذا إلا ثوبين كسوتهما مولاي كيسان اهـ ثم قال: وذكر أصحابنا أنه ﵇ فرض له كل سنة أربعين أوقية، والأوقية أربعون درهما، وذكر أبو الربيع بن سالم أنه ﵇ فرض له كل يوم درهما، وفي طبقات ابن سعد أن عمر رزق عياض بن غنم حين ولاه جند حمص كل يوم دينارا وشاة ومدّا. وفي البخاري في باب رزق الحكام والعاملين عليها: وكان شريح يأخذ على القضاء أجرا، وقالت عائشة: يأكل الوصي بقدر عمالته وأكل أبو بكر وعمر اهـ. وفي مصنف عبد الرزاق؛ الحسن بن عمارة عن الحكم أن عمر بن الخطاب رزق شريحا، وسليمان بن ربيعة الباهلي على القضاء اهـ. وروى ابن سعد في الطبقات بلغني أن عليا رزق شريحا خمسمائة، وأن عمر بن الخطاب استعمل زيد بن ثابت على القضاء، وفرض له رزقا ولما تخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق، فلقيه وأبو عبيدة فقالا: انطلق حتى نفرض لك شيئا. وأن أبا بكر لما استخلف جعلوا له ألفين فقال: زيدونا فزادوه خمسمائة.

стр. 217

أقول: كان الحافظ الزيلعي، والحافظ ابن حجر، لم يستحضرا في هذا الموطن حديث أبي داود والحاكم عن بريدة رفعه: أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول «١» . عزاه لهما الحافظ في تلخيص الحبير. وقد وجدت أبا داود بوّب عليه في أبواب الخراج والإمارة: باب في أرزاق العمال، ثم أخرجه بلفظ: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول. ثم أخرج عن المسور بن شداد رفعه: من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن مسكن فليكتسب مسكنا، قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ قال: من اتخذ غير ذلك فهو غالّ أو سارق «٢» . وفي عون الودود على الحديث الأول: سكت عنه أبو داود: والمنذري. ورجاله ثقات، وفيه بينة على جواز أخذ العامل حقه من تحت يده، فيقبض من نفسه لنفسه، ثم نقل عن الطيبي على الحديث الثاني: فيه أنه يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من بيت المال قدر مهر زوجته ونفقتها وكسوتها، وكذا ما لا بد له منه من غير إسراف وتنعم اهـ. ثم أخرج أبو داود عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت أمر لي بعمالة (ما يأخذه العامل من الأجرة) فقلت: إنما عملت لله. فقال: خذ ما أعطيت؛ فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعمّلني أي أعطاني عمالتي «٣» . قال الكنكوهي في التعليق المحمود على سنن أبي داود: عليه فيه جواز أخذ العوض من بيت المال على العمل العام، كالتدريس والقضاء وغيرهما، بل يجب على الإمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم من بيت المال. وظاهر هذا الحديث وغيره مما يبين وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال، ولا إشراف نفس، وبه قال أحمد وغيره، وحمل الجمهور على الاستحباب والإباحة اهـ انظر الباب ٤٩ من سراج الملوك والموفي خمسين. النظر في المظالم (العدلية) قال المرجاني في وفية الأسلاف ص ٣٦٦: النظر في المظالم وظيفة أوسع من وظيفة القاضي، ممتزجة من السطوة السلطانية ونصفة القضاة، بعلو بيّن وعظيم رغبة، تقمع الظالم من الخصمين. وتزجر المتعدي ويمضي ما عجز القضاة ومن دونهم عن إمضائه، ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد القرائن، والأمارات وتأخير الحكم في استجلاء الحق، وحمل الخصم على الصلح، واستحلاف الشهود. وكان الخلفاء يباشرونها بأنفسهم؛ إلى أيام المهتدي بالله، وربما سلموها إلى قضاتهم اهـ.

стр. 218

هذه الوظيفة كان يليها المصطفى بنفسه، لأنه كان ينتقد أحكام قضائه وعماله ويناقشهم. لما تكلم الشهاب أحمد النويري في نهاية الارب على ولاية المظالم قال: نظر رسول الله ﷺ في المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام، ورجل من الأنصار، في شراج (جمع: شرج بالفتح وهو مسيل الماء من الحرّة إلى السهل) ، فحضره رسول الله ﷺ بنفسه اهـ انظر ص ٢٦٨ ج ٦، وكذلك الخلفاء من بعده، كما ذكر المرجاني وناهيك بما سبق. وفي سيرة عمر من هذا الباب كثير وناهيك بما كان يفعله كل سنة في الحج الأكبر من تقصيه البحث عن أعمال الولاة، وسؤاله الناس بنفسه عن عمالهم وحكامهم، انظر ما سبق في باب المحاسبة. وذلك أصل مجالس الاستئناف والعدلية. وفي ص ١٠٩ من الجزء الثالث من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المدائني: وقال عمر في خلافته: لئن عشت إن شاء الله لأسيرنّ في الرعية دولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقتطع دوني، أما عمالهم فلا يرفعونها إليّ، وأماهم فلا يصلون إليّ. أسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة، فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا. وقال: وقد خطب الناس والذي بعث محمدا بالهدى: لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات خشيت أن يسأل الله آل الخطاب. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني بال الخطاب نفسه ما يعني غيرها اهـ. وفي سيرة عمر أيضا أنه أول من عيّن شخصا مخصوصا لاقتصاص أخبار العمال، وتحقيق الشكايات التي تصل إلى الخليفة من عماله، وهو محمد بن مسلمة اهـ. وفي سراج الملوك للطرطوشي: كان عمر إذا أحب أن يؤتي بالأمر كما هو عليه بعثه اهـ. وأخرج ابن راهواه والحارث بن أبي أسامة، ومسدد، قال السيوطي: في الجمع: وصحح عن عبد الله بن بريدة في خطبة ربيع بن زياد، بين يدي عمر بن الخطاب، بمحضر الوفود، وإيثار عمر له بولايته وأنه قال في الملأ: لا يأتينّ عليكم وال إلا تعاهدت منه عمله، وكتب إليّ بسيرته في عمله، حتى كأني أنا الذي أستعمله. انظر ص ٣٦ من ج ٧ من كنز العمال. وفي سراج الملوك للطرطوشي قال إبراهيم النخعي: كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم، وعمن يعرف من أهل البلاد، وعن أميرهم هل يدخل عليه الضعيف؟ وهل يعود المرضى؟ فإن قالوا: نعم. حمد الله. وإن قالوا: لا. كتب إليه أن أقبل.

стр. 219

وفيه أيضا: كان عمر بن الخطاب يأمر إذا قدم عليه العمال أن يدخلوا نهارا، ولا يدخلوا ليلا كي لا يحتجنوا شيئا من الأموال. وعزى العقباني في تحفة الناظر لجامع الموطأ أن عمر بن الخطاب: كان يذهب إلى العوالي كل يوم سبت، فإذا وجد العبد في عمل ثقيل، لا يطيقه. وضع عنه منه بقدر ما يظهر له. وفي العتبية قال مالك: إن عمر بن الخطاب مرّ بحمار عليه لبن فوضع عنه طوبتين، فأتت سيدته لعمر فقالت: يا عمر، ما لك ولحماري؟ ألك عليه سلطان؟ قال: فما يقعدني في هذا الموضع؟ ثم ذكر القصة في خروجه إلى الحوائط بالعوالي. قال ابن رشد: المعنى في هذا بيّن، لأن المصطفى ﵇ قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته. وقد قال عمر في هذا: لو مات جمل بشاطىء الفرات ضياعا، لخشيت أن يسألني الله عنه اهـ من البيان والتحصيل. وبذلك كله تعلم ما في الخطط للمقريزي: أول من نظر في المظالم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأوّل من أفرد للظلامات يوما بتصفح قصص المتظلمين من غير مباشرة النظر عبد الملك بن مروان، ثم زاد الجور فكان عمر بن عبد العزيز أوّل من ندب نفسه للنظر في المظالم فردها، ثم جلس لها خلفاء بني العباس اهـ أيضا ما في قول النويري في نهاية الإرب: لم ينتدب أحد من الخلفاء للمظالم، وإنما كانت المنازعات تجري بين الناس فيفصلها حكم القضاة اهـ فإنهم غفلوا جميعا عن سيرة المصطفى وعمر وبذلك كله تعلم ما في نقل الخزاعي في هذه الترجمة، عن ابن العربي في الأحكام من أن هذه الولاية غريبة محدثة، فإنه غفلة منه، عما نقله بنفسه عن الكلاعي في الاكتفاء في باب محاسبة أبي بكر عماله، وكذا قول النويري في النهاية: لم ينتدب أحد للمظالم من الخلفاء، وإنما كانت المنازعات تجري بين الناس فيفصلها حكم القضاء. تنبيه: في تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشي؛ أن عمر بن الخطاب أوصى حين كتب عهده، أنه لا يولّى العامل أكثر من عامين، استشهد بذلك حين ذكر عن الشيخ أبي محمد عبد الواحد الغرياني عمن يوثق به، أن من عادة الموحدين قديما بتونس، أنهم كانوا لا يولون القضاء أكثر من عامين. وأيضا فإنهم يرون أن القاضي إذا طالت مدة قضائه أكثر الأصحاب والإخوان، وإذا كان بمظنة العزل لا يغتر، وأيضا فإن الحال إذا كان هكذا ظهرت مخايل المعرفة بين الأقران، وكثر فيهم القضاة بتدربهم على الوقائع فيبقى الحال محفوظا، بخلاف ما إذا استبد الواحد بعمل؛ فإنه لا يقع فيهم تناصف، ولا يحصل لمن يلي بعده النفوذ بوظيفة ما قدم إليه إلا بعد حين وتنطمس القلوب الطلبة كذا لا ياسهم من الولاية إلا بعد مشقة اهـ منه ص ٤٤. وفي طبقات ابن سعد: أن عمر كان إذا بعث عاملا على مدينة كتب ماله، وقد قاسم

стр. 220

غير واحد منهم ماله إذا عزله، منهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة. وكان يستعمل الرجل من أصحاب النبي ﷺ مثل عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم، مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم «١» لقوة أولئك على العمل، والبصر به ولإشراف عمر عليهم، وهيبتهم له، وقيل له: مالك لا تولي الأكابر من أصحاب المصطفى ﵇ فقال: أكره أن أدنسهم بالعمل اهـ. باب أين كان يجلس القاضي للحكم والفصل وفي الهداية من كتب الحنفية: أنه ﵇ كان يفصل الخصومات في معتكفه، قال الحافظ بن حجر في اختصار نصب الراية: كأنه يشير إلى حديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا في المسجد، وفيه أن النبي ﷺ كشف سجوف حجرته فناداه يا كعب: أن ضع الستر وفي الباب حديث ابن عباس: بينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال: أقم علي الحد وفي حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين قال: فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد عليه، وفي الهداية أيضا روي أن الخلفاء الأربعة الراشدين كانوا يجلسون في المسجد لفصل الخصومات، قال الحافظ في تخريج أحاديثها: فيه آثار؛ منها ما ذكره البخاري قال: ولا عن عمر عند منبر النبي ﷺ ، وقضى مروان على زيد بن ثابت بالمنبر اهـ. وقال الجمال الزيلعي في نصب الراية عن ابن تيمية، في المنتقى على حديث كعب: فيه جواز الحكم في المسجد اهـ. وفي الصحيح: «٢» باب من قضى ولا عن في المسجد ولا عن عمر عند منبر رسول الله ﷺ ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر اهـ وفي الهداية أيضا؛ قال ﵇: إنما بنيت المساجد لذكر الله وللحكم. قال الزيلعي غريب بهذا اللفظ اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في اختصاره: لم أجده هكذا اهـ منه وفي التيسير في أحكام التسعير: للقاضي ابن سعيد المجيلدي: وقد كان بعض أصحاب الشافعي لما قدم لها أي الحسبة ببغداد، أقام قاضيا وجده يقضي في المسجد، فقال له ألم تسمع قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور: ٣٦] . ولكن هذا يخالف ما روي من استحباب مالك الجلوس للقاضي في المسجد؛ ليتوصل إليه القوي والضعيف والصغير والكبير اهـ.

стр. 221

وقال في المدونة: القضاء في المسجد من الأمر القديم، وفي الحق والصواب. قال مالك: لأنه يرضى فيه بالدون من المجلس. وهو أقرب على الناس في شهودهم، ويصل إليه الضعيف والمرأة نقله ابن فرحون في تبصرته، وفيها أيضا عن ابن حبيب: أحب إليّ أن يجلس في رحاب المسجد اللاصقة به، من غير تضييق بالجلوس في غيرها، وما كان من مضى يجلسون إلا في رحاب المسجد، خارجا عنه. أما عند مواضع الجنائز يريد بالمدينة المنورة؛ وهو الآن الموضع المعروف بمصلى الجنائز خارج باب جبريل، وإما في رحبة دار مروان، وهي التي تسمى رحبه القضاء. وقد جعل ذلك في هذا الوقت ميضأة، وهي على باب السلام. قال ابن أبي زيد: واحتج بعض أصحابنا في قضاة المسجد بقوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص: ٢١] . فدل على أن حكم الحكومة وقعت عنده في مسجده. وروي أن النبي ﷺ قضى في المسجد، وفيها أيضا عن تنبيه الحكام لابن المناصف: يكره للقاضي الجلوس في داره، وقد أنكره عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشعري، وأمر بإضرام داره عليه نارا، فدعا واستقال ولم يعد إلى ذلك اهـ. وفي تاريخ ابن عساكر عن أبي صالح مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه فأتيته في دار القضاء، قال بعضهم: إذا صح هذا يكون عثمان هو أول من اتخذ في الإسلام دار القضاء اهـ. وفي جامع التحصيل لابن رشد: المساجد إنما وضعت لذكر الله، قال الله فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٦] فوجب أن ترفع وتنزه ولا تتخذ لغير ما وضعت له، وقد اتخذ عمر بن الخطاب رحبة بناحية المسجد تسمى البطحاء، فقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة. باب في الشهادة وكتابة الشروط «أمر الله تعالى بالكتاب والإشهاد في بيوع الآجال فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. ثم قال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ؛ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: ٢٨٢] وكذلك أمر سبحانه بالإشهاد في الطلاق والرجعة وعلى الزنى» . ومع ذلك قال اللسان ابن الخطيب في رسالته «مثلى الطريقة في ذم الوثيقة» : أن الصحابة لم ينقل عنهم أن شاهدا اتخذ حانوتا وطلب على الشهادة أجرا، إنما كان الناس يشهدون بينهم، ويستوثقون بخيارهم وفضلائهم. وفي قوله : فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ

стр. 222

فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢] في آية الدين وكتابته دليل على أن المقصود غير متخذي الدكاكين؛ لبعد ذلك وامتناعه في حق المرأة اهـ منها. وقد أخرج الترمذي «١» عن عبد الحميد بن وهب قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ قلت: بلى. فأخرج لي كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبدا أو أمة لاداء ولا غائلة. يعني خديعة ولا خبثة (وما كان طيب الأصل وكل حرام خبيث) بيع المسلم للمسلم قال الترمذي حديث حسن غريب. وفي الصحيح هذا ما اشترى محمد رسول الله ﷺ من العداء بن خالد بيع المسلم المسلم، لاداء ولا خبثة، ولا غائلة. قال قتادة: الغائلة الزنى والسرقة والإباق «٢» . قال عياض في المشارق: وهو مقلوب إذ العداء هو المشتري، ولا يبعد أن يكون من باب: شرى واشترى، وباع وابتاع، بمعنى يستعملان جميعا ونحوه للزركشي نقلا عن المطرزي وغيره، قال: وهو عكس ما ذكره البخاري هنا. وزاد الدماميني: أو يحمل على تعدد الواقعة فلا معارضة اهـ. وقال ابن زكريا: الظاهر أن هذا لفظ الوثيقة المكتوبة، المشتملة على بيان الثمن والمثمن اهـ وشرح ابن العربي على ما وقع في الترمذي فقال: فيه البداءة باسم المفضول في الشروط إذا كان هو المشتري. قال: وكتب رسول الله ﷺ ذلك وهو ممن لا يجوز عليه نقض عهده لتعليم الخلق قال: ثم ذلك على سبيل الإستحباب؛ لأنه قد يتعاطى صفقات كثيرة بغير عهدة، وفيه كتاب الإسم واسم الأب والجد، إلا أن يكون مشهورا بصفة تخصه ولذلك قال: محمد رسول الله فاستغنى بصفته عن نسبه، ونسب العداء بن خالد. «وعبارة الخزاعي هنا: وإذا ثبت هذا كان حجة لمن يرى من الموثقين تقديم الأشرف بائعا كان أو مشتريا» . سبقه إلى ذلك ابن الفخار، ففي ابن التلمساني على الشفا قال ابن العطار في وثائقه: من حق كاتب الوثيقة أن يقدم الشريف على المشروف، لمزيته بائعا كان أو مبتاعا. ورده ابن الفخار بنص الحديث؛ فإنه قدم فيه اسم المشروف على الشريف فتأمله اهـ من المنهل الأصفى. باب في شهادة الصبيان وكتابة أسمائهم في الكتب النبوية والعقود المصطفوية ذكر السهيلي كتابه ﵇ لثقيف، وقد ساقه أبو عبيد في كتاب الأموال، وذكر فيه أي أبو عبيد شهادة على وابنيه الحسن والحسين، قال أبو عبيد: فيه من الفقه شهادة

стр. 223

الصبيان وكتابة أسمائهم قبل البلوغ، وإنما تقبل شهادتهم إذا أدّوها بعد البلوغ. وفيها أيضا شهادة الابن أيضا مع شهادة أبيه في عقد واحد اهـ نقله في نور النبراس. باب في سياق عقد من عقود ذلك العصر الطاهر وهو عقد عتق أبي رافع مولاه ﵇ قال القاضي ابن باديس، في شرح مختصر ابن فارس، نقلا عن العمدة لابي عبد الله التلمساني: الصحيح في اسمه أسلم لأجل عقد عتقه. ونصه بخط الحكم المنتصر بالله أمير المؤمنين بن عبد الرحمن الناصر المرواني: بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم إني أعتقك لله عتقا مبتولا الله أعتقك وله المن علي وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام، وعصمة الإيمان شهد بذلك أبو بكر وشهد عثمان وشهد عليّ وكتب معاوية بن أبي سفيان كان في الكتاب معاوية اهـ ما كان بخط الحكم. قال الشيخ أبو عبد الله كتبته من منقول نقل من خط الحكم اهـ. فهذا عقد في عتق نبوي بنصه من الذخائر المكنونة، والكنوز الثمينة فتلقه شاكرا وللمغاربة ذاكرا، حيث إن كلا من الحكم المنتصر وصاحب العمدة وفوائد الدرر مغاربة، وكأنه لم يقف عليه أحد من أعلام المشرق فلذلك لا تراه في مدوناتهم الأثرية. وسيأتي في باب الوقف ما يقتضي أن الصحابة كانوا يكتبون أوقافهم وسياق بعض نصوصها فانتظره في محله. باب فيمن كان يكتب بين الناس في قبائلهم ومياههم في الزمن النبوي وفي العقد الفريد لابن عبد ربه: وكان زيد بن أرقم والعلاء بن عقبة، يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء اهـ ص ١٤٤/ ٢. باب في ذكر من كان يكتب العقود والمعاملات زيادة على ما سبق «قال القاضي القضاعي في كتاب الأنباء: كان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، وقيل: ابن بشر يكتبان المداينات والمعاملات. وقاله ابن حزم أيضا في كتاب: جوامع السيرة» . وذكر ذلك أيضا الحافظ في ترجمة حصين انظر ما سبق عنه. وفي ترجمة العلاء بن عقبة من الإصابة أيضا: قرأت في التاريخ المصنف للمعتصم بن صمادح أن العلاء بن عقبة، والأرقم كانا يكتبان بين الناس المداينات والعهود والمعاملات اهـ ص ٢٥ ج ٣. ومن عجيب الإتفاق أن ما كان يبحث عن جمعه وتدوينه الخزاعي في القرن الثامن وفق له أيضا أبو زيد العراقي الفاسي في أول القرن الثالث عشر فإنه في اختصاره للإصابة؛

стр. 224

يشير للإيقاف على أمثال هذه التراجم، فإنه في ترجمة العلاء، المذكور وقف بقلم غليظ ما نصه: من كان يكتب المداينات والمعاملات والعهود بين الناس. وفي شرح الشيخ الطيب بن كيران على ألفية العراقي في ترجمة الكاتب التاسع والثلاثين حصين بن نمير (مصغرين) هو والمغيرة كانا يكتبان المعاملات والمداينات ذكره القرطبي والقضاعي اهـ. فزاد العزو للقرطبي، وفي زمن التابعين قال مصعب: كما في طبقات الفقهاء للشيرازي: كان خارجة بن زيد وطلحة بن عبد الله في زمانهما، يستفتيان وينتهى إلى قولهما. ويقسمان المواريث بين أهلها من الدور والنخيل والأموال، ويكتبان الوثائق للناس. وبذلك كله وما سبق في التراجم قبل؛ تعلم ما في قول الإمام الرافعي في شرح الوجيز: كان النبي ﵇ ومن بعده من الأئمة يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات اهـ. والعجب أن الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديثه المسمى بتلخيص الحبير، لم يتعقبه بأكثر من قوله؛ هو مستفاد من الأحاديث السابقة في هذا الكتاب، لكن قد كتب النبي ﷺ لجماعة وأقطع لهم. وفي البخاري «١» من حديث أنس: أنه دعا الأنصار ليقطع لهم، وأراد أن يكتب لهم كتابا اهـ منه. وقد ألف الإمام لسان الدين والدنيا ابن الخطيب السلماني كتابه «مثلى الطريقة في ذم الوثيقة» مدّ فيه القلم في ذم الموثقين، وذكر مثالبهم بما لا يخلو عن مبالغة. وقد كتب الإمام حافظ المذهب أبو العباس الونشريسي صاحب المفيد على أوله بخطه: جامع هذا الكلام قد كدّ نفسه في شيء لا يعني الأفاضل، ولا يعود عليه في القيامة ولا في الدنيا بطائل، وأفنى طائفة من نفيس عمره في التماس مساوى طائفة بهم تستباح الفروج والبروج، وجعلهم أضحوكة لذوي الفتك والمجانة، وانتزع عنهم جلباب الصدق والديانة، سامحه الله وغفر له. قاله وخطه بيمنى يده عبد ربه أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي، خار سبحانه له اهـ بواسطة أزهار الرياض. وقد وقعت إليّ نسخة من رسالة ابن الخطيب بخط العلامة أبي عبد الله محمد بن الطيب القادري الفاسي: وهي في نحو كراسين تتبعها الكاتب المذكور مرة بالنقد ومرة بذكر النظائر والمماثلات وذكر أنه نقلها من خط الونشريسي. تنبيه لشريح بن يونس كتاب القضاء ولابي عبيد كتاب القضاء وآداب الحكام، ولأبي

стр. 225

بكر النقاش كتاب القضاة والشهود، ذكر هذه الكتب وأسانيدها الشيخ عابد السندي في حصر الشارد. انظر حرف القاف وصلة الرداني. باب في فارض الموارث ذكر من كان فارضا في عهد رسول الله ﷺ «في جامع الترمذي عن رسول الله ﷺ : أفرضكم زيد، قال الترمذي: حسن صحيح. وفي الإستيعاب: كان زيد أحد فقهاء الصحابة الجلة الفرّاض» . وفي الإصابة أن ابن سعد يروي من طريق قبيصة قال: كان زيد رئيسا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض اهـ. وفي مسند الدارمي «١» عن ابن شهاب: لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمه غيرهما. وخرج أيضا عن مسلم: سألنا مسروقا: كانت عائشة تحسن الفرائض؟ قال: والذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض. وقال أبو يوسف الستاني في شرح التلمسانية: الإختيار أن يؤخذ في الفرائض بمذهب زيد بن ثابت، فإنه أفرض هذه الأمة، بشهادة رسول الله ﷺ . قال السهيلي: وكان عمر أيام كان بالشام يكتب إلى زيد بن ثابت وهو بالمدينة، فيبدأ باسمه قبل اسمه. وحين أشكلت عليه مسألة الجد مشى بنفسه إلى منزل زيد يستفهمه فيها اهـ. وروى عاصم الأحوال عن الشعبي قال: غلب زيد الناس على اثنين؛ الفرائض والقرآن. ذكره الذهبي في التذكرة. ونقل فيها أيضا عن سليمان بن يسار قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في الفتوى والفرائض والقراءة اهـ. وانظر ما يأتي في القسم العاشر في فصوله. وفي كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام؛ أن عمر بن الخطاب خطب في الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله قد جعلني له خازنا وقاسما، إني بادىء بأزواج النبي ﷺ فمعطيهن. وترجم في القسم الثالث من الإصابة للأكيدر بن حمام اللخمي: وذكر أن له إدراكا ثم نقل عن أبي عمر الكندي في كتاب الخندق؛ أنه كان ذا دين وفضل وفقه في الدين وجالس الصحابة. وروى عنهم وهو صاحب الفريضة التي تسمى الأكدرية. ثم ذكر عن ابن أبي شيبة أنه قيل للأعمش: لم سميت الفريضة الأكدرية فقال: طرحها عبد الملك بن مروان على رجل يقال له الأكدر، وكان ينظر في الفرائض فأخطأ فيها. قال وكيع: وكنا نسمع قبل ذلك أن قول زيد بن ثابت تكدر فيها. قال الحافظ: فلعلّ عبد الملك طرحها على الأكدر

стр. 226

قديما وعبد الملك يطلب العلم بالمدينة. وترجم فيها أيضا عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي فذكر أن مسلما خرج عن علي؛ أن عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخزاعي: من استعملت على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال استعملت عليهم مولى؟ كما في الإصابة قال إنه قارىء لكتاب الله عالم بالفرائض. وترجم فيه أيضا لعقبة بن عامر الجهني فنقل عن ابن يونس: كان قارئا للقرآن عالما بالفرائض والفقه، فصيح اللسان شاعرا كاتبا. وفيها في ترجمة عائشة قال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر بسألونها عن الفرائض. باب في الوكيل في غير الأمور المالية ذكر من وكله رسول الله ﷺ «ذكر ابن العربي في الأحكام له أن النبي ﷺ ، وكّل عمرو بن أمية الضمري، على عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي، ووكّل أبا رافع على نكاح ميمونة في إحدى الروايتين. وقصة توكيل عليّ ﵁ عبد الله بن جعفر، على طلحة بن عبيد الله في شأن ضفير بين ضيعتهما فتنازعا في الخصومة أمام عثمان قصة عجيبة، ذكرها ابن رشد في البيان والتحصيل» . وجدتها لابن رشد في جامع البيان والتحصيل أيضا، في كتاب الجامع الرابع تحت عنوان: إن الإمام لا ينظر في أمر قد قضى فيه من قبله من الأيمة العدول، وعنه سقتها في باب الزراعة في القسم التاسع، إذ رأيت القصة هناك أنسب فارجع إليها هناك. باب في ذكر البصير بالبناء وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله ذكر من كان كذلك في زمن رسول الله ﷺ «ذكر أبو عمر في الأستيعاب، في ص ٩٧ من الجزء الأول عن جارية بن ظفر اليمامي؛ أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في ذلك حظارا، والحظار كل شيء مانع بين شيئين فهو حظار، ثم هلكا وتركا عقبا فأدعى عقب كل منهما أن الحظار له من دون صاحبه، فاختصم عقباهما إلى النبي ﷺ ، فأرسل حذيفة بن اليمان يقضي بينهما، فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه، ثم رجع فأخبر مولانا رسول الله ﷺ فقال: أصبت أو أحسنت. وأصله في تاريخ البخاري» . القصة مخرجة أيضا في طبقات ابن سعد في ترجمة جارية المذكور بلفظ: إن قوما اختصموا في خص، فارتفعوا إلى النبي ﷺ فبعث معهم حذيفة، فقضى به حذيفة للذين يليهم القمط، فرجع إلى النبي فذكر ذلك له فأجازه انظر ص ٤٠٣ من الجزء الخامس.

стр. 227

والخص كما في القاموس بالضم، البيت من القصب، أو البيت يسقف بخشبة كالأزج جمع خصاص وخصوص. وفي ترجمة العلاء بن عقبة من الإصابة ذكره المرزباني فقال: كان النبي ﷺ يبعثه هو والأرقم في دور الأنصار اهـ. وقد وقع لأبي زيد العراقي إجحاف في اختصار هذا المحل من الإصابة فإنه قال ما نصه: العلاء بن عقبة ممن كان في عهد عمرو بن حزم، وبعثه مع الأرقم لدور الأنصار اهـ وعبارة الأصل تفيد ما لم يفده الإختصار فتأمله. وفي ترجمة تميم بن أسد الخزاعي من طبقات ابن سعد أن النبي ﷺ بعثه عام الفتح فجدّد أنصاب الحرم. وفي ترجمة الصحابي مخرمة بن نوفل؛ من تهذيب النووي: كان له سن وعلم بأيام الناس وبقريش خاصة، وهو أحد من أقام أنصاب الحرم في خلافة عمر بن الخطاب، أرسله عمر وأزهر بن عبد عوف وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزي فجددوها اهـ منه. ونحوه في ترجمة المسور بن مخرمة من التهذيب أيضا. وفي الخطط للمقريزي: قال القضاعي: ولما رجع عمرو من الأسكندرية، ونزل موضع فسطاطه انضمت القبائل بعضها إلى بعض فتنافسوا في المواضع فولى عمرو على الخطط معاوية بن خديج التجيبي، وشريك بن سمي الغطيفي، وعمر وقحزم الخولاني وحيويل بن ناشرة المعافري «١» ، وكانوا هم الذين أنزلوا الناس، وفصلوا بين القبائل. وذلك في سنة أحدى وعشرين اهـ. وإن تعجب فاعجب لقول «بطلر» أحد المشتغلين بتاريخ الإسلام من الأوروبيين: الظاهر أن الذي قام بتنفيذ هذا الأمر إنما هم القبط لدرايتهم بفن العمارة التي كان يجهلها العرب اهـ وما ذلك إلا من التعصب على العرب وإرادة طمس معلوماتهم وحب القضاء على آثارهم، وأي حاجة بقيت للتعقل بعد تصريح المقريزي بأسمائهم وأنسابهم، وفيما سيأتي في باب البناآت كفاية في الدلالة على علم العرب بالبناء الصحي الهندسي وأساليبه. معرفته ﵇ وأهل الصدر الأول بأمور الهندسة والبناء وإصلاح الطرقات في طبقات ابن سعد: لما أقطع ﵇ الدور بالمدينة، خطّ لعثمان بن عفان داره اليوم، ويقال: إن الخوخة التي في دار عثمان اليوم وجاه باب النبي ﵇، الذي كان المصطفى ﵇ يخرج منه إذا دخل دار عثمان.

стр. 228

وفي أزهار الرياض للإمام أبي العباس المقري، نقلا عن خط أبي زيد عبد الرحمن الغرناطي؛ على هامش الشفا عند ذكر عياض أنه ﵇ قال وهو بموضع: نعم موضع الحمام هذا. ما نصه: هو داخل في معرفته ﷺ بالهندسة والبناء، ذكره أبو نعيم في رياضة المتعلمين. ورواه عن أبي رافع قال: مرّ رسول الله ﷺ على موضع فقال: نعم: الحديث قال: فبني فيه الحمام اهـ. وقال الخفاجي في نسيم الرياض على هذا المحل: فيه الأخبار بحال البناء ومهابّ الأهوية اهـ وسيأتي في باب المنادي: عن سنن أبي داود «١» أن النبي ﷺ : بعث أن ينادى في معسكره: أنّ من ضيّق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له، وذلك لما ضيق الناس المنازل وقطعوا الطرق. فيؤخذ منه أنه ﵇ كان يحب النظام حتى في نصب الأخبية في السفر، فكيف لا يحب ذلك في محل الأستيطان والبناء المشيد؟ قال شارح السنن: فيه أنه لا يجوز لأحد تضييق الطريق التي يمر منها الناس، ونفي جهاد من فعل ذلك على طريق المبالغة في الزجر والتنفير، وكذلك لا يجوز تضييق المنازل لما في ذلك من الأضرار اهـ. وفي سيرة عمر أنه لما أذن ببناء البصرة والكوفة؛ خطوا الشوارع على عرض عشرين ذراعا، وطول أربعين ذراعا، والأزقة تسعة أذرع، والقطائع ستين ذراعا. وبنوا المسجد الجامع بالوسط بحيث تتفرع الشوارع، وذلك بأمر عمر ﵁، وهذا يدل على نفاق سوق الهندسة حتى في البناء في الزمن الأول سفرا وحضرا وتخطيطا، وفي سيرة عمر أيضا: أنه لما جاء الشام سنة ١٧ رتب الشواتي والصوائف؛ أي الجنود التي تغزو في الصيف والجنود التي تغزو في الشياء، وسد فروج الشام ومساكنها وهي: النقط العسكرية وخطوط الدفاع. وفي فتوح البلدان: أن معاوية كتب إلى عمر بعد موت أخيه يزيد يصف له سوء حال الشام، فكتب إليه في حرمة حصونها وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظيرها، واتخاذ المواقيد لها (والمناظير قباب مبنية على رؤوس الجبال العالية، وبين كل بلد وآخر بحيث يتقارب بعضها، ويشرف بعضها على بعض، ويقام فيها حراس يوقدون النيران عند ما يرون إقبال العدو من جهتهم، فيوقد حراس المناظير الذين يلونهم كذلك، وهكذا حتى يصل الخبر إلى المدينة، أو الثغر أو المسلحة في زمن قليل، فيسرعون لإمداد الجهة التي أقبل منها العدو، وهذا كذلك يدل على نفاق أسواق الهندسة في البناآت الحربية، والمراكز العسكرية) . وفي فتوح البلدان أيضا: أن عمر كان يشترط على أهل الذمة إصلاح الجسور والطرق.

стр. 229

وفي باب المفعول فيه من حاشية ابن غازي على الألفية «لطيفة» ذكر أبو حيان عن السهيلي عن قاسم بن ثابت قال: سمي الميل ميلا لأنهم كانوا ينصبون على الطرق أميالا كانوا يعرفون بها الخطى التي مشوها، فيجعلون على رأس كل ثلاث آلاف ذراع بناء كهيئة الميل، يكتبون فيه العدد الذي مشوه. وقال هشام لأعرابي كان يسير معه: أنظر في الميل كم مشينا، وكان الأعرابي أميا لا يقرأ فنظر ثم جاء فقال: فيه مخطف وحلقة وثلاثة كأطباء الكلبة، وهامة كهامة القطا، فضحك هشام. وعلم أن في الميل خمسة اهـ وهذا يدل على عبرهم للطرق وضبطهم المسافات للذاهب والجائي ومعقول أنهم ما عرفوا وعبروا بالفرسخ والميل، حتى كتبوا الأعداد ورسموها خشية الغلط. وانظر المصباح المنير للفيومي. وفي الخطط للمقريزي ص ٣٣٩ الجزء الأول أن عبد العزيز بن مروان، كانت له وهو على مصر ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره، وكانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل على العجل اهـ وهذا يدل على نجر الطرق وترصيفها، لتجري فيها العجل. باب في القسام «قال ابن إسحاق: كانت المقاسم على أموال خيبر، وكانت عدة الذين قسمت عليهم أموال خيبر من أصحاب رسول الله ﷺ ألفي سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم، الرجال أربع عشرة مائة، والخيل مائتا فرس، فكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم، ولكل رأس سهم جمع إليه مائة رجل فكانت ثمانية عشر سهما» . باب في المحتسب في المحكم: أحتسب فلان؛ أنكر عليه قبيح عمله، وأنه يحسن الأمر (أي جيد التدبير والنظر) وفيه فصول: فصل فيما جاء عن رسول الله ﷺ في الحسبة «خرج الترمذي عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ مرّ على صبرة من طعام؛ (الصبرة واحدة صبر الطعام، يقال: اشتريت صبرة أي بلا وزن ولا كيل) فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: يا صاحب الطعام ما هذا؟ قال أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال: من غش فليس منا قال الترمذي حسن صحيح [ج ٣/ ٦٠٦ من كتاب البيوع باب ٧٤] . فصل فيمن ولاه رسول الله ﷺ أمر السوق وكيف كان يضرب من يعمل بالرّبا في الأسواق على عهده ﷺ «في الصحيح عن ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع

стр. 230

الطعام «١» ، وفيه أيضا عن سالم عن أبيه: رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة (والمجازفة بيع الشيء بغير كيل ولا وزن ولا عدد) يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه، حتى يذهبوا به إلى رحالهم. قال ابن عبد البر في الإستيعاب: إستعمل رسول الله ﷺ سعيد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة» . قلت: ترجمه في الإصابة وذكر أن ابن شاهين ذكر عن بعض شيوخه: أن إسلامه كان قبل الفتح بيسير، فاستعمله رسول الله ﷺ على سوق مكة، وفي الإستيعاب: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت النبي ﷺ ، وعمرت، وكانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها. وفي التيسير في أحكام التسعير للقاضي أبي العباس أحمد بن سعيد: من شرط المحتسب أن يكون ذكرا إذ الداعي للذكورة أسباب لا تحصى وأمور لا تستقصى، ولا يرد ما ذكر ابن هارون: أن عمر ولى الحسبة في سوق من الأسواق امرأة تسمى الشفاء، وهي أم سليمان بن أبي حثمة الأنصارية، لأن الحكم للغالب والنادر لا حكم له. وتلك القضية من الندور بمكان، ولعله في أمر خاص يتعلق بأمور النسوة اهـ. عبارة ابن عبد البر: وكانت تمر في الأسواق، وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس. صريحة في خلاف تأويله؛ نعم: عبارته كالصريحة في أنها لم تولّ ذلك في زمنه ﵇، ويؤيده ما في جمهرة ابن حزم: كان عمر إستعملها على السوق. وفي أحكام القرآن لابن العربي على قوله تعالى: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل: ٢٣] وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق ولم يصح، قلا تلتفتوا إليه. وإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث اهـ منها. ومما سبق عن ابن عبد البر من الجزم بما ذكر في ترجمة سمراء. وعن القاضي ابن سعيد من توجيه أن ولايتها كانت في أمر خاص يتعلق بأمر النساء ما ينحلّ به إيراد ابن العربي، وإلا فهو وجيه؛ لأن المرأة كما قال هو أيضا في الأحكام لا يتأتى لها أن تبرز إلى المجالس، وتخالط الرجال وتفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجألة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم ولم يعلم قط من تصور هذا ولا أعتقده اهـ منها. وفي التيسير لابن سعيد أيضا: إعلم أن الحسبة من أعظم الخطط الدينية، فلعموم مصلحتها وعظيم منفعتها، تولى أمرها الخلفاء الراشدون. لم يكلوا أمرها إلى غيرهم، مع ما كانوا فيه من شغل الجهاد، وتجهيز الجيوش للمكافحة والجلاد اهـ منه.

стр. 231

وفي السيرة الحلبية ص ٣٥٤ من الجزء الثالث في ذكر من ولي السوق في زمنه ﷺ ؛ أن هذه الولاية تعرف بالحسبة ومولّاها بالمحتسب، كان رسول الله ﷺ إستعمل سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر على سوق المدينة اهـ وبذلك تعلم ما في قول القلقشندي في صبح الأعشي: أول من قام بهذا الأمر يعني الحسبة وصنع الدرة عمر بن الخطاب في خلافته اهـ من ص ٤٥٢ من الجزء الخامس فإن كان مراده الأولية في كل منهما مع التقييد بمدة خلافة عمر فلا إشكال أنه تقصير، لأن عمر كان يحمل الدرة في العهد النبوي، كما أن تكليفه بالسوق كان في زمنه ﵇. كما كلف غيره بذلك إذ ذاك. وفي كشف الظنون: علم الإحتساب علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم، اللاتي لا يتم التمدن بدونها، من حيث إجراؤها على القانون المعدل، بحيث يتم التراضي بين المتعاملين، وعن سياسة العباد بنهي المنكر وأمر المعروف، بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد بحسب ما رآه الخليفة من الزجر والمنع، ومباديه بعضها فقهي، وبعضها أمور استحسانية، ناشئة من رأي الخليفة. والغرض منه تحصيل الملكة في تلك الأمور، وفائدته: إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم وهذا أدق العلوم، ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب، وحدس صائب، إذ الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة، بل لا بد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة، وذلك من أصعب الأمور. فلذلك لا يليق بمنصبها إلا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى، كعمر بن الخطاب. كان عالما في هذا الشأن. كذا في موضوع لطف الله اهـ وفيه عدة تاليف، ذكرت في حروفها من كشف الظنون فانظره. «مهمة» يعوز كثيرا من العلماء تحرير القول في الدرة، التي كان سيدنا عمر يحملها ويضرب المستحق بها في مدة حسبته وخلافته. ولم أر من حرر القول فيها كشيخنا الأستاذ الوالد في كتابه المسمى «التوفيق من الرب القريب. في عدد شيب وخضاب النبي الحبيب» وهذا ملخص ما له فيها: ما اشتهر من أن سيدنا عمر كانت له درة صحيح وقع ذلك في كتاب العتق، وكتاب الديات من صحيح البخاري، وفي الأخير. وأقاد عمر من ضربه بالدرة، ولم يبين حقيقة هذه الدرة عياض في المشارق، وابن الأثير في النهاية، ولا شروح البخاري كالحافظ، والزركشي، والسيوطي وغيرهم. واقتصر في القاموس والصحاح والمصباح ولسان العرب والمخصص لابن سيدة على ما لا يفيد، وعبارة الصحاح: الدرة التي يضرب بها اهـ وفي القاموس: قوله ممزوجا بشرحه درة السلطان التي يضرب بها. وقال الخفاجي في شرح الشفا: الدرة بكسر الدال وتشديد الراء المهملتين: وهي سوط عريض يضرب به اهـ وقال أبو عبد الله جسوس على تصوف ابن عاشر: ذكر بعض شرّاح الرسالة أن عمر كان إذا جنّ

стр. 232

عليه الليل حاسب نفسه، وربما ضرب نفسه بالدرة قال: ولعلها عود في رأسه سوط اهـ؛ وكلام الفقهاء في باب الشرب صريح في المغايرة بينها وبين السوط: ففي المواق لدى قول خليل: والحدود بسوط من المدونة. ولا يجزي الضرب في الحدود بقضيب وشراك ولا درة، ولكن السوط، وإنما كانت درة عمر للأدب اهـ ونحوه للحطاب وغيره. وأغرب صاحب الفتح الرباني في عنق المعترض على القطب الجيلاني حيث قال: كان عمر كثيرا ما يؤدب الناس بالسوط المشهور بالدرة، وهو بكسر الدال: جلد مركب بعضه على بعض اهـ ومثله في الغرابة ما وجدته بخط الشيخ مصطفى بن محمد البناني المصري على هامش تأليفه: روضة الطالبين لأسماء الصحابة البدريين، ونصه: الدرة بكسر الدال وتشديد الراء؛ كانت من نعل رسول الله ﷺ ، وقيل أنه ما ضرب بها أحد على ذنب وعاد له فاعله اهـ. وقال الدسوقي في حواشيه على شرح الدردير على المختصر: الدرة سوط رفيع مجدول أي معتدل من الجلد اهـ ونحوه للصاوي في حواشيه على أقرب المسالك، وفيه أيضا أنها كانت من جلد مركب بعضه فوق بعض اهـ وهو بعيد عندي؛ لأنها تدخل إذ ذاك فيما في صحيح مسلم، ومسند أحمد عن أبي هريرة، رفعه: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس» . «١» وفي حديث آخر لمسلم: «إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنة الله، في أيديهم مثل أذناب البقر» . «٢» قال المناوي قوله: كأذناب البقر تسمى في ديار العرب بالمقاريع، جمع مقرعة وهو جلدة طرفها مشدودة وعرضها كالأصبع يضربون بها الناس اهـ ونحوه في روح البيان. أقول: اتخاذ عمر لها للإذن له في حملها، والضرب على حسب ما حدّ له، فلم يكن يصل في الضرب بها إلى حد ما أنذر به الشارع، وكما كانت الدرة لعمر كانت لعثمان أيضا، إلا أنها أشد من الدرة العمرية كما في أوائل السيوطي وغيره. وفي سراج الملوك للطرطوشي قال الحسن: رأيت عثمان بن عفان وقد جمع الحصباء في مسجد رسول الله ﷺ عند رأسه، وقد وضع أحد جانبي ردائه عليه، وهو يومئذ أمير المؤمنين، ما عنده أحد من الناس ودرته بين يديه اهـ وكان لسيدنا علي أيضا درة فقد أخرج عبد بن حميد في مسنده عن مطرف قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي: إرفع إزارك فإنه أنقى لثوبك، وأبقى له فمشيت خلفه، وهو بين يدي مؤتزر بإزار مرتد برداء، ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي فقلت من هذا؟ فقال لي رجل: هذا علي بن أبي

стр. 233

طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى الإبل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا، فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة، ثم أتى إلى أصحاب التمر، فإذا خادم يبكي فقال: ما يبكيك قال: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده على مولاي، فقال له علي: خذ تمرك وأعطه درهمه فإنه ليس له من الأمر شيء، فدفعه ... الحديث بطوله، فعلى هذا كانت الدرة للخلفاء الثلاثة، وقد رأيت من يطلق عليها درة السلطان يضرب بها. انظر ما سبق عن القاموس وشروحه. ثم وجدت في ابن سلطان على مسند أبي حنيفة: وصف السوط الذي ضرب به عمر في الحد أنه أتى بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا، فأتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشدّ من هذا فأتى بسوط بين سوطين، وفي رواية فدعا بسوط، ثم أمر به فدقت تمرته بين حجرين حتى صارت درة، ثم نقل القاري المذكور عن القاموس تعريف الدرة بما سبق عنه وقال عقبه: لا يخفي أنه تعريف قاصر اهـ وهو كذلك. باب في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح «في الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة، وفي الصحيح أيضا عن أنس: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال فجرت في سكك المدينة، وفي الصحيح أيضا عن زاهر الأسلمي قال إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى منادي النبي ﷺ إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر. وفي سنن أبي داود عن معاذ الجهني قال غزوت مع النبي ﷺ فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق فبعث المصطفى مناديا ينادي في الناس: إن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له «١» . وفي الإصابة روى ابن منده من طريق الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن رفاعة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أطوف في الناس. لا ينبذنّ أحد في المقيّر. وإسناده ضعيف. وترجم فيها أيضا لأوس بن الحدثان فذكر أن مسلما خرّج من طريق أبي الزبير، عن كعب بن مالك عن أبيه أن النبي ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان يناديان أيام التشريق: إن أيام منى أيام أكل وشرب «٢» . قال ابن منده هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وترجم فيها أيضا لبديل بن ورقاء الخزاعي فذكر أن أبا نعيم خرج عن أم الحارث بنت عياش بن أبي ربيعة أنها رأت بديل بن ورقاء يطوف على جمل أورق بمنى يقول: إن

стр. 234

رسول الله ﷺ : ينهاكم أن تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب. ورواه البغوي أيضا. وفي رواية لإبن السكن أن النبي ﷺ أمر بديلا فذكر نحوه. وترجم فيها أيضا لربيعة بن أمية بن خلف القرشي في القسم الرابع، فذكر عن ابن شاهين عن ربيعة المذكور قال: أمرني رسول الله ﷺ ، أن أقف تحت صدر راحلته، وهو واقف بالموقف بعرفة، وكان رجلا حييا فقال: يا ربيعة قل: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ يقول لكم: تدرون أي بلد هذا؟ الحديث. ولغيره أن المصطفى أمر أمية وهو الصواب. وقد وقع هكذا في الكلام على حجة الوداع من الفرائد قائلا بعد ذكر الخطبة: وكان الذي يصرخ في الناس بقوله ﷺ ، وهو على عرفة حينئذ ربيعة بن أمية بن خلف لكن قال بعد ذلك: وذكر أن الذي كان يصرخ بخطتبه ﵇ ربيعة بن أمية بن خلف لم أقف على ترجمته في كتاب الصحابة لأبي عمر اهـ. وترجم فيها أيضا لسجيج فذكر عن ابن شاهين: أنه ﵇ قال لعلي ومعاذ بن جبل وبديل بن ورقاء وسجيج أن: نادوا في الناس فانهوهم أن يصوموا أيام التشريق فإنها أيام أكل وشرب. باب في صاحب العسس بالمدينة وكان يسمى في المغرب قديما بالحاكم، وفي الأندلس بصاحب المدينة وفي تونس والقيروان بالعريف. واليوم بمقدمي الحارات، وفي خطط المقريزي: السلف كانوا يسمونها: الشرطة وبعضهم يقول: صاحب العسس. والعسس: الطواف بالليل لتتبع أهل الريب، يقول: عسّ يعس عسّا وعسسا اهـ. ذكر من ولي ذلك في زمن رسول الله ﷺ «خرّج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: سمر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: ليت رجلا يحرسنا الليلة، فبينما نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله ﷺ : ما جاء بك قال سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ ثم قال الترمذي: حسن صحيح، وكان المولّي ذلك في زمن أبي بكر عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وفي زمن عمر كان يتولى العسس بنفسه ويستصحب معه أسلم مولاه، وربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف» . وقد ذكر الخزاعي هنا أنه لم يجد نصا في متولى حراسة أبواب المدينة زمن الهرج في زمنه ﵇. «قال: لكنها نستخرج من حديث حراسة سعد. ثم نقل عن كشف مشكل الصحيحين لابن الجوزي في قصة ادّعاء طليحة بن خويلد للنبوة، وتواثب الناس فأمر أبو

стр. 235

بكر عليا بالقيام على نقب من أنقاب المدينة، وأمر الزبير بالقيام على نقب آخر، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر، وأمر عبد الله بن مسعود يعس ما وراء ذلك بالليل، ثم ترجم الخزاعي في الباب الخامس عشر في الرجل يكون ربيئة القوم (طليعة فوق شرف) في زمن الهرج وقال: هذا العمل كالعمل قبله في عدم النص في كونه في زمن النبي ﷺ ، ولكنه استخرج من حديث سعد الذي تقدم، ونقل أيضا أن أبا بكر أمر ابن مسعود في العسس بالليل والإرتباء بالنهار، والإرتباء الإرتفاع» . وغاب عن الخزاعي ﵀ ما جاء في الإصابة (ج ١، ص ٨٢) ففيها عن ذيل ابن فتحون، أنه ﵇ خلف بديل بن ورقاء في حرس المدينة هو وأوس بن ثابت وأوس بن عرابة ورافع بن خديج انظر الكلام على الحارس من القسم الخامس. وفي درر الفوائد المنظمة، في أخبار الحج ومكة المعظمة، للشمس محمد بن عبد القادر الأنصاري الحنبلي، لما تكلم على وظائف أمير المحمل الشريف: وذكر منها اتخاذ العسس الذين يطوفون ليلا مع الحجيج، يتعرفون الأخبار، ويمنعون ما عسى يقع من الشجار. قال: وأول من عسّ ليلا عبد الله بن مسعود، أمره على ذلك أبو بكر الصديق ﵁ اهـ. وفي الخطط للمقريزي: أول من عسّ ليلا عبد الله بن مسعود أمره أبو بكر الصديق بعس المدينة. خرّج أبو داود عن الأعمش عن زيد قال: أتي عبد الله بن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبد الله: إنا نهينا عن التجسس، لكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به، وكان عمر في خلافته يتولى العسس بنفسه، ومعه مولاه أسلم. وكان ربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف اهـ. [انظر كتاب الأدب باب ٨٨ ج ٥/ ٢٠٠] . وفي طبقات ابن سعد: عمر أول من اشتد على أهل الرّيب والتهم، وأحرق بيت رويشد الثقفي، وكان حانوتا وغرّب ربيعة بن أمية بن خلف إلى خيبر، وكان صاحب شراب. وهو أول من عس في عمله بالمدينة، وحمل الدرة وأدّب بها، ولقد قيل بعد: لدرة عمر أهيب من سيفكم اهـ (ج ٣ ص ٢٠٢ القسم ١) . [باب في السجن] في سجن الرجال «خرج أبو داود «١» عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة: وفي جامع الترمذي مثله، وقال حديث حسن، وفي الصحيح «٢» أنه قال بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، الحديث. وذكر ابن إسحاق خبر بني قريظة حين

стр. 236

نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فحبسهم بالمدينة في دار بنت الحرث، امرأة من الأنصار، ثم خرج رسول الله إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم أرسالا» [انظر سيرة ابن هشام ج ٢/ ٢٤٠] . قال الماوردي في الأحكام السلطانية؛ الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه ملازمته له، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: إلزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريده أن تفعل بأسيرك؟ وفي رواية ابن ماجه: ثم مرّ رسول الله ﷺ في آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟ وهذا كان هو الحبس على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر الصديق. ولم يكن له محبس معد ليحبس الخصوم. وتنازع العلماء هل يتخذ الإمام حبسا على قولين: فمن قال لا يتخذ حبسا احتج بأنه لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوضه «١» بمكان من الأمكنة أو يقيم عليه حافظا وهو الذي يسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته، ومن قال: له أن يتخذ حبسا احتج بفعل عمر. وأما الحبس الذي هو الآن فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير، في موضع يضيق عنهم غير متمكنين، من الوضوء والصلاة وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحر والصيف. وقال الإمام أبو عبد الله بن فرج مولى ابن الطلاع في كتاب الأقضية: اختلف أهل العلم هل سجن رسول الله ﷺ وأبو بكر أحدا قط أم لا؟ فذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ لم يكن له سجن ولا سجن أحدا قط، وذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ سجن في المدينة في تهمة. رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وذكر أبو داود عنه في مصنفه قال: حبس رسول الله ناسا من قومي في تهمة بدم، وبهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم، وأدخله البخاري في كتاب الوضوء فدل على أنه معروف. وفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلّى عنه. ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان، أن رسول الله ﷺ

стр. 237

سجن رجلا أعتق شريكا له في عبد، فأوجب عليه استتمام عتقه، وقال في الحديث: حتى باع غنما كانت له. وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبي ﷺ أنه حكم بالسجن والضرب. واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن بقول الله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥] وبقول النبي ﷺ في الذي أمسك رجلا لآخر حتى قتله: أقتلوا القاتل واصبروا الصابر. قال أبو عبيد قوله: واصبروا الصابر يعني: احبسوا الذي حبسه الموت حتى يموت اهـ وفي بدائع السلك للقاضي ابن الأزرق؛ نقلا عن ابن فرحون، عن ابن قيم الجوزية: إن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف، كان في بيت أو مسجد أو ملازمة الغريم له، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا. وفي سنن أبي داود عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: إلزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك «١» ؟ قال: وكان هذا هو السجن في زمنه ﵇، وزمن أبي بكر ﵁ اهـ. وفي اتحاف الرواة بمسلسل القضاة للإمام أحمد بن الشلبي الحنفي لدى ذكره أوليات علي: وأول من بني السجن في الإسلام، وكانت الخلفاء قبله يحبسون في الآبار اهـ. وفي شفاء الغليل للخفاجي: السجن لم يكن في زمن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان سجن، وكان يحبس في المسجد أو في الدهاليز حيث أمكن. فلما كان زمن علي أحدث السجن وكان أول من أحدثه في الإسلام وسماه نافعا، ولم يكن حصينا فانفلت الناس منه، فبنى آخر وسماه مخيسا بالخاء المعجمة والياء المشددة فتحا وكسرا وإنما ذكرته هنا لأن هذه الأسماء حدثت بعد العصر الأول اهـ. فالمحصل من كلامهم أن السجن بمعنى حبس الغريم غريمه مثلا، كان موجودا وأما اتخاذ محل معين بني لذلك خصيصا فلم يكن إلا في زمن عمر. تنبيه- ذكر الخزاعي هنا سجن عمر للحطيئة عن بهجة المجالس، لأبي عمر بن عبد البر، أن عليا بني سجنا بالكوفة ولم يستوعب ما يجب أن يذكر في الباب، فقد أخرج قصة سجن عمر للحطيئة الزبير بن بكار في الموفقيات وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني انظر الإمتاع للأدفوي ووقع في شرح الشواهد الكبرى للبدر محمود العيني: أن الزبرقان كان استعدى عليه عمر الخطاب وزعم أنه هجاه فلما أنشد عمر ﵁. واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

стр. 238

قال: ما أراه قال لك بأسا قال الزبرقان: سل ابن الفريعة يعني حسان بن ثابت الأنصاري، فإن لم يكن هجاني فلا سبيل عليه، فأرسل إلى حسان فسأله هل هجاه بقوله: واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قال قد هجاه فحبسه فقال: الحطيئة وهو محبوس: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر أنت الأمير الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهى البشر لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بها الخير قال العيني: وكانت السجون آبارا فأول من بنى السجن علي بن أبي طالب. ثم قال على قوله: في قعر مظلمة أي: بير مظلمة، وقد قلنا: إن السجون كانت آبارا اهـ منه ص ٥٢٥ من الجزء الرابع الذي بهامش خزانة الأدب. ولعل عمر كان يحبس في الآبار، قبل شراء الدار التي أعدها للسجن، فقد أخرج البيهقي من حديث نافع بن عبد الحارث، أنه اشترى من صفوان بن أمية دار السجن عمر بن الخطاب بأربعة آلاف، وعلقه البخاري. انظر تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، ونحوه في ترجمة نافع بن الحارث الخزاعي من تهذيب النووي، نقلا عن المهذب ونحوه للمقريزي في الخطط. وفي بدائع السلك لابن فرحون عن ابن القيم: بعد ما سبق عنه أنه لما اشتدت الرعية في زمن عمر، ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا وفيه دليل على جواز اتخاذه اهـ ملخصا. وقد كان السلطان أبو الأملاك المولى اسماعيل بن الشريف العلوي دفين مكناس سأل علماء فاس؛ القاضي بردلة والمسناوي وابن رحال وغيرهم من أول من أحدث السجن؟ وكيف كان الناس يسجنون في الآبار؟ وكيف الجمع بين ما ذكره السيوطي من أن أول من أحدث السجن علي وبين ما ذكره ابن فرحون، من أنه عمر لما اتسعت مملكته فأجاب الشيخ المسناوي بأن التعارض يدفع ما بين ابن فرحون والسيوطي بحمل كلام السيوطي على أن عليا أول من أحدث له مكانا مخصوصا، واتخذه بقصده في ابتداء «١» ، وما كان من عمر فإنه كان في تأني حال، وعارضا للدار المتخذة بالقصد الأول لغيره من السكنى ونحوها، وأما استكشال السجن في الآبار فإن المراد بها السراديب والمطامير، المتخذة تحت الأرض. وقد تكون من الإتساع بحيث تحمل المئين من الناس، لا سيما مصانع ملوك الأمم السالفة، فإنها كانت على قدر قواهم التي لا نسبة بينها وبين من جاء بعدهم. وتسمية ذلك بالآبار للشبه الصوري بالكون

стр. 239

تحت الأرض مع ضيق أبوابها ومداخلها، وقد تكون مع هذا متعددة ومتكثرة على قدر الحاجة إلخ انظر نوازل الشيخ المسناوي. تنبيه- قال القاضي ابن سعيد في التيسير في أحكام التسعير: من عرّض من الكتاب والشعراء بسبّ أحد أو هجوه سجن وأدّب. وقد فعل ذلك عمر بالحطيئة سجنه حين عرّض بالزبرقان بن بدر التميمي بقوله: اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي اهـ. سجن النساء «في كتب السيرة من خبر إسلام عدي بن حاتم، وفراره إلى الشام حين سمع بجيش رسول الله ﷺ ، وطىء بلادهم فخرج يتبعه خيل رسول الله ﷺ ، فأصابت بنت حاتم ممن أصابه فقدم بها في سبايا طيء، وقد بلغ رسول الله ﷺ أنه هرب إلى الشام، فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد، وكانت النساء تحتبس فيها» . هل كانوا يجرون على المساجين أرزاقا قال الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج: لم تزل الخلفاء تجري على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وإدامهم، وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب بالعراق، ثم فعله معاوية بالشام، ثم فعله الخلفاء بعده اهـ. وانظر ترجمة عمر بن عبد العزيز من طبقات ابن سعد، وفي خطط المقريزي قيل: أول من وضع السجن والحرس معاوية اهـ. [باب في التأديب] في التأديب بالضرب في كتاب الأقضية لابن الطلاع عن كتاب لابن شعبان عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلا قتل عبده متعمدا. فجلده النبي ﷺ مائة جلدة. ونفاه سنة وأمره أن يعتق رقبة، وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبي ﷺ أنه حكم بالسجن والضرب اهـ. وفي نور النبراس على قصة الإفك: اختلف في جلدهم على قولين، والذي يظهر أنه ﵇ جلدهم، وقد جزم البخاري في آخر تاريخه بذلك في باب: قوله الله تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] وقد روى أصحاب السنن الأربعة، من حديث عمرة عن عائشة: أنها لما نزل فيها أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم «١» . قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق. وقد جزم ابن عبد البر في الإستيعاب، في ترجمة مسطح بأنه جلد الحد. وفي ترجمة حمنة بأنها جلدت مع من جلد عند من

стр. 240

صحح جلدهم. وفي الطبراني عن عائشة عن عبد الله بن أبي جلد مائة وستين، قال عبد الله بن عمر: وهكذا يفعل في كل من قذف زوجة نبي اه. التأديب بالنفي نفي ﵇ الحكم بن أبي العاص إلى الطائف، لكونه حاكاه في مشيته، وفي بعض حركاته فسبه وطرده وقال له: كذلك فلتكن، فكان الحكم متخلجا يرتعش. وقد عير عبد الرحمن بن ثابت مروان بن الحكم بذلك فقال يهجوه: إن اللعين أبوه فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا يمشي خميص البطن من عمل التقى ... ويظل من عمل الخبيث بطينا قال ابن إبراهيم الوزير في الروض الباسم: ولم يخبر ﵇ أهل الطائف أنه يحرم عليهم مجاورة الحكم، ويجب عليهم نفيه. وهم مسلمون ممتثلون لأوامره اهـ وفي زمان سيدنا عثمان رده إلى المدينة قيل: بنص عنده في ذلك، وقيل: لأجل القرابة وبلوغ العقوبة حدّها. الأدب بالهجران في الصحيح أن في غزوة تبوك تخلف عنه ﷺ عن غير شك في الدين ولا ارتياب: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، لا يتهمون في إسلامهم، ثم لحقوا به ﵇ يعتذرون ويحلفون فصفح عنهم، ولم يعذرهم. وقال للصحابة: لا تكلمنّ أحدا من هؤلاء الثلاثة، يعني كعبا وصاحبيه. فبقوا خمسين ليلة، على ما هو مبسوط في السيرة، والصحيحين من حديث كعب «١» بطوله حتى تاب الله عليهم، وقد قاسوا من هجر المصطفى وأصحابه لهم ما أخبر عنه القرآن بقوله: ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة: ١٨] قوله تعالى: بما رحبت أي مع رحبها، أي سعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه قلقا وجزعا تمثل لحيرتهم في أمرهم، وضاقت عليهم أنفسهم، قلوبهم للغم والوحشة بتأخير توبتهم، فلا يسعها سرور ولا أنس. وفي حديث كعب: حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف وفي رواية: وتنكرت لنا الحيطان، حتى ما هي بالحيطان التي نعرف. وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء، حتى قد يجده في نفسه. وعند ابن عائد: حتى وجلوا أشد الوجل، وصاروا مثل الرهبان. وللبيهقي في الدلائل قال: كانوا عشرة رهط، تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري

стр. 241

المسجد، وكان ﵇ ممره إذا رجع في المسجد عليهم فقال: من هؤلاء؟ قال: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم، قال: أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو، فأنزل الله وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم، وعذرهم إلا أبا لبابة لم يرض أن يطلقه إلا النبي ﷺ بيده ففعل، ولما نزلت توبتهم نادى البشير كعبا فخر ساجدا لله، وقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وما شاه ولم يقم إليه أحد ممن كان في مجلس رسول الله ﷺ غيره، فقال له ﷺ أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك قال النووي: أي سوى يوم إسلامك، وإنما لم ينبه لأنه معلوم لا بد منه. وفي ترجمة حمزة بن عمر الأسلمي من طبقات ابن سعد، أن حمزة بن عمر هو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته وما نزل فيه من القرآن، فنزع كعب ثوبين كانا عليه فكساهما إيّاه قال كعب: والله ما كان لي غيرهما قال فاستعرت ثوبين من أبي قتادة. يؤخذ من هذه القصة الخلع على المبشر والمنشد، إذا أثر بإنشاده، قال القاضي ابن باديس: كنت بمكة في موسم سنة ٧٥٥ وكان هناك قاضي قضاة الديار المصرية، عز الدين بن عبد العزيز بن القاضي بدر الدين أبي عبد الله محمد بن جماعة، وشيخ القدس الشريف الحافظ صلاح الدين العلائي وجماعة من الفضلاء، فوقعت مسألة لبعض الشيوخ الساكنين بالحرم من المتصوفة نقل عنه قصيد يقول فيه: فيا ليلة فيها السعادة والمنى ... لقد صغرت في جنبها ليلة القدر فعقدوا عليه بذلك الشهادة، وأفتى بعض أهل الثغر ممن كان هناك بالتشديد عليه، حتى تجاوز بعضهم إلى ما هو أشد، فأراد قاضي القضاة الإيقاع بالقائل. قال لي الشيخ صلاح الدين: فلم أزل أخفض منه وألتمس وجوه السلامة وأقول للقاضي: لا أحب منك التعرض للمتصوفة، ولا المبادرة فيما لم يتحقق الأمر فيه، واستشهد بقول النبي ﷺ : أبشر بخير يوم مر عليك، ومعلوم أنه مرت عليه ليلة القدر، فجعل النبي ﷺ أنها خير ليلة مرت عليه، لأن الله تاب عليه فيها، فهذه إنما هي بالنسبة لكل شخص وهو مراد القائل اهـ. إنما استطردت هذه الفائدة هنا ليعلم مقدار تسامح المحدثين والحفاظ في القديم مع الصوفية، ونزوعهم إلى تدعيم شطحاتهم ومبالغتهم من السنة، قال ابن باديس: نهي النبي ﷺ الصحابة عن كلام كعب وصاحبيه دليل وجوب هجران من ظهرت معصيته، أو بدعته ومقاطعتهم، وعدم السلام عليهم إلى أن يقلعوا وتظهر توبتهم تحقيرا لهم وزجرا.

стр. 242

وقال الطبراني: حديث كعب أصل في هجران أهل المعاصي والفسوق والبدع، ألا ترى نهيه عن كلامهم لتخلفهم، ولم يكن ذلك كفرا ولا ارتدادا، وإنما كان معصية ارتكبوها فهجروا حتى تاب الله عليهم، ثم أمر بمراجعتهم فكذا كل من أذنب ذنبا خالف به أمر الله ورسوله مما لا تأويل له، وركب معصية علم منه أنها معصية أن يهجر غضبا لله ورسوله، ولا يكلم حتى يتوب توبة ظاهرة معلومة ولا يلزم هذا في المشركين فإن الإجماع منعقد على جواز مبايعتهم ومعاملتهم. ولا يهجرون. وذلك وقع من الرسول في هؤلاء وإن كانوا مقرين بالتوحيد والرسالة مع ارتكابهم معصية. وفي تشنيف المسامع على حديث: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث «١» قال ابن زرقون في شرح الموطأ: هذا مخصوص بحديث كعب بن مالك، وهو أصل في هجر أهل البدع، ومن أحدث في الدين ما لا يرضى، ومن خشي من مجالسته الضرر في الدين، أو في الدنيا، والزيادة في العداوة والبغضاء، فهجرته والبعد عنه خير من قربه، لأنه يحفظ عليك زلاتك ويماريك في صوابك، وربما صرم جميل خير من مخالطة مؤذية. وانظر الإحياء في كتاب العزلة فقد ذكر حديث: لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، قال: إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه وعليه ينزل قول الحسن: هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى، فإن ذلك يدوم إلى الموت، إذ الحماقة لا ينتظر علاجها. وقال ابن فرحون في التبصرة: قد عزّر النبي ﷺ بالهجر، وذلك في حق الثلاثة الذين خلفوا، وأمر عمر بن الخطاب بهجر صبيغ، الذي كان يسأل عن مشكلات القرآن، فكان لا يكلمه أحد اهـ. ولما ذكر أبو داود حديث تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله في ذلك اليوم، لكل امرىء لا يشرك بالله شيئا إلا امرآ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا قال: وإذا كانت الهجرة لله فليس شيء من هذا، فإن رسول الله ﷺ هجر بعض نسائه أربعين صباحا. وهجر ابن عمر ابنا له حتى مات اهـ. وقال النووي وردت الأحاديث بهجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنة اهـ وقال الزرقاني على الموطأ وأصله للسيوطي: وما زالت الصحابة والتابعون ومن بعدهم يهجرون من خالف السنة أو من دخل عليهم من كلامه مفسدة اه.

стр. 243

وفي الحطّاب عن التادلي أنه قال: ويجب أن لا يواصل من لم ترج مودته وائتلافه، وإن طلبك في المواصلة لأن فائدة المواصلة إنما هو تطييب القلوب، وأما من يظهر الود ويكتم البغض فيجب هجرانه اهـ وفي ألغاز ابن فرحون عن أبي بكر الوراق في جامع مختصره الكبير: أن الرجل إذا علم من إنسان أنه يستثقل سلامه فإنه يجوز له ترك السلام عليه، ولا يدخل في الهجرة المنهي عنها اهـ انظر كتاب الجامع من درة الغواص. عندي في مجموعة رسالة للحافظ السيوطي سماها: الزجر في الهجر، نحو كراسة ملأها نقلا وإسنادا فيما يرجع للتهاجر في الله، وفي هجر أهل البدع في الأعمال، أو الأقوال أو الإعتقاد من الصحابة، والتابعين فمن بعدهم، صدّرها بقصة كعب وأصحابه وقال فيها؛ جمع بعضهم أسماء من كان يزجر بالهجر من الصحابة فذكر منهم: عائشة وحفصة وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. انظرها وقف على صدر جواهر العقدين في فضل الشرفين للسيد السمهودي ترعجبا لكن قال الشيخ جسوس لدى كلامه على هجران المبتدع: إذا كان لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته لكن يخاف منه إذا هجره وترك مخالطته كان له مخالطته. باب في معاملته ﷺ للمستحق بالتعبيس ونحوه في الموطأ وغيرها عن هشام بن عروة عن أبيه موقوفا، ووصله الترمذي من طريق سعد بن يحيى الأموي، عن أبيه عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت أنزلت «عبس وتولّى» في عبد الله بن أم مكتوم، جاء إلى رسول الله ﷺ يقول: يا محمد أرشدني وعنده رجل من عظاماء المشركين، في مسند أبي يعلى، أنه أبي بن خلف، وفي تفسير ابن جرير أنه كان يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، فجعل النبي ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول: لا والدماء لا أرى بما تقول بأسا فأنزلت: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) «١» . قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره في سورة عبس: الظاهر أنه كان ﷺ مأذونا له أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة، وكيف لا يكون ذلك، وهو إنما بعث ليؤدبهم ويعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان ذلك كذلك، كان التعبيس داخلا في تأديب أصحابه فكيف وقعت المعاتبة؟ أي في قوله تعالى: (عبس وتولى أن جاءه

стр. 244

الأعمى) قال: والجواب: أنه ﷺ كان مأذونا له في تأديب أصحابه، لكن هاهنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وكان ذلك يوهم ترجيح الدنيا على الدين فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة اهـ. «لطيفة» قال الصلاح الصفدي إثره في نكت الهميان: ليس هذا مما فيه إيهام تقديم الدنيا على الدين لأن أولئك الكفار؛ لو أسلموا لأسلم بإسلامهم جمع عظيم من أشياعهم وأزواجهم ومن يقول بقولهم، ولهذا المعنى رغب ﷺ في إسلامهم، وطمع فيها وذلك غاية في الدين اهـ «١» . وقد أخرج أبو يعلى عن أنس: فكان النبي ﷺ بعد ذلك يكرم ابن أم مكتوم بعد نزول هذه الآية زاد غيره كما في نكت الهميان للصلاح الصفدي، ويقول ﷺ إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين. قلت: بل في شرح منظومة الآداب للسفاريني نقلا عن الخطابي في باب: الضرير يولى في كتاب الإمارة، أن النبي ﷺ كان يقوم لإبن أم مكتوم كلما أقبل، ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. قال وذكره جماعة من غير الخطابي بغير لفظ القيام؛ انظر ص ٢٧٩ من الجزء الأول. «نكتة» أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان يقال لو أن رسول الله ﷺ كتم من الوحي شيئا كتم هذا عن نفسه. «نكتة أخرى» في كتاب السماع من الإحياء، لدى الكلام على قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان: ٦] لو قرىء القرآن ليضل به عن سبيل الله كان حراما، كما حكي عن بعض المنافقين، أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا سورة عبس؛ لما فيها من العتاب مع رسول الله ﷺ ، فهمّ عمر بقتله، ورأى فعله حراما لما فيه من الإضلال اهـ منها ص ٥١٧ ج ٦ من شرحها طبع مصر. وفي المجاجي على مختصر ابن أبي جمرة نقلا عن ابن فرحون: لا يجوز للإمام أن يداوم على قراءة سورة معينة، ويقصد بذلك إضلال الناس كقراءة سورة عبس، وآية الجهاد ونحوها اهـ منه وانظر ألغاز ابن فرحون. «نكتة» وقد كان الشيخ الوالد ﵀ عاتب مرة بعض مريديه في وجهه فعرض له بأن المصطفى كان لا يواجه أحدا بما يكره في وجهه، ولكن كان يقول: ما بال أقوام فأجبته بقول المصطفى لأبي ذر، كما في الصحيح: فيك خصلة من خصال الجاهلية، وتعبيسه ﵇ في وجه ابن أم مكتوم، هذا وجماع القول في الباب أنه ﵇ كان

стр. 245

يختلف حاله باختلاف الناس بين راسخ الود ثابت الإعتقاد، وبين غيره من المذبذبين فكان يخاطب كل واحد على حسب منزلته وإيمانه والله أعلم. باب في قتله ﵇ بيده قتل ﵇ بيده الكريمة أبي بن خلف، في غزوة أحد. وذلك أنه ﵇، تناول الحربة من يد الحرث بن الصمة فأخذها ﵇ وانتفض بها انتفاضة، تطاير منها من حضر تطاير الشّعراء (ذباب صغير له لدغ) عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله ﵇ فطعنه طعنة في عنقه، وقع بها عن فرسه، فكسر ضلعا من إضلاعه فمات بسرف. وذكر الحافظ البابلي في سيرته: أنه ﵇ لم يقتل بيده إلا هذا، وأصله لابن تيمية، كما نقله الزرقاني على المواهب في مواضع. انظر ص ٥٦ من الجزء الأول، وص ٥٤ من الجزء الثاني أيضا وص ٣٠٤ من ج ٤. وفي مفاتيح العلوم، للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف، الكاتب الخوارزمي، لما تكلم على الحربة التي أهدى النجاشي إلى النبي ﷺ قال: وكانت تقدم بين يديه إذا خرج إلى المصلى يوم العيد. قال: وهي الحربة التي قتل بها النبي ﷺ أبي بن خلف بيده يوم أحد، وتسمى العنزة أيضا، فأفاد أن الحربة الحبشية هي التي قتل بها ﵇. باب في تعذيبه ﵇ بالإحراق والهدم ومن بعثه لذلك روى ابن هشام «١» عن عبد الله بن حاتم عن أبيه قال: بلغ رسول الله ﷺ ، أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عن تبوك، فبعث ﷺ طلحة بن عبيد الله، في نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل، واقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا. وفي غزوة تبوك جاءه ﵇ خبر مسجد الضرار من السماء، فدعا مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي العجلاني، فقال: انطلق إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدمه وأحرقه، فخرجا فحرقاه وهدماه، وفي رواية: فدعا مالكا ومعنا وأخاه، زاد البغوي: وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة، وزاد في التجريد: سويد بن عباس الأنصاري، فقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه. قال الزرقاني في شرح المواهب: فيحتمل أنه أرسلهما أولا وخاطبهما بلفظ التثنية، وعززهما بالأربعة، وخاطبهم بالجمع،

стр. 246

فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، فخرجا قال ابن إسحاق: أتيا بني سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلاه، وفيه أهله فحرقاه وهدماه، وفي رواية: فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم فأخذ مالك سعفا وأشعله، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوه بين المغرب والعشاء، وفيه أهله فحرقوه وهدموه حتى وضعوه في الأرض. وتفرق عنه أصحابه. وراجع ما سيأتي في القسم التاسع لدى الكلام على البناء وصناعته. وفي الصحيح «١» أن المصطفى ﵇ أمر بقطع نخل بني النضير، وقال الإمام أبو عبد الله بن غازي، في تكميل التقييد على قول المدونة، وقد قطع النبي ﷺ نخل بني النضير، وأحرق قراهم. روى ابن وهب أن النبي ﷺ قطع نخل بني النضير وهي البويرة (اسم موضع) وفيها يقول حسان: وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير وليس في الأمهات شعر إلا هذا البيت، ولهذا قال الشيخ أبو الفضل ابن النحوي. أصحبت فيمن له دين بلا أدب ... ومن له أدب عار عن الدين أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا ... كبيت حسان في ديوان سحنون باب في معاملته ﵇ المستحق بسمل الأعين والإلقاء في الحرة وقطع الأيدي والأرجل ونحو ذلك قصة العرنيين مشهورة خرجها البخاري في مواضع، ولنسقها من باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها عن أنس قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، أي استوخموها فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ ، وساقوا الغنم. فجاء الخبر في أول النهار، فقمنا في آثارهم فلما ارتفع النهار، جيء بهم فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرّة (أرض ذات حجاة سود) يستسقون فلا يسقون زاد فيه الأوزاعي: حتى ماتوا. وعند ابن أبي عوانة من رواية عقيل عن أنس فيه: فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين، فإن كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزعة، وقال جماعة منهم ابن الجوزي: إن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص، وفي الصحيح قال: أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله.

стр. 247

وخرج مسلم «١» عن أنس قال: إنما سمل النبي ﷺ أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء، وإلى هذه الرواية أشار البخاري في كتاب الجهاد بتبويبه باب: إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق، وقيل: السبب في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء، من الجوع والوخم، لأن المصطفى دعا بالعطش على من عطّش آل بيته، في قصة رواها النسائي فيحتمل أن يكون في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي ﷺ من لقاحه، في كل ليلة كما ذكر ذلك ابن سعد، قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وروى الطبراني والبارودي وابن عدي وغيرهم، من طريق زيد بن الحريش عن عبيد الله بن عمر عن أيوب وعن نافع عن ابن عمر قال: أتي النبي ﷺ بسارق فقطعه، وكان غريبا في شدة البرد، فقام رجل يقال له فاتك، فضرب عليه خيمة، وأوقد له نويرة، فخرج النبي ﷺ فأخبر بذلك فقال: اللهم اغفر لفاتك كما اوى عبدك هذا المصاب. تنبيه: في شرحي الشفا للخفاجي وابن عبد السلام بناني الفاسي: سئل العتبي عن قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة: ٤٤] وقوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥] أي مناسبة بين ذلك وبين الحديد، وما هو إلا كما يجمع بين الضب والنون، فأجاب بأن ملك الملوك سبحانه أرسل رسوله لإجراء أوامره ونواهيه بين عباده، وهما قسمان عقلاء ذوو بصيرة، وإرشادهم بالكتب الإلهية وما حوته من الأدلة القطعية، وجهلة وتسخيرهم بالقهر والإرهاب بالسيف والسنان، فصار المعنى أرسلناهم لضبط العامة والخاصة وأي مناسبة أتم من هذه اهـ. باب في الرجل يجعل على الأساري ترجم في الإصابة أسلم بن بجرة «٢» الأنصاري، فذكر أنه خرج الطبراني في الصغير من طريق الزبير بن بكار عن عبد الله بن عمرو الفهري عن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم الأنصاري قال: جعلني النبي ﷺ على أسارى بني قريظة الحديث. وترجم فيها أيضا لبديل بن ورقاء «٣» فذكر أن البخاري خرج في تاريخه، عن ابن بديل بن ورقاء عن أبيه أن النبي ﷺ : أمره بحبس السبايا والأموال بالجعرانة، حتى يقدم عليه ففعل وقال إنه حديث حسن انظر ص ١٤١ من الجزء الأول. وترجم فيها أيضا لمسلم بن أسلم بن بجرة الأنصاري الخزرجي فذكر أن ابن أبي عاصم خرج عنه أن النبي ﷺ جعله

стр. 248

على أسارى بني قريظة، ينظر إلى فرج الغلام فإذا رآه أنبت ضرب عنقه. وقد أخرجه الطبراني عن أحمد بن المعلى عن هشام. وفي طبقات ابن سعد أن المصطفى ﵇ أمر بأسارى المريسيع فكتفوا وجعلوا ناحية واستعمل بريدة بن الخصيب عليهم، وفيها في ترجمة شقران مولى رسول الله أنه ﵇ استعمله على جميع ما وجد في رحال أهل المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء وجيمع الذرية ناحية. باب في المقيمين للحدود ومن كان يتولى ذلك (في عهد رسول الله ﷺ «قال ابن العربي في الأحكام: الحدود على قسمين الأول إيجابها وذلك للقضاة، وتناول إستيفائها: وقد جعله النبي ﷺ لقوم منهم علي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلمة» . باب في الرجل يجعل لقطع الأشجار في الغزو في ترجمة عبد الغني بن كعب المزني من الإصابة، أنه ﵇ استعمل أبا ليلى المزني، وعبد الله بن سلام على قطع نخل بني النضير.

стр. 249

القسم الخامس في ذكر العمليات الحربية وما يتشعب عنها وما يتصل بها وفيها أبواب

стр. 250

العمليات الحربية باب في الإمارة على الجهاد وفيه فصول فصل في مخرج النبي ﷺ بنفسه وكم غزوة غزاها «قال في الإستيعاب: أكثر ما قيل في ذلك أن غزواته بنفسه كانت ستة وعشرين غزوة، وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين غزوة بدر الكبرى، حيث قتل صناديد قريش، وظهر دينه من يومئذ» . قلت: هاهنا نكتة لطيفة: لشاعر مصر أحمد بك شوقي في سيرته: قالوا غزوت ورسل الله ما بعثت ... لقتل نفس ولا جاءت لسفك دم جهل وتضليل أحلام وسفسفة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم لما أتى لك عفوا كل ذي حسب ... تكفل السيف بالجهال والعمم والشر إن تلقه بالخير ضقت به ... والشران تلقه بالسيف ينحسم علمتهم كل شيء يجهلون به ... حتى القتال وما فيه من الذمم فصل في بعثه ﷺ عليه وسلم الأمراء للغزو وفيه عدد بعوثه ﷺ وسراياه «قال أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب: كانت بعوثه ﷺ وسراياه خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية اهـ وقال غيره: بلغت ستا وخمسين كما ذكر الحافظ الدمياطي، وقيل ثمانية وأربعين، وقيل سبعا وأربعين. وقيل: ستا وثلاثين» .! باب في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره «كان يستخلف المصطفى ﷺ في كل غزواته، وآخرها غزوة تبوك استخلف محمد بن مسلمة الأنصاري» . وفي الإصابة نقلا عن ابن عبد البر، وجماعة من أهل العلم بالنسب والسير: أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة، حتى في تبوك وخروجه لحجة الوداع وفي خروجه إلى بدر، ثم استخلف أبا لبابة لما رده من الطريق اهـ وفيها أيضا في ترجمة جعال
следующие страницы →